← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

شعره. وأبين من ذلك كله لين شكير «١» ناصيته وعرفه. وكانوا يقولون: إذا اشتد نفسه، ورحب متنفّسه، وطال عنقه، واشتد حقوه، وانهرت شدقه، وعظمت فخذاه، وانشبخت «٢» أنساؤه، وعظمت فصوصه، وصلبت حوافره ووقحت: ألحق بجياد الخيل. قيل لرجل من بني أسد: أتعرف الفرس الكريم من المقرف «٣» ؟ قال نعم: أما الكريم فالجواد الجيد، الذي نهز نهز العير «٤» ، وأنّف تأنيف السّير، الذي إذا عدا اسلهب «٥» ، وإذا قيّد اجلعبّ «٦» ، وإذا انتصب اتلأبّ «٧» . وأما المقرف فإنه الذّلول الحجبة، الضخم الأرنبة، الغليظ الرقبة، الكثير الجلبة، الذي إذا أرسلته قال أمسكني، وإذا أمسكته قال أرسلني. وكان محمد بن السائب الكلبي يحدث أنّ الصّافنات «٨» الجياد المعروضة على سليمان ابن داود ﵉ كانت ألف فرس ورثها عن أبيه، فلما عرضت عليه ألهته عن صلاة العصر حتى توارث الشمس بالحجاب، فعرقبها إلا أفراسا لم تعرض عليه، فوفد أقوام من الأزد، وكانوا أصهاره، فلما فرغوا من حوائجهم، قالوا: يا نبيّ الله، إنّ أرضنا شاسعة فزوّدنا زادا يبلّغنا. فأعطاهم فرسا من تلك الخيل، وقال: إذا نزلتم منزلا فاحملوا عليه غلاما واحتطبوا؛ فإنكم لا تورون ناركم حتى يأتيكم بطعامكم. فساروا بالفرس، فكانوا لا ينزلون منزلا إلا ركبه أحدهم للقنص فلا يفلته شيء وقعت عينه من ظبي أو بقر أو حمار، إلى أن قدموا إلى بلادهم فقالوا: «ما فرسنا إلا زاد الراكب، فسموه زاد الراكب، فأصل فحول العرب من نتاجه.

стр. 142

ويقال إن «أعوج» كان منها، وكان فحلا لهلال بن عامر أنتجته أمه ببعض بيوت الحيّ، فنظروا إلى طرف يضع جحفلته على كاذتها- على الفخذ مما يلي الحياء- فقالوا: أدركوا ذلك الفرس لا ينزو على فرسكم، لعظم، «أعوج» وطول قوائمه فقاموا إليه فوجدوا المهر، فسموه أعوج. وأخبرنا فرج بن سلام عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: أغير على أهل النسار «١» وأعوج موثق بثمامة، «٢» فجال صاحبه في متنه ثم زجره فاقتلع الثمامة، فخرجت تحف في متنه كالخدروف «٣» وراءه، فعدا بياض يومه وأمسى يتعشى من جميم قباء «٤» . وقال الشاعر في وصف فرس: وأحمر كالدّيباج أمّا سماؤه ... فريّا، وأمّا أرضه فمحول قوله: سماؤه: أعلاه. وأرضه: أسفله، يريد قوائمه. وللطائي نظير هذا حيث يقول: مبتلّ متن وصهوتين إلى ... حوافر صلبة له ملس فهو لدى الرّوع والجلائب ذو ... أعلى مندّى وأسفل يبس أو أدهم فيه كمتة أمم ... كأنّه قطعة من الغلس «٥» صهصلق في الصّهيل، تحسبه ... أشرج حلقومه على جرس وقال حبيب أيضا يصف فرسا أهداه إليه الحسن بن وهب الكاتب. ما مقرب يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق «٦» بجوافز حفر وصلب صلّب ... وأشاعر شعر وحلق أحلق «٧»

стр. 143

وبشعلة تبدو كأنّ حلولها ... في صهوتيه بدوّ شيب المفرق ذو أولق تحت العجاج وإنّما ... من صحّة إفراط ذاك الأولق «١» تغرى العيون به ويفلق شاعر ... في نعته عفوا وليس بمفلق بمصعّد من نعته ومصوّب ... ومجمّع من حسنه ومفرّق قد سالت الأوضاح سيل قرارة ... فيه فمفترق عليه وملتقي «٢» صافي الأديم كأنّما ألبسته ... من سندس ثوبا ومن إستبرق مسودّ شطر مثل ما اسودّ الدّجى ... مبيضّ شطر كالبيضاض المهرق «٣» فكأن فارسه يصرّف إذ بدا ... في متنه ابنا للصّباح الأبلق إمليسة إمليدة لو علّقت ... في صهوتيه العين لم تتعلّق «٤» يرقى وما هو بالسّليم ويغتدي ... دون السلاح سلاح أروع مملق «٥» لبعض الشعراء في أبي دلف : وقال أبو سويد: شهد أبو دلف وقعة البذّ «٦» وتحته فرس أدهم وعليه نضح الدم، فاستوقفه رجل من الشعراء وأنشد: كم ذا تجرّعه المنون ويسلم ... لو يستطيع شكا إليك الأدهم في كلّ منبت شعرة من جلده ... نمق ينمّقه الحسام المخذم «٧» وكأنّما عقد النّجوم بطرفه ... وكأنه بعرى المجرّة ملجم «٨» وكأنّه بين البوارق لقوة ... شقراء كاسرة طوت ما تطعم «٩» ما تدرك الأرواح أدنى سيره ... لا بل يفوت الرّيح فهو مقدّم

стр. 144

رجعته أطراف الأسنة أشقرا ... واللون أدهم حين ضرّجه الدّم قال: فأمر له بعشرة آلاف. لابن عبد ربه في وصف الفرس : ومن قولنا في وصف الفرس: ومقربة يشقرّ في النّقع كمتها ... ويخضرّ حينا كلما بلّها الرّشّح «١» تطير بلا ريش إلى كلّ صيحة ... وتسبح في البرّ الذي ما به سبح وقال عديّ بن الرّقاع: يخرجن من فرجات النّقع دامية ... كأنّ آذانها أطراف أقلام وطلب البحتري الشاعر من سعيد بن حميد بن عبد الحميد الكاتب فرسا ووصف له أنواعا من الخيل في شعره فقال: لأكلّفنّ العيس أبعد همّة ... يجري إليها خائف أو مرتجي وإلى سراة بني حميد إنهم ... أمسوا كواكب أشرقت في مذحج والبيت لولا أنّ فيه فضيلة ... تعلو البيوت بفضلها لم يحجج فأعن على غزو العدوّ بمنطو ... أحشاؤه طيّ الرّداء المدرج إمّا بأشقر ساطع أغشى الوغى ... منه بمثل الكوكب المتأجّج متسربل شية طلت أعطافه ... بدم فما تلقاه غير مضرّج «٢» أو أدهم صافي الأديم كأنّه ... تحت الكميّ مظهّر بيرندج «٣» ضرم يهيج السّوط من شؤبوبه ... هيج الجنائب من حريق العرفج «٤» خفّت مواقع وطئه فلو انه ... يجري برملة عالج لم يرهج «٥»

стр. 145

أو أشهب يقق يضيء وراءه ... متن كمتن اللّجة المترجرج «١» تخفى الحجول ولو بلغن لبانه ... في أبيض متألق كالدّملج «٢» أوفى بعرف أسود متفرّد ... فيما يليه وحافر فيروزجي أو أبلق ملأ العيون إذا بدا ... من كلّ لون معجب بنموذج جذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عنقا بأحسن حلّة لم تنسج «٣» وعريض أعلى المتن لو علّيته ... بالزئبق المنهال لم يتدحرج خاضت قوائمه الوثيق بناؤها ... أمواج تحنيت بهنّ مدرّج «٤» ولأنت أبعد في السّماحة همة ... من أن تضنّ بملجم أو مسرج لامريء القيس : وأول من شبّه الخيل بالظباء والسّرحان والنعامة، وتبعه الشعراء وحذوا حذوه وعلى مثاله- امرؤ القيس بن حجر: له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل «٥» كأنّ على المتنين منه إذا انتحى ... مداك عروس أو صلاية حنظل «٦» مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل درير كخذروف الوليد أمرّه ... تتابع كفّيه بخيط موصّل «٧» كميت يزلّ اللبد عن حال متنه ... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل «٨»

стр. 146

فأخذت الشعراء هذا التشبيه من امريء القيس فحذوا عليه، فقال طفيل الخيل: إنّي وإن قالّ مالي لا يفارقني ... مثل النّعامة في أوصالها طول تقريبها المرطى والجوز معتدل ... كأنّه سبد بالماء مغسول «١» أو ساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الرّوع مبذول «٢» بين عبد الملك بن مروان وأصحابه : وقال عبد الملك بن مروان لأصحابه: أي المناديل أفضل؟ فقال بعضهم: مناديل مصر التي كأنها غرقئ «٣» البيض. وقال بعضهم: مناديل اليمن التي كأنها أنوار الربيع. فقال: ما صنعتم شيئا، أفضل المناديل مناديل عبدة بن الطّبيب حيث يقول: لمّا نزلنا ضربنا ظلّ أخبية ... وفار باللحم للقوم المراجيل وردا وأشقر لم ينهئه طابخه ... ما قارب النّضج منها فهو مأكول «٤» وقد وثبنا على عوج مسوّمة ... أعرافهنّ لأيدينا مناديل «٥» سوابق الخيل قال الأصمعي: ما سبق في الرهان فرس أهضم قطّ. وأنشد لأبي النّجم: منتفج الجوف عريض كلكله «٦» لأبي النجم في فرس هشام : قال: وكان هشام بن عبد الملك رجلا مسبّقا لا يكاد يسبق، فسبقت له فرس أنثى وصلّت أختها، ففرح لذلك فرحا شديدا، وقال: عليّ بالشعراء. قال أبو النجم:

стр. 147

فدعينا فقيل لنا: قولوا في هذا الفرس وأختها. فسأل أصحاب النشيد النّظرة حتى يقولوا. فقلت له: هل لك في رجل ينقدك إذا استنسئوك «١» ؟ قال: هات. فقلت من ساعتي: أشاع للغرّاء فينا ذكرها ... قوائم عوج أطعن أمرها وما نسينا بالطريق مهرها ... حين نقيس قدره وقدرها وصبره إذا عدا وصبرها ... والماء يعلو نحره ونحرها ملمومة شدّ المليك أسرها ... أسفلها وبطنها وظهرها «٢» قد كاد هاديها يكون شطرها ... لا تأخذ الحلبة إلا سؤرها «٣» قال أبو النجم: فأمر لي بجائزة وانصرفت. بين الرشيد والأصمعي في فرس سابق : أبو القاسم جعفر بن أحمد بن محمد، وأبو الحسن علي بن جعفر البصري، قالا: حدثنا أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي: أن هارون الرشيد ركب في سنة خمس وثمانين ومائة إلى الميدان لشهود الحلبة. قال الأصمعي: فدخلت الميدان لشهودها فيمن شهد من خواص أمير المؤمنين؛ والحلبة يومئذ أفراس للرشيد ولولديه الأمين والمأمون، ولسليمان بن أبي جعفر المنصور ولعيسى بن أبي جعفر فجاء فرس أدهم يقال له الربيذ لهرون الرشيد سابقا؛ فابتهج لذلك ابتهاجا علم ذلك في وجهه، وقال عليّ بالأصمعي. فنوديت له من كل جانب، فأقبلت سريعا حتى مثلت بين يديه، فقال: يا أصمعي، خذ بناصية الربيذ ثم صفه من قونسه إلى سنبكه؛ فإنه يقال إن فيه عشرين اسما من أسماء الطير. قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ وأنشدك شعرا جامعا لها من قول أبي حزرة. قال: فأنشدنا لله أبوك. قال: فأنشدته: وأقبّ كالسّرحان تمّ له ... ما بين هامته إلى النّسر الأقب: اللاحق المخطف البطن، وذلك يكون من خلقة وربما حدث من هزال أو

стр. 148

بعد قود؛ والأنثى قبّاء، والجمع قبّ، والمصدر القبب. والسّرحان: الذئب، شبهه في ضموره وعدوه به، وجمعه سراحين: وقد قالوا: سراح. والهامة: أعلى الرأس، وهي أم الدماغ، وهي من أسماء الطير. والنسر: هو ما ارتفع من بطن الحافر من أعلاه كأنه النّوى والحصى، وهو من أسماء الطير، وجمعه نسور. رحبت نعامته ووفّر فرخه ... وتمكن الصّردان في النحر رحبت: اتسعت. ونعامته: جلدة رأسه التي تغطي الدماغ، وهي من أسماء الطير. وقوله «ووفّر فرخه» الفرخ: هو الدماغ، وهو من أسماء الطيور، ووفّر أي تمّم؛ يقال: وفّرت الشيء ووفرته، بالتخفيف، موفور. والصردان: عرقان في أصل اللسان، ويقال إنهما عرقان أخضران مكتنفان باطن اللسان، منهما الرّيق ونفس الرئة؛ وهما من أسماء الطير. وفي الظهر صرد أيضا، وهو بياض يكون في موضع السرج من أثر الدّبّر؛ يقال: فرس صرد إذا كان ذلك به. والنحر: موضع القلادة من الصدر، وهو البرك. وأناف بالعصفور من سعف ... هام أشمّ موثّق الجذر أناف: أشرف. والعصفور: أصل منبت الناصية. والعصفور أيضا: عظم ناتيء في كل جبين. والعصفور: من الغرر أيضا، وهي التي سالت ودّقت ولم تجاوز إلى العينين ولم تستدر كالقرحة؛ وهو من أسماء الطير. والسّعف، يقال: فرس بيّن السّعف، وهو الذي سالت ناصيته. وهام: أي سائل منتشر. وأشمّ: مرتفع؛ والشّمم في الأنف: ارتفاع قصبته. ويروى: هاد أشم. يريد عنقا مرتفعا، وجمعه هواد. وقوله: موثّق، أي شديد قويّ. والجذر: الأصل من كل شيء. قال الأصمعي وغيره: هو بالفتح. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو بالكسر. وازدان بالدّيكين صلصله ... ونبت دجاجته عن الصّدر ازدان: افتعل، من قولك زان يزين، وكان الأصل: ازتان، فقلبت التاء دالا لقرب مخرجها من مخرج الزاي، وكذلك ازداد، من زاد يزيد. والديكان: واحد هما ديك، وهو العظم الناتيء خلف الأذن، وهو الذي يقال له الخششاء والخشّاء. والصلصل: بياض في طرف الناصية: ويقال: هو أصل الناصية: والدجاجة: اللحم

стр. 149

الذي على زوره بين يديه؛ والديك والصلصل والدجاجة: من أسماء الطير. والناهضان أمرّ جلزهما ... فكأنما عثما على كسر الناهضان: واحدهما ناهض، وهو لحم المنكبين؛ ويقال: هو اللحم الذي يلي العضدين من أعلاهما؛ والجمع نواهض؛ ويقال في الجمع: أنهض، على غير قياس. والناهض: فرخ القطا، وهو من أسماء الطير. وقوله: أمرّ جلزهما: أي فتل وأحكم؛ يقال أمررت الحبل فهو ممرّ، أي فتلته؛ والجلز: الشدّ. وقوله: فكأنما عثما على كسر أي كأنهما كسرا ثم جبرا؛ يقال: عثمت يده. والعثم: الجبر على عقدة وعوج؛ وعثمان: فعلان منه. مسحنفر الجنبين ملتئم ... ما بين شيمته إلى الغرّ مسحنفر الجنبين: أي منتفخهما. ملتئم: أي معتدل. وشيمته: نحره والشيمة أيضا: من قولك: فرس أشيم: بيّن الشّيمة، وهي بياض فيه؛ ويقال: أن تكون شامة أو شام في جسده. والغرّ في الطير الذي يسمى الرخمة، وهي عضلة الساق. وصفت سماناه وحافره ... وأديمه ومنابت الشّعر السّماني: طائر، وهو موضع من الفرس لا أحفظه، إلا أن يكون أراد السّمامة، وهي دائرة تكون في سالفة الفرس، وهو عنقه. والسّمامة من الطير أيضا. والأديم: الجلد. وسما الغراب لموقعيه معا ... فأبين بينهما على قدر سما الغراب: أي ارتفع. والغراب: رأس الورك. ويقال للصّلوين: الغرابان، وهما مكتنفا عجب الذنب. ويقال: هما أعالي الوركين. والموقعان منه: في أعالي الخاصرتين. فأبين: أي فرّق بينهما. على قدر، أي على استواء واعتدال. واكتنّ دون قبيحه خطّافه ... ونأت سمامته عن الصّقر اكتنّ، أي استتر. والقبيح: ملتقى الساقين، ويقال إنه مركّب الذراعين في العضدين. والخطّاف: من أسماء الطير، وهو حيث أدركت عقب الفارس إذا حرّك

стр. 150

رجليه، ويقال لهذين الموضعين من الفرس: المركلان. ونأت. أي بعدت، والسّمامة: دائرة تكون في عنق الفرس، وقد ذكرناها، وهي من أسماء الطير. والصقر: أحسبها دائرة في الرأس، وما وقفت عليها، وهي من أسماء الطير. وتقدّمت عنه القطاة له ... فنأت بموقعها عن الحرّ القطاة: مقعد الرّدف، وهي من أسماء الطير؛ والحرّ: من الطير، يقال: إنه ذكر الحمام. وهي من الفرس: سواد يكون في ظاهر أذنبه. وسما على نقويه دون حداته ... خربان بينهما مدى الشّبر النّقوان: واحد هما نقو، والجمع أنقاء. وهو عظم ذو مخ، وإنما عنى ها هنا عظام الوركين؛ لأن الخرب هو الذي تراه مثل المدهن في ورك الفرس. وهو من الطير: ذكر الحبارى. والحدأة: من الطير: وأصله الهمز ولكنه خفّف، وهي سالفة الفرس، وجمعها حداء، على وزن فعال، كما تقول: عظاءة وعظاء؛ ويقال: عظاية. وإذا فتحت الفاء قلت حدأة، وهو الفأس ذات الرأسين، وجمعها حدأ، مثل نواة ونوى، وقطاة وقطا. يدع الرّضيم إذا جرى فلقا ... بتوائم كمواسم سمر الرّضيم: الحجارة. والفلق: المكسورة فلقا. بتوائم: جمع توأم، وقد قالوا: تؤام، على وزن فعال، جمع توأم؛ وهي على غير قياس. يقول: هي مثنى مثنى، يعني حوافره. والمواسم: جمع ميسم الحديد، أي إنها كمواسم الحديد في صلابتها. وقوله سمر: أي لون الحافر، وهو أصلب الحوافر. ركّبن في محض الشّوى سبط ... كفت الوثوب مشدّد الأسر الشوى ها هنا: القوائم، والواحدة شواة؛ ويقال: فرس محض الشوى، إذا كانت قوائمه معصوبة. سبط: سهل. كفت الوثوب. أي مجتمع، من قولك: كفتّ الشيء، إذا جمعته وتمّمته. مشدّد الأسر: أي الخلق. قال الأصمعي: فأمر لي بألف درهم.

стр. 151

لأبي العتاهية في المشمر فرس الرشيد : وسبق يوما فرس للرشيد، يسمى المشمّر. وكان أجراه مع أفراس للفضل وجعفر ابني يحيى بن خالد البرمكي. فقال أبو العتاهية: جاء المسمّر والأفراس يقدمها ... هونا على سرعة منها وما انتهرا «١» وخلّف الريح حسرى وهي تتبعه ... ومرّ يختطف الأبصار والنظرا لأبي النجم في الحلبة : وقال أبو النجم في شعر يصف الفرس، وهو أجود شعر يصف الحلبة: ثمّ سمعنا برهان نأمله ... قيد له من كلّ أفق جحفله فقلت للسّائس قده أعجله ... واغد لعنّا في الرّهان نرسله «٢» نعلو به الحزن ولا نسهّله ... إذا علا الأخشب صاح جندله «٣» ترنّم النّوّح يبكي مثكله ... كأنّ في الصّوت الذي يفصّله زمّار دفّ يتغنى جلجله ... حتى وزدنا المصر يطوى قنبله «٤» طيّ التّجار العصب إذ تنخّله ... وقد رأينا فعلهم فنفعله «٥» نطويه والطّيّ الرقيق يجدله ... نضمّر الشّحم ولسنا نهزله حتى إذا الليل تولّى أثجله ... واتّبع الأيدي منه أرجله «٦» قمنا على هول شديد وجله ... نمدّ حبلا فوق خطّ نعدله «٧» نقول قدّم ذا وهذا أدخله ... وقام مشقوق القميص يعجله فوق الخماسيّ قليلا يفضله ... أدرك عقلا والرّهان عمله «٨»

стр. 152

حتى إذا أدرك خيلا مرسله ... ثار عجاج مستطير قسطله «١» تنفش منه الخيل ما لا تغزله ... مراّ يغطّيها ومراّ تنعله مرّ القطا انصبّ عليه أجدله ... وهو رخيّ البال سام وهله «٢» قدّمه مثلا لمن يمتثله ... تطيره الجنّ وحينا ترجله تسبح أخراه ويطفو أوله ... ترى الغلام ساجيا ما يركله «٣» يعطيه ما شاء وليس يسأله ... كأنّه من زبد يسربله في كرسف النّدّاف لولا بلله ... تخال مسكا عله معلله «٤» ثم تناولنا الغلام تنزله ... عن مفرع الكتفين حلو عطله «٥» منتفج الجوف عريض كلكله ... فوافت الخيل ونحن نشكله «٦» والجنّ عكّاف به تقبّله وقال آخر في فرس أبي الأعور السّلمي: مرّ كلمع البرق سام ناظره ... تسبح أولاه ويطفو آخره فما يمسّ الأرض منه حافره قول هذا أشبه من قول أبي النجم: لأنه يقول: تسبح أخراه ويطفو أوّله وقال الأصمعي: إذا كان الفرس كما قال أبو النجم فحمار الكسّاح «٧» أسرع منه. لأن اضطراب مؤخره قبيح. وقال الأصمعي: كان أبو النجم وصّافا للخيل إلا أنه غلط في هذا البيت، وقد غلط رؤبة أيضا في الفرس فقال يصف قوائمه: يهوين شتّى ويقعن وفقا «٨»

стр. 153

ولما أنشده مسلم بن قتيبة، قال له: أخطأت في هذا يا أبا الجحاف، جعلته مقيّدا. قال: قرّبني من ذنب البعير. وأنشد الأصمعي: قد أطرق الحيّ على سابح ... أسطع مثل الصّدع الأجرد لمّا أتيت الحيّ في متنه ... كأنّ عرجونا بمثنى يدي «١» أقبل يختال على شأوه ... يضرب في الأقرب والأبعد كأنّه سكران أو عابس ... أو ابن ربّ حدث المولد وقال غيره: أما إذا استقبلته فكأنه ... جذع سما فوق النّخيل مشذّب وإذا اعترضت له استوت أقطاره ... وكأنّه، مستدبرا، متصوّب وقال ابن المعتز: وقد يحضر الهيجاء في شنج النّسا ... تكامل في أسنانه فهو قارح «٢» له عنق يغتال طول عنانه ... وصدر إذا أعطيته الجري سابح إذا مال عن أعطافه قلت شارب ... عناه بتصريف المدامة طافح وقال أيضا: ولقد وطئت الغيث يحملني ... طرف كلون الصّبح حين وقد يمشي ويعرض في العنان كما ... صدف المعشّق بالدلال وصد «٣» طارت به رجل مرصّعة ... رجّامة لحصى الطريق ويد «٤» فكأنه موج يسيل إذا ... أطلقته وإذا حبست جمد

стр. 154

الحلبة والرهان والحلبة: مجمع الخيل، ويقال: مجتمع الخيل، ويقال: مجتمع الناس للرهان؛ وهو من قولك: حلب بنو فلان على بني فلان وأحلبوا: إذا اجتمعوا. ويقال منه: حلب الحالب اللبن في القدح: أي جمعه فيه. والمقوس: الحبل الذي يمدّ في صدور الخيل عند الإرسال للسياق. والمنصبة: الخيل حين تنصب للإرسال. وأصل الرهان من الرهن، لأن الرجل يراهن صاحبه في المسابقة، يضع هذا رهنا وهذا رهنا، فأيهما سبق فرسه أخذ رهنه ورهن صاحبه. والرهان، مصدر راهنته مراهنة ورهانا، كما تقول: قاتلته مقاتلة وقتالا. وهذا كان من أمر الجاهلية، وهو القمار المنهيّ عنه. فإن كان الرهن من أحد هما بشيء مسمّى على أنه إن سبق لم يكن له شيء، وإن سبقه صاحبه أخذ الرهن، فهذا حلال؛ لأن الرهن إنما هو من أحد هما دون الآخر؛ وكذلك إن جعل كل واحد منهما رهنا وأدخلا بينهما محلّلا، وهو فرس ثالث يكون مع الأولين، ويسمى أيضا الدّخيل ولا يجعل لصاحب الثالث شيء، ثم يرسلون الأفراس الثلاثة، فإن سبق أحد الأوّلين أخذ رهنه ورهن صاحبه فكان له طيبا، وإن سبق الدخيل أخذ الرهنين جميعا، وإن سبق هو لم يكن عليه شيء. ولا يكون الدخيل إلا رائعا جوادا، لا يأمنان أن يسبقهما؛ وإلا فهذا قمار، لأنهما كأنهما لم يدخلا بينهما محلّلا. قال الأصمعي: السابق من الخيل: الأول، والمصلّي: الثاني الذي يتلوه. قال: وإنما قيل له مصلّ، لأنه يكون عند صلوي السابق، وهما جانبا ذنبه عن يمينه وشماله؛ ثم الثالث والرابع لا اسم لواحد منهما إلى العاشر، فإنه يسمّى سكيتا. قال أبو عبيدة: لم نسمع في سوابق الخيل ممن يوثق بعلمه اسما لشيء منها إلا الثاني والعاشر؛ فإن الثاني اسمه المصلّي، والعاشر السّكيت؛ وما سوى ذينك يقال له الثالث والرابع، وكذلك إلى التاسع، ثم السّكيت ويقال السّكّيت، بالتشديد والتخفيف، فما جاء بعد ذلك لم يعتدّ به. والفسكل- بالكسر- الذي يجيء آخر

стр. 155

الخيل، والعامة تسميه الفسكل- بالضم. وقال أبو عبيدة: القاشور، الذي يجيء في الحلبة آخر الخيل، وهو الفسكل، وإنما قيل للسّكيت؛ سكيت لأنه آخر العدد الذي يقف العادّ عليه. والسّكت: الوقوف، هكذا كانوا يقولون، فأما اليوم فقد غيّروا. وكان من شأنهم أن يمسحوا على وجه السابق. قال جرير: إذا شئتم أن تمسحوا وجه سابق ... جواد، فمدّوا في الرّهان عنانيا ومن قولنا في هذا المعنى: وإذا جياد الخيل ما طلها المدى ... وتقطّعت في شأوها المبهور «١» خلّوا عناني في الرّهان ومسّحوا ... منّي بغرّة أبلق مشهور «٢» وصف السلاح درع عليّ : كانت درع عليّ صدرا لا ظهر لها، فقيل له في ذلك؛ فقال: إذا استمكن عدوّي من ظهري فلا يبق. ورؤي الجراح بن عبد الله قد ظاهر بين درعين، فقيل له في ذلك؛ فقال: لست أقي بدني وإنما أقي صبري «٣» . واشترى زيد بن حاتم أدراعا وقال: إني لست أشتري أدراعا وإنما أشتري أعمارا. وقال حبيب بن المهلّب لبنيه: لا يقعدنّ أحدكم في السوق، فإن كنتم لا بدّ فاعلين، فإلى زراد، أو سرّاج، أو ورّاق.

стр. 156

بين عمر بن الخطاب وعمرو بن معد يكرب في الصمصامة : العتبي قال: بعث عمر بن الخطاب إلى عمرو بن معد يكرب أن يبعث إليه بسيفه المعروف بالصّمصامة، فبعث به إليه، فلما ضرب به وجده دون ما كان يبلغه عنه، فكتب إليه في ذلك، فرّد عليه: إنما بعثت إلى أمير المؤمنين بالسيف، ولم أبعث بالساعد الذي يضرب به. وسأله عمر بن الخطاب يوما عن السلاح، فقال: يسأل أمير المؤمنين عما بدا له. قال: ما تقول في التّرس؟ قال: هو المجنّ الدائر، وعليه تدور الدوائر. قال: فما تقول في الرّمح؟ قال: أخوك وربما خانك فانقصف. قال: فالنّبل؟ قال: منايا تخطي وتصيب. قال: فما تقول في الدّرع؟ قال: مثقلة للراجل، متعبة للفارس، وإنها لحصن حصين. قال: فما تقول في السيف؟ قال: هناك لا أمّ لك يا أمير المؤمنين، فضربه عمر بالدّرة وقال: بل لا أمّ لك. قال: الحمى أضرعتني لك «١» . لابن يامين في الصمصامة : الهيثم بن عدي قال: وصف سيف عمرو بن معد يكرب الذي يقال له الصّمصامة لموسى الهادي، فدعا به فوضع بين يديه مجرّدا، ثم قال لحاجبه: إيذن للشعراء. فلما دخلوا أمرهم أن يقولوا فيه، فبدرهم ابن يامين «٢» فقال: حاز صمصامة الزّبيديّ عمرو ... من جميع الأنام موسى الأمين سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون أخضر المتن بين حدّيه نور ... من فرند تمتدّ فيه العيون أوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم ساطت به الذّعاف القيون «٣» فإذا ما سللته بهر الشم ... س ضياء فلم تكد تستبين

стр. 157

فكأنّ الفرند والرّونق الجا ... ري في صفحتيه ماء معين وكأن المنون نيطت إليه ... فهو من كل جانبيه منون «١» نعم مخراق ذي الحفيظة في الهي ... جاء يسطو به ونعم القرين ما يبالي من انتضاه لحرب ... أشمال سطت به أم يمين فأمر له ببدرة وخرجوا. الزبير بن العوام وسيف : وضرب الزبير بن العوام يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة فقطّه إلى القربوس؛ فقالوا: ما أجود سيفك! فغضب- يريد أن العمل ليده لا لسيفه- وقال: متى تلقني يعدو ببزّي مقلّص ... كميت بهيم أو أغرّ محجّل «٢» تلاق امرء إن تلقه فبسيفه ... تعلّمك الأيام ما كنت تجهل وقال أبو الشّيص: ختلته المنون بعد اختيال ... بين صفّين من قنّا ونصّال «٣» في رداء من الصفيح صقيل ... وقميص من الحديد مذال «٤» لأبي الأغر يوصي ابنه : وبلغ أبا الأغر التميميّ أنّ أصحابه بالبادية قد وقع بينهم شر، فوجّه إليهم ابنه الأغرّ وقال: يا بنيّ، كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، وإياك والسيف فإنه ظلّ الموت، واتق الرّمح فإنه رشاء المنيّة «٥» ، ولا تقرب السهام فإنها رسل لا تؤامر مرسلها. قال: فماذا أقاتل؟ قال: بما قال الشاعر: جلاميد يملأن الأكفّ كأنّها ... رءوس رجال حلّقت بالمواسم

стр. 158

وذكر أعرابيّ قوما تحاربوا فقال: أقبلت الفحول، تمشي مشي الوعول، فلما تصافحوا بالسيوف، فغرت «١» المنايا أفواهها. وقال آخر يذكر قوما أسروا: استنزلوهم عن الجياد بليّنة الخرصان «٢» ، ونزعوهم نزع الدّلاء بالأشطان «٣» . وقال أعرابي في آخرين ابتغوا قوما أغاروا عليهم، فقال: احتثّوا كل جماليّة عيرانة «٤» ، كيما يخصفون أخفاف المطيّ بحوافر الخيل، حتى أدركوهم بعد ثالثة، فجعلوا المرّان أرشية المنايا فاستقوا بها أرواحهم. ومن أحسن ما قيل في السيف قول حبيب: ونبّهن مثل السيف لو لم تسلّه ... يدان لسلّته ظباه من الغمد وقال في صفة الرماح: مثقّفات سلبن الروم زرقتها ... والعرب ألوانها والعاشق القضفا «٥» ومن الإفراط القبيح قول النابغة في وصف السيف: يقدّ السّلوقيّ المضاعف نسجه ... ويوقد في الصّفّاح نار الحباحب «٦» فذكر أنه يقدّ الدرع المضاعف نسجه، والفارس، والفرس، ويقع بها في الأرض فيقدح النار من الحجارة. وأقبح منه في الإفراط قول الآخر: تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والقيدين والهادي «٧»

стр. 159

وقد جمع العلويّ وصف الخيل والسلاح كله فأحسن وجوّد حيث يقول: بحسبي من مالي من الخيل أعيط ... سليم الشّظى عاري النّواهق أمعط «١» وأبيض من ماء الحديد مهنّد ... وأسمر عسّال الكعوب عنطنط «٢» وبيضاء كالضّحضاح زغف مفاضة ... يكفّتها عنّي نجاد مخطّط «٣» ومعطوفة الأطراف كبداء سمحة ... منفّجة الأعضاد صفراء شوحط «٤» فيا ليت مالي غير ما قد جمعته ... على لجّة تيّارها يتغطغط «٥» ويا ليتني أمسي على الدّهر ليلة ... وليس على نفسي أمير مسلّط لابن عبد ربه : ومن قولنا في وصف الرمح والسيف: بكلّ ردينيّ كأنّ سنانه ... شهاب بدا في ظلمة اللّيل ساطع تقاصرت الآجال في طول متنه ... وعادت به الآمال وهي فجائع وساءت ظنون الحرب في حسن ظنّه ... فهنّ ظبات للقلوب قوارع «٦» وذي شطب تقضي المنايا بحكمه ... وليس لما تقضي المنيّة دافع فرند إذا ما اعتنّ للعين راكد ... وبرق إذا ما اهتز بالكفّ لامع يسلّل أرواح الكماة انسلاله ... ويرتاع منه الموت والموت رائع إذا ما التقت أمثاله في وقيعة ... هنالك ظنّ النفس بالنفس واقع ومن قولنا في وصف السيف:

стр. 160

بكلّ مأثور على متنه ... مثل مدب النّمل بالقاع يرتدّ طرف العين من حدّه ... عن كوكب للموت لمّاع وقال إسحاق بن خلف البهراني في صفة السيف: ألقى بجانب خصره ... أمضي من الأجل المتاح وكأنما ذرّ الهبا ... عليه أنفاس الرّياح «١» ومن جيد صفات السيف قول الغنوي: حسام غداة الرّوع ماض كأنّه ... من الله في قبض النفوس رسول كأنّ على إفرنده موج لجّة ... تقاصر في ضحضاحه وتطول كأنّ جيوش الذّرّ كسّرن فوقه ... قرون جراد بينهن ذحول «٢» النزع بالقوس إبراهيم الشيباني قال: كان رجل من أهل الكوفة قد بلغه عن رجل من أهل لسلطان أنه يعرض له ضيعة بواسط في مغرم لزمه للخليفة؛ فحمل وكيلا له على بغل وأترع «٣» له خرجا بدنانير، وقال له: اذهب إلى واسط فاشتر لي هذه الضيعة المعروضة، فإن كفاك ما في هذا الخرج وإلا فاكتب إلى أمدّك بالمال. فخرج، فلما أصحر عن البيوت، لحق به أعرابي راكب على حمار معه قوس وكنانة؛ فقال له: إلى أين تتوجه؟ فقال: إلى واسط. قال: فهل لك في الصّحبة؟ قال: نعم. فسارا حتى فوّزا، فعنت لهما ظباء، فقال له الأعرابي: أيّ هذه الظباء أحبّ إليك: المتقدم منها أم المتأخر فأزكّيه «٤» لك؟ قال له: المتقدم. فرماه فخرمه بالسهم، فاشتويا وأكلا، فاغتبط الرجل بصحبة الأعرابي، ثم عنّ له زفّة قطا، فقال: أيها تريد فأصرعها لك؟

стр. 161

فأشار إلى واحدة منها فرماها فأقصدها، ثم اشتويا وأكلا، فلما انقضى طعامهما فوّق له الأعرابي سهما ثم قال له: أين تريد أن أصيبك؟ فقال له: اتق الله واحفظ زمام الصحبة. قال: لابد منه! قال له: اتق الله ربك واستبقني، ودونك البغل والخرج فإنه مترع مالا. قال: فاخلع ثيابك. فانسلخ من ثيابه ثوبا ثوبا حتى بقي مجرّدا. قال له: اخلع أمواقك «١» . وكان لابسا خفّين طائفيّين، فقال له: اتق الله فيّ ودع لي الخفين أتبلّغ بهما من الحرّ، فإن الرّمضاء تحرق قدميّ. قال: لا بدّ منه. قال فدونك الخف فاخلعه. فلما تناول الخفّ، ذكر الرجل خنجرا كان معه في الخف، فاستخرجه ثم ضرب به صدره فشقه إلى عانته، وقال له: الاستقصاء فرقة. فذهبت مثلا. وكان هذا الأعرابي من رماة الحدق «٢» . بين لص ورام : وحدّث العتبي عن بعض أشياخه قال: كنت عند المهاجر بن عبد الله والى اليمامة، فأتي بأعرابي كان معروفا بالسرق فقال له: أخبرني عن بعض عجائبك. قال: عجائبي كثيرة، ومن أعجبها أنه كان لي بعير لا يسبق، وكانت لي خيل لا تلحق، فكنت أخرج فلا أرجع خائبا، فخرجت يوما فاحترشت «٣» ضبّا، فعلّقته على قتبي، ثم مررت بخباء ليس فيه إلا عجوز ليس معها غيرها، فقلت: يجب أن يكون لهذه رائحة من غنم وإبل. فلما أمسيت إذا بإبل مائة، وإذا شيخ عظيم البطن، شثن الكفين «٤» ، ومعه عبد أسود، فلما رآني رحب بي، ثم قام إلى ناقة فاحتلبها، وناولني العلبة. فشربت ما يشرب الرجل، فتناول الباقي فضرب به جبهته، ثم احتلب تسع أينق فشرب ألبانهن، ثم نحر حوارا «٥» فطبخه، فأكلت شيئا، وأكل الجميع حتى ألقى عظامه بيضا، وجثا على كومة من البطحاء وتوسدها ثم غط غطيط البكر. فقلت:

стр. 162

هذه والله الغنيمة، ثم قمت إلى فحل إبله فخطمته «١» : ثم قرنته ببعيري وصحت به، فاتّبعني الفحل واتّبعته الأبل إربابا به في قطار «٢» ، فصارت خلفي كأنها حبل ممدود؛ فمضيت أبادر ثنيّة بيني وبينها مسيرة ليلة للمسرع، ولم أزل أضرب بعيري، مرة بيدي، ومرة برجلي، حتى طلع الفجر؛ فأبصرت الثنية، وإذا عليها سواد، فلما دنوت منه إذا الشيخ قاعد وقوسه في حجره! فقال: أضيفنا؟ قلت: نعم! قال: أتسخو نفسك عن هذه الإبل؟ قلت: لا. فأخرج سهمّا كأنه لسان كلب، ثم قال: انظره بين أذني الضبّ المعلّق في القتب. ثم رماه فصدع عظمه عن دماغه، فقال لي: ما تقول؟ قلت: أنا على رأيي الأول. قال: انظر هذا السهم الثاني في فقرة ظهره الوسطى، ثم رمى به فكأنما قدّره بيده ثم وضعه بأصبعه، ثم قال: رأيك؟ فقلت: إني أحب أن أستثبت. قال: انظر هذا السهم الثالث في عكوة ذنبه، والرابع والله في بطنك. ثم رماه فلم يخطيء العكوة؛ قلت: أنزل آمنا؟ قال: نعم. فدفعت إليه خطام فحله وقلت: هذه إبلك لم تذهب منها وبرة. وأنا أنظر متى يرميني بسهم يقصد به قلبي؛ فلما تباعدت قال: أقبل! فأقبلت والله فرقا من شره لا طمعا في خيره. فقال: ما أحسبك تجشمت الليلة ما تجشمت إلا من حاجة! قلت نعم. قال: فاقرن من هذه الإبل بعيرين وامض لطيّتك. قال: قلت: أما والله لا أمضي حتى أخبرك عن نفسك؛ فلا والله ما رأيت أعرابيا قط أشدّ ضرسا، ولا أعدى رجلا، ولا أرمى يدا، ولا أكرم عفوا، ولا أسخى نفسا، منك. فصرف وجهه عني حياء وقال: خذ الإبل برمتها مباركا لك فيها. للنبي ﷺ في الرمي : وقال النبي ﷺ : «اركبوا وارموا؛ وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا» . وقال: «كل لهو المؤمن باطل إلا في ثلاث: تأديبه فرسه ورميه عن كبد قوسه، وملاعبته امرأته؛ فإنه حق. إن الله ليدخل الجنة بالسهم الواحد عامله المحتسب،

стр. 163

والقويّ به في سبيل الله، أي والرامي به في سبيل الله» . وروي عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو قائم على المنبر: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ «١» . ألا إنّ القوة الرمي. ألا إنّ القوة الرمي. ألا إنّ القوة الرمي. وكان أرمى أصحاب رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص؛ لأن رسول الله ﷺ دعا له فقال: اللهم سدّد رميته، وأجب دعوته. فكان لا يردّ له دعاء، ولا يخيب له سهم. النبي ﷺ ورماة من أسلم : وذكر أسامة بن زيد: أنّ شيوخا من أسلم حدّثوه، أنّ رسول الله ﷺ جاءهم وهم يرمون ببطحان، فقال رسول الله ﷺ : ارموا يا بني إسمعيل، فقد كان أبوكم راميا، وأنا مع ابن الأدرع. فتعدّى القوم فقالوا: يا رسول الله، من كنت معه فقد نضل «٢» . قال رسول الله ﷺ : أرموا وأنا معكم كلكم. فانتضلوا ذلك اليوم ثم رجعوا بالسواء؛ ليس لأحد على أحد منهم فضل. لعمر بن الخطاب : وقال عمر: ائتزروا وارتدوا، وانتعلوا واحتفوا، وارموا الأغراض، والقوا الرّكب، وانزوا على الخيل نزوا «٣» ، وعليكم بالمعدّيّة- أو قال: بالعربية- ودعوا التنعّم وزيّ العجم. وقال أيضا: لن تخور قواكم ما نزوتم ونزعتم. يعني نزوتم على ظهور الخيل ونزعتم بالقسيّ.

стр. 164

لرجل من البادية يذمر قومه : وجنى قوم من أهل اليمامة «١» جناية، فأرسل السلطان إليهم جندا من محاربة بن زياد. فقام رجل من أهل البادية يذمّر أصحابه فقال: يا معشر العرب، ويا بني المحصنات، قاتلوا عن أحسابكم وأنسابكم؛ فو الله لئن ظهر هؤلاء عليكم لا يدعون بها لبنة حمراء ولا نخلة خضراء إلا وضعوها بالأرض، ولا عتراكم من نشّاب معهم في جعاب كأنها أيور الفيلة ينزعون في قسّي كأنها الغبط «٢» ، تئطّ «٣» إحداهن أطيط الزّرنوق «٤» ، يمعط «٥» أحدهم فيها حتى يتفرّق شعر إبطيه، ثم يرسل نشّابة كأنها رشاء منقطع، فما بين أحدكم وبين أن تنفضخ عينه أو ينصدع قلبه منزلة. فخلع قلوبهم فطاروا رعبا. مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان هذا ما تراجع فيه المهديّ ووزراؤه، وما دار بينهم من تدبير الرأي في حرب خراسان، أيام تحاملت عليهم العمال وأعنفت، فحملتهم الدالة وما تقدّم لهم من المكانة على أن نكثوا بيعتهم، ونقضوا موثقهم، وطردوا العمال، والتووا بما عليهم من الخراج. وحمل المهديّ ما يحب من مصلحتهم ويكره من عنتهم على أن أقال عثرتهم «٦» ، واغتفر زلّتهم، واحتمل دالّتهم؛ تطوّلا بالفضل، واتساعا بالعفو، وأخذا بالحجة، ورفقا بالسياسة؛ ولذلك لم يزل مذ حمّله الله أعباء الخلافة، وقلّده أمور

стр. 165

الرعية، رفيقا بمدار سلطانه، بصيرا بأهل زمانه، باسطا للمعدلة في رعّيته؛ تسكن إلى كنفه، وتأنس بعفوه، وتثق بحلمه؛ فإذا وقعت الأقضية اللازمة، والحقوق الواجبة، فليس عنده هوادة ولا إغضاء ولا مداهنة «١» ؛ أثرة للحق، وقياما بالعدل، وأخذا بالحزم. فدعا أهل خراسان الاغترار بحلمه، والثقة بعفوه، أن كسروا الخراج، وطردوا العمال، وسألوا ما ليس لهم من الحقّ؛ ثم خلطوا احتجاجا باعتذار، وخصومة بإقرار، وتنصّلا باعتلال. فلما انتهى ذلك إلى المهدي، خرج إلى مجلس خلّائه، وبعث إلى نفر من لحمته ووزرائه، فأعلمهم الحال، واستنحصهم للرعية؛ ثم أمر الموالي بالابتداء؛ وقال للعباس بن محمد: أي عم، تعقّب قولنا، وكن حكما بيننا. وارسل إلى ولديه موسى وهارون فأحضرهما الأمر، وشاركهما في الرأي. وأمر محمد ابن الليث بحفظ مراجعتهم وإثبات مقالتهم في كتاب. فقال سلّام صاحب دار المظالم: أيها المهدى، إن في كل أمر غاية، ولكل قوم صناعة، استفرغت رأيهم، واستغرقت أشغالهم، واستنفدت أعمارهم، وذهبوا بها وذهبت بهم، وعرفوا بها وعرفت بهم؛ ولهذه الأمور التي جعلتنا فيها غاية وطلبت معونتنا عليها: أقوام من أبناء الحرب، وساسة الأمور، وقادة الجنود، وفرسان الهزاهز «٢» ، وإخوان التجارب، وأبطال الوقائع، الذين رشحتهم سجالها، وفيّأتهم ظلالها، وعضّتهم شدائدها، وقرمتهم نواجذها «٣» ؛ فلو عجمت ما قبلهم، وكشفت ما عندهم، لوجدت نظائر تؤيّد أمرك، وتجارب توافق نظرك، وأحاديث تقوّي قلبك. فأما نحن معاشر عمّا لك، وأصحاب دو اوينك، فحسن بنا وكثير منّا أن نقوم بثقل ما حمّلتنا من عملك، واستودعتنا من أمانتك، وشغلتنا به من إمضاء عدلك وإنفاذ حكمك، وإظهار حقك. فأجابه المهدي: إن في كل قوم حكمة، ولكل زمان سياسة، وفي كل حال تدبير يبطل الآخر الأوّل؛ ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا.

стр. 166

قال: نعم أيها المهدي، أنت متسع الرأي، وثيق العقدة قوي المنّة «١» ، بليغ الفطنة، معصوم النية، محضور الرّويّة، مؤيّد البديهة، موفّق العزيمة، معان بالظفر، مهديّ إلى الخير؛ إن هممت ففي عزمك مواقع الظنّ، وإن أجمعت صدع فعلك ملتبس الشك، فاعزم يهد الله إلى الصواب قلبك، وقل ينطق الله بالحق لسانك، فإن جنودك جمة، وخزائنك عامرة، ونفسك سخية، وأمرك نافذ. فأجابه المهدي: إن المشاورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة، لا يهلك عليهما رأي، ولا يتفيّل «٢» معهما حزم؛ فأشيروا برأيكم، وقولوا بما يحضركم؛ فإني من ورائكم، وتوفيق الله من وراء ذلك. قال الربيع: أيها المهدي، إنّ تصاريف وجوه الرأي كثيرة، وإن الإشارة ببعض معاريض القول «٣» يسيرة؛ ولكنّ خراسان أرض بعيدة المسافة، متراخية الشّقة، متفاوتة السّبل، فإذا ارتأيت من محكم التّدبير، ومبرم التقدير، ولباب الصواب. رأيا قد أحكمه نظرك، وقلّبه تدبيرك، فليس وراءه مذهب لحجة طاعن، ولا دونه متعلق لخصومة عائب، ثم خبّت «٤» البرد به، وانطوت الرسل عليه. كان بالحرى ألّا يصل إليهم محكمه إلا وقد حدث منهم ما ينقضه؛ فما أيسر أن ترجع إليك الرسل وترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم، وشوارد آثارهم، ومصادر أمورهم؛ فتحدث رأيا غيره، وتبتدع تدبيرا سواه، وقد انفرجت الحلق «٥» ، وتحلّلت العقد، واسترخى الحقاب «٦» ، وامتد الزمان. ثم لعلّما موقع الآخرة كمصدر الأولى. ولكن الرأي لك أيها المهدي وفّقك الله، أن تصرف إجالة النظر، وتقليب الفكر فيما جمعتنا له واستشرتنا فيه من التدبير لحربهم والحيل في أمرهم، إلى الطلب لرجل ذي دين

стр. 167

فاضل، وعقل كامل، وورع واسع، ليس موصوفا بهوى في سواك، ولا متهما في أثرة عليك، ولا ظنينا على دخلة مكروهة، ولا منسوبا إلى بدعة محذورة، فيقدح في ملكك، ويربّض الأمور لغيرك، ثم تسند إليه أمورهم، وتفوض إليه حربهم، وتأمره في عهدك ووصيتك إياه بلزوم أمرك ما لزمه الحزم، وخلاف نهيك إذا خالفه الرأي، عند استحالة الأمور واستدارة الأحوال التي ينقص أمر الغائب عنها، ويثبت رأي الشاهد لها، فإنه إذا فعل ذلك فواثب أمرهم من قريب، وسقط عنه ما يأتي من بعيد، تمت الحيلة، وقويت المكيدة، ونفذ العمل، وأحد النظر إن شاء الله. قال الفضل بن العباس: أيها المهدي، إن وليّ الأمور، وسائس الحروب، ربما نحّى جنوده، وفرّق أمواله، في غير ما ضيق أمر حزبه. ولا ضغطة حال اضطرّته، فيقعد عند الحاجة إليها ويعد التفرقة لها عديما منها، فاقدا لها، لا يثق بقوة، ولا يصول بعدّة، ولا يفزع إلى ثقة. فالرأي لك أيها المهدي وفقك الله، أن تعفي خزائنك من الإنفاق للأموال، وجنودك من مكابدة الأسفار، ومقارعة الأخطار وتغرير القتال. ولا تسرع للقوم في الإجابة إلى ما يطلبون، والإعطاء لما يسألون، فيفسد عليك أدبهم، وتجرّيء من رعيتك غيرهم؛ ولكن اغزهم بالحيلة، وقاتلهم بالمكيدة، وصارعهم باللين، وخاتلهم بالرفق «١» ، وأبرق لهم بالقول، وأرعد نحوهم بالفعل، وابعث البعوث، وجند الجنود وكتّب الكتائب، واعقد الألوية، وانصب الرايات، وأظهر أنك موجّه إليهم الجيوش مع أحنق «٢» قوادك عليهم، وأسوئهم أثرا فيهم، ثم ادسس الرسل، وابثث الكتب، وضع بعضهم على طمع من وعدك، وبعضا على خوف من وعيدك، وأوقد بذلك وأشباهه نيران التحاسد فيهم، واغرس أشجار التنافس بينهم، حتى تملأ القلوب من الوحشة، وتنطوي الصدور على البغضة، ويدخل كلّا من كلّ الحذر والهيبة؛ فإن مرام الظفر بالغيلة، والقتال بالحيلة، والمناصبة بالكتب، والمكايدة بالرسل، والمقارعة بالكلام اللطيف المدخل في القلوب، القوي الموقع من النفوس، المعقود بالحجج، الموصول بالحيل، المبنيّ على الّلين، الذي

стр. 168

يستميل القلوب، ويسترقّ العقول، ويسبي الآراء، ويستميل الأهواء، ويستدعي المواتاة «١» - أنفذ من القتال بظبات السيوف وأسنة الرماح: كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيّته بالحيل، ويفرّق كلمة عدوه بالمكايدة، أحكم عملا وألطف نظرا وأحسن سياسة من الذي لا ينال ذلك إلا بالقتال، والإتلاف للأموال، والتغرير والخطار. وليعلم المهدي- وفقه الله- أنه إن وجه لقتالهم رجلا، لم يسر لقتالهم إلا بجنود كثيفة تخرج على حال شديدة، وتقدم على أسفار ضيقة، وأهوال متفرّقة، وقواد غششة «٢» ، إن ائتمنهم استنفدوا ماله، وإن استنصحهم كانوا عليه لا له. قال المهدي: هذا رأي قد أسفر نوره، وبرق ضوؤه، وتمثل صوابه للعيون، وتجسد حقه في القلوب، ولكن فوق كلّ ذي علم عليم. ثم نظر إلى ابنه عليّ فقال: ما تقول؟ قال علي: أيها المهدي، إن أهل خراسان لم يخلعوا من طاعتك يدا، ولم ينصبوا من دونك أحدا يكدح في تغيير ملكك، ويربّض «٣» الأمور لفساد دولتك؛ ولو فعلوا لكان الخطب أيسر، والشأن أصغر، والحال أدل؛ لأن الله مع حقه الذي لا يخذله، وعند موعده الذي لا يخلفه: ولكنهم قوم من رعيتك، وطائفة من شيعتك، الذين جعلك الله عليهم واليا، وجعل العدل بينك وبينهم حاكما، طلبوا حقا، وسألوا إنصافا؛ فإن أجبت إلى دعوتهم، ونفست عنهم قبل أن تتلاحم منهم حال، أو يحدث من عندهم فتق، أطعت أمر الرب، وأطفأت نائرة الحرب «٤» ، ووفّرت خزائن المال، وطرحت تغرير «٥» القتال؛ وحمل الناس محمل ذلك على طبيعة جودك وسجيّة حلمك، وإسجاح خليقتك «٦» ، ومعدلة نظرك؛ فأمنت أن تنسب إلى ضعفة، وأن يكون ذلك لهم فيما بقي دربة. وإن منعتهم ما طلبوا، ولم تجبهم إلى ما سألوا،

стр. 169

اعتدلت بك وبهم الحال، وساويتهم في ميدان الخطاب. فما أرب المهدي أن يعمد إلى طائفة من رعيته: مقرّين بمملكته، مذعنين لطاعته، لا يخرجون أنفسهم عن قدرته، ولا يبرئونها من عبوديّته، فيملّكهم أنفسهم، ويخلع نفسه عنهم، ويقف على الجدل معهم، ثم يجازيهم السوء في جد المقارعة، ومضمار المخاطرة؟ أيريد المهدي- وفقه الله- الأموال؟ فلعمري لا ينالها ولا يظفر بها إلا بإنفاق أكثر مما يطلب منهم، وأضعاف ما يدّعي قبلهم؛ ولو نالها فحملت إليه، أو وضعت بخرائطها بين يديه، ثم تجافى لهم عنها، وطال عليهم بها، لكان مما إليه ينسب وبه يعرف، من الجود الذي طبعه الله عليه، وجعل قرّة عينه ونهمة نفسه فيه. فإن قال المهدي: هذا رأي مستقيم سديد في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمّالنا وتحامل ولاتنا، فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود، وأنطقوا لسان الإرجاف «١» ، وفتحوا باب المعصية، وكسروا قيد الفتنة؛ فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نكالا لغيرهم؛ وعظة لسواهم. فيعلم المهدي أنه لو أتى بهم مغلولين في الحديد، مقرّنين في الأصفاد، ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه، ولإقالة عثرتهم صفحه، واستبقاهم لما هم فيه من حربه، أو لمن بإزائهم من عدوّه، لما كان بدعا من رأيه، ولا مستنكرا من نظره. لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفوا، وأشدّها وقعا، وأصدقها صولة، وأنه لا يتعاظمه عفو، ولا يتكاءده «٢» صفح، وإن عظم الذنب وجلّ الخطب. فالرأي للمهدي- وفقه الله تعالى- أن يحل عقدة الغيظ بالرجاء لحسن ثواب الله في العفو عنهم، وأن يذكر أولى حالاتهم وضيعة عيالاتهم، برّا بهم، وتوسّعا لهم، فإنهم إخوان دولته، وأركان دعوته، وأساس حقه، الذين بعزتهم يصول، وبحجتهم يقول. وإنما مثلهم فيما دخلوا فيه من مساخطه، ونعرّضوا له من معاصيه، وانطووا فيه عن إجابته؛ ومثله في قلة ما غيّر ذلك من رأيه فيهم، أو نقل من حاله لهم، أو تغيّر من نعمته بهم- كمثل رجلين أخوين متناصرين متوازرين، أصاب أحدهما خبل عارض «٣» ، ولهو حادث، فنهض

стр. 170

إلى أخيه بالأذى، وتحامل عليه بالمكروه؛ فلم يزدد أخوه إلا رقّة له، ولطفا به، واحتيالا لمداواة مرضه، ومراجعة حاله، عطفا عليه، وبرّا به، ومرحمة له. فقال المهدي: أما عليّ فقد نوى اللّيان، وفضّ القلوب عن أهل خراسان، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون. ثم قال: ما ترى يا أبا محمد؟ يعني موسى ابنه. فقال موسى: أيها المهدي، لا تسكن إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنتهم، وأنت ترى الدماء تسيل من خلل فعلهم. والحال من القوم تنادي بمضمرة شرّ، وخفيّة حقد، قد جعلوا المعاذير عليها سترا، واتخذوا العلل من دونها حجابا، رجاء أن يدافعوا الأيام بالتأخير، والأمور بالتطويل، فيكسروا حيل المهدي فيهم، ويثنوا جنوده عنهم، حتى يتلاحم أمرهم، وتتلاحق مادّتهم، وتستفحل حربهم، وتستمرّ الأمور بهم؛ والمهديّ من قوتهم في حال غرة «١» ! ولباس أمنة، قد فتر «٢» لها، وأنس بها، وسكن إليها. ولولا ما اجتمعت له قلوبهم، وبردت عليه جلودهم، من المناصبة بالقتال، والإضمار للقراع، عن داعية ضلال أو شيطان فساد، لرهبوا عواقب أحوال الولاة، وغبّ سكون الأمور. فليشدد المهدي- وفقه الله- أزره لهم، ويكتّب كتائبه نحوهم، وليضع الأمر على أشدّ ما يحضره فيهم، وليوقن أنه لا يعطيهم خطة يريد بها صلاحهم إلا كانت دربة لفسادهم، وقوة على معصيتهم، وداعية إلى عودتهم، وسببا لفساد من بحضرته من الجنود، ومن ببابه من الوفود الذين إن أقرّهم على تلك العادة، وأجراهم على ذلك الأدب لم يبرح في فتق حادث، وخلاف حاضر، لا يصلح عليه دين، ولا تسقيم به دنيا. وإن طلب تغييره بعد استحكام العادة، واستمرار الدّربة، لم يصل إلى ذلك بالعقوبة المفرطة، والمئونة الشديدة. والرأي للمهدي- وفقه الله- ألّا يقيل عثرتهم، ولا يقبل معذرتهم، حتى تطأهم الجيوش، وتأخذهم السيوف. ويستحرّ «٣» بهم القتل، ويحدق بهم الموت، ويحيط بهم البلاء، ويطبق عليهم الذل.

стр. 171

فإن فعل المهديّ بهم ذلك كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم، وهزيمة لكل بادرة شرّ منهم. واحتمال المهدي مؤونة غزوتهم هذه يضع عنه غزوات كثيرة، ونفقات عظيمة. قال المهدي: قد قال القوم فاحكم يا أبا الفضل. فقال العباس بن محمد: أيها المهدي، أما الموالي فأخذوا بفروع الرأي، وسلكوا جنبات الصواب، وتعدّوا أمورا قصّر بنظرهم عنها أنه لم تأت تجاربهم عليها. وأما الفضل فأشار بالأموال ألا تنفق، والجنود ألا تفرّق، وبأن لا يعطى القوم ما طلبوا، ولا يبذل لهم ما سألوا، وجاء بأمر بين ذلك، استصغارا لأمرهم واستهانة بحربهم، وإنما يهيج جسيمات الأمور صغارها. وأما عليّ فأشار باللين وإفراط الرفق. وإذا جرّد الوالي لمن غمط «١» أمره وسفه حقّه، اللين بحتا، والخير محضا، لم يخلطهما بشدة تعطف القلوب على لينه، ولا بشر يحيشهم «٢» إلى خيره؛ فقد ملّكهم الخلع لعذرهم «٣» ووسّع لهم الفرجة لثنى أعناقهم، فإن أجابوا دعوته، وقبلوا لينه من غير ما خوف اضطرهم، ولا شدة حال أخرجتهم، لم يزل ذلك يهيج عزة في نفوسهم، ونزوة في رءوسهم، يستدعون بها البلاء إلى أنفسهم؛ ويصرفون بها رأي المهدي فيهم. وإن لم يقبلوا دعوته، ويسرعوا لإجابته بالّلين المحض والخير الصّراح، فذلك ما عليه الظنّ بهم، والرأي فيهم، وما قد يشبه أن يكون من مثلهم؛ لأن الله تعالى خلق الجنة وجعل فيها من النعيم المقيم والملك الكبير ما لا يخطر على قلب بشر، ولا تدركه الفكر، ولا تعلمه نفس؛ ثم دعا الناس إليها ورغّبهم فيها؛ فلولا أنه خلق نارا جعلها لهم رحمة يسوقهم بها إلى الجنة، لما أجابوا ولا قبلوا. وأما موسى فأشار بأن يعصبوا بشدّة لا لين فيها، وأن يرموا بشرّ لا خير معه.

стр. 172

وإذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته وخالف جماعته، الخوف مفردا والشرّ مجردا، ليس معهما طمع يكسرهم، ولا لين يثنيهم، امتدت الأمور بهم، وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين: إما أن تدخلهم الحميّة من الشدة، والأنفة من الذلّة، والامتعاض «١» من القهر، فيدعوهم ذلك إلى التمادي في الخلاف، والاستبسال في القتال، والاستسلام للموت؛ وإما أن ينقادوا بالكره، ويذعنوا بالقهر، على بغضة لازمة، وعداوة باقية، تورث النفاق، وتعقب الشقاق، فإذا أمكنتهم فرصة، أو ثابت لهم قدرة، أو قويت لهم حال، عاد أمرهم إلى أصعب وأغلظ وأشدّ مما كان. وقال: في قول الفضل أيها المهدي، أكفى دليل، وأوضح برهان، وأبين خبر بان. قد اجتمع رأيه، وحزم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش، إليهم، وتوجيه البعوث نحوهم، مع إعطائهم ما سألوا من الحق، وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل. قال المهدي: ذلك رأي. قال هارون: خلطت الشدة أيها المهدي باللين، فصارت الشدة أمرّ فطام لما تكره، وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب؛ ولكن أرى غير ذلك. قال المهدي: لقد قلت قولا بديعا، وخالفت به أهل بيتك جميعا، والمرء متّهم بما قال، وظنين بما ادّعى، حتى يأتي ببينة عادلة، وحجة ظاهرة، فاخرج عما قلت. قال هارون: أيها المهدي، إن الحرب خدعة، والأعاجم قوم مكرة، وربما اعتدلت الحال بهم، واتفقت الأهواء منهم، فكان باطن ما يسرّون على ظاهر ما يعلنون؛ وربما افترقت الحالان، وخالف القلب اللسان، فانطوى القلب على محجوبة تبطن، واستسرّ بمدخولة لا تعلن؛ والطبيب الرفيق بطبّه، البصير بأمره، العالم بمقدّم يده، وموضع ميسمه «٢» ، لا يتعجل بالدواء حتى يقع على معرفة الداء؛ فالرأي للمهدي- وفقه الله- أن يفرّ «٣» باطن أمرهم فرّ المسنّة، ويمخض ظاهر حالهم

стр. 173

محض السّقاء، بمتابعة الكتب، ومظاهرة الرسل، وموالاة العيون، حتى تهتك حجب غيوبهم، وتكشف أغطية أمورهم؛ فإن انفرجت الحال له وأفضت الأمور به إلى تغيير حال أو داعية ضلال، اشتملت الأهواء عليه، وانقاد الرجال إليه، وامتدت الأعناق نحوه، بدين يعتقدونه. وإثم يستحلّونه، عصبهم بشدّة «١» . لا لين فيها، ورماهم بعقوبة لا عفو معها، وإن انفرجت الغيوب، واهتصرت السّتور، ورفعت الحجب، والحال فيهم مريعة «٢» ، والأمور بهم معتدلة، عن أرزاق يطلبونها، وأعمال ينكرونها، وظلامات يّدعونها، وحقوق يسألونها، بماتّة سابقتهم، ودالّة مناصحتهم. فالرأي للمهدي- وفقه الله- أن يتسع لهم بما طلبوا، ويتجافى لهم عما كرهوا، ويشعب «٣» من أمرهم ما صدعوا، ويرتق من فتقهم ما فتقوا؛ ويولّي عليهم من أحبّوا، ويداوي بذلك مرض قلوبهم، وفساد أمورهم؛ فإنما المهدي وأمته وسواد أهل مملكته بمنزلة الطبيب الرفيق، والوالد الشفيق، والراعي الحدب، الذي يحتال لمرابض غنمه، وضوالّ رعيته، حتى يبرىء المريضة من داء علتها، ويرد الضالّة إلى أنس جماعتها. ثم إن خراسان بخاصة لهم ذالّة محمولة، وماتّة مقبولة، ووسيلة معروفة، وحقوق واجبة؛ لأنهم أيدي دولته، وسيوف دعوته، وأنصار حقه، وأعوان عدله. فليس من شأن المهدي الاضطغان عليهم، ولا المؤاخذة لهم، ولا التوعّر بهم «٤» ، ولا المكافأة بإساءتهم؛ لأن مبادرة حسم الأمور ضيعفة قبل أن تقوى، ومحاولة قطع الأصول ضئيلة قبل أن تغلظ، أحزم في الرأي وأصحّ في التدبير، من التأخير لها والتهاون بها، حتى يلتئم قليلها بكثيرها، وتجتمع أطرافها إلى جمهورها. قال المهدي: ما زال هارون يقع وقع الحيا، حتى خرج خروج القدح مما قال، وانسلّ انسلال السيف فيما ادعى، فدعوا ما قد سبق موسى فيه أنه هو الرأي، وثنّى بعده هارون، ولكن من لأعنّة الخيل، وسياسة الحرب، وقيادة الناس، إن أمعن بهم اللجاج، وأفرطت بهم الدالّة؟ «٥»

стр. 174

قال صالح: لسنا نبلغ أيها المهدي بدوام البحث وطول الفكر أدنى فراسة رأيك، وبعض لحظات نظرك؛ وليس ينفضّ عنك من بيوتات العرب ورجالات العجم، ذو دين فاضل ورأي كامل، وتدبير قويّ، تقلده حربك، وتستودعه جندك، ممن يحتمل الأمانة العظيمة، ويضطلع بالأعباء الثقيلة. وأنت بحمد الله ميمون النقيبة، مبارك العزيمة، مخبور التجارب، محمود العواقب، معصوم العزم؛ فليس يقع اختيارك ولا يقف نظرك على أحد تولّيه أمرك وتسند إليه ثغرك إلا أراك الله ما تحب، وجمع لك منه ما تريد. قال المهدي: إني لأرجو ذلك. لقديم عادة الله فيه، وحسن معونته عليه. ولكن أحب الموافقة على الرأي، والاعتبار للمشاورة في الأمر المهم. قال محمد بن الليث: أهل خراسان- أيها المهدي- قوم ذو وعزة ومنعة، وشياطين خدعة زرع الحمية فيهم نابتة، وملابس الأنفة عليهم ظاهرة، فالرّويّة عنهم عازبة «١» ، والعجلة فيهم حاضرة، تسبق سيولهم مطرّهم، وسيوفهم عذلهم، لأنهم بين سفلة لا يعدو مبلغ عقولهم منظر عيونهم، وبين رؤساء لا يلجمون إلا بشدّة ولا يفطمون إلا بالقهر؛ وإن ولّى المهدي عليهم وضيعالم تنقد له العظماء، وإن ولّى أمرهم شريفا تحامل على الضعفاء. وإن أخّر المهديّ أمرهم ودافع حربهم حتى يصيب لنفسه من حشمه ومواليه، أو بني عمه أو بني أبيه، ناصحا يتفق عليه أمرهم، وثقة تجتمع له أملاؤهم «٢» ، بلا أنفة تلزمهم، ولا حميّة تدخلهم، ولا عصبية تنفّرهم، تنفست الأيام بهم، وتراخت الحال بأمرهم، فدخل بذلك من الفساد الكبر والضياع العظيم ما لا يتلافاه صاحب هذه الصفة وإن جدّ ولا يستصلحه وإن جهد، إلا بعد دهر طويل، وشر كبير. وليس المهدي- وفقه الله- فاطما عاداتهم ولا قارعا صفاتهم «٣» بمثل أحد رجلين لا ثالث لهما، ولا عدل في ذلك بهما: أحدهما لسان ناطق موصول بسمعك،

стр. 175

ويد ممثّلة لعينك، وصخرة لا تزعزع، وبهمة لا ينثني «١» ، وبازل لا يفزعه صوت الجلجل «٢» ، نقيّ العرض، نزيه النفس، جليل الخطر، قد اتضعت الدنيا عن قدره، وسما نحو الآخرة بهمّته، فجعل الغرض الأقصى لعينه نصبا، والغرض الأدنى لقدمه موطئا، فليس يغفل عملا، ولا يتعدّى أملا وهو رأس مواليك، وأنصح بني أبيك رجل قد غذّي بلطيف كرامتك، ونبت في ظل دولتك ونشأ على قويم أدبك؛ فإن قلدته أمرهم، وحمّلته ثقلهم، وأسندت إليه ثغرهم: كان قفلا فتحه أمرك، وبابا أغلقه نهيك، فجعل العدل عليه وعليهم أميرا، والإنصاف بينه وبينهم حاكما. وإذا حكم النصفة وسلك المعدلة فأعطاهم مالهم وأخذ منهم ما عليهم، غرس لك في الذي بين صدورهم، وأسكن لك في السّويداء داخل قلوبهم طاعة راسخة العروق، باسقة الفروع، متمثّلة في حواشي عوامّهم، متمكنّة من قلوب خواصهم، فلا يبقى فيهم ريب إلا نفوه، ولا يلزمهم حق إلا أدّوه، وهذا أحد هما. والآخر عود من غيضتك، ونبعة «٣» من أرومتك، فتيّ السنّ، كهل الحلم، راجح العقل، محمود الصّرامة، مأمون الخلاف، يجرّد فيهم سيفه، ويبسط عليهم خيره بقدر ما يستحقون، وعلى حسب ما يستوجبون، وهو فلان أيها المهدي، فسلّطه- أعزك الله- عليهم، ووجّهه بالجيوش إليهم، ولا تمنعك ضراعة سنّه «٤» وحداثة مولده؛ فإن الحلم والثقة مع الحداثة خير من الشك والجهل مع الكهولة؛ وإنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم الله عليه واختصّكم به من مكارم الأخلاق، ومحامد الفعال، ومحاسن الأمور، وصواب التدبير، وصرامة الأنفس، كفراخ عتاق الطير «٥» المحكمة لأخذ الصيد بلا تدريب، والعارفة لوجوه النفع بلا تأديب؛ فالحلم والعلم والعزم والحزم

стр. 176

والجود والتؤدة والرفق ثابت في صدوركم، مزروع في قلوبكم، مستحكم لكم، متكامل عندكم، بطبائع لازمة، وغرائز ثابتة. قال معاوية بن عبد الله: أفتاء «١» أهل بيتك أيها المهدي في الحلم على ما ذكر، وأهل خراسان في حال عزّ على ما وصف. ولكن إن ولّى المهديّ عليهم رجلا ليس بقديم الذّكر في الجنود، ولا بنبيه الصوت في الحروب، ولا بطويل التجربة للأمور، ولا بمعروف السياسة للجيوش والهيبة في الأعداء، دخل من ذلك أمران عظيمان، وخطران مهولان: أحدهما أن الأعداء يغتمزونها منه، ويحتقرونها فيه، ويجترءون بها عليه في النّهوض به والمقارعة له والخلاف عليه، قبل الاختبار لأمره، والتكشّف لحاله، والعلم بطباعه. والأمر الآخر أن الجنود التي يقول، والجيوش التي يسوس، إذا لم يختبروا منه البأس والنجدة، ولم يعرفوه بالصّوت والهيبة؛ انكسرت شجاعتهم، وماتت نجدتهم، واستأخرت طاعتهم إلى حين اختبارهم ووقوع معرفتهم. وربما وقع البوار قبل الاختبار. وبباب المهدي- وفقه الله- رجل مهيب نبيه حيك صيّت «٢» ، له نسب زاك وصوت عال، قد قاد الجيوش، وساس الحروب، وتألف أهل خراسان واجتمعوا عليه بالمقة «٣» ، ووثقوا به كل الثّقة، فلو ولّاه المهدي أمرهم لكفاه الله شرهم. قال المهدي: جانبت قصد الرّميّة، وأبيت إلا عصبية، إذ رأي الحدث من أهل بيتنا كرأي عشرة حلماء من غيرنا، ولكن أين تركتم ولي العهد؟ قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جدّه، ونسيج وحده، ومن الدين وأهله بحيث يقصر القول عن أدنى فضله، ولكن وجدنا الله قد حجب عن خلقه، وستر من دون عباده، علم ما تختلف به الأيام، ومعرفة ما تجري به المقادير، من حوادث الأمور وريب المنون، المخترمة لخوالي القرون ومواضي الملوك؛ فكرهنا

стр. 177

شسوعه «١» عن محلة الملك، ودار السلطان، ومقرّ الإمامة والولاية، وموضع المدائن والخزائن، ومستقرّ الجنود، وموضع الوجوه، ومجمع الأموال التي جعلها الله قطبا لمدار الملك، ومصيدة لقلوب الناس، ومثابة لإخوان الطمع، وثوّار الفتن، ودواعي البدع، وفرسان الضلال، وأبناء المروق؛ وقلنا: إن وجّه المهدي وليّ عهده فحدث في جيوشه وجنوده ما قد حدث بجنود الرسل من قبله، لم يستطع المهدي أن يعقبه بغيره، إلا أن ينهض إليهم بنفسه؛ وهذا خطر عظيم، وهول شديد؛ وإن تنفّست الأيام بمقامه، واستدامت الحال بأيامه، حتى يقع عرض لا يستغني فيه، أو يحدث أمر لابد فيه منه، صار ما بعده مما هو أعظم هولا وأجل خطرا. له تبعا وبه متّصلا. قال المهدي: الخطب أيسر مما تذهبون إليه؛ وعلى غير ما تصفون الأمر عليه، نحن أهل البيت. نجري من أسباب القضايا ومواقع الأمور على سابق من العلم، ومحتوم من الأمر، قد أنبأت به الكتب، وتتابعت عليه الرسل، وقد تناهى ذلك بأجمعه إلينا، وتكامل بحذافيره «٢» عندنا، فبه ندبّر، وعلى الله نتوكل: إنه لا بدّ لوليّ عهدي- ووليّ عهدي عقبي بعدي- أن يقود إلى خراسان البعوث، ويتوجّه نحوها بالجنود. أما الأول فإنه يقدّم إليهم رسله، ويعمل فيهم حيله، ثم يخرج نشطا إليهم، حنقا عليهم، يريد ألّا يدع أحدا من إخوان الفتن، ودواعي البدع، وفرسان الضلال، إلا توطّأه بحرّ القتل، وألبسه قناع القهر، وطوّقه طوق الذّل. ولا أحدا من الذين عملوا في قصّ جناح الفتنة، وإخماد نار البدعة، ونصرة ولاة الحق، إلا أجرى عليهم ديم فضله، وجداول بذله، فإذا خرج مزمعا به مجمعا عليه؛ لم يسر إلا قليلا حتى يأتيه أن قد عملت حيله؛ وكدحت كتبه؛ ونفذت مكايده؛ فهدأت نافرة القلوب، ووقعت طائرة الأهواء «٣» ، واجتمع عليه المختلفون بالرضا؛ فيميل نظرا لهم وبرّا بهم وتعطّفا عليهم، إلى عدوّ قد أخاف سبيلهم، وقطع طريقهم، ومنع حجّاجهم بيت الله

стр. 178

الحرام، وسلب تجارهم رزق الله الحلال. وأما الآخر فإنه يوجه إليهم من يعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون، وبذل ما يسألون، فإذا سمحت الفرق بقرانها له، وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه، فأصغت إليه الأفئدة، واجتمعت له الكلمة، وقدمت عليه الوفود، قصد لأول ناحية بخعت «١» بطاعتها، وألقت بأزمتها، فألبسها جناح نعمته، وأنزلها ظلّ كرامته، وخصّها بعظيم حبائه، ثم عمّ الجماعة بالمعدلة؛ وتعطّف عليهم بالرحمة، فلا تبقى فيهم ناحية دانية، ولا فرقة قاصية، إلا دخلت عليها بركته، ووصلت إليها منفعته، فأغنى فقيرها، وجبر كسيرها، ورفع وضيعها، وزاد رفيعها، ما خلا ناحيتين: ناحية يغلب عليهم الشقاء وتستميلهم الأهواء فتستخف بدعوته، وتبطيء عن إجابته، وتتثاقل عن حقه، فتكون آخر من يبعث، وأبطأ من يوجّه، فيضطمر عليها موجده، «٢» ويبتغي لها علة، لا يلبث أن يجدها بحقّ يلزمهم؛ وأمر يجب عليهم، فتستلحمهم الجيوش، وتأكلهم السيوف، ويستحرّفيهم القتل، ويحيط بهم الأسر، ويفنيهم التتبّع، حتى يخرب البلاد، ويؤتم الأولاد. وناحية لا يبسط لهم أمانا، ولا يقبل لهم عهدا، ولا يجعل لهم ذمة؛ لأنهم أول من فتح باب الفرقة، وتدرّع جلباب الفتنة، وربض «٣» في شقّ العصا. ولكنه يقتل أعلامهم، ويأسر قوّادهم، ويطلب هرّابهم في لجج البحار، وقلل الجبال، وخمر الأودية، وبطون الأرض، تقتيلا وتغليلا وتنكيلا؛ حتى يدع الدّيار خرابا، والنّساء أيامى. وهذا أمر لا نعرف له في كتبنا وقتا، ولا نصحّح منه غير ما قلنا تفسيرا. وأما موسى ولي عهدي، فهذا أوان توجّهه إلى خراسان، وحلوله بجرجان؛ وما قضى الله له من الشخوص «٤» إليها والمقام فيها، خير للمسلمين مغبّة، وله بإذن الله عاقبة، من المقام بحيث يغمر في لجج بحورنا ومدافع سيولنا ومجامع أمواجنا،

стр. 179

فيتصاغر عظيم فضله، ويتذأب «١» مشرق نوره، ويتقلل كثير ما هو كائن منه فمن يصحبه من الوزراء ومن يختار له من الناس؟ قال محمد بن الليث: أيها المهدي، إن وليّ عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علما قد تثنّت نحوه أعناقها، ومدّت سمته أبصارها، وقد كان لقرب داره منك، ومحلّ جواره لك، عطل الحال، غفل الأمر، واسع العذر، فأما إذا انفرد بنفسه، وخلا بنظره، وصار إلى تدبيره، فإن من شأن العامة وأمراء الأمة أن تتفقد مخارج رأيه، وتستنصت لمواقع آثاره، وتسأل عن حوادث أحواله، في برّه ومرحمته، وإقساطه ومعدلته، وتدبيره وسياسته، ووزرائه وأصحابه، ثم يكون ما سيق إليهم أغلب الأشياء عليهم، وأملك الأمور بهم، وألزمها لقلوبهم، وأشدّها استمالة لرأيهم، وعطفا لأهوائهم. فلا يفتأ المهدي- وفقه الله- ناظرا له فيما يقوّي عمد مملكته، ويسدّد أركان ولايته، ويستجمع رضا أمته، بأمر هو أزين لحاله، وأظهر لجماله، وأفضل مغبّة لأمره، وأجلّ موقعا في قلوب رعيته، وأحمد حالا في نفوس أهل ملّته. ولا أوقع مع ذلك باستجماع الأهواء له؛ وأبلغ في استعطاف القلوب عليه، من مرحمة تظهر من فعله، ومعدلة تنتشر عن أثره، ومحبة للخير وأهله، وأن يختار المهديّ- وفقه الله- من خيار أهل كل بلدة، وفقهاء أهل كلّ مصر. أقواما تسكن العامة إليهم إذا ذكروا، وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا، ثم تسهّل لهم عمارة سبل الإحسان؛ وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له وسهل عليه. قال المهدي: صدقت ونصحت. ثم بعث في ابنه موسى؛ فقال: أي بنيّ، إنك قد أصبحت لسمت عيون العامة نصبا «٢» ، ولمثنى أعطاف الرعية غاية، فحسنتك شاملة، وإساءتك نامية، وأمرك ظاهر. فعليك بتقوى الله وطاعته، فاحتمل سخط الناس فيهما، ولا تطلب رضاهم بخلافهما؛ فإن الله كافيك من أسخطه عليك إيثارك رضاه؛ وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه. ثم اعلم أن لله تعالى في كل زمان عترة من رسله، وبقايا من صفوة خلقه، وخبايا

стр. 180

لنصرة حقه، يجدّد حبل الإسلام بدعواهم ويشيد أركان الدين بنصرتهم، ويتخذهم لأولياء دينه أنصارا، وعلى إقامة عدله أعوانا، يسدّون الخلل، ويقيمون الميل، ويدفعون عن الأرض الفساد؛ وإنّ أهل خراسان أصبحوا أيدي دولتنا، وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره بطاعتهم، ونصرف نزول العظائم بمناصحتهم، وندافع ريب الزمان بعزائمهم، ونزاحم ركن الدهر ببصائرهم. فهم عماد الأرض إذا أرجفت كنفها «١» ، وحتوف الأعداء إذا أبرزت صفحتها، وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها؛ قد مضت لهم وقائع صادقات؛ ومواطن صالحات، أخمدت نيران الفتن، وقصمت دواعي البدع، وأذلّت رقاب الجبّارين، ولم ينفكّوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا، وأقاموا في ظلّ دعوتنا، واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعزّ الله بها ذلّتهم، ورفع بها ضعتهم، وجعلهم بها أربابا في أقطار الأرضين، وملوكا على رقاب العالمين، بعد لباس الذّل، وقناع الخوف، وإطباق البلاء، ومحالفة الأسى، وجهد البأس والضر. فظاهر عليهم لباس كرامتك، وأنزلهم في حدائق نعمتك. ثم اعرف لهم حقّ طاعتهم، ووسيلة دالّتهم، وماتة «٢» سابقتهم، وحرمة مناصحتهم، بالإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، والإثابة لمحسنهم، والإقالة لمسيئهم. أي بنيّ؛ ثم عليك العامة. فاستدع رضاها بالعدل عليها. واستجلب مودّتها بالإنصاف لها، وتحسّن بذلك لربك، وتزيّن به في عين رعيّتك، واجعل عمال القدر، وولاة الحجج، مقدّمة بين يدي عملك، ونصفة منك لرعيتك؛ وذلك أن تأمر قاضي كل بلد، وخيار أهل كل مصر، أن يختاروا لأنفسهم رجلا تولّيه أمرهم، وتجعل العدل حاكما بينه وبينهم، فإن أحسن حمدت، وإن أساء عذرت. هؤلاء عمال القدر؛ وولاة الحجج. فلا يضيعنّ عليك ما في ذلك- إذا انتشر في الآفاق وسبق إلى الأسماع- من انعقاد ألسنة المرجفين، وكبت قلوب الحاسدين، إطفاء نيران الحروب، وسلامة عواقب الأمور، ولا ينفكنّ في ظل كرامتك نازلا، وبعرا «٣» حبلك متعلّقا،
следующие страницы →