← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ملمومة تتبارى في ململمة ... كأنّها لاعتدال الخلق أفهار «١» تزورّ عند احتماس الطّعن أعينها ... وهنّ من فرجات النّقع نظاّر «٢» تفوت بالثّأر أقواما وتدركه ... من آخرين إذ لم يدرك الثّار فانساب ناصر دين الله يقدمهمّ ... وحوله من جنود الله أنصار كتائب تتبارى حول رايته ... وجحفل كسواد الليل جرّار قوم لهم في مكرّ اللّيل غمغمة ... تحت العجاج وإقبال وإدبار «٣» يستقبلون كراديسا مكردسة ... كما تدافع بالتّيّار تيّار «٤» من كلّ أروع لا يرعى لهاجسة ... كأنّه مخدر في الخيل هصّار «٥» في قسطل من عجاج الحرب مدّ له ... بين السماء وبين الأرض أستار فكم بساحتهم من شلو مطّرح ... كأنه فوق ظهر الأرض إجّار «٦» كأنّما رأسه أفلاق حنظلة ... وساعداه إلى الزّندين جمّار «٧» وكم على النّهر أوصالا مفرّقة ... تقّسمتها المنايا فهي أشطار قد فلّقت بصفيح الهند هامهم ... فهنّ بين حوامي الخيل أعشار» ومن قولنا في الحروب: وحومة عادرت فرسانها ... في مبرك للحرب جعجاع «٩» مستلحم بالموت مستشعر ... مفرّق للشّمل جمّاع

стр. 107

وبلدة صحصحت منها الرّبا ... لفيلق كالسّيل دفّاع «١» كأنّما باضتّ نعام الفلا ... منهم بهام فوق أدراع تراهم عند احتماس الوغى ... كأنّهم جنّ بأجراع «٢» بكلّ مأثور على متنه ... مثل مدبّ النّمل في القاع يرتدّ طرف العين من حدّه ... عن كوكب للموت لمّاع ومن قولنا في الحروب: وربّ ملتفّة العوالي ... يلتمع الموت في ذراها «٣» إذا توطّت حزون أرض ... طحطحت الشّمّ من رباها «٤» يقودها منه ليث غاب ... إذا رأى فرصة قضاها تمضي بآرائه سيوف ... يستبق الموت في ظباها «٥» بيض تحلّ القلوب سودا ... إذا انتضى عزمه انتضاها «٦» تتبعه الطّير في الأعادي ... تجني كلا العشب من كلاها «٧» أقدم إذا كاع كلّ ليث ... عن حومة الموت إذا رآها «٨» فأقحم الخيل في غمار ... تفغر بالموت لهوتاها «٩» عنت له أوجه المنايا ... فعافها القوم واشتهاها

стр. 108

فرسان العرب في الجاهلية والإسلام ابن مكدم وقول حسان فيه : كان فارس العرب في الجاهلية ربيعة بن مكدّم. من بني فراس بن غنم بن مالك ابن كنانة، وكان يعقر على قبره في الجاهلية. ولم يعقر على قبر أحد غيره. وقال حسان بن ثابت وقد مرّ على قبره: نفرت قلوصي من حجارة حرّة ... بنيت على طلق اليدين وهوب لا تنفري يا ناق منه فإنّه ... شرّيب خمر مسعر لحروب لولا السّفار وطول قفر مهمه ... لتركتها تحبو على عرقوب «١» فراس بن غنم وكلمة لعلي فيهم : وكان بنو فراس بن غنم بن كنانة أنجد العرب. كان الرجل منهم يعدل عشرة من غيرهم. وفيهم يقول عليّ بن أبي طالب ﵁ لأهل الكوفة: من فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب، أبدلكم الله بي من هو شرّ لكم، وأبدلني بكم من هو خير منكم. وددت والله أنّ لي بجميعكم- وأنتم مائة ألف- ثلاثمائة من بني فراس بن غنم. ومن فرسان العرب في الجاهلية عنترة الفوارس، وعتيبة بن الحارث بن شهاب؛ وأبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وزيد الخيل، وبسطام بن قيس، والأحيمر السعدي، وعامر بن الطّفيل، وعمرو بن عبد ودّ، وعمرو بن معد يكرب. وفي الإسلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، والزبير، وطلحة، ورجال الأنصار: عبد الله بن خازم السّلمي، وعباد بن الحصين، وعمير بن الحباب، وقطريّ بن الفجاءة، والحريش بن هلال السعدي، وشبيب الحروريّ.

стр. 109

للعرب في بعض فرسانهم : وقالوا: ما استحيا شجاع قطّ أن يفرّ من عبد الله بن خازم وقطريّ بن الفجاءة، صاحب الأزارقة. وقالوا: ذهب حاتم بالسخاء، والأحنف بالحلم، وخريم بالنعمة، وعمير بن الحباب بالشدّة. ابن خازم مع ابن زياد في جرذ : وبينا عبد الله بن خازم عند عبيد الله بن زياد إذ دخل عليه بجرذ أبيض، فعجب منه عبيد الله، وقال: هل رأيت يا أبا صالح أعجب من هذا؟ ونظر إليه، فإذا عبد الله قد تضاءل حتى صار كأنه فرخ، واصفرّ كأنه جرادة ذكر فقال عبيد الله: أبو صالح يعصى الرحمن، ويتهاون بالسلطان، ويقبض على الثعبان، ويمشي إلى الليث، ويلقى الرماح بنحره، وقد اعتراه من جرذ ما ترون، أشهد أن الله على كل شيء قدير. وكان شبيب الحروريّ: يصيح في جنبات الجيش فلا يلوي أحد على أحد. وفيه يقول الشاعر: إنّ صاح يوما حسبت الصّخر منحدرا ... والريح عاصفة والموج يلتطم ولما قتل أمر الحجاج بشق صدره. فإذا له فؤاد مثل فؤاد الجمل. فكانوا إذا ضربوا به الأرض ينزو كما تنزو المثانة المنفوخة «١» . لابن عباس في الأنصار : ورجال الأنصار أشجع الناس؛ قال عبد الله بن عباس: ما استلّت السيوف، ولا زحفت الزحوف، ولا أقيمت الصفوف، حتى أسلم ابنا قيلة: يعني الأوس والخزرج، وهما الأنصار من بني عمرو بن عامر من الأزد.

стр. 110

أبو براء لما أسن : العتبي: لما أسنّ أبو براء عامر بن مالك وضعّفه بنو أخيه وخرّفوه. ولم يكن له ولد يحميه، أنشأ يقول: دفعتكم عنيّ وما دفع راحة ... بشيء إذا لم تستعن بالأنامل يضعّفني حلمي وكثرة جهلكم ... عليّ وأنّي لا أصول بجاهل «١» لعلي في همدان : وقال علي بن أبي طالب ﵁، إذ رأى همدان وغناءها في الحرب يوم صفين: ناديت همدان والأبواب مغلقة ... ومثل همدان سنّى فتحة الباب «٢» كالهندوانيّ لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجّاب «٣» وقال ابن برّاقة الهمداني: كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم «٤» متى تجمع القلب الذّكيّ وصارما ... وأنفا حمياّ تجتنبك المظالم وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم وقال تأبط شرا: قليل التّشكّي للمهمّ يصيبه ... كثير النوى شتّ الهوى والمسالك يبيت بموماة ويضحى بغيرها ... جحيشا ويعروري ظور المهالك «٥» إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كاليء من قلب شيحان فاتك «٦»

стр. 111

ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من حدّ أخلق باتك «١» إذا هزّه في عظم قرن تهلّلت ... نواجذ أفواه المنايا الضّواحك وقال أبو سعيد المخزومي- وكان شجاعا: وما يريد بنو الأغبار من رجل ... بالجمر مكتحل بالنبل مشتمل «٢» لا يشرب الماء إلّا من قليب دم ... ولا يبيت له جار على وجل «٣» ونظير هذا قول بشّار العقيلي: فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم «٤» بين ابن الزبير والأشتر : وقال عبد الله بن الزّبير: التقيت بالأشتر النخعي يوم الجمل، فما ضربته ضربة حتى ضربني خمسا أو ستا، ثم أخذ برجلي فألقاني في الخندق، وقال: والله لولا قرابتك من رسول الله ﷺ ما اجتمع منك عضو إلى آخر. جائزة عائشة لمن بشرها بنجاة ابن الزبير : وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أعطت عائشة الذي بشّرها بحياة ابن الزّبير إذ التقى مع الأشتر عشرة آلاف. لمنعم في أخيه : وذكر متمّم بن نويرة أخاه مالكا وجلده، فقال: كان يخرج في الليلة الصّنّبر «٥» ، عليه الشملة الفلوت، بين المزادتين على الجمل الثّفال «٦» ، ومعتقل الرّمح الخطيّ. قالوا: وأبيك إن هذا لهو الجلد.

стр. 112

من عمر إلى ابن مقرن في الصائفة : وكتب عمر بن الخطاب إلى النعمام بن مقرّن وهو على الصائفة: أن استعين في حربك بعمرو بن معد يكرب، وطليحة الأزري، ولا تولّهما من الأمر شيئا؛ فإن كل صانع أعلم بصناعته. وقال عمرو بن معد يكرب يصف صبره وجلده في الحرب: أعاذل عدّتي بزّي ورمحي ... وكلّ مقلّص سلس القياد «١» أعاذل إنما أفنى شبابي ... إجابتي الصّريخ إلى المنادي «٢» مع الأبطال حتى سلّ جسمي ... وأقر عاتقي حمل النّجاد ويبقى بعد حلم القوم حلمي ... ويفنى قبل زاد القوم زاديّ ومن عجب عجبت له حديث ... بديع ليس من بدع السّداد تمنّى أن يلاقيني أبيّ ... وددت وأينما منّي ودادي تمنّاني وسابغتي قميصي ... كأنّ قتيرها حدق الجراد «٣» وسيف لابن ذي كنعان عندي ... تخيّر نصله من عهد عاد فلو لاقيتني للقيت ليثا ... هصورا ذا ظبا وشبا حداد «٤» ولا ستيقنت أنّ الموت حقّ ... وصرّح شحم قلبك عن سواد أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد ومن قوله في قيس بن مكشوح المرادي: تمنّاني على فرس ... عليه جالس أسده عليّ مفاضة كالنّهي ... أخلص ماءه جدده «٥» فلو لاقيتني للقي ... ت ليثا فوقه لبده

стр. 113

سبنتي ضيغما هصرا ... صلخدا ناشزا كتده «١» يسامي القرن إن فرن ... تيمّمه فيعتضده «٢» فيأخذه فيرديه ... فيخفضه فيقتصده» فيدمغه فيحطمه ... فيخصمه فيزدرده المكيدة في الحرب قال النبي ﷺ : الحرب خدعة. وقال المهلّب لبنيه: عليكم بالمكيدة في الحرب فإنها أبلغ من النجدة. وكان المهلّب يقول: أناة في عواقبها فوت، خير من عجلة في عواقبها درك «٤» . وقال مسلمة بن عبد الملك: ما أخذت أمرا قط بحزم فلمت نفسي فيه وإن كانت العاقبة عليّ، ولا أخذت أمرا قطّ وضيّعت الحزم فيه إلا لمت نفسي عليه وإن كانت لي العاقبة. وسئل بعض أهل التمرس بالحرب: أيّ المكايد فيها أحزم؟ قال: إذكاء العيون «٥» ، وإفشاء الغلبة، واستطلاع الأخبار؛ وإظهار السرور، وإماتة الفرق «٦» ، والاحتراس من البطانة «٧» من غير إقصاء لمن يستنصح، ولا استناد لمن يستغشّ، وإشغال الناس عما هم فيه من الحرب بغيره. وفي كتاب للهند: الحازم يحذر عدوّه على كل حال: يحذر المواثبة إن قرب، والغارة إن بعد، والكمين إن انكشف، والاستطراد إن ولّى. بين المأمون والفضل بن سهل في رأي فات الأمين : قال المأمون للفضل بن سهل: قد كان لأخي رأي لو عمل به لظفر. فقال له

стр. 114

الفضل: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال لو كتب إلى أهل خراسان وطبرستان والري ودنياوند أنه قد وهب لهم الخراج لسنة، لم نخل نحن من إحدى خصلتين: إما رددنا فعله ولم نلتفت إليه فعصانا أهل هذه البلدان وفسدت نياتهم فانقطعوا عن معاونتنا. وإما قبلناه وأمضيناه فلا نجد ما نعطي منه من معنا، وتفرّق جندنا ووهى أمرنا. فقال الفضل: الحمد لله الذي ستر هذا الرأي عنه وعن أصحابه. وكتب الحجاج إلى المهلب يستعجله في حرب الأزارقة، فكتب إليه: إن من البلية أن يكون الرأي بيد من يملكه دون من يبصره. لبعض أهل التمرس : وكان بعض أهل التمرس يقول لأصحابه: شاوروا في حربكم الشجعان من أولي العزم، والجبناء من أولى الحزم؛ فإن الجبان لا يألو «١» برأيه ما يقي مهجكم، والشجاع لا يعدو ما يشدّ نصرتكم؛ ثم خلّصوا من بين الرأيين نتيجة تحمل عنكم معرّة الجبان «٢» ، وتهوّر الشجعان، فتكون أنفذ من السهم الزالج «٣» ، والحسام الوالج «٤» . بين الاسكندر ومؤدبه في مدينة فتحها : وكان الإسكندر لا يدخل مدينة إلا هدمها وقتل أهلها، حتى مرّ بمدينة كان مؤدّبه فيها؛ فخرج إليه، فألطفه الإسكندر وأعظمه. فقال له: أصلح الله الملك، إن أحقّ من زيّن لك أمرك، وأعانك على كل ما هويت لأنا، وإن أهل هذه المدينة قد طمعوا فيك لمكاني منك، فأحب أن تشفّعني فيهم، وألّا تخالفني في كل ما سألتك لهم. فأعطاه من العهود والمواثيق على ذلك ما لا يقدر على الرجوع عنه. فلما توثّق منه قال: فإن حاجتي إليك أن تهدمها وتقتل أهلها. قال: ليس إلى ذلك سبيل، ولا بد من مخالفتك. فقال له: ارحل عنا.

стр. 115

سعيد بن العاص وحصن فتحه : قيل: صالح سعيد بن العاص حصنا من حصون فارس على ألّا يقتل منهم رجلا واحدا، فقتلهم كلهم إلا رجلا واحدا. عمرو بن العاص وعلم قيسارية : ابن الكلبي قال: لما فتح عمرو بن العاص قيساريّة سار حتى نزل غزّة، فبعث إليه علجها «١» : أن ابعث إليّ رجلا من أصحابك أكلّمه. ففكّر عمرو وقال: ما لهذا أحد غيري. قال: فخرج حتى دخل على العلج فكلمه فسمع كلاما لم يسمع قطّ مثله. فقال العلج: حدّثني: هل في أصحابك أحد مثلك؟ قال لا تسأل عن هذا، إني هيّن عليهم إذ بعثوا بي إليك وعرّضوني لما عرّضوني له، ولا يدرون ما تصنع بي. قال: فأمر له بجائزة وكسوة، وبعث إلى البواب: إذا مر بك فاضرب عنقه وخذ ما معه. فخرج من عنده فمرّ برجل من نصاري غسّان فعرفه؛ فقال: يا عمرو قد أحسنت الدخول فأحسن الخروج. ففطن عمرو لما أراده، فرجع. فقال له الملك: ما ردّك إلينا؟ قال: نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك يسع بني عمي، فأردت أن آتيك بعشرة منهم تعطيهم هذه العطية، فيكون معروفك عند عشرة خيرا من أن يكون عند واحد. فقال: صدقت. أعجل بهم. وبعث إلى البواب أن خلّ سبيله. فخرج عمرو وهو يلتفت، حتى إذا أمن قال: لا عدت لمثلها أبدا. فلما صالحه عمرو ودخل عليه العلج قال له: أنت هو؟ قال: نعم، على ما كان من غدرك. عمر والهرمزان : وقال: ولما أتي بالهرمزان أسيرا إلى عمر بن الخطاب قيل له: يا أمير المؤمنين، هذا زعيم العجم وصاحب رستم «٢» فقال له عمر: أعرض عليك الإسلام نصحا لك في

стр. 116

عاجلك وآجلك. قال: يا أمير المؤمنين، إنما أعتقد ما أنا عليه ولا أرغب في الإسلام. فدعا له عمر بالسيف. فلما همّ بقتله قال: يا أمير المؤمنين، شربة من ماء أفضل من قتلي على ظمأ. فأمر له بشربة من ماء. فلما أخذها قال: أنا آمن حتى أشربها؟ قال: نعم. فرمى بها وقال: الوفاء يا أمير المؤمنين نور أبلج. قال: صدقت، لك التوقف عنك والنظر في أمرك؛ ارفعا عنه السيف. فلما رفع عنه. قال: الآن يا أمير المؤمنين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وما جاء به حق من عنده. قال عمر: أسلمت خير إسلام، فما أخّرك؟ قال كرهت أن تظن أني أسلمت جزعا من السيف وإيثارا لدينه بالرهبة. فقال عمر: إن لأهل فارس عقولا بها استحقوا ما كانوا فيه من الملك. ثم أمر به أن يبرّ ويكرم، فكان عمر يشاوره في توجيه العساكر والجيوش لأهل فارس. معن ونفر من الأسرى : وهذا نظير فعل الأسير الذي أتى به معن بن زائدة في جملة الأسرى. فأمر بقتلهم، فقال له: أتقتل الأسرى عطاشا يا معن فأمر بهم فسقوا، فلما شربوا قال: أتقتل أضيافك يا معن؟ فخلى سبيلهم. ملك من ملوك العجم : وذكروا: أن ملكا من ملوك العجم كان معروفا ببعد الغور «١» ويقظة الفطنة وحسن السياسة، وكان إذا أراد محاربة ملك من الملوك وجه إليه من يبحث عن أخباره وأخبار رعيته قبل أن يظهر محاربته، فيكشف عن ثلاث خصال من حاله؛ فكان يقول لعيونه: انظروا، هل ترد على الملك أخبار رعيته على حقائقها أم يخدعه عنها المنهي ذلك إليه؟ وانظروا إلى الغنى في أي صنف هو من رعيته، أفيمن اشتدّ أنفه وقلّ شرههه، أم فيمن قلّ أنفه واشتدّ شرهه؟ وانظروا في أي صنف من رعيته

стр. 117

القوّام بأمره؟ أفيمن نظر ليومه وغده، أم من شغله يومه عن غده؟ فإن قيل له: لا يخدع عن أخباره؛ والغنى فيمن قلّ شرهه واشتد انفه، والقوّام بأمره من نظر ليومه وغده، قال: اشتغلوا عنه بغيره. وإن قيل له ضدّ ذلك قال: نار كانة تنتظر موقدا، وأضغان مزملة «١» تنتظر مخرجا، اقصدوا له، فلا حين أحين من سلامة مع تضييع، ولا عدوّ أعدى من أمن أدّى إلى اغترار. وقيعة ملك الهياطلة بيزدجرد : كانت ملوك العجم قبل ملوك الطوائف تنزل بلخ، ثم نزلت بابل، ثم نزل أردشير ابن بابك فارس، فصارت دار مملكتهم، وصار بخراسان ملوك الهياطلة وهم الذين قتلوا فيروز بن يزدجرد بن بهرام ملك فارس، وكان غزاهم؛ فكاده ملك الهياطلة بأن عمد إلى رجل ممن عرفه بالمكايدة وحسن الإدارة، فأظهر السخط عليه وأوقع به على أعين الناس توقيعا قبيحا ونكّل به تنكيلا شديدا. ثم أرسله وقد واطأه «٢» على أمر أبطنه معه وظاهره عليه فخرج حتى أتى فيروز في طريقه، فأظهر النزوع «٣» إليه والاستنصار به من عظيم ما ناله. فلما رأى فيروز ما به من التوقيع والنكاية فيه، وثق به واستنام إليه. فقال: أنا أدلك أيها الملك على غرة القوم وعورتهم وأعلمك مكان غفلتهم. فسلك به سبيل مهلكة معطشة؛ ثم خرج إليه ملك الهياطلة فأسره وأكثر أصحابه، فسألهم أن يمنوا عليه وعلى من معه، وأعطاهم موثقا لا يغزوهم أبدا، ونصب لهم حجرا جعله حدا بينه وبينهم، وحلف لهم ألّا يجاوزه هو ولا جنوده، وأشهد الله عليه وعلى من حضر من قرابته وأساورته؛ فمنّوا عليه وأطلقوه ومن معه. فلما عاد إلى مملكته أخذته الأنفة مما أصابه، فعاد إلى غزوهم ناكثا لعهده غادرا بذمته، إلا أنه تلطف في ذلك بحيلة ظنّها مجزئة في أيمانه، فجعل الحجر الذي نصبه لهم على فيل في مقدّمة عسكره، وتأوّل في ذلك أنه لا يجاوزه فلما صار إليهم ناشدوه

стр. 118

الله وذكّروه الأيمان به، وما جعل على نفسه من عهده وذمته، فأبى إلا لجاجا «١» ونكثا. فواقعوه فظفروا به فقتلوه وقتلوا حماته واستباحوا عسكره. للنبي ﷺ : أسامة بن زيد الّليثي قال: كان النبي ﷺ «إذا غزا أخذ طريقا وهو يريد أخرى، ويقول: الحرب خدعة» . مالك الخثعمي وتسميته بالثعلب : زياد عن مالك بن أنس قال: كان مالك بن عبد الله الخثعميّ، وهو على الصائفة. يقوم في الناس كلما أراد أن يرحل؛ فيحمد الله تعالى ويثني عليه ثم يقول. إني دارب «٢» بالغداة إن شاء الله تعالى درب كذا. فتتفرق الجواسيس عنه بذلك؛ فإذا أصبح الناس سلك بهم طريقا أخرى. فكانت تسميه الروم: الثعلب. وصايا أمراء الجيوش كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح: إنه بلغني أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشا أو سريّة قال: اغزوا بسم الله، وفي سبيل الله، تقاتلون من كفر بالله، لا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا. فإذا بعثت جيشا أو سرية فمرهم بذلك. وكان عمر بن الخطاب يقول عند عقد الألوية: بسم الله وبالله وعلى عون الله. امضوا بتأييد الله. وما النصر إلا من عند الله ولزوم الحقّ والصبر. فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثّلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا،

стр. 119

وتوقّوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند شنّ الغارات. أبو بكر يوصي يزيد بن أبي سفيان : ولما وجّه أبو بكر ﵁ يزيد بن أبي سفيان إلى الشام شيّعه راجلا. فقال له يزيد: إما أن تركب وإما أن أنزل. فقال: ما أنت بنازل وما أنا براكب. إني أحتسب خطاي «١» هذه في سبيل الله. ثم قال: إنك ستجد قوما حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما حبسوا أنفسهم له- يعني الرهبان- وستجد قوما فحصوا «٢» عن أوساط رؤسهم الشّعر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف. ثم قال له: إني موصيك بعشر: لا تغدر، ولا تمثّل، ولا تقتل هرما ولا امرأة ولا وليدا، ولا تقرن شاة ولا بعيرا إلا ما أكلتم، ولا تحرقنّ نخلا، ولا تخرّبن عامرا، ولا تغلّ ولا تبخس. أبو بكر يوصي خالد بن الوليد : وقال أبو بكر ﵁ لخالد بن الوليد، حين وجهه لقتال أهل الردّة: سر على بركة الله، فإذا دخلت أرض العدوّ فكن بعيدا من الحملة، فإني لا آمن عليك الجولة، واستظهر بالزاد، وسر بالأدلاء، ولا تقاتل بمجروح، فإنّ بعضه ليس منه؛ واحترس من البيات، فإنّ في العرب غرّة «٣» ؛ وأقلل من الكلام، فإنما لك ما وعي عنك؛ واقبل من الناس علانيتهم، وكلهم إلى الله في سرائرهم، وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. من خالد إلى مرازبة فارس : كتب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس مع ابن نفيلة الغساني: الحمد لله الذي فضّ حزمتكم «٤» ، وفرّق جمعكم، وأوهن بأسكم، وسلب ملككم، وأذلّ عزكم؛ فإذا أتاكم كتابي هذا فابعثوا إليّ بالرّهن، واعتقدوا منا الذمة، وأجيبوا إلى الجزية، وإلا

стр. 120

والله الذي لا إله إلا هو، لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا. من عمر إلى ابن أبي وقاص : كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص- ﵄ ومن معه من الأجناد: أما بعد؛ فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدوّ، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدّ احتراسا من المعاصي منكم من عدوّكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوّهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوّهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم، فإذا استوينا «١» في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا. واعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله؛ ولا تقولوا إن عدوّنا شر منا فلن يسلّط علينا وإن أسأنا؛ فربّ قوم سلّط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفّار المجوس فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا «٢» . واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوّكم. أسأل الله ذلك لنا ولكم. وترفّق بالمسلمين في مسيرهم، ولا تجشّمهم مسيرا يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوّهم والسفر لم ينقص قوتهم، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس والكراع «٣» . وأقم بمن معك في كل جمعة يوما وليلة، حتى تكون لهم راحة يجمّون «٤» فيها أنفسهم، ويرمّون «٥» أسلحتهم وأمتعتهم. ونحّ منازلهم عن قرى أهل

стр. 121

الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه. ولا يرزأ أحدا من أهلها شيئا: فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها، فما صبروا لكم فتولّوهم خيرا، ولا تستبصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح. وإذا وطئت أدنى أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم، ولا يخف عليك أمرهم وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإنّ الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدقك في بعضه، والغاشّ عين عليك وليس عينا لك. وليكن منك عند دنوّك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم. فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتبع الطلائع عوراتهم. وانتق للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخيّر لهم سوابق الخيل، فإن لقوا عدوّا كان أول ما تلقاهم القوة من أصحابك، وتخيّر لهم سوابق الخيل؛ فإن لقوا عدوّ كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك. واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد والصبر على الجلاد، ولا تخص بها أحدا بهوى، فيضيع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت «١» به أهل خاصتك. ولا تبعثن طليعة ولا سرية في وجه تتخوّف فيه غلبة أو ضيعة ونكاية «٢» ؛ فإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك، واجمع إليك مكيدتك وقوّتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة، ما لم يستكرهك قتال، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها، فتصنع بعدوّك كصنعه بك، ثم أذك أحراسك على عسكرك، وتحفّظ من البيات «٣» جهدك. ولا تؤت بأسير له عهد إلا ضربت عنقه، لترهب بذلك عدوّ الله وعدوك. والله ولي أمرك ومن معك، ووليّ النصر لكم على عدوّكم، والله المستعان. عبد الملك يوصي أميره إلى أرض الروم : وأوصى عبد الملك بن مروان أميرا سيره إلى أرض الروم فقال: أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيّس «٤» الذي إن وجد ربحا تجر وإلا تحفّظ برأس المال.

стр. 122

ولا تطلب الغنيمة حتى تحرز السلامة. وكن من احتيالك على عدوّك أشدّ حذرا من احتيال عدوّك عليك. زياد يوصي قواده : وكان زياد يقول لقواده: تجنّبوا اثنين لا تقاتلوا فيهما العدو: الشتاء، وبطون الأودية. بين الوليد وعباد في زياد : وأغزى الوليد بن عبد الملك جيشا في الشتاء، فغنموا وسلموا. فقال لعبّاد: يا أبا حرب، أين رأي زياد من رأينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد أخطأت، وليس كل عورة تصاب. معاوية وقد أراد استعمال ابن خالد ثم الغامدي : العتبي قال: جاشت الرّوم وغزت المسلمين برا وبحرا، فاستعمل معاوية على الصائفة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فلما كتب له عهده قال: ما أنت صانع بعهدي؟ قال: أتخذه إماما لا أعصيه. قال: أردد عليّ عهدي. ثم بعث إلى سفيان ابن عوف الغامديّ فكتب له عهده، ثم قال له: ما أنت صانع بعهدي؟ قال: أتخذه إماما أمام الحزم، فإن خالفه خالفته. فقال معاوية: هذا الذي لا يكفكف من عجلة، ولا يدفع في ظهره من خور «١» ، ولا يضرب على الأمور ضرب الجمل الثفال «٢» . دريد وابن عوف النصري : وقال دريد بن الصمّة لمالك بن عوف النّصري، قائد هوازن، يوم حنين: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإنّ هذا يوم له ما بعده من الأيام، مالي أسمع رغاء البعير، ونهيق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس

стр. 123

أبناءهم ونساءهم وأموالهم. قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. فأنقض به» ، وقال: راعي ضأن الله! وهل يردّ المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك، فضحت في أهلك ومالك؛ ويحك! إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن «٢» إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى متمنّع بلادهم وعليا قومهم، ثم الق الصّبّاء «٣» على متون الخيل؛ فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك. قال: لا والله لا أفعل ذلك؛ إنك قد كبرت وذهل عقلك. قال دريد: هذا يوم أشهده ولم يفتني. ثم أنشأ يقول: يا ليتني فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع «٤» أقود وطفاء الزّمع ... كأنّها شاة صدع «٥» لقتيبة ينصح أصحابه : وكان قتيبة بن مسلم يقول لأصحابه: إذا غزوتم، فأطيلوا الأظفار، وقصّروا الشعور، والحظوا الناس شزرا «٦» ، وكلّموهم رمزا، واطعنوهم وخزا «٧» . لأبي مسلم ينصح قواده : وكان أبو مسلم يقول لقواده: أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها من أسباب الظفر، وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب.

стр. 124

وكان سعيد بن زيد يقول لبنيه: قصّروا الأعنّة، واشحذوا الأسنة، تأكلوا القريب، ويرهبكم البعيد. المنصور وعيسى ابن موسى : وقال عيسى بن موسى: لما وجهني المنصور إلى المدينة لمحاربة عبد الله بن الحسن، جعل يوصيني ويكثر، فقلت: يا أمير المؤمنين، إلى متى توصيني؟ إنّي أنا ذاك الحسام الهندي ... أكلت جفني وفريت غمدي «١» فكلّ ما تطلب عندي عندي المحاماة عن العشيرة ومنع المستجير لجعيل يصف لعبد الملك قومه : قال عبد الملك بن مروان لجعيل بن علقمة الثعلبي: ما مبلغ عزّكم؟ قال: لم يطمع فينا ولم يؤمن منّا. قال: فما مبلغ حفظكم؟ قال: يدفع الرجل منّا عمن استجار به غير قومه كدفاعه عن نفسه. قال عبد الملك: مثلك من يصف قومه. لابن مطاع : وقال عبد الملك بن مروان لابن مطاع العنزي: أخبرني عن مالك بن مسمع قال له: لو غضب مالك لغضب معه مائة ألف سيف لا يسألونه في أي شيء غضب. قال عبد الملك: هذا والله السّودد. قال: ولم يل قطّ مالك بن مسمع ولا أسماء بن خارجة شيئا للسلطان. للعرب في الدفاع عن الجار : وكانت العرب تمتدح بالذّبّ «٢» عن الجار، فيقولون: فلان منيع الجار حامي

стр. 125

الذمار «١» . نعم، حتى كان فيهم من يحمي الجراد إذا نزل في جواره، فسمّي مجير الجراد. وقال مروان بن أبي حفصة يمدح معن بن زائدة ويصف مفاخر بني شيبان ومنعهم لمن استجار بهم: هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا هم يمنعون الجار حتّى كأنّما ... لجارهم بين السّماكين منزل «٢» وقال آخر: هم يمنعون الجار حتّى كأنّه ... كثيبة زور بين خافيتي نسر «٣» معاوية وهانيء في مال اختانه ابن شهاب : وذكر أن معاوية ولّى كثير بن شهاب المذحجيّ خراسان، فاختان مالا كثيرا. ثم هرب فاستتر عند هانيء بن عروة المرادي. فبلغ ذلك معاوية فهدر دم هانيء. فخرج هانيء إلى معاوية، فكان في جواره. ثم حضر مجلسه وهو لا يعرفه. فلما نهض الناس ثبت مكانه، فسأله معاوية عن أمره، فقال: أنا هانيء بن عروة، فقال: إنّ هذا اليوم ليس باليوم الذي يقول فيه أبوك: أرجّل جمّتي وأجرّ ذيلي ... وتحمل شكّتي أفق كميت «٤» وأمشي في سراة بني غطيف ... إذا ما ساءني أمر أبيت «٥» قال: أنا والله يا أمير المؤمنين اليوم أعزّ مني ذلك اليوم. قال: بم ذلك؟ قال: بالإسلام. قال: أين كثير بن شهاب؟ قال: عندي وعندك يا أمير المؤمنين. قال: انظر إلى ما اختانه فخذ منه بعضا وسوّغه بعضا، وقد أمّنّاه ووهبناه لك.

стр. 126

مقتل محمد ابن أبي بكر : الشيباني قال: لما نزل محمد بن أبي بكر مصر وصيّر إليه معاوية معاوية بن حديج الكندي. تفرّق عن محمد من كان معه، فتغيّب فدلّ عليه، فأخذه فضرب عنقه وبعث برأسه إلى معاوية. فكان أول رأس طيف به في الإسلام. وكان محمد بن جعفر بن أبي طالب معه، فاستجار بأخواله من خثعم فغيّبوه؛ وكان سيّد خثعم يومئذ رجلا في ظهره بزخ «١» من كسر أصابه، فكان إذا مشى ظنّ الجاهل أنه يتبختر في مشيته، فذكر لمعاوية أنه عنده، فقال له: أسلم إلينا هذا الرجل. فقال: ابن أختنا لجأ إلينا لنحقن دمه، فدعه عنك يا أمير المؤمنين. قال: والله لا أدعه حتى تأتيني به. قال: لا والله لا آتيك به. قال: كذبت، والله لتأتينّي به، إنك ما علمت لأوره «٢» . قال: أجل، إني لأوره حين أقاتلك على ابن عمك لتحقن دمه، وأقدّم ابن عمي دونه تسفك دمه. فسكت عنه معاوية وخلّى بينه وبينه. المهدي ومعن في رجل أهدر دمه : الشيباني قال: قال سعيد بن سلم: أهدر المهدي دم رجل من أهل الكوفة فأقام الرجل حينا متواريا، ثم إنه ظهر بمدينة السلام، فكان ظاهرا كغائب، خائفا مترقبا. فبينا هو يمشي في بعض نواحيها إذ بصر به رجل من أهل الكوفة فعرفه فأهوى إلى مجامع ثوبه وقال هذا بغية أمير المؤمنين. فأمكن الرجل من قياده ونظر إلى الموت أمامه. فبينا هو على تلك الحالة إذ سمع وقع الحوافر من وراء ظهره، فالتفت فإذا معن بن زائدة، فقال: يا أبا الوليد، أجرني أجارك الله. فوقف وقال للرجل الذي تعلق به: ما شأنك؟ قال: بغية أمير المؤمنين الذي أهدر دمه وأعطى لمن دلّ عليه مائة ألف. فقال: يا غلام، انزل عن دابتك واحمل أخانا. فصاح الرجل: يا معشر الناس، يحال بيني وبين من طلبه أمير المؤمنين. قال له معن: اذهب فأخبره أنه عندي. فانطلق إلى باب أمير المؤمنين فأخبر الحاجب، فدخل إلى المهدي فأخبره، فأمر بحبس

стр. 127

الرجل ووجّه إلى معن من يحضر به، فأتته رسل أمير المؤمنين وقد لبس ثيابه وقرّبت إليه دابته، فدعا أهل بيته ومواليه فقال: لا يخلصنّ «١» إلى هذا الرجل وفيكم عين تطرف. ثم ركب ودخل حتى سلم على المهدي، فلم يردّ عليه، فقال: يا معن، أتجير عليّ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ونعم أيضا! واشتدّ غضبه. فقال معن: يا أمير المؤمنين، قتلت في طاعتكم باليمن في يوم واحد خمسة عشر ألفا، ولي أيام كثيرة قد تقدّم فيها بلائي وحسن غنائي، فما رأيتموني أهلا أن تهبوا لي رجلا واحدا استجار بي؟ فأطرق المهدي طويلا ثم رفع رأسه وقد سرّي عنه «٢» ، فقال: قد أجرنا من أجرت. قال معن: فإن رأى أمير المؤمنين أن يصله- فيكون قد أحياه وأغناه- فعل. قال: قد أمرنا له بخمسة آلاف. قال: يا أمير المؤمنين، إنّ صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية وإن ذنب الرجل عظيم؛ فأجزل له الصلة. قال: قد أمرنا له بمائة ألف. قال: فتعجّلها يا أمير المؤمنين بأفضل الدعاء. ثم انصرف ولحقه المال؛ فدعا الرجل فقال له: خذ صلتك والحق بأهلك، وإياك ومخالفة خلفاء الله تعالى. الجبن والفرار لعمرو بن معديكرب في الفزعات : قال عمرو بن معديكرب: الفزعات ثلاث: فمن كانت فزعته في رجليه فذلك الذي لا تقلّه رجلاه، ومن كانت فزعته في رأسه فذلك الذي يفرّ عن أبويه، ومن كانت فزعته في قلبه فذلك الذي يقاتل. وقال الأحنف: أسرع الناس إلى الفتنة، أقلهم حياء من الفرار. وقالت عائشة أم المؤمنين: إنّ لله خلقا قلوبهم كقلوب الطير، كلما خفقت الريح خفقت معها؛ فأفّ للجبناء! وقال الشاعر:

стр. 128

يفرّ جبان القوم عن أمّ نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه ويرزق معروف الجواد عدوّه ... ويحرم معروف البخيل أقاربه «١» وقال خالد بن الوليد عند موته: لقد لقيت كذا وكذا زحفا، وما في جسمي موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية؛ ثم هأنذا أموت حتف نفسي كما يموت العير «٢» ؛ فلا نامت أعين الجبناء. للفرار السلمي في الفرار : ومن أشعار الفرّارين الذين حسّنوا فيها الفرار على قبحه حتى حسن، قول الفرّار السلمي «٣» : وكتيبة لبّستها بكتيبة ... حتى إذا التبست أملت بها يدي «٤» وتركتهم تقص الرماح ظهورهم ... من بين مقتول وآخر مسند «٥» هل ينفعنّي أن تقول نساؤهم ... وقتلت دون رجالها: لا تبعد للحارث بن هشام في الفرار : وقال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: ما اعتذر أحد من الفرّارين بأحسن مما اعتذر به الحارث بن هشام حيث يقول: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا مهري بأشقر مزبد وعلمت أنّي إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوّي مشهدي فصدفت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مرصد «٦» وهذا الذي سمعه صاحب رتبيل فقال: يا معشر العرب، حسّنتم كلّ شيء فحسن حتى الفرار.

стр. 129

وبعد هذا يأتي قول حسان في ذلك. وأسلم الحارث يوم فتح مكة وحسن إسلامه، وخرج في زمن عمر إلى الشام من مكة بأهله وماله، فاتبعه أهل مكة يبكون، فرقّ وبكى وقال: أما لو كنا نستبدل دارا بدارنا، أو جارا بجارنا، ما رأينا بكم بدلا؛ ولكنها النّقلة إلى الله فلم يزل هناك مجاهدا حتى مات. وقال آخر: قامت تشجّعني هند وقد علمت ... أنّ الشّجاعة مقرون بها العطب لا والذي منع الأبصار رؤيته ... ما يشتهي الموت عندي من له أدب للحرب قوم أضلّ الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا ولست منهم ولا أهوى فعالهم ... لا القتل يعجبني منها ولا السّلب وقال محمود الوراق: أيها الفارس المشيخ المغير ... إنّ قلبي من السلاح يطير «١» ليس لي قوّة على رهج الخي ... ل إذا ثوّر الغبار مثير «٢» واستدارت رحى الحروب بقوم ... فقتيل وهارب وأسير «٣» حيث لا ينطق الجبان من الذّعر ... ويعلو الصّياح والتّكبير أنا في مثل ذا وهذا بليد ... ولبيب في غيره نحرير «٤» وقال أيمن بن خريم: إنّ للفتنة ميطا بيّنا ... فرويد الميط منها يعتدل «٥» فإذا كان عطاء فأتهم ... وإذا كان قتال فاعتزل إنما يوقدها جهّالها ... حطب النّار فدعها تشتعل

стр. 130

لصاحب كليلة ودمنة : ومما يحتج به الفارّون: ما قاله صاحب كليلة ودمنة: إن الحازم يكره القتال ما وجد بدّا منه؛ لأن النفقة «١» فيه من النفس، والنفقة في غيره من المال. أخذ هذا المعنى حبيب فنظمه في شعره حيث يقول: كم بين قوم إنّما نفقاتهم ... مال وقوم ينفقون نفوسا ومن الفرّارين عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث؛ فرّ من الأزارقة وكان في عشرة آلاف، وكان قد بعث إليه المهلّب: يا بن أخي، خندق على نفسك وعلى أصحابك، فإني عالم بأمر الخوارج، ولا تغترّ. فبعث إليه: أنا أعلم بهم منك، وهم أهون عليّ من ضرطة الجمل فبيّته قطريّ صاحب الأزارقة فقتل من أصحابه خمسمائة، وفرّ لا يلوي على أحد. فقال فيه الشاعر: تركت ولداننا تدمى نحورهم ... وجئت منهزما يا ضرطة الجمل ومن الفرارين أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد؛ فرّ يوم مرداء هجر من أبي فديك، فسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فجلس يوما بالبصرة فقال: سرت على فرسي «المهرجان» من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام. فقال له بعض جلسائه: أصلح الله الأمير، فلو ركبت «النّيروز» لسرت إليها في يوم واحد. فلما دخل عليه أهل البصرة لم يروا كيف يكلّمونه، ولا ما يلقونه من القول، أيهنّئونه أم يعزّونه؛ حتى دخل عليه عبد الله بن الأهتم فاستشرف «٢» الناس له، وقالوا: ما عسى أن يقال للمنهزم؟ فسلم ثم قال: مرحبا بالصابر المخذول، الذي خذله قومه. الحمد لله الذي نظر لنا عليك ولم ينظر لك علينا فقد تعرّضت للشهادة جهدك، ولكن علم الله حاجة أهل الإسلام إليك، فأبقاك لهم بخذلان من معك لك. فقال أمية بن عبد الله: ما وجدت أحدا أخبرني عن نفسي غيرك. وفيه يقول الشاعر:

стр. 131

إذا صوّت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد النّاب عند الثّرائد «١» الحجاج وخيل لأمية : أتى الحجاج بدواب من دواب أمية قد وسم على أفخاذها: «عدّة» فأمر الحجاج أن يكتب تحت ذلك: «للفرار» . وقال أبو دلامة: كنت مع مروان» أيام الضحاك الحروري، فخرج فارس منهم فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فقتله، ثم ثان، ثم ثالث. فانقبض الناس عنه، وجعل يدنو ويهدر كالفحل المغتلم «٣» ، فقال مروان: من يخرج إليه وله عشرة آلاف؟ قال: فلما سمعت عشرة آلاف هانت عليّ الدنيا وسخوت بنفسي في سبيل عشرة آلاف وبرزت إليه. فإذا عليه فرو قد بلّه المطر فارمعلّ «٤» ، ثم أصابته الشمس فاقفعلّ «٥» ، وله عينان تتقدان كأنّهما جمرتان؛ فلما رآني فهم الذي أخرجني، فأقبل نحوي وهو يرتجز ويقول: وخارج أخرجه حبّ الطّمع ... فرّ من الموت وفي الموت وقع من كان ينوي أهله فلا رجع فلما رأيته قنّعت رأسي ووليت هاربا ومروان يقول: من هذا الفاضح؟ لا يفوتكم! فدخلت في غمار الناس. لأعرابي في الغزو : وقيل لأعرابي: ألا تغزو العدوّ؟ قال: وكيف يكونون لي عدوّا وما أعرفهم ولا يعرفونني؟

стр. 132

وقيل للآخر: ألا تغزو العدوّ؟ قال: والله إني لأبغض الموت على فراشي، فكيف أخبّ «١» إليه ركضا! لحسان يعير الحارث بن هشام : ومما قيل في الفرّارين الجبناء من الشعر قول حسان بن ثابت يعيّر الحارث بن هشام بفراره يوم بدر، وقد تقدم ذكر ذلك: إن كنت كاذبة الذي حدّثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبّة لم يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرّة ولجام «٢» ملأت به الفرجين فامتدّت به ... وثوى أحبّته بشرّ مقام وقال بعض العراقيين في رجل أكول جبان: إذا صوّت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثّرائد وقال فيه: ضعيف القلب رعديد ... عظيم الخلق والمنظر «٣» رأى في النوم عصفورا ... فوارى نفسه أشهر وقال آخر: لو جرت خيل نكوصا ... لجرت خيل ذفافه «٤» هي لا خيل رجاء ... لا ولا خيل مخافه وقال آخر: خرجنا نريد مغارا لنا ... وفينا زياد أبو صعصعه فستّة رهط به خمسة ... وخمسة رهط به أربعه

стр. 133

ولم يقل أحد في وصف الجبن والفرار مثل قول الطرمّاح في بني تميم: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت ولو أنّ برغوثا على ظهر قملة ... رأته تميم يوم زحف لولّت ولو جمعت يوما تميم جموعها ... على ذرّة معقولة لا شملّت «١» وليس يعاب الشجاع والبهمة البطل بالفرّة الواحدة تكون منه خاصة لا عامة؛ كما قال زفر بن الحارث وفرّ يوم مرج راهط عن أبيه وأخيه فقال: أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيّامي وحسن بلائيا «٢» ولم تر مني زلّة قبل هذه ... فراري وتركي صاحبيّ ورائيا وفرّ عمرو بن معديكرب من عباس بن مرداس وأسر أخته ريحانة: وفيها يقول عمرو: أمن ريحانة الدّاعي السّميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع وفرّ عن بني عبس وفيهم زهير بن جذيمة العبسي وولده شأس بن زهير وقيس بن زهير! فقال فيهم: أجاعلة أمّ الثوير خزاية ... عليّ فراري إذ لقيت بني عبس «٣» لقيت أبا شأس وشأسا ومالكا ... وقيسا فجاشت من لقائهم نفسي «٤» لقونا فضمّوا جانبينا بصادق ... من الطعن مثل النار في الحطب اليبس ولما دخلنا تحت فيء رماحهم ... خبطت بكفّي أطلب الأرض بالّلمس «٥» وليس يعاب المرء من جبن يومه ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس وقال أيضا:

стр. 134

ولقد أجمع رجليّ بها ... حذر الموت وإنّي لفرور ولقد أعطفها كارهة ... حين للنفس من الموت هرير «١» كلّ ما ذلك منّي خلق ... وبكلّ أنا في الرّوع جدير وابن صبح سادرا يودعني ... ماله في الناس ما عثت مجير «٢» وقال الحارث لامرأته، وذلك أنها نظرت إليه وهو يحدّ حربة يوم فتح مكة فقالت له: ما تصنع بهذه؟ قال: أعددتها لمحمد وأصحابه. فقالت: ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم! ثم أنشأ يقول: إن يقبلوا اليوم فما بي علّه ... هذا سلاح كامل وألّه «٣» وذو غرارين سريع السّله فلما لقيهم خالد يوم الخندمة «٤» انهزم الرجل، فلامته امرأته، فقال: إنك لو شاهدت يوم الخندمه ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه وأبو يزيد قائم كالموتمه ... ولحقتنا بالسيوف المسلمه «٥» يفلقن كلّ ساعد وجمجمه ... ضربا فلا تسمع إلّا غمغمه «٦» لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه «٧» بين ابن زياد وابن زرعة : وكان أسلم بن زرعة وجّهه عبيد الله بن زياد لحرب أبي بلال الخارجي في ألفين، وأبو بلال في أربعين رجلا: فشدّوا عليه شدّة رجل واحد فانهزم هو وأصحابه، فلما

стр. 135

دخل على ابن زياد عنّفه في ذلك وقال: ويلك! أتمضي في ألفين وتنهزم عن أربعين؟ فخرج عنه وهو يقول: لأن يذمّني ابن زياد حيّا خير من أن يمدحني وأنا ميت- وفي رواية أخرى: أن يشتمني الأمير وأنا حيّ أحبّ إليّ من أن يدعو لي وأنا ميت. فقال شاعر الخوارج. أألفا مؤمن فيما زعمتم ... ويهزمهم بآسك أربعونا كذبتم، ليس ذلكم كذاكم ... ولكنّ الخوارج مؤمنونا هم الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا ومثل ذلك قول عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي، وكان فرّ يوم الحرّة من جيش مسلم بن عقبة، فلما كان أيام حصار الحجاج بمكة لعبد الله بن الزّبير جعل يقاتل أهل الشام ويقول: أنا الذي فررت يوم الحرّه ... والشيخ لا يفر إلا مرّه فاليوم أجزي فرّة بكرّه ... لا بأس بالكرّة بعد الفرّه فلم يزل يقاتل حتى قتل. وأحسن ما قيل في الفرار كله ما قاله قيس بن الحطيم: إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب أجالدهم يوم الحديقة حاسرا ... كأنّ يدي بالسيف مخراق لاعب «١» وفرّ عتيبة بن الحارث بن هشام يوم ثبرة عن ابنه حزرة وقال: يا حسرتي لقد لقيت حسره ... يا لتميم غشيتني عبره نعم الفتى غادرته بثبره ... نجّيت نفسي وتركت حزره هل يترك الحرّ الكريم بكره «٢»

стр. 136

وفرّ أبو خراش الهذلي من فائد وأصحابه، ورصدوه بعرفات فقال: وفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم وقلت وقد جاوزت أصحاب فائد ... أأعجزت أولى الخيل أم أنا أحلم فلولا ادّراك الشرّ قامت حليلتي ... تخيّر من خطّابها وهي أيّم «١» ولولا ادّراك الشرّ أتلفت مهجتي ... وكان خراش يوم ذلك ييتم وفرّ خبيب بن عوف يوم مرداء هجر من أبي فديك، فقال: بذلت لهم يا قوم حولي وقوّتي ... ونصحي وما ضمّت يداي من التبر فلما تناهى الأمر بي من عدوكم ... إلى مهجتي ولّيت أعداءكم ظهري وطرت ولم أحفل ملامة عاجز ... يقيم لأطراف الرّدينية السّمر فلو كان لي روحان عرّضت واحدا ... لكلّ ردينيّ وأبيض ذي أثر «٢» رجع بنا القول إلى الفرّارين والجبناء وما قيل فيهم. للفرزدق في خالد ابن أسيد : فرّ خالد بن عبد الله بن أسيد عن مصعب بن الزبير يوم الجفرة بالبصرة، فقال فيه الفرزدق: وكلّ بني السّوداء قد فرّ فرّة ... فلم يبق إلّا فرّة في است خالد فضحتم أمير المؤمنين وأنتم ... تمرّون سودانا غلاظ السّواعد وقيل لرجل جبان في بعض الوقائع: تقدّم. فأنشأ يقول: وقالوا تقدّم، قلت لست بفاعل ... أخاف على فخّارتي أن تحطّما فلو كان لي رأسان أتلفت واحدا ... ولكنّه رأس إذا راح أعقما فلو كان مبتاعا لدى السوق مثله ... فعلت ولم أحفل بأن أتقدّما فأوتم أولادا وأرمل نسوة ... فكيف على هذا ترون التقدّما

стр. 137

بين هند وابن زنباع : وقالت هند بنت النعمان بن بشير لزوجها روح بن زنباع: كيف سودك قومك وأنت جبان غيور؟ قال: أما الجبن، فإن لي نفسا واحدة فأنا أحوطها، وأما الغيرة فما أحق بها من كانت له امرأة حمقاء مثلك، مخافة أن تأتيه بولد من غيره فترمي به في حجره. وقال كعب بن زهير: بخلا علينا وجبنا من عدؤكم ... لبئست الخلّتان البخل والجبن فضائل الخيل قال النبي ﷺ في صفة الخيل: «أعرافها أدفاؤها «١» ، وأذنابها مذابّها «٢» والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» . وقال النبي ﷺ : «عليكم بإناث الخيل فإنّ بطونها كنز؛ وظهورها حرز، وأصحابها معانون عليها» . وسأل رجل النبي ﷺ فقال: إني أريد أن أشتري فرسا أعدّه في سبيل الله. فقال له: اشتره أدهم أو كميتا أقرح أرثم، أو محجلا مطلق اليمين «٣» ، فإنها ميامين الخيل. وقيل لبعض الحكماء: أي الأموال أشرف؟ قال: فرس تتبعها فرس في بطنها فرس.

стр. 138

صفة جياد الخيل للنبي ﷺ : كان رسول الله ﷺ يستحب من الخيل الشقر. وقال: «لو جمعت خيل العرب في صعيد واحد ما سبقها إلا أشقر» . وسأله رجل: أيّ المال خير؟ قال: سكة مأبورة، ومهرة مأمورة «١» . وكان ﵊ يكره الشّكال «٢» في الخيل. لبعضهم : وقالوا: إنما سميت خيلا لاختيالها. ووصف أعرابيّ فرسا فقال: إذا تركته نعس، وإذا حرّكته طار. وأرسل مسلم بن عمرو لابن عم له بالشام يشتري له خيلا، فقال له: لا علم لي بالخيل. فقال: ألست صاحب قنص؟ قال: بلى. قال: فانظر، كل شيء تستحسنه في الكلب فاطلبه في الفرس. فأتي بخيل لم يكن في العرب مثلها. وقال بعض الضّبّيّن في وصف فرس: متقاذف عبل الشّوى شنج النّسا ... سبّاق أندية الجياد عميثل «٣» وإذا تعلّل بالسّياط جيادها ... أعطاك نائله ولم يتعلّل بين المهدي وابن دراج في أفضل الخيل : سأل المهدي مطر بن درّاج عن أي الخيل أفضل؟ قال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استدبرته قلت زاخر «٤» ، وإذا استعرضته قلت زافر «٥» . قال: فأيّ هذه

стр. 139

أفضل؟ قال: الذي طرفه إمامه، وسوطه عنانه. وقال آخر: الذي إذا مشى ردى «١» ، وإذا عدا دحا «٢» ، وإذا استقبل أقعى، وإذا استدبر جبّى «٣» ، وإذا استعرض استوى. بين معاوية وصعصعة : وسأل معاوية بن أبي سفيان صعصعة بن صوحان: أي الخليل أفضل؟ قال: الطويل الثلاث، القصير الثلاث، العريض الثلاث، الصافي الثلاث. قال: فسّر لنا. قال: أما الطويل الثلاث، فالأذن والعنق والحزام؛ وأما القصير الثلاث، فالصّلب والعسيب والقضيب؛ وأما العريض الثلاث، فالجبهة والمنخر والورك؛ وأما الصافي الثلاث، فالأديم والعين والحافر. بين عمر بن الخطاب وعمرو بن معديكرب في عراب الخيل : وقال عمر بن الخطاب لعمرو بن معديكرب: كيف معرفتك بعراب الخيل؟ قال: معرفة الإنسان بنفسه وأهله وولده. فأمر بأفراس فعرضت عليه، فقال: قدّموا إليها الماء في التّراس «٤» ، فما شرب ولم يكتف «٥» فهو من العراب، وما ثنى سنبكه «٦» فليس منها. قلت: إنما المحفوظ أن عمر شك في العتاق والهجن، فدعا سلمان بن ربيعة الباهلي فأخبره، فدعا سلمان بطست من ماء فوضع بالأرض، ثم قدّم إليه الخيل فرسا فرسا، فما ثنى سنبكه وشرب هجنه، وما شرب ولم يثن عرّبه.

стр. 140

وقال حسان بن ثابت يصف طول عنق الفرس: بكلّ كميت جوزه نصف خلقه ... أقبّ طوال مشرف في الحوارك «١» وقال زهير: وملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلا أنامله «٢» وقال آخر: له ساقا ظليم خا ... ضب فوجيء بالرّعب «٣» حديد الطّرف والمنك ... ب والعرقوب والقلب وقال آخر «٤» : هريت قصير عذار الّلجام ... أسيل طويل عذار الرسن «٥» لم يرد بقوله «قصير عذار اللجام» قصر خدّه، وإنما أراد طويل شق الفم؛ وأراد بطول عذار الرسن، طول الخدّ. وقال آخر: بكلّ هريت نقيّ الأديم ... طويل الحزام قصير الّلبب «٦» لأبي عبيدة في عتاقه الفرس : وقال أبو عبيدة: يستدلّ على عتاقة الفرس جحافله وأرنبته، وسعة منخريه، وعرى نواهقه «٧» ، ودقّة حقويه وما ظهر من أعالي أذنيه، ورقة سالفتيه وأديمه، ولين

стр. 141

شعره. وأبين من ذلك كله لين شكير «١» ناصيته وعرفه. وكانوا يقولون: إذا اشتد نفسه، ورحب متنفّسه، وطال عنقه، واشتد حقوه، وانهرت شدقه، وعظمت فخذاه، وانشبخت «٢» أنساؤه، وعظمت فصوصه، وصلبت حوافره ووقحت: ألحق بجياد الخيل. قيل لرجل من بني أسد: أتعرف الفرس الكريم من المقرف «٣» ؟ قال نعم: أما الكريم فالجواد الجيد، الذي نهز نهز العير «٤» ، وأنّف تأنيف السّير، الذي إذا عدا اسلهب «٥» ، وإذا قيّد اجلعبّ «٦» ، وإذا انتصب اتلأبّ «٧» . وأما المقرف فإنه الذّلول الحجبة، الضخم الأرنبة، الغليظ الرقبة، الكثير الجلبة، الذي إذا أرسلته قال أمسكني، وإذا أمسكته قال أرسلني. وكان محمد بن السائب الكلبي يحدث أنّ الصّافنات «٨» الجياد المعروضة على سليمان ابن داود ﵉ كانت ألف فرس ورثها عن أبيه، فلما عرضت عليه ألهته عن صلاة العصر حتى توارث الشمس بالحجاب، فعرقبها إلا أفراسا لم تعرض عليه، فوفد أقوام من الأزد، وكانوا أصهاره، فلما فرغوا من حوائجهم، قالوا: يا نبيّ الله، إنّ أرضنا شاسعة فزوّدنا زادا يبلّغنا. فأعطاهم فرسا من تلك الخيل، وقال: إذا نزلتم منزلا فاحملوا عليه غلاما واحتطبوا؛ فإنكم لا تورون ناركم حتى يأتيكم بطعامكم. فساروا بالفرس، فكانوا لا ينزلون منزلا إلا ركبه أحدهم للقنص فلا يفلته شيء وقعت عينه من ظبي أو بقر أو حمار، إلى أن قدموا إلى بلادهم فقالوا: «ما فرسنا إلا زاد الراكب، فسموه زاد الراكب، فأصل فحول العرب من نتاجه.

стр. 142

ويقال إن «أعوج» كان منها، وكان فحلا لهلال بن عامر أنتجته أمه ببعض بيوت الحيّ، فنظروا إلى طرف يضع جحفلته على كاذتها- على الفخذ مما يلي الحياء- فقالوا: أدركوا ذلك الفرس لا ينزو على فرسكم، لعظم، «أعوج» وطول قوائمه فقاموا إليه فوجدوا المهر، فسموه أعوج. وأخبرنا فرج بن سلام عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: أغير على أهل النسار «١» وأعوج موثق بثمامة، «٢» فجال صاحبه في متنه ثم زجره فاقتلع الثمامة، فخرجت تحف في متنه كالخدروف «٣» وراءه، فعدا بياض يومه وأمسى يتعشى من جميم قباء «٤» . وقال الشاعر في وصف فرس: وأحمر كالدّيباج أمّا سماؤه ... فريّا، وأمّا أرضه فمحول قوله: سماؤه: أعلاه. وأرضه: أسفله، يريد قوائمه. وللطائي نظير هذا حيث يقول: مبتلّ متن وصهوتين إلى ... حوافر صلبة له ملس فهو لدى الرّوع والجلائب ذو ... أعلى مندّى وأسفل يبس أو أدهم فيه كمتة أمم ... كأنّه قطعة من الغلس «٥» صهصلق في الصّهيل، تحسبه ... أشرج حلقومه على جرس وقال حبيب أيضا يصف فرسا أهداه إليه الحسن بن وهب الكاتب. ما مقرب يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق «٦» بجوافز حفر وصلب صلّب ... وأشاعر شعر وحلق أحلق «٧»

стр. 143

وبشعلة تبدو كأنّ حلولها ... في صهوتيه بدوّ شيب المفرق ذو أولق تحت العجاج وإنّما ... من صحّة إفراط ذاك الأولق «١» تغرى العيون به ويفلق شاعر ... في نعته عفوا وليس بمفلق بمصعّد من نعته ومصوّب ... ومجمّع من حسنه ومفرّق قد سالت الأوضاح سيل قرارة ... فيه فمفترق عليه وملتقي «٢» صافي الأديم كأنّما ألبسته ... من سندس ثوبا ومن إستبرق مسودّ شطر مثل ما اسودّ الدّجى ... مبيضّ شطر كالبيضاض المهرق «٣» فكأن فارسه يصرّف إذ بدا ... في متنه ابنا للصّباح الأبلق إمليسة إمليدة لو علّقت ... في صهوتيه العين لم تتعلّق «٤» يرقى وما هو بالسّليم ويغتدي ... دون السلاح سلاح أروع مملق «٥» لبعض الشعراء في أبي دلف : وقال أبو سويد: شهد أبو دلف وقعة البذّ «٦» وتحته فرس أدهم وعليه نضح الدم، فاستوقفه رجل من الشعراء وأنشد: كم ذا تجرّعه المنون ويسلم ... لو يستطيع شكا إليك الأدهم في كلّ منبت شعرة من جلده ... نمق ينمّقه الحسام المخذم «٧» وكأنّما عقد النّجوم بطرفه ... وكأنه بعرى المجرّة ملجم «٨» وكأنّه بين البوارق لقوة ... شقراء كاسرة طوت ما تطعم «٩» ما تدرك الأرواح أدنى سيره ... لا بل يفوت الرّيح فهو مقدّم

стр. 144

رجعته أطراف الأسنة أشقرا ... واللون أدهم حين ضرّجه الدّم قال: فأمر له بعشرة آلاف. لابن عبد ربه في وصف الفرس : ومن قولنا في وصف الفرس: ومقربة يشقرّ في النّقع كمتها ... ويخضرّ حينا كلما بلّها الرّشّح «١» تطير بلا ريش إلى كلّ صيحة ... وتسبح في البرّ الذي ما به سبح وقال عديّ بن الرّقاع: يخرجن من فرجات النّقع دامية ... كأنّ آذانها أطراف أقلام وطلب البحتري الشاعر من سعيد بن حميد بن عبد الحميد الكاتب فرسا ووصف له أنواعا من الخيل في شعره فقال: لأكلّفنّ العيس أبعد همّة ... يجري إليها خائف أو مرتجي وإلى سراة بني حميد إنهم ... أمسوا كواكب أشرقت في مذحج والبيت لولا أنّ فيه فضيلة ... تعلو البيوت بفضلها لم يحجج فأعن على غزو العدوّ بمنطو ... أحشاؤه طيّ الرّداء المدرج إمّا بأشقر ساطع أغشى الوغى ... منه بمثل الكوكب المتأجّج متسربل شية طلت أعطافه ... بدم فما تلقاه غير مضرّج «٢» أو أدهم صافي الأديم كأنّه ... تحت الكميّ مظهّر بيرندج «٣» ضرم يهيج السّوط من شؤبوبه ... هيج الجنائب من حريق العرفج «٤» خفّت مواقع وطئه فلو انه ... يجري برملة عالج لم يرهج «٥»

стр. 145

أو أشهب يقق يضيء وراءه ... متن كمتن اللّجة المترجرج «١» تخفى الحجول ولو بلغن لبانه ... في أبيض متألق كالدّملج «٢» أوفى بعرف أسود متفرّد ... فيما يليه وحافر فيروزجي أو أبلق ملأ العيون إذا بدا ... من كلّ لون معجب بنموذج جذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عنقا بأحسن حلّة لم تنسج «٣» وعريض أعلى المتن لو علّيته ... بالزئبق المنهال لم يتدحرج خاضت قوائمه الوثيق بناؤها ... أمواج تحنيت بهنّ مدرّج «٤» ولأنت أبعد في السّماحة همة ... من أن تضنّ بملجم أو مسرج لامريء القيس : وأول من شبّه الخيل بالظباء والسّرحان والنعامة، وتبعه الشعراء وحذوا حذوه وعلى مثاله- امرؤ القيس بن حجر: له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل «٥» كأنّ على المتنين منه إذا انتحى ... مداك عروس أو صلاية حنظل «٦» مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل درير كخذروف الوليد أمرّه ... تتابع كفّيه بخيط موصّل «٧» كميت يزلّ اللبد عن حال متنه ... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل «٨»
следующие страницы →