← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

لابن عباس: وهذا نظير قول ابن عباس- ونظر إلى درهم في يد رجل- فقال: إنه ليس لك حتى يخرج من يدك. لبعض الأعراب: وقال أعرابي لأخ له: يا أخي، إن مالك إن لم يكن لك، كنت له؛ وإن لم تفنه أفناك، فكله قبل أن يأكلك. وقال أعرابي: مضى لنا سلف أهل تواصل اعتقدوا مننا، واتخذوا الأيادي ذخيرة لمن بعدهم، يرون اصطناع المعروف عليهم فرضا لازما، وإظهار البرّ واجبا ثم جاء الزمان ببنين اتخذوا مننهم بصناعة، وبرّهم مرابحة، وأياديهم تجارة، واصطناع المعروف مقارضة «١» كنقد [السوق] : خذ مني وهات. وقال أعرابي لولده: يا بني، لا تكن رأسا ولا ذنبا، فإن كنت رأسا فتهبأ للنطاح، وإن كنت ذنبا فتهيأ للنكاح. قال: وسمعت أعرابيا يقول لابن عمه: سأتخطى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على شك ومن الآخر على يقين؛ ولكن ليتمّ المعروف مني إليك، ولتقوم الحجة لي عليك. قال: وسمعت أعرابيا يقول: إن الموفّق من ترك أرفق الحالات به لأصلحها لدينه، نظرا لنفسه إذا لم تنظر نفسه لها. قال: وسمعت أعرابيا يقول: الله مخلف ما أتلف الناس، والدهر متلف ما أخلفوا، وكم من ميتة عليها طلب الحياة، وكم من حياة سببها التعرض للموت. وقال أعرابي: إن الآمال قطعت أعناق الرجال، كالسراب: غرّ من رآه، وأخلف من رجاه.

стр. 1122

وقال أعرابي لصاحب له: اصحب من يتناسى معروفه عندك، ويتذكر حقوقك عليه. وقال أعرابي: لا تسأل عمن يفرّ من أن تسأله، ولكن سل من أمرك أن تسأله، وهو الله تعالى. وقيل لأعرابي في مرضه: ما تشتكي؟ قال: تمام العدّة، وانقضاء المدّة. ونظر أعرابي إلى رجل يشكو ما هو فيه من الضيق والضر، فقال: يا هذا، أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك. وقالت أعرابية لابنها: يا بنيّ، إن سؤالك الناس ما في أيديهم أشد من الافتقار إليهم، ومن افتقرت إليه هنت عليه، ولا تزال تحفظ وتكرم حتى تسأل وترغب فإذا ألحت عليك الحاجة ولزمك سوء الحال، فاجعل سؤالك إلى من إليه حاجة السائل والمسئول، فإنه يعطي السائل. وقالت أعرابية توصي ابنا لها أراد سفرا: يا بنيّ، عليك بتقوى الله فإنه أجدى عليك من كثير غيرك؛ وإياك والنمائم، فإنها تورث الضغائن وتفرق بين المحبين، ومثّل لنفسك مثالا تستحسنه من غيرك فاحذر عليه واتخذه إماما، واعلم أنه من جمع بين السخاء والحياء، فقد أجاد الحلة إزارها ورداءها. قال الأصمعي: لا تكون الحلة إلا ثوبين: ازارا ورداء. أنشد الحسن لأعرابي كان يطوف بأمه على عانقه حول الكعبة: إن تركبي على قذالي «١» فاركبي ... فطالما حملتني وسرت بي في بطنك المطهّر المطيّب ... كم بين هذاك وهذا المركب وأنشد لآخر كان يطوف بأمه: ما حجّ عبد حجّة بأمّه ... فكان فيها منفقا من كدّه

стр. 1123

لا استتمّ الأجر عند ربّه قال وسمعت أعرابيا يقول: ما بقاء عمر تقطعه الساعات، وسلامة بدن معرّض للآفات! ولقد عجبت من المؤمن كيف يكره الموت وهو ينقله إلى الثواب الذي أحيا له ليله وأظمأ له نهاره. وذكر أهل السلطان عند أعرابي فقال: أما والله لئن عزّوا في الدنيا بالجور لقد ذلّوا في الآخرة بالعدل، ولقد رضوا بقليل فان عوضا عن كثير باق، وإنما تزل القدم حيث لا ينفع الندم. ووصف أعرابي الدنيا فقال: هي رنقة «١» المشارب، جمة المصائب لا تمتعك الدهر بصاحب. وقال أعرابي: من كان مطيته الليل والنهار سارا به وإن لم يسر، وبلغا به وإن لم يبلغ. قال: وسمعت أعرابيا يقول: الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة والزهادة في الآخرة مفتاح الرغبة في الدنيا. وقيل لأعرابي وقد مرض: إنك تموت! قال: وإذا متّ فإلى أين يذهب بي؟ قالوا: إلى الله! قال: فما كراهتي أن يذهب بي إلى من لم أر الخير إلا منه؟ وقال أعرابي: من خاف الموت بادره الموت، ومن لم ينحّ النفس عن الشهوات أسرعت به إلى الهلكات، والجنة والنار أمامك. وقال أعرابي لصاحب له: والله لئن هملجت «٢» إلى الباطل إنك لعطوف عن الحق، وإن أبطأت ليسرعنّ إليك، وقد خسر أقوام وهم يظنون أنهم رابحون؛ فلا تعرّنّك الدنيا، فإن الآخرة من ورائك. وقال أعرابي: خير لك من الحياة ما إذا فقدته أبغضت له الحياة، وشر من الموت

стр. 1124

ما إذا نزل بك أحببت له الموت. وقال أعرابيّ: حسبك من فساد الدنيا أنك ترى أسنمة توضع؛ وأخفافا ترقع. والخير يطلب عند غير أهله، والفقير قد حل غير محله. وقدم أعرابي إلى السلطان فقال له: قل الحقّ وإلا أوجعتك ضربا! قال له: وأنت فاعمل به، فو الله ما أوعدك الله على تركه أعظم مما توعّدني به. وقيل لأعرابي: من أحقّ الناس بالرحمة؟ قال الكريم يسلّط عليه اللئيم، والعاقل يسلط عليه الجاهل. وقيل له: أي الداعين أحق بالإجابة؟ قال المظلوم. وقيل له: فأي الناس أغنى عن الناس؟ قال: من أفرد الله بحاجته. ونظر عثمان إلى أعرابي في شملة غائر العينين مشرف الحاجبين ناتىء الجبهة، فقال له: يا أعرابي، أين ربّك؟ قال: بالمرصاد. الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: إذا أشكل عليك أمران فانظر أيهما أقرب من هواك فخالفه، فإن أكثر ما يكون الخطأ مع متابعة الهوى. قال: وسمعت أعرابيا يقول: من نتج الخير أنتج له فراخا تطير بأجنحة السرور؛ ومن غرس الشر أنبت له نباتا مرّا مذاقه، وقضبانه الغيظ، وثمرته الندم. وقال أعرابي: الهوى عاجله لذيذ، وآجله وخيم. وقيل لأعرابي: إنك لحسن الشارة. قال: ذلك عنوان نعمة الله عندي. قال الأصمعي: ورأيت أعرابيا أمامه شاء فقلت له: لمن هذه الشاء؟ قال: هي لله عندي. وقيل لأعرابي: كيف أنت في دينك؟ قال: أخرقه بالمعاصي وأرقعه بالاستغفار. وقال أعرابي: من كساه الحياء ثوبه خفى على الناس عيبه. وقال: بئس الزاد التعدي على العباد. وقال: التلطف بالحيلة أنفع من الوسيلة. وقال: من ثقل على صديقه خفّ على عدوّه، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون.

стр. 1125

قال وسمعت أعرابيا يقول لابنه وهو يعاتبه: لا تتوهمن- على من يستدل على غائب الأمور بشاهدها- الغفلة عن أمور يعاينها، فتكون بنفسك أخطأت، وحظّك أخطأت. ونظر أعرابي إلى رجل حسن الوجه بضّه «١» فقال. إني أرى وجها ما علقه برد وضوء السّحر، ولا هو بالذي قال فيه الشاعر: من كلّ مجتهد برى أوصاله ... صوم النهار وسجدة الأسحار الأصمعي قال: سمعت أعرابيا ينشد: وإذا أظهرت أمرا حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسرّ فمسرّ الخير موسوم به ... ومسرّ الشرّ موسوم بشرّ وقول الأعرابي هذا على ما جاء في حديث رسول الله ﷺ : «ما اسر امرؤ سريرة إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرا فخير وإن شرّا فشر» . قال: وأنشدني أعرابي: وما هذه الأيام إلّا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزوّد فإنك لا تدري بأيّة بلدة ... تموت ولا ما يحدث الله في غد يقولون لا تبعد ومن يك مسدلا ... على وجهه ستر من الأرض يبعد وقال أعرابي: أعجز الناس من قصّر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم. وقال أعرابي لابنه: لا يسرك أن تغلب بالشر؛ فإن الغالب بالشر هو المغلوب. وقال أعرابي لأخ له: قد نهيتك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه. فإن حظك من عطيته السؤال. قال: وسمعت أعرابيا يقول: إن حب الخير خير وإن عجزت عنه المقدرة،

стр. 1126

وبغض الشر خير وإن فعلت أكثره. وشهد أعرابي عند سوار القاضي بشهادة، فقال له: يا أعرابي، إن ميداننا لا يجري من العتاق فيه إلا الجياد. قال: لئن كشفت لتجدنّي عثورا! فسأل عنه سوار فأخبر بفضل وصلاح، فقال له: يا أعرابي، أنت ممن يجري في ميداننا. قال: ذلك بستر الله. وقال أعرابي: والله لولا أن المروءة ثقيل محملها، شديدة مؤنتها «١» ، ما ترك اللئام للكرام شيئا. احتضر أعرابي، فقال له بنوه: عظنا يا أبت. فقال: عاشروا الناس معاشرة إن غبتم حنوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم. ودخل أعرابي على بعض الملوك في شملة شعر، فلما رآه أعرض عنه، فقال له: إن الشملة لا تكلمك وإنما يكلمك من هو فيها. مرّ أعرابي بقوم يدفنون جارية، فقال نعم الصهر ما صهرتم! وأنشد: وفي الأعياص أكفاء ليلى ... وفي لحد لها كفء كريم وقال أعرابي: رب رجل سره منشور على لسانه، وآخر قد التحف عليه قلبه التحاف الجناح على الخوافي. ومرّ أعرابيان برجل صلبه بعض الخلفاء، فقال أحدهما: أنبتته الطاعة وحصدته المعصية! وقال الآخر: من طلق الدنيا فالآخرة صاحبته، ومن فارق الحق فالجذع راحلته. العتبي عن زيد بن عمارة، قال: سمعت أعرابيا يقول لأخيه وهو يبني منزلا: يا أخي: أنت في دار شتات ... فتأهّب لشتاتك

стр. 1127

واجعل الدّنيا كيوم ... صمته عن شهواتك واجعل الفطر إذا ما ... نلته يوم مماتك واطلب الفوز بعيش الز ... هد من طول حياتك ثم أطرق حينا ورفع رأسه وهو يقول: قائد الغفلة الأمل ... والهوى قائد الزّلل قتل الجهل أهله ... ونجا كلّ من عقل فاغتنم دولة السّلا ... مة واستأنف العمل أيها المبتني القصو ... ر وقد شاب واكتهل أخبر الشّيب عنك أنك في آخر الأجل فعلام الوقوف في ... عرصة العجو والكسل أنت في منزل إذا ... حلّه نازل رحل منزل لم يزل يضيق وينبو بمن نزل فتأهب لرحلة ... ليس يسعى بها جمل رحلة لم تزل على الدهر ... مكروهة القفل وقيل لأعرابي: كيف كتمانك للسر؟ قال: ما جوفي له إلا قبر. لآخر في الوفاء: وقال أعرابي: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل. ودوام عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه. لآخر فيما يضيع الأمور: وقال أعرابي: إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه- ضاعت الأمور.

стр. 1128

لآخر في القدر: وسئل أعرابي عن القدر فقال: الناظر في قدر الله كالناظر في عين الشمس: يعرف ضوءها ولا يقف على حدودها. وسئل آخر عن القدر فقال: علم اختصمت فيه العقول، وتقاول فيه المختلفون، وحق علينا أن نرد ما التبس علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه. وقال أعرابي تكوير «١» الليل والنهار، لا يبقي على الأعمار، ولا لأحد فيه الخيار. الحجاج وأعرابي: أبو حاتم عن الأصمعي قال: خرج الحجاج ذات يوم فأصحر «٢» ، وحضر غداؤه فقال: اطلبوا من يتغدّى معنا. فطلبوا، فلم يجدوا إلا أعرابيا في شملة، فأتوه به، قال له: هلم. قال له: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته! قال: ومن هو؟ قال: الله ﵎، دعاني إلى الصيام، فأنا صائم. قال: صوم في مثل هذا اليوم على حر؟ قال صمت ليوم هو أحرّ منه! قال فأفطر اليوم وتصوم غدا. قال: ويضمن لي الأمير أن أعيش إلى غدّ! قال: ليس ذلك إلي قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل ليس إليه سبيل! قال: إنه طعام طيب. قال: والله ما طيّبه خبازك ولا طباخك، ولكن طيبته العافية! قال الحجاج: تا لله ما رأيت كاليوم، أخرجوه عني. لأعرابي: أبو الفضل الرياشي قال: أنشدنا أعرابي: أباكية رزينة إن أتاها ... نعيّ أم يكون لها اصطبار إذا ما أهل ودّي ودّعوني ... وراحوا والأكف بها غبار وغودر أعظمي في لحد قبر ... تعاوره الجنائب والقطار «٣»

стр. 1129

تظلّ الرّيح عاصفة عليه ... ويرعى حوله الّلهق النّوار» فذاك النّأي لا الهجران حولا ... وحولا ثم تجمعنا الدّيار وهذا نظير قول ليلى الأخيلية: لعمرك ما الهجران أن تشحط النّوى ... ولكنما الهجران ما غيّب القبر «٢» ونظيره قول خنساء: نأي الخليلين كون الأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها رمما «٣» وأنشد الآخر: إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حبيبك فاعلم أنها ستعود عمر وأعرابي بالجبانة: الرياشي قال: مرّ عمر بن الخطاب بالجبّانة فإذا هو بأعرابيّ، فقال: ما تصنع هنا يا أعرابي في هذه الديار الموحشة؟ قال: وديعة لي هاهنا يا أمير المؤمنين. قال: وما وديعتك؟ قال: بنيّ لي دفنته، فأنا أخرج إليه كل يوم أندبه. قال: فاندبه حتى أسمع. فأنشأ يقول: يا غائبا ما يؤوب من سفره ... عاجله موته على صغره يا قرّة العين كنت لي سكنا ... في طول ليلي نعم وفي قصره شربت كأسا أبوك شاربها ... لا بدّ يوما له على كبره يشربها والأنام كلّهم ... من كان في بدوه وفي حضره فالحمد لله لا شريك له ... الموت في حكمه وفي قدره قد قسّم العمر في العباد فما ... يقدر خلق يزيد في عمره

стр. 1130

قولهم في المدح لبعضهم في المدح: ذكر أعرابي قوما عبادا، فقال: تركوا والله النعيم ليتنعموا؛ لهم عبرات متدافعة، وزفرات متتابعة، لا تراهم إلا في وجه وجيه عند الله. وذكر أعرابيّ قوما فقال: أدّبتهم الحكمة وأحكمتهم التجارب؛ فلم تغرّهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي به قطع الناس مسافة آجالهم: فدلّت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالوجد «١» فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال. وسئل أعرابي عن قوم فقال: كانوا إذا اصطفوا سفرت «٢» بينهم السهام؛ وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها؛ فرب يوم عارم «٣» قد أحسنوا أدبه، وحرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم؛ إنما قومي البحر. ما ألقمته التقم. وذكر أعرابي قوما فقال: ما رأيت أسرع [منهم] إلى داع بليل على فرس حسيب «٤» وجمل نجيب. ثم لا ينتظر الأول السابق الآخر اللاحن. وذكر أعرابي قوما فقال: جعلوا أموالهم مناديل أعراضهم. فالخير بهم زائد، والمعروف لهم شاهد؛ فيعطونها بطيبة أنفسهم إذا طلبت إليهم. ويباشرون المعروف بإشراق الوجوه إذا بغي لديهم. وذكر أعرابي قوما فقال: والله ما أنالوا شيئا بأطراف أناملهم إلا وطئناه بأخماص أقدامنا؛ وإن أقصى هممهم لأدنى فعالنا. وذكر أعرابي أميرا فقال: إذا ولى يطابق بين جفونه، وأرسل العيون على عيونه؛ فهو غائب عنهم شاهد معهم، فالمحسن راج والمسيء خائف.

стр. 1131

ودخل أعرابي على رجل من الولاة فقال: أصلح الله الأمير، اجعلني زماما من أزمتك تجرّبه الأعداء، فإني مسعر حرب، وركّاب نجب، شديد على الأعداء لين على الأصدقاء؛ منطوي الحصيلة، قليل الثميلة «١» ، نومي غرار «٢» ، قد غذتني الحرب بأفاويقها، وحلبت الدهر أشطره؛ ولا تمنعك مني الدمامة؛ فإن من تحتها شهامة. وذكر أعرابي رجلا ببراعة المنطق فقال: كان والله بارع المنطق، جزل الألفاظ، عربيّ اللسان، فصيح البيان، رقيق حواشي الكلام، بليل الريق، قليل الحركات، ساكن الإشارات. وذكر أعرابي رجلا فقال: رأيت له حلما وأناة، يحدثك الحديث على مقاطعه، ينشدك الشعر على مدارجه، فلا تسمع له لحنا ولا إحالة «٣» . العتبي قال: ذكر أعرابي قوما، فقال: آلت سيوفهم ألّا تقضي دينا عليهم، ولا تضيّع حقا لهم، فما أخذ منهم مردود إليهم، وما أخذوا متروك لهم. ومدح أعرابي رجلا، فقال: ما رأيت عينا قط أخرق لظلمة الليل من عينه ولحظة أشبه بلهيب النار من لحظته؛ له هزة كهزة السيف إذا طرب، وجرأة كجرأة الليث إذا غضب. ومدح أعرابي رجلا، فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، والجواب ذا لسانين؛ لم أر أحدا أرتق لخلل الرأي منه، بعيد مسافة العقل ومراد الطرف، إنما يرمي بهمته حيث أشار الكرم. ومدح أعرابيّ رجلا فقال: ذاك والله فسيح النسب، مستحكم الأدب، من أي أقطاره أتيته انتهى إليك بكرم فعال، وحسن مقال. ومدح أعرابي رجلا فقال: كانت ظلمة ليله كضوء نهاره، آمرا بإرشاد، وناهيا

стр. 1132

عن فساد، لحديث السوء غير منقاد. وقال أعرابي: إن فلانا «نعم» للسانه قبل أن يخلق لسانه لها: فما تراه الدهر إلا وكأنه لا غنى له عنك وإن كنت إليه أحوج؛ إذا أذنبت إليه غفر وكأنه المذنب، وإذا أسأت إليه أحسن وكأنه المسيء. وذكر أعرابي رجلا فقال: اشترى والله عرضه من الذي؛ فلو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى بعدها عليه حقوقا، وكان منهاجا للأمور المشكلة إذا تناجز الناس باللائمة. ومدح أعرابيّ رجلا فقال: كان والله يغسل من العار وجوها مسودة، ويفتح من الرأي عيونا منسدة. وذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك والله ينفع سلمه ولا يستمر ظلمه؛ إن قال فعل، وإن ولى عدل. ومدح أعرابي رجلا فقال: ذاك والله يعني في طلب المكارم، غير ضال في مسالك طرقها، ولا مشتغل عنها بغيرها. وذكر أعرابي رجلا فقال: يفوّق الكلمة على المعنى فتمرق مروق السهم من الرميّة، فما أصاب قتل، وما أخطأ أشوى «١» ، وما عظعظ «٢» له سهم منذ تحرك لسانه في فيه. وذكر أعرابي أخاه فقال: كان والله ركوبا للأهوال، غير ألوف لربّات الحجال؛ إذا أرعد القوم من غير كرّ، يهين نفسا كريمة على قومها، غير مبقية لغد ما في يومها. ومدح رجل رجلا فقال: كأن الألسن ريضت «٣» فما تنعقد إلا على ودّه، ولا تنطق إلا بثنائه.

стр. 1133

ومدح أعرابي رجلا فقال: كان والله للإخاء وصولا، وللمال بذولا، وكان الوفاء بهما عليه كفيلا، فمن فاضله كان مفضولا. وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: التباعد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير. ومدح أعرابي: رجلا فقال: كان والله من شجر لا يخلف ثمره، ومن بحر لا يخاف كدره. وذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك والله فتى زانه الله بالخير ناشئا، فأحسن لبسه، وزين به نفسه. ومدح أعرابي رجلا فقال: يصم أذنيه عن استماع الخنا «١» ، ويخرس لسانه عن التكلم به؛ فهو الماء الشّريب «٢» ، والمصقع الخطيب. وذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك رجل سبق إليّ معروفه قبل طلبي إليه، فالعرض وافر، والوجه بمائه، وما أستقل بنعمة إلا أثقلني بأخرى. وذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك رضيع الجود والمفطوم به، عيّ عن الفحشاء، معتصم بالتقوى؛ إذا خرست الألسن عن الرأي حذف «٣» بالصواب كما يحذف الأرنب، فإن طالت الغاية ولم يكن من دونها نهاية تمهل أمام القوم سابقا. وذكر أعرابي رجلا فقال: إن جليسه لطيب عشرته أطرب من الإبل على الحداء، والثمل على الغناء. وذكر أعرابي رجلا فقال: كان له علم لا يخالطه جهل، وصدق لا يشوبه كذب، كأنه الوبل عند المحل. وذكر أعرابي رجلا فقال: ما رأيت أعشق للمعروف منه، وما رأيت المنكر أبغض لأحد منه.

стр. 1134

وقدم أعرابي البادية وقد نال من بني برمك، فقيل له: كيف رأيتهم؟ قال: رأيتهم قد أنست بهم النعمة كأنها من بناتهم. قال: وذكر أعرابي رجلا فقال: ما زال يبني المجد، ويشتري الحمد، حتى بلغ منه الجهد. ودخل أعرابي على بعض الملوك فقال: إن جهلا أن يقول المادح بخلاف ما يعرف من الممدوح، وإني والله ما رأيت أعشق للمكارم في زمان اللؤم منك. ثم أنشد: مالي أرى أبوابهم مهجورة ... وكأن بابك مجمع الأسواق حابوك أم هابوك أم شاموا النّدى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق إني رأيتك للمكارم عاشقا ... والمكرمات قليلة العشّاق وأنشد أعرابي في مثل هذا المعنى: بنت المكارم وسط بيتك بيتها ... فتلادها بك للصديق مباح وإذا المكارم أغلقت أبوابها ... يوما فأنت لقفلها مفتاح وأنشد أعرابي في بني المهلّب: قدمت على آل المهلّب شاتيا «١» ... قصيّا بعيد الدار في زمن المحل فما زال بي إلطافهم وافتقادهم ... وبرهم حتى حسبتهم أهلي وأنشد أعرابي: كأنك في الكتاب وجدت لاء ... محرمة عليك فما تحلّ وما تدري إذا أعطيت مالا ... أتكثر من سماحك أم تقل إذا دخل الشتاء فأنت شمس ... وإن دخل المصيف فأنت ظل وقال أعرابي في مدح عمر بن عبد العزيز: مقابل الأعراق في الطاب الطاب ... بين أبي العاص وآل الخطاب «٢»

стр. 1135

وأنشد أعرابي: لنا جواد أعار النّيل نائله ... والنّيل يشكر منه كثرة النيل ان بارز الشمس ألقى الشمس مظلمة ... أو زاحم الصّم ألجاها إلى الميل أهدى من النّجم إن تأتيه مشكلة ... وعند إمضائه أمضى من السيل والموت يرهب أن يلقى منيّته ... في شدّه عند لفّ الخيل بالخيل قولهم في الذمّ الأصمعي قال: ذكر أعرابي قوما فقال: أولئك سلخت أقفاؤهم بالهجاء، ودبغت وجوههم باللؤم؛ لباسهم في الدنيا الملامة، وزادهم إلى الآخرة الندامة. قال: وذكر أعرابي قوما فقال: لهم بيوت تدخل حبوا إلى غير نمارق «١» ولا وسائد، فصح الألسن بردّ السائل؛ جعد الأكف عن النائل. قال: وسمعت أعرابيا يقول: لقد صغّر فلانا في عيني عظم الدنيا في عينه، وكأنما يرى السائل إذا أتاه، ملك الموت إذا رآه. وسئل أعرابي عن رجل، فقال: ما ظنكم بسكّير لا يفيق، يتهم الصديق، ويعصى الشفيق، لا يكون في موضع إلا حرمت فيه الصلاة، ولو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه، ولو نزلت لعنة من السماء لم تقع إلا عليه. وذكر أعرابي قوما فقال: أقل الناس ذنوبا إلى أعدائهم، وأكثرهم تجرّما على أصدقائهم؛ يصومون عن المعروف، ويفطرون على الفحشاء. وذكر أعرابي رجلا فقال: إن فلانا ليعدي بإثمه من تسمّى باسمه، ولئن خيبني فلرب باقية قد ضاعت في طلب رجل كريم. وذكر أعرابي رجلا فقال: تغدو إليه مراكب الضلالة فترجع من عنده ببدور «٢»

стр. 1136

الآثام، معدم ما تحب، مثر مما تكره. وصاحب السوء قطعة من النار. وقال أعرابي لرجل: أنت والله ممن إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوّف، وإذا حدّث حلف، وإذا وعد أخلف؛ تنظر نظر حسود، وتعرض إعراض حقود. وسافر أعرابي إلى رجل فحرّمه، فقال لما سئل عن سفره: ما ربحنا في سفرنا إلا ما قصرنا من صلاتنا؛ فأمّا الذي لقينا من الهواجر، ولقيت منا الأباعر، فعقوبة لنا فيما أفسدنا من حسن ظننا. ثم أنشأ يقول: رجعنا سالمين كما خرجنا ... وما خابت سريّة سالمينا لشاعر في الهجاء: وقال أعرابي: لمّا رأيتك لا فاجرا ... قويّا ولا أنت بالزاهد ولا أنت بالرجل المتّقي ... ولا أنت بالرجل العابد عرضتك في السّوق سوق الرقيق ... وناديت هل فيك من زائد على رجل خان ودّ الصديق ... كفور بأنعمه جاحد فما جاءني رجل واحد ... يزيد على درهم واحد سوى رجل زادني دانقا ... ولم يك في ذاك بالجاهد «١» فبعتك منه بلا شاهد ... مخافة ردّك بالشاهد وأبت إلي منزلي غانما ... وحلّ البلاء على الناقد لبعض الأعراب: قال: وذكر أعرابي رجلا، قال: كان إذا رآني قرّب من حاجب حاجبا، فأقول له: لا تقبّح وجهك إلى قبحه، فوالله ما أتيتك لطمع راغبا، ولا لخوف راهبا.

стр. 1137

وذم أعرابي رجلا فقال: عبد الفعال، حر المقال؛ عظيم الرواق، دنيء الأخلاق؛ الدهر يرفعه، ونفسه تضعه. وذمّ أعرابي رجلا فقال: ضيق الصدر، صغير القدر، عظيم الكبر، قصير الشبر، لئيم النّجر «١» ، كثير الفخر. وقال أعرابي: دخلت البصرة فرأيت ثياب أحرار على أجساد عبيد؛ إقبال حظهم إدبار حظ الكرام، شجر أصوله عند فروعه، شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر. وذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك يتيم، أعيا ما يكون عند جلسائه أبلغ ما يكون عند نفسه. وذكر أعرابي رجلا فقال: ذلك إلى من يداوي عقله من الجهل، أحوج منه إلى من يداوي بدنه من المرض؛ إنه لا مرض أوجع من قلة عقل. وذكر أعرابي رجلا لم يدرك بثأره، فقال: كيف يدرك بثأره من في صدره من اللؤم حشو مرفقته؛ ولو دقّت بوجهه الحجارة لرضّها «٢» ، ولو خلا بالكعبة لسرقها. وذكر أعرابي رجلا فقال: تسهر والله زوجته جوعا إذا سهر الناس شبعا؛ ثم لا يخاف مع ذلك عاجل عار، ولا آجل نار؛ كالبهيمة أكلت ما جمعت، ونكحت ما وجدت. وسمع أعرابي رجلا يزعق، فقال: ويحك! إنما يستجاب لمؤمن أو مظلوم، ولست بواحد منهما؛ وأراك يخف عليك ثقل الذنوب فيحسّن عندك مقابح العيوب. وذكر أعرابي رجلا بضعف فقال: سيء الروية، قليل التقية «٣» ، كثير السعاية، ضعيف النكاية. وذكر أعرابي رجلا فقال: عليه كل يوم من فعله شاهد بفسقه؛ وشهادات الأفعال أعدل من شهادات الرجال.

стр. 1138

وذكر أعرابي رجلا بذلة فقال: عاش خاملا ومات موتورا. وذكر قوما فقال: ألبسوا نعمة ثم عرّوا منها فقال: ما كانت النعمة إلا طيفا لما انتبهوا لها ذهبت عنهم. وذم أعرابي رجلا فقال: هو كعبد القنّ «١» يسرك شاهدا ويسوءك غائبا. ودعت أعرابية على رجل فقالت: أمكن الله منك عدوّا حسودا، وفجع بك صديقا ودودا؛ وسلط عليك همّا يضنيك، وجارا يؤذيك. وقال أعرابي لرجل شريف البيت دنيء الهمة: ما أحوجك أن يكون عرضك لمن يصونه، فتكون فوق ما أنت دونه. وذكر أعرابي رجلا فقال: إن حدّثته يسابقك إلى ذلك الحديث، وإن سكتّ عنه أخذ في الترّهات. وذكر أعرابي أميرا فقال: يصل النشوة، ويقضي بالعشوة «٢» ، ويقبل الرشوة. وذكر أعرابي رجلا راكبا هواه، فقال: والله لهو أسرع إلى ما يهواه، من الأسن «٣» إلى راكد المياه، أفقره ذلك أو أغناه. وقال أعرابي: ليت فلانا أقالني من حسن ظني به، فأختم بصواب إذ بدأت بخطأ؛ ولكن من لم تحكمه التجارب أسرع بالمدح إلى من يستوجب الذم، وبالذم إلى من يستوجب المدح. وقال أعرابي لرجل: هل أنت إلا أنت لم تغير! ولو كنت من كنت حديد وضعت على أتون محمىّ لم تذب. وسمعت أعرابيا يقول لأخيه: قد كنت نهيتك أن تدنس عرضك بعرض فلان، وأعلمتك أنه سمين المال، مهزول المعروف، من المرزوقين فجأة، قصير عمر الغنى، طويل عمر الفقر.

стр. 1139

أقبل أعرابي إلى سوّار فلم يصادف عنده ما أحب، فقال فيه: رأيت لي رؤيا وعبّرتها ... وكنت للأحلام عبّارا بأنني أخبط في ليلتي ... كلبا فكان الكلب سوّارا وقال أعرابي في ابن عم له يسمى زيادا: من يبادلني قريبا ... ببعيد من أياد؟ من يقادر، من يطافس ... من يناذل بزياد «١» في هجاء ابن سلم: وقال سعيد بن سلم الباهلي: مدحني أعرابيّ، فاستبطأ الثواب فقال: لكلّ أخي مدح ثواب يعدّه ... وليس لمدح الباهليّ ثواب مدحت سعيدا والمديح مهزّة ... فكان كصفوان، عليه تراب «٢» وقال أيضا: وإنّ من غاية حرص الفتى ... طلابه المعروف في باهله كبيرهم وغد ومولودهم ... تلعنه في قبحه القابله وقال أيضا: سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد وقال فيه: لمّا رآنا فرّ بوّابه ... وانسدّ في غير يد بابه وعنده من مقته حاجب ... يحجبه إن غاب حجّابه

стр. 1140

في هجاء مساور: دخل أعرابي على المساور بن هند وهو على الريّ، فلم يعطه شيئا؛ فخرج وهو يقول: أتيت المساور في حاجة ... فما زال يسعل حتى ضرط وحكّ قفاه بكرسوعه ... ومسّح عثنونه وامتخط «١» فأمسكت عن حاجتي خيفة ... لأخرى تقطّع شرج السّفط «٢» فأقسم لو عدت في حاجتي ... للطّخ بالسلح وجه النّمط «٣» وقال غلطنا حساب الخراج ... فقلت من الضّرط جاء الغلط وكان كلما ركب صاح الصبيان: من الضرط جاء الغلط. حتى هرب من غير عزل إلى بلاد أصبهان. في رجل قصير: أبو حاتم عن أبي زيد، قال: أنشدنا أعرابي في رجل قصير: يكاد خليلي من تقارب شخصه ... يعضّ القراد استه وهو قائم في امرأة قبيحة: وذكر أعرابي امرأة قبيحة، فقال: ترخي ذيلها على عرقوبي نعامة، وتسدل خمارها على وجه كالجعالة» .

стр. 1141

لبعض الأعراب: العتبي قال: سمعت أعرابيا يقول: لا ترك الله مخّا في سلامى «١» ناقة حملتني إليك وللدّاعي عليها أحق بالدعاء عليه؛ إذ كلفها المسير إليك. وقال أعرابي لابن الزبير لا بوركت ناقة حملتني إليك. قال: إنّ وصاحبها. قوله: إنّ، يريد «نعم» . قال قيس الرقيات: وتقول شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنّه يريد: نعم. وذكر أعرابي، رجلا، فقال: لا يؤنس جارا، ولا يؤهل دارا، ولا يثقب «٢» نارا. وسأل أعرابي رجلا فحرمه، فقال له أخوه؛ نزلت والله بواد غير ممطور، وبرجل غير مبرور؛ فارتحل بندم، أو أقم بعدم. ودخلت أعرابية على حمدونة بنت المهدي؛ فلما خرجت سئلت عنها، فقالت: والله لقد رأيتها فما رأيت طائلا؛ كأن بطنها قربة، وكأن ثديها دبّة «٣» ، وكأن استها رقعة، وكأن وجهها وجه ديك قد نفش عفريته «٤» يقاتل ديكا. وصاحب أعرابي امرأة فقال لها: والله إنك لمشرفة الأذنين، جاحظة العينين، ذات خلق متضائل، يعجبك الباطل، إن شبعت بطرت، وإن جعت صخبت، وإن رأيت حسنا دفنتيه، وإن رأيت سيئا أذعتيه؛ تكرمين من حقرك، وتحقرين من أكرمك. وهجا أعرابي امرأته فقال: يا بكر حوّاء من الأولاد ... وأمّ آلاف من العباد عمرك ممدود إلى التّنادي ... فحدّثينا بحديث عاد

стр. 1142

والعهد من فرعون ذي الأوتاد ... يا أقدم العالم في الميلاد إني من شخصك في جهاد في عجوز: وقال أعرابي في امرأة تزوجها، وقد خطبها شابة طرية ودسّوا إليه عجوزا: عجوز ترجّي أن تكون فتيّة ... وقد نحل الجنبان واحدودب الظّهر تدسّ إلى العطّار سلعة أهلها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر «١» تزوجتها قبل المحاق بليلة ... فكان محاقا كله ذلك الشهر وما غرّني إلا خضاب بكفّها ... وكحل بعينيها وأثوابها الصّفر وقال فيها: ولا تستطيع الكحل من ضيق عينها ... فإن عالجته صار فوق المحاجر وفي حاجبيها حزّة كغرارة ... فإن حلقا كانا ثلاث غرائر «٢» وثديان أمّا واحد فهو مزود ... وآخر فيه قربة للمسافر «٣» وقال فيها: لها جسم برغوث وساقا بعوضة ... ووجه كوجه القرد بل هو أقبح وتبرق عيناها إذا ما رأيتها ... وتعبس في وجه الضّجيع وتكلح لها مضحك كالحشّ تحسب أنها ... إذا ضحكت في أوجه القوم تسلح «٤» وتفتح- لا كانت- فما لو رأيته ... توهّمته بابا من النار يفتح إذا عاين الشيطان صورة وجهها ... تعوّذ منها حين يمسي ويصبح وقال أعرابي في سوداء: كأنها والكحل في مرودها ... تكحل عينيها ببعض جلدها

стр. 1143

وقال فيها: أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده لا شكّ إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحده وقال كثيّر في نصيب بن رباح، وكان أسود: رأيت أبا الحجناء في الناس حائرا ... ولون أبي الحجناء لون البهائم تراه على مالاحه من سواده ... وإن كان مظلوما له وجه ظالم «١» أعرابي وعامل: وقال رجل من العمال لأعرابي: ما أحسبك تعرف كم تصلي في كل يوم وليلة! فقال له: فإن عرفت أتجعل لي على نفسك مسألة؟ قال: نعم. قال: إنّ الصلاة أربع وأربع ... ثم ثلاث بعدهنّ أربع ثم صلاة الفجر لا تضيّع قال: صدقت، هات مسألتك؟ قاله له: كم فقار ظهرك؟ قال: لا أدري. قال: فتحكم بين الناس وتجهل هذا من نفسك؟ قولهم في الغزل لبعض الأعراب: ذكر أعرابي امرأة فقال: لها جلد من لؤلؤ مع رائحة المسك، وفي كل عضو منها شمس طالعة. وذكر أعرابي امرأة، فقال: كاد الغزال أن يكونها لولا ما تم منها وما نقص منه. وقال أعرابي في امرأة ودّعها للمسير: والله ما رأيت دمعة ترقرق من عين بإثمد «٢» على ديباجة خدّ، أحسن من عبرة أمطرتها عينها فأعشب لها قلبي.

стр. 1144

قال: سمعت أعرابيا يقول: إن لي قلبا مروعا، وعينا دموعا؛ فماذا يصنع كل واحد منهما بصاحبه، مع أن داءهما، دواؤهما، وسقمهما شفاؤهما؟ وقال أعرابي: دخلت البصرة، فرأيت أعينا دعجا، وحواجب زجّا «١» ، يسحبن الثياب، ويسلبن الألباب. وذكر أعرابي امرأة فقال: خلوت بها ليلة يزينها القمر، فلما غاب أرتنيه قلت له: فما جرى بينكما؟ فقال: أقرب ما أحل الله مما حرّم الإشارة بغير باس، والتقرب من غير مساس. وذكر أعرابي امرأة فقال: هي أحسن من السماء، وأطيب من الماء. قال: وسمعت أعرابيا يقول: ما أشد جولة الرأي عند الهوى، وفطام النفس عن الصبا؛ ولقد تقطعت كبدي للعاشقين. لوم العاذلين قرطة «٢» في آذانهم، ولوعات الحب جبرات على أبدانهم، مع دموع على المغاني، كغروب السواني «٣» . وذكر أعرابي امرأة فقال: لقد نعمت عين نظرت إليها، وشفي قلب تفجع عليها؛ ولقد كنت أزورها عند أهلها؛ فيرحب بي طرفها، ويتجهّمني لسانها. قيل له: فما بلغ من حبك لها؟ قال: إني ذاكر لها وبيني وبينها عدوة الطائر، فأجد لذكرها ريح المسك. وذكر أعرابي نسوة خرجن متنزهات، فقال: وجوه كالدنانير، وأعناق كأعناق اليعافير «٤» ، وأوساط كأوساط الزناببر، أقبلن إلينا بحجول تخفق، وأوشحة تعلق، وكم أسير لهنّ وكم مطلق. قال: وسمعت أعرابيا يقول اتبعت فلانة إلى طرابلس الشام؛ والحريص جاحد،

стр. 1145

والمضل ناشد؛ ولو خضت إليها النار ما ألمتها. قال: وسمعت أعرابيا يقول: الهوى هوان ولكن غلط باسمه، وإنما يعرف من يقول، من أبكته المنازل والطول. وقال أعرابي: كنت في شباب أعضّ على الملام، عضّ الجواد على اللجام، حتى أخذ الشيب بعنان شبابي. وذكر أعرابي امرأة فقال: إن لساني لذكرها لذلول، وإن حبّها لقلبي لقتول، وإن قصير الليل بها ليطول. وصف أعرابي نساء ببلاغة وجمال، فقال: كلامهنّ أقتل من النبل، وأوقع بالقلب من الوبل بالمحل؛ فروعهنّ أحسن من فروع النخل. ونظر أعرابي إلى امرأة حسناء جميلة تسمى ذلفاء، ومعها صبي يبكي، فكلما بكى قبلته؛ فأنشأ يقول: يا ليتني كنت صبيّا مرضعا ... تحملني الذّلفاء حولا أكتعا «١» إذا بكيت قبّلتني أربعا ... فلا أزال الدهر أبكى أجمعا وأنشد أبو الحسن علي بن عبد العزيز بمكة لأعرابي: جارية في سفوان دارها ... تمشي الهوينا مائلا خمارها «٢» قد أعصرت أو قد دنا إعصارها ... يطير من غلمتها إزارها «٣» العتبي قال: وصف أعرابي امرأة حسناء، فقال: تبسم عن خمش اللثات «٤» ، كأفاحي النبات، فالسعيد من ذاقه، والشقي من راقه. وقال العتبي: خرجت ليلة حين انحدرت النجوم وشالت أرجلها؛ فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر، فإذا بجارية كأنها علم، فجعلت أغازلها، فقالت: يا هذا، أمالك ناه من كرم، إن لم يكن لك زاجر من عقل! قلت: والله ما يراني إلا

стр. 1146

الكواكب. قالت: فأين مكوكبها. ذكر أعرابي امرأة فقال: هي السقيم الذي لا برء معه، والبرء الذي لا سقم معه؛ وهي أقرب من الحشا، وأبعد من السما. وقال أعرابي وقد نظر إلى جارية بالبصرة في مأتم: بصريّة لم تبصر العين مثلها ... غدت ببياض في ثياب سواد غدوت إلى الصحراء تبكين هالكا ... فأهلكت حيا، كنت أشأم عاد! فيا ربّ خذ لي رحمة من فؤادها ... وحل بين عينيها وبين فؤادي وقال في جارية ودّعها: مالت تودّعني والدمع يغلبها ... كما يميل نسيم الريح بالغصن ثم استمرّت وقالت وهي باكية ... ياليت معرفتي إيّاك لم تكن العتبي قال: أنشد أعرابي: يا زين من ولدت حواء من ولد ... لولاك لم تحسن الدنيا ولم تطب أنت التي من أراه الله صورتها ... نال الخلود فلم يهرم ولم يشب وأنشد الرياشي لأعرابي: من دمنة خلقت عيناك في هتن ... فما يردّ البكا جهلا من الدّمن «١» ما كنت للقلب إلا فتنة عرضت ... يا حبّذا أنت من معروضة الفتن تسيء سلمى وأجزيها به حسنا ... فمن سواي يجازي السّوء بالحسن قال وسمعت أعرابيا يصف امرأة؛ فقال: بيضاء جعدة «٢» ، لا يمس الثوب منها إلا مشاشة «٣» كتفيها، وحلمتي ثدييها، ورضفتي «٤» ركبتيها، ورانفتي «٥» أليتيها: وأنشد:

стр. 1147

أبت الرّوادف والثّديّ لقمصها ... مسّ البطون وأن تمسّ ظهورا وإذا الرّياح مع العشيّ تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا وقال أعرابي: ليت فلانة حظي من أملي، ولرب يوم سرته إليها حتى قبض الليل بصري دونها؛ وإن من كلام النساء فقال: تلك شمس باهت الأرض شمس سمائها، وليس لي شفيع في اقتضائها، وإن نفسي لكتوم لدائها، ولكنها تفيض عند امتلائها. أخذ هذا المعنى حبيب فقال: ويا شمس أرضيها التي تم نورها ... فباهت بها الأرضون شمس سمائها شكوت وما الشّكوى لمثلي عادة ... ولكن تفيض النّفس عند امتلائها. وقيل لأعرابي: ما بال الحب اليوم على غير ما كان عليه قبل اليوم؟ قال: نعم، كان الحب في القلب فانتقل إلى المعدة؛ إن أطعمته شيئا أحبها، وإلا فلا: كان الرجل يحب المرأة، يطيف بدارها حولا، ويفرح إن رأى من رآها، وإن ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار؛ وإنه اليوم يشير إليها وتشير إليه، ويعدها وتعده فإذا اجتمعا لم يشكوا حبا، ولم ينشدا شعرا، ولكن يرفع رجليها ويطلب الولد. وقال أعرابي: شكوت! فقالت: كلّ هذا تبرّما ... بحبي! أراح الله قلبك من حبّي فلمّا كتمت الحبّ قالت: لشدّ ما ... صبرت! وما هذا بفعل شجي القلب! وأدنو فتقصيني، فأبعد طالبا ... رضاها، فتعتدّ التّباعد من ذنبي فشكواي تؤذيها، وصبري يسوءها ... وتجزع من بعدي، وتنفر من قربي فيا قوم هل من حيلة تعلمونها ... أشيروا بها واستوجبوا الشّكر من ربي

стр. 1148

قولهم في الخيل الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: خرجت علينا خيل مستطيرة النقع «١» ، كأنّ هواديها «٢» أعلام. وآذانها أطراف أقلام؛ وفرسانها أسود آجام. أخذ هذا المعنى عدي بن الرقاع فقال: يخرجن من فرجات النقع دامية ... كأنّ آذانها أطراف أقلام وقال أعرابي: خرجنا حفاة حين انتعل كلّ شيء بظلّه، وما زادنا إلا التوكل ولا مطايانا إلا الأرجل؛ حتى لحقنا القوم. وذكر أعرابي فرسا وسرعته؛ فقال: لما خرجت الخيل أقبل شيطانا في أشطان، فلما أرسلت لمع لمع البرق؛ فكان أقربها «٣» إليه الذي تقع عينه [من بعد] عليه. وقال أعرابي في فرس الأعور السلمي: مرّ كلمع البرق سام ناظره ... يسبح أولاه ويطفو آخره فما يمسّ الأرض منه حافره سئل أعرابي عن سوابق الخيل، فقال: الذي إذا مشى ردى «٤» ، وإذا عدا دحا «٥» ؛ وإذا استقبل أقعى، وإذا استدبر جبّى «٦» ، وإذا اعترض استوى. وذكر أعرابي خيلا؛ فقال: والله ما انحدرت في واد إلا ملأت بطنه، ولا ركبت بطن جبل إلا أسهلت حزنه. وقال أعرابي: خرجت على فرس يختال اختيال النّشوان، نسوف للحزام؛ مهارش للجام؛ فما متع «٧» النهار حتى أمتعنا برف ورفاهة.

стр. 1149

قولهم في الغيث لامرىء القيس وعبيد بن الأبرص: الأصمعي قال: قلت لأعرابي: أي الناس أوصف للغيث؟ قال: الذي يقول- يعني امرأ القيس-: ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرّي وتدرّ «١» قلت: فبعده من؟ قال: الذي يقول- يعني عبيد بن الأبرص-: يا من لبرق أبيت الليل أرقبه ... في عارض مكفهرّ المزن دلّاح» دان مسفّ فويقّ الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح سليمان وأعرابي: ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك، فقال: أصابتك سماء في وجهك يا أعرابي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، غير أنها سحاء طخياء «٣» وطفاء؛ كأن هواديها الدّلاء، مرجحنّة النواحي، موصولة بالآكام، تكاد تمس هام الرجال؛ كثير زجلها، قاصف رعدها، خاطف برقها، حثيث ودقها، بطيء سيرها؛ مثعنجر قطرها، مظلم نوؤها؛ قد لجأت الوحش إلى أوطانها، تبحث عن أصوله بأظلافها، متجمعة بعد شتاتها؛ فلولا اعتصامنا يا أمير المؤمنين بعضاة الشجر، وتعلقنا بقنن الجبال، لكنا جفاء «٤» في بعض الأودية ولقم «٥» الطريق، فأطال الله للأمة بقاءك، ونسألها في أجلك، فهذا ببركتك وعادة الله بك على رعيتك، وصلى الله على سيدنا محمد. فقال سليمان: لعمر أبيك، لئن كانت بديهة لقد أحسنت وإن كانت محبرة لقد أجدت. قال: بل محبرة مزوّرة يا أمير المؤمنين. قال: يا غلام أعطه؛ فو الله لصدقه أعجب إلينا من صفنه.

стр. 1150

قيل لأعرابي: أي الألوان أحسن؟ قال: قصور بيض في حدائق خضر. وقيل لآخر: أي الألوان أحسن؟ قال: بيضة «١» في روضة غبّ سارية والشمس مكبّدة «٢» . وقال أعرابي: لقد رأيت بالبصرة برودا كأنها صبغت بأنوار الربيع، فهي تروع واللابس لها أروع. العتبي قال: سمعت أعرابيا يقول: مررت ببلد ألقى بها الصيّف «٣» بعاعه، فأظهر غديرا يقصر الطرف عن أرجائه، وقد نفت الريح القذى عن مائه؛ فكأنه سلاسل درع ذات فضول. وأنشد أبو عثمان الجاحظ لأعرابي: أين إخواننا على السّرّاء ... أين أهل القباب والدهناء «٤» جاورنا والأرض ملبسة نو ... ر إقاح يجاد بالأنواء كلّ يوم بأقحوان جديد ... تضحك الأرض من بكاء السماء لابن مطير: ابن عمران المخزومي قال: أتيت مع أبي واليا على المدينة من قريش، وعنده أعرابي يقال له ابن مطير، وإذا مطر جود؛ فقال له الوالي: صفه؛ فقال: دعني أشرف وأنظر. فأشرف ونظر، ثم قال: كثرت لكثرة ودقه أطباؤه ... فإذا تحلّب فاضت الأطباء «٥» وله رباب هيدب لرقيقه ... قبل التّبعّق ديمة وطفاء «٦» وكأنّ بارقه حريق تلتقي ... ريح عليه وعرفج وألاء «٧»

стр. 1151

وكأنّ ريّقه ولمّا يحتفل ... ودق السماء عجاجة طخياء «١» مستضحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء فله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك يؤلّف بينه وبكاء حيران متّبع صباه تقوده ... وجنوبه كف له ورهاء «٢» ثقلت كلاه فبهّرت أصلابه ... وتبعّجت عن مائه الأحشاء «٣» غدق تبعّج بالأباطح مزّقت ... تلك السّيول ومالها أشلاء غرّ محجّلة دوالج ضمّنت ... حمل الّلقاح وكلّها عذراء «٤» سحم فهنّ إذا عبسن فواحم ... سود، وهنّ إذا ضحكن وضاء لو كان من لجج السواحل ماؤه ... لم يبق في لجج السواحل ماء هشام وأعرابي يصف له السحاب: قال هشام بن عبد الملك لأعرابي: اخرج فانظر كيف ترى السحاب. فخرج فنظر، ثم انصرف فقال: سفائن، وإن اجتمعت فعين. قولهم في البلاغة والإيجاز قيل لأعرابي: من أبلغ الناس؟ قال: أحسنهم لفظا وأسرعهم بديهة. الأصمعي قال: خطب رجل في نكاح فأكثر وطوّل، فقيل: من يجيبه؟ قال أعرابي: أنا. قيل له: أنت وذاك؟ فالتفت إلى الخاطب فقال: إني والله ما أنا من تخطيطك وتمطيطك «٥» في شيء، قد متتّ بحرمة، وذكرت حقا، وعظّمت مرجوّا، فحبلك موصول، وفرضك مقبول، وأنت لها كفء كريم، وقد أنكحناك وسلّمنا.

стр. 1152

ربيعة الرأي وأعرابي: وتكلم ربيعة الرأي يوما فأكثر، فكأن العجب داخله، وأعرابي إلى جنبه، فأقبل على الأعرابي فقال: ما تعدّون البلاغة يا أعرابي؟ قال: قلة الكلام وإيجاز الصواب. قال: فما تعدون العيّ؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم! فكأنما ألقمه حجرا. شبيب وأعرابي: شبيب بن شيبة قال: لقيت أعرابيا في طريق مكة، فقال لي: تكتب؟ قلت: نعم. قال: ومعك دواة؟ قلت: نعم. فأخرج قطعة جراب من كمه، ثم قال: اكتب ولا تزد حرفا ولا تنقص: هذا كتاب كتبه عبد الله بن عقيل الطائي لأمته لؤلؤة: إني أعتقتك لوجه الله واقتحام العقبة، فلا سبيل لي ولا لأحد عليك إلا سبيل الولاء، والمنة عليّ وعليك من الله وحده، ونحن في الحق سواء ثم قال: اكتب شهادتك. روي أن أعرابيا حضر مجلس ابن عباس، فسمع عنده قارئا يقرأ: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها «١» ؛ فقال الأعرابي: والله ما أنقذكم منها وهو يرجعكم إليها. فقال ابن عباس: خذوها من غير فقيه. قولهم في حسن التوقيع وحسن التشبيه قيل لأعرابي: ما لك لا تطيل الهجاء؟ قال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. وقيل لأعرابي: كم بين كذا وبلد كذا؟ قال: عمر ليلة وأديم يوم. وقال آخر: سواد ليلة وبياض يوم. وقيل لأعرابي: كيف كتمانك للسر؟ قال: ما صدري له إلا قبر. معاوية وأعرابية: قال معاوية لأعرابية: هل من قرى؟ قالت: نعم. قال: وما هو؟ قالت: خبز خمير، ولبن فطير، وماء نمير.

стр. 1153

وقيل لأعرابي: فيم كنتم؟ قال: كنا بين قدر تفور، وكأس تدور، وحديث لا يحور «١» . وقيل لأعرابي: ما أعددت للبرد؟ قال: شدة الرعدة، وقرفصاء القعدة، وذرب المعدة «٢» . وقيل لأعرابي: ما لك من الولد؟ قال: قليل خبيث. قيل له: ما معناه؟ قال: إنه لا أقل من واحد، ولا أخبث من أنثى! وقال: أضل أعرابي الطريق ليلا، فلما طلع القمر اهتدى؛ فرفع رأسه إليه متشكرا فقال: ما أدري ما أقول لك وما أقول فيك؛ أأقول رفعك الله! فقد رفعك: أم أقول: نوّرك الله! فقد نوّرك! أم أقول: حسّنك الله! فقد حسّنك؛ أم أقول: عمرك الله! فقد عمرك؛ ولكني أقول: جعلني الله فداك! وقيل لأعرابي: ما تقول في ابن العم؟ قال: عدوّك وعدوّ عدوّك. وقيل لأعرابي وقد أدخل ناقته في السوق ليبيعها: صف لنا ناقتك. قال: ما طلبت عليها قط إلا أدركت، وما طلبت إلا فتّ. قيل له: فلم تبيعها؟ قال: لقول الشاعر: وقد تخرج الحاجات يا أمّ عامر ... كرائم من ربّ بهنّ ضنين وقيل لأعرابي: كيف ابنك؟ وكان به عاقا؛ قال: عذاب لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب فيها الشكر، فليتني قد استودعته القبر. قيل لشريح القاضي: هل كلمك أحد قط فلم تطق له جوابا؟ قال ما أعلمه إلا أن يكون أعرابيا خاصم عندي ويشير بيديه، فقلت له: أمسك، فإن لسانك أطول من يدك! قال: أسامريّ أنت لا تمس

стр. 1154

وقيل لأعرابي: ما عندكم في البادية طبيب؟ قال: حمر الوحش لا تحتاج إلى بيطار. وقال أعرابي يصف خاتما- فقال: سيّف «١» تدوير حلقته، ودوّر كرسيّ قضته «٢» ، وأحكم تركيبه، وأتقن تدبيره، فبه يتمّ الملك، وينفذ الأمر، ويكرم الكتاب ويشرف المكتوب إليه. وقال آخر يصف خاتما: وأبيض أمّا جسمه فمنوّر ... نقيّ وأمّا رأسه فمعار ولم يكتسب إلا لتسكن وسطه ... بزيعة رأس ما عليه خمار «٣» لها أخوات أربع هنّ مثلها ... ولكنها الصّغرى وهنّ كبار «٤» قولهم في المناكح بين جاريتين: يحيى بن عبد العزيز عن محمد بن الحكم عن الشافعي قال: تزوج رجل من الأعراب امرأة جديدة على امرأة قديمة، وكانت جارية الجديدة تمر على باب القديمة فتقول: وما يستوي الرّجلان رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت ثم مرت بعد أيام فقالت: .. وما يستوي الثوبان ثوب به البلى ... وثوب بأيدي البائعين جديد فخرجت إليها جارية القديمة فقالت: نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما القلب إلّا للحبيب الأوّل

стр. 1155

كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل أعرابي وولي امرأة: الأصمعي قال: أخبرني أعرابي قال: خطب منا رجل مغموز امرأة مغموزة «١» فزوّجوه؛ فقال رجل لوليّ المرأة: تعمّم لكم فلان فزوجتموه! فقالوا: ما تعمم لنا حتى تبرقعنا له. لأعرابية تنصح بنات عمها: أبو حاتم عن الأصمعي قال: قالت أعرابية لبنات عم لها: السعيدة منكم من يتزوجها ابن عمها، فيمهرها بتيسين وكلبين وعيرين ورحيين، فينبّ «٢» التيسان، وينهق العيران، وينبح الكلبان، وتدور الرحيان، فيعج الوادي؛ والشقية منكن من يتزوجها الحضري، فيكسوها الحرير، ويطعمها الخمير، ويحملها ليلة الزفاف على عود- تعني: سرجا. الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يشارّ امرأته، فقالت لها أخته. أما والله أيام شرخه «٣» إذ كان ينكتك كما ينكت العظم عن مخه، لقد كنت له تبوعا، ومنه سموعا؛ فلما لان منه ما كان شديدا، وأخلق منه ما كان جديدا، تغيرت له! وايم الله لئن كان تغير منه البعض لقد تغير منك الكل. لأعرابي في زوجته: وقيل لأعرابي: كيف حبك لزوجتك؟ قال: ربما كنت معها على الفراش فمدّت يدها إلى صدري، فوددت والله أن آجرّة خرّت من السقف فقدّت يدها وضلعين من أضلاع صدري! ثم أنشأ يقول: لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... ولكن قرين السّوء باق معمّر

стр. 1156

فياليتها صارت إلى القبر عاجلا ... وعذّبها فيه نكير ومنكر لآخر في مثله: وتزوّج أعرابي امرأة، فطالت صحبتها له، فتغير لها وقد طعنت في السنّ، فقالت له: ألم تكن ترضي إذا غضبت، وتعتب إذا عتبت، وتشفق إذا أبيت؛ فما بالك الآن؟ قال: ذهب الذي كان يصلح بيننا. الأصمعي وأعرابي طلق زوجته: الأصمعي قال: كنت أختلف إلى أعرابي أقتبس منه الغريب، فكنت إذا استأذنت عليه يقول: يا أمامة، إيذني له. فتقول: ادخل. فاستأذنت عليه مرارا فلم أسمعه يذكر أمامة؛ فقلت له: يرحمك الله، ما أسمعك تذكر أمامة منذ حين! قال: فوجم وجمة ندمت على ما كان مني؛ ثم قال: ظعنت أمامة بالطلاق ... ونجوت من غلّ الوثاق بانت فلم يألم لها ... قلبي ولم تدمع مآقي ودواء ما لا تشتهيه ... النفس تعجيل الفراق والعيش ليس يطيب بي ... ن اثنين في غير اتّفاق لو لم أرح بفراقها ... لأرحت نفسي بالإباق «١» لأعرابي طلق امرأته: الأصمعي قال: تزوج أعرابي امرأة فآذته وافتدى منها بحمار وجبة، فقدم عليه ابن عمّ لها من البادية فسأله عنها؛ فقال: خطت إلى الشيطان للحين بنته ... فأدخلها من شقوتي في حباليا فأنقذني منها حماري وجبّتي ... جزى الله خيرا جبتي وحماريا

стр. 1157

لأعرابي بين يدي زياد: الأصمعي قال: خاصم أعرابي امرأته إلى زياد، فشدّد على الأعرابي؛ فقال: أصلح الله الأمير؛ إن خير عمر الرجل آخره؛ يذهب جهله ويثوب حلمه، ويجتمع رأيه؛ وإن شر عمر المرأة آخره؛ يسوء خلقها، ويحدّ لسانها، وتعقم رحمها! قال له: صدقت، اسفع «١» بيدها. لبعض الأعراب في مثله: قال: وذكرت أعرابية زوجها وكان شيخا! فقالت: ذهب ذفره «٢» ، وبقى بخره، وفتر ذكره. الأصمعي قال: كان أعرابي قبيح طويل خطب امرأة؛ فقيل له: أيّ ضرب تريدها؟ قال: أريدها قصيرة جميلة، فيأتي ولدها في جمالها وطولي. فتزوجها على تلك الصفة، فجاء ولدها في قصرها وقبحه! قدم أعرابي من طيء فاحتلب لبنا ثم قعد مع زوجته ينتجعان، فقالت له: من أنعم عيشا، أنحن أم بنو مروان؟ قال لها: بنو مروان أطيب منا طعاما، إلا أنّا أردأ منهم كسوة؛ وهم أظهر منا نهارا إلا أنا نحن أظهر منهم ليلا. الأصمعي قال: خاصم أعرابي امرأته إلى السلطان، فقيل له: ما صنعت؟ قال: خيرا، كبها الله لوجهها ولو أمر بي إلى السجن! الأصمعي قال: استشارت أعرابية في رجل تتزوجه، فقيل لها: لا تفعلي فإنه وكلة تكلة، يأكل خلله أي يأكل ما يخرج من بين أسنانه إذا تخلل. قال أبو حاتم: هو الخلالة. ووكلة تكلة: إذا كان يكل أمره إلى الناس ويتكل عليهم. العتبي قال: خطب إلى أعرابي رجل موسر إحدى ابنتيه. وكان للخاطب امرأة،

стр. 1158

فقالت الكبرى: لا أريده! قال أبوها: ولم؟ قالت: يوم عتاب، ويوم اكتئاب، يبلى فيما بين ذلك الشباب! قالت الصغرى: زوّجنيه! قال لها: على ما سمعت من أختك؟ قالت: نعم، يوم تزيّن، ويوم تسمّن، وقد تقر فيما بين ذلك الأعين. لأعرابية ترقص طفلا: الأصمعي قال: رأيت امرأة ترقّص طفلا لها، وتقول: أحبّه حبّ الشحيح ماله ... قد كان ذاق الفقر ثمّ ناله إذا أراد بذله بدا له أعرابية فقدت زوجها: الأصمعي قال: هلك أعرابي، فأدمنت امرأته البكاء عليه. فقال بعض بنيها: أتفقدين من أبينا غيره ... أتفقدين نفعه وخيره أراك ما تبكين إلا أيره فأمسكت عن البكاء. أعرابية وأعرابي ينظر إلى ابنتها: جلس أعرابي إلى أعرابية، فعلمت أنه ما جلس إلا لينظر إلى ابنتها، فأنشأت تقول: وما نلت منها غير أنك نائك ... بعينيك عينيها وأيرك خائب الرياشي قال: أنشدني العتبي لأعرابي: ماذا تظن بسلمى إن ألّم بها ... مرجّل الرأس ذو بردين مزّاح حلو فكاهته خزّ عمامته ... في كفّه من رقى إبليس مفتاح! أعرابي وامرأة خطبها: أبو حاتم عن الأصمعي قال: خطب أعرابي امرأة، فقالت: سل عني بني فلان

стр. 1159

وبني فلان. قال لها: وما علمهم بذلك؟ قالت: في كلهم نكحت وكنت، قال: أراك جلنفعة «١» قد خزمتك الخزائم، قالت: لا، ولكن جوّالة بالرجل عنتريس «٢» . تزوج رجل من الأعراب امرأة منهم عجوزا ذات مال، فكان يصبر عليها لمالها، ثم ملّها وتركها، وكتبت إليه تستردّه، فكتب إليها يقول: ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلا وضرب الرّقاب فكتبت إليه: إنه والله ما يريد قيس غير طعن الكلا! أعرابي خاطب: المفضل الضبي قال: خطب أعرابي امرأة، فجعل يخطبها وينعظ، فضرب ذكره بيده وقال: مه! إليك يساق الحديث. فأرسلها مثلا. أبو البيداء: علي بن عبد العزيز قال: كان أبو البيداء عنّينا، وكان يتجلد ويقول لقومه: زوّجوني امرأتين! فيقال له: إن في واحدة كفاية. فيقول: أمّا لي فلا! فقالوا: نزوّجك واحدة، فإن كفتك وإلا زوّجناك أخرى. فزوّجوه أعرابية، فلما دخل بها أقام معها أسبوعا، فلما كان في اليوم السابع أتوه، فقالوا له: يا أبا البيداء، ما كان أمرك في اليوم الأول؟ قال: عظيم جدا! قالوا: ففي الثاني؟ قال: أجلّ وأعظم! قالوا: ففي الثالث؟ قال: لا تسألوا! فأجابت المرأة من وراء الستر، فقالت: كان أبو البيداء ينزو في الوهق ... حتى إذا أدخل في بيت أبق «٣» فيه غزال حسن الدّلّ خرق ... مارسه حتى إذا ارفضّ العرق» انكسر المفتاح وانسدّ الغلق

стр. 1160

لأعرابي في امرأته: كانت لأعرابي امرأة لا تردّ يد لامس؛ فقيل له؛ مالك لا تفارقها؟ قال: إنها حسناء فلا تفرك، وأم بنين فلا تترك. قال الشيخ من الأعراب: أنا شيخ ولي امرأة عجوز ... تراودني على ما لا يجوز تريد أنيكها في كلّ يوم ... وذلك عند أمثالي عزيز وقالت دقّ أيرك مذ كبرنا ... فقلت لها بل اتّسع القفيز الأصمعي قال: قال أعرابي في امرأة تزوّجها، وقد تزوّجت قبله خمسة، وتزوّج هو قبلها أربعا، فلاحته يوما، فقال فيها: لو لابس الشيطان ما ألابس ... أو مارس الغول التي أمارس لأصبح الشيطان وهو عابس ... زوّجها أربعة عمارس «١» فانفلتوا منها ومات الخامس ... وساقني الحين فهانا السادس وقال فيها: بويزل أعوام أذاعت بخمسة ... وتعتدّني- إن لم يق الله- ساديا «٢» ومن قبلها غيّبت في الترب أربعا ... وأعتدّها مذ جئتها في رجائيا كلانا مطلّ مشرف لغنيمة ... يراها ويقضي الله ما كان قاضيا وقال أعرابي: أشكو إلى الله عيالا دردقا ... مقرقمين وعجوزا شملقا «٣» الدردق: الصغار. والمقرقم: البطيء الشباب. والشملق السيئة الخلق.
следующие страницы →