Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
فياليتها صارت إلى القبر عاجلا ... وعذّبها فيه نكير ومنكر
لآخر في مثله:
وتزوّج أعرابي امرأة، فطالت صحبتها له، فتغير لها وقد طعنت في السنّ، فقالت له: ألم تكن ترضي إذا غضبت، وتعتب إذا عتبت، وتشفق إذا أبيت؛ فما بالك الآن؟ قال: ذهب الذي كان يصلح بيننا.
الأصمعي وأعرابي طلق زوجته:
الأصمعي قال: كنت أختلف إلى أعرابي أقتبس منه الغريب، فكنت إذا استأذنت عليه يقول: يا أمامة، إيذني له. فتقول: ادخل. فاستأذنت عليه مرارا فلم أسمعه يذكر أمامة؛ فقلت له: يرحمك الله، ما أسمعك تذكر أمامة منذ حين! قال: فوجم وجمة ندمت على ما كان مني؛ ثم قال:
ظعنت أمامة بالطلاق ... ونجوت من غلّ الوثاق
بانت فلم يألم لها ... قلبي ولم تدمع مآقي
ودواء ما لا تشتهيه ... النفس تعجيل الفراق
والعيش ليس يطيب بي ... ن اثنين في غير اتّفاق
لو لم أرح بفراقها ... لأرحت نفسي بالإباق «١»
لأعرابي طلق امرأته:
الأصمعي قال: تزوج أعرابي امرأة فآذته وافتدى منها بحمار وجبة، فقدم عليه ابن عمّ لها من البادية فسأله عنها؛ فقال:
خطت إلى الشيطان للحين بنته ... فأدخلها من شقوتي في حباليا
فأنقذني منها حماري وجبّتي ... جزى الله خيرا جبتي وحماريا
стр. 1157
لأعرابي بين يدي زياد:
الأصمعي قال: خاصم أعرابي امرأته إلى زياد، فشدّد على الأعرابي؛ فقال: أصلح الله الأمير؛ إن خير عمر الرجل آخره؛ يذهب جهله ويثوب حلمه، ويجتمع رأيه؛ وإن شر عمر المرأة آخره؛ يسوء خلقها، ويحدّ لسانها، وتعقم رحمها! قال له:
صدقت، اسفع «١» بيدها.
لبعض الأعراب في مثله:
قال: وذكرت أعرابية زوجها وكان شيخا! فقالت: ذهب ذفره «٢» ، وبقى بخره، وفتر ذكره.
الأصمعي قال: كان أعرابي قبيح طويل خطب امرأة؛ فقيل له: أيّ ضرب تريدها؟ قال: أريدها قصيرة جميلة، فيأتي ولدها في جمالها وطولي. فتزوجها على تلك الصفة، فجاء ولدها في قصرها وقبحه! قدم أعرابي من طيء فاحتلب لبنا ثم قعد مع زوجته ينتجعان، فقالت له: من أنعم عيشا، أنحن أم بنو مروان؟ قال لها: بنو مروان أطيب منا طعاما، إلا أنّا أردأ منهم كسوة؛ وهم أظهر منا نهارا إلا أنا نحن أظهر منهم ليلا.
الأصمعي قال: خاصم أعرابي امرأته إلى السلطان، فقيل له: ما صنعت؟ قال:
خيرا، كبها الله لوجهها ولو أمر بي إلى السجن! الأصمعي قال: استشارت أعرابية في رجل تتزوجه، فقيل لها: لا تفعلي فإنه وكلة تكلة، يأكل خلله أي يأكل ما يخرج من بين أسنانه إذا تخلل. قال أبو حاتم:
هو الخلالة. ووكلة تكلة: إذا كان يكل أمره إلى الناس ويتكل عليهم.
العتبي قال: خطب إلى أعرابي رجل موسر إحدى ابنتيه. وكان للخاطب امرأة،
стр. 1158
فقالت الكبرى: لا أريده! قال أبوها: ولم؟ قالت: يوم عتاب، ويوم اكتئاب، يبلى فيما بين ذلك الشباب! قالت الصغرى: زوّجنيه! قال لها: على ما سمعت من أختك؟
قالت: نعم، يوم تزيّن، ويوم تسمّن، وقد تقر فيما بين ذلك الأعين.
لأعرابية ترقص طفلا:
الأصمعي قال: رأيت امرأة ترقّص طفلا لها، وتقول:
أحبّه حبّ الشحيح ماله ... قد كان ذاق الفقر ثمّ ناله
إذا أراد بذله بدا له
أعرابية فقدت زوجها:
الأصمعي قال: هلك أعرابي، فأدمنت امرأته البكاء عليه. فقال بعض بنيها:
أتفقدين من أبينا غيره ... أتفقدين نفعه وخيره
أراك ما تبكين إلا أيره
فأمسكت عن البكاء.
أعرابية وأعرابي ينظر إلى ابنتها:
جلس أعرابي إلى أعرابية، فعلمت أنه ما جلس إلا لينظر إلى ابنتها، فأنشأت تقول:
وما نلت منها غير أنك نائك ... بعينيك عينيها وأيرك خائب
الرياشي قال: أنشدني العتبي لأعرابي:
ماذا تظن بسلمى إن ألّم بها ... مرجّل الرأس ذو بردين مزّاح
حلو فكاهته خزّ عمامته ... في كفّه من رقى إبليس مفتاح!
أعرابي وامرأة خطبها:
أبو حاتم عن الأصمعي قال: خطب أعرابي امرأة، فقالت: سل عني بني فلان
стр. 1159
وبني فلان. قال لها: وما علمهم بذلك؟ قالت: في كلهم نكحت وكنت، قال: أراك جلنفعة «١» قد خزمتك الخزائم، قالت: لا، ولكن جوّالة بالرجل عنتريس «٢» .
تزوج رجل من الأعراب امرأة منهم عجوزا ذات مال، فكان يصبر عليها لمالها، ثم ملّها وتركها، وكتبت إليه تستردّه، فكتب إليها يقول:
ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلا وضرب الرّقاب
فكتبت إليه: إنه والله ما يريد قيس غير طعن الكلا!
أعرابي خاطب:
المفضل الضبي قال: خطب أعرابي امرأة، فجعل يخطبها وينعظ، فضرب ذكره بيده وقال: مه! إليك يساق الحديث. فأرسلها مثلا.
أبو البيداء:
علي بن عبد العزيز قال: كان أبو البيداء عنّينا، وكان يتجلد ويقول لقومه:
زوّجوني امرأتين! فيقال له: إن في واحدة كفاية. فيقول: أمّا لي فلا! فقالوا:
نزوّجك واحدة، فإن كفتك وإلا زوّجناك أخرى. فزوّجوه أعرابية، فلما دخل بها أقام معها أسبوعا، فلما كان في اليوم السابع أتوه، فقالوا له: يا أبا البيداء، ما كان أمرك في اليوم الأول؟ قال: عظيم جدا! قالوا: ففي الثاني؟ قال: أجلّ وأعظم! قالوا: ففي الثالث؟ قال: لا تسألوا! فأجابت المرأة من وراء الستر، فقالت:
كان أبو البيداء ينزو في الوهق ... حتى إذا أدخل في بيت أبق «٣»
فيه غزال حسن الدّلّ خرق ... مارسه حتى إذا ارفضّ العرق»
انكسر المفتاح وانسدّ الغلق
стр. 1160
لأعرابي في امرأته:
كانت لأعرابي امرأة لا تردّ يد لامس؛ فقيل له؛ مالك لا تفارقها؟ قال: إنها حسناء فلا تفرك، وأم بنين فلا تترك.
قال الشيخ من الأعراب:
أنا شيخ ولي امرأة عجوز ... تراودني على ما لا يجوز
تريد أنيكها في كلّ يوم ... وذلك عند أمثالي عزيز
وقالت دقّ أيرك مذ كبرنا ... فقلت لها بل اتّسع القفيز
الأصمعي قال: قال أعرابي في امرأة تزوّجها، وقد تزوّجت قبله خمسة، وتزوّج هو قبلها أربعا، فلاحته يوما، فقال فيها:
لو لابس الشيطان ما ألابس ... أو مارس الغول التي أمارس
لأصبح الشيطان وهو عابس ... زوّجها أربعة عمارس «١»
فانفلتوا منها ومات الخامس ... وساقني الحين فهانا السادس
وقال فيها:
بويزل أعوام أذاعت بخمسة ... وتعتدّني- إن لم يق الله- ساديا «٢»
ومن قبلها غيّبت في الترب أربعا ... وأعتدّها مذ جئتها في رجائيا
كلانا مطلّ مشرف لغنيمة ... يراها ويقضي الله ما كان قاضيا
وقال أعرابي:
أشكو إلى الله عيالا دردقا ... مقرقمين وعجوزا شملقا «٣»
الدردق: الصغار. والمقرقم: البطيء الشباب. والشملق السيئة الخلق.
стр. 1161
قولهم في الإعراب
لبعض الأعراب في معنى هذا العنوان:
الأصمعي قال: قلت لأعرابي: أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذا لرجل سوء! قلت له: أفتجرّ فلسطين؟ قال: إني إذا لقوي.
وسمع أعرابي إماما يقرأ: ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، قال. ولا إن آمنوا أيضا، لا ننكحهم. فقيل له: إنه يلحن، وليس هذا يقرأ. فقال: أخّروه قبحه الله! ولا تجعلوه إماما؛ فإنه يحلّ ما حرّم الله.
وسمع أعرابي أبا المكنون النحوي وهو يقول في دعائه يستسقي: اللهم ربّنا وإلهنا وسيدنا ومولانا، صلّ على محمد نبينا؛ [اللهم] ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به كإحاطة القلائد بأعناق الولائد، ثم أرسخه على هامسته كرسوخ السّجّيل «١» على هام أصحاب الفيل، اللهم اسقنا غيثا مريئا مريعا «٢» مجلجلا «٣» مسحنفرا «٤» هزجا «٥» سحّا سفوحا طبقا «٦» غدقا مثعنجرا «٧» صخبا نافعا لعامّتنا وغير ضارّ بخاصّتنا. فقال الأعرابي: يا خليفة نوح، [هذا] الطوفان وربّ الكعبة، دعني حتى آوي إلى جبل يعصمني من الماء.
الأصمعي قال: أصابت الأرض مجاعة؛ فلقيت رجلا منهم خارجا من الصحراء كأنه جذع محترق فقلت: أتقرأ في كتاب الله شيئا؟ قال: لا. قلت: فأعلمك؟ قال:
ما شئت. قلت: اقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
«٨» . قال: كل يا أيها الكافرون.
قلت: [قل] قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
كما أقول لك. قال: ما أجد لساني ينطق بذلك.
стр. 1162
قال: ورأيت أعرابيا ومعه بنيّ له صغير ممسك بفم قربة، وقد خاف أن تغلبه القربة؛ فصاح: يا أبت، أدرك فاها، غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها!
قولهم في الدين
قال أعرابي: الدّين ذل بالنهار وهمّ بالليل.
وقال أعرابي في غرماء له يطلبونه بدين:
جاءوا إليّ غضابا يلغطون معا ... فقلت موعدكم دار ابن هبّار
وما أواعدهم إلّا لأدرأهم ... عني فيحرجني نقضي وإمراري «١»
وما جلبت إليهم غير راحلة ... تخدي برحلي وسيف جفنه عاري «٢»
إنّ القضاء سيأتي دونه زمن ... فاطو الصحيفة واحفظها من النار
الأصمعي قال: كان لرجل من يحصب على رجل من باهلة دين؛ فلما حل دينه هرب الأعرابي وأنشأ يقول:
إذا حلّ دين اليحصبيّ فقل له ... تزوّد بزاد واستعن بدليل
سيصبح فوقي أقتم الريش واقعا ... بقالي قلا أو من وراء دبيل «٣»
قال الأصمعي: اختصم أعرابيان إلى بعض الولاة في دين لأحدهما على صاحبه؛ فجعل المدّعى عليه يحلف بالطلاق والعتاق، فقال له المدعي: دعني من هذه الأيمان واحلف بما أقوله لك: لا ترك الله لك خفا يتبع خفا ولا ظلفا يتبع ظلفا؛ وحتّك من أهلك ومالك حتّ «٤» الورق من الشجر، إن لم يكن لي هذا الحق قبلك! فأعطاه حقه ولم يحلف له.
الهيثم بن عدي قال: يمين لا يحلف بها أعرابي أبدا: لا أورد الله لك صادرة، ولا أصدر لك واردة، ولا حططت رحلك، ولا خلعت نعلك.
стр. 1163
قولهم في النوادر والملح
أبو العباس وأعرابي:
الشيباني قال: خرج أبو العباس أمير المؤمنين متنزها بالأنبار، فأمعن في نزهته وانتبذ من أصحابه؛ فوافى خباء لأعرابي، فقال له الأعرابي: ممن الرجل؟ قال: من كنانة. قال: من أي كنانة؟ قال: من أبغض كنانة إلى كنانة. قال: فأنت إذا من قريش! قال: نعم. قال: فمن أي قريش! قال: من أبغض قريش إلى قريش، قال:
فأنت إذا من ولد عبد المطلب! قال: نعم. قال: فمن أي ولد عبد المطلب؟ قال: من أبغض ولد عبد المطلب إلى ولد عبد المطلب. قال: فأنت إذا أمير المؤمنين، السلام عليك يا أمير المؤمنين! ووثب إليه، فاستحسن ما رأى منه وأمر له بجائزة.
الشيباني قال: خرج الحجاج متصيدا بالمدينة، فوقف على أعرابي يرعى إبلا له، فقال له: يا أعرابي، كيف رأيت سيرة أميركم الحجاج؟ قال له الأعرابي: غشوم ظلوم! لا حيّاه الله! فقال: فلم لا شكوتموه إلى أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: فأظلم وأغشم! فبينا هو كذلك إذ أحاطت به الخيل، فأومأ الحجاج إلى الأعرابي، فأخذ وحمل؛ فلما صار معه قال: من هذا؟ قالوا له: الحجاج! فحرك دابته حتى صار بالقرب منه، ثم ناداه: يا حجاج! قال: ما تشاء يا أعرابي؟ قال: السر الذي بيني وبينك أحب أن يكون مكتوما! قال: فضحك الحجاج وأمر بتخلية سبيله.
يوسف بن عمر ووال:
الأصمعي قال: ولّى يوسف بن عمر صاحب العراق أعرابيّا على عمل له؛ فأصاب عليه خيانة فعزله، فلما قدم عليه قال له: يا عدوّ الله! أكلت مال الله! قال الأعرابي: فمال من آكل إذا لم آكل مال الله؟ لقد راودت إبليس أن يعطيني فلسا واحدا فما فعل. فضحك منه وخلى سبيله.
стр. 1164
ابن جعفر وأعرابية:
الشيباني قال: نزل عبد الله بن جعفر إلى خيمة أعرابية ولها دجاجة وقد دجنت عندها، فذبحتها وجاءت بها إليه فقالت: يا أبا جعفر، هذه دجاجة لي كنت أدجنها وأعلفها من قوتي! وألمسها في آناء الليل فكأنما ألمس بنتي زلّت عن كبدي، فنذرت لله أن أدفنها في أكرم بقعة تكون، فلم أجد تلك البقعة المباركة إلا بطنك، فأردت أن أدفنها فيه. فضحك عبد الله بن جعفر وأمر لها بخمسمائة درهم.
بين أعرابي وقوم في الهلال:
ونظر أعرابي إلى قوم يلتمسون هلال شهر رمضان، فقال: والله لئن أريتموه لتمسكنّ منه بذناب «١» عيش أغبر.
بين الأصمعي وأعرابي في ماء:
الأصمعي قال: رأيت أعرابيا واقفا على ركيّة «٢» ملحة، فقلت: كيف هذا الماء يا أعرابي؟ قال: يخطىء القلب ويصيب الاست.
بينه وبين أعرابي سمين:
ونظر أعرابي إلى رجل سمين فقال: أرى عليك قطيفة «٣» من نسج أضراسك. «٤»
قال: وسمعت أعرابيا يقول: اللهم إني أسألك ميتة كميتة أبي خارجة أكل بذجا، وشرب معسّلا، ونام في الشمس، فمات دفآن شبعان ريان.
النبي ﷺ وبعض الأعراب:
محمد بن وضاح يرفعه إلى أبي هريرة ﵁ قال: دخل أعرابي المسجد والنبيّ ﷺ جالس، فقام يصلي؛ فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا
стр. 1165
أحدا. فقال النبي ﵊: «لقد حجّرت واسعا يا أعرابي» .
لبعض الأعراب:
قال: وسمعت أعرابيا وهو يقول في الطواف: اللهم اغفر لأمي. فقلت له: مالك لا تذكر أباك؟ فقال: أبي رجل يحتال لنفسه، وأما أمي فبائسة ضعيفة.
أبو حاتم عن أبي زيد قال: رأيت أعرابيا كأنّ أنفه كوز «١» من عظمه؛ فرآنا نضحك منه؛ فقال: ما يضحككم؟ فوالله لقد كنت في قوم ما كنت فيهم إلا أفطس.
قال: وجيء بأعرابي إلى السلطان ومعه كتاب قد كتب فيه قصته وهو يقول:
هاؤم اقرءوا كتابيه. فقيل له: يقال هذا يوم القيامة. قال: هذا والله شر من يوم القيامة؛ إن يوم القيامة يؤتى بحسناتي وسيئاتي، وأنتم جئتم بسيئاتي وتركتم حسناتي.
وقيل لأبي المخش الأعرابي: أيسرك أنك خليفة وأن أمتك حرّة؟ قال: لا والله ما يسرني! قيل له: ولم؟ قال: لأنها كانت تذهب الأمة وتضيع الأمّة.
اشترى أعرابي غلاما، فقيل للبائع: هل فيه من عيب؟ قال: لا، إلا أنه يبول في الفراش. قال: هذا ليس بعيب، إن وجد فراشا فليبل فيه.
الحجاج وأعرابي لص:
أخذ الحجّاج أعرابيا لصا بالمدينة فأمر بضربه؛ فلما قرعه بسوط قال: يا رب شكرا! حتى ضربه سبعمائة سوط، فلقيه أشعب، فقال له: أتدري لم ضربك الحجاج سبعمائة سوط؟ قال: لماذا؟ قال: لكثرة شكرك؛ إن الله تعالى يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
«٢» قال: وهذا في القرآن؟ قال: نعم. فقال الأعرابي:
يا ربّ لا شكر فلا تزدني ... أسأت في شكري فاعف عني
стр. 1166
باعد ثواب الشاكرين مني
أعرابي ينشد غلاما:
مرّ أعرابي بقوم وهو ينشد ابنا له، فقالوا له: صفه. قال: كأنه دنينير! قالوا: لم نره. ثم لم يلبث القوم أن أقبل الأعرابي وعلى عنقه جعل، فقالوا: هذا الذي قلت فيه كأنه دنينير؟ فقال: القرنبي في عين أمّها حسناء.
والقرنبى: دويبة من خشاش الأرض إذا مسّها أحد تقبّضت فصارت مثل الكرة.
لبعض الأعراب في الغزو:
قيل لأعرابي: ما يمنعك أن تغزو؟ قال: والله إني لأبغض الموت على فراشي، فكيف أن أمضي إليه ركضا.
وغزا أعرابي مع النبي ﷺ ، فقيل له: ما رأيت مع رسول الله في غزاتك هذه؟
قال: وضع عنا نصف الصلاة، وأرجو في الغزاة الأخرى أن يضع النصف الباقي!
السختياني وبعض الأعراب:
جلس أعرابي إلى مجلس أيوب السّختياني، فقيل له: يا أعرابي، لعلك قدريّ؟
قال: وما القدري؟ فذكر له محاسن قولهم؛ قال: أنا ذاك. ثم ذكر له ما يعيب الناس من قولهم؛ فقال: لست بذاك. قال: فلعلك مثبت؟ قال: وما المثبت؟ فذكر محاسنهم؛ فقال: أنا ذاك. ثم ذكر له ما يعيب الناس منهم؛ فقال: لست بذاك. قال أيوب: هكذا يفعل العاقل؛ يأخذ من كل شيء أحسنه.
جرير وأعرابي:
الأصمعي قال: سمع أعرابي جريرا ينشد:
كاد الهوى يوم سلمانين يقتلني ... وكاد يقتلني يوما بنعمان «١»
стр. 1167
وكاد يقتلني يوما بذي خشب ... وكاد يقتلني يوما بسلمان
فقال: هذا رجل أفلت من الموت أربع مرات! لا يموت هذا أبدا.
الشيباني قال: بلغني أن أعرابيين ظريفين من شياطين العرب حطمتهما سنة، فانحدار إلى العراق؛ فبينما هما يتماشيان في السوق- واسم أحدهما خندان- إذا فارس قد أوطأ دابته رجل خندان، فقطع إصبعا من أصابعه، فتعلقا به حتى أخذا أرش «١» الإصبع، وكانا جائعين مقرورين، فلما صار المال بأيديهما قصدا إلى بعض الكرايج «٢» ، فابتاعا من الطعام ما اشتهيا، فلما شبع صاحب خندان أنشأ يقول:
فلا غرثة ما دام في الناس كربج ... وما بقيت في رجل خندان إصبع «٣»
أعرابية وابنها:
وهذا شبيه قول أعرابية في ابنها، وكان لها ابن شديد العرام «٤» ، كثير القتال للناس، مع ضعف أسر ورقة عظم، فواثب مرة فتى من الأعراب، فقطع الفتى أنفه، فأخذت أمّه دية أنفه؛ فحسن حالها بعد فقر مدقع؛ ثم واثب آخر، فقطع أذنه؛ ثم أخذت دية أذنه فزادت في المال وحسن الحال؛ ثم واثب آخر فقطع شفته؛ ثم أخذت دية شفته؛ فلما رأت ما صار عندها من الإبل والبقر والغنم والمتاع بجوارح ابنها، ذكرته في أرجوزة لها تقول فيها:
أحلف بالمروة حقّا والصّفا ... أنك خير من تفاريق العصا
فقلت لأعرابي: ما تفاريق العصا؟ قال: العصا تقطع ساجورا، ثم يقطع الساجور أوتادا، ثم تقطع الأوتاد أشظّة.
لبعض الأعراب في الحج:
الأصمعي قال: خرج أعرابي إلى الحج مع أصحاب له، فلما كان ببعض الطريق
стр. 1168
راجعا يريد أهله، لقيه ابن عم له، فسأله عن أهله ومنزله، فقال: اعلم أنك لما خرجت وكانت لك ثلاثة أيام، وقع في بيتك الحريق. فرفع الأعرابي يديه إلى السماء، وقال: ما أحسن هذا يا رب! تأمرنا بعمارة بيتك أنت وتخرب بيوتنا.
وخرجت أعرابية إلى الحج، فلما كانت ببعض الطريق عطبت راحلتها، فرفعت يديها إلى السماء وقالت: يا رب، أخرجتني من بيتي إلى بيتك، فلا بيتي ولا بيتك! الأصمعي قال: عرضت السجون بعد هلاك الحجاج، فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا لم يجب على واحد منهم قتل ولا صلب؛ وفيهم أعرابي أخذ يبول في أصل سور مدينة واسط؛ فكان فيمن أطلق؛ فأنشأ يقول:
إذا ما خرجنا من مدينة واسط ... خرينا وبلنا لا نخاف عقابا
لأعرابي في الأولاد:
ذكر عند أعرابي الأولاد والانتفاع بهم؛ فقال: زوّجوني امرأة أولدها ولدا أعلمه الفروسية حتى يجري الرهان؛ والنزع عن القوس حتى يصيب الحدق، ورواية الشعر حتى يفحم الفحول. فزوّجوه امرأة فولدت له ابنة، فقال فيها:
قد كنت أرجو أن تكون ذكرا ... فشقّها الرّحمن شقّا منكرا
شقّا أبى الله له أن يجبرا ... مثل الذي لأمّها أو أكبرا
ثم حملت حملا آخر، فدخل عليها وهي في الطلق- وكانت تسمى ربابا- فقال:
أيا ربابي طرّقي بخير ... وطرّقي بخصية وأير «١»
ولا ترينا طرف البظير
ثم ولدت له أخرى، فهجر فراشها وكان يأتي جارة لها، فقالت فيه- وكان يكنى أبا حمزة-؛
ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظلّ في البيت الذي يلينا
стр. 1169
غضبان أن لا نلد البنينا ... وإنما نأخذ ما أعطينا!
فألانه قولها ورجع إليها.
لأعرابي يدعو:
وقال سعيد بن أبي الفرج: سمعت أعرابيا يطوف بالبيت وهو يقول:
لا همّ ربّ الناس حين لبّبوا ... وحين راحوا من منى وحصّبوا «١»
لا سقيت عثبثب وغلب ... والمستزار لا سقاه الكوكب
فقلت: يا أعرابي، ما لهذه المواضع تدعو عليها في هذا الموضع؟ فنظر إليّ كالغضبان فقال:
من أجل حماهن ماتت زينب
قولهم في التلصص
أبو حاتم قال: أنشدنا أبو زيد الأعرابي، وكان لصا:
ثلاث خلال لست عنهنّ تائبا ... وإن لا منى فيهن كلّ خليل
فمنهن أني لا أزال معانقا ... حمائل ماضي الشّفرتين صقيل
به كنت أستعدي وأعدي صحابتي ... إذا صرخ الزحفان باسم قتيل
ومنهنّ سوق النهب في ليلة الدّجى ... يحار بها في الليل كل دليل
ومنهن تجريد الكعاب ثيابها ... وقد مال جنح الليل كلّ مميل
وهذا المعنى سبقه إليه الأول:
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام رامس «٢»
فمنهن سبق العاذلات بشربة ... كأنّ أخاها مطلع الشمس ناعس
стр. 1170
ومنهن تقريط الجواد عنانه ... إذا ابتدر الشخص الصفي الفوارس «١»
ومنهنّ تجريد الكواعب كالدّمى ... إذا ابتزّ عن أكفالهنّ الملابس «٢»
وأول من قال هذا المعنى طرفة حيث يقول:
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضا نبّهته المتورد»
وتقصير يوم الدجن والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمّد «٤»
قولهم في الطعام
شيخ وحدث:
الأصمعي قال: اصطحب شيخ وحدث في سفر، وكان لهما قرص في كل يوم، وكان الشيخ منخلع الأضراس بطيء الأكل، وكان الحدث يطيش «٥» بالقرص ثم يجلس يشتكي العشق، ويتضوّر الشيخ جوعا، وكان يسمى الحدث جعفرا، فقال الشيخ:
لقد رابني من جعفر أن جعفرا ... يطيش بقرصي ثم يبكي على جمل
فقلت له لو مسّك الحبّ لم نبت ... بطينا ونسّاك الهوى شره الأكل
الأصمعي قال: أنشدني أعرابي لنفسه:
ألا ليت لي خبزا تسربل رائبا ... وخيلا من البرنيّ فرسانها الزّبد «٦»
فأطلب فيما بينهنّ شهادة ... بموت كريم لا يعدّ له لحد
стр. 1171
لأعرابي في ثريدة:
الشيباني عن أبيه قال: قال أعرابي: كنت أشتهي ثريدة دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمص، ذات حفافين من اللحم، لها جناحان من العراق «١» ، أضرب فيها كما يضرب وليّ السوء في مال اليتيم!
بين أعرابيين:
وقال رجل لأعرابي: ما يسرني لو بتّ ضيفا لك! فقال له الأعرابي: لو بتّ ضيفا لي لأصبحت أبطن من أمك قبل أن تلدك بساعة.
أعرابي على مائدة سليمان:
حضر أعرابي سفرة سليمان بن عبد الملك، فجعل يمرّ إلى ما بين يديه، فقال له الحاجب: مما يليك فكل يا أعرابي. فقال: من أجدب انتجع. فشق ذلك على سليمان، وقال للحاجب: إذا خرج عنا فلا يعد إلينا. وشهد بعد هذا سفرته أعرابي آخر، فمر إلى ما بين يديه أيضا، فقال له الحاجب: مما يليك فكل يا أعرابي. قال: من أخصب تخيّر. فأعجب ذلك سليمان، فقرّبه وأكرمه وقضى حوائجه.
أعرابي وقوم من الكتبة:
مر أعرابي بقوم من الكتبة في متنزه لهم وهم يأكلون، فسلم ثم وضع يده يأكل معهم، فقالوا: أعرفت فينا أحدا؟ قال: بلى، عرفت هذا! وأشار إلى الطعام، فقال بعض الكتاب يصف أكله:
لم أر مثل ثرطه ومطّه «٢»
قال الثاني:
وأكله دجاجه ببطّه
قال الثالث:
ولفّه رقاقه بإقطه «٣»
стр. 1172
قال الرابع:
كأنّ جالينوس تحت إبطه
فقالوا للرابع: أما الذي وصفنا من فعله فمفهوم؛ فما يصنع جالينوس من تحت إبطه؟ قال: يلقمه الجوارش كلما خاف عليه التخمة، يهضم بها طعامه!
مديني وأعرابي:
وقال رجل من أهل المدينة لأعرابي: ما تأكلون وما تعافون؟ قال له الأعرابي:
نأكل كل ما دب وهب، إلا أم حبين «١» . قال المدني: ليهنيء أمّ حبين العافية.
أعرابي وولده:
قال رجل من الأعراب لولده: اشتروا لي لحما. فاشتروا وطبخوا له حتى تهرّأ، فأكل منه حتى انتهى، ولم يبق إلا عظمه؛ وشرعت إليه عيون ولده، فقال: ما أنا مطعمه أحدا منكم إلا من أحسن أكله. فقال له الأكبر: ألوكه يا أبت حتى لا أدع فيه للذرّة مقيلا. قال: لست بصاحبه. قال الآخر: ألوكه حتى لا يدري ألعامه هو أو لعام أوّل؟ قال: لست بصاحبه. قال له الأصغر: أدقّه يا أبت وأجعل إدامه المخ.
قال: أنت صاحبه، هو لك.
لعذري في حضر المسلمين:
بلغني عن محمد بن يزيد بن معاوية، أنه كان نازلا بحلب على الهيثم بن عدي، فبعث إلى ضيف له من عذرة أعرابيّ، فقال له: حدّث أبا عبد الله بما رأيت في حضر المسلمين من الأعاجيب. قال: نعم، رأيت أمورا معجبة. منها أنني دخلت قرية بكر بن عاصم الهلالي، وإذا أنا بدور متباينة، وإذا خصاص «٢» بيض بعضها إلى بعض، وإذا بها ناس كثير مقبلون ومدبرون، وعليهم ثياب حكوا بها أنواع الزهر؛
стр. 1173
فقلت لنفسي: هذا أحد العيدين: الفطر أو الأضحى. ثم رجع إليّ ما عزب من عقلي، فقلت: خرجت من أهلي في عقب صفر وقد مضى العيدان قبل ذلك! فبينا أنا واقف أتعجب إذا أتاني رجل فأخذ بيدي فأدخلني بيتا قد نجّد، وفي وجهه فرش ممهدة، وعليها شاب ينال فرع شعره كتفيه، والناس حوله سماطين «١» ، فقلت في نفسي: هذا الأمير الذي يحكي لنا جلوسه وجلوس الناس حوله. فقلت وأنا ماثل بين يديه: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله! قال: فجذب رجل بيدي وقال: ليس بالأمير، آجلس. قلت فمن هو؟ قال: عروس. قلت: وا ثكل أمّاه! لربّ عروس بالبادية قد رأيته أهون على أصحابه من هن أمه! فلم ألبث أن أدخلت الرجال عليها هنات مدوّرات من خشب، أما ما خف منها فيحمل حملا، وأما ما ثقل فيد حرج؛ فوضعت أما منا وتحلّق القوم عليها حلقا، ثم أتينا بخرق بيض فألقيت عليها؛ فهممت والله أن أسأل القوم خرقة منها أرقع بها قميصي، وذلك أني رأيت لها نسجا متلاحما لا يتبين له سدى ولا لحمة؛ فلما بسط القوم أيديهم، إذا هو يتمزق سريعا، وإذا صنف من الخبز لا أعرفه؛ ثم أتينا بطعام كثير من حلو وحامض، وحارّ وبارد، فأكثرت منه وأنا لا أعلم ما في عقبه من التخم والبشم «٢» ؛ ثم أتينا بشراب أحمر في عساس «٣» بيض؛ فلما نظرت إليه قلت: لا حاجة لي به؛ لأني أخاف أن يقتلني! وكان إلى جانبي رجل ناصح لي- أحسن الله عني جزاءه! - كان ينصحني بين أهل المجلس؛ فقال لي: يا أعرابي، إنك قد أكثرت من الطعام فإن شربت الماء همى «٤» بطنك. فلما ذكر البطن، ذكرت شيئا أوصاني به الأشياخ، قالوا: لا تزال حيا ما دام بطنك شديدا، فإذا اختلفت فأوص. فلم أزل أتداوى بذلك الشراب ولا أملّه، حتى داخلني به صلف لا أعرفه من نفسي ولا عهد لي به، واقتدار على أمري؛ وكان إلى جانبي الرجل الناصح لي؛ فجعلت نفسي تحدثني بهتم أسنانه مرة، وهشم أنفه أخرى؛ وأهم أحيانا أن أقول له: يا ابن الزانية! فبينا نحن كذلك، إذ هجم علينا شياطين أربعة:
стр. 1174
أحدهم قد علق جعبة فارسية منتفخة الطرفين قد شبكت بالخيوط، وقد ألبست قطعة فرو، كأنهم يخافون عليها القر؛ ثم بدا الثاني فاستخرج من كمه هنة كفيشلة الحمار، فوضع طرفها في فيه فضرط فيها، ثم حسب على جحرة فاستخرج منها صوتا مشاكلا بعضه بعضا؛ ثم بدا الثالث وعليه قميص وسخ، وقد غرق رأسه بالدهن معه مرآتان، فجعل يمري إحداهما على الأخرى؛ ثم بدأ الرابع عليه قميص قصير وسراويل قصيرة، فجعل يقفز صلبه، ويهز كتفيه، ثم التبط بالأرض، فقلت: معتوه وربّ الكعبة. ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط القوم عندي. ثم أرسلت إلينا النساء أن أمتعونا من لهوكم. فبعثوا بهم إليهن، وبقيت الأصوات تدور في آذاننا؛ وكان معنا في البيت شاب لا آبه له، فعلت الأصوات له بالدعاء، فخرج فجاء بخشبة في يده، عينها في صدرها، فيها خيوط أربعة، فاستخرج من جوانبها عودا فوضعه على أذنه، ثم زمّ الخيوط الظاهرة، فلما أحكمها عرك أذنها فنطق فوها، فإذا هي أحسن قينة رأيتها قط [وغنّى عليها] فاستخفّني حتى قمت من مجلسي فجلست إليه فقلت:
بأبي أنت وأمي، ما هذه الدابة؟ قال: يا أعرابي، هذا البربط «١» . قلت: فما هذه الخيوط؟ قال: أما الأسفل فزير، والذي يليه مثنى، والذي يليه مثلث. والذي يليه بمّ. فقلت: آمنت بالله.
لأعرابي في تمر:
وقال أعرابي. تمرنا خنس فطس، يغيب فيهن الضرس، كأن فاها ألسن الطير، تقع التمرة منها في فيك، فتجد حلاوتها في كعبك.
أعرابي على سفرة سليمان:
وحضر أعرابي سفرة سليمان بن عبد الملك، فلما أتي بالفالوذج «٢» جعل يسرع فيه، فقال سليمان: أتدري ما تأكل يا أعرابي؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، إني لأجد ريقا
стр. 1175
هنيئا، ومزدردا لينا، وأظنه الصراط المستقيم الذي ذكره الله في كتابه! قال: فضحك سليمان وقال: أزيدك منه يا أعرابي، فإنهم يذكرون أنه يزيد في الدماغ، قال: كذبوك يا أمير المؤمنين لو كان كذلك لكان رأسك مثل رأس البغل.
لأعرابي غير صائم:
قال: ومررت بأعرابي يأكل في رمضان، فقلت له: ألا تصوم يا أعرابي؟ فقال:
وصائم هبّ يلحاني فقلت له ... اعمد لصومك واتركني وإفطاري
واظما فإني سأروى ثم سوف ترى ... من ذا يصير إذا متنا إلى النّار
لأعرابي على سفرة سليمان أيضا:
وحضر سفرة سليمان أعرابي، فنظر إلى شعرة في لقمة الأعرابي؛ فقال: أرى شعرة في لقمتك يا أعرابي! قال: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر الشعرة في لقمتي؟
والله لا واكلتك أبدا! فقال: استرها يا أعرابي، فإنها زلة ولا أعود إلى مثلها.
أخبار أبي مهدية الأعرابي
أبو عثمان المازني قال: قال أبو مهدية: بلغني أن الأعراب والأعزاب هجاهما واحد. قلت: نعم. قال: فاقرأ: «الأعزاب أشدّ كفرا ونفاقا» ولا تقرأ: الأعراب.
ولا يغرّك العزب وإن صام وصلى.
وتوفي بنيّ لأبي مهدية صغير، فقيل له: أبشر أبا مهدية؛ فإنا نرجو أن يكون شفيع صدق يوم القيامة! قال: لا وكلنا الله إلى شفاعته، إذا والله يكون أعيانا لسانا وأضعفنا حجة؛ ليته المسكين كفانا نفسه! وقيل لأبي مهدية: أكنتم تتوضؤن بالبادية؟ قال: نعم والله؛ لقد كنا نتوضأ فتكفي التوضئة الواحدة الرجل منا الثلاثة الأيام والأربعة، حتى دخلت علينا هذه
стр. 1176
الحمر- يعني الموالي- فجعلت تليق أستاهها كما تلاق الدواة «١» .
وقيل لأبي مهدية: أتقرأ من كتاب الله شيئا؟ قال: نعم. ثم افتتح يقرأ:
وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى
«٢» حتى انتهى إلى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
«٣» فالتفت إلى صاحب له فقال: إن هؤلاء العلوج «٤» يقولون: ووجدك ضالا فهدى.
والله لا أقولها أبدا.
ولما سن أبو مهدية ولي جانبا من اليمامة، وكان به قوم من اليهود أهل عطاء وجدة، فأرسل إليهم فقال: ما عندكم من المسيح؟ قالوا: قتلناه وصلبناه! قال: فهل غرمتم ديته؟ قالوا: لا. قال: إذا والله لا تبرحوا حتى تغرموا ديته! فأرضوه حتى كف عنهم.
وقيل لأبي مهدية: ما أصبركم معشر الأعراب على البدو؛ قال: كيف لا يصبر على البدو من طعامه الشمس وشرابه الريح!؟
ونظر أبو مهدية إلى رجل يستنجي ويكثر من الماء، فقال له: إلى كم تغسلها ويحك! أتريد أن تشرب فيها سويقا! ومات طفل لأبي مهدية، فقيل له: اصبر يا أبا مهدية؛ فإنه فرط افترطته «٥» ، وخير قدمته، وذخر أحرزته. فقال: بل ولد دفنته، وثكل تعجلته؛ والله لئن لم أجزع للنقص، لا أفرح للمزيد.
قال أبو عبيدة: سمع أبو مهدية رجلا يقول بالفارسية: زود زود. فقال: ما يقول هذا؟ فقيل له يقول: عجل عجل. فقال: أفلا يقول: حيهلا.
стр. 1177
خبر أبي الزهراء
المعلي بن المثني الشيباني قال: حدثنا سويد بن منجوف قال: أقبل أعرابي من بني تميم حتى دخل الكوفة من ناحية جبانة السبيع، تحته أتان «١» له تخب، وعليها ذلاذل «٢» وأطمار من سحق صوف، قد اعتم بما يشبه ذلك؛ من أشوه الناس منظرا وأقبحهم شكلا؛ وهو يهدر كما يهدر البعير وهو يقول ألاسبد، ألا لبد «٣» ألا مؤو ألا مقر، ألا سعديّ ألا يربوعيّ، ألا دارميّ! هيهات هيهات! وما يغني أصل حوض الماء صاديا معنى! قال سويد: فدخل علينا في درب الكناسة فلم يجد منفذا وقد تبعه صبيان كثير وسواد من سواد الحي، قال: فسمعت سواديا يقول له: يا عماه، يا إبليس! متى أذن لك بالظهور؟ فالتفت إليهم، فقال منذ سروا آباءكم وفشّوا أمهاتكم! قال: وكان معنا أبو حماد الخياط، وكان من أطلب الناس لكلام الأعراب وأصبرهم على الإنفاق على أعرابي، فدخل علينا وكان مع ذلك مولى بني تميم، فأتيته فأخبرته؛ فخرج مبادرا كأني قد أفدته فائدة عظيمة؛ وقد نزل الأعرابي عن الأتان واستند إلى بعض الحيطان وأخذ قوسه بيده؛ فتارة يشير بها إلى الصبيان، وتارة يذبّ الشذا عن الأتان- وهو يقول لأتانه:
قد كنت بالأمعز في خصب خصب ... ما شئت من حمض وماء منسكب «٤»
فربّك اليوم ذليل قد نصب ... يرى وجوها حوله ما ترتقب
ولا عليها نور إشراف الحسب ... كأنها الزّنج وعبدان العرب
إلى عجيل كالرعيل والسرب ... ولو أمنت اليوم من هذا اللّجب «٥»
رميت أفواقا قويمات النّصب ... الرّيش أولاها وأخراها العقب
قال: فلم يزل أبو حماد يلطفه ويتلطف به ويبجله، إلى أن أدخله منزله؛ فمهد له
стр. 1178
وحطه عن أتانه، ودعا بالعلف؛ فجعل الأعرابي يقول: أين الليف والنّئيف «١» والوساد والنجاد؟ يعني بالليبف: الحصير؛ وبالنئيف عشبة عندهم يقال لها البهمى «٢» والوساد:
جلد عنز يسلخ ولا يشق ويحشى وبرا وشعرا ويتّكأ عليه؛ والنجاد: مسح شعر يستظل تحته. قال: فلما نزع القتب عن الأتان إذا ظهرها قد دبر حتى أضرّت بنا رائحته:
فجعل الأعرابي يتنهد ويقول:
إن تنحضي أو تدبري أو تزجري ... فذاك من دءوب ليل مسهر «٣»
أنا أبو الزهراء من آل السّري ... مشمّخ الأنف كريم العنصر
إذا أتيت خطّة لم أقسر «٤»
وكان يسمى الأعرابي صلتان بن عوسجة من بني سعد بن دارم، ويكنى بأبي الزهراء، وما رأيت أعرابيا أعجب منه؛ كان أكثر كلامه شعرا؛ وأمثل أعرابي سمعته كلاما؛ إلا أنه ربما جاء باللفظة بعد الأخرى لانفهمها؛ وكان من أضجر الناس وأسوئهم خلقا، وإذا نحن سألناه عن الشيء قال: ردّوا عليّ القوس والأتان! يظن أنا نتلاعب به، وكنا نجتمع معه في مجلس أبي حماد، وما منا إلا من يأتيه بما يشتهيه، فلا يعجبه ذلك؛ حتى أتيناه يوما بخربز «٥» ، وكانت أمامه، فلما أبصرها تأملها طويلا وجعل يقول:
بدّلت والدهر قديما بدّلا ... من قيض بيض القفر فقعا حنظلا «٦»
أخبث ما تنبت أرض مأكلا
فكنا نقول له: يا أبا الزهراء، إنه ليس بحنظل، ولكنه طعام هنيء مريء، ونحن نبدؤك فيه إن شئت. قال: فخذوا منه حتى أرى! فبدأنا نأكل وهو ينظر لا
стр. 1179
يطرف، فلما رأى ذلك بسط يده فأخذ واحدة، فنزع أعلاها وقوّر أسفلها، فقلنا له:
ما تريد أن تصنع يا أبا الزهراء؟ فقال: إن كان السم يا ابن أخي ففيما ترون! فلما طعمه استخفّه واستعذبه واستحلاه، فلم يكن يؤثر عليه شيئا، وما كنا نأتيه بعد بغيره، وجعل في خلال ذلك يقول:
هذا طعام طيّب يلين ... في الجوف والحلق له سكون
الشّهد والزبد به معجون
فلما كان إلى أيام، قلت له: يا أبا الزهراء، هل لك في الحمام؟ قال: وما الحمام يا ابن أخي؟ قلنا له: دار فيها أبيات: حارّ، وفاتر، وبارد؛ تكون في أيها شئت يذهب عنك قشف السفر ويسقط عنك هذا الشعر. قال: فلم نزل به حتى أجابنا، فأتينا به الحمام، وأمرنا صاحب الحمام أن لا يدخل علينا أحدا، فدخل وهو خائف مترقب، لا ينزع يده من يد أحدنا، حتى صار في داخل الحمام، فأمرنا من طلاه بالنّورة «١» ، وكان جلده أشعر كجلد عنز، فقلق ونازع للخروج، وبدأ شعره يسقط؛ فقلنا أحين طاب الحمام وبدأ شعرك يسقط تخرج؟ قال: يا بن أخي، وهل بقي إلا أن أنسلخ كما ينسلخ الأديم في احتدام القيظ! وجعل يقول:
وهل يطيب الموت يا إخواني ... هل لكم في القوس والأتان
خذوهما منّي بلا أثمان ... وخلّصوا المهجة يا صبيان
فاليوم لو أبصرني جيراني ... عريان بل أعرى من العريان
قد سقط الشّعر من الجثمان ... حسبت في المنظر كالشّيطان!
قال: ثم خرج مبادرا، واتبعه أحداث لنا، لولاهم لخرج بحاله تلك ما يستره شيء؛ ولحقناه في وسط البيوت، فأتيناه بماء بارد، فشرب وصب على رأسه، فارتاح واستراح، وأنشأ يقول:
الحمد للمستحمد القهّار ... أنقذني من حرّ بيت النار
стр. 1180
إلى ظليل ساكن الأوار» ... من بعد ما أيقنت بالدّمار
قال: فدعونا له بكسوة غير كسوته فألبسناه، وأتينا به مجلس أبي حماد؛ وكان أبو حماد يبيع الحنطة والتمر وجميع الحبوب؛ وكان يجاوره قوم يبيعون أنبذة التمر وكان أبو الحسن التّمّار ماهرا؛ فإذا خضنا في النحو وذكرنا الرؤاسي والكسائي وأبا زيد، جعل ينظر، يفقه الكلام ولا يفهم التأويل؛ فقلنا له: ما تقول يا أبا الزهراء؟ فقال:
يا ابن أخي، إن كلامكم هذا لا يسد عوزا مما تتعلمونه له. فقال أبو الحسن: إن بهذا تعرف العرب صوابها من خطئها. فقال له: ثكلت وأثكلت! وهل تخطيء العرب؟ قال: بلى. قال: على أولئك لعنة الله وعلى الذين أعتقوا مثلك! قال سويد:
وكنت أحدثهم سنا (قال) فقلت: جعلت فداك، وأنا رجل من بني شيبان وربيعة؛ ما تعلم أنّا على مثل الذي أنت عليه من الإنكار عليهم؛ فقال فيهم:
يسائلني بيّاع تمر وجردق ... ومازج أبوال له في إنائه «٢»
عن الرّفع بعد الخفض، لا زال خافضا ... ونصب وجزم صيغ من سوء رائه
فقلت له هذا كلام جهلته ... وذو الجهل يروي الجهل عن نظرائه
فقال بهذا يعرف النحو كلّه ... يرى أنني في العجم من نظرائه
فأمّا تميم أو سليم وعامر ... ومن حلّ غمر الضّالّ أو في إزائه
ففيهم وعنهم يؤثر العلم كلّه ... ودع عنك من لا يهتدي لخطائه
فمن ذا الرّؤاسي الذي تذكرونه ... ومن ذا الكسائي سالح في كسائه
ومن ثالث لم أسمع الدهر باسمه ... يسمّونه من لؤمه سيبوائه
فكيف يخلّ القول من كان أهله ... ويهدى له من ليس من أوليائه
فلست لبيّاع التّميرات مغضيا ... على الضّيم إن واقفت بعد عشائه
ولقد قلنا له: يا أبا الزهراء، هل قرأت من كتاب الله شيئا؟ قال: أي وأبيك، آيات مفصلات أردّدهن في الصلوات، آباء وأمهات، وعمات وخالات ثم أنشأ يقول:
стр. 1181
قرأت قول الله في الكتاب ... ما أنزل الرّحمن في الأحزاب
لعظم ما فيها من الثّواب ... الكفر والغلظة في الأعراب
وأنا فاعلم من ذوي الألباب ... أومن بالله بلا ارتياب
في عرشه المستور بالحجاب ... والموت والبعث وبالحساب
وجنّة فيها من الثياب ... ما ليس بالبصرة في حساب
وجاحم يلفح بالتهاب ... أوجه أهل الكفر والسّباب «١»
ودفع رحل الطارق المنتاب ... في ليلة ساكتة الكلاب
ولما أحضرناه ذات يوم جنازة، فقلنا له: يا أبا الزهراء، كيف رأيت الكوفة؟
قال: يا ابن أخي، حضرا حاضرا؛ ومحلا آهلا؛ أنكرت من أفعالكم الأكيال والأوزان، وشكل النسوان. ثم نظر إلى الجبانة فقال: ما هذا التلال يا ابن أخي؟
قلت له: أجداث الموتي، فقال: أماتوا أم قتلوا؟ فقلت: قد ماتوا بآجالهم ميتات مختلفات. قال: فماذا ننتظر نحن يا ابن أخي؟ قلت: مثل الذي صاروا إليه: فاستعبر وبكى؛ وجعل يقول:
يا لهف نفسي أن أموت في بلد ... قد غاب عني الاهل فيه والولد
وكلّ ذي رحم شفيق معتقد ... يكون ما كنت سقيما كالرمد
يا ربّ يا ذا العرش وفّق للرّشد ... ويسّر الخير لشيخ مختضد «٢»
ثم لم يلبث إلا يسيرا حتى أخذته الحمى والبرسام «٣» ؛ فكنا لا نبارحه عائدين متفقدين؛ فبينا نحن عنده ذات يوم وقد اشتد كربه وأيقن بالموت، جعل يقول:
أبلغ بناتي اليوم بالصّوى ... قد كنّ يأملن إيابي بالغنى «٤»
وقد تمنّين وما يغني المنى ... بأنّ نفسي وردت حوض الرّدى
يا ربّ يا ذا العرش في أعلا السّما ... إليك قدّمت صيامي في الظّما
стр. 1182
ومن صلاتي في صباح ومسا ... فعد على شيخ كبير ذي انحنا
يكفيه ما لاقاه في الدّنيا كفى
قلنا له: يا أبا الزهراء، ما تأمرنا في القوس والأتان، وفيما قسم الله لك عندنا من رزق؟ فقال: يا ابن أخي، أما ما قسم الله لي عندكم فمردود إليكم، وأما القوس والأتان فبيعوهما وتصدقوا بثمنهما في فقراء صلبة «١» بني تميم، وما بقي في مواليهم. ثم جعل يقول: اللهم اسمع دعاء عبدك إليك، وتضرعه بين يديك، واعرف له حق إيمانه بك، وتصديقه برسلك، صليت عليهم وسلمت؛ اللهم إني جان مقترف وهائب معترف، لا أدعي براءة، ولا أرجو نجاة إلا برحمتك إياي، وتجاوزك عني؛ اللهم إنك كتبت على الدنيا التعب والنصب، وكان في قضائك، وسابق علمك قبض روحي في غير أهلي وولدي، اللهم فبدل لي التعب والنصب روحا وريحانا وجنة نعيم؛ إنك مفضل كريم. ثم صار يتكلم بما لا نفقهه ولا نفهمه حتى مات، ﵀؛ فما سمعت دعاء أبلغ من دعائه، ولا شهدت جنازة أكثر باكيا وداعيا من جنازته؛ ﵀.
وقال أعرابي يصف كساء:
من كان ذا بتّ فهذا بتّي ... مقيّظ مصيّف مشتي «٢»
نسجته من نعجات ست
وقال أعرابي:
قالت سليمى: ليت لي بعلا بمن ... يغسل رأسي ويسلّيني الحزن «٣»
وحاجة ليس لها عندي ثمن ... مشهورة قضاؤها منه وهن «٤»
قلن جواري الحيّ: يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما؟ قالت وإن!
وقال أعرابي:
جاريتان حلفت أمّاهما ... أن ليس مغبونا من اشتراهما
стр. 1183
والله لا أخبركم إسماهما ... إلا بقولي هكذا هما هما
هما اللتان صادني سهماهما ... حيّا وحيّا الله من حيّاهما
أمات ربّي عاجلا أباهما ... حتى تلاقي منيتي مناهما
إنّ لنا لكنّه ... معنّة مفنّه «١»
سمعنّة نظرنّه ... إلا تره تظنّه
السمعنة النظرنة: المرأة التي إذا سمعت أو نظرت فلم تر شيئا تظنّت تظنيا. وأنشد أبو عبد الله بن لبانة الأعرابي:
كريمة يحبها أبوها ... مليحة العينين عذبا فوها
لا تحسن السّبّ وإن سبّوها
الرشيد والأصمعي:
الأصمعي قال: دخلت على هارون الرشيد وبين يديه بدرة، فقال: يا أصمعي، إن حدثتني بحديث في العجز فأضحكتني وهبتك هذه البدرة. قلت: نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا في صحارى الأعراب، إذ أنا بأعرابي قاعد على أجمة، «٢» قد احتملت الريح كساءه فألقته على الأجمة، وهو عريان؛ فقلت له: يا أعرابي، ما أجلسك ههنا على هذه الحالة؟ فقال: جارية واعدتها يقال لها سلمى، أنا منتظر لها. فقلت: وما يمنعك من أخذ كسائك؟ قال: العجز يوقفني عن أخذه. فقلت له: فهل قلت في سلمى شيئا؟ قال: نعم. قلت له: أسمعني لله أبوك! قال لا أسمعك حتى تأخذ كسائي تلقيه عليّ! قال: فأخذته فألقيته عليه، فأنشأ يقول:
لعلّ الله أن يأتي بسلمى ... فيبطحها ويلقيني عليها
ويأتي بعد ذاك سحاب مزن ... تطهّرنا ولا نسعى إليها «٣»
стр. 1184
فاستضحك هارون حتى استلقى على ظهره، وقال. خذ البدرة لا بورك لك فيها.
ذكروا أن أعرابيا أتى عينا من ماء صاف في شهر رمضان، فشرب حتى روى، ثم أومأ بيده إلى السماء فقال.
إن كنت قدّرت الصيا ... م فأعفنا من شهر آب
أو لا فإنّا مفطرو ... ن وصابرون على العذاب
خلا أعرابي بامرأة ليفسق بها فلم ينتشر له؛ فقالت له. قم خائبا! فقال. الخائب من فتح فم الجراب ولم يكل له دقيق. فخجلت ولم تردّ جوابا.
стр. 1185
كتاب المجنبة في الأجوبة
فرش الكتاب
قال أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في كلام الأعراب خاصة، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الجوابات التي هي أصعب الكلام كلّه مركبا، وأعزه مطلبا، وأغمضه مذهبا، وأضيقه مسلكا؛ لأن صاحبه يعجل مناجاة الفكرة، واستعمال القريحة، يروم في بديهته نقض ما أبرم القائل في رويته، فهو كمن أخذت عليه الفجاج، وسدّت عليه المخارج، قد اعترض الأسنة، واستهدف للمرامي، لا يدري ما يقرع له فيتأهب له، ولا ما يفجأه من خصمه فيقرعه بمثله، ولا سيما إذا كان القائل قد أخذ بمجامع الكلام فقاده بذمامه بعد أن روّى فيه واحتفل، وجمع خواطره واجتهد، وترك الرأي يغبّ حتى يختمر؛ فقد كرهوا الرأي الفطير «١» ، كما كرهوا الجواب الدّبريّ «٢» ، فلا يزال في نسج الكلام واستئناسه، حتى إذا اطمأن شارده، وسكن نافره، صك به خصمه جملة واحدة ثم إذا قيل له: أجب ولا تخطيء، وأسرع ولا تبطيء، تراه يجاوب من غير أناة ولا استعداد، يطبّق المفاصل، وينفذ إلى المقاتل، كما يرمي الجندل بالجندل، ويقرع الحديد بالحديد، فيحل به عراه، وينقض به مرائره، ويكون جوابه على كلامه كسحابة لبّدت عجاجة «٣» ؛ فلا شيء أعضل من الجواب الحاضر، ولا أعز من الخصم الألد الذي يقرع صاحبه، ويصرع منازعه بقول كمثل النار في الحطب الجزل.
стр. 1186
قال أبو الحسن: أسرع الناس جوابا عند البديهة قريش، ثم بقية العرب.
وأحسن الجواب كله ما كان حاضرا، مع إصابة معنى وإيجاز لفظ.
وكان يقال: اتقوا جواب عثمان بن عفان.
للنبي ﷺ في الزّبرقان
: وقال النبي ﵊ لعمرو بن الأهتم: «أخبرني عن الزّبرقان» ، قال:
مطاع في أدانيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره، قال الزبرقان: والله يا رسول الله، لقد علم مني أكثر من هذا، ولكن حسدني. قال عمرو ابن الأهتم: أما والله يا رسول الله، إنه لزمر المروءة، «١» ضيق العطن، «٢» أحمق الوالد، لئيم الخال؛ والله يا رسول الله، ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى؛ رضيت عن ابن عمي فقلت فيه أحسن ما فيه ولم أكذب، وسخطت عليه فقلت أقبح ما فيه ولم أكذب! فقال النبي ﵊: «إنّ من البيان لسحرا» .
جواب عقيل بن أبي طالب لمعاوية وأصحابه
لما قدم عقيل بن أبي طالب على معاوية، أكرمه وقرّبه وقضى حوائجه وقضى عنه دينه، ثم قال له في بعض الأيام، والله إن عليا غير حافظ لك، قطع قرابتك وما وصلك ولا اصطنعك، قال له عقيل: والله لقد أجزل العطية وأعظمها، ووصل القرابة وحفظها، وحسن ظنّه بالله، إذ ساء به ظنّك، وحفظ أمانته، وأصلح رعيته، إذ خنتم وأفسدتم وجرتم، فاكفف لا أبالك، فإنه عما تقول بمعزل.
وقال له معاوية يوما: أبا يزيد، أنا لك خير من أخيك علي. قال: صدقت، إن أخي آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك؛ فأنت خير لي من أخي، وأخي خير لنفسه منك.
стр. 1187
وقال له ليلة الهدير: أبا يزيد، أنت الليلة معنا، قال: نعم؛ ويوم بدر كنت معكم.
وقال رجل لعقيل: إنك لخائن حيث تركت أخاك وترغب إلى معاوية، قال:
أخون مني والله من سفك دمه بين أخي وابن عمي، أن يكون أحدهما أميرا! ودخل عقيل على معاوية وقد كف بصره، فأجلسه معاوية على سريره ثم قال له:
أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم! قال: وأنتم معشر بني أمية تصابون في بصائركم! ودخل عتبة بن أبي سفيان، فوسع له معاوية بينه وبين عقيل فجلس بينهما، فقال عقيل: من هذا الذي أجلس أمير المؤمنين بيني وبينه؟ قال: أخوك وابن عمك عتبة.
قال: أما إنه إن كان أقرب إليك مني، إني لأقرب لرسول الله ﷺ منك ومنه، وأنتما مع رسول الله ﷺ أرض ونحن سماء. قال عتبة: أبا يزيد، أنت كما وصفت، ورسول الله ﷺ فوق ما ذكرت، وأمير المؤمنين عالم بحقك، ولك عندنا مما تحب أكثر مما لنا عندك مما تكره.
ودخل عقيل على معاوية، فقال لأصحابه: هذا عقيل عمه أبو لهب! قال له عقيل، وهذا معاوية عمته حمّالة الحطب! ثم قال: يا معاوية، إذا دخلت النار فاعدل ذات اليسار، فإنك ستجد عمي أبا لهب مفترشا عمتك حمالة الحطب؛ فانظر أيهما خير، الفاعل أو المفعول به.
وقال له يوما: ما أبين الشّبق «١» في رجالكم يا بني هاشم! قال: لكنه في نسائكم أبين يا بني أمية! وقال له معاوية يوما: والله إنّ فيكم لخصلة ما تعجبني يا بني هاشم. قال: وما هي؟ قال: لين فيكم. قال: لين ماذا؟ قال: هو ذاك «٢» . قال: إيانا تعيّر يا معاوية؟
стр. 1188
أجل، والله إن فينا للينا من غير ضعف، وعزا من غير جبروت؛ وأما أنتم يا بني أمية فإن لينكم غدر، وعزكم كفر، قال معاوية: ما كلّ هذا أردنا يا أبا يزيد. قال عقيل:
لذي اللّبّ «١» قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما
قال معاوية:
وإنّ سفاه الشيخ لا حلم بعده ... وإن الفتى بعد السّفاهة يحلم
وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: لم جفوتنا يا أبا يزيد؟ فأنشأ يقول:
إني آمرؤ مني التكرّم شيمة ... إذا صاحبي يوما على الهون أضمرا
ثم قال: وآيم الله يا معاوية، لئن كانت الدنيا مهّدتك مهادها، وأظلتك بحذافيرها «٢» ومدت عليك أطناب سلطانها- ما ذاك بالذي يزيدك مني رغبة، ولا تخشّعا لرهبة. قال معاوية نعتّها أبا يزيد نعتا هشّ لها قلبي؛ وإني لأرجو أن يكون الله ﵎ ما ردّاني برداء ملكها، وحباني بفضيلة عيشها، إلا لكرامة ادّخرها لي؛ وقد كان داود خليفة، وسليمان ملكا؛ وإنما هو المثال يحتذى عليه، والأمور أشباه؛ وايم الله يا أبا يزيد، لقد أصبحت علينا كريما، وإلينا حبيبا، وما أصبحت أضمر لك إساءة.
بين عقيل وامرأة
: ويقال إن امرأة عقيل وهي بنت عتبة بن ربيعة خالة معاوية قالت لعقيل: يا بني هاشم، لا يحبكم قلبي أبدا؛ أين أبي؟ أين أخي؟ أين عمي؟ كأن أعناقهم أباريق فضة. قال عقيل: إذا دخلت جهنم فخذي على شمالك.
جواب ابن عباس ﵄ لمعاوية وأصحابه
اجتمعت قريش الشام والحجاز عند معاوية وفيهم عبد الله بن عباس؛ وكان جريئا
стр. 1189
على معاوية حقّارا له، فبلغه عنه بعض ما غمّه؛ فقال معاوية: رحم الله أبا سفيان والعباس، كانا صفيّين دون الناس، فحفظت الميت في الحي والحيّ في الميّت؛ استعملك عليّ يا ابن عباس على البصرة، واستعمل أخاك عبيد الله على اليمن، واستعمل أخاك تمّاما على المدينة؛ فلما كان من الأمر ما كان، هنأتكم ما في أيديكم، ولم أكشفكم عما وعت غرائركم، وقلت: آخذ اليوم وأعطي غدا مثله.
وعلمت أن بدء اللؤم يضر بعاقبة الكرم، ولو شئت لأخذت بحلاقيمكم وقيّأتكم ما أكلتم. ولا يزال يبلغني عنكم ما تبرك له الإبل، وذنوبكم إلينا أكثر من ذنوبنا إليكم: خذلتم عثمان بالمدينة، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وحاربتموني بصفين، ولعمري لبنو تيم وعدي أعظم ذنوبا منا إليكم؛ إذ صرفوا عنكم هذا الأمر، وسنوا فيكم هذه السنة؛ فحتى متى أغضي الجفون على القذى، وأسحب الذيول على الأذى، وأقول: لعل الله وعسى ... ما تقول يا ابن عباس؟!.
قال: فتكلم ابن عباس فقال: رحم الله أبانا وأباك، كانا صفيين متفاوضين «١» ؛ لم يكن لأبي من مال إلا ما فضل أباك، وكان أبوك كذلك لأبي؛ ولكن من هنّأ أباك بإخاء أبي أكثر ممن هنأ أبي بإخاء أبيك؛ نصر أبي أباك في الجاهلية، وحقن دمه في الإسلام، وأما استعمال عليّ إيانا فلنفسه دون هواه وقد استعملت أنت رجالا لهواك لا لنفسك، منهم ابن الحضرميّ على البصرة فقتل، وابن بشر بن أرطاة على اليمن فخان، وحبيب بن مرة على الحجاز فردّ، والضحاك بن قيس الفهري على الكوفة فحصب؛ ولو طلبت ما عندنا وقينا أعراضنا، وليس الذي يبلغك عنا بأعظم من الذي يبلغنا عنك، ولو وضع أصغر ذنوبكم إلينا على مائة حسنة لمحقها، ولو وضع أدنى عذرنا إليكم على مائة سيئة لحسّنها. وأما خذلنا عثمان فلو لزمنا نصره لنصرناه، وأما قتلنا أنصاره يوم الجمل فعلى خروجهم مما دخلوا فيه وأما حربنا إياك بصفين فعلى تركك الحقّ وادعائك الباطل، وأما إغراؤك إيانا بتيم وعدي فلو أردناها ما غلبونا عليها.
стр. 1190
وسكت، فقال في ذلك ابن أبي لهب:
كان ابن حرب عظيم القدر في الناس ... حتى رماه بما فيه ابن عباس
ما زال يهبطه طورا ويصعده ... حتى استقاد وما بالحقّ من باس
لم يتركن خطة مما يذلله ... إلا كواه بها في فروة الراس
لابن أبي مليكة في ابن عباس
: وقال ابن أبي مليكة: ما رأيت مثل ابن عباس، إذا رأيته رأيت أفصح الناس، وإذا تكلم فأعرب الناس «١» ، وإذا أفتى فأفقه الناس ما رأيت أكثر صوابا ولا أحضر جوابا من ابن عباس.
بين ابن عباس ومعاوية
: ابن الكلبي قال: أقبل معاوية يوما على ابن عباس فقال: لو وليتمونا ما أتيتم إلينا ما أتينا إليكم، من الترحيب والتقريب، وإعطائكم الجزيل، وإكرامكم على القليل، وصبري على ما صبرت عليه منكم، إني لا أرد أمرا إلا أظمأتم صدره «٢» ولا آتي معروفا إلا صغّرتم خطره وأعطيكم العطية فيها قضاء حقوقكم فتأخذونها متكارهين عليها؛ تقولون: قد نقص الحق دون الأمل! فأي أمل بعد ألف ألف أعطيها الرجل منكم، ثم أكون أسرّ بإعطائها منه بأخذها؟ والله لئن انخدعت لكم في مالي وذللت لكم في عرضي، أرى انخداعي كرما وذلي حلما. ولو وليتمونا رضينا منكم بالانتصاف، ولا نسألكم أموالكم، لعلمنا بحالكم وحالنا؛ ويكون أبغضها إلينا أحبها إليكم أن نعفيكم.
فقال ابن عباس: لو ولينا أحسنّا المواساة، وما ابتلينا بالاثرة؛ «٣» ثم لم نغشم الحي، ولم نشتم الميت؛ فلستم بأجود منا أكفا، ولا أكرم أنفسا، ولا أصون لأعراض
стр. 1191
المروءة؛ ونحن والله أعطى للآخرة منكم للدنيا، وأعطى في الحق منكم في الباطل، وأعطى على التقوى منكم على الهوى؛ والقسم بالسوية والعدل في الرعية يأتيان على المنى والأمل، ما أرضاكم منا بالكفاف، فلو رضيتم منا لم ترض أنفسنا به لكم؛ والكفاف رضا من لا حق له؛ فلا تبخلونا حتى تسألونا، ولا تلفظونا حتى تذوقونا.
أبو عثمان الحزامي قال: اجتمعت بنو هاشم عند معاوية، فأقبل عليهم فقال: يا بني هاشم، والله إن خيري لكم لممنوح، وإن بابي لكم لمفتوح؛ فلا يقطع خيري عنكم علة ولا يوصد بابي دونكم مسألة؛ ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمرا مختلفا: إنكم لترون أنكم أحق بما في يدي مني، وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقكم قلتم أعطانا دون حقنا، وقصّر بنا عن قدرنا؛ فصرت كالمسلوب، والمسلوب لا حمد له؛ وهذا مع إنصاف قائلكم، وإسعاف سائلكم.
قال: فأقبل عليه ابن عباس فقال: والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه، ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه؛ ولئن قطعت عنا خيرك لله أوسع منك ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفّنّ أنفسنا عنك، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين، ولنا في كتاب الله حقان: حق في الغنيمة، «١» وحق في الفيء؛ «٢» فالغنيمة ما غلبنا عليه، والفيء ما اجتبيناه، ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر يحمله خف ولا حافر.
كفاك أم أزيدك؟ قال: كفاني، فإنك تهرّ ولا تنبح.
وقال معاوية يوما وعنده ابن عباس: إذا جاءت بنو هاشم بقديمها وحديثها، وجاءت بنو أمية بأحلامها وسياستها، وبنو أسد بن عبد العزى برفادتها ودياتها، وبنو عبد الدار بحجابتها ولوائها، وبنو مخزوم بأموالها وأفعالها، وبنو تيم بصدّيقها «٣» وجوادها، وبنو عدي بفاروقها «٤» ومتفكّرها، وبنو سهم بآرائها ودهائها، وبنو جمح
стр. 1192
بشرفها وأنوفها، وبنو عامر بن لؤي بفارسها وقريعها، «١» فمن ذا يجلى في مضمارها ويجري إلى غايتها؟ ما تقول يابن عباس؟
قال: أقول: ليس حي يفخرون بأمر إلا وإلى جنبهم من يشركهم، إلا قريشا فإنهم يفخرون بالنبوّة التي لا يشاركون فيها ولا يساوون بها ولا يدفعون عنها، وأشهد أن الله لم يجعل محمدا من قريش إلا وقريش خير البرية، ولم يجعله في بني عبد المطلب إلا وهم خير بني هاشم، يريد أن يفخر عليكم إلّا بما تفخرون به؛ إن بنا فتح الأمر وبنا يختم، ولك ملك معجّل ولنا ملك مؤجل، فإن يكن ملككم قبل ملكنا فليس بعد ملكنا ملك، لأنا أهل العاقبة، والعاقبة للمتقين.
ابن عباس وابن العاص
: أبو محنف قال: حج عمرو بن العاص فمرّ بعبد الله بن عباس، فحسده مكانه وما رأى من هيبة الناس له وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا ابن عباس، مالك إذا رأيتني ولّيتني القصرة، «٢» وكان بين عينيك دبرة، وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة»
الهمزة.
فقال ابن عباس: لأنك من اللئام الفجرة! وقريش الكرام البررة لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقا علموه، وهم أعظم الناس أحلاما، وأرفع الناس أعلاما، دخلت في قريش ولست منها، فأنت الساقط بين فراشين، لا في بني هاشم رحلك، ولا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، «٤» الضال المضلّ، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحلمه، وتسمو بكرمه.
فقال عمرو: أما والله إني لمسرور بك، فهل ينفعني عندك؟
قال ابن عباس: حيث مال الحق ملنا، وحيث سلك قصدنا.
стр. 1193
المدائني قال: قام عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب، فأطرى معاوية بن أبي سفيان وبني أميّة، وتناول بني هاشم، وذكر مشاهده بصفّين، واجتمعت قريش، فأقبل عبد الله بن عباس على عمرو، فقال.
يا عمرو، إنك بعت دينك من معاوية، وأعطيته ما بيدك، ومنّاك ما بيد غيره فكان الذي أخذ منك أكثر من الذي أعطاك، والذي أخذت منه دون الذي أعطيته، وكلّ راض بما أخذ وأعطى، فلما صارت مصر في يدك كدّرها عليك بالعدل والتنقص، وذكرت مشاهدك بصفّين، فوالله ما ثقلت علينا يومئذ وطأتك ولقد كشفت فيها عورتك، وإن كنت فيها لطويل اللسان، قصير السنان آخر الخيل إذا أقبلت، وأولها إذا أدبرت، لك يدان، يد لا تبسطها إلى خير، وأخرى لا تقبضها عن شر، ولسان غادر ذو وجهين، ووجهان وجه موحش ووجه مؤنس، ولعمري إن من باع دينه بدنيا غيره لحريّ أن يطول عليها ندمه، لك بيان وفيك خطل، «١» ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر وفيك حسد، وأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك.
فأجابه عمرو بن العاص: والله ما في قريش أثقل عليّ مسألة، ولا أمّر جوابا منك، ولو استطعت أن لا أجيبك لفعلت، غير أني لم أبع ديني من معاوية، ولكن بعت الله نفسي ولم أنس نصيبي من الدنيا، وأما ما أخذت من معاوية وأعطيته، فإنه لا تعلّم العوان «٢» الخمرة، وأما ما اتى إلى معاوية في مصر فإن ذلك لم يغيّرني له، وأما خفة وطأتي عليكم بصفين فلما استثقلتم حياتي، واستبطأتم وفاتي، وأما الجبن، فقد علمت فريش أني أول من يبارز، وآخر من ينازل وأما طول لساني فإني كما قال هشام بن الوليد لعثمان بن عفان ﵁:
لساني طويل فاحترس من شذاته ... عليك وسيفي من لساني أطول «٣»
стр. 1194
وأما وجهاي ولساناي، فإني ألقي كلّ ذي قدر بقدره، وأرمي كلّ نابح بحجره، فمن عرف قدره كفاني نفسه، ومن جهل قدره كفيته نفسي، ولعمري ما لأحد من قريش مثل قدرك ما خلا معاوية، فما ينفعني ذلك عندك. وأنشأ عمرو يقول:
بني هاشم مالي أراكم كأنكم ... بي اليوم جهال وليس بكم جهل
ألم تعلموا أني جسور على الوغى ... سريع إلى الدّاعي إذا كثر القتل
وأوّل من يدعو نزال طبيعة ... جبلت عليها والطّباع هو الجبل «١»
وأني فصلت الأمر بعد اشتباهه ... بدومة إذ أعيا على الحكم الفصل «٢»
وأني لا أعيا بأمر أريده ... وأني إذا عجّت بكاركم فحل
محمد بن سعيد عن إبراهيم بن حويطب قال: قال عمرو بن العاص لعبد الله بن عباس بعد قتل علي بن أبي طالب ﵁: إن هذا الأمر الذي نحن فيه وأنتم، ليس بأول أمر قاده البلاء، وقد بلغ الأمر بنا وبكم إلى ما ترى، أبقت لنا هذه الحرب حياء ولا صبرا، ولسنا نقول: ليت الحرب عادت! ولكنّا نقول: ليتها لم تكن كانت! فانظر فيما بقي بعين ما مضى؛ فإنك رأس هذا الأمر بعد عليّ، فإنك أمير مطاع، ومأمور مطيع، ومشاور مأمون، وأنت هو.
مجاوبة بني هاشم وبني عبد شمس لابن الزبير
الشعبي قال: قال ابن الزبير لعبد الله بن عباس: قاتلت أمّ المؤمنين، وحواريّ رسول الله ﷺ ؛ وأفتيت بتزويج المتعة.
فقال: أمّا أم المؤمنين فأنت أخرجتها وأبوك وخالك، وبنا سمّيت أم المؤمنين وكنا لها خير بنين؛ فتجاوز الله عنها؛ وقاتلت أنت أبوك عليا، فإن كان عليا مؤمنا فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين، وإن كان عليّ كافرا فقد بؤتم بسخط من الله بفراركم من الزحف؛ وأما المتعة فإن عليا ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ رخّص
стр. 1195
فيها، فأفتيت بها: ثم سمعته ينهى [عنها] فنهيت عنها؛ وأول مجمر «١» سطع في المتعة مجمر آل الزبير.
مناظرة في مجلس معاوية
: دخل الحسن بن عليّ على معاوية وعنده ابن الزبير وأبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب؛ فلما جلس الحسن قال معاوية: يا أبا محمد، أيهما كان أكبر، عليّ أم الزبير؟
قال: فقال: ما أقرب ما بينهما، عليّ كان أسنّ من الزبير؛ رحم الله عليا فقال ابن الزبير: رحم الله الزبير، فتبسم الحسن؛ فقال أبو سعيد بن عقيل بن أبي طالب: دع عنك عليا والزبير؛ إن عليا دعا إلى أمر فاتّبع وكان فيه رأسا، ودعا الزبير إلى أمر كان فيه الرأس امرأة، فلما تراءت الفئتان والتقى الجمعان نكص الزبير على عقبيه وأدبر منهزما قبل أن يظهر الحق فيأخذه، أو يدحض الباطل فيتركه، فأدركه رجل لو قيس ببعض أعضائه لكان أصغر، فضرب عنقه وأخذ سلبه وجاء برأسه، ومضى عليّ قدما كعادته مع ابن عمه ونبيه ﷺ ؛ فرحم الله عليا ولا رحم الزبير! فقال ابن الزبير: أما والله لو أنّ غيرك تكلم بهذا يا أبا سعيد لعلم ... قال: إنّ الذي تعرّض به يرغب عنك. وأخبرت عائشة بمقالتهما، فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا؛ فقال: إن الشيطان ليراك من حيث لا تراه! فضحكت عائشة وقالت: لله أبوك! ما أخبث لسانك.
الحسين ومعاوية
: الشعبي قال: دخل الحسين بن عليّ يوما على معاوية ومعه مولى له يقال له ذكوان، وعند معاوية جماعة من قريش فيهم ابن الزبير، فرحب معاوية بالحسين وأجلسه على سريره، وقال: ترى هذا القاعد- يعني ابن الزبير- فإنه ليدركه الحسد لبني عبد مناف.
следующие страницы →