Полный текст (682 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الصنف الحادى والثلاثون الحذف
وهو فى أصل اللغة الرّجم بالشىء، يقال حذفه بالعصا إذا رجمه بها، وفى الحديث: أتى إليه ببيضة من ذهب فحذفه بها، فلو أصابته لعقرته، وفى حديث عمر إيّاى وأن يحذف أحدكم الأرنب، أى يزرقها بالمعراض، نهى المحرم عن ذلك، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن التجنب لبعض حروف المعجم عن إيراده فى الكلام، كما روى عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه حكى بمجلسه كثرة دوران الألف فى الكلام وأنه لا يخلو كلام عنها، فأنشأ فى ذلك خطبة سماها المونقة ليس فيها ألف، وكما يحكى عن واصل بن عطاء: أنه كان يتجنب فى كلامه لفظة الراء لما كان يلثغ فيها ويخرجها عن غير مخرجها، وأنشد الزمخشرى ﵀ فى هذا المعنى:
ولا تجعلنّى مثل همزة واصل ... فيسقطنى حذف ولا راء واصل
ويحكى أن رجلا أراد امتحانه فقال قل: رجل ركب فرسه، وجر رمحه، فقال له: غلام اعتلى جواده، وسحب ذابله، فانظر إلى ما أتى به لقد جانب فيه الراء، فكان أبلغ وأفصح مما سئل عنه، وإنما عددناه فى علم البديع لأن ما هذا حاله إنما يصار إليه عند الاقتدار على البلاغة والإغراق فى الفصاحة بحيث يمكنه الخوض فى كل أسلوب من أساليبها، والجرى فى ميدان أعاجيبها، وكما فعل الحريرى فيما أورده فى مقاماته من تجنب النقط فى خطبته التى مطلعها الحمد لله الممدوح الأسماء المحمود الآلاء الواسع العطاء، وفى خطبته الثانية التى مبدؤها قوله: الحمد لله الملك المحمود، المالك الودود، مصور كل مولود، ومآل كل مطرود، إلى آخرها فكل واحدة من الكلم فى هاتين الخطبتين لا نقط فيها بحال أصلا عند الكتاب، ومن أمثلة المنظوم ما قاله بعض الشعراء:
دار لمهدد دارس أعلامها ... طمس المعالم مورها ورهامها
ومن ذلك ما أورده فى الحريريات:
أعدد لحسّادك حدّ السّلاح ... وأورد الآمل ورد السّماح
فهذان البيتان لا نقط فى شىء من ألفاظهما كما ترى، والحروف المهملة التى لا نقط لها يجمعها قولنا: كما صل أو حطّ له درسع، وجملتها خمسة عشر حرفا كما ترى، وأما الحروف المعجمة بالنقط فيجمعها قولنا. بزنديق فى جثّ خشّ غظ، فجملتها أربعة عشر حرفا، فكملت حروف العربية ما ينقط منها ومالا ينقط على هذا التقدير والله أعلم بالصواب.
стр. 527
الصنف الثانى والثلاثون فى الخيف
وهو فن من فنون البلاغة حسن التأليف والانتظام مشتمل على ما يجوز فيه من الكلم الإهمال والإعجام، وهو أن يكون الكلام من المنثور والمنظوم معقودا من جزءين إحدى كلمتى العقد منقوطة كلها، والأخرى مهملة كلها، واستعارة هذا اللقب من قولهم فرس أخيف إذا كان إحدى عينيه سوداء والأخرى زرقاء، فأما مثاله من النظم ما قاله فى الحريريات:
اسمح فبثّ السماح زين ... ولا تخب آملا تضيّف
فأنت إذا اعتبرت ما ذكرناه وجدته مطابقا لكلمات هذا البيت، ألا ترى أن قوله «اسمح» لا ينقط شىء من حروفه بحال، بل هى مهملة، وقوله «فبث» منقوطة كلها، وهكذا القول فى سائر كلمات البيت، وأما مثاله من النثر فكقوله أيضا: الكرم ثبّت الله جيش سعودك يزين، والّلؤم غضّ الدهر جفن حسودك يشين، والأروع يثيب، والمعور يخيب، والحلاحل يضيف، والماحل يخيف، إلى آخر كلامه فى هذه الرسالة، فتعتبرها على ما ذكرناه من هذا الاعتبار فتجدها كذلك، فهذه رسالة سبكها على هذا السبك، وألفها على هذا الانتظام فى السّلك، ومما يجىء على أثره ويسبك من خلاصة جوهره نوع آخر من هذه الرسائل يلقّب بالرّقطاء، وهى مخالفة لما ذكره فى الخيف، لكنها تختص بها نوعا من الاختصاص، وهى أن تكون الكلمة الواحدة أحد حروفها منقوط، والآخر مهمل لا نقط فيه، واشتقاقه من قولهم شاة رقطاء، وهى التى فى جلدها نقط من سواد وبياض، وليس وراء هذا شىء، خلا ما ذكرناه من الأحكام فى البلاغة، وعلو مراتب الفصاحة وسلاطة اللسان، وجودة القريحة، وصفاء الذهن إلى غير ذلك من المواد التى يجعلها الله فى بعض الأشخاص دون بعض، فأما مثاله من النثر فكقوله فى الحريريات أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته تلبّ، فالهمزة مهملة، والخاء منقوطة، واللام مهملة، والقاف منقوطة وهكذا قوله سيدنا على هذه العدة من غير تفاوت، ثم قال وقربه تحف، ونأيه تلف، وأما
стр. 528
من النظم فكقوله أيضا:
سيّد قلّب سبوق مبرّ ... فطن مغرب عزوف عيوف
مخلف متلف إذا ناب هيا ... ج وجلّ خطب مخوف
«١» ثم قال بعد ذلك من هذه الرسالة، مناظم شرفه تأتلف، وشؤبوب حيائه يكف، ونائل يده فاض، وشحّ قلبه غاض، حتى تمت هذه الرسالة على هذه الصفة.
стр. 529
الصنف الثالث والثلاثون حسن التخلص
اعلم أنا فيه قد ذكرنا من قبل، حسن المبادىء والافتتاحات، ورمزنا فيها إلى قول بالغ، يطلع على نكت جمة، ولطائف عجيبة، والذى نذكره ههنا هو ما ينبغى لكل متكلم من شاعر أو خطيب إذا كان قد أتى بما يصلح من الافتتاحات الحسنة فلا بد له من مراعاة التخلص الحسن، لأنه لابد له من تقديم الغزل، أو ذكر الفخر، أو ذكر أطروفة بأدب، ثم يذكر على أثره المدح، وعلى قدر براعة الشاعر والخطيب والمصنف يكون حسن التخلص إلى المقصود، بعد تقديم ما ذكرناه وقلّ ذلك أعنى حسن التخلص فى كلام المتقدمين، وقد جاء فى قول زهير:
إنّ البخيل ملوم حيث كان ... ولكنّ الكريم على علاته هرم «١»
ثم إن حسن التخلص يأتى على أوجه، فأحسن ما يأتى فى بيت واحد وهذا كقول مسلم بن الوليد يمدح البرامكة:
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك ينشر
سريت بها حتى تجلّت بغرّة ... كغرّة يحيى حين يذكر جعفر «٢»
فما هذا حاله قد فاق فى حسن التخلص من الغزل إلى المديح مع قصر الكلام وتقارب أطرافه، لما فيه من إدماج المبالغة فى مدح يحيى بالبر لابنه وجمعه فيه من المحاسن، وقد جاء فى بيتين كقول أبى تمام:
تقول فى قومس قومى وقد أخذت ... منّا السّرى وخطا المهريّة القود «٣»
أمطلع الشمس تبغى أن تؤمّ بنا ... فقلت كلّا ولكن مطلع الجود
فانظر إلى ما أبرزه من التخلص الرائق والمخرج الفائق، وربما جاء فى ثلاثة أبيات، ومثاله ما قاله أبو نواس يمتدح بنى العباس:
стр. 530
وإذا جلست إلى المدام وشربها ... فاجعل حديثك كلّه فى الكاس
وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للنّاس
وإذا أردت مديح قوم لم تلم ... فى مدحهم فامدح بنى العبّاس «١»
فقاتله الله، ما أرق كلامه، وما أعجب ما جاء به من النسيب وحسن التخلص، فكأن ما جاء به رحيق مفلفل، أو نهر جار تسلسل، ومما جاء من التخلص الحسن فى بيتين قول أبى الطيب المتنبى:
مرّت بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشّادن العربا
فاستضحكت ثمّ قالت «كالمغيث» يرى ... ليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا «٢»
ويكثر وجوده فى أشعار المتأخرين، كالمتنبى وأبى تمام والبحترى، ويعز وجوده فى قصائد المتقدمين أعنى التخلص القصير، فأما التخلصات الطويلة فلا بد لكل مادح منها وإن وجدت على تطويل فى القصائد الطوال، وإنما البراعة ما وجد من التخلص الرائق فى الكلام القصير كما أشرنا إليه والله أعلم، ومن نفيس ما يذكر فى التخلصات ما قاله أبو الطيب المتنبى أيضا:
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدى بنى عمر ان فى جبهاتها «٣»
فهذا من أعجب ما يذكر من الخلاص من النسيب إلى المديح فى أخصر لفظ وأقصره، وهو من بدائعه الحسنة، وعجائبه المستحسنة التى فاق بها على نظرائه، من أبناء زمانه، وتميز بها من بين أترابه وأقرانه، ومن رقيق التخلص ودقيقه ما قاله ابن الرومى يمدح رجلا بالكرم:
ما من مزيد فى بليّة عاشق ... وندىّ وجود فى أبى إسحاق
فهذا وما شاكله من مليح ما يذكر فى التخلصات القصيرة ويورد فى أمثلتها.
стр. 531
الصنف الرابع والثلاثون فى الاختتام
اعلم أنا قد قدّمنا فى فواتح الكلام ومبادئه وذكرنا ما يتعلق بالتخلصات، والذى نذكره الآن إنما هو كلام فى حسن الخاتمة، فينبغى لكل بليغ أن يختتم كلامه فى أى مقصد كان بأحسن الخواتم فإنها آخر ما يبقى على الأسماع، وربما حفظت من بين سائر الكلام لقرب العهد بها، فلا جرم وقع الاجتهاد فى رشاقتها وحلاوتها، وفى قوتها وجزالتها، وينبغى تضمينها معنى تاما يؤذن السامع بأنه الغاية والمقصد والنهاية، ولهذا قال ﵇:
«ملاك العمل خواتمه» ، وفى حديث آخر: «ألا إنما الأعمال بخواتيمها» ، وفى حديث آخر: «لا تعجبوا بعمل أحد حتى تدروا بم يختم له» «١» ، فالخاتمة فى كل شىء هى العمدة فى محاسنه، والغاية فى كماله، فأما المتقدمون من الشعراء كامرىء القيس، والنابغة، وطرفة، وغيرهم من شعراء الجاهلية فليس لهم فيه كل الإجادة، وإنما الذى أجاد فيه المتأخرون، كأبى نواس، والمتنبى، والبحترى، وأبى تمام، ولنضرب فى ذلك أمثلة:
المثال الأول: من آى التنزيل فإن الله تعالى ختم كل سورة من سوره بأحسن ختام، وأتمها بأعجب إتمام، ختاما يطابق مقصدها، ويؤدى معناها، من أدعية، أو وعد أو وعيد، أو موعظة أو تحميد، أو غير ذلك من الخواتيم الرائقة، ألا ترى إلى ما ختم به سورة البقرة وسورة الفاتحة، فأما الفاتحة فختمها بما يناسب معناها ويطابق لفظها، من حسن التأليف وجودة الجزالة بذكر الصنفين المغضوب عليهم من اليهود والنصارى، وأن لا يجعلنا منهما، ويتم لنا هدايته الكاملة، إلى حججه الواضحة، وبراهينه النيّرة، واختتم سورة البقرة بتعليم الابتهال إليه فى مغفرة الخطايا وترك تحمل الأثقال والإصر والنصرة على الكفار، ونحو اختتام سورة آل عمران بالخواتيم الحسنة من الوصايا بالصبر على المكاره، والمصابرة على الجهاد لأعداء الله، وإشادة معالم الدين وإظهار أحكامه، والرابطة للخيل فى الجهاد وإعدادها للغزو، وبالتقوى التى هى قوام الدين وملاكه، فمن أجل ذلك يحصل السبب فى الفلاح فى كل الأمور، وفى خاتمة سورة النساء بالتبجيل والتعظيم بالبيان والهداية، وبما كان من الوعد، والوعيد فى خاتمة سورة الأنعام بقوله: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ
стр. 532
الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)
[الأنعام: ١٦٥] وبما كان من إظهار الجلال والعظمة فى خاتمة سورة المائدة، فهذه الخواتيم كلها فى كل سورة على نهاية الحسن والرشاقة، وهكذا الكلام فى كلام رسول الله ﷺ فى كتبه ومواعظه وخطبه، فإنك ترى خواتيمها معجبة لما تضمنته، ونحو هذا كلام أمير المؤمنين فى كتبه ومواعظه وهذا كقوله ﵇ فى ذم الدنيا، وغدرها بأهلها، وذهابها عن أيديهم، وعدم التمسك بها «ولات حين مناص، هيهات هيهات، قد فات ما فات وذهب ما ذهب» ثم ختمها بآية من القرآن مناسبة لها وهى قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)
[الدخان: ٢٩] إلى غير ذلك من الخواتيم الحسنة فى خطبه وكلامه، فهذا ما أردنا ذكره من أمثلة المنثور.
المثال الثانى: من المنظوم فمن أحسن ما قيل فى ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى
قد شرّف الله أرضا أنت ساكنها ... وشرّف الناس إذ سوّاك إنسانا «١»
فهذه الخاتمة إذ قرعت سمع السامع عرف بها أن لا مطمع وراءها، ولا غاية بعدها، وهى الغاية المقصودة، والبغية المطلوبة، وبها يعلم انتهاء الكلام وقطعه، كقول أبى نواس يمدح المأمون:
فبقيت للعلم الذى تهدى له ... وتقاعست عن يومك الأيّام «٢»
فانظر إلى حسن هذه الخاتمة كيف تضمنت الدعاء بالبقاء مع نهاية المدح والإعظام لحاله، وغاية حسن الخاتمة أن يعرف السامع انقضاء القصيدة وكمالها، فهذه علامة حسنها ورونقها، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء يمدح رجلا استماحه:
وإنى جدير إن بلغتك بالمنى ... وأنت بما أمّلت منك جدير
فإن تولنى منك الجميل فأهله ... وإلّا فإنى عاذر وشكور «٣»
ومن ذلك ما قاله أبو تمام يذكر فتح عمورية ويهنىء المعتصم بها:
إن كان بين صروف الدهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير مقتضب
فبين أيّامك اللاتى نصرت بها ... وبين أيّام بدر أقرب النّسب
стр. 533
أبقت بنى الأصفر المصفرّ كاسمهم ... صفر الوجوه وجلّت أوجه العرب «١»
فهذه خاتمة ترى على وجهها الطلاوة، وعصارة الرشاقة، وحسن الخواتم فى كلام المتأخرين أكثر من أن تعد وتحصى، ومن ذلك ما قاله المتنبى فى بعض قصائده السيفيات:
فلا حطّت لك الهيجاء سرجا ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقا «٢»
وقال أيضا:
لا زلت تضرب من عاداك عن عرض ... تعاجل النصر فى مستأجر الأجل «٣»
وقال أيضا فى بعض قصائده وقد عرض ذكر الخيل:
فلا هجمت بها إلّا على ظفر ... ولا وطئت بها إلّا إلى أمل «٤»
وقال بعض المتأخرين فى رجل مدحه بقصيدة مستملحة:
إنّى جدير بالنجاح لأننى ... أملت للخطب الجليل جليلا
لا زال فعلك بالعلاء مرصّعا ... أبدا وعرضك بالعفاف صقيلا
وقال آخر فى تعزية عزاها فى أخ له قال فى خاتمها:
وكلّ خطب وإن جلّت عظائمه ... فى جنب مهلكه مستصغر جلل
سقى ضريحا حواه صوب غادية ... مثعنجر الودق وكّاف الحيا هطل
فهذه الخواتم كلها رائقة ملائمة لما قبلها.
وإن الاختتام لفن من البديع بمكان، وإنه لحقيق من بينها بالإحراز والإتقان، وهو آخر الكلام فى أصناف البديع المتعلقة بالفصاحة المعنوية والفصاحة اللفظية، كما مر تقريره، وقد أتينا على معظم أبواب البديع وأصنافه، فإن شذّ شىء على جهة النّدرة، فإنه مندرج تحت ما ذكرناه من هذه الأصناف بل لا يشذ إلا قليل لا يعول عليه.
стр. 534
الصنف الخامس والثلاثون فى إيراد نبذة من السرقات الشعرية
اعلم أن معنى السرقة فى الأشعار هى أن يسبق بعض الشعراء إلى تقرير معنى من المعانى واستنباطه، ثم يأتى بعده شاعر آخر يأخذ ذلك المعنى ويكسوه عبارة أخرى، ثم يختلف حال الأخذ، فتارة يكون جيدا مليحا، وتارة يكون رديئا قبيحا، على قدر جودة الذكاء والفطنة والفصاحة بين الشاعرين كما سنقرره ونظهر أمثلته، فمن الشعراء من يأخذه كرة وبعرة ويردّه ياقوتة ودرة، ومن الناس من يأخذه ديباجة ويرده عباءة إلى غير ذلك من الأمثال فى النقائض والأضداد فى الأخذ والرد، وهل تعد السرقة الشعرية من علم البديع أم لا، فيه وجهان، أحدهما أنها تكون معدودة فيه، لأن كل واحد من السابق واللاحق إنما يتصرف فى تأليف الكلام ونظمه، وترديده بين الفصيح والأفصح والأقبح والأحسن، وهذه هى فائدة علم البديع وخلاصة جوهره، وثانيهما أنها غير معدودة فى علم البديع، لأن معنى السرقة هو الأخذ، ومجرد الأخذ لا يكون متعلقا بأحوال الكلام ولا بشىء من صفاته، فلأجل هذا لم تكن معدودة فى علم البديع، والأول أقرب، وهو عدّها من جملة أصنافه، والبرهان القاطع على ما ذكرناه، هو أن علم البديع أمر عارض لتأليف الألفاظ وصوغها وتنزيلها على هيئة تعجب الناظر، وتشوق القلب والخاطر، وهذا موجود فى السرقات الشعرية، فإن الشاعرين المفلقين يأخذ كل واحد منهما معنى صاحبه، ويصوغه على خلاف تلك الصياغة، ويقلبه على قالب آخر، فإما زاد عليه، وإما نقص عنه، وكل ذلك إنما هو خوض فى تأليف الكلام ونظمه، فإذن الأخلق عدها منه لما ذكرناه، بل هى أخلق بذلك، لأنا إذا عددنا الطباق، والتجنيس، والترصيع، والتصريع، من علوم البديع مع أنها إنما اختصت بما اختصت به من التأليف وتنزيلها على تلك الهيئات من لسان واحد فكيف حالها إذا كانت مختصة بما ذكرناه من لسانين على هيئتين مختلفتين، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن السرقات الشعرية وإن كثرت شجونها واختلفت فنونها، فإنها لا تنفك أصولها عن خمسة أنواع نفصلها بمعونة الله تعالى: ونشير إلى جملتها.
стр. 535
النوع الأول منها النسخ
واشتقاقه من قولهم نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه إلى غيره، وذلك لأن أحد الشاعرين يأخذ معنى صاحبه وينقله إلى تأليف آخر، ثم النسخ يكون على وجهين، الوجه الأول منهما أن يأخذ لفظ الأول ومعناه، ولا يخالفه إلا بروىّ القصيدة، ومثاله قول امرىء القيس:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتحمّل «١»
أخذه طرفة بن العبد واسترقه وأجراه على منواله الأول فقال:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد «٢»
فانظر إلى هذه الموافقة فى الألفاظ والمعانى من غير مخالفة هناك إلا فيما ذكراه من حرف الروى، فالأولى لامية، والأخرى دالية، وكما قال الفرزدق فى مهاجاته لجرير:
أتعدل أحسابا لئاما حماتها ... بأحسابنا إنى إلى الله راجع «٣»
فأجابه جرير واسترق ما ذكره بأحسن ما يكون وأعجبه قال:
أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إنى إلى الله راجع «٤»
الوجه الثانى: وهو الذى يؤخذ فيه المعنى وأكثر اللفظ مثاله ما قال بعضهم يمدح معبدا صاحب الغناء، ويذكر فضله على غيره ممن تولع بالغناء:
أجاد طويس والسّريجىّ بعده ... وما قصبات السّبق إلّا لمعبد «٥»
ثم قيل بعد ذلك:
محاسن أوصاف المغنّين جمة ... وما قصبات السّبق إلّا لمعبد «٦»
فأورد المعنى بعينه مع أكثر اللفظ الأول، فهذا وأمثاله يورد فى أمثلة النسخ.
النوع الثانى السلخ
وهو أخذ بعض المعنى، ولا تعويل فيه على إيراد اللفظ واشتقاقه من سلخ أديم الشاة، وهو أخذ بعض جسم المسلوخ، ويرد على أوجه كثيرة وأنحاء متعددة، ولكنا نقتصر على
стр. 536
إيراد المهم منها، فهى كفاية وبالله التوفيق، ثم إنه يأتى على أوجه ثلاثة، الوجه الأول أن تكون السرقة مقصورة على المعنى لا غير، من غير إيراد لفظ ما سرق منه، وهذا من أدق السرقات مسلكا وأحسنها صورة، وأعجبها مساقا، ومثاله قول بعض أهل الحماسة:
لقد زادنى حبا لنفسى أنّنى ... بغيض إلى كلّ امرىء غير طائل «١»
فقد أخذ المتنبى هذا المعنى واستخرج منه ما يشبهه من جهة معناه، ولم يورد شيئا من ألفاظه ولكنه عول فيه على المعنى وقصره عليه:
وإذا أتتك مذمّتى من ناقص ... فهى الشهادة لى بأنّى كامل «٢»
فمن كثر عراكه للأشعار، وممارسته لها فإنه لا يغرب عن فهمه أن ما ذكره المتنبى مأخوذ معناه من بيت الحماسة، فصاحب الحماسة يقول إن نقص الدنىء إياى مما يزيد نفسى حبا عندى لكون الذى نقصها لا فضل له، فيعرف فضلى، والمتنبى يقول إنّ ذم الناقص إياى شاهد بفضلى، فذم الناقص له مثل نقص الذى هو غير طائل فهما متفقان من جهة المعنى.
الوجه الثانى: أن تكون السرقة بأخذ المعنى وشىء يسير من اللفظ، فمن ذلك ما قاله حسان بن ثابت يصف الرسول ﷺ ويمدحه:
ما إن مدحت محمّدا بمقالتى ... لكن مدحت مقالتى بمحمّد «٣»
فأخذه أبو تمام فأكمل معناه، واسترق شيئا من لفظه على القلة قال:
ولم أمدحك تفخيما لشعرى ... ولكنّى مدحت بك المديحا «٤»
فانظر إلى تكريرهما لفظ المدح فى البيتين من غير زيادة، وكذلك قول ابن الرومى:
وما لى عزاء عن شبابى علمته ... سوى أنّنى من بعده لا أخلّد
استرقه من بيت لمنصور النمرى قال فيه:
قد كدت أقضى على فوت الشباب أسى ... لولا تعزّىّ أنّ العيش منقطع
وهكذا قول أبى تمام يمدح رجلا بالجود والسخاء والكرم:
وإذا المجد كان عونى على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضى
استرقه منه ابن الرومى بأحسن استراق فى أخذ معناه قال:
стр. 537
ووكلت مجدك فى اقتضائك حاجتى ... وكفى به متقاضيا ووكيلا
فهذه السرقات كلها معنوية مع إعادة بعض اللفظ كما ترى.
الوجه الثالث: من السلخ أن يؤخذ بعض المعنى فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
عطاؤك زين لامرىء إن حبوته ... ببذل وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لا مرىء بذل وجهه ... إليك كما بعض السّؤال يشين
فأخذه أبو تمام ونقص من معناه بعض النقصان قال فيه:
تدعى عطاياه وفرا وهى إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا
ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتى رأيت سؤالا يجتنى شرفا «١»
فالأول أتى بمعنيين، أحدهما أن عطاءك زين والآخر أن عطاء غيرك شين، وأما أبو تمام فإنه أتى بالمعنى الأول لا غير، وهو أن عطاءه زين، فهذا ما أردنا ذكره مما يتعلق بالسلخ، وفيه أوجه غير هذه تركنا ذكرها للاستغناء بما ذكرنا عنها، ومن عرف ما قلناه أمكنه إدراك ما عداه من هذا النوع.
النوع الثالث المسخ
وهو إحالة المعنى إلى ما هو دونه، واشتقاقه من قولهم مسخت هذه الصورة الآدمية إلى صورة القردة والخنازير، فتارة تكون صورة الشعر حسنة فتنقل إلى صورة قبيحة، وهذا هو الأصل فى المسخ، وتارة تكون الصورة قبيحة فتنقل إلى صورة حسنة، فهذان وجهان نذكر ما يتوجه منهما بمعونة الله.
الوجه الأول: أن ينقل الأحسن من الشعر إلى صورة قبيحة، ومثاله ما قاله عبد السلام ابن رغبان الملقب بديك الجن:
بحقّ تعزّيك ومنك الهدى ... مستخرج والصبر مستقبل
تقول بالعقل رأيت الذى ... تأوى إليه وبه تعقل
إذا عفا عنك وأودى بنا الدّ ... هر فذاك المحسن المجمل
أخذه أبو الطيب المتنبى فأتى به على عكس صورته وقلب أعلاه أسفله:
стр. 538
إن يكن صبر ذى الرّزيئة فضلا ... تكن الأفضل الأعزّ الأجلّا
أنت يا فوق أن تعزّى عن الأ ... حباب فوق الذى يعزّيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عزّا ... ك قال الذى له قلت قبلا «١»
فالبيت الآخر من هذه المقطوعة هو الذى وقع به المسخ، فانظر إلى ما بينهما من التفاوت فى الرقة واللطافة والجودة والرشاقة.
الوجه الثانى: عكس هذا وهو أن ينقل من صورة قبيحة إلى صورة حسنة، وهو معدود فى السرقات، وإن كان بعضهم لا يعده منها وهذا كقول المتنبى:
لو كان ما يعطيهم من قبل أن ... يعطيهم لم يعرفوا التأميلا «٢»
وقد أخذه ابن نباتة السعدى فأجاد فيه كل الإجادة قال:
لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله ... تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل «٣»
فانظر كيف أخذه عباءة وزجاجة، ثم رده ياقوتة وديباجة، فبينهما بعد متفاوت ودرجات متبانية، ومن ذلك ما قاله أبو نواس يذكر لعب الخيل بالصولجان من أرجوزة له يصف ذلك:
جنّ على جنّ وإن كانوا بشر ... كأنما خيطوا عليها بالإبر
أخذه المتنبى فأذاقه حلاوة، وأكسبه رونقا وطلاوة، قال:
فكأنما نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها «٤»
فقاتله الله، لقد تباهى فى الإعجاب، وأتى بما يدهش العقول، ويسحر الألباب، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب أيضا وقد أنشدناه من قبل هذا:
إنى على شغفى بما فى حرها ... لأعفّ عمّا فى سرا ويلاتها «٥»
أخذه الشريف الرضى فأحسن فيه كل الإحسان قال فيه:
أحنّ إلى ما يضمن الخمر والحلى ... وأصدف عمّا فى ضمان المآذر
стр. 539
النوع الرابع عكس المعنى
وما هذا حاله فهو بالغ فى المجد كل مبلغ، ومن لطافته ورقته ورشاقته يكاد يخرجه عن حد السرقة، فمن ذلك ما قاله أبو نواس فى مدح نكاح الصغار واللاتى لم ينكحن:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطىّ إلىّ ما لم تركب
كم بين حبّة لؤلؤ مثقوبة ... نظمت وحبة لؤلؤ لم تثقب
فعكس ما قاله مسلم بن الوليد فقال:
إن المطيّة لا يلذّ ركوبها ... حتى تذلّل بالزمام وتركبا
والحبّ ليس بنافع أربابه ... حتى يفصّل فى النظام ويثقبا
ومن ذلك ما قاله ابن جعفر فى الوصل والقلى:
ولما بدا لى أنها لا تريدنى ... وأنّ هواها ليس عنّى بمنجلى
تمنّيت أن تهوى سواى لعلّها ... تذوق صبابات الهوى فترقّ لى
فأخذ هذا المعنى بعضهم وعكسه على حسنه قال:
ولقد سرّنى صدودك عنّى ... فى طلابيك وامتناعك منّى
حذرا أن أكون مفتاح غيرى ... وإذا ما خلوت كنت التمنّى
فانظر إلى كلام ابن جعفر فلم يبال فى إلقاء رداء الغيرة عن منكبه ومشاركة غيره له فى مواصلة محبوبه، وأما الآخر فهو على الضد من ذلك، ومن ذلك ما قاله أبو الشّيص فى الغرام بمحبوبه:
أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا بذكرك فليلمنى اللّوّم «١»
فأخذه أبو الطيب المتنبى وعكس ما قاله عكسا لائقا قال فيه:
أأحبّه وأحبّ فيه ملامة ... إنّ الملامة فيه من أعدائه «٢»
وما هذا حاله فإنه من السرقات الخفية كما أشرنا إليه، وقد قال بعض الحذاق إن ما هذا حاله بأن يسمى ابتداعا أحق من أن يسمى سرقة، ومن هذا ما قاله بعض الشعراء فى صفة الكرام ومدحهم:
لولا الكرام وما استنّوه من كرم ... لم يدر قائل شعر كيف يمتدح
стр. 540
وقد سبقه بهذا المعنى أبو تمام خلا أن أبا تمام جعله فى الكرم، وهذا جعله فى المدح، قال أبو تمام فى ذلك فأجاد كل الإجادة:
ولولا خلال سنّها الشّعر ما درى ... بغاة النّدى من أين تؤتى المكارم
فهذا ما تحصّل من الأمثلة فى العكس.
النوع الخامس فى أخذ المعنى والزيادة عليه معنى آخر
فمن ذلك ما قاله جرير:
غرائب ألّاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما «١»
فأخذه أبو تمام وزاد عليه زيادة بديعة فأعجب كل الإعجاب:
غرائب لاقت فى فنائك أنسها ... من المجد فهى الآن غير غرائب
فحاصل كلام جرير أن قصائده لا يماثلهن غيرهن، فإنهن مفردات عن أشكالهن، وحاصل كلام أبى تمام أن لهن أمثالا صادفنها فأنسن إليها، فكلاهما قد أورد الغرائب فى شعره، خلا أن ابا تمام زاد عليه بأن قرنها بذكر الممدوح، فلهذا كانت لائقة حسنة لذلك، ومن ذلك ما قاله أبو تمام يمدح كريما:
يصدّ عن الدنيا إذا عنّ سؤدد ... ولو برزت فى زىّ عذراء ناهد «٢»
وقد أخذه من قول بعض الشعراء:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر «٣»
خلا أن أبا تمام زاد عليه قوله «برزت فى زىّ عذراء ناهد» ولم يتضمنه قول الشاعر الثانى، ومن ذلك ما قاله البحترى:
ركبوا الفرات إلى الفرات وأمّلوا ... جذلان يبدع فى السّماح ويغرب
أخذه من قول مسلم بن الوليد:
ركبت إليه البحر فى ماخراته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر
خلا أن البحترى زاد عليه قوله «جذلان يبدع فى السماح ويغرب» فهذه الزيادة زادته
стр. 541
حسنا إلى حسنه، وإعجابا إلى إعجابه كما تراه ههنا، ومن ذلك ما قاله جرير يمدح بنى تميم:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا «١»
فأخذه أبو نواس فى قوله:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد «٢»
وزاد عليه زيادة رشيقة، وذلك أن جريرا جعل الناس كلهم بنى تميم، وأبو نواس جعل العالم كلهم فى واحد، فلا جرم كان ما قاله أبلغ وأدخل فى المدح والإعظام، ومن ذلك ما قاله الفرزدق:
علام تلفّتين وأنت تحتى ... وخير الناس كلّهم أمامى
متى تأتى الرّصافة تستريحى ... من الأنساع والدّبر الدّوامى «٣»
أخذه أبو نواس وزاد فيه زيادة صار بها فى غاية الحسن والإعجاب فقال:
وإذا المطىّ بنا بلغن محمدا ... فظهورهنّ على الرجال حرام
فالفرزدق أراد أنها تستريح من الشد والرّحل فيدميها ذلك ويدبرها، وليس استراحتها بمانعة من معاودة إتعابها مرة أخرى، وأما أبو نواس فإنه حرم ظهورهن على الرجال وأعفاهن من الأسفار إعفاء مستمرا، فلهذا كان بليغا بهذه الزيادة كما ترى، ومن ذلك ما قاله أبو نواس فى مدح كتيبة:
أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد
فأخذه أبو الطيب المتنبى وزاد عليه زيادة هى الغاية فى الكمال فقال:
وملمومة زرد ثوبها ... ولكنّها بالقنا مخمل
فانظر إلى حسن ما ذكره فى القنا حيث جعله خملا لثوب الزرد، فناسبه نهاية المناسبة، وكان ملائما غاية الملائمة، وهذا المعنى غير حاصل فى بيت أبى نواس وهو من عجائبه التى انفرد بها، وملحه الفائقة لمن نظر فيها، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى يمدح رجلا بالكرم:
وإن جاد قبلك قوم مضوا ... فإنّك فى الكرم الأوّل
стр. 542
أخذه بعض الشعراء وزاد عليه فأجاد فيما قاله وأصاب فيه «أنت فى الجود أول وقضى الله أن لا يرى لك الدهر ثانى» .
فما ذكره من المعنى الجزل والمدح العالى ليس حاصلا فى بيت أبى الطيب، ولنقتصر على هذا القدر من السرقات الشعرية وبيان أمثلتها ففيه مقنع وكفاية فى التنبيه على ما وراءه من ذلك، فإنه باب واسع من الفنون الشعرية، وفيه أودية، وله شجون وفنون، وفيما أوردناه غنية، وبتمامه يتم الكلام على النمط الثانى من بيان أنواع الفصاحة المعنوية من أنواع البديع، وقد نجز الكلام على الباب الرابع الذى رسمناه فى علوم البديع وأصنافه، والله الموفق للصواب.
ولنختم كلامنا فى الباب الرابع الذى رسمناه لبيان أصناف البديع ومعرفة أسراره بذكر تنبيهات ثلاثة
هى لائقة ههنا حيث لم تذكر فى صدر الباب لبيان معنى البديع وتقرير أقسامه على جهة الإجمال وبيان مواقعه، فهذه تنبيهات لا غنى عن ذكرها لمن أراد الخوض فى علم البديع.
التنبيه الأول فى بيان معناه
واعلم أن لفظ البديع، فعيل بمعنى مفعول، كقولنا جريح وقتيل، أو فعيل بمعنى مفعل نحو حكيم بمعنى محكم وأنشد النحاة:
وقصيدة تأتى الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها
وهو فى كلا وجهيه بمعنى مفعول، ولا يختلفان إلا فى أن أحدهما مأخوذ من الثلاثى المجرد فتقول بدع هذا يبدعه فهو بديع، أى مبدوع، والثانى مأخوذ من الثلاثى المزيد فتقول فيه أبدع هذا يبدعه فهو مبدع، والفاعل مبدع، قال الله تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[البقرة: ١١٧] أى مبدعهما ومعنى البديع الموجد بالقدرة لا على جهة الاحتذاء، فالمبدىء والمبدع سيّان فى أن كل واحد منهما حاصل من غير مثال سابق ولا احتذاء متقدم، وأما فى مصطلح علماء البلاغة فهو عبارة عن الكلام المؤلف على جهة الإسناد المجازى من حيث الاستعارة، ولنفسر مقصودنا بهذه القيود بمعونة الله، فقولنا عبارة عن الكلام، إعلام بأن البديع إنما هو خاص بالكلام دون سائر الأفعال كلها، فإنه لا مدخل له فيها، فلا يقال فى رشاقة القدّ وحسن الدلّ، إنه من البديع، فهو إنما يكون من عوارض الكلام لا غير، وقولنا «المؤلف» يحترز به عن الكلم المفردة بالإضافة إلى كل واحدة من أعدادها،
стр. 543
فإنه لا يقال له بديع، لأنه مخصوص بما كان مؤتلفا من أجزاء، وقولنا «على جهة الإسناد» يحترز به عما إذا كان التركيب حاصلا، لكن من غير جهة الإسناد، كقولك زيد، عمر، بكر، خالد، فإن ما هذا حاله وإن كان مركبا لكنه غير مسند، لأن الإسناد فى مثل قولك زيد قائم وعمرو خارج وغير ذلك، والبديع إنما يكون حيث تحصل الفائدة، فأما ما لا فائدة فيه فلا موقع لعلم البديع فيه، وإنما يزداد حسنا فيما كان تركيبه مفيدا، وقولنا «المجازى» يحترز به عن الحقائق فإنه لا مدخل لعلم البديع فيما كان جاريا على جهة الحقيقة، وإنما موضعه المجازات البليغة، وقولنا «من جهة الاستعارة» يحترز به عن أكثر أنواع المجازات، فإنه لا مدخل للبديع فيها، وهذا نحو مجاز الزيادة، ومجاز النقصان، وغير ذلك من المجازات، فالمجاز أعمّ من البديع، ولهذا فإن كل بديع فهو مجاز، وليس كل مجاز بديعا، بل هو مخصوص بمجاز الاستعارة دون غيرها من سائر المجازات، وهكذا القول فى التشبيه المظهر الأداة، فإنه لا يدخله البديع، لأنه ليس من جملة المجاز فيقال بأنه داخل فى علم البديع، وإذا لم يكن داخلا فى المجاز فلأن يمتنع دخوله فى البديع أولى وأحق، فهذا تقرير ماهية البديع لغة واصطلاحا.
التنبيه الثانى فى ذكر أقسامه
اعلم أنا قد فرغنا من ذكر أصنافه فيما سبق، ولكنا نورد تقسيمه على جهة الإجمال، ونكتفى فى التفاصيل بما سبق شرحه، ليكون الناظر على استحضار فيه، وهو فى التقسيم منقسم إلى أضرب ثلاثة:
الضرب الأول منها ما يكون راجعا إلى الفصاحة اللفظية
وهذا هو المراد بعلم البيان، ثم منه ما يرد فى المنظوم والمنثور كالتجنيس، والترصيع، ولزوم ما لا يلزم، وغير ذلك من أصناف البديع، ومنه ما يكون مختصا بالنظم، وهذا التصريع، فإنه مخصوص بالقوافى لا يرد إلا فيها، وضابطه أن كل ما كان متعلقه ما يرجع إلى الألفاظ فهو بفصاحة الألفاظ أشبه.
الضرب الثانى ما يكون راجعا إلى الفصاحة المعنوية ،
وهذا هو المراد بعلوم المعانى، وهذا نحو التخييل، والاستطراد، والتفويف، والتوشيح. وغير ذلك من الأصناف المتعلقة بعلوم البلاغة، والضابط فى مثل هذا أن كل ما كان متعلقا بالمعانى فهو من باب الفصاحة
стр. 544
المعنوية، وهذا هو الغرض بقولنا علم المعانى وعلم البيان كما سبق تقريره.
الضرب الثالث ما يكون بمعزل عن الفصاحة اللفظية والفصاحة المعنوية على الخصوص ،
ولكنه ينزل منزلة التتمة والتكملة لهما، ويكون تحسينا لهما وتزيينا لمواقعهما، وهذا نحو الكمال، والإيضاح، وحسن البيان، ونحو التتميم، والاستيعاب، والتذييل إلى غير ذلك من الأوصاف التى لا تستقل بنفسها، وإنما يكون حصولها على ما ذكرناه من مراعاة الإكمال وتحسين الهيئة كما أشرنا إليه فى الأصناف السابقة، ونظيره من علم الإعراب قولك:
ضرب زيدا عمرو، بتقديم المفعول على الفاعل، فإن ما هذا حاله قد أفاد كلاما مطابقا لقوانين العربية، خلا أنه لم يفت منه إلا تحسين الكلام وتزيينه، حيث لم يكن الفاعل لاصقا بالفعل، والمفعول متأخرا عن الفاعل، فهذا يجرى مجرى التحسين والإكمال للجملة لا غير، فهكذا ما قلناه من هذه الأبواب إنما وردت على جهة الإكمال والتحسين وإعطاء الهيئة الحسنة والتأليف العجيب فى الكلام، فأما أصل البلاغة والفصاحة، فهما حاصلان من دون هذه الأبواب كما يدريه العاقل الخبير بموارد البلاغة والفصاحة ومصادرها، وهذه الأبواب أيضا متقاربة، والأصناف وإن تعددت متدانية، لكنا أجريناها على هذا التقسيم جريا على عادة أهل البلاغة، واقتفاء لآثارهم، وهى عندنا فى الحقيقة متقاربة.
التنبيه الثالث فى بيان مواقع البديع
اعلم أن كل موضع من الكلام ليس صالحا لعلم البديع وإنما يصح فى مواضع من الكلم دون مواضع، فهذان تقريران نذكرهما بمعونة الله تعالى:
التقرير الأول فى ذكر المواضع التى يصح دخوله فيها
وجملة المداخل التى يختص بها شروط أربعة. الشرط الأول: أن يكون واردا فى الكلام المنظوم من هذه الأحرف المعتادة، أعنى حروف العربية، وهى التسعة والعشرون، فلا يجوز دخوله إلا فيما كان مؤلفا منها من الكلمات العربية دون غيرها من الكلم الفرسية والعبرانية والتركية، فهو مختص من بين سائر اللغات باللغة العربية، الشرط الثانى: أن يكون واردا فى الكلام الإسنادى التركيبى الذى يختص بالمعانى المفيدة، ولهذا فإنك لو أفردت الكلم المفردة فقلت زيد، عمرو، بكر، خالد، لم يكن مفيدا فائدة لعدم الإسناد،
стр. 545
فلا يكفى فيه وجود الكلم العربية المفردة، بل ولو اختص بالكلم العربية المفردة فلابد من أن يكون واردا فيما كان مسندا، لأنه لابد من اختصاصه بالإفادة، وليس يكون مفيدا إلا بالإسناد الذى تحصل من أجله فائدة الكلام. الشرط الثالث: أن يكون واردا فى المجاز فلا يعقل البديع إلا إذا كان الكلام واقعا فى رتبة المجاز، فأما ما كان من الكلام موضوعا على أصل حقيقته فلا مدخل له فيه، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن السّعة فى الكلام والافتتان فيه إنما يكون حاصلا بالدخول فى الأنواع المجازية، فأما الحقائق فهى قليلة بالإضافة إلى المضطربات المجازية، وهو الذى أوجب انشعاب البديع إلى تلك الأصناف التى أسلفناها، فإنه لم يقع اختلافها إلا لما يتعلق بها من التصرف فى المجاز والدخول فيه كل مدخل، ولهذا فإن العرب ممتازون فى كلامهم على العجم بهذه الخصلة، فإن الشاعر من العجم ربما ذكر كتابا طويلا من أوله إلى آخره شعرا على صفة واحدة من غير اختلاف فيه، كما تفعله العرب فى قصائدها من اختلاف بحورها ورويها، ومقاصدها ومغازيها المتباينة، كما يحكى عن الفردوسى من شعراء العجم أنه نظم كتابا وجعله ستين ألف بيت يشتمل على تاريخ الفرس، ومثل هذا لا يقصد فى لغة العرب مع أن اتساعها أكثر من اتساع لغة العجم، الشرط الرابع: أن يكون المجاز حاصلا فى الاستعارة من بين أودية المجاز والكناية، والتمثيل المضمر الأداة، لأن بهذه الأمور يحصل اليقين فى الكلام، ويكثر الاتساع لأجلها، فهذه الشرائط لا بد من اعتبارها فى علم البديع وإحرازه.
التقرير الثانى فى بيان المواضع التى لا يصح دخوله فيها
وهو عكس هذه الأمور الأربعة، لأنها إذا كانت شرطا فى صحته كان ما خلافها مبطلا له، فلا يرد فى الكلم المفردة، ولا يكون واردا فى المركبات التى لا إسناد فيها لبطلان فائدته، ولا يدخل فى حقائق الكلام، وهو ما أريد به ما وضع له فى الأصل، ولا يرد فى التشبيه المظهر الأداة لأنه ليس معدودا على الصحيح فى أودية المجاز، فأما التشبيه المضمر الأداة فهو نوع من أنواع الاستعارة، فلا يمتنع وروده فيه، ويرد فى الكناية أيضا، فهذه جملة ما يجب اعتباره فى كون البديع من الكلام بديعا، وما لا يعتبر فيه، وبتمامه يتم القول على الباب الرابع من أبواب الفن الثانى الذى رسمناه للمقاصد، ونشرح الآن الفن الثالث وهو التكملات اللاحقة.
стр. 546
الفن الثالث من علوم هذا الكتاب فى ذكر التكملات اللاحقة
اعلم أن ما يتعلق بالأسرار البيانية، والعلوم البلاغية، قد ذكرناه ورمزنا إلى أسراره ومقاصده، والذى نريد ذكره فى هذا الفن هو الكلام فيما يتعلق بأسرار القرآن، ونحن وإن ذكرناه على جهة التتمة والتكملة، فهو فى الحقيقة المقصود، والغرض المطلوب، فنذكر فصاحته وأنه قد وصل الغاية التى لا غاية فوقها، وأن شيئا من الكلام وإن عظم دخوله فى البلاغة والفصاحة، فإنه لا يدانيه، ونذكر كونه معجزا للخلق، وأن أحدا لا يأتى بمثله، نذكر وجه إعجازه، ثم نذكر أقاويل العلماء فى ذلك، ثم نردفه بذكر المختار، فهذه أربعة فصول قد اشتمل عليها هذا الفن، نفصلها ونذكر ما تضمنته من الأسرار والتفاصيل، والله الموفق للصواب.
стр. 547
الفصل الأول فى بيان فصاحة القرآن
اعلم أن فصاحة القرآن وبلاغته أظهر من أن تكشف، ولا خلاف بين العقلاء فى فصاحته وبلاغته، وإنما يؤثر الخلاف: هل فى المقدور ما هو أفصح منه وأبلغ، والمختار أن فى مقدور الله ما هو أبلغ وأدخل فى الفصاحة والبلاغة، لأن خلاف ذلك يمكن، والقدرة الإلهية لا تعجز عن أبلغ منه وأوضح، وأعلا مرتبة منه، ولكنا نذكر فصاحته على جهة التأكيد والاستظهار، ولنا فى تقرير فصاحته طريقتان:
الطريقة الاولى منهما مجملة
وفيها مسالك ثلاثة:
المسلك الأول منها
هو أنا قد قررنا فيما سبق معنى البلاغة والفصاحة وحقائقهما، وأشرنا إلى بيان التفرقة بينهما، وتلك المعانى التى ذكرناها فيهما حاصلة فى القرآن، فيجب القضاء بكونه فصيحا، سواء قلنا إن الفصاحة راجعة إلى الألفاظ، والبلاغة راجعة إلى المعانى، كما هو المختار عندنا، وقد سبق تقريره، أو سواء قلنا إنهما شىء واحد يقعان على فائدة واحدة، فكل كلام فصيح فهو بليغ، وكل بليغ من الكلام فهو فصيح، فعلى جميع وجوههما فهما حاصلان فى القرآن على أوضح حصول وأكمله، فيجب القضاء بكونه فصيحا، وهذا هو المقصود من الدلالة.
المسلك الثانى
هو أنك إذا فكرت وأمعنت النظر فى كلام الرسول ﷺ ، وفى كلام أمير المؤمنين، وغيرهما ممن كان معدودا فى زمرة الفصحاء وكان له منطق فى البلاغة فى المواعظ والخطب، والكلم القصيرة، ومواقع الإطناب، والاختصار فى المقامات المشهودة، والمحافل المجتمعة، وجدت القرآن متميزا عن تلك الكلمات كلها تميزا لا يتمارى فيه منصف، ولا يشتبه على من له أدنى ذوق فى معرفة بلاغة الكلام وفصاحته، وذلك التميز تارة يكون راجعا إلى ألفاظه من فصاحة أبنيتها، وعذوبة تركيب أحرفها، وسلاسة صيغها، وكونها مجانبة
стр. 548
للوحشى الغريب، وبعدها عن الركيك المسترذل، ألا ترى قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ
[الشورى: ٣٢] لم يقل الفلك لما فى الجرى من الإشارة إلى باهر القدرة، حيث أجراها بالريح، وهى أرق الأشياء وألطفها، فحركت ما هو أثقل الأمور وأعظمها فى الجرم، وقال: فِي الْبَحْرِ
ولم يقل فى الطّمطام، ولا فى العباب وإن كانت كلها من أسماء البحر، لكون البحر أسهل وأسلس، ثم قال: كَالْأَعْلامِ
ولم يقل كالروابى، ولا كالآكام، إيثارا للأخف الملتذ به، وعدولا عن الوحشى المستركّ، وتارة يكون راجعا إلى المعانى لإغراقها فى البلاغة ورسوخها فى أصلها، وسببها حسن النظم وجودة السبك، فمن أجل ذلك يحصل قانون البلاغة ويبدو رونقها، ولا شك أن ما هذا حاله قد حصل فى القرآن على أتم وجه وأكمله، وإن اعتاص عليك ما ذكرته من معرفة هذه الأسرار فى كتاب الله تعالى، ودق عليك تمييز بلاغة معانيه وفصاحة ألفاظه، وصعب عليك معرفة حسن التأليف منه وعجيب انتظامه وجودة سياقه، فاعمد إلى أفصح كلام تجده من غير القرآن، وقابل به أدنى سورة من سورة أو آية من آياته فى وعظ، أو وعد، أو وعيد، من تمثيل أو استعارة، أو تشبيه أو غير ذلك من أفانين الكلام وأساليبه، فإنك إذا خلعت ربقة الهوى، وسلبت عن نفسك رداء التعصب، وجدت مصداق ما قلته من ذلك، فهذا كلام الرسول ﷺ ليس بعد كلام الله تعالى إلا كلامه، وهو أفصح من غيره من سائر الكلام، فإذا قابلت قوله تعالى: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)
[العنكبوت: ٦٤] بقوله ﵇، «كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب، وكأن الذى نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون» فهاهما قد اتفقا على وصف معنى واحد، وهو الموت والعود إلى الآخرة، وتصرّم الدنيا وانقضاء أحوالها وطيّها، والورود إلى الآخرة، ولكن القرآن متميز فى تحصيل هذا المعنى وتأديته، تمييزا لا يدرك بقياس، ولا يعتوره التباس، وإذا كان القرآن فائقا على كلام الرسول وكلام أمير المؤمنين، مع أنهما النهاية فى البلاغة والفصاحة فهو لغيرهما أفوق، وعلوه عليها أبلغ وأحق، وهذه طريقة مرضية فى الدلالة على فصاحة القرآن، ويتضح ذلك بمثال، وهو أن أهل بلد لو كانوا أربعين، فأرادوا مناظرة رجل واحد فاختاروا من أولئك الأربعين أربعة من كل عشرة واحدا، ثم اختاروا من تلك الأربعة رجلا واحدا، فناظر ذلك العالم، ثم إن ذلك العالم استطال عليه وقطعه وحده
стр. 549
وبلّده، فإنه يكون لا محالة لغيره أقطع، وعلى تحيرهم وإدهاشهم أقدر، فهكذا حال القرآن إذ كان فائقا لكلام رسول الله وكلام أمير المؤمنين، فهو لغيرهما بذلك أحق لعلو الرتبة، وأعظم استبدادا بالفصاحة وأحوى لأسرار البلاغة.
المسلك الثالث
هو أنه ﷺ لما أيده الله بالقرآن وجعله له معجزة باقية على وجه الدهر لا تنقضى عجائبه، ولا تخلق على كثرة الترداد جدّته. وقد عرضه على من كان فى وقته من أهل الفصاحة من قريش وغيرهم، فحيّر ألبابهم، وأدهش أفهامهم، وخرق قراطيس أسماعهم، وما ذاك إلا لما تحققوا وعرفوا من بلوغه الغاية فى فصاحته، وإنافته على كل كلام فى جزالته وبلاغته، حتى قال الوليد بن المغيرة فيه ما قال حين جاء إلى الرسول ﷺ وقال له اتل على يا محمد ما أنزل إليك، فأسرع الرسول ﷺ إلى ذلك طمعا فى الانقياد، فقرأ الرسول ﷺ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ
إلى آخر حم السجدة، فقال إن أعلاه لمورق، وإن أسفله لمغدق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، فما تيسر منهم إنسان، ولا فاه لأحد منهم لسان، إلى مماثلة شىء من أساليبه، ولا إلى الإتيان بأقصر سورة من سوره، وهذا يدلّك على أمرين، أحدهما اختصاصه بما لا يقدرون عليه ولهذا أظهروا الإعجاب من نفوسهم، وخرجوا بالاستطراف من ألسنتهم، وثانيهما علمهم بالعجز واعترافهم بالقصور، فهذا ما أردنا ذكره من الدلالة على كونه بالغا أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة من جهة الإجمال، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 550
الطريقة الثانية من جهة التفصيل
اعلم أنه لا مطمع لأحد من الخلق وإن عظم حاله فى الإحاطة بجميع مزايا القرآن والاستيلاء على عجائبه، وما اختص به من دقائق المعانى وكنوز الأسرار وعلو مرتبته فى الفصاحة، وكونه فائقا فى البلاغة، ومباينته لكلام فصحاء العرب، وكل ذلك فيه دلالة على شرفه، وأنه فائق على غيره من سائر الكلام كله بحيث لا يدانيه كلام، ولكنى أنبه من تلك الأسرار على أدناها مستعينا بالله تعالى، مستمدا من فضله، طالبا للإرشاد فى كل مقصد ومراد، وليس تخلو تلك المزية التى تميز بها حتى صار فى أعلا ذروة الفصاحة ومقتعد صهوة البلاغة، إما أن تكون راجعة إلى الألفاظ، أو إلى المعانى، فهاتان مرتبتان.
المرتبة الأولى فى المزايا الراجعة إلى ألفاظه
تارة ترجع إلى مفردات الحروف، وتارة إلى تأليفها من تلك الأحرف، ومرة إلى مفردات الألفاظ، ومرة إلى مركباتها، فهذه أوجه أربعة لابد من اعتبارها فى كون اللفظ فصيحا، وكلها حاصلة فى القرآن على أتم وجه وأكمله.
الوجه الأول منها مفردات الأحرف ،
ولابد من أن تكون مستعملة من هذه الأحرف التسعة والعشرين، فإنها جميعا حروف العربية، فلا يكون اللفظ الفصيح مؤتلفا إلا منها، وما خرج عنها فقد يكون مستعملا، وقد يكون مستهجنا، فأما المستعمل فهو همزة بين بين، وألف الإمالة، والتفخيم نحو إمالة هدى وهاد، ونحو الصلوة فى التفخيم، والنون الساكنة نحو عنك، فإن هذه وإن كانت خارجة عن أحرف العربية التسعة والعشرين، لكنها فصيحة مستعملة فى كتاب الله تعالى، وفى كل كلام فصيح، وأما المستهجن فهو الطاء التى كالتاء فى نحو «تالب» فى «طالب» والظاء التى كالثاء نحو فى «ثالم» فى «ظالم» والفاء التى كالباء فى نحو قولك «ضرف» فى «ضرب» والجيم التى كالكاف فى نحو «كابر» فى مثل قولنا «جابر» إلى غير ذلك مما يكون خارجا عن اللغة الفصيحة، فما هذا حاله لا يكون فى الكلام الفصيح، وإنما الغالب عليه لغة الأنباط والأعاجم والأكراد، فما هذا حاله فكتاب الله تعالى مجنّب عنه لا يجوز دخوله فيه، لما فيه من الركة والتواء اللسان، فأما الجيم الذى أطبق من قوله:
جَعَلَ رَبُّكِ
[مريم: ٢٤] وفى نحو قوله: وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا
[التوبة: ٩٧] فهى فصيحة مقروء بها فى السبعة، فما هذا حاله لا يجب تنزيه كتاب الله تعالى عنه.
стр. 551
الوجه الثانى فى حسن تأليفها
وهى وإن حصلت على ما ذكرناه من كونها من حروف العربية، فلابد من كونها مؤلفة تأليفا يسهل النطق به ويرق على اللسان ويعذب، فإذا تباعد المخرجان كان أحسن ما يكون وألطف، وإذا تقارب المخرجان كان دون ذلك فى الحسن كقولك. «أمر أب» فإن الهمزة من الحلق والباء والميم من الشفة، فلا جرم كان حسنا بخلاف قولنا «هعخع» اسم شجر، فإن تأليفه متنافر لما كانت المخارج متقاربة، لأنها كلها من الحلق، فلهذا صعب مخرجها على اللسان، لما فيها من الثقل، وهكذا قولنا «ملع» فإنها ركيكة التأليف لما كانت متقاربة المخارج، فإن حروفها كلها من الفم والحلق، لكن لما تقدم حرف الفم ثقلت، فلو تقدم حرف الحلق كان حسنا، فإذا قلبت تأليفها «بعلم وعمل» كان رقيقا خفيفا، فينحلّ من مجموع ما ذكرناه أنه لابد من مراعاة أحوال الحروف المفردة، من رقتها ولطافتها وأن تكون مألوفة مستعملة فى اللغة العالية، وأن يكون بريئا من الحروف النادرة المستهجنة، نحو ما روى من كشكشة بنى تميم، وهى إبدالهم من كاف المؤنث شينا، فيقولون مررت بش قال شاعرهم:
فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... ولكنّ عظم الساق منش رقيق
وكسكسة بنى بكر، وهى إلحاق كاف المؤنث سينا، فيقولون مررت بكس، والكشكشة فى بنى تميم هى بالشين بثلاث من أعلاها، والكسكسة بالسين، وهى فى بنى بكر، ونحو الطّمطمانية فى حمير وهى عدم الإبانة فى الكلام والإفصاح فيه، ونحو الغمغمة فى قضاعة، وهى اللّكنة فى الكلام، ونحو الفراتية فى أهل العراق، واللخلخانية فيهم، وهما العجمة فى الكلام، وهذه كلها عاهات فى الكلام ولكنة فيه، وكتاب الله تعالى منزه عن هذه اللغات، لبعدها عن الفصاحة وميلها عن الأحرف العربية، وأنه لابد من مراعاة حسن التأليف مع حسن الأحرف ورقتها، فمتى حصل الأمران أعنى عذوبة الأحرف ورشاقة تأليفها، كان الكلام فى غاية الحسن والإعجاب، فإذن لابد لاعتبار كون الكلمة فصيحة من أمور ثلاثة، أما أولا: فبأن تكون حروفها صافية الذوق فى مخارجها، لذيذة السماع طيبة المجرى على اللسان، وأما ثانيا: فبأن تكون معتدلة فى تأليفها، بأن تكون ثلاثية، لأن ما دونها لا يعد من الأسماء لنقصان وزنه، أو فوق الثلاثى، من الرباعى والخماسى، وإن كانت مستعملة، لكن الثلاثى أعدلها فى الوزن، وأخفها على الألسنة، وأما ثالثا: فتكون
стр. 552
تارة ساكنة الوسط، لأنها إذا كانت كلها متحركة كانت ثقيلة على اللسان بعض الثقل، فيحصل من أجله صعوبة فى النطق، وإن تحرك وسطها كان تحركه بالفتح أخف من تحركه بالضم والكسر، لما فيهما من مزيد الثقل الحاصل بالحركة، فلابد من مراعاة ما ذكرناه لتحصل الفصاحة فى الألفاظ، وإذا تأملت كتاب الله تعالى: وجدته على ما ذكرناه من اعتبار هذه الشرائط فيه كلها.
الوجه الثالث فى بيان ما يكون راجعا إلى مفردات الألفاظ ،
وقد زعم بعض الخائضين فى هذه الصناعة أنه لا قبح فى الألفاظ، فإن مستندها هو الوضع، والواضع لا يضع إلا ما كان حسنا، وهذا فاسد، فإن فيها الخفيف، والثقيل، والشاذ، والمستعمل، من جهة وضعها، فأحوالها متباينة كما ترى، ولهذا فإن الخمر أحسن من قولنا: زرجون، وأسد، أحسن من قولنا: غضنفر، والغضنفر أحسن من قولنا: فدوكس، وهرماس، وسيف أحسن من قولنا: خنشليل، فإذا تقرر ما قلناه فلا بد من مراعاة محاسن الألفاظ فى كون اللفظ فصيحا، وذلك يكون بمراعاة أمور ثلاثة، أما أولا: فلابد من اعتبار كونها عربية، فلا تكون معربة، فارسية، ولا رومية، ولا حبشية، ولا سندية، لأنها إذا كانت خالصة كانت أدخل فى فصاحة اللفظ، وأما ثانيا: فأن تكون مألوفة مستعملة، ولا تكون شاذة نادرة، فما هذا حاله من الألفاظ لا يعد فصيحا، ولا يكون جاريا فى أساليب الفصاحة، وأما ثالثا: فأن تكون خفيفة على السماع طيبة الذوق فى تأليفها، ولا تكون وحشية غريبة، وقد زعم بعضهم أن الكلام إنما يكون فصيحا إذا كان فيه عنجهانيّة وبعد عن الأفهام، وهذا فاسد، فما هذا حاله عند النّظار لا يكون معدودا فى الفصاحة، وإنما الفصيح ما كان معتادا مألوفا يفهمه كل أحد من الناس، فحصل من هذا أن كلام الله حائز لهذه الخصال متميز بها عن سائر الكلام فى جميع ألفاظه لا يوجد فيه شىء من هذه العاهات التى ذكرناها.
стр. 553
الوجه الرابع أن يكون راجعا إلى تركيب مفردات الألفاظ العربية ،
وهذا معدود من جملة المحاسن المعدودة فى فصاحة الكلام وبلاغته، ولابد فيه من مراعاة أمرين، أما أولا فأن تكون كل كلمة منظومة مع ما يشاكلها ويماثلها: كما يكون فى نظام العقد، فإنه إنما يحسن إذا كان كل خرزة مؤتلفة مع ما يكون مشاكلا لها، لأنه إذا حصل على هذه الهيئة كان به وقع فى النفوس وحسن منظر فى رأى العين، وأما ثانيا فإذا كانت مؤتلفة، فلابد أن يقصد ما وضع لها بعد إحراز تركيبها، والمثال الكاشف عما ذكرناه، العقد المنظوم من اللآلىء ونفائس الأحجار، فإنه لا يحسن إلا إذا ألف تأليفا بديعا بحيث يجعل كل شىء من تلك الأحجار مع ما يلائمه، ثم إذا حصل ذلك التركيب على الوجه الذى ذكرناه، فلابد من مطابقته لما وضع له، بأن يجعل الإكليل على الرأس، والطوق فى العنق، والشّنف فى الأذن، ولو ألف غير ذلك التأليف فلم يجعل كل شىء فى موضعه، بطل ذلك الحسن، وزال ذلك الرونق، فلو جعل الإكليل فى موضع الخلخال من الرّجل، لم يكن حسنا، لعدم المطابقة لوضعه، وهكذا لو جعل الطوق على الأذن، لم يحصل المقصود به، وهكذا حال الكلام إذا كان مؤلفا تأليفا بديعا ولم يقصد به مطابقة الغرض المطلوب، لم يكن معدودا فى البلاغة، ولا كان فصيحا، وكلام الله تعالى قد أحسن تأليفه كما ترى فى ألفاظه، فإنها معجبة رائقة فى تأليفها، ثم إنها قد قصد فى حقها مطابقة الأغراض المقصودة، بحيث لا تخالف ما قصدت به، فهذا ما أردنا ذكره من إحراز القرآن لهذه اللطائف الراجعة إلى الألفاظ بتمامها وكمالها، ولنورد مثالا من القرآن العظيم جامعا لما ذكرناه من الأوجه الأربعة وهو قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ
[هود: ٤٤] فانظر إلى مفردات أحرف هذه الآية، ما أسلسها وأرقها، وألطفها، ثم فى تأليفها ما أسهله على اللسان، ثم انظر إلى مفردات ألفاظه، ما أعذبها وأجراها على الألسنة من غير صعوبة ولا عسرة، ثم انظر إلى تأليف مفرداتها، كيف طابقت الغرض المقصود منها، وسيقت على أتم سياق وأعجبه، فلما كان من أمر الطوفان ما كان من تطبيقه للأرض ذات الطول والعرض، وإذن الله بإهلاك قوم نوح به، واقتضت الحكمة الإلهية إخراجه ومن معه من الفلك إلى الأرض، ابتدأ بقوله وَقِيلَ
إبهاما للقائل وإعظاما لأمره، حيث بنى لما لم يسمّ فاعله، تهويلا للأمر وإعظاما
стр. 554
لحاله، ولم يقل: قال الله، ثم نادى الأرض بالابتلاع للماء، فيحتمل أن يكون هناك خطاب كما هو ظاهر، ويحتمل أن لا يكون هناك خطاب كما فى قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)
[يس: ٨٢] ليس الغرض أنه لابد فى التكوين من قوله: كُنْ
ولكن كنى بذلك عن سرعة الإجابة عند الإرادة للفعل، بحصول الداعية إليه من غير أن يكون هناك خطاب، ثم أمر السماء بالإقلاع، جريا على ما ذكرناه فى الأرض، ثم قال: وَغِيضَ الْماءُ
تصديقا لقوله: ابْلَعِي
، أَقْلِعِي
لأنه مهما حصلا، غاض الماء لا محالة، لعدم ما يمده، ثم قال: وَقُضِيَ الْأَمْرُ
إما فى إهلاكهم وإما بحصول المرادات فى الأرض بإخراجهم إليها، ثم قوله: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ
إخبار بالاستقرار للسفينة على هذا الجبل، وأن خروجهم منها كان إليه، وقوله: بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)
فيه إشارة إلى عظم الغضب واستحقاق العقوبة الأبدية، فهذا تنبيه على أسرار الآية على جهة الإجمال والإحاطة لمعانيها على جهة التفصيل مما لا تقدر عليه القوى البشرية، ولكنا نرمز إلى ما يحضرنا من لطائفها، ونشير من ذلك إلى مباحث خمسة:
стр. 555
البحث الأول بالإضافة إلى موقعها من علم البيان
اعلم أن علم البيان من عوارض الألفاظ، ومورده المجاز على أنواعه، ومعناه إيراد المعنى الواحد فى طرق مختلفة فى وضوح الدلالة عليه والنقصان، فعلى قدر إغراق المجاز وحسنه، يزيد المعنى وضوحا، وعلى قدر نزوله وبعده، ينتقص المعنى، فالنظر فى هذه الآية من جهة ما اشتملت عليه من الأنواع المجازية، كالاستعارة، والتشبيه، والكناية، فنقول إن الله عز سلطانه لما أراد أن يظهر فائدة الخطاب اللغوى، وهو أنا نريد أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان الماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضى أمر نوح، وهو إنجاز ما كنا وعدنا من إغراق قومه فقضى، وأن تقر السفينة على الجودى فاستقرت، وأن نلقى الظلمة غرقى، وأن نبعدهم عن رحمتنا بالعقوبة، فلما أراد الله تعالى أن يؤدى هذه المعانى اللغوية على أساليب العلوم البيانية، باستعماله المجازات فيها، وترك العبارات اللغوية جانبا، فلا جرم ساق الكلام على أحسن سياق بتشبيه المراد منه هذه الأمور، بالأمور الذى لا يتأتى منه التأخير عما أريد منه، لكمال الأمر وجلال هيبته، ونفوذ سلطانه، وشبه تكوين المراد بالأمر الحتم النافذ فى تكوين المقصود، إرادة لتصوير اقتداره الباهر، وتقريرا لاستيلاء سلطانه القاهر، وأن السموات والأرضين على ما اشتملا عليه من هذه الأجرام العظيمة والاتساعات الممتدة، تابعة لإرادته فى الإيجاد والإعدام، ومنقادة لمشيئته فى التغيير والتبديل، وأغرق فى التشبيه، بأن جعلهم كأنهم عقلاء مميّزون، قد عرفوه حق معرفته، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه، فحتّموا على أنفسهم بذل المجهود فى مطابقة أمره وتحصيل مراده، لما وقع فى أنفسهم من مزيد اقتداره، وتصوروا فى ذات عقولهم كنه عظمته، فعند ذلك عظمت المهابة له فى نفوسهم، واستقرت حقيقة الخوف من سطوته فى قلوبهم، فضربت سرادقات المهابة والخوف فى أفئدتهم، فألقت أثقالها فى ساحات ضمائرهم علما بما تستحقه من جلال الإلهية، وتحققا لما يختص من سمات الربوبية، تخفق على رءوسهم رايات المحامد، بتحقق معرفته، وتعقد عليهم ألوية المهابة والخشية، من خشيته، فلا مطمع لهم فى خلاف مراده، ولا تشوّق لهم إلى التأخر عن مقصوده، وكلما لاح لهم وميض من برق إشارته، كان المشار إليه مقدما، وكلما توهموا ورود أمره، كان ذلك الأمر بسرعة الامتثال مكملا متمما، فلا يتلقون إشاراته، بغير الامتثال، ولا يقابلون أوامره بغير
стр. 556
الانقياد، فسبحان من شملت قدرته جميع الممكنات، تكوينا وإيجادا، وأحاط بكل المعلومات إحكاما وإتقانا، فهذا تقرير نظم الكلام وتأليفه، ثم إنا نعطف على بيان روابط المجاز وعلائقه فى الآية، فقال عز من قائل وَقِيلَ
على جهة المجاز عن الإرادة، ثم إنه حذف الفاعل، وجعله فى طىّ الفعل، إبهاما وإعظاما لحاله عن الذكر عند عروض أمر هذه المكونات على جهة الذل والتسخير، ثم جعل قرينة المجاز مخاطبته للجمادات كما فى قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[يوسف: ٨٢] ، يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[هود: ٤٤] ، على جهة التشبيه لمّا جعلا بمنزلة من عقل الأمر وفهم عظم الاستيلاء، ثم استعار لفور الماء فى الأرض اسم البلع الذى يطلق على القوة الجاذبة للمطعوم، لانعقاد الشبه بينهما، وهو الإذهاب إلى مقر خفى، ثم استعار الماء للغذاء على جهة الكناية، تشبيها له بالغذاء، لأن الأرض لما كانت تتقوى بالماء فى الإنبات للزرع والأشجار والثمار، تقوىّ الآكل بالطعام، وجعل القرينة الدالة على الاستعارة فى لفظ ابْلَعِي
هو كونها موضوعة للاستعمال فى الغذاء دون الماء، ثم إنه وجه الخطاب لها بالأمر على جهة الاستعارة لما ذكرناه من التنبيه المتقدم، حيث نزلها منزلة العقلاء الذين تسربلوا سرابيل المهابة، وتلفعوا بأردية التّذلل منقادين فى حكمة القهر عليهم ببؤس الاستكانة، وضرع الاستسلام والذلة، وخاطب بالأمر ترشيحا للاستعارة فى النداء، ثم قال ماءَكِ
مضيفا الماء إلى الأرض على جهة الاستعارة لما لها به من الاختصاص، وجعل الإضافة باللام تشبيها للأرض بالمالك، حيث كانت متصرفة فيه بالابتلاع والذهاب فيه.
وانتفاعها به، ثم إنه قدّم الأرض على السماء لأوجه خمسة، أما أولا: فلما للخلق من الانتفاع بالأرض بالاستقرار وكونها بساطا لهم، وأما ثانيا: فلأنها لما كانت مقرا للسفينة التى تكون بها النجاة لمن ركبها، وأما ثالثا: فلأنها لما كانت مقرا لمائها وماء السماء، وحيث يكون اجتماعها كانت أحق بالتقديم، وأما رابعا: فلأن الغرض هلاكهم فى الأرض لأجل ما حصل من العصيان والمخالفة فيها، وأما خامسا: فلأن البداية بالغرق كانت من جهة الأرض، ولهذا قال تعالى: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ
[المؤمنون: ٢٧] فكان أول نبوع الماء من الأرض، فلأجل هذه الأمور كانت مقدمة فى الخطاب ثم إنه تعالى أقبل على خطاب السماء بمثل ما خاطب به الأرض، لما كان الماء النازل منها هو السبب فى الإهلاك بالغرق، فلأجل ذلك عطف خطابها على خطاب الأرض فقال: وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[هود: ٤٤] وما ذكرناه فى نداء الأرض وخطابها من الاستعارة فهو حاصل فى خطاب السماء، وإنما اختار لاحتباس المطر
стр. 557
اسم الإقلاع الذى هو ترك الفعل من جهة الفاعل، فإنه يقال فى حال من استمر من جهته فعل من الأفعال ثم تركه: أقلع عنه، لأن إنزال المطر لما كان صادرا منها على سبيل الاستمرار ثم رفع، كأنها أقلعت عن فعله، وإنما ذكر متعلق فعل الأرض بقوله: ابْلَعِي ماءَكِ
ولم يذكر متعلق فعل السماء فلم يقل: ويا سماء أقلعى عن صب مائك، من جهة أن الأرض لما كان لها اعتمال فى بلع الماء، فلأجل هذا ذكر متعلق فعلها، بخلاف السماء فإنه لا عمل لها هناك إلا ترك الصب والكف، فلأجل ذلك لم يكن حاجة إلى ذكر متعلقها، وإنما وجه أمر الأرض بالفعل المتعدى، ووجه أمر السماء بالفعل اللازم، من جهة تصرف الأرض فى الماء، بصيرورته فى بطنها بخلاف السماء فإن الغرض بقوله: أَقْلِعِي
أى كونى ذات إقلاع وكفّ عن الصب لا غير، ولذا يقال ابتلعت الخبز، وأقلعت السماء إذا صارت ذات إقلاع فى سحابها، ثم قال بعد ذلك: وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ
[هود: ٤٤] فأتى بهذه الجمل الخبرية عقب تلك الأوامر على جهة الإبهام لفاعلها، إعلاما بأن مثل هذه الأمور العظيمة والخطوب الهائلة، لا تصدر إلا من ذى قدرة، لا تكتنهه العقول ولا تناله الأفهام، وتعريفا بأن الوهم لا يذهب إلى أن غيره قائل: يا أرض ابلعى وياسماء أقلعى، ولا يغيض الماء، ولا يقضى الأمر فى هلاكهم، ولا تستوى السفينة على الجودى، ولا يبعدهم عن الرحمة باستحقاق العقوبة إلا هو، فلا جرم أبهم ذكره من أجل ذلك، ثم إنه ختم الكلام على جهة التعريض بقوله: وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)
[هود: ٤٤] تنبيها على أن ذلك إنما كان من أجل ظلمهم لأنفسهم بتكذيب الرسل وإعراضهم عما جاءوا به من الحجج الظاهرة، والأعلام النيرة، وأن من كان على مثل حالهم فإن الهلاك واقع به لا محالة من غيرهم ممن بعدهم، وفيه وعيد لقريش ومن حذا حذوهم فى تكذيب الرسول ﷺ : «إيّاك أعنى فاسمعى يا جارة» وإنما كرر قوله: وَقِيلَ بُعْداً
ولم يكرره فى خطاب السماء فيقول: «وقيل يا أرض وقيل يا سماء» من جهة أن السماء من جنس الأرض فى مقصود الأمر منهما، وهو إزالة الماء عنهما، فاكتفى بإظهاره فى إحداهما وحذفه من الأخرى، بخلاف قوله بُعْداً
فإنه مصدر وجّه على جهة الدعاء، ليس مجانسا لما سبق، فلهذا كرر القول فيه إعلاما بأنه من جملة القول، واهتماما بالدعاء عليهم بالإبعاد عن الرحمة باستحقاق العقوبة السرمدية، أعاذنا الله منها برحمته، فهذه جملة ما يتعلق بالآية من العلوم البيانية، وتحتها أسرار أوسع مما ذكرناه.
стр. 558
البحث الثانى بالإضافة إلى موقعها من علم المعانى
اعلم أن منزلة المعنى من اللفظ هى منزلة الروح من الجسد، فكل لفظ لا معنى له فهو بمنزلة جسد لا روح فيه ومفهوم علم المعانى، هو إدراك خواص مفردات الكلم بالتقديم والتأخير، وفهم مركباتها، ونعنى بقولنا إدراك خواص المفردات فى التقديم والتأخير ما يفهم من قولنا زيد منطلق، ومنطلق زيد، ومن الكرام زيد، وزيد من الكرام، وبقولنا وفهم مركباتها، وهو ما فى قولك زيد قائم، وإن زيدا لقائم، فكل واحد من هذه الصور يفيد معنى غير ما يفيده الآخر من أجل التركيب، وهكذا القول فى جميع التراكيب، فإنها دالة على معان بديعة، ومرشدة إلى أسرار عجيبة، فإذا عرفت هذا فالنظر فى هذه الآية من جهة من علوم المعانى إما أن يكون نظرا فى مفرداتها، وتقديم ما يقدم منها، وتأخير ما يؤخر، وإما أن يكون نظرا فى تركيب جملها، فهذان نظران نتصدى للنظر فيهما.
стр. 559
النظر الأول فى مفرداتها وتقديم بعضها على بعض
إنما اختير لفظ «يا» من بين سائر أحرف النداء من جهة أنها كثيرة الدور فى الاستعمال، وأنها موضوعة للدلالة على بعد المنادى، والبعد هنا يجب أن يكون معنويا، لأن البعد الحسى على الله تعالى محال، من جهة استحالة الجهة على ذاته، وذلك أن المعنوى يكون من جهات خمس، أولها: أنه تعالى لما كان مختصا بعدم الأولية فى ذاته سابقا على وجود الممكنات سبقا أوليا بلا نهاية، وأن الأرض من جملة الممكنات التى لها بداية، ولا شك أن كل ما كان لا أول له فهو فى غاية البعد عما له أول، وثانيها: من جهة عدم التناهى فى ذاته تعالى من كل وجه، بخلاف الأرض، فإنها متناهية فى ذاتها من كل وجه، وليس يخفى ما بين التناهى وعدم التناهى من البعد العظيم، وثالثها: اختصاص ذاته بالعظمة والكبرياء، واختصاص الأرض بنقيضها من التسخير والقهر، ورابعها:
اختصاص ذاته بالاستغناء من كل وجه فى ذاته وصفاته، بخلاف الأرض، فإنها مفتقرة فى ذاتها من كل وجه إلى فاعل ومدبر، ومن كان مستغنيا فى ذاته وصفاته فإنه فى غاية البعد المعنوى عما يكون مفتقرا فى ذاته وصفاته إلى غيره، وخامسها: أنه نداء من اختص بكمال العزة لمن هو فى غاية الذلة، كما ينادى السيد عبده، فلما كانت الأرض مختصة بما ذكرناه من البعد من هذه الأوجه، لا جرم كان نداؤها مختصا ب «يا» من بين صيغ النداء، وإنما قال: يا أَرْضُ
ولم يقل: «يا أرضى» إيثارا لتحقيرها، لأنه لو أضافها إلى نفسه، لكان قد أقام لها وزنا عنده بإضافتها إليه، لأن المضاف أبدا يكتسى من المضاف إليه شرفا وتخصيصا وتعريفا، ولم يقل: «يا أيّتها الأرض» إيثارا للاختصار، وعملا على الإيجاز، وتحرزا عن الإيقاظ بما يظهر من لفظ التنبيه الذى لا يليق بمقام الخطاب الإلهى، لاستحالته فيه، واختير لفظ الأرض لأمرين، أما أولا: فلأن المدحوّة والمبسوطة والمهاد وغير ذلك، مما يستعمل فى الأرض صفات زائدة تابعة للفظ الأرض، وأما ثانيا: فلأن لفظ الأرض أخف وأكثر دورا واستعمالا مما ذكرناه، فلهذا وجب إيثاره على غيره من أسمائها، واختير لفظ
стр. 560
ابْلَعِي
ولم يقل «ابتلعى» لأمرين، أما أولا فلأن ابْلَعِي
أخف وزنا وأسهل على اللسان من «ابتعلى» وأما ثانيا فلأن فى الابتلاع نوع اعتمال فى الفعل وتصرف فيه يؤذن بالمشقة، بخلاف قوله: ابْلَعِي
فإنه دال على السهولة، فيكون فيه دلالة على باهر القدرة، حيث أمرت بالبلع لهذا الأمر الهائل من الماء بحيث لا يمكن تصوره على أسهل حالة، وإنما اختير إفراد الماء دون جمعه لأمرين، أما أولا فلأن فى الجمع نوع تكثير، فلا يليق ذكره بمقام الكبرياء وإظهار العظمة، وأما ثانيا: فلأن فى الإفراد نوع تحقير وذلة، وهو لائق بمقام القهر والاستيلاء فى الملكة، وهذا هو الوجه فى إفراد السماء والأرض، وإنما ذكر مفعول: ابْلَعِي
لأنه لو اقتصر على ذكر البلع لدخل فيه ما ليس مرادا من بلع الجبال والبحار، وأنواع الأشجار والسفينة ومن فيها، نظرا إلى عموم الأمر الذى لا يخالف ولا يرد عن مجراه، لأن المقام مقام عظمة وكبريآء، وقول ابن عباس فى قوله تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩)
[الأنبياء: ٦٩] إنه لو لم يقل «وسلاما» لم ينتفع بالنار، لشدة بردها، يشير به إلى ما ذكرناه من مضاء الأمر ونفوذه، وإنما لم يظهر ذكر المسبب عند ذكر سببه، فيقول يا أَرْضُ ابْلَعِي
فبلعت، وياسماء أقلعى فأقلعت، لأمرين أما أولا:
فلما فى ذلك من الاختصار العجيب، والإيجاز البليغ، فاكتفى بذكر السبب عن ذكر مسببه، وهذا كثير فى القرآن كقوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ
[البقرة: ٦٠] لأن المعنى فضرب فانفجرت، وأما ثانيا: فلما فيه من الإشارة إلى باهر القدرة فى سرعة الإجابة، ووقوع الامتثال، وحصول الأمور: من غير مخالفة هناك، فترك ذكره اتكالا على ما ذكرناه، وأنه كائن لا محالة لا يمكن تأخره، واختير بناء وَغِيضَ
لما لم يسم فاعله على «غيّض» بتشديد الياء مبنيّا للفاعل لأمرين، أما أولا: فمن أجل الإيجاز، لطرح الفاعل، والاختصار فيه، وأما ثانيا: فمن أجل الاستحقار عن تعريض ذكر الله تعالى على أحقر المقدورات بالإضافة إلى جلاله، والمقام مقام الكبرياء والعظمة، وإنما اختير لفظ «الماء» ولم يقل الطوفان، ولا المطر، إيثارا للاختصار، ولما فيه من الإشارة باللام التى للعهد، كأنه قال: وغيض الماء الذى أمرنا الأرض والسماء بإيقاعه، بيانا لحاله وإيضاحا
стр. 561
لأمره، وأنه الذى وقع الإهلاك به لقوم نوح، فيعظم الامتنان على من بقى فى السفينة بإزالته، وإنما قال «الأمر» فى قوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ
ولم يقل وقضى أمر نوح، أو قضى الهلاك، أو قضى الإغراق، لأمرين، أما أولا: فلأجل إيثار الاختصار، وتعويلا على الإيجاز، وأما ثانيا: فلأن وقوع ما وقع إنما كان من أجل العناية بنوح فى إغراق قومه، وإظهار الانصار له، فجاء باللام العهدية إشارة إلى ذلك، مع ما تضمن من الفخامة فى معرض الامتنان على نوح بالانتقام من قومه بما كذبوه، وإنما اختير وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ
[هود: ٤٤] ولم يقل: سويت كما قال: وغيض، وقضى، على البناء للمفعول لأمرين، أما أولا فمن أجل ثقل الفعل بالتضعيف عند بنائه لما لم يسم فاعله، فلهذا أوثر الأخف، وأما ثانيا فلأن الأكثر فى الاستعمال إضافة الأفعال إلى هذه الآيات، فيقال:
هبت الريح، ومطرت السحابة، واستوت السفينة على الماء، قال تعالى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ
[هود: ٤٢] فأضاف الجرى إليها فلأجل ذلك اختير إضافة الاستواء إليها، وإنما اختير بُعْداً
ولم يقل: ليبعدوا لأمرين، أما أولا: فلأن فى المصدر نوع تأكيد لا يؤدى به الفعل لو نطق به. وأما ثانيا: فلأنه لو وجهه بالفعل كان مقيدا بالزمان، وهو إذا كان موجها بالمصدر كان مطلقا من غير زمان، فلهذا كان أبلغ من ذكر الفعل، وإنما عرّف القوم باللام إشارة إلى أنهم هم المخصوصون بهذه الأنواع من التنكيل دون غيرهم، وإنما أتى بلام الجر ولم يقل: فبعدا من القوم، لما فيها من الاختصاص المشعرة به اللام دون «من» فإنها غير مؤدية لهذا المعنى، وإنما أطلق صفة الظلم، ولم يقل الظالمين لأنفسهم تنبيها على شمول ظلمهم من جميع الوجوه، وفيه تنبيه على فظاعة شأنهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم فيما كان فيهم، من تكذيب الرسل، وفيه شرح لصدر الرسول بالانتصار له على من كذبه، والتأسى بالصبر ووعيد لمن كذّبه بالنّصفة والانتقام منه.
стр. 562
النظر الثانى فى تأليف الجمل وذكر بعضها عقيب بعض
تقديم بعض الجمل على بعض ليس خاليا عن فائدة وسرّ، وإنما قدم النداء على الأمر فقال: يا أرض ابلعى ويا سماء أقلعى، ولم يقل عكس ذلك، ابلعى يا أرض وأقلعى يا سماء، لأمرين، أما أولا فلما فى ذلك من الملاطفة والمبالغة فى تحصيل المراد، لأن كل من ناديته فإن نفسه تنزع وله توقان إلى الإجابة وتطلع إلى ما يراد من الدعاء من أمر أو نهى، فلا تزال النفس تنزع لتعلم ما هو المطلوب، فمن أجل ذلك قدم الدعاء على الأمر لما فيه من الشوق والتوقان للنفوس، وأما ثانيا فجريا على ما ألف من الإيقاظ والتنبيه، لأن كل من طالب أمرا من الأمور من غيره، فلابد من إيقاظه وتنبيهه عليه، ليكون مستعدا للامتثال له، فلأجل ذلك قدم النداء على الأمر على جهة الإيقاظ والتنبيه مما يطلب من المأمورات، ثم إنه قدم نداء الأرض على نداء السماء لما ذكرناه من العناية بأمر الأرض من تلك الأوجه الخمسة، وقد ذكرناها فأغنى عن تكريرها، ولكونها صارت أصلا لما يرد من هذه الأمور الهائلة من الإغراق والاستواء للسفينة، وإخراج من كان فيها إلى الأرض، ثم إنه عز سلطانه أردفها بقوله: وَغِيضَ الْماءُ
[هود: ٤٤] لاتصاله بقصة الأرض، وأخذه بحجزتها فلأجل ذلك أتبعه بها، لما فى ذلك من حسن الانتظام، ورونق الرصف، ألا ترى أن أصل الكلام: وقيل يا أرض ابلعى ماءك، فبلعت ماءها، ويا سماء أقلعى عن إرسال ماءك، فأقلعت عن صبه، فلا جرم حسن أن يقال: وغيض الماء النازل من السماء، والنابع من الأرض، ثم إنه جعل وتقدس، أتبعه بما هو المهم المقصود من القصة، وهو قوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ
والمعنى به أنه أنجز الموعود من إهلاك الكفار، ونجاة نوح ومن معه فى السفينة، وإخراجهم إلى الأرض، لما أراد منهم من العبادة وعمارتها، والتناسل فيها، ثم إنه تعالى أتبعه بحديث السفينة وذكرها، وهو قوله تعالى إعلاما لهم بما يريد من الأمور التابعة للمصلحة، ثم إنه تعالى ختم القصة بالدعاء عليهم بالإبعاد، فلما كانت القصة من أولها دالة على العذاب العظيم من الإهلاك بالغرق، ختمها بما يجانسها من سوء العاقبة بالإبعاد والطرد، كما هو موضوع فى أساليب التنزيل، من حسن الفواتح والخواتم.
стр. 563
البحث الثالث فى بيان موقعها من الفصاحة اللفظية
اعلم أن الفصاحة من عوارض الكلم اللفظية، وهى خلاصة علم البيان وصفوة جوهره، ويوصف به المفرد والمركب، وهى أخص من البلاغة، ولهذا يقال كل بليغ من الكلام فصيح، وليس كل فصيح بليغا، ولا يكون الكلام فصيحا إلا إذا كان مختصا بصفات ثلاث، الأولى منها أن يكون خالصا من تنافر الأحرف فى تأليف اللفظة ونظامها، فيسلم من مثل قولنا «عنجق» وعن مثل قولك «هعخع» فإن ما هذا حاله مجانب للفصاحة بمعزل عن أساليبها، ولهذا عيب على امرىء القيس قوله «غدائره مستشزرات إلى العلى» لما فى «مستشزرات» من التنافر المورث للثقل والبشاعة، الثانية أن يكون مجنّبا عن الغرابة والعنجهانية، فما هذا حاله يكون عاريا عن الفصاحة، وهذا كقولك فى الخمر إنها «الزّرحون» وإنها «القرقف» فيعدّ هذا من وحشى الكلام وغريبه، فما ألف كان أدخل فى الفصاحة. الثالثة أن يكون موافقا للأقيسة الإعرابية، فلا يخالفها فى تصريف ولا إعراب، فيجب إعلال الكلمة على القوانين الجارية فى علم الإعراب، فلا يقال فى «قام» قوم، ولا فى «قائم» قاوم، وإن كان أصلا، ولا يقال «الحمد لله العلى الأجلل» وإن كان هو الأصل، بل يجب إجراء ذلك على الإعلال والإدغام، وإلا كان خارجا عن الفصيح من الكلام، وقد قررنا شرح هذه القاعدة فى أول الكتاب فأغنى عن الإعادة، فإذا تمهدت هذه القاعدة، فإنك إذا تحققت الألفاظ الواردة فى هذه الآية وجدتها سالمة عن التنافر فى بنائها، عربية مألوفة جارية على الأقيسة المطردة فى الإعراب والتصريف، بعيدة عن الغرابة، سليمة عن العنجهانية، تشبه العسل فى الحلاوة، والماء فى الرقة والسلاسة، وكالنسيم فى السهولة، لا تنبو عن قبولها الأذهان، ولا تمجّها الآذان.
البحث الرابع فى بيان موقعها من الفصاحة المعنوية
اعلم أن الفصاحة المعنوية هى غاية علم المعانى، والفصاحة المعنوية المراد بها البلاغة، وهى من عوارض المعانى، وهى متضمنة للفصاحة اللفظية، ولهذا فإن الكلام البليغ لا يكون بليغا إلا مع إحرازه للفصاحة، فهى فى الحقيقة راجعة إلى المعنى واللفظ جميعا، ولها
стр. 564
طرفان، أعلى، وهو ما يبلغ به الكلام حد الإعجاز، وأدنى، وهو الذى يقدر فيه أنه إذا أزيل عن نظامه الذى ألف عليه، التحق بالكلام الركيك، فلم تخف عليك غثاثته، وبين هذين الطرفين مزايا ومراتب ودرجات متفاوتة، فإذا عرفت هذا وفكرت فى نظام هذه الآية، وجدتها قد ألفت على أتم تأليف، وأديت على أعجب نظام، ملخصة معانيها، مرصوفة مبانيها، لا يعثر اللسان فى ألفاظها، ولا يغمض على الفكر طلب المراد منها، فإذا خرقت قراطيس الأسماع وجدتها تسابق معانيها ألفاظها، وألفاظها معانيها، لا تحتاج لوضوحها إلى ترجمة، ولا يملّ سامعها وإن تكررت فى كل ساعة وأوان، فهذا ما سنح لى فى هذه الآية من علوم الفصاحة، والبلاغة والعلوم المعنوية، والعلوم البيانية.
البحث الخامس فى بيان موقعها من علم البديع
اعلم أن البديع لقب فى هذه الصناعة تعرف به وجوه تحسين الكلام بعد إحرازه لمعانى البلاغة وأنواع الفصاحة، ووضوح دلالته، وجودة مطابقته، ثم إنه على رشاقته ضربان، لفظى، ومعنوى، فالضرب الأول يتعلق بالأمور اللفظية، وهذا نحو التجنيس، وهو أن تكون الألفاظ متشابهة فى الأعجاز والأوزان وغير ذلك، وقد يقع فى المتواطىء كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
[الروم: ٥٥] وقد يكون فى المشترك كقولهم ما ملأ الراحة، من استوطن الراحة، ومنه التسجيع، وهذا كقوله تعالى:
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤)
[نوح: ١٣- ١٤] وأكثر القرآن وارد على جهة التسجيع، ومنه رد العجز على الصدر كقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
[الأحزاب: ٣٧] ومنه الموازنة كقوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)
[الغاشية: ١٥] ومنه القلب كقوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ
[الأنبياء: ٣٣] وقوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)
[المدثر: ٣] إلى غير ذلك مما يتعلق بأحوال الألفاظ كما ترى.
والضرب الثانى ما يتعلق بالأمور المعنوية، وهو أكثر دورا وأعظم إعجابا فى البلاغة، وهذا نحو الطباق، وهو ذكر النقيضين كقوله تعالى: يُحْيِي وَيُمِيتُ
[البقرة: ٢٥٨] وقوله:
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
[الفرقان: ٦٢] وقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[الأنعام: ١] والطباق كثير الاستعمال فى كتاب الله تعالى، ومنه اللف والنشر كقوله تعالى:
стр. 565
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[القصص: ٧٣] إلى غير ذلك من أنواع البديع وضروبه، وقد أتينا على جميع أنواعه كلها، وأوردنا لها شواهد وأمثلة. فأغنى عن التكرير والإعادة فى ذلك.
دقيقة
اعلم أن هذه الأنواع الثلاثة أعنى علم المعانى والبيان وعلم البديع، مآخذها مختلفة، وكل واحد منها على حظ من علم البلاغة والفصاحة، ولنضرب لها مثالا ليكون دالا عليها ومبينا لموقع كل واحد منها، وهو أن تكون حبات من ذهب ودرر ولآلىء ويواقيت، وغير ذلك من أنواع الأحجار النفيسة، ثم إنها ألفت تأليفا بديعا بأن خلط بعضها ببعض وركبت تركيبا أنيقا، ثم بعد ذلك التأليف، تارة تجعل تاجا على الرأس، ومرة طوقا فى العنق، ومرة بمنزلة القرط فى الأذن، فالألفاظ الرائقة بمنزلة الدرر واللآلى، وهو علم المعانى، وتأليفها وضم بعضها إلى بعض، هو علم البيان، ثم وضعها فى المواضع اللائقة بها عند تأليفها وتركيبها، هو علم البديع، فوضع التاج على الرأس بعد إحكام تأليفه هو وضع له فى موضعه، ولو وضع فى اليد أو الرجل، لم يكن موضعا له، وهكذا الكلام بعد إحكام تأليفه يقصد به مواضعه اللائقة به، وما ذكرناه من المثال هو أقرب ما يكون فى هذه العلوم الثلاثة وتمييز مواقعها، فإذا عرفت هذا فاعلم أن الآية قد اشتملت من علم البديع على أجناس ثلاثة:
الجنس الأول منها، الجناس اللاحق، وهو أن تتفق الكلمتان فى جميع حروفهما إلا فى حرفين لا تقرب بينهما، وهذا هو قوله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[هود:
٤٤] ، فقوله ابلعى وأقلعى، جناس لاحق، لا يختلفان إلا فى القاف والباء، وهما غير متقاربين، كقولك سعيد، بعيد، وعابد، عاتب، فهذا كله يقال له جناس لاحق.
الجنس الثانى الطباق المعنوى وهو قوله: «أقلعى وابلعى» لأن المعنى فى بلع الأرض، إنما هو إدخاله فى جوفها، وإقلاع السماء، وهو إخراجه عنها، وهذا تطبيق من جهة المعنى، ومن جهة أن الإدخال والإخراج ضدان، وهذا كقوله تعالى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[الفتح: ٢٩] لأن الرحمة هى لين القلوب وتعطفها، وهو ضد الشدة.
الجنس الثالث الاستطراد، وهو توسيط كلام أجنبى بين كلامين متماثلين، وهذا قوله
следующие страницы →