Полный текст (682 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
غيره، يخرج عنه ما ليس كذلك، فإن حقيقة المبالغة الزيادة لا محالة وقوله وصفا من الأوصاف، عام فى المدح والذم، والحمد، والشكر وسائر الأوصاف التى يمكن فيها الزيادة وقوله إما على جهة الإمكان، أو التعذر، أو الاستحالة، يشمل أنواع المبالغة، لأن ما ذكرناه يقال له مبالغة إذا كان يصح وقوعه، أو يكون متعذرا مع إمكانه، أو مستحيلا لا يمكن وقوعه فكله معدود فى المبالغة، فإذا عرفت هذا فلنذكر مذاهب الناس فيها، ثم نذكر طرقها، ثم نردفه بذكر أنواعها فهذه فوائد ثلاث نفصلها بمعونة الله تعالى.
الفائدة الأولى فى ذكر مذاهب الناس فيها
اعلم أن لعلماء البيان فى المبالغة مذاهب ثلاثة فى كيفية مدخلها فى الكلام وإفادتها لما تفيده، وهل تعد من فنون علم البديع أم لا:
المذهب الأول أنها غير معدودة من محاسن الكلام ،
ولا من جملة فضائله، وحجتهم على هذا هو أن خير الكلام ما خرج مخرج الحق وجاء على منهاج الصدق من غير إفراط ولا تفريط، والمبالغة لا تخلو عن ذلك كما جاء فى أشعار المتأخرين من الإغراق والغلو، وجه آخر وهو أن المبالغة لا يكاد يستعملها إلا من عجز عن استعمال المألوف والاختراع الجارى على الأساليب المعهودة، فلا جرم عمد إلى المبالغة ليسد خلل بلادته بما يظهر فيه من التهويل ولهذا تراها مخرجة للكلام إلى حد الاستحالة، فهذا تقرير كلام من منع المبالغة.
المذهب الثانى على عكس هذا وهو أن المبالغة من أجل المقاصد فى الفصاحة ،
وأعظمها فى البراعة، ومن أجلها نشأت المحاسن فى المعانى الشعرية، وحجتهم على هذا أن خير الشعر أكذبه، وأفضل الكلام ما بولغ فيه، ولهذا فإنك ترى الكلام إذا خلا عنها وبعد عن استعمالها كان ركيكا نازلا قدره، ومتى خلط بها ظهرت فصاحته وراق رونقه وحسن بهاؤه وبريقه، فهذا تقرير مقالة من قبلها واستعملها.
المذهب الثالث مذهب من توسط، وهو أن المبالغة فن من فنون الكلام ونوع من محاسنه ،
ولا شك أن
стр. 492
للكلام بها فضل بهاء وجودة رونق وصفاء لا يخفى على من كان له أدنى ذوق، ولكن ليس على جهة الإطلاق، فإن الصدق فضله لا يجحد، وحسنه لا ينكر، فمهما كانت المبالغة جارية على جهة الاعتدال بالصدق فهى حسنة جميلة، ومهما كانت جارية على جهة الغلو والإغراق فهى مذمومة، فهذه مذاهب المتكلمين فى حكم المبالغة قد حصرناها وضبطناها ليتضح الحق ويظهر أمره، والمختار عندنا وعليه تعويل أهل التحقيق من علماء البيان تقرير نشير إلى مباديه، ونرمز إلى أسراره ومعانيه، فنقول أما من عاب المبالغة فقد أخطأ، فإن المبالغة فضيلة عظيمة لا يمكن دفعها ولولا أنها فى أعلى مراتب علم البيان لما جاء القرآن ملاحظا لها فى أكثر أحواله، وجاءت فيه على وجوه مختلفة لا يمكن حصرها، فقد أخطأ من عابها على الإطلاق، وأما من استجادها على الإطلاق فغير مصيب على الإطلاق أيضا لأن منها ما يخرج عن الحد فيعظم فيه الغلو والإغراق فيكون مذموما كما سيحكى عن أقوام أغرقوا فيها وتجاوزوا الحد بحيث لا يمكن تصور ما قالوه على حال قرب ولا بعد، لكن خير الأمور أوساطها، فما كان من الكلام جاريا على حد الاستقامة من غير إفراط ولا تفريط فهو الحسن لا مراء فيه، فيكون فيه نوع من المبالغة من غير خروج ولا تجاوز حد، وأحسن بيت ما قاله زهير وهو من بدائع حكمه الشعرية:
ومهما تكن عند امرىء من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم «١»
فما هذا حاله من أعجب الأبيات وأصدقها حكمة، وأدخلها فى معرفة أخلاق الناس، ومن ذلك ما قاله حسان بن ثابت فى حسن الصدق:
وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا
فإنّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا «٢»
ومن أجل الإخلال بالمبالغة ومراعاتها عيب على حسان فى قوله:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
«٣» فعيب عليه قوله الجفنات، وهو جمع قلّة، وليس هذا من مواضع القلة، وكان الأحسن فيه الجفان وقوله «الغر» والغر إنما تستعمل فى مدح الشىء بالوضوح، وليس هذا من
стр. 493
مواضعه، وكان الأحسن «يمرعن» من كثرة الدهن وقوله يلمعن بالضحى، فإن كل شىء يلمع عند طلوع الشمس عليه، وكان الأفصح فيه، يلمعن فى سواد الليل من كثرة الأصباغ، وقوله وأسيافنا جمع قلة، وهذا ليس من مواضعه وكان الأفصح ذكر جمع الكثرة كالسيوف، وقوله «يقطرن» لأن القطرة قليلة حقيرة وكان الأفصح «يسلن» عوض يقطرن، فعرفت بما ذكرناه أن الكلام متى عرى عن استعمال المبالغة كان مذموما نازل القدر، فينحل من مجموع ما ذكرنا هاهنا معرفة ما يقبل فى المبالغة وما يردّ، وما يكون محمودا أو مذموما بما قررناه والله أعلم بالصواب.
الفائدة الثانية فى ذكر طرق المبالغة
اعلم أن المبالغة إذا كانت مستعملة فى الكلام مكسبة له رونقا وحلاوة، فلا بد فيها من طريق يوصل إليها، وجملة ما يذكر من ذلك طرق ثلاث:
الطريق الأولى أن يستعمل اللفظ فى غير ما وضع له فى الأصل
إما على جهة الاستعارة، أو الكناية، أو التمثيل، على ما سبق تقريره فى الأنواع المجازية، فإنه إنما استعمل فيها على تلك الأوجه من أجل المبالغة فى معناها، فإن قولنا مررت بالرجل الأسد يخالف قولنا مررت بالرجل الشجاع البالغ فى الشجاعة كل مبلغ، وما ذاك إلا لما فيه من المبالغة بكونه مجازا، وكما قال بعض الشعراء فى وصف القرطاس:
ويرى الصحيفة حلبة وجيادها ... أقلامه وصريرهنّ صهيلا
وكقول المتنبى:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا «١»
إلى غير ذلك من رقيق الاستعارة وبديعها.
الطريق الثانية أن ترادف الصفات
وتكون متكررة لإعظام حال الموصوف ورفع شأنه، ومن أجل
стр. 494
قصد التهويل فى المعنى المقصود وإشادة أمره من مدح أو ذم كقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ
[النور: ٣٥] فانظر إلى تعديد هذه الجمل ومجيئها من غير حرف عطف، كيف أفادت المبالغة فى حال الموصوف، وأشادت من قدره ورفعت من حاله، وأبانت المقصود على أحسن هيئة، وكقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
[النور: ٤٠] فتأمل هذه الأوصاف فى نعت النور والظلمة، كيف أصابت المجزّ، وطبّقت المفصل فى تحصيل المقصود وإظهار المبالغة فيه كما ترى.
الطريق الثالثة إتمام الكلام بما يوجب حصول المبالغة فيه وإكماله به
وهذا كقول من قال يمدح نفسه وقومه:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث كانا «١»
فإنه لم يكتف بما صدّره فى أول البيت من مقدار ما هو عليه وقومه من الإحسان إلى الجار والقيام بحقه وبذل الجهد فى المعروف إليه، حتى شفعه بقوله «ونتبعه الكرامة حيث كانا» مشتملا على زيادتين، الزيادة الأولى لحوق الكرامة له من الإتحاف والإلطاف وكثرة الإحسان والتبجيل والتعظيم، والزيادة الثانية قوله «حيث كانا» وأراد به حيث يسير من سائر الجهات من برّ أو بحر أو سهل أو جبل، فحصول هاتين الزيادتين قد اشتمل على المبالغة فيما ذكرناه، وكقول أبى تمام فى صفة الفرس ومدحه بصبره وتجلده على الجرى:
وأصرع أىّ الوحش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب»
فلما مدحه بأنه يلحق كل وحش عليه ولم يستثن شيئا من ذلك عقبه بأعظم منه مدحا وأكثر مبالغة بقوله «وأنزل عنه مثله حين أركب» فى جموم جريه وكثرة نشاطه، أو أنه لا يعرق مع كثرة جريه لمزيد القوة وشدة صلابته.
стр. 495
الفائدة الثالثة فى ذكر أنواع المبالغة
اعلم أن المبالغة ترجع حقيقة أمرها إلى دعوى المتكلم للوصف اشتدادا فيما سيق من أجله على مقدار فوق ما يسلّمه العقل ويستقر به، ثم ذلك المقدار فى نفسه إما أن يكون ممكنا أو غير ممكن، والممكن إما أن يكون واقعا أو غير واقع، فدعوى كون الوصف على مقدار مستبعد يصح وقوعه عادة، يسمى مبالغة، ودعوى كون الوصف على مقدار ممكن يمتنع وقوعه عادة، يسمى إغراقا، ودعوى كون الوصف على مقدار غير ممكن يسمى غلوّا، فهذه ضروب ثلاثة نذكر ما يتوجه فى كل واحد منها بمعونة الله تعالى.
الضرب الأول منها ما يستبعد فى العقل، لكن وقوعه صحيح وهو المبالغة ،
ومثاله قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: ٢٤] وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل: ١١٢] فما هذا حاله معدود فى المبالغة، ولو قال عوض هذه المقالة تواضع لوالديك وللمؤمنين لرأيته خاليا عن ديباج البلاغة وعاريا عن ثوبها وكقول زهير:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلّا صورة اللحم والدّم «١»
فلقد بالغ فيما قاله حتى جعل حقيقة الإنسان إنما تكون بلسانه وقلبه، وبهما يحصل تمييزه عن سائر الحيوانات، ولو قال عوض هذا الكلام، تميّز الإنسان عن أصناف الحيوان هو بقلبه ولسانه لعزل البلاغة عن سلطانها، وأزالها عن رفيع محلها ومكانها، وكقول ابن دريد:
والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنا
فانظر إلى مبالغته فيما ذكره من جعله ألفا من الناس كالواحد فى الإغناء وأنهم مع كثرتهم بمنزلة واحد من الخلق، وأن الواحد بمنزلة الألف فى كونه كافيا عنهم، كل ذلك مبالغة فى مدح الواحد من الناس لما كان مغنيا عن الكثير لجمعه للأوصاف الجميلة والمحامد الحسنة، وفى ذمه للكثير من الناس حيث كانوا فى الإغناء لا يسدون مسد واحد وإن كانوا عدة كثيرة، فهذه الأمثلة كلها دالة على المبالغة من غير إغراق ولا غلو، وهو المحمود فى المبالغة كما مر بيانه.
стр. 496
الضرب الثانى ما كان ممكن الوقوع لكنه ممتنع وقوعه فى العادة وهو الإغراق
ثم هو على وجهين الوجه الأول منهما وهو أعجبهما وأدخلهما فى العقول وصحة الإصغاء إليه، وهو كل ما يقترن به كاد، ولو، ولولا، وحرف التشبيه وهو «كأن» فمتى اقترنت به أحد هذه الأمور ازداد حسنه وظهر إعجابه وهذا كقول امرىء القيس:
من القاصرات الطّرف لو دبّ محول ... من النّمل فوق الإتب منها لأثّرا «١»
أراد وصفها فى رقتها ونعومة جسمها بما ذكره، فلفظة «لو» قد قرّبت الدعوى وجعلتها بحيث يمكن السامع سماعها، ومن ذلك ما قاله المتنبى:
كفى بجسمى نحولا أننى رجل ... لولا مخاطبتى إيّاك لم ترنى «٢»
ومن ذلك ما قاله الفرزدق يمدح به زين العابدين علىّ بن الحسين ﵇:
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم «٣»
فهذه الكلمات أعنى كاد، ولو، ولولا، قد أكسبته جمالا، وزادته رقه وكمالا، والوجه الثانى أن يأتى مجردا مما ذكرناه، وهذا يرد كثيرا كقول ابن المعتز:
ملك تراه احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والصفوف قيام «٤»
فوصفه بطول قامته على هذه الحالة، ومن ذلك ما قاله امرؤ القيس فى وصف النار:
تنوّرتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال «٥»
فإنه وإن امتنع من جهة العادة إدراك نار من مثل هذه المسافة لكنه ممكن عقلا، إذ لا يمتنع خلو هذه المسافة عن كل حائل من جبل وغيره فيمكن إدراكها، فما كان يمتنع عادة مع كونه ممكنا عقلا فهو الإغراق كما قررناه.
الضرب الثالث ما كان ممتنعا وقوعه وهو الغلو
ويكاد المفلقون فى الشعر يستعملونه فى مدحهم وهجوهم، ثم هو على وجهين،
стр. 497
الوجه الأول منهما أن يقترن به ما يقرّبه إلى الإمكان ،
وهذا كقول من قال يصف فرسا له بسرعة جرى:
ويكاد يخرج سرعة من ظلّه ... لو كان يرغب فى فراق رفيق «١»
أراد أنه يقرب أن يفارق ظله عند جريه، وما يمنعه عن المفارقة إلا أن ظله رفيق له، ومن شيمه أن لا يفارق حميمه ورفيقه، ومنه قول مهلهل:
فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
وكان بين حجر ومكان الوقعة مسيرة عشرة أيام، وأحسن من هذا قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ
[النور: ٣٥] ومن أرق ما قيل فى هذا ما قاله النابغة فى وصف السيوف من شدة قطعها قال:
تقدّ السّلوقىّ المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصفّاح نار الحباحب «٢»
أراد أنهن يقطعن الدروع ثم من بعد قطعها تقدح النار فى الحجارة من شدة وقعها، فهذا مما يقرّب.
الوجه الثانى مالا يقترن به ما يسوّغ قبوله
فيكون مردودا وهذا كقول النمر بن تولب يصف سيفه:
يكاد يحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذّراعين والساقين والهادى «٣»
يريد أنه يغيب فى الأرض بعد قطعه لهذه الأشياء، ومن ذلك ما قاله المتنبى:
أو كان صادف رأس عاذر سيفه ... فى يوم معركة لأعيا عيسى «٤»
ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء يغلو فيه:
كأنى دحوت الأرض من خبرتى بها ... كأنّى بنى الإسكندر السّدّ من عزمى «٥»
فشبه نفسه أولا بالخالق ﷻ فى دحوه الأرض ثم انحط منه إلى ما شبه نفسه بالإسكندر، فهذا ما أردنا ذكره فى المبالغة والله أعلم.
стр. 498
الصنف السادس عشر فى الإيغال
الإيغال فى أصل اللغة هو سرعة السير، ويستعمل فى المبالغة فى الشىء، يقال فلان يوغل فى نظره وفى قراءته أى يبالغ فيهما وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن الإتيان فى مقطع البيت وعجزه أو فى الفقرة الواحدة بنعت لما قبله مفيد للتأكيد والزيادة فيه ومثاله قول الخنساء:
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم فى رأسه نار «١»
فقولها فى «رأسه نار» ، من الإيغال الحسن لأنها لم تكتف بكونه جبلا عاليا مشهورا، بل زادت لكثرة إيغالها فى مدحه وشهرته بقولها «فى رأسه نار» لما فيه من زيادة الظهور والانكشاف، لأن الجبل ظاهر فكيف به إذا كان فى رأسه نار، والنار ظاهرة فكيف حالها إذا كانت فى رأس جبل، ومن ذلك ما قاله امرؤ القيس يصف نفسه بكثرة الصيد:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذى لم يثقّب «٢»
فقد حصل الغرض بقوله «عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع» ، ولكنه منقوص لكونه مطلقا فلم يفد هناك مبالغة وإيغالا فى التشبيه، فلما أردفه بقوله «لم يثقب» تأكد التشبيه وظهر رونقه. ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
حملت ردينيا كأنّ سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان «٣»
فقوله سنا لهب، ليس فيه قوة للتشبيه لما كان مطلقا، فلما قيده بقوله لم يتصل بدخان، كان موغلا فى التشبيه لإكماله بما ذكره من التقييد فحصل الإيغال بقوله لم يتصل بدخان وتمت به المبالغة وجاء على صفة الإعجاب وحاز الطرافة مع حسن التأليف.
стр. 499
الصنف السابع عشر فى التفريع
وهو تفعيل من قولك فرّعت هذا إذا قررته على أصله، ومنه فروع الشجرة، لأنها ثابتة على أصولها، وكل ما كان مبنيا على غيره فهو فرع له، وأما مفهومه فى مصطلح علماء البلاغة فهو عبارة عن إتيانك بقاعدة تكون أصلا ومقدمة لما تريده من المدح أو الذم ثم تأتى بعد ذلك بتفصيل المديح وتعيّنه بعد إجمالك له أولا، فالكلام الأول يؤتى به على جهة المقدمة، وبالآخر على جهة الإكمال والتتميم والتفريع لما أصلته من قبل، ثم يكون على وجهين، الوجه الأول منهما أن يصدر الكلام الأول بحرف النفى وهو «ما» وتجعله أصلا لما تريد ذكره من بعده، ثم تأتى بعد ذلك بأفعل التفضيل وهذا كقول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... غنّاء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزّر بعميم النّبت مكتهل
يوما بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل «١»
فمجيئه «بما» فى أول الكلام «وبأفعل» فى آخره هو كمال التفريع، وكقول أبى تمام:
ما ربع ميّة معمورا يطوف به ... غيلان أبهى ربى من ربعها الخرب
ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظرى من خدّها التّرب «٢»
ولأمير المؤمنين المنصور بالله فى هذا ما يروق الناظر حيث قال مثنيا على امرأته متعة بنت ابن عمران اليامى:
وما شادن بالرمل يرعى وربما ... أشاح حذارا عند جرس العواصف
وما غصن بان نطّق الرمل حقوه ... بأحسن من بيض الملا والملاحف
وما بيضة بات الظّليم يحفها ... وما لحنها من رقّة المترادف
وما دمية من زخرف فى رخامة ... يشابه متناها متون الصّحائف
وما بدرتمّ بعد عشر وأربع ... تردّى من الهالات خضر المطارف
وما عسجدىّ برمكىّ مشوّف ... خلاص تهاداه أكفّ الصيارف
стр. 500
وما درّة الغوّاص صبّر نفسه ... ليغنم منها عرضة للمتالف
بأحسن من بنت ابن عمران فى الدّنا ... يراع لها من هزّة كلّ واصف
فانظر إلى ما حوته هذه الأبيات من التشبيه الحسن، والتفريع اللائق.
الوجه الثانى ما يكون على خلاف هذه الصفة، وهو أن يأتى المتكلم بصفة يقرب إليها ما هو أبلغ منها فى معناها فيذكرها ليفرع عليها غيرها، وهذا كما قال بعض الشعراء:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفى من الكلب «١»
ففرع عن وصفه لهم بشفاء أحلامهم لسقام الجهالات، شفاء دمائهم من دماء الكلاب الكلبة، وكما قال ابن المعتز:
كلامه أخدع من لحظه ... ووعده أكذب من طيفه «٢»
فبينا هو يصف خدع كلامه، إذ فرّع عليه وصف كذب وعده، وقوله أيضا:
وكأنّ حمرة لونها من خدّه ... وكأنّ طيب نسيمها من نشره
حتى إذا صبّ المزاج تشعشعت ... عن ثغره فحسبته من ثغره «٣»
стр. 501
الصنف الثامن عشر فى التوجيه
وهو تفعيل من قولك وجّهت هذا البرد، إذا جعلت له وجها يحسن لأجله ويرغب فيه، هذا فى اللغة، وأما فى مصطلح علماء البيان فهو أن يكون الكلام له وجهان، ثم إنه يرد فى البلاغة على استعمالين نذكرهما بمعونة الله تعالى.
الاستعمال الأول أن يؤكد المدح بما يكون مشبها للذم بأن تنفى عن الممدوح وصفا معينا ثم تعقبه بالاستثناء فتوهم أنك استثنيت ما يذم به فتأتى بما من شأنه أن يذم به وفيه المبالغة فى مدح الممدوح ومثاله قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
ومن ذلك ما قاله ابن الرومى:
وما تعتريها آفة بشريّة ... من النوم إلا أنها تتحيّر «١»
كذلك أنفاس الرياض بسحرة ... تطيب وأنفاس الأنام تغيّر
وأحسن من هذا ما قاله بعض الشعراء يمدح قومه ويثنى عليهم:
ولا عيب فينا غير أنّ سماحنا ... أضرّ بنا والناس من كل جانب
فأفنى الرّدى أرواحنا غير ظالم ... وأفنى النّدى أموالنا غير غاصب
أبونا أب لو كان للناس كلهم ... أبا واحدا أغناهم بالمناقب «٢»
وكقول ابن الإصبع فى تأكيد الذم بما يشبه المدح:
خير ما فيهم ولا خير فيهم ... أنّهم غير مؤثمى المغتاب «٣»
وأراد وصفهم بقلة الخير والمعروف وما فيهم من الخير إلا أنهم لا ينكرون على من عاب أحدا فى مجالسهم ولا يمنعونه عن ذلك.
الاستعمال الثانى من التوجيه، وهو أن يمدح شىء يقتضى المدح بشىء آخر وهذا كقول المتنبى:
стр. 502
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدّنيا بأنك خالد
فأول البيت دال على المدح بالشجاعة، وآخره دال على علو الدرجة، ومن هذا قول بعضهم من النثر، هم بحار العلى إلا أنهم جبال الحلسم، وكقول بعض الشعراء:
هو البدر إلّا أنه البحر زاخرا ... خلا أنّه الضر غام لكنه الويل «١»
ومما يحتمل المدح والذم على جهة الاستواء قولك للأعور «ليت عينيك سواء» فيحتمل أن تكون العوراء مثل الصحيحة فى الرؤية، ويحتمل عكس ذلك.
стр. 503
الصنف التاسع عشر التعليل
والتعليل تفعيل من قولهم علّل ماشيته إذا سقاها مرة بعد مرة، وعلّلت هذا إذا جعلت له علّة وسببا، وسمى المرض علة لأنه سبب فى تغيّر حال الإنسان وفساد صحته، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن تقصد إلى حكم من الأحكام، فتراه مستبعدا من أجل ما اختص به من الغرابة واللطف والإعجاب أو غير ذلك، فتأتى على جهة الاستطراف بصفة مناسبة للتعليل فتدّعى كونها علة للحكم لتوهّم تحقيقه وتقريره نهاية التقرير من أجل أن إثبات الشىء معلّلا آكد فى النفس من إثباته مجردا عن التعليل، ثم مجيئه فى ذلك على وجهين:
الوجه الأول أن يأتى التعليل صريحا، إما باللام كقول ابن رشيق يعلل قوله ﵇ «جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا» فقال فى معنى ذلك:
سألت الأرض لم جعلت مصلى ... ولم كانت لنا طهرا وطيبا
فقالت غير ناطقة لأنى ... حويت لكلّ إنسان حبيبا «١»
ولقد أحسن فى الاستخراج وألطف فى التعليل، فلأجل ما قاله كان ذلك علة فى كونها طهورا ومسجدا وكقول أبى نواس:
ولو لم تصافح رجلها صفحة الثّرى ... لما كنت أدرى علة للتيمّم «٢»
فقد صرح بأن الوجه الباعث على جواز التيمم بالترب شرعا، هو ما ذكره من وطئها له بأخمص قدمها فلأجل ذلك كان جائزا.
الوجه الثانى أن لا يكون التعليل صريحا فى اللفظ، وإنما يؤخذ من جهة السياق والنظم والمعنى، وهذا كقول بعض الشعراء:
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنسانى من الغرق «٣»
стр. 504
فلقد أبدع فيما قاله وأظنه يحكى عن مسلم بن الوليد وهو من رقائقه التى اختص بها ونفائس ما نظمه وأراد أن الواشى مذموم لا محالة لما يفعله من القبيح، لكن العلة فى حسن إساءته؛ هو أنه يخاف على محبوبته من وشايته، فامتنع دمع عينيه من أجل الخوف والفشل فسلم إنسان عينه من أن يغرق بدموعه لمّا كان خائفا مذعورا من الوشاية، فلا وجه لتعليل حسن الوشاية إلا هذا وكقول من قال من الشعراء:
فإن غارت الغدران فى صحن وجنتى ... فلا غرو منه لم يزل وابل يهمى
وألحق به ما هو بمعناه وهو التعجب كقوله:
أيا شمعا يضىء بلا انطفاء ... ويا بدرا يلوح بلا محاق
فأنت البدر ما معنى انتقاصى ... وأنت الشمع ما سبب احتراقى
стр. 505
الصنف العشرون فى التفريق والجمع والتقسيم
هذه الأمور الثلاثة من عوارض البلاغة، وإذا وقعت فى الكلام بلغ مبلغا عظيما فى حسن التأليف وإعطاء الفصاحة حقها، وحاصله ضروب ثلاثة.
الضرب الأول التفريق المفرد
وهو تفعيل من قولك فرقت الدراهم إذا أعطيتها عددا عددا، وهو فى لسان علماء البلاغة أن تعمد إلى نوعين يندرجان تحت جنس واحد فتوقع بينهما تباينا فى المدح أو الذم أو غيرهما، ومثاله قول بعض الشعراء:
ما نوال الغمام يوم ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عين ... ونوال الغمام قطرة ماء «١»
فالنوالان مفترقان كما ترى، لكنهما يندرجان جميعا تحت اسم النوال والعطاء، ثم هما يفترقان كما ذكر فى العلو والدّنو، ففرق بينهما كما ترى.
الضرب الثانى: الجمع المفرد
وهو أن تجمع بين شيئين فصاعدا مختلفين فى حكم واحد، وهذا كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا
[الكهف: ٤٦] وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها
[البينة: ٦] وكقول الشاعر:
إنّ الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أىّ مفسده «٢»
وقوله:
وأحوالى وصدغك واللّيالى ... ظلام فى ظلام فى ظلام
فكل ما ترى من باب الجمع، لأنه جمعها وأخبر عنها بحكم واحد.
الضرب الثالث الجمع مركبا مع غيره وليس مفردا ،
وهو يأتى على وجهين
أولهما الجمع مع التفريق ،
وهو أن يشبه بشىء واحد ثم يفّرق بينهما فى وجه الشبه، ومثاله قول بعض الشعراء:
стр. 506
فوجهك كالّنار فى ضوئها ... وقلبى كالنّار فى حرّها
فانظر إلى ما فعله ههنا حيث جمع بين وجه المعشوق وقلبه، ثم إنه بعد ذلك فرق بينهما، فشبه الوجه بالنار فى الحسن والإنارة والضوء، وشبه القلب بها فى الحرارة والاحتراق وكقول من قال:
أسود كالمسك صدغا ... قد طاب كالمسك خلقا «١»
فقد جمع بين الصّدغ والخلق فى التشبيه بالمسك، ثم إنه فرق بينهما فالصدغ يشبه المسك فى سواده والخلق يشبه المسك فى طيبه وحسنه،
وثانيهما الجمع مع التقسيم ،
وهو أن تجمع أمورا مندرجة تحت حكم واحد، ثم تقسّمها، ثم ليس يخلو حاله إما أن يجمع ثم يقسم بعد ذلك، أن يقسم ثم يجمع، فهاتان حالتان، الحالة الأولى الجمع ثم القسمة بعده، ومثاله ما قاله المتنبى:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسّبى ما نكحوا للقتل ما ولدوا ... للنّهب ما جمعوا والنار ما زرعوا «٢»
فانظر إلى ما فعله فى البيت الأول حيث جمع أرض العدو وما فيها من كونها خالصة له على جهة الإجمال من غير إشارة فيه إلى تفصيل حالها، ثم إنه قسم حالها فى البيت الثانى إلى ما يكون منها للسبى، وما يكون للقتل، وما يكون للنهب والنار جميعا، الحالة الثانية أن يقسم أولا ثم يجمع ثانيا، ومثاله ما قاله حسان:
قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النّفع فى أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة ... إنّ الخلائق فاعلم شرّها البدع «٣»
فقد أعمل فى البيت الأول التقسيم إلى ما ذكره من خصالهم، ثم جمعها فى البيت الثانى من غير إشارة إلى تفصيل، فهذا وما شاكله له موقع فى الفصاحة لا يمكن جحده ولا يسع إنكاره.
стр. 507
الصنف الحادى والعشرون الائتلاف
وهو افتعال من قولهم ألّف الخرز بعضها إلى بعض إذا جمعها، وهو يأتى على أوجه أربعة،
الوجه الأول منها تأليف اللفظ مع المعنى ،
وهو أن تكون الألفاظ لائقة بالمعنى المقصود ومناسبة له، فإذا كان المعنى فخما كان اللفظ الموضوع له جزلا، وإذا كان المعنى رقيقا كان اللفظ رقيقا، فيطابقه فى كل أحواله، وهما إذا خرجا على هذا المخرج وتلاءما هذه الملائمة وقعا من البلاغة أحسن موقع، وتألفا على أحسن شكل وانتظما فى أوفق نظام، وهذا باب عظيم فى علم البديع، وجاء القرآن الكريم على هذا الأسلوب، فإذا كان المعنى وعيدا وزجرا أو تهديدا، أو إنزال عذاب، أو إيقاع واقعة، أتى فيه بالألفاظ الغريبة الجزلة، وإذا كان المعنى وعدا وبشارة، أتى فيه بالألفاظ الرقيقة العذبة وهذا كقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥)
[يوسف: ٨٥] فلما كان مفخّما للخطب ومهولا له وخيف على يعقوب ﵇ من دوام حزنه وطول أسفه جاء بالألفاظ الغريبة كقوله «تفتؤ» «والحرض» ، هو الإشفاء على الهلاك يقال حرض المريض إذا دنا من الهلاك، وكما قال زهير:
أثافى سفعا فى معرّس مرجل ... ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلّم «١»
فلمّا عرفت الدّار قلت لربعها ... ألا انعم صباحا أيها الربع واسلم «٢»
فالبيت الأول ألفاظه غريبة لما كان المعنى المقصود جزلا لكونه غير معروف مجهولا حاله، فلمّا عرفه أتى فى البيت الثانى بما يلائم المعنى من رقة اللفظ وحسنه ورشاقته لما فيها من البيان والظهور وكثرة الاستعمال.
الوجه الثانى ائتلاف اللفظ مع اللفظ
وهو أن تريد معنى من المعانى تصح تأديته بألفاظ كثيرة ولكنك تختار واحدا منها لما يحصل فيه من مناسبة ما بعده وملائمته، ومثاله قول البحترى فى وصف الإبل بالهزال:
كالقسىّ المعطّفات بل ال ... أسهم مبريّة بل الأوتار «٣»
стр. 508
فإنه إنما اختار وصفها بالقسى مع أن هذا المعنى يحصل بتشبيهها بالعراجين والأخلة والأطناب وغير ذلك، لكنه اختار القسى لما أراد ذكر الأسهم والأوتار، فيحصل بذكر القسى ملائمة لا تحصل بذكر غيره فلهذا آثره، ولقد أحسن فيه لما اشتمل عليه من حسن التأليف وجودة النظم ومراعاة المناسبة فيما ذكره وكما قال المتنبى:
على سابح موج المنايا بنحره ... غداة كأن النّبل فى صدره وبل «١»
فالسابح، الحصان، فلما وصفه بالسباحة عقبه بذكر الموج، وذكر النبل، وعقبه بذكر الوبل لما كان يشبه النبل فى شدة وقعه وسرعة حركته، ثم واصل بين الوبل والموج لما بينهما من الملائمة، وأحسن من هذا ما قاله ابن رشيق من شعره:
أصحّ وأقوى ما رويناه فى الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير تميم «٢»
فلاءم بين الصحة والقوة، وبين الرواية والخبر، لأنها كلها متقاربة فى ألفاظها، ثم قوله أحاديث، تقارب الأخبار ثم أردفها بقوله السيول، ثم عقّبه بالحيا، لأن السيول منه، ثم عن البحر، لأنه يقرب من السيل، ثم تابع بعد ذلك بقوله «عن جود الأمير تميم» فهذه الأمور كلها متقاربة، فلأجل هذا لاءم بينها فى تأليف الألفاظ، فصار الكلام بها مؤتلف النسج محكم السّدى.
الوجه الثالث ائتلاف المعنى مع المعنى
وهو أن يكون الكلام مشتملا على أمرين فيقرن بكل واحد منهما ما يلائمه من حيث كان لاقترانه به مزية غير خافية ومثاله ما قاله المتنبى فى السيفيّات:
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
وقفت وما فى الموت شكّ لواقف ... كأنك فى جفن الرّدى وهو نائم «٣»
فإن عجز كل واحد من البيتين ملائم لكل واحد من صدريهما وصالح لأن يؤلّف معه، لكنه اختار ما أورده فى البيت لأمرين، أما أولا فلأن قوله «كأنك فى جفن الردى وهو نائم» إنما سيق من أجل التمثيل للسلامة فى موضع العطب فجعله مقرّرا للوقوف
стр. 509
والبقاء فى موضع يقطع على صاحبه بالموت أحسن من جعله مقرّرا لثباته فى حال هزيمة الأبطال، وأما ثانيا فلأن جعل قوله «ووجهك وضاح وثغرك باسم» تتمة لقوله «تمر بك الأبطال» أحسن من جعله تتمة لقوله «وقفت وما فى الموت شك لواقف» لأن الإنسان فى حال الهزيمة يلحقه من ضيق النفس وعبوس الوجه ما لا يخفى، فلهذا ألصق كل واحد منهما بما يكون فيه ملاءمة وحسن انتظام من أجل المبالغة فى المعانى، ويحكى أنه لما أنشد سيف الدولة هذه القصيدة نقم عليه هذين البيتين، قال هلا جعلت عجز أحدهما عجزا للآخر فأجابه بما ذكرناه من بلاغة المعنى إذا كان على هذه الصفة، فاستحسن سيف الدولة ما قاله من ملاحظة المعانى التى هى مغازيه فى قصائده وزاد فى عطيته، ومن هذا قوله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)
[طه: ١١٨- ١١٩] ولم يقل فإنك لا تجوع فيها ولا تظمى، وأنك لا تعرى فيها ولا تضحى، فإنه لم يراع ملاءمة الرى للشبع، ولا أراد مناسبة الاستظلال للضّحا، وإنما أراد مناسبة أدخل من ذلك، فقرن الجوع بالعرى لما للإنسان فيهما من مزيد المشقة وعظيم الألم بملابستهما، وأراد مناسبة الاستظلال للرىّ، فقرن بينهما لما فى ذلك من مزية الامتنان، وإكماله، ووجه آخر وهو أن الجوع يلحق منه ألم فى باطن الإنسان وتلتهب منه أحشاؤه، والعرى يلحق منه ألم فى ظاهر جسد الإنسان فلهذا جمع بينهما لما كان أحدهما يتعلق بالظاهر والآخر يتعلق بالباطن، وهكذا حال الظمأ فإنه يحرق كبد الإنسان ويوقد فى فؤاده النار، والضّحا يحرق جسده الظاهر فلأجل هذا ضمّ كل واحد منهما إلى ما له به تعلق لتحصل المناسبة، ومن جيد ما يورد مثالا ههنا ما ذكره المتنبى فى السيفيات:
فالعرب منه مع الكدرىّ طائرة ... والروم طائرة منه مع الحجل «١»
يصف انهزام الناس من خوفه وشدة سطوته، فالكدرىّ والحجل طائران، لكن الكدرىّ أكثر ما يكون فى الصحارى والقفار والمفازات، فضمه مع العرب، لأن أكثر ما يسكنون هذه المواضع، وضم الحجل إلى الروم، لأنها أكثر ما تأوى إلى الأمواه وشطوط الأنهار، وبلاد الروم فيها الأنهار الكثيرة، فلأجل هذه المناسبة والتزامها ضم كل واحد إلى ما يليق به ويناسبه بعض مناسبة، وقوله «طائرة» فيه وجهان، أحدهما أن يريد أنها كالطير فى سرعة هربها وخفّة جريها فرقا منه وخوفا من بأسه، وثانيهما أن يريد أنها متفرقة فى
стр. 510
الشعاب والأودية وفى كل الأصقاع فرارا منه، أخذا له من تطاير الشرار، إذا ذهب يمينا وشمالا، وهذا من معانيه البديعة، وفحالة شعره الغريبة، ومغازيه الدقيقة فى أعظم قصائده كلها.
الوجه الرابع الائتلاف مع الاختلاف
وله حالتان:
الحالة الأولى أن تكون المؤتلفة بمعزل عن المختلفة، وأحدهما منته عن الآخر ،
ومثاله قول من قال من الشعراء:
أبى القلب أن يأتى السّدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غرير
به البقّ والحمّى وأسد تحفّه ... وعمرو بن هند يعتدى ويجور «١»
الحالة الثانية أن تكون المؤتلفة منها مداخلة للمختلفة ،
وهذا كقول عباس بن الأحنف يهجو قوما:
وصالكم هجر وحبّكم قلى ... وعطفكم صدّ وسلمكم حرب «٢»
فكل واحد من هذه مقرون مع ضده مؤلف معه، فهذا ما أوردنا ذكره من الائتلاف، وبعد هذه الأقسام أمور تتعلق بالقوافى الشعرية، وليس وراءها كبير فائدة فأعرضنا عنها لقلة جدواها وفائدتها.
стр. 511
الصنف الثانى والعشرون الترجيع فى المحاورة
والترجيع تفعيل من قولك رجّعت الشىء إذا رددته، ويسمى الترجيع رجيعا، وهو ما يخرج من بطن ابن آدم «١» لأنه يتردد فيه، ويقال للسماء ذات الرجع، لأن المطر يتردد فى نزولها منها. وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يحكى المتكلم مراجعة فى القول ومحاورة جرت بينه وبين غيره بأوجز عبارة وأخصر لفظ فينزل فى البلاغة أحسن المنازل وأعجب المواقع، ومن جيد ما يورد من أمثلتها ما قاله بعض الشعراء:
قالت ألا لا تلجن دارنا ... إنّ أبانا رجل غائر
أما رأيت الباب من دوننا ... قلت فإنّى واثب ظافر
قالت فإنّ الليث عاديّة ... قلت فسيفى مرهف باتر
قالت أليس البحر من دوننا ... قلت فإنى سابح ماهر
قالت أليس الله من فوقنا ... قلت بلى وهو لنا غافر
قالت فإمّا كنت أعييتنا ... فأت إذا ما هجع السّامر
واسقط علينا كسقوط النّدى ... ليلة لا ناه ولا آمر «٢»
وألطف من هذا قول أبى نواس فى شعره:
قال لى يوما سليما ... ن وبعض القول أشنع
قال صفنى وعليا ... أيّنا أتقى وأورع
قلت إنّى إن أقل ما ... فيكما بالحقّ تجزع
قال كلّا قلت مهلا ... قال قل لى قلت فاسمع
قال صفه قلت يعطى ... قال صفنى قلت تمنع «٣»
ومن جيده ما قاله البحترى:
стр. 512
بتّ أسقيه صفوة الراح حتى ... وضع الكاس مائلا يتكفّا
قلت عبد العزيز تفديك نفسى ... قال لبّيك قلت لبيك ألفا
هاكها قال هاتها قلت خذها ... قال لا أستطيعها ثم أغفى «١»
فهذا وما شاكله من جيد ما يؤثر فى المحاورة، وترجيع الخطاب على جهة الملاطفة والاستعطاف.
стр. 513
الصنف الثالث والعشرون فى الاقتسام
وهو افتعال من قولهم اقتسم اقتساما وقاسم مقاسمة وقاسم قساما إذا حلف، ومنه قوله تعالى: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
[الأعراف: ٢١] ، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
[الأنعام: ١٠٩] وهو مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يحلف على شىء بما فيه فخر، أو مدح، أو تعظيم، أو تغزل، أو زهو، أو غير ذلك مما يكون فيه رشاقة فى الكلام وتحسين له، ولنذكر من ذلك ما هو الأكثر وهو أمور خمسة، أولها الامتنان والفخر، فأما الامتنان فكقوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)
[الذاريات: ٢٣] فامتنّ الله تعالى وأكد امتنانه بما قرره من القسم، وأما الافتخار فكقول الأشتر النخعى:
بقّيت وفرى وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافى بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن هند غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس «١»
فضمّن هذا القسم على الوعيد، ما فيه افتخار من الجود والشرف والسؤدد والشجاعة والبسالة، وهذا الرجل كان من أمراء أمير المؤمنين علّى كرم الله وجهه، ولقد كان عظيم الشوكة على من خالف أمر الله وأمر أمير المؤمنين، وهو مالك بن الحارث، ولقد قال فيه أمير المؤمنين: إنه كان أشد على الفجّار من حريق النار ولما دخل الطّرمّاح على معاوية، قال له معاوية إنى قد أعددت لحرب ابن أبى طالب رجالا بعد جاورس الكوفة، والجاورس هو حبّ الدّخن، فقال له الطرماح والله إنى لأعلم ديكا يلتقط هذا الحب كله، فسكت معاوية، وأراد بما ذكره مالك بن الحارث الأشتر، وثانيها المدح والثناء كقول الشاعر:
آثار جودك فى القلوب تؤثر ... وجميل بشرك بالنجاح يبشّر
إن كان فى أمل سواك أعدّه ... فكفرت نعمتك التى لا تكفر «٢»
فهذا إنما ورد ههنا على جهة المدح والثناء على الممدوح بما هو أهله، وثالثها تعظيم القدر كقوله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)
[الحجر: ٧٢] أقسم الله تعالى بحياة
стр. 514
الرسول تعظيما لقدره، ورفعا لحالته وإشادة لذكره، وإبانة عن مكانه، ومنه قول عمر بن أبى ربيعة:
قالت وعيش أخى وحرمة والدى ... لأنبّهنّ الحىّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسّمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تخرج
فضممتها ولثمتها وفديت من ... حلفت علىّ يمين غير المخرج «١»
فانظر إلى ما حكاه من يمينها على جهة الإعظام لها ورفع القدر منها، ورابعها ما يكون على جهة التغزل ومثاله ما قاله بعض الشعراء:
جنى وتجنّى والفؤاد يطيعه ... فلا ذاق من يجنى علىّ كما يجنى
فإن لم يكن عندى كعينى ومسمعى ... فلا نظرت عينى ولا سمعت أذنى «٢»
فقوله «فإن لم يكن عندى كسمعى» فيه دلالة على القسم، وهو متضمن له على جهة التغزل والإعجاب كأنه قال: فو الله إنه عندى بمنزلة سمعى، وإن لم أكن صادقا فيما قلت فأعمى الله عينى، وأصم سمعى، وخامسها أن يكون واردا على جهة الزهو والطرى ومثاله قول من قال من الشعراء:
حلفت بمن سوّى السماء وشادها ... ومن مرج البحرين يلتقيان
ومن قام فى المعقول من غير رؤية ... بأثبت من إدراك كلّ عيان
لما خلقت كفّاك إلا لأربع ... عقائل لم يعقل لهنّ ثوان
لتقبيل أفواه وإعطاء نائل ... وتقليب هندىّ وحبس عنان «٣»
فهذا وما شاكله وارد فى القسم على جهة الإعظام فى المديح والإطراء على ممدوحه وإشادة ذكره وإظهار أمره.
стр. 515
الصنف الرابع والعشرون فى الإدماج
وهو إفعال من قولهم أدمج حديثه إذا أدخل بعضه فى بعض، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن إدخال نوع من البديع فى نوع آخر، فيظهر أحدهما ويدمج الآخر، ثم هو على وجهين، الوجه الأول منهما أن يكون ظاهره التهنئة فيدمج شكوى الزمان فيه، ومثال قول من قال:
أبى دهرنا إسعافنا فى نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتّمها ... ودع أمرنا إن المهمّ المقدم «١»
فتأمل إدماجه شكوى الزمان وما عليه من اختلال الأحوال فيما يظهره من التهنئة فأحسن الأمر فى ذلك وأجاد فيه كل الإجادة، وتلطف حيث صان نفسه عن ظهور المسألة بالتصريح بها، وكقول من قال:
ولا بدّ لى من جهلة فى وصاله ... فمن لى بخلّ أودع الحلم عنده «٢»
فأدمج الهجر فى التغزل حيث قال «من جهلة فى وصاله» وفى هذا دلالة على كونه هاجرا لمحبوبه، وأدمج شكوى الزمان بأحسن عبارة، حيث استفهم عن كونه لا يجد أحدا يودع عنده حلمه، ثم كنى عن نفسه بكثرة التزامه للحلم حيث كان لا يفارقه فى حال، فكل هذه المعانى مدمجة فى ظاهر ما يبدو من الغزل فى البيت، فهذه معان متداخلة كما ترى يشتمل عليها هذا الوجه.
الوجه الثانى: أن يكون الإدماج واردا فى نوعين من أنواع البديع فيندرج أحدهما تحت الآخر، ويخالف ما ذكرناه فى الوجه الأول، فإنه إدماج لأغراض ومقاصد لا غير، ومثاله قول من قال من أهل الرقائق:
أأرضى أن تصاحبنى بغيضا ... مجاملة وتحملنى ثقيلا
وحقّك لا رضيت بذا لأنى ... جعلت وحقّك القسم الجليلا «٣»
стр. 516
فأدمج المبالغة فى القسم وجعله مندرجا تحتها، لأن المبالغة ظاهرة فى البيت، لكن القسم غير ظاهر، لأنه لم يقل «وحياتك» إنما قال «وحقك القسم الجليلا» فلهذا كان القسم مدمجا فى المبالغة كما ترى، ومن هذا قوله تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ
[القصص:
٧٠] فأدمج الطباق، وجعل المبالغة مندرجة تحته، لأن الإدماج كما قررنا أن يكون أحدهما مندرجا فى الآخر فيما كان من المعانى ظاهرا فهو المدمج فيه، وما كان خافيا فهو المدمج، وهذا كثير الدّور فى لسان الفصحاء فإنهم يستعملونه كثيرا، وإنما يظهر بنظر دقيق واستخراج خفىّ وتفطّن لطيف، والله أعلم.
стр. 517
الصنف الخامس والعشرون فى التعليق
وهو تفعيل من قولهم علقت السقاء، وعلقت القوس، اذا شددتهما بغيرهما، وهو فى لسان علماء البيان مقول على حمل الشىء على غيره لملازمة بينهما، ثم هو وارد على وجهين أحدهما أن يكون التعليق بالشرط للدلالة على المبالغة، ومثاله قول أبى تمام:
فإن أنا لم يحمدك عنى صاغرا ... عدوّك فاعلم أنّنى غير حامد «١»
فعلق عدم حمده بمن يمدحه على عدم حمد عدوه على وجه الكره منه، لكن حمد عدوه موجود لأجل مدائحه وترددها على لسانه، فلا جرم كان حمده موجودا، وثانيهما أن يأتى بشىء من المعانى بمقصد تام توطئة لما يريد ذكره بعده من معنى آخر، وهذا كقول أبى نواس يهجو رجالا:
لهم فى بيتهم نسب ... وفى وسط الملا نسب
لقد زنّوا عجوزهم ... ولو زنيتها غضبوا «٢»
فعلق هجوهم بالسّخف والحماقة، فصدّره بهجو أبيهم حيث لم يرضوا الانتساب إليه لدناءته وادّعوا غيره، وعلّق عليه هجو أمهم لكونها زانية لا تنزه عن إتيان الفاحشة. ومن البديع النادر فن يقال له المتزلزل، وحاصله أن يندرج فى الكلام لفظة لو غير إعرابها لا نتقل المعنى إلى غيره، وقيل له هذا اللقب لأنه غير ثابت القدم، لأنك بينا تراه على صورة إذ خرج إلى صورة أخرى، ومنه قولهم فلان متزلزل، إذا كان على غير ثبات ولا استقرار، ومثاله قولنا: ولّد الله عيسى، فإنك إذا شدّدته كان معناه مستقيما، لأن المعنى فيه أنه ولّده، أى أخرجه من بطن أمه بتوليده لها، وإذا خفّفته كان كفرا صريحا، لقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ
[المؤمنون: ٩١] وقوله:
لَيَقُولُونَ «٣» (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢)
[الصافات: ١٥١- ١٥٢] . وقوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[فاطر: ٢٨] فلو رفعت اسم الله تعالى لكان خطأ، لأن الله تعالى:
لقدرته على كل الممكنات فإنه لا يخشى أحدا، ولو نصبته لكان المعنى مستقيما بمعنى أنه لا يخشاه من الخلق أحد سوى العلماء، فإن الخشية مقصورة عليهم له، وهكذا القول فيما شاكله.
стр. 518
الصنف السادس والعشرون فى التهكم
وهو تفعل من قولهم تهكّمت البئر، إذا تساقطت جوانبها، وهو عبارة عن شدة الغضب لأن الإنسان إذا اشتد غضبه فإنه يخرج عن حد الاستقامة وتتغير أحواله، وفى الحديث عن الرسول ﷺ : «اتقوا الغضب فإنه يوقد فى فؤاد ابن آدم النار، ألا تروه إذا غضب كيف تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه» «١» ، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن إخراج الكلام على ضد مقتضى الحال استهزاء بالمخاطب، ودخوله كثير فى كلام الله تعالى: وكلام رسوله وعلى ألسنة الفصحاء، وله موقع عظيم فى إفادة البلاغة والفصاحة، ويرد على أوجه خمسة، أولها أن يكون واردا على جهة الوعيد بلفظ الوعد تهكما، وهذا كقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤)
[التوبة: ٣٤] وقوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨)
[النساء: ١٣٨] فلفظ البشارة دال على الوعد وعلى حصول كل محبوب، فإذا وصل بالمكروه كان دالا على التهكم لإخراجه المحبوب فى صورة المكروه، وثانيها أن تورد صفات المدح والمقصود بها الذم، ومثاله قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)
[الدخان: ٤٩] لأن المقصود هو الاستخفاف والإهانة، ولهذا ورد فى حق من كان يدخل النار، والغرض منه الذليل المهان، ولكنه أخرجه هذا المخرج للتهكم، وثالثها قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ
[الأحزاب: ١٨] وقوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
[النور: ٦٤] وقوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ
[الأنعام: ٣٣] فما هذا حاله دال على القلة، لأن المضارع إذا لصق به قد، فهو دال على القلة والغرض ههنا التكثير والتحقيق للعلم بما ذكره، وإنما أورده على جهة التهكم بهم والاستهانة بحالهم حيث أسروا الخدع والمكر جهلا بأن الله تعالى غير مطلع على تلك الخفايا ولا محيط بتيك السرائر، فأورده على جهة التقليل، والغرض به التحقيق انتقاصا بحالهم فى ظنهم لما ظنوه من ذلك، ورابعها قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢)
[الحجر: ٢] فأورده على جهة التقليل، وأخرجه مخرج الشك، والغرض به التكثير والتحقيق فى حالهم تلك، لأنهم فى تلك الحالة يتحققون ويقطعون بأنهم لو كانوا على الإسلام قطعا ويقينا لما
стр. 519
ينالون من العذاب ويتحققونه من النكال، ولا خلاص عن ذلك إلا بالإسلام، فلهذا قطعنا بتحقق المحبة والود للإسلام، وإنما أخرجه مخرج التهكم والاستهزاء، وخامسها قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)
[هود: ٨٧] فلم يخرجوه على جهة استحقاقه للمدح بهاتين الصفتين مع كونه أهلا لهما، وإنما أخرجوه مخرج الاستهزاء والتهكم بحاله، تمردا واستكبارا، وغرضهم إنك لأنت السفيه الجاهل، حيث أمرهم بما أمرهم من الخير والمعروف فأبوا إلا ما كان عليه الأسلاف، فلا جرم أخرجوه هذا المخرج من أجل ذلك، وليس له ضابط يضبطه، وإنما الجامع لشتات معانيه هو ما ذكرناه من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الحال، فلا بد من مراعاة ما ذكرناه وإن اختلفت صوره، وكقوله تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
[الرعد: ١١] والمعقبات هم الحرس حول السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله، فهو وارد على جهة التهكم، لأن أمر الله إذا جاء وقضى لا يحفظ عنه حافظ، ولا يمكن رده، ولا يستطاع دفعه بحال، ومن الأبيات الشعرية ما كان واردا على جهة التهكم كقول من قال فى رجل يتهكم برجل محدودب الظهر:
لا تظنّنّ حدبة الظّهر عيبا ... هى فى الحسن من صفات الهلال
وكذاك القسىّ محدودبات ... وهى أنكى من الظّبا والعوالى
كوّن الله حدبة فيك إن شئت ... من الفضل أو من الإفضال
فأتت ربوة على طود حلم ... طال أو موجة ببحر نوال
وإذا لم يكن من الوصل بدّ ... فعسى أن تزورنى فى الخيال «١»
فظاهر ما أورده مدح كامل كما ترى لما يظهر من صورته، وإنما أورده على جهة التهكم به والاستهزاء بحاله، وكقول امرىء القيس يصف كلبا:
فأنشب أظفاره فى النّسا ... فقلت هبلت ألا تنتصر «٢»
فقوله: «هبلت ألا تنتصر» تهكم بحاله فى غاية اللطف والرشاقة لأن ما فعله الكلب بالصيد هو غاية الانتصار.
стр. 520
الصنف السابع والعشرون فى الإلهاب والتهييج
والإلهاب «إفعال» من قولهم ألهب النار إذا أسعرها حتى التهبت وطال لهبها، والتهييج «تفعيل» من قولهم هاجت الحرب إذا ثارت، هذا معناهما فى اللغة، وأما فى مصطلح علماء البلاغة فهما مقولان على كل كلام دال على الحث على الفعل لمن لا يتصور منه تركه وعلى ترك الفعل لمن لا يتصور منه فعله، ولكن يكون صدور الأمر والنهى ممن هذه حاله على جهة الإلهاب والتهييج له على الفعل أو الكف لا غير، فالأمر مثاله قوله تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢)
[الزمر: ٢] وقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
[الروم: ٣٠] وقوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[هود: ١١٢] والمعلوم من حاله ﵇ أنه حاصل على هذه الأمور كلها من عبادة الله تعالى وإقامة وجهه للدين والاستقامة على الدعاء إليه لا يفتر عن ذلك ولا يتصور منه خلافها، لأن خلافها معصوم منه الأنبياء، فلا يمكن تصوره من جهتهم بحال، ولكن ورودها على هذه الأوامر إنما كان على جهة الحث له بهذه الأوامر وأمثالها، وكذلك ورد فى المناهى كقوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥)
[الأنعام: ٣٥] وقوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥)
[الزمر: ٦٥] وحاشاه أن يكون جاهلا، أو أن يفعل أفعال السفهاء والجهال، وأنى يخطر بباله الشرك بالله وهو أول من دعا إلى عبادته وحث عليها، وهكذا القول فيما كان واردا فى الأوامر والنواهى له ﵇، فإنما كان على جهة الإلهاب على فعل الأوامر، والانكفاف عن المناهى والتهييج لداعيته، وحثا له على ذلك، فالأمر فى حقه على تحصيل الفعل، والكف عن المناهى فيما كان يعلم وجوبه عليه ويتحقق الانكفاف عنه، إنما هو على جهة التأكيد والحث بالتهييج والإلهاب، فهذان نوعان من الكلام يردان فى الكلام الفصيح والخطب البالغة، ولولا موقعهما فى البلاغة أحسن موقع، لما وردا فى كتاب الله تعالى الذى أعجز الثقلين الإتيان بمثله أو بأقصر سورة من سوره.
стр. 521
الصنف الثامن والعشرون فى التسجيل
وهو «تفعيل» من قولهم سجّل الحاكم عليه تسجيلا، إذا كتب كتاب الحكم وأمضاه، وأسجل الكلام إسجالا إذا أطال ذيوله، والسّجيل الطويل من الضروع قاله الجوهرى، فهو مؤذن بالطويل فى كل ما سيق منه كما ترى، هذا فى اللغة، وأما معناه فى مصطلح علمآء البلاغة فهو تطويل الكلام والمبالغة فيما سيق من أجله من مدح أو ذم، وهو نوع من الإطناب، خلا أن الإطناب عام فى كل مقصود من الكلام، والتسجيل خاص فى المبالغة فى المدح أو الذم، والمثال فيه قوله تعالى فى ذم عبادة الأوثان والأصنام وتهجين من عبد سواه، فإنه سجل عليهم غاية التسجيل، ونعى إليهم أفعالهم، ووبخهم وسفه حلومهم، واسترك عقولهم على جهة التسجيل والتنويه بما عملوا: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)
[الحج: ٧٣] فانظر ماذا حازته هذه الآية من الإبانة عن نقص عقولهم، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ
[الأعراف: ١٩٤] الآية وقوله تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)
[فاطر: ١٣] الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تسفيه عقولهم وإظهار جهلهم، ومن ذلك ما ورد فى ذم الكفار من أهل الكتاب والمشركين فى صدر سورة البقرة فإن الله تعالى نعى عليهم تلك الأفعال الخبيثة وسجّلها عليهم، وذكر ما أكنّته صدورهم وأضمرته نفوسهم من الغدر برسول الله ﷺ والإصرار على الكفر، والتمادى فى النفاق، والإعراض عما جاء به من النور المبين والصراط المستقيم، وتصميمهم على جحود ذلك وإنكاره، ومن ذلك ما كان من بنى إسرائيل من كتمان ما أنزل الله عليهم فى التوراة فى وصف رسول الله وتصديق ما جاء به، ونصب العداوة والمكر والخديعة، فأظهر الله ما كتموه من العداوة، وكشف ما أضمروه من الحسد
стр. 522
والجحود والإنكار، وسجل عليهم غاية التسجيل، فهذا ما يتعلق بأمثلة التسجيل فى الذم، وأما مثال التسجيل فى المدح فكقوله تعالى فى صفة المؤمنين فى صدر سورة البقرة، حيث ذكرهم بالصفات المحمودة، وأثنى عليهم بالمناقب المعهودة، وبما شرح الله صدورهم بالإيمان بالله تعالى وبرسوله وكتبه المنزّلة قديما وحديثا، وبما كان منهم من التصديق بما جاءت به من أحوال القيامة والحشر والنشر وغير ذلك من علوم الآخرة، ومن ذلك ما كان فى صفة المؤمنين فى سورة المؤمنين حيث صدّر مدحهم بالخشوع فى الصلاة، ثم عقبه بالصفات الحسنة، والأفعال المحمودة المستحسنة، فأشاد ذكرهم بما وصفهم به وسجل فيه نهاية التسجيل، وهكذا القول فيما يرد فى القرآن على هذا النحو، فإنه يكون مثالا لما ذكرناه من التسجيل فى المدح والذم، وفى الخطب والقصائد، إذا جرى على هذا المجرى فهو تسجيل.
стр. 523
الصنف التاسع والعشرون فى المواردة
وهى مفاعلة من قولهم هما يتواردان الحوض، أى يرد منه هذا، ويرد منه هذا، ويتواردان المسألة، أى يسأل أحدهما صاحبه مرة، ويسأله الآخر مرة أخرى، هذا فى اللغة، والمواردة فى اصطلاح علماء البيان، أن يتفق الشاعران إذا كانا متعاصرين أو كان أحدهما متأخرا عن الآخر على معنى واحد، يوردانه جميعا بلفظ واحد من غير أخذ ولا سماع، واشتقاقه من ورد الحيين الماء من غير مواعدة بينهما، فمن ذلك ما ذكره أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابى، قال أنشدنى ابن ميادة لنفسه:
مفيد ومتلاف إذا ما أتيته ... تهلّل واهتزّ اهتزاز المهنّد
فقيل له أين يذهب بك، هذا للحطيئة، فقال أكان ذلك، فقيل له نعم، فقال الآن علمت أنى شاعر حين وافقته على ما قاله، وما سمعت به إلا الساعة، وليس هذا من باب السرقة الشعرية، لأن ذلك إنما يكون فيمن علم حاله بالسبق لذلك الكلام، ثم يأخذه غيره مع علمه بأنه له، كسرقة المتاع، يأخذه السارق وهو حق لغيره على جهة الخفية، وسنقرر الكلام فى السرقات الشعرية، ونظهر أنواعها لاختصاصها بفوائد جمة، ونكت غزيرة بمعونة الله تعالى.
стр. 524
الصنف الثلاثون فى التلميح
وهو نوع من أنواع البديع، له فى البلاغة موقع شريف، ويحل من الفصاحة فى محل مرتفع منيف، وهو «تفعيل» بتقديم اللام على الميم: يقال لمحه وألمحه، إذا أبصره بنظر خفى، ولمح البرق إذا أضاء ولمع، وفى فلان من أبيه لمحة، أى شبه وفيه ملامح من أبيه، أى مشابهات، وجمعها ملامح على غير قياس، والقياس فيه لمحات، هذا هو معناه اللغوى، وفى مصطلح علماء البيان هو أن يشير المتكلم فى أثناء كلامه ومعاطف شعره أو خطبه إلى مثل سائر، أو شعر نادر، أو قصة مشهورة فيلمحها فيوردها لتكون علامة فى كلامه، وكالشامة فى نظامه، فيحصل الكلام من أجل ذلك على لطافة رشيقة، وبراعة رائقة، وقد وقع ذلك فى كلام الله تعالى:
كقوله: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
[العنكبوت: ٤١] يشير بذلك إلى المثل السائر: أرقّ من نسج العنكبوت، وأضعف من بيتها، وكقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: ٥] يشير به إلى قولهم فى الأمثال السائرة: أجهل من حمار، وأبلد من عير، وقوله تعالى: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤)
[القارعة: ٤] يشير إلى قولهم: أعظم تهورا من فراشة، وقوله تعالى:
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
[الأعراف: ١٧٦] يشير به إلى قولهم: فلان ألهث من كلب، وأما أمثلته من السنة النبوية فكقوله ﵇: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شىء ما خلا الله باطل» «١» ، وقوله ﵇: «بئس مطية الرجل زعموا» «٢» ، وفى حديث آخر: «مطية الكذب زعموا» ، وأراد بما ذكره ﵇ من يكون أكثر كلامه: زعم زعم، فلا يزال يكرر فى أثناء خطابه هذه اللفظة ويرددها على لسانه، والمعنى فيها بئس ما يكرره الإنسان فى كلامه ويستروح إليه، هذه اللفظة، لما فيها من التوهم والظن، ولهذا فإنها ما وردت فى كلام الله تعالى إلا من جهة الكفار والمكذبين بأمر الآخرة وحال المعاد الأخروى، كقوله تعالى: بَلْ ظَنَنْتُمْ «٣» أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً
[الفتح: ١٢] وقوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَ
[التغابن: ٧] فقوله
стр. 525
عليه السلام بئس مطية الرجل زعموا، تلميح لما فيه من الإشارة إلى موقع هذه الكلمة، ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى خطبته الشّقشقية: فصبرت وفى العين قذى، وفى الحلق شجى، أرى تراثى نهبا، حتى إذا مضى الأول لسبيله «يعنى أبا بكر» أدلى بها لى فلان بعده «يعنى عمر» لأنه عقد له بالخلافة قبل وفاته، ثم تمثل أمير المؤمنين ببيت الأعشى:
شتان ما يومى على كورها ... ويوم حيّان أخى جابر «١»
فاستشهاده بهذا البيت واقع موقع التلميح فى كلامه هذا لكونه مطابقا لمقصده، موافقا لغرضه، لأن غرضه من ذلك تباين الحال ومفارقة الأمر بين ولايته وولاية غيره كما يشهد له ظاهر البيت، ومن ذلك ما قاله متمثلا به لما شكا من أصحابه تقاعدهم عن الجهاد وميلهم إلى الدعة والإعراض عن أمره، اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح فى الماء، والله لوددت أن لى بكم ألف فارس من فراس بن غنم:
هنالك لو دعوت أتاك منهم ... فوارس مثل أرمية الحميم «٢»
فهذا البيت واقع على جهة التلميح لأن فيه إشارة إلى سرعة إجابتهم لمن يدعوهم ويعرض فيه بأصحابه لتثاقلهم عن إجابة أمره، والحميم ههنا هو وقت الصيف، وإنما خص الشاعر سحاب الصيف لأنه أشدّ جفولا، وأسرع زوالا وحركة؛ لأنه لا ماء فيه، وإنما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء كما قال تعالى: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢)
[الرعد: ١٢] وذلك إنما يكون فى مطر الربيع، وهذا إنما يكون فى الشأم، فأما اليمن فأكثر المطر فيه يكون فى الصيف والخريف وكما قال بعض الشعراء:
المستغيث بعمرو يوم كربته ... كالمستغيث من الرّمضاء بالنّار «٣»
يشير بذلك إلى قصة كانت لعمرو، وكقوله فى الحريريات إبطاء فند، وصلود زند، يشير بذلك إلى قصة كانت لفند، فما هذا حاله يقال له التلميح كما ذكرنا فى اشتقاقه، ولو قيل فى لقبه التمليح، بتقديم الميم على اللام لكان حسنا جيدا مطابقا للاشتقاق، يقال ملحت القدر وأملحتها وملّحتها تمليحا فملح وأملح إذا طرحه بقدر يصلحها، وملّحها إذا زاد فى ملحها حتى أفسدها، والمعنى فى تلقيبه بهذا اللقب هو أنه إذا أشار إلى قصة نادرة أو بيت حسن، أو مثل سائر فقد ملحه وزاد فى حسنه كما يزيد الملح فى حسن الطعام ومساغه، فهذا الاشتقاق يكون سائغا ويلقّب به.
стр. 526
الصنف الحادى والثلاثون الحذف
وهو فى أصل اللغة الرّجم بالشىء، يقال حذفه بالعصا إذا رجمه بها، وفى الحديث: أتى إليه ببيضة من ذهب فحذفه بها، فلو أصابته لعقرته، وفى حديث عمر إيّاى وأن يحذف أحدكم الأرنب، أى يزرقها بالمعراض، نهى المحرم عن ذلك، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن التجنب لبعض حروف المعجم عن إيراده فى الكلام، كما روى عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه حكى بمجلسه كثرة دوران الألف فى الكلام وأنه لا يخلو كلام عنها، فأنشأ فى ذلك خطبة سماها المونقة ليس فيها ألف، وكما يحكى عن واصل بن عطاء: أنه كان يتجنب فى كلامه لفظة الراء لما كان يلثغ فيها ويخرجها عن غير مخرجها، وأنشد الزمخشرى ﵀ فى هذا المعنى:
ولا تجعلنّى مثل همزة واصل ... فيسقطنى حذف ولا راء واصل
ويحكى أن رجلا أراد امتحانه فقال قل: رجل ركب فرسه، وجر رمحه، فقال له: غلام اعتلى جواده، وسحب ذابله، فانظر إلى ما أتى به لقد جانب فيه الراء، فكان أبلغ وأفصح مما سئل عنه، وإنما عددناه فى علم البديع لأن ما هذا حاله إنما يصار إليه عند الاقتدار على البلاغة والإغراق فى الفصاحة بحيث يمكنه الخوض فى كل أسلوب من أساليبها، والجرى فى ميدان أعاجيبها، وكما فعل الحريرى فيما أورده فى مقاماته من تجنب النقط فى خطبته التى مطلعها الحمد لله الممدوح الأسماء المحمود الآلاء الواسع العطاء، وفى خطبته الثانية التى مبدؤها قوله: الحمد لله الملك المحمود، المالك الودود، مصور كل مولود، ومآل كل مطرود، إلى آخرها فكل واحدة من الكلم فى هاتين الخطبتين لا نقط فيها بحال أصلا عند الكتاب، ومن أمثلة المنظوم ما قاله بعض الشعراء:
دار لمهدد دارس أعلامها ... طمس المعالم مورها ورهامها
ومن ذلك ما أورده فى الحريريات:
أعدد لحسّادك حدّ السّلاح ... وأورد الآمل ورد السّماح
فهذان البيتان لا نقط فى شىء من ألفاظهما كما ترى، والحروف المهملة التى لا نقط لها يجمعها قولنا: كما صل أو حطّ له درسع، وجملتها خمسة عشر حرفا كما ترى، وأما الحروف المعجمة بالنقط فيجمعها قولنا. بزنديق فى جثّ خشّ غظ، فجملتها أربعة عشر حرفا، فكملت حروف العربية ما ينقط منها ومالا ينقط على هذا التقدير والله أعلم بالصواب.
стр. 527
الصنف الثانى والثلاثون فى الخيف
وهو فن من فنون البلاغة حسن التأليف والانتظام مشتمل على ما يجوز فيه من الكلم الإهمال والإعجام، وهو أن يكون الكلام من المنثور والمنظوم معقودا من جزءين إحدى كلمتى العقد منقوطة كلها، والأخرى مهملة كلها، واستعارة هذا اللقب من قولهم فرس أخيف إذا كان إحدى عينيه سوداء والأخرى زرقاء، فأما مثاله من النظم ما قاله فى الحريريات:
اسمح فبثّ السماح زين ... ولا تخب آملا تضيّف
فأنت إذا اعتبرت ما ذكرناه وجدته مطابقا لكلمات هذا البيت، ألا ترى أن قوله «اسمح» لا ينقط شىء من حروفه بحال، بل هى مهملة، وقوله «فبث» منقوطة كلها، وهكذا القول فى سائر كلمات البيت، وأما مثاله من النثر فكقوله أيضا: الكرم ثبّت الله جيش سعودك يزين، والّلؤم غضّ الدهر جفن حسودك يشين، والأروع يثيب، والمعور يخيب، والحلاحل يضيف، والماحل يخيف، إلى آخر كلامه فى هذه الرسالة، فتعتبرها على ما ذكرناه من هذا الاعتبار فتجدها كذلك، فهذه رسالة سبكها على هذا السبك، وألفها على هذا الانتظام فى السّلك، ومما يجىء على أثره ويسبك من خلاصة جوهره نوع آخر من هذه الرسائل يلقّب بالرّقطاء، وهى مخالفة لما ذكره فى الخيف، لكنها تختص بها نوعا من الاختصاص، وهى أن تكون الكلمة الواحدة أحد حروفها منقوط، والآخر مهمل لا نقط فيه، واشتقاقه من قولهم شاة رقطاء، وهى التى فى جلدها نقط من سواد وبياض، وليس وراء هذا شىء، خلا ما ذكرناه من الأحكام فى البلاغة، وعلو مراتب الفصاحة وسلاطة اللسان، وجودة القريحة، وصفاء الذهن إلى غير ذلك من المواد التى يجعلها الله فى بعض الأشخاص دون بعض، فأما مثاله من النثر فكقوله فى الحريريات أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته تلبّ، فالهمزة مهملة، والخاء منقوطة، واللام مهملة، والقاف منقوطة وهكذا قوله سيدنا على هذه العدة من غير تفاوت، ثم قال وقربه تحف، ونأيه تلف، وأما
стр. 528
من النظم فكقوله أيضا:
سيّد قلّب سبوق مبرّ ... فطن مغرب عزوف عيوف
مخلف متلف إذا ناب هيا ... ج وجلّ خطب مخوف
«١» ثم قال بعد ذلك من هذه الرسالة، مناظم شرفه تأتلف، وشؤبوب حيائه يكف، ونائل يده فاض، وشحّ قلبه غاض، حتى تمت هذه الرسالة على هذه الصفة.
стр. 529
الصنف الثالث والثلاثون حسن التخلص
اعلم أنا فيه قد ذكرنا من قبل، حسن المبادىء والافتتاحات، ورمزنا فيها إلى قول بالغ، يطلع على نكت جمة، ولطائف عجيبة، والذى نذكره ههنا هو ما ينبغى لكل متكلم من شاعر أو خطيب إذا كان قد أتى بما يصلح من الافتتاحات الحسنة فلا بد له من مراعاة التخلص الحسن، لأنه لابد له من تقديم الغزل، أو ذكر الفخر، أو ذكر أطروفة بأدب، ثم يذكر على أثره المدح، وعلى قدر براعة الشاعر والخطيب والمصنف يكون حسن التخلص إلى المقصود، بعد تقديم ما ذكرناه وقلّ ذلك أعنى حسن التخلص فى كلام المتقدمين، وقد جاء فى قول زهير:
إنّ البخيل ملوم حيث كان ... ولكنّ الكريم على علاته هرم «١»
ثم إن حسن التخلص يأتى على أوجه، فأحسن ما يأتى فى بيت واحد وهذا كقول مسلم بن الوليد يمدح البرامكة:
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك ينشر
سريت بها حتى تجلّت بغرّة ... كغرّة يحيى حين يذكر جعفر «٢»
فما هذا حاله قد فاق فى حسن التخلص من الغزل إلى المديح مع قصر الكلام وتقارب أطرافه، لما فيه من إدماج المبالغة فى مدح يحيى بالبر لابنه وجمعه فيه من المحاسن، وقد جاء فى بيتين كقول أبى تمام:
تقول فى قومس قومى وقد أخذت ... منّا السّرى وخطا المهريّة القود «٣»
أمطلع الشمس تبغى أن تؤمّ بنا ... فقلت كلّا ولكن مطلع الجود
فانظر إلى ما أبرزه من التخلص الرائق والمخرج الفائق، وربما جاء فى ثلاثة أبيات، ومثاله ما قاله أبو نواس يمتدح بنى العباس:
стр. 530
وإذا جلست إلى المدام وشربها ... فاجعل حديثك كلّه فى الكاس
وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للنّاس
وإذا أردت مديح قوم لم تلم ... فى مدحهم فامدح بنى العبّاس «١»
فقاتله الله، ما أرق كلامه، وما أعجب ما جاء به من النسيب وحسن التخلص، فكأن ما جاء به رحيق مفلفل، أو نهر جار تسلسل، ومما جاء من التخلص الحسن فى بيتين قول أبى الطيب المتنبى:
مرّت بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشّادن العربا
فاستضحكت ثمّ قالت «كالمغيث» يرى ... ليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا «٢»
ويكثر وجوده فى أشعار المتأخرين، كالمتنبى وأبى تمام والبحترى، ويعز وجوده فى قصائد المتقدمين أعنى التخلص القصير، فأما التخلصات الطويلة فلا بد لكل مادح منها وإن وجدت على تطويل فى القصائد الطوال، وإنما البراعة ما وجد من التخلص الرائق فى الكلام القصير كما أشرنا إليه والله أعلم، ومن نفيس ما يذكر فى التخلصات ما قاله أبو الطيب المتنبى أيضا:
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدى بنى عمر ان فى جبهاتها «٣»
فهذا من أعجب ما يذكر من الخلاص من النسيب إلى المديح فى أخصر لفظ وأقصره، وهو من بدائعه الحسنة، وعجائبه المستحسنة التى فاق بها على نظرائه، من أبناء زمانه، وتميز بها من بين أترابه وأقرانه، ومن رقيق التخلص ودقيقه ما قاله ابن الرومى يمدح رجلا بالكرم:
ما من مزيد فى بليّة عاشق ... وندىّ وجود فى أبى إسحاق
فهذا وما شاكله من مليح ما يذكر فى التخلصات القصيرة ويورد فى أمثلتها.
следующие страницы →