← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ملك، والذي تحته بنت ألف ملك، والذي في مربطه ألف فيل، والذي له نهران ينبتان العود والفوه «١» والجوز والكافور، الذي يوجد ريحه على اثني عشر ميلا- إلى ملك العرب الذي لا يشرك بالله شيئا. أما بعد، فإني أردت أن تبعث إليّ رجلا يعلمني الإسلام ويوقفني على حدوده والسّلام. وإن زعمتم أنه لا يكون الفخر إلا بنبوّة فإن منا الأنبياء والمرسلين قاطبة من لدن آدم ما خلا أربعة: هودا وصالحا وإسماعيل وحمدا؛ ومنا المصطفون من العالمين: آدم ونوح، وهما العنصران اللذان تفرع منهما البشر: فنحن الأصل وأنتم الفرع، وإنما أنتم غصن من أغصاننا، فقولوا بعد هذا ما شئتم وادّعوا. ولم تزل الأمم كلها من الأعاجم في كل شق من الأرض [لها] ملوك تجمعها، ومدائن تضمها، وأحكام تدين بها، وفلسفة تنتجها، وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات: مثل صنعة الديباج، وهي أبدع صنعة؛ ولعب الشطرنج، وهي أشرف لعبة، ورمانة القبان التي يوزن بها رطل واحد ومائة رطل؛ ومثل فلسفة الروم في ذات الخلق والقانون، والأسطرلاب الذي يعدل به النجوم ويدرك به علم الأبعاد ودوران الأفلاك، وعلم الكسوف [وغير ذلك من الآثار المتقنة] ولم يكن للعرب ملك يجمع سوادها، ويضم قواصيها، ويقمع ظالمها، وينهى سفيهها؛ ولا كان لها قط نتيجة في صناعة، ولا أثر في فلسفة، إلا ما كان من الشعر وقد شاركتها فيه العجم، وذلك أن للروم أشعارا عجيبة قائمة الوزن والعروض؛ فما الذي تفخر به العرب على العجم؟ فإنما هي كالذئاب العادية، والوحوش النافرة، يأكل بعضها بعضا، ويغير بعضها على بعض، فرجالها موثقون في حلق الأسر، ونساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل، فإذا أدركهن الصريخ استنقذن بالعشي وقد وطئن كما توطأ الطريق المهيع، فخر بذلك شاعر فقال: والحق ركب المردفات عشيّة فقيل له: ويحك! وأي فخر لك أن تلحق بالعشي وقد نكحن وامتهنّ؟

стр. 1087

وقال جرير يعيّر بني دارم بغلبة قيس عليهم يوم رحرحان: وبرحرحان غداة كبّل معبد ... نكحت نساؤكم بغيّر مهور وقال عنترة لامرأته: إنّ الرّجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى سير الرّكاب وأجنب ويكون مركبك القعود ورحله ... وابن النّعامة عند ذلك مركبي «١» أراد بابن النعامة: باطن القدم. وسبي ابن هبولة الغسّاني امرأة الحارث بن عمرو الكندي. فلحقه الحارث فقتله وارتجع المرأة وقد كان نال منها، فقال لها: هل كان أصابك؟ قالت: نعم والله، فما اشتملت النساء على مثله! فأوثقها بين فرسين ثم استحضرهما «٢» حتى قطعاها؛ وقال في ذلك: كلّ أنثى وإن بدا لك منها ... آية الودّ عهدها خيتعور «٣» إنّ من غرّه النساء بودّ ... بعد هند لجاهل مغرور وسبت بنو سليم ريحانة أخت عمرو بن معد يكرب فارس العرب، فقال فيها عمرو: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع وفيها يقول: إذا لم تستطع أمرا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع وأغار الحوفزان على بني سعد بن زيد مناة، فاحتمل الزرقاء من بني ربيع بن الحارث، فأعجبته وأعجبها؛ فوقع بها، ثم لحقه قيس بن عاصم، فاستنقذها وردّها إلى أهلها بعد أن وقع بها.

стр. 1088

فهذا كان شأن العرب والعجم في جاهليتها. فلما أتى الله بالإسلام كان للعجم شطر الإسلام؛ وذلك أن النبي ﷺ بعث إلى الأحمر والأسود من بني آدم، وكان أوّل من تبعه حرّ وعبد واختلف الناس فيهما، فقال قوم: أبو بكر وبلال، وقال قوم: عليّ وصهيب. ولما طعن عمر بن الخطاب ﵁ قدم صهيبا على المهاجرين والأنصار فصلى بالناس وقيل له: استخلف. فقال: ما أجد من أستخلف. فذكر له الستة من أهل حراء، فكلهم طعن «١» عليه، ثم قال: لو أدرك سالما مولى أبي حذيفة حيا لما شككت فيه. فقال في ذلك شاعر العرب: هذا صهيب أمّ كلّ مهاجر ... وعلا جميع قبائل الأنصار لم يرض منهم واحد لصلاتنا ... وهم الهداة وقادة الأخيار هذا ولو كان المثرّم سالم ... حياّ لنال خلافة الأمصار ما بال هذي العجم تحيا دوننا ... إن الغويّ لفي عمى وخسار «٢» وقال بجير يعيّر العرب باختلافها في النسب واستلحاقها للأدعياء: زعمتم بأن الهند أولاد خندف ... وبينكم قربى وبين البرابر وديلم من نسّل ابن ضبّة باسل ... وبرجان من أولاد عمرو بن عامر فقد صار كلّ الناس أولاد واحد ... وصاروا سواء في أصول العناصر بنو الأصفر الأملاك أكرم منكم ... وأولى بقربانا ملوك الأكاسر «٣» أتطمع في صهري دعياّ مجاهرا ... ولم تر سترا من دعيّ مجاهر وتشتم لؤما رهطه وقبيله ... وتمدح جهلا طاهرا وابن طاهر وقد ذكرت هذا الشعر تامّا في كتاب النساء والأدعياء والنجباء. وقال الحسن بن هانيء على مذهب الشعوبية:

стр. 1089

وجاورت قوما ليس بيني وبينهم ... أواصر إلا دعوة وبطون «١» إذا ما دعا باسمي العريف أجبته ... إلى دعوة ممّا عليّ يهون لأزدعمان بالمهلّب نزوة ... إذا افتخر الأقوام ثم تلين «٢» وبكر يرى أن النّبوة أنزلت ... على مسمع في البطن وهو جنين وقالت تميم لا نرى أنّ واحدا ... كأحنفنا حتّى الممات يكون فلا لمت قيسا بعدها في قتيبة ... إذا افتخروا إنّ الفخار فنون ردّ ابن قتيبة على الشعوبية قال ابن قتيبة في كتاب تفضيل العرب: وأمّا أهل التسوية فإن منهم قوما أخذوا ظاهر بعض الكتاب والحديث، فقضوا به ولم يفتشوا عن معناه، فذهبوا إلى قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «٣» وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ «٤» وإلى قول النبي ﵊ في خطبته في حجة الوداع: أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بالآباء. ليس لعربي على عجمي فخر إلا بالتقوى، كلكم لآدم وآدم من تراب. وقوله: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. وإنما المعنى في هذا أن الناس كلهم من المؤمنين سواء في طريق الأحكام والمنزلة عند الله والدار الآخرة. لو كان الناس كلهم سواء في أمور الدنيا ليس لأحد فضل إلا بأمر الآخرة، لم يكن في الدنيا شريف ولا مشروف ولا فاضل ولا مفضول؛ فما معنى قوله ﷺ «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . وقوله ﷺ : «اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» . وقوله ﷺ في قيس بن عاصم: «هذا سيد الوبر» . «٥» وكانت العرب تقول: لا يزال الناس بخير ما

стр. 1090

تباينوا فإذا تساووا هلكوا. تقول: لا يزالون بخير ما كان فيهم أشراف وأخيار، فإذا جملوا كلهم جملة واحدة هلكوا. وإذا ذمّت العرب قوما قالوا: سواسية كأسنان الحمار. وكيف يستوي الناس في فضائلهم والرجل الواحد لا تستوي في نفسه أعضاؤه ولا تتكافأ مفاصله، ولكن لبعضها الفضل على بعض، وللرأس الفضل على جميع البدن بالعقل والحواس الخمس. وقالوا: القلب أمير الجسد. ومن الأعضاء خادمة، ومنها مخدومة. قال ابن قتيبة: ومن أعظم ما ادعت الشعوبية فخرهم على العرب بآدم ﵇ وبقول النبي ﵊: «لا تفضّلوني عليه، فإنما أنا حسنة من حسناته» . ثم فخرهم بالأنبياء أجمعين وأنهم من العجم غير أربعة: هود وصالح وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسّلام؛ واحتجوا بقول الله : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «١» ثم فخروا بإسحاق بن إبراهيم، وأنه لسارة، وأنّ إسماعيل لأمة تسمى هاجر. وقال شاعرهم: في بلدة لم تصل عكل بها طنبا ... ولا خباء، ولا عك وهمدان «٢» ولا لجرم ولا بهراء من وطن ... لكنها لبني الأحرار أوطان أرض يبنّي بها كسرى مساكنه ... فما بها من بني اللّخناء إنسان فبنو الأحرار عندهم: العجم؛ وبنو اللخناء عندهم: العرب؛ لأنهم من ولد هاجر وهي أمة، وقد غلطوا في هذا التأويل، وليس كل أمة يقال لها اللخناء إنما اللخناء من الإماء الممتهنة في رعي الإبل وسقيها وجمع الحطب، وإنما أخذ من اللخن، وهو نتن الريح؛ يقال: لخن السقاء، إذا تغير ريحه؛ فأما مثل هاجر التي طهرها الله من كل دنس وارتضاها للخليل فراشا، وللطّيّبين إسماعيل ومحمد أمّا، وجعلهما سلالة- فهل يجوز لملحد فضلا عن مسلم أن يسميها لخناء!

стр. 1091

رد الشعوبية على ابن قتيبة قال بعض من يرى رأي الشعوبية فيما يردّ به على ابن قتيبة في تباين الناس وتفاضلهم، والسيد منهم والمسّود. إننا نحن لا ننكر تباين الناس ولا تفاضلهم، ولا السيد منهم والمسود، والشريف والمشروف؛ ولكنا نزعم أنّ تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم ولا بأحسابهم، ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم وشرف أنفسهم وبعد هممهم؛ ألا ترى أنه من كان دنيء الهمة، ساقط المروءة، لم يشرف وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها، ومن أمية في أرومتها، ومن قيس في أشرف بطن منها؛ إنما الكريم من كرمت أفعاله، والشريف من شرفت همته؛ وهو معنى حديث النبي ﵊: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . وقوله في قيس بن عاصم: «هذا سيد أهل الوبر» . إنما قال فيه لسؤدده في قومه بالذب عن حريمهم، وبذله رفده لهم: ألا ترى أن عامر بن الطفيل كان في أشرف بطن في قيس يقول: وإني وإن كنت ابن سيّد عامر ... وفارسها المشهور في كلّ موكب فما سوّدتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب ولكنّني أحمي حماها وأتّقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب «١» وقال آخر: إنّا وإن كرمت أوائلنا ... لسنا على الأحساب نتّكل نبني كما كانت أوائلنا ... تبنى ونفعل مثل ما فعلوا وقال قس بن ساعدة: لأقضينّ بين العرب بقضية لم يقض بها أحد قبلي ولا يردّها أحد بعدي: أيما رجل رمى رجلا بملامة دونها كرم، فلا لؤم عليه، وأيما رجل ادّعى كرما دونه لؤم فلا كرم له. ومثله قول عائشة أم المؤمنين: كل كرم دونه لؤم فاللؤم أولى به، وكل لؤم دونه

стр. 1092

كرم فالكرم أولى به. تعني بقولها، أن أولى الأشياء بالإنسان طبائع نفسه وخصالها، فإذا كرمت فلا يضره لؤم أوّليته، وإن لؤمت فلا ينفعه كرم أوّليته. وقال الشاعر: نفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكر والإقداما وصيّرته ملكا هماما وقال آخر: مالي عقلي وهمّتي حسبي ... ما أنا مولى ولا أنا عربي إن انتمى منتم إلى أحد ... فإنّني منتم إلى أدبي «١» وتكلم رجل عند عبد الملك بن مروان بكلام ذهب فيه كل مذهب، فأعجب عبد الملك ما سمع منه، فقال: ابن من أنت يا غلام؟ قال: ابن نفسي يا أمير المؤمنين التي نلت بها هذا المقعد منك! قال: صدقت!. وقال النبي ﵊: «حسب الرجل ماله، وكرمه دينه» . وقال عمر بن الخطاب: إن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك دين فلك كرم. وما رأيت أعجب من ابن قتيبة في كتاب تفضيل العرب؛ إنه ذهب فيه كل مذهب من فضائل العرب، ثم ختم كتابه بمذهب الشعوبية، فنقض في آخره كل ما بنى في أوله؛ فقال في آخر كلامه؛ وأعدل القول عندي أن الناس كلهم لأب وأمّ، خلقوا من تراب، وأعيدوا إلى التراب، وجروا في مجرى البول، وطرأ عليهم الأقذار؛ فهذا نسبهم الأعلى الذي يرتدع به أهل العقول عن التّعظّم والكبرياء، والفخر بالآباء، ثم إلى الله مرجعهم فتنقطع الأنساب، وتبطل الأحساب، إلا من كان حسبه التقوى، أو كانت ماتّته «٢» طاعة الله.

стр. 1093

قول الشعوبية في مناكح العرب قالت الشعوبية: إنما كانت العرب في الجاهلية ينكح بعضهم نساء بعض في غاراتهم بلا عقد نكاح ولا استبراء من طمث، فكيف يدري أحدهم من أبوه. وقد فخر الفرزدق ببني ضبة حين يبتزّون العيال في حروبهم في سبيّة سبوها من بني عامر بن صعصعة فقال: فظلّت وظلّوا يركبون هبيرها ... وليس لهم إلا عواليهم ستر والهيبر: المطمئن من الأرض؛ وإنما أراد هاهنا فرجها. وهو القائل في بعض ما يفخر به: ومنا التّميمي الذي قام أيره ... ثلاثين يوما ثم قد زادها عشرا باب المتعصبين للعرب قال أصحاب العصبية من العرب: لو لم يكن منا على المولى عتاقة ولا إحسان إلا استنقاذنا له من الكفر وإخراجنا له من دار الشرك إلى دار الإيمان كما في الأثر: إن قوما يقادون إلى حظوظهم بالسواجير. «١» كما قال: عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل. على أنّا تعرّضنا للقتل فيهم: فمن أعظم عليك نعمة ممن قتل نفسه لحياتك؟ فالله أمرنا بقتالكم، وفرض علينا جهادكم ورغبنا في مكاتبتكم. وقدّم نافع بن جبير بن مطعم رجلا من أهل الموالي يصلي به، فقالوا: له في ذلك؛ فقال: إنما أردت أن أتواضع لله بالصلاة خلفه. وكان نافع بن جبير هذا إذا مرّت به جنازة قال: من هذا؟ فإذا قالوا قرشي؛ قال: واقوماه! وإذا قالوا: عربي؛ قال: وابلدتاه! وإذا قالوا: مولى؛ قال: هو مال

стр. 1094

الله، يأخذ ما شاء ويدع ما شاء. قال: وكانوا يقولون لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة: حمار، أو كلب أو مولى. وكانوا لا يكنونهم بالكنى، ولا يدعونهم إلا بالأسماء والألقاب، ولا يمشون في الصف معهم، ولا يتقدمونهم في الموكب، وإن حضروا طعاما قاموا على رؤسهم، وإن أطمعوا المولى لسنّه وفضله وعلمه أجلسوه في طرف الخوان؛ لئلا يخفى على الناظر أنه ليس من العرب، ولا يدعونهم يصلون على الجنائز إذا حضر أحد من العرب، وإن كان الذي يحضر غريرا؛ وكان الخاطب لا يخطب المرأة منهم إلى أبيها ولا إلى أخيها، وإنما يخطبها إلى مواليها؛ فإن رضي زوّج وإلا ردّ، فإن زوّج الأب والأخ بغير رأي مواليه فسخ النكاح، وإن كان قد دخل بها كان سفاح غير نكاح. وقال زياد: دعا معاوية الأحنف بن قيس وسمرة بن جندب فقال إني رأيت هذه الحمراء قد كثرت، وأراها قد طعنت على السلف، وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان؛ فقد رأيت أن أقتل شطرا وأدع شطرا لإقامة السوق وعمارة الطريق؛ فما ترون؟ فقال الأحنف: أرى أن نفسي لا تطيب؛ أخي لأمي وخالي ومولاي، وقد شاركناهم وشاركونا في النسب. فظننت أني قد قتلت عنهم؛ وأطرق. فقال سمرة بن جندب: اجعلها إلىّ أيها الأمير، فأنا أتولى ذلك منهم وأبلغ منه. فقال: قوموا حتى أنظر في هذا الأمر. قال الأحنف: فقمنا عنه وأنا خائف، وأتيت أهلي حزينا؛ فلما كان بالغداة أرسل إليّ، فعلمت أنه أخذ برأيي وترك رأي سمرة. وروي أن عامر بن عبد القيس في نسكه وزهده وتقشفه وإخباته وعبادته كلّمه حمران مولى عثمان بن عفان عند عبد الله بن عامر صاحب العراق في تشنيع عامر على عثمان وطعنه عليه، فأنكر ذلك، فقال له حمران: لا كثّر الله فينا مثلك! فقال له عامر: بل كثّر الله فينا مثلك! فقيل له: أيدعو وتدعو له؟ قال: نعم، يكسحون

стр. 1095

طرقنا، ويخرزون خفافنا، ويحركون ثيابنا. فاستوى ابن عامر جالسا، وكان متكئا، فقال: ما كنت أظنك تعرف هذا الباب، لفضلك وزهادتك. فقال: ليس كل ما ظننت أني لا أعرفه، لا أعرفه. وقالوا: إن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد لما وجّه أخاه عبد العزيز إلى قتال الأزارقة، هزموه وقتلوا صاحبه مقاتل بن مسمع، وسبوا امرأته أم حفص بنت المنذر ابن الجارود العبدي، فأقاموها في السوق حاسرة بادية المحاسن، وغالوا فيها وكانت من أكمل الناس كمالا وحسنا، فتزايدت فيها العرب والموالي وكانت العرب تزيد فيها على العصبية، والموالي تزيد فيها على الولاء، حتى بلّغتها العرب عشرين ألفا، ثم تزايدوا فيها حتى بلّغوها تسعين ألف، فأقبل رجل من الخوارج من عبد القيس من خلفها بالسيف فضرب عنقها، فأخذوه ورفعوه إلى قطري بن الفجاءة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا استهلك تسعين ألفا من بيت المال وقتل أمة من إماء المؤمنين. فقال له: ما تقول؟ قال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت هؤلاء الإسماعيلية والإسحاقية قد تنازعوا عليها حتى ارتفعت الأصوات واحمرت الحدق، فلم يبق إلا الخبط بالسيوف، فرأيت أن تسعين ألفا في جنب ما خشيت من الفتنة بين المسلمين هينة. فقال قطري: خلّوا عنه، عين من عيون الله أصابتها. قالوا: فأقد منه. قال: لا أقيد من وزعه «١» الله. ثم قدم هذا العبدي بعد ذلك البصرة، فإذا النعمان بن الجارود يستجديه بذلك السبب، فوصله وأحسن إليه. قال: أبو عبيدة: مر عبد الله بن الأهتم بقوم من الموالي وهم يتذاكرون النحو، فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده. قال أبو عبيدة: ليته سمع لحن صفوان وخاقان ومؤمل بن خاقان. الأصمعي قال: قدم أبو مهدية الأعرابي من البادية فقال له رجل: أبا مهدية أتتوضئون بالبادية؟ قال: والله يا ابن أخي لقد كنا نتوضأ فتكفينا التوضئة الواحدة

стр. 1096

ثلاثة الأيام والأربعة، حتى دخلت علينا هذه الحمراء- يعني الموالي- فجعلت تليق استاهها بالماء كما تلاق» الدواة. ونظر رجل من الأعراب إلى رجل من الموالي يستنجي بماء كثير، فقال له: إلى كم تغسلها ويلك! أتريد أن تشرب بها سويقا! وكان عقيل بن علقمة المرّي أشدّ الناس حميّة في العرب، وكان ساكنا في البادية، وكان يصهر إليه الخلفاء؛ وقال لعبد الملك بن مروان وخطب إليه ابنته الجرباء: جنّبني هجناء ولدك. وهو القائل: كنّا بنو غيظ رجالا فأصبحت ... بنو مالك غيظا وصرنا لمالك لحى الله دهرا ذعذع المال كلّه ... وسوّد أشباه الإماء العوارك «٢» وقال ابن أبي ليلى: قال لي عيسى بن موسى وكان جائرا شديد العصبية: من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن. قال: ثم من؟ قلت: محمد بن سيرين. قال: فما هما؟ قلت: موليان. قال: فمن كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وسعيد ابن جبير، وسليمان بن يسار. قال: فما هؤلاء؟ قلت موالي. فتغير لونه، ثم قال: فمن أفقه أهل قباء؟ قلت ربيعة الرأي، وابن أبي الزناد، قال: فما كانا؟ قلت من الموالي. فاربدّ وجهه، ثم قال: فمن كان فقيه اليمن؟ قلت: طاوس، وابنه وهمام بن منبه. قال: فما هؤلاء؟ قلت: من الموالي. فانتفخت أوداجه فانتصب قاعدا، [ثم] قال: فمن كان فقيه خراسان؟ قلت: عطاء بن عبد الله الخراساني. قال: فما كان عطاء هذا؟ قلت: مولى.

стр. 1097

فازداد وجهه تربّدا واسودّ اسوادادا حتى خفته، ثم قال: فمن كان فقيه الشام؟ قلت: مكحول. قال: فما كان مكحول هذا؟ قلت: مولى. فازداد تغيّظا وحنقا؛ ثم قال: فمن كان فقيه الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فما كان؟ قلت: مولى. قال: فتنفس الصعداء، ثم قال: فمن كان فقيه الكوفة؟ قلت: فو الله لولا خوفه لقلت: الحكم بن عيينة، وعمار بن أبي سليمان، ولكن رأيت فيه الشر، فقلت: إبراهيم، والشعبي. قال: فما كانا؟ قلت: عربيان. قال: الله أكبر! وسكن جأشه. وذكر عمرو بن بحر الجاحظ، في كتاب الموالي والعرب: أن الحجاج لما خرج عليه ابن الأشعث وعبد الله بن الجارود، ولقي ما لقي من قراء أهل العراق وكان أكثر من قاتله وخلعه وخرج عليه، الفقهاء والمقاتلة والموالي من أهل البصرة؛ فلما علم أنهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، أحب أن يسقط ديوانهم ويفرق جماعتهم حتى لا يتألفوا ولا يتعاقدوا، فأقبل على الموالي وقال: أنتم علوج «١» وعجم، وقراكم أولى بكم. ففرقهم وفض جمعهم كيف أحب وصيّرهم كيف شاء، ونقش على يد كل رجل منهم اسم البلدة التي وجّهه إليها؛ وكان الذي تولى ذلك منهم رجل من بني سعد بن عجل ابن لجيم، يقال له خراش بن جابر؛ وقال شاعرهم: وأنت من نقش العجليّ راحته ... وفرّ شيخك حتى عاذ بالحكم يريد: الحكم بن أيوب الثقفي عامل الحجاج على البصرة. وقال آخر، وهو يعني أهل الكوفة، وقد كان قاضيهم رجلا من الموالي يقال له: نوح بن درّاج: إنّ القيامة فيما أحسب اقتربت ... إذ كان قاضيكم نوح بن درّاج

стр. 1098

لو كان حيا له الحجّاج ما بقيت ... صحيحة كفّه من نقش حجّاج وقال آخر: جارية لم تدر ما سوق الإبل ... أخرجها الحجاج من كنّ وظلّ «١» لو كان عمرو شاهدا وابن جبل ... ما نقشت كفاك من غير جدل ويروى أن أعرابيا من بني العنبر دخل على سوّار القاضي فقال: إن أبي مات وتركني وأخا لي- وخط خطّين- ثم قال: وهجينا- ثم خط خطا ناحية- فكيف يقسم المال؟ فقال له سوار: هاهنا وارث غيركم؟ قال: لا. قال: فالمال بينكم أثلاثا. قال: ما أحسبك فهمت عني، إنه تركني وأخي وهجينا، فكيف يأخذ الهجين كما آخذ أنا وكما يأخذ أخي؟ قال: أجل. فغضب الأعرابي ثم أقبل على سوّار فقال: ما علمت والله، إنك قليل الخالات بالدهناء. «٢» قال سوار: لا يضرّني ذلك عند الله تعالى شيئا. تم الجزء الثالث من كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه؛ ويليه- إن شاء الله تعالى الجزء الرابع. وأوله: كتاب العسجدة: في كلام الأعراب.

стр. 1099

الجزء الرابع كتاب العسجدة في كلام الأعراب فرش كتاب العسجدة قال أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في النسب الذي هو سبب التعارف، وسلم إلى التواصل، وفي تفضيل العرب، وفي كلام بعض الشعوبية، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في كلام الأعراب خاصة؛ إذ كان أشرف الكلام حسبا، وأكثره رونقا، وأحسنه ديباجا، وأقله كلفة، وأوضحه طريقة؛ وإذ كان مدار الكلام كله عليه، ومنتسبه إليه. خالد بن صفوان وأعرابي: قال رجل من منقر: تكلم خالد بن صفوان بكلام في صلح لم يسمع الناس كلاما قبله مثله، وإذا بأعرابيّ في بت «١» ، ما في رجليه حذاء، فأجابه بكلام وددت أني متّ قبل أن أسمعه، فلما رأى خالد ما نزل بي قال لي: ويحك! كيف نجاريهم وإنما نحاكيهم؟ أم كيف نسابقهم وإنما نجري بما سبق إلينا من أعراقهم؟ قلت له: أبا صفوان، والله ما ألومك في الأولى، ولا أدع حمدك على الأخرى. بين أعرابي وربيعة في مثله: وتكلم ربيعة الرأي يوما بكلام في العلم فأكثر، فكأن العجب داخله، فالتفت إلى أعرابي إلى جنبه فقال: ما تعدّون البلاغة يا أعرابيّ؟ قال: قلة الكلام وإيجاز الصواب. قال: فما تعدّون العيّ؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم. فكأنما ألقمه حجرا «٢» .

стр. 1100

قول الأعراب في الدعاء قال عمر بن عبد العزيز ﵁: ما قوم أشبه بالسلف من الأعراب، لولا جفا فيهم. وقال غيلان: إذا أردت أن تسمع الدعاء فاسمع دعاء الأعراب. قال أبو حاتم: أملى علينا أعرابي يقال له مرثد: اللهم اغفر لي والجلد بارد، والنفس رطبة، واللسان منطلق، والصحف منشورة، والأقلام جارية، والتوبة مقبولة، والأنفس مريحة، والتضرع مرجوّ، قبل أزّ «١» العروق، وحشك «٢» النفس، وعلز «٣» الصدر، وتزيّل الأوصال، ونصول الشعر، وتحيّف «٤» التراب؛ وقبل أن لا أقدر على استغفارك حتى يفنى الأجل، وينقطع العمل. أعنّي على الموت وكربته، وعلى القبر وغمّته، وعلى الميزان وخفّته، وعلى الصراط وزلّته، وعلى يوم القيامة وروعته؛ اغفر لي مغفرة واسعة لا تغادر ذنبا، ولا تدع كربا؛ اغفر لي جميع ما افترضت عليّ ولم أؤدّه إليك؛ اغفر لي جميع ما تبت إليك منه ثم عدت فيه يا رب تظاهرت عليّ منك النعم، وتداركت عندك مني الذنوب؛ فلك الحمد على النعم التي تظاهرت، وأستغفرك الذنوب التي تداركت. أمسيت عن عذابي غنيا، وأصبحت إلى رحمتك فقيرا؛ اللهم إني أسألك نجاح الأمل عند انقطاع الأجل، اللهم أجعل خير عملي ما وليّ أجلي؛ اللهم اجعلني من الذين إذا أعطيتهم شكروا، وإذا ابتليتهم صبروا، وإذا أذكرتهم ذكروا، واجعل لي قلبا توّابا أوّابا، لا فاجرا ولا مرتابا. اجعلني من الذين إذا أحسنوا ازدادوا، وإذا أساءوا استغفروا، اللهم لا تحقق عليّ العذاب، ولا تقطع بي الأسباب، واحفظني في كل ما تحيط به شفقتي، ويأتي من ورائه سبحتي «٥» ، وتعجز عنه قوّتي، أدعوك دعاء ضعيف عمله، متظاهرة ذنوبه، ضنين على نفسه- دعاء من

стр. 1101

بدنه ضعيف، ومنّته عاجزة؛ قد انتهت عدّته، وخلقت جدته، وتم ظمؤه؛ لا تخيبني وأنا أرجوك، ولا تعذبني وأنا أدعوك، والحمد لله على طول النسيئة، وحسن التباعة، وتشنج العروق، وإساغة الريق، وتأخر الشدائد؛ والحمد لله على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد قدرته؛ والحمد لله الذي لا يودى قتيله، ولا يخيب سوله، ولا يردّ رسوله. اللهم إني أعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك؛ وأعوذ بك أن أقول زورا، أو أغشى فجورا، أو أكون بك مغرورا؛ وأعوذ بك من شماتة الأعداء، وعضال «١» الداء، وخيبة الرجاء، وزوال النعمة، وفجاءة النقمة. دعا أعرابي وهو يطوف بالكعبة فقال: إلهي، من أولى بالتقصير والزلل مني وأنت خلقتني، ومن أولى بالعفو منك عني وعلمك بي ماض، وقضاؤك بي محيط؛ أطعتك بقوتك والمنة لك، وعصيتك بعلمك، فأسألك يا إلهي بوجوب رحمتك، وانقطاع حجّتي، وافتقاري إليك، وغناك عني- أن تغفر لي وترحمني، إلهي لم أحسن حتى أعطيتني. فتجاوز عن الذنوب التي كتبت عليّ، اللهم إنا أطعناك في أحب الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، ولم نعصك في أبغض الأشياء إليك: الشرك بك؛ فاغفر لي ما بين ذلك؛ اللهم إنك آنس المؤنسين لأوليائك، وأحضرهم للمتوكلين عليك. إلهي أنت شاهدهم وغائبهم، والمطلع على ضمائرهم، وسرّي لك مكشوف، وأنا إليك ملهوف؛ إذا أوحشتني الغربة، آنسني ذكرك؛ وإذا أكبت عليّ الغموم، لجأت إلى الاستجارة بك؛ علما بأن أزمة «٢» الأمور كلها بيدك، ومصدرها عن قضائك، فأقللني إليك مغفورا لي، معصوما بطاعتك باقي عمري، يا أرحم الراحمين. الأصمعي قال: حججت فرأيت أعرابيا يطوف بالكعبة ويقول: يا خير موفود سعى إليه الوفد، قد ضعفت قوّتي، وذهبت منتي، وأتيت إليك بذنوب لا تغسلها الأنهار ولا تحملها البحار؛ أستجير برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، ثم

стр. 1102

التفت فقال: أيها المشفقون، ارحموا من شملته الخطايا، وغمرته البلايا، ارحموا من قطع البلاد، وخلف ما ملك من التلاد «١» ؛ ارحموا من وبخته الذنوب، وظهرت منه العيوب؛ ارحموا أسير ضرّ، وطريد فقر. أسألكم بالذي أعملتكم الرغبة إليه، إلا ما سألتم الله أن يهب لي عظيم جرمي. ثم وضع في حلقة الباب خدّه وقال: ضرع خدّي لك، وذل مقامي بين يديك، ثم أنشأ يقول: عظيم الذنب مكروب ... من الخيرات مسلوب وقد أصبحت ذا فقر ... وما عندك مطلوب العتبي قال: سمعت أعرابيا بعرفات عشية عرفة وهو يقول: اللهم إن هذه عشية من عشايا محبتك، وأحد أيام زلفتك، يأمل فيها من لجأ إليك من خلقك، أن لا يشرك بك شيئا بكل لسان فيها يدعى، ولكل خير فيها يرجى؛ أتتك العصاة من البلد السحيق، ودعتك العناة من شعب المضيق؛ رجاء ما لا خلف له من وعدك، ولا انقطاع له من جزيل عطائك؛ أبدت لك وجوهها المصونة، صابرة على وهج السمائم «٢» ، وبرد الليالي، ترجو بذلك رضوانك؛ يا غفار، يا مستزادا من نعمه، ومستعاذا من نقمه، ارحم صوت حزين دعاك بزفير وشهيق. ثم بسط كلتا يديه إلى السماء، وقال: اللهم إن كنت بسطت يدي إليك راغبا، فطالما كفيتنيه؛ ساهيا بنعمتك التي تظاهرت عليّ عند الغفلة، فلا أيأس منها عند التوبة: ولا تقطع رجائي منك لما قدمت من افتراف، وهب لي الإصلاح في الولد، والأمن في البلد، والعافية في الجسد، إنك سميع مجيب. ودعا أعرابي فقال: يا عماد من لا عماد له، ويا ركن من لا ركن له، ويا مجير الضعفاء، ويا منقذ الهلكى، ويا عظيم الرجاء، أنت الذي سبح لك سواد الليل وبياض النهار، وضوء القمر وشعاع الشمس، وحفيف الشجر ودوي الماء؛ يا محسن، يا مجمل، يا مفضل، لا أسألك الخير بخير هو عندك، ولكني أسألك برحمتك، فاجعل العافية لي

стр. 1103

شعارا ودثارا «١» ، وجنّة دون كل بلاء. الأصمعي قال: خرجت أعرابية إلى منى فقطع بها الطريق، فقالت: يا رب، أخذت وأعطيت وأنعمت وسلبت، وكل ذلك منك عدل وفضل، والذي عظّم على الخلائق أمرك؛ لا بسطت لساني بمسألة أحد غيرك، ولا بذلت رغبتي إلا إليك يا قرة أعين السائلين، أغنني بجود منك أتبحبح في فراديس نعمته، وأتقلب في رواق نضرته، احملني من الرجلة «٢» ، وأغنني من العيلة، وأسدل عليّ سترك الذي لا تخرقه الرماح، ولا تزيله الرياح، إنك سميع الدعاء. قال: وسمعت أعرابيا في فلاة من الأرض وهو يقول في دعائه: اللهم إن استغاري إياك مع كثرة ذنوبي للؤم، وإن تركي الاستغفار مع معرفتي بسعة رحمتك لعجز! إلهي كم تحببت إليّ بنعمتك وأنت غنيّ عني، وكم أتبغّض إليك بذنوبي وأنا فقير إليك! سبحان من إذا توعد عفا، وإذا وعد وفى. قال: وسمعت أعرابيا يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي إليك لا تضرّك، وإن رحمتك إياي لا تنقصك؛ فاغفر لي مالا يضرك، وهب لي مالا ينقصك. قال: وسمعت أعرابيا وهو يقول في دعائه: اللهم إني أسألك عمل الخائفين، وخوف العاملين، حتى أتنعم بترك النعم طمعا فيما وعدت، وخوفا مما أوعدت اللهم أعذني من سطواتك؛ وأجرني من نقماتك؛ سبقت لي ذنوب وأنت تغفر لمن يتوب؛ إليك بك أتوسل، ومنك إليك أفرّ. قال: وسمعت أعرابيا يقول: اللهم إن أقواما آمنوا بك بألسنتهم ليحقنوا دماءهم فأدركوا ما أمّلوا، وقد آمنا بك بقلوبنا لتجيرنا من عذابك فأدرك منا ما أمّلناه. قال: ورأيت أعرابيا متعلقا بأستار الكعبة رافعا يديه إلى السماء وهو يقول رب،

стр. 1104

أتراك معذبنا وتوحيدك في قلوبنا، وما إخالك تفعل! ولئن فعلت لتجمعنّا مع قوم طالما أبغضناهم لك. الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول في صلاته: الحمد لله حمدا لا يبلى جديده ولا يحصى عديده، ولا يبلغ حدوده؛ اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره، واجعل القبر خير بيت نعمره، واجعل ما بعده خيرا لنا منه؛ اللهم إن عينيّ قد اغرورقتا دموعا من خشيتك؛ فاغفر الزلة، وعد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك. الأصمعي قال: وقف أعرابي في بعض المواسم فقال: اللهم إن لك عليّ حقوقا فتصدّق بها عليّ، وللناس قبلي تباعات فتحملها عني؛ وقد وجب لكل ضيف قرى «١» ، وأنا ضيفك الليلة، فاجعل قراي فيها الجنة. قال: ورأيت أعرابيا أخذ بحلقتي باب الكعبة وهو يقول: سائلك عبد بابك ذهبت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تباعته فارض عنه، وإن لم ترض عنه فاعف عنه غير راض. قال: ودعا أعرابي عند الكعبة، فقال: اللهم إنه لا شرف إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال؛ فأعطني ما أستعين به على شرف الدنيا والآخرة. قال زيد بن عمر: سمعت طاوسا يقول: بينا أنا بمكة إذا دفعت إلى الحجاج بن يوسف، فثني لي وسادا فجلست، فبينا نحن نتحدث إذ سمعت صوت أعرابي في الوادي رافعا صوته بالتلبية، فقال الحجاج: عليّ بالملبّي. فأتي به، فقال: من الرجل؟ قال: من أفناء «٢» الناس. قال: ليس عن هذا سألتك. قال: فعمّ سألتني؟ قال: من أي البلدان أنت؟ قال: من أهل اليمن. قال له الحجاج: فكيف خلفت محمد بن يوسف؟ يعني أخاه، وكان عامله على اليمن؛ قال: خلفته عظيما جسيما خرّاجا ولّاجا. قال: ليس عن هذا سألتك. قال: فعمّ سألتني؟ قال: كيف خلّفت سيرته في الناس؟ قال:

стр. 1105

خلفته ظلوما غشوما عاصيا للخالق مطيعا للمخلوق! فازورّ «١» من ذلك الحجاج، وقال: ما أقدمك على هذا وقد تعلم مكانته مني؟ فقال له الأعرابي أفتراه بمكانته منك أعزّ مني بمكانتي من الله ﵎، وأنا وافد بيته، وقاضي دينه، ومصدّق نبيه ﷺ ! قال: فوجم لها الحجاج ولم يجر له جوابا، حتى خرج الرجل بلا إذن. قال طاوس: فتبعته حتى أتى الملتزم فتعلق بأستار الكعبة، فقال: بك أعوذ، وإليك ألوذ، فاجعل لي في اللهف إلى جوارك والرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين، وغنى عما في أيد المستأثرين؛ اللهم عد بفرجك القريب، ومعروفك القديم، وعادتك الحسنة. قال طاوس: ثم اختفى في الناس فألفيته بعرفات قائما على قدميه وهو يقول: اللهم إن كنت لم تقبل حجّي ونصبي وتعبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته فلا أعلم مصيبة أعظم ممن ورد حوضك وانصرف محروما من وجه رحمتك. الأصمعي قال: رأيت أعرابيا يطوف بالكعبة وهو يقول: إلهي عجّت «٢» إليك الأصوات بضروب من اللغات يسألونك الحاجات، وحاجتي إليك إلهي أن تذكرني على طول البلاء إذا نسيني أهل الدنيا. اللهم هب لي حقك، وأرض عني خلقك، اللهم لا تعيني بطلب ما لم تقدّره لي، وما قدرته لي فيسّره لي. قال: ودعت أعرابية لابن لها وجهته إلى حاجة، فقالت: كان الله صاحبك في أمرك، وخليفتك في أهلك، ووليّ نجح «٣» طلبتك. امض مصاحبا مكلوءا، لا أشمت الله بك عدوّا، ولا أرى محبيك فيك سوءا. قال: ومات ابن لأعرابي فقال: اللهم إني وهبت له ما قصر فيه من بري، فهب له ما قصّر فيه من طاعتك، فانك فإنك أجود وأكرم.

стр. 1106

قولهم في الرقائق العتبي قال: ذكر أعرابي مصيبة فقال: والله تركت سود الرءوس بيضا، وبيض الوجوه سودا، وهوّنت المصائب بعدها. أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال يرثي آل أبي سفيان: رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا «١» فردّ شعورهن السود بيضا ... وردّ وجوههن البيض سودا فإنك إذ سمعت بكاء هند ... ورملة إذ يلطمن الخدودا بكيت بكاء موجعة بحزن ... أصاب الدهر واحدها الفريدا قال: قيل لأعرابية أصيبت بابنها: ما أحسن عزاءك قالت: إنّ فقدي إياه أمّنني كل فقد سواه، وإن مصيبتي به هوّنت علي المصائب بعده؛ ثم أنشأت تقول: من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر كنت السواد لمقلتي ... فعليك يبكي الناظر ليت المنازل والدّيا ... ر حفائر ومقابر وقيل لأعرابي: كيف حزنك على ولدك؟ قال: ما ترك همّ الغداء والعشاء لي حزنا! وقيل لأعرابي: ما أذهب شبابك؟ قال: من طال أمده، وكثر ولده، وكثر ولده، وذهب جلده: ذهب شبابه. وقيل لأعرابي: ما أنحل جسمك؟ قال: سوء الغذاء، وجدوبة المرعى، واختلاج الهموم في صدري. ثم أنشأ يقول: الهمّ مالم تمضه لسبيله ... داء تضمّنه الضّلوع عظيم ولرّبما استيأست ثم أقول لا ... إنّ الذي ضمن النجاح كريم

стр. 1107

وقيل لأعرابي قد أخذته السن: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت تقيّدني الشعرة، وأعثر في البعرة «١» ؛ قد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره. وقال أعرابي: لقد كنت أنكر البيضاء فصرت أنكر السوداء، فيا خير مبدول ويا شرّ بدل! وقال أعرابي: إذا الرجال ولدت أولادها ... وجعلت أسقامها تعتادها واضطربت من كبر أعضادها ... فهي زروع قد دنا حصادها وذكر أعرابي قطيعة بعض إخوانه، فقال: صفرت «٢» عياب الودّ بعد امتلائها واكفهرت وجوه كانت بمائها؛ فأدبر ما كان مقبلا، وأقبل ما كان مدبرا. وذكر أعرابي منزلا باد أهله، فقال: منزل والله رحلت عنه ربات الخدور وأقامت فيه أثافيّ «٣» القدور، وقد اكتسى بالنبات كأنما ألبس الحلل؛ وكان أهله يعفّون فيه آثار الرياح، وأصبحت الريح تعفّي آثارهم فالعهد قريب والملتقى بعيد. ذكر أعرابي قوما تغيرت أحوالهم، فقال: أعين والله كحلت بالعبرة بعد الحبرة «٤» ، وأ نفس لبست الحزن بعد السرور. وذكر أعرابي قوما تغيرت حالهم، فقال: كانوا والله في عيش رقيق الحواشي فطواه الدهر بعد سعة، حتى يبست أبدانهم من القر، ولم أر صاحبا أغرّ من الدنيا، ولا ظالما أغشم من الموت؛ ومن عصف به الليل والنهار أردياه، ومن وكل به الموت أفناه. وقف أعرابي على دار قد باد أهلها، فقال: دار والله معتصرة للدموع، حطت بها

стр. 1108

السحاب أثقالها، وجرّت بها الرياح أذيالها. وذكر أعرابي رجلا تغيرت حاله، فقال: طويت صحيفته وذهب رزقه، فالبلاء مسرع إليه، والعيش عنه قابض كفّيه. وذكر أعرابي رجلا ضاق عيشه بعد سعة، فقال: كان والله في ظل عيش ممدود، فقدحت عليه من الدهر زند عين كابية الزند. الأصمعي قال: أنشدني العقيل لأعرابية ترثي ابنها: ختلته المنون بعد اختيال ... بين صفّين من قنا ونصال في رداء من الصفيح صقيل ... وقميص من الحديد مذال «١» كنت أخباك لاعتداء يد الدهر ولم تخطر المنون ببالي وقال أعرابي يرثي ابنه: دفنت بكفي بعض نفسي فأصبحت ... وللنّفس منها دافن ودفين وقال أعرابي: إن الدنيا تنطق بغير لسان فتخبر عما يكون بما قد كان. خرج أعرابي: هاربا من الطاعون؛ فبينا هو سائر إذ لدغته أفعى فمات، فقال فيه أبوه: طاف يبغي نجوة ... من هلاك فهلك ليت شعري ضلّة ... أيّ شيء قتلك والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك كلّ شيء قاتل ... حين تلقى أجلك وذكر أعرابي بلدا فقال: بلد كالتّرس «٢» ، ما تمشي فيه الرياح إلا عابرات سبيل، ولا يمر فيها السّفر إلا بأدلّ دليل.

стр. 1109

قولهم في الاستطعام معن بن زائدة وأعرابي: قدم أعرابي من بني كنانة على معن بن زائدة وهو باليمن، فقال: إني والله ما أعرف سببا بعد الإسلام والرحم أقوى من رحلة مثلي من أهل السن والحسب إليك من بلاده، بلا سبب ولا وسيلة إلا دعاءك إلى المكارم، ورغبتك في المعروف؛ فإن رأيت أن تضعني من نفسك بحيث وضعت نفسي من رجائك فافعل. فوصله وأحسن إليه. لأعرابي : الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي ﵁ يقول: وقف أعرابي على قوم فقال: إنا- رحمكم الله- أبناء سبيل، وأنضاء طريق وفلّال «١» سنة؛ رحم الله امرأ أعطى عن سعة، وواسى من كفاف. فأعطاه رجل درهما، فقال: آجرك الله من غير أن يبتليك. لآخر : ووقف أعرابي بقوم فقال: يا قوم، تتابعت علينا سنون جماد شداد، لم يكن للسماء فيها رجع، ولا للأرض فيها صدع، فنضب العدّ، ونشف الوشل، وأمحل الخصب، وكلح الجدب، وشف المال، وكسف البال، وشظف المعاش، وذهب الرياش؛ وطرحتني الأيام إليكم غريب الدار، نائي المحل، ليس لي مال أرجع إليه، ولا عشيرة ألحق بها؛ فرحم الله امرأ رحم اغترابي، وجعل المعروف جوابي. المهدي في الطواف: خرج المهدي يطوف بعد هدأة من الليل، فسمع أعرابية من جانب المسجد وهي تقول: قوم معوزون، نبت عنهم العيون، وفدحتهم الديون، وعضتهم السنون؛ باد

стр. 1110

رخالهم «١» ، وذهبت أموالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق، وصية الله ووصية رسوله ﷺ ، فهل من آمر بخير، كلأه الله في سفره، وخلفه في أهله؟ فأمر نصيرا الخادم، فدفع إليها خمسمائة درهم. خزيمة في إبل أغير عليها: الأصمعي قال: أغير على إبل خزيمة، فركب بحيرة» ، فقيل له: أتركب حراما؟ قال: يركب الحرام من لا حلال له. وقال أعرابي: بين عتبة بن أبي سفيان وأعرابي: يا ليت لي نعلين من جلد الضّبع ... كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع «٣» أبو الحسن قال: اعترض أعرابي لعتبة بن أبي سفيان وهو على مكة فقال: أيها الخليفة. قال: لست به ولم تبعد. قال: فيا أخاه! قال: اسمعت فقل. قال: شيخ من بني عامر يتقرب إليك بالعمومة ويختص بالخئولة، ويشكو إليك كثرة العيال، ووطأة الزمان، وشدة فقر، وترادف ضر، وعندك ما يسعه ويصرف عنه بؤسه فقال عتبة أستغفر الله منك، وأستعينه عليك، قد أمرت لك بغناك، فليت إسراعنا إليك يقوم بإبطائنا عنك. وسأل أعرابي فقال: رحم الله مسلما لم تمجّ أذناه كلامي، وقدم لنفسه معاذا من مقامي، فإن البلاد مجدية، والدار مضيعة، والحياء زاجر يمنع من كلامكم، والعدم عاذر يدعو إلى إخباركم؛ والدعاء إحدى الصدقتين، فرحم الله امرأ يمير وداعيا يجير. فقال له بعض القوم: ممن الرجل؟ فقال: ممن لا تنفعكم معرفته، ولا تضركم جهالته. ذلّ الاكتساب، يمنع من عز الانتساب.

стр. 1111

أعرابي أغير على إبله: العتبي قال: قدم علينا أعرابي في فشّاش «١» ، قد أطردت «٢» الّلصاص إبله، فجمعت له شيئا من أهل المسجد، فلما دفعت إليه الدراهم أنشأ يقول: لا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوي إحن ما سرّني أنّ إبلي في مباركها ... وأنّ أمرا قضاه الله لم يكن أخذ هذا المعنى بعض المحدثين فقال: لولا شماتة أعداء ذوي حسد ... وأن أنال بنفعي من يرجّيني لما خطبت إلى الدّنيا مطالبها ... ولا بذلت لها عرضي ولا ديني لكن منافسة الأكفاء تحملني ... على أمور أراها سوف ترديني وقد خشيت بأن أبقى بمنزلة ... لا دين عندي ولا دنيا تواتيني بين خالد القسري وأعرابي: العتبي قال: دخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول: أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا أناخ دهر ألقى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا قال: أرسلوك وانتظروا؟ والله لا تجلس حتى تعود إليهم بما يسرهم! فأمر له بأربعة أبعرة موقورة «٣» برّا وتمرا وخلع عليه. ابن طوق وأعرابي: الشيباني قال: أقبل أعرابي إلى مالك بن طوق، فأقام بالرحبة حينا، وكان الأعرابي من بني أسد صعلوكا في عباءة صوف وشملة شعر، فكلما أراد الدخول

стр. 1112

منعه الحجاب، وشتمه العبيد، وضربه الأشراط؛ فلما كان في بعض الأيام خرج مالك بن طوق يريد التنزه حول الرحبة، فعارضه الأعرابي، فضربوه ومنعوه، فلم يثنه ذلك حتى أخذ بعنان فرسه، ثم قال: أيها الأمير، إني عائذ بالله من أشراطك هؤلاء! فقال مالك: دعوا الأعرابي؛ هل من حاجة يا أعرابي؟ قال: نعم أصلح الله الأمير؛ أن تصغى إليّ بسمعك، وتنظر إليّ بطرفك، وتقبل إليّ بوجهك. قال: نعم. فأنشأ الأعرابي يقول: ببابك دون الناس أنزلت حاجتي ... وأقبلت أسعى حوله وأطوف ويمنعني الحجّاب والسّتر مسبل ... وأنت بعيد والشروط صفوف «١» يدورون حولي في الجلوس كأنهم ... ذئاب جياع بينهنّ خروف فأمّا وقد أبصرت وجهك مقبلا ... فأصرف عنه إنني لضعيف ومالي من الدّنيا سواك ولا لمن ... تركت ورائي مربع ومصيف وقد علم الحيّان قيس وخندف ... ومن هو فيها نازل وحليف تخطّيت أعناق الملوك ورحلتي ... إليك وقد حنّت إليك صروف فجئتك أبغي اليسر منك فمرّ بي ... ببابك من ضرب العبيد صنوف فلا تجعلن لي نحو بابك عودة ... فقلبي من ضرب الشّروط مخوف فاستضحك مالك حتى كاد أن يسقط عن فرسه؛ ثم قال لمن حوله: من يعطيه درهما بدرهمين وثوبا بثوبين؟ فوقعت عليه الثياب والدراهم من كل جانب حتى تحير الأعرابي؛ ثم قال له: هل بقيت لك حاجة يا أعرابي؟ قال: أما إليك فلا! قال: فإلى من؟ قال: إلى الله أن يبقيك للعرب؛ فإنها لا تزال بخير ما بقيت لها. دخل أعرابي إلى هشام بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، أتت علينا ثلاثة أعوام: فعام أذاب الشحم، وعام أكل اللحم، وعام انتقى العظم «٢» ؛ وعندكم أموال، فإن تكن لله فبثوها في عباد الله، وإن تكن للناس فلم تحجب عنهم، وإن تكن لكم

стр. 1113

فتصدقوا؛ إن الله يجزي المتصدقين! قال هشام: هل من حاجة غير هذه يا أعرابي؟ قال: ما ضربت إليك أكباد الإبل أدّرع الهجير، وأخوض الدجا لخاصّ دون عام، ولا خير في خير لا يعم. فأمر له هشام بأموال فرّقت في الناس؛ وأمر للأعرابي بمال فرّقه في قومه. لبعض الأعراب: طلب أعرابي من رجل حاجة فوعده قضاءها؛ فقال الأعرابي: إن من وعد قضى الحاجة وإن كثرت؛ والمطل من غير عسر آفة الجود. وقال أعرابي، وأتى رجلا لم تكن بينهما حرمة في حاجة له، فقال: إني امتطيت إليك الرجاء، وسرت على الأمل، ووفدت بالشكر، وتوسلت بحسن الظن: فحقق الأمل، وأحسن المثوبة، وأكرم القصد، وأتم الود، وعجل المراد. وقف أعرابي على حلقة يونس النحوي، فقال: الحمد لله، وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه، إنا أناس قدمنا هذه المدينة ثلاثون رجلا؛ لا ندفن ميتا؛ ولا نتحول من منزل وإن كرهناه؛ فرحم الله عبدا تصدّق على ابن سبيل، ونضو «١» طريق، ورسل سنة؛ فإنه لا قليل من الأجر؛ ولا غني عن الله، ولا عمل بعد الموت؛ يقول الله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً «٢» إن الله لا يستقرض من عوز؛ ولكن ليبلو خيار عباده. وقف أعرابي في شهر رمضان على قوم؛ فقال: يا قوم لقد ختمت هذه الفريضة على أفواهنا من صبح أمس، ومعي بنتان لي، والله ما علمتهما تخلالا بخلال؛ فهل رجل كريم يرحم اليوم مقامنا، ويرد حشاشتنا؛ منعه الله أن يقوم مقامي فإنه مقام ذل وعار وصغار! فافترق القوم ولم يعطوه شيئا! فالتفت إليهم حتى تأملهم جميعا، ثم

стр. 1114

قال: أشدّ والله عليّ من سوء حالي وفاقتي، توهّمي فيكم المواساة! انتعلوا الطريق لاصحبكم الله. الأصمعي قال: وقف أعرابيّ علينا فقال: يا قوم، تتابعت علينا سنون بتغير وانتفاص، فما تركت لنا هبعا ولا ربعا «١» ، ولا عافطة ولا نافطة «٢» ، ولا ثاغية ولا راغية «٣» ؛ فأماتت الزرع، وقتلت الضرع، وعندكم من مال الله فضل نعمة؛ فأعينوني من فضل ما آتاكم الله، وارحموا أبا أيتام، ونضو زمان «٤» ؛ فلقد خلفت أقواما يمرضون مريضهم ولا يكفنون ميتهم، ولا ينتقلون من منزل إلى منزل وإن كرهوه؛ ولقد مشيت حتى انتعلت الدماء، وجعت حتى أكلت النوى. لأعرابية مع عبد الرحمن ابن أبي بكر: الأصمعي قال: وقفت أعرابية من هوازن على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقالت: إني أتيت من أرض شاسعة، تهيضني هائضة «٥» وترفعني رافعة في بواد برين لحمي، وهضن عظمي: وتركنني والهة، قد ضاق بي البلد، بعد الأهل والولد، وكثرة من العدد؛ لا قرابة تؤويني، ولا عشيرة تحميني، فسألت أحياء العرب: من المرتجى سيبه، المأمون عيبه، الكثير نائله، المكفيّ سائله؟ فدللت عليك؛ وأنا امرأة من هوازن، فقدت الولد والوالد، فاصنع في أمري واحدة من ثلاث: إما أن تحسن صفدي، وإما أن تقيم أودي، وإما أن تردّني إلى بلدي. قال: بل أجمعين لك! ففعل ذلك بها أجمع. وقال أعرابي: يا عامل الخير رزقت الجنّة ... أكس بنيّاتي وأمّهنّه وكن لنا من الزمان جنّه ... واردد علينا إنّ إنّ إنّه أقسمت بالله لتفعلنّه

стр. 1115

لبعض الأعراب: الأصمعي قال: وقفت أعرابية فقالت: يا قوم، سنة جردت وأيد جمدت، وحال أجهدت؛ فهل من فاعل لخير، وآمر بمير؟ رحم الله من رحم، وأقرض من يقرض. الأصمعي قال: أصابت الأعراب أعوام جدبة وشدة وجهد، فدخلت طائفة منهم البصرة وبين أيديهم أعرابي وهو يقول: أيها الناس، إخوانكم في الدين، وشركاؤكم في الإسلام، عابر وسبيل، وفلال «١» بؤس، وصرعى جدب، تتابعت علينا سنون ثلاثة، غيرت النّعم وأهلكت النّعم، فأكلنا ما بقي من جلودها فوق عظامها فلم نزل نعلل بذلك أنفسنا، ونمنّي بالغيث قلوبنا، حتى عاد محنا عظاما، وعاد إشراقنا ظلاما، وأقبلنا إليك يصرعنا الوعر، ويكننا السهل، وهذه آثار مصائبنا، لائحة في سماتنا، فرحم الله متصدقا من كثير، ومواسيا من قليل، فلقد عظمت الحاجة، وكسف البال وبلغ المجهود، والله يجزي المتصدقين. الأصمعي قال: كنت في حلقة بالبصرة إذ وقف علينا أعرابي سائلا، فقال: أيها الناس، إن الفقر يهتك الحجاب، ويبرز الكعاب؛ وقد حملتنا سنو المصائب، ونكبات الدهور، على مركبها الوعر، فواسوا أبا أيتام، ونضو زمان، وطريد فاقة، وطريح هلكة، رحمكم الله. أتى أعرابي عمر بن عبد العزيز فقال: رجل من أهل البادية، ساقته إليك الحاجة، وبلغت به الغاية، والله سائلك عن مقامي هذا. فقال عمر. ما سمعت أبلغ من قائل ولا أوعظ لمقول له من كلامك هذا. سمع عدي بن حاتم رجلا من الأعراب وهو يقول: يا قوم، تصدقوا على شيخ معيل، وعابر سبيل، شهد له ظاهره، وسمع شكواه خالقه، بدنه مطلوب وثوبه

стр. 1116

مسلوب! فقال له: من أنت؟ قال: رجل من بني سعد في دية لزمتني، قال: فكم هي؟ قال: مائة بعير. قال: دونكها في بطن الوادي! سأل أعرابي رجلا فأعطاه، فقال: جعل الله للمعروف إليك سبيلا، وللخير عليك دليلا، ولا جعل حظّ السائل منك عذرة صادقة. وقف أعرابي بقوم فقال: أشكو إليكم أيها الملأ زمانا كلح «١» فيّ وجهه، وأناخ عليّ كلكله، بعد نعمة من البال، وثروة من المال، وغبطة من الحال؛ اعتورتني شدائده، بنبل مصائبه، عن قسيّ نوائبه، فما ترك لي ثاغية أجتدي ضرعها، ولا راغية أرتجي نفعها، فهل فيكم من معين على صرفه، أو معد على حتفه؟ فردّ القوم عليه ولم ينيلوه شيئا؛ فأنشأ يقول: قد ضاع من يأمل من أمثالكم ... جودا وليس الجود من فعالكم لا بارك الله لكم في مالكم ... ولا أزاح السوء عن عيالكم فالفقر خير من صلاح حالكم الأصمعي قال: سأل أعرابي فلم يعط شيئا، فرفع يديه إلى السماء وقال: يا ربّ ثقتي وذخري ... لصبية مثل صغار الذّرّ جاءهم البردوهم بشرّ ... بغير لحف وبغير أزر كأنهم خنافس في جحر ... تراهم بعد صلاة العصر وكلّهم ملتصق بصدري ... فاسمع دعائي وتولّ أمري سأل أعرابي ومعه ابنتان له، فلم يعط شيئا؛ فأنشأ يقول: أيا ابنتيّ صابرا أباكما ... إنكما بعين من يراكما الله مولاي وهو مولاكما ... فأخلصا لله في نجواكما تضرّعا لا تذخرا بكاكما ... لعله يرحم من آواكما إن تبكيا فالدهر قد أبكاكما

стр. 1117

هشام وأعرابي: العتبي قال: كانت الأعراب تنتجع هشام بن عبد الملك بالخطب كل عام، فتقدّم إليهم الحاجب يأمرهم بالإيجاز، فقام أعرابي فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله ﵎ جعل العطاء محبة؛ والمنه مبغضة؛ فلأن نحبك خير من أن نبغضك! فأعطاه وأجزل له. الأصمعي قال: وقف أعرابي غنويّ على قوم؛ فقال بعد التسليم: أيها الناس، ذهب النّيل؛ وعجف الخيل «١» ؛ وبخس الكيل؛ فمن يرحم نضو سفر، وقل سنة، ويقرض الله قرضا حسنا. لا يستقرض الله من عدم، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم. ثم أنشأ يقول: هل من فتى مقتدر معين ... على فقير بائس مسكين أبي بنات وأبي بنين ... جزاه ربّي بالذي يعطيني أفضل ما يجزى به ذو الدّين لبعض الأعراب: الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول لرجل: أطعمك الله الذي أطعمتني له؛ فقد أحييتني بقتل جوعي، ودفعت عني سوء ظني بيومي؛ فحفظك الله على كل جنب، وفرج عنك كل كرب، وغفر لك كل ذنب. وسأل أعرابيّ رجلا فاعتلّ عليه، فقال: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا! وقال أعرابي للمأمون: قل للإمام الذي ترجى فضائله ... رأس الأنام وما الأذناب كالراس إني أعوذ بهرون وخفرته ... وبابن عمّ رسول الله عبّاس: «٢» من أن تشدّ رحال العيس راجعة ... إلى اليمامة بالحرمان والياس «٣»

стр. 1118

أعرابي وزوجه في مجاعة: الأصمعي قال: أصابت الأعراب مجاعة، فمررت برجل منهم قاعد مع زوجته بقارعة الطريق وهو يقول: يا ربّ إني قاعد كما ترى ... وزوجتي قاعدة كما ترى والبطن منّي جائع كما ترى ... فما ترى يا ربّنا فيما ترى! أعرابي في مجاعة: الأصمعي قال: حدّثني بعض الأعراب قال: أصابتنا سنة وعندنا رجل غني وله كلب، فجعل كلبه يعوي جوعا، فأنشأ يقول: تشكّى إليّ الكلب شدّة جوعه ... وبي مثل ما بالكلب أو بي أكثر فقلت: لعلّ الله يأتي بغيثه ... فيضحي كلانا قاعدا يتكبّر كأني أمير المؤمنين من الغنى ... وأنت من النعمى كأنك جعفر أعرابي اسمه عمرو: الأصمعي قال: سأل أعرابيّ رجلا يقال له عمرو، فأعطاه درهمين؛ فردهما عليه وقال: تركت لعمرو درهميه ولم يكن ... ليغني عنّي فاقتي درهما عمرو وقلت لعمرو خذهما فاصطرفهما ... سريعين في نقض المودة والأجر لبعض الأعراب: أبو الحسن قال: وقف علينا أعرابي، فقال: أخ في كتاب الله، وجار في بلاد الله، وطالب خير من رزق الله؛ فهل فيكم من مواس في الله؟. الأصمعي قال: ضجر أعرابي بكثرة العيال والولد، وبلغه أنّ الوباء بخيبر شديد؛ فخرج إليها يعرّضهم للموت، وأنشأ يقول:

стр. 1119

قلت لحمّى خيبر استعدّي ... هاك عيالي فاجهدي وجدّي وباكري بصالب وورد ... أعانك الله على ذي الجند «١» فأخذته الحمى، فمات هو وبقي عياله. مروان وأعرابي: سأل أعرابيّ شيخا من بني مروان وحوله قوم جلوس، فقال: أصابتنا سنة. ولي بضع عشرة بنتا، فقال الشيخ: أمّا السنة فوددت والله أن بينكم وبين السماء صفائح من حديد، ويكون مسيلها مما يليني فلا تقطر عليكم قطرة؛ وأمّا البنات فليت الله أضعفهنّ لك أضعافا كثيرة، وجعلك بينهنّ مقطوع اليدين والرجلين ليس لهنّ كاسب غيرك! قال: فنظر إليه الأعرابي ثم قال: والله ما أدري ما أقول لك، ولكن أراك قبيح المنظر، سيء الخلق، فأعضّك الله ببظر أمّهات هؤلاء الجلوس حولك! طائفي وأعرابي: وقف أعرابيّ على رجل شيخ من أهل الطائف، فذكر له سنة وسأله. فقالت: وددت والله أنّ الأرض خطة لا تنبت شيئا! قال: ذلك أيبس لجفير أمّك في استها. قولهم في المواعظ والزهد هشام وأعرابي: أبو حاتم عن الأصمعي قال: دخل أعرابي على هشام بن عبد الملك فقال له: عظني يا أعرابي. فقال: كفى بالقرآن واعظا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ

стр. 1120

النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «١» ثم قال: يا أمير المؤمنين، هذا جزاء من يطفّف في الكيل والميزان، فما ظنّك بمن أخذه كله؟! لأعرابي يعظ أخاه: وقال أعرابي لأخيه: يا أخي، أنت طالب ومطلوب، يطلبك مالا تفوته، وتطلب ما قد كفيته، فكأنّ ما غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه، فامهد لنفسك، وأعدّ لغدك، وخذ في جهازك. ووعظ أعرابي أخا له أفسد ماله في الشراب، فقال: لا الدهر يعظك، ولا الأيام تنذرك، ولا الشيب يزجرك، والساعات تحصى عليك، والأنفاس تعدّ منك، والمنايا تقاد إليك؛ أحب الأمور إليك أعودها بالمضرة عليك. لبعض الأعراب: وقيل لأعرابي: مالك لا تشرب النبيذ؟ قال: لثلاث خلال فيه: لأنه متلف للمال، مذهب للعقل، مسقط للمروءة. وقال أعرابي لرجل: أي أخي، إن يسار النفس أفضل من يسار المال، فإن لم ترزق غنى» فلا تحرم تقوى، فرب شبعان من النعم، غرثان «٢» من الكرم؛ واعلم أن المؤمن على خير، ترحّب به الأرض، وتستبشر به السماء؛ ولن يساء إليه في بطنها، وقد أحسن على ظهرها. وقال أعرابي: الدراهم مياسم «٣» تسم حمدا وذمّا؛ فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له؛ وما كلّ من أعطي مالا أعطي حمدا ولا كلّ عديم ذميم. أخذ هذا المعنى الشاعر فقال: أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك

стр. 1121

لابن عباس: وهذا نظير قول ابن عباس- ونظر إلى درهم في يد رجل- فقال: إنه ليس لك حتى يخرج من يدك. لبعض الأعراب: وقال أعرابي لأخ له: يا أخي، إن مالك إن لم يكن لك، كنت له؛ وإن لم تفنه أفناك، فكله قبل أن يأكلك. وقال أعرابي: مضى لنا سلف أهل تواصل اعتقدوا مننا، واتخذوا الأيادي ذخيرة لمن بعدهم، يرون اصطناع المعروف عليهم فرضا لازما، وإظهار البرّ واجبا ثم جاء الزمان ببنين اتخذوا مننهم بصناعة، وبرّهم مرابحة، وأياديهم تجارة، واصطناع المعروف مقارضة «١» كنقد [السوق] : خذ مني وهات. وقال أعرابي لولده: يا بني، لا تكن رأسا ولا ذنبا، فإن كنت رأسا فتهبأ للنطاح، وإن كنت ذنبا فتهيأ للنكاح. قال: وسمعت أعرابيا يقول لابن عمه: سأتخطى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على شك ومن الآخر على يقين؛ ولكن ليتمّ المعروف مني إليك، ولتقوم الحجة لي عليك. قال: وسمعت أعرابيا يقول: إن الموفّق من ترك أرفق الحالات به لأصلحها لدينه، نظرا لنفسه إذا لم تنظر نفسه لها. قال: وسمعت أعرابيا يقول: الله مخلف ما أتلف الناس، والدهر متلف ما أخلفوا، وكم من ميتة عليها طلب الحياة، وكم من حياة سببها التعرض للموت. وقال أعرابي: إن الآمال قطعت أعناق الرجال، كالسراب: غرّ من رآه، وأخلف من رجاه.

стр. 1122

وقال أعرابي لصاحب له: اصحب من يتناسى معروفه عندك، ويتذكر حقوقك عليه. وقال أعرابي: لا تسأل عمن يفرّ من أن تسأله، ولكن سل من أمرك أن تسأله، وهو الله تعالى. وقيل لأعرابي في مرضه: ما تشتكي؟ قال: تمام العدّة، وانقضاء المدّة. ونظر أعرابي إلى رجل يشكو ما هو فيه من الضيق والضر، فقال: يا هذا، أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك. وقالت أعرابية لابنها: يا بنيّ، إن سؤالك الناس ما في أيديهم أشد من الافتقار إليهم، ومن افتقرت إليه هنت عليه، ولا تزال تحفظ وتكرم حتى تسأل وترغب فإذا ألحت عليك الحاجة ولزمك سوء الحال، فاجعل سؤالك إلى من إليه حاجة السائل والمسئول، فإنه يعطي السائل. وقالت أعرابية توصي ابنا لها أراد سفرا: يا بنيّ، عليك بتقوى الله فإنه أجدى عليك من كثير غيرك؛ وإياك والنمائم، فإنها تورث الضغائن وتفرق بين المحبين، ومثّل لنفسك مثالا تستحسنه من غيرك فاحذر عليه واتخذه إماما، واعلم أنه من جمع بين السخاء والحياء، فقد أجاد الحلة إزارها ورداءها. قال الأصمعي: لا تكون الحلة إلا ثوبين: ازارا ورداء. أنشد الحسن لأعرابي كان يطوف بأمه على عانقه حول الكعبة: إن تركبي على قذالي «١» فاركبي ... فطالما حملتني وسرت بي في بطنك المطهّر المطيّب ... كم بين هذاك وهذا المركب وأنشد لآخر كان يطوف بأمه: ما حجّ عبد حجّة بأمّه ... فكان فيها منفقا من كدّه

стр. 1123

لا استتمّ الأجر عند ربّه قال وسمعت أعرابيا يقول: ما بقاء عمر تقطعه الساعات، وسلامة بدن معرّض للآفات! ولقد عجبت من المؤمن كيف يكره الموت وهو ينقله إلى الثواب الذي أحيا له ليله وأظمأ له نهاره. وذكر أهل السلطان عند أعرابي فقال: أما والله لئن عزّوا في الدنيا بالجور لقد ذلّوا في الآخرة بالعدل، ولقد رضوا بقليل فان عوضا عن كثير باق، وإنما تزل القدم حيث لا ينفع الندم. ووصف أعرابي الدنيا فقال: هي رنقة «١» المشارب، جمة المصائب لا تمتعك الدهر بصاحب. وقال أعرابي: من كان مطيته الليل والنهار سارا به وإن لم يسر، وبلغا به وإن لم يبلغ. قال: وسمعت أعرابيا يقول: الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة والزهادة في الآخرة مفتاح الرغبة في الدنيا. وقيل لأعرابي وقد مرض: إنك تموت! قال: وإذا متّ فإلى أين يذهب بي؟ قالوا: إلى الله! قال: فما كراهتي أن يذهب بي إلى من لم أر الخير إلا منه؟ وقال أعرابي: من خاف الموت بادره الموت، ومن لم ينحّ النفس عن الشهوات أسرعت به إلى الهلكات، والجنة والنار أمامك. وقال أعرابي لصاحب له: والله لئن هملجت «٢» إلى الباطل إنك لعطوف عن الحق، وإن أبطأت ليسرعنّ إليك، وقد خسر أقوام وهم يظنون أنهم رابحون؛ فلا تعرّنّك الدنيا، فإن الآخرة من ورائك. وقال أعرابي: خير لك من الحياة ما إذا فقدته أبغضت له الحياة، وشر من الموت

стр. 1124

ما إذا نزل بك أحببت له الموت. وقال أعرابيّ: حسبك من فساد الدنيا أنك ترى أسنمة توضع؛ وأخفافا ترقع. والخير يطلب عند غير أهله، والفقير قد حل غير محله. وقدم أعرابي إلى السلطان فقال له: قل الحقّ وإلا أوجعتك ضربا! قال له: وأنت فاعمل به، فو الله ما أوعدك الله على تركه أعظم مما توعّدني به. وقيل لأعرابي: من أحقّ الناس بالرحمة؟ قال الكريم يسلّط عليه اللئيم، والعاقل يسلط عليه الجاهل. وقيل له: أي الداعين أحق بالإجابة؟ قال المظلوم. وقيل له: فأي الناس أغنى عن الناس؟ قال: من أفرد الله بحاجته. ونظر عثمان إلى أعرابي في شملة غائر العينين مشرف الحاجبين ناتىء الجبهة، فقال له: يا أعرابي، أين ربّك؟ قال: بالمرصاد. الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: إذا أشكل عليك أمران فانظر أيهما أقرب من هواك فخالفه، فإن أكثر ما يكون الخطأ مع متابعة الهوى. قال: وسمعت أعرابيا يقول: من نتج الخير أنتج له فراخا تطير بأجنحة السرور؛ ومن غرس الشر أنبت له نباتا مرّا مذاقه، وقضبانه الغيظ، وثمرته الندم. وقال أعرابي: الهوى عاجله لذيذ، وآجله وخيم. وقيل لأعرابي: إنك لحسن الشارة. قال: ذلك عنوان نعمة الله عندي. قال الأصمعي: ورأيت أعرابيا أمامه شاء فقلت له: لمن هذه الشاء؟ قال: هي لله عندي. وقيل لأعرابي: كيف أنت في دينك؟ قال: أخرقه بالمعاصي وأرقعه بالاستغفار. وقال أعرابي: من كساه الحياء ثوبه خفى على الناس عيبه. وقال: بئس الزاد التعدي على العباد. وقال: التلطف بالحيلة أنفع من الوسيلة. وقال: من ثقل على صديقه خفّ على عدوّه، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون.

стр. 1125

قال وسمعت أعرابيا يقول لابنه وهو يعاتبه: لا تتوهمن- على من يستدل على غائب الأمور بشاهدها- الغفلة عن أمور يعاينها، فتكون بنفسك أخطأت، وحظّك أخطأت. ونظر أعرابي إلى رجل حسن الوجه بضّه «١» فقال. إني أرى وجها ما علقه برد وضوء السّحر، ولا هو بالذي قال فيه الشاعر: من كلّ مجتهد برى أوصاله ... صوم النهار وسجدة الأسحار الأصمعي قال: سمعت أعرابيا ينشد: وإذا أظهرت أمرا حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسرّ فمسرّ الخير موسوم به ... ومسرّ الشرّ موسوم بشرّ وقول الأعرابي هذا على ما جاء في حديث رسول الله ﷺ : «ما اسر امرؤ سريرة إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرا فخير وإن شرّا فشر» . قال: وأنشدني أعرابي: وما هذه الأيام إلّا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزوّد فإنك لا تدري بأيّة بلدة ... تموت ولا ما يحدث الله في غد يقولون لا تبعد ومن يك مسدلا ... على وجهه ستر من الأرض يبعد وقال أعرابي: أعجز الناس من قصّر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم. وقال أعرابي لابنه: لا يسرك أن تغلب بالشر؛ فإن الغالب بالشر هو المغلوب. وقال أعرابي لأخ له: قد نهيتك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه. فإن حظك من عطيته السؤال. قال: وسمعت أعرابيا يقول: إن حب الخير خير وإن عجزت عنه المقدرة،
следующие страницы →