← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

المروءة؛ ونحن والله أعطى للآخرة منكم للدنيا، وأعطى في الحق منكم في الباطل، وأعطى على التقوى منكم على الهوى؛ والقسم بالسوية والعدل في الرعية يأتيان على المنى والأمل، ما أرضاكم منا بالكفاف، فلو رضيتم منا لم ترض أنفسنا به لكم؛ والكفاف رضا من لا حق له؛ فلا تبخلونا حتى تسألونا، ولا تلفظونا حتى تذوقونا. أبو عثمان الحزامي قال: اجتمعت بنو هاشم عند معاوية، فأقبل عليهم فقال: يا بني هاشم، والله إن خيري لكم لممنوح، وإن بابي لكم لمفتوح؛ فلا يقطع خيري عنكم علة ولا يوصد بابي دونكم مسألة؛ ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمرا مختلفا: إنكم لترون أنكم أحق بما في يدي مني، وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقكم قلتم أعطانا دون حقنا، وقصّر بنا عن قدرنا؛ فصرت كالمسلوب، والمسلوب لا حمد له؛ وهذا مع إنصاف قائلكم، وإسعاف سائلكم. قال: فأقبل عليه ابن عباس فقال: والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه، ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه؛ ولئن قطعت عنا خيرك لله أوسع منك ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفّنّ أنفسنا عنك، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين، ولنا في كتاب الله حقان: حق في الغنيمة، «١» وحق في الفيء؛ «٢» فالغنيمة ما غلبنا عليه، والفيء ما اجتبيناه، ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر يحمله خف ولا حافر. كفاك أم أزيدك؟ قال: كفاني، فإنك تهرّ ولا تنبح. وقال معاوية يوما وعنده ابن عباس: إذا جاءت بنو هاشم بقديمها وحديثها، وجاءت بنو أمية بأحلامها وسياستها، وبنو أسد بن عبد العزى برفادتها ودياتها، وبنو عبد الدار بحجابتها ولوائها، وبنو مخزوم بأموالها وأفعالها، وبنو تيم بصدّيقها «٣» وجوادها، وبنو عدي بفاروقها «٤» ومتفكّرها، وبنو سهم بآرائها ودهائها، وبنو جمح

стр. 1192

بشرفها وأنوفها، وبنو عامر بن لؤي بفارسها وقريعها، «١» فمن ذا يجلى في مضمارها ويجري إلى غايتها؟ ما تقول يابن عباس؟ قال: أقول: ليس حي يفخرون بأمر إلا وإلى جنبهم من يشركهم، إلا قريشا فإنهم يفخرون بالنبوّة التي لا يشاركون فيها ولا يساوون بها ولا يدفعون عنها، وأشهد أن الله لم يجعل محمدا من قريش إلا وقريش خير البرية، ولم يجعله في بني عبد المطلب إلا وهم خير بني هاشم، يريد أن يفخر عليكم إلّا بما تفخرون به؛ إن بنا فتح الأمر وبنا يختم، ولك ملك معجّل ولنا ملك مؤجل، فإن يكن ملككم قبل ملكنا فليس بعد ملكنا ملك، لأنا أهل العاقبة، والعاقبة للمتقين. ابن عباس وابن العاص : أبو محنف قال: حج عمرو بن العاص فمرّ بعبد الله بن عباس، فحسده مكانه وما رأى من هيبة الناس له وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا ابن عباس، مالك إذا رأيتني ولّيتني القصرة، «٢» وكان بين عينيك دبرة، وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة» الهمزة. فقال ابن عباس: لأنك من اللئام الفجرة! وقريش الكرام البررة لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقا علموه، وهم أعظم الناس أحلاما، وأرفع الناس أعلاما، دخلت في قريش ولست منها، فأنت الساقط بين فراشين، لا في بني هاشم رحلك، ولا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، «٤» الضال المضلّ، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحلمه، وتسمو بكرمه. فقال عمرو: أما والله إني لمسرور بك، فهل ينفعني عندك؟ قال ابن عباس: حيث مال الحق ملنا، وحيث سلك قصدنا.

стр. 1193

المدائني قال: قام عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب، فأطرى معاوية بن أبي سفيان وبني أميّة، وتناول بني هاشم، وذكر مشاهده بصفّين، واجتمعت قريش، فأقبل عبد الله بن عباس على عمرو، فقال. يا عمرو، إنك بعت دينك من معاوية، وأعطيته ما بيدك، ومنّاك ما بيد غيره فكان الذي أخذ منك أكثر من الذي أعطاك، والذي أخذت منه دون الذي أعطيته، وكلّ راض بما أخذ وأعطى، فلما صارت مصر في يدك كدّرها عليك بالعدل والتنقص، وذكرت مشاهدك بصفّين، فوالله ما ثقلت علينا يومئذ وطأتك ولقد كشفت فيها عورتك، وإن كنت فيها لطويل اللسان، قصير السنان آخر الخيل إذا أقبلت، وأولها إذا أدبرت، لك يدان، يد لا تبسطها إلى خير، وأخرى لا تقبضها عن شر، ولسان غادر ذو وجهين، ووجهان وجه موحش ووجه مؤنس، ولعمري إن من باع دينه بدنيا غيره لحريّ أن يطول عليها ندمه، لك بيان وفيك خطل، «١» ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر وفيك حسد، وأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك. فأجابه عمرو بن العاص: والله ما في قريش أثقل عليّ مسألة، ولا أمّر جوابا منك، ولو استطعت أن لا أجيبك لفعلت، غير أني لم أبع ديني من معاوية، ولكن بعت الله نفسي ولم أنس نصيبي من الدنيا، وأما ما أخذت من معاوية وأعطيته، فإنه لا تعلّم العوان «٢» الخمرة، وأما ما اتى إلى معاوية في مصر فإن ذلك لم يغيّرني له، وأما خفة وطأتي عليكم بصفين فلما استثقلتم حياتي، واستبطأتم وفاتي، وأما الجبن، فقد علمت فريش أني أول من يبارز، وآخر من ينازل وأما طول لساني فإني كما قال هشام بن الوليد لعثمان بن عفان ﵁: لساني طويل فاحترس من شذاته ... عليك وسيفي من لساني أطول «٣»

стр. 1194

وأما وجهاي ولساناي، فإني ألقي كلّ ذي قدر بقدره، وأرمي كلّ نابح بحجره، فمن عرف قدره كفاني نفسه، ومن جهل قدره كفيته نفسي، ولعمري ما لأحد من قريش مثل قدرك ما خلا معاوية، فما ينفعني ذلك عندك. وأنشأ عمرو يقول: بني هاشم مالي أراكم كأنكم ... بي اليوم جهال وليس بكم جهل ألم تعلموا أني جسور على الوغى ... سريع إلى الدّاعي إذا كثر القتل وأوّل من يدعو نزال طبيعة ... جبلت عليها والطّباع هو الجبل «١» وأني فصلت الأمر بعد اشتباهه ... بدومة إذ أعيا على الحكم الفصل «٢» وأني لا أعيا بأمر أريده ... وأني إذا عجّت بكاركم فحل محمد بن سعيد عن إبراهيم بن حويطب قال: قال عمرو بن العاص لعبد الله بن عباس بعد قتل علي بن أبي طالب ﵁: إن هذا الأمر الذي نحن فيه وأنتم، ليس بأول أمر قاده البلاء، وقد بلغ الأمر بنا وبكم إلى ما ترى، أبقت لنا هذه الحرب حياء ولا صبرا، ولسنا نقول: ليت الحرب عادت! ولكنّا نقول: ليتها لم تكن كانت! فانظر فيما بقي بعين ما مضى؛ فإنك رأس هذا الأمر بعد عليّ، فإنك أمير مطاع، ومأمور مطيع، ومشاور مأمون، وأنت هو. مجاوبة بني هاشم وبني عبد شمس لابن الزبير الشعبي قال: قال ابن الزبير لعبد الله بن عباس: قاتلت أمّ المؤمنين، وحواريّ رسول الله ﷺ ؛ وأفتيت بتزويج المتعة. فقال: أمّا أم المؤمنين فأنت أخرجتها وأبوك وخالك، وبنا سمّيت أم المؤمنين وكنا لها خير بنين؛ فتجاوز الله عنها؛ وقاتلت أنت أبوك عليا، فإن كان عليا مؤمنا فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين، وإن كان عليّ كافرا فقد بؤتم بسخط من الله بفراركم من الزحف؛ وأما المتعة فإن عليا ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ رخّص

стр. 1195

فيها، فأفتيت بها: ثم سمعته ينهى [عنها] فنهيت عنها؛ وأول مجمر «١» سطع في المتعة مجمر آل الزبير. مناظرة في مجلس معاوية : دخل الحسن بن عليّ على معاوية وعنده ابن الزبير وأبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب؛ فلما جلس الحسن قال معاوية: يا أبا محمد، أيهما كان أكبر، عليّ أم الزبير؟ قال: فقال: ما أقرب ما بينهما، عليّ كان أسنّ من الزبير؛ رحم الله عليا فقال ابن الزبير: رحم الله الزبير، فتبسم الحسن؛ فقال أبو سعيد بن عقيل بن أبي طالب: دع عنك عليا والزبير؛ إن عليا دعا إلى أمر فاتّبع وكان فيه رأسا، ودعا الزبير إلى أمر كان فيه الرأس امرأة، فلما تراءت الفئتان والتقى الجمعان نكص الزبير على عقبيه وأدبر منهزما قبل أن يظهر الحق فيأخذه، أو يدحض الباطل فيتركه، فأدركه رجل لو قيس ببعض أعضائه لكان أصغر، فضرب عنقه وأخذ سلبه وجاء برأسه، ومضى عليّ قدما كعادته مع ابن عمه ونبيه ﷺ ؛ فرحم الله عليا ولا رحم الزبير! فقال ابن الزبير: أما والله لو أنّ غيرك تكلم بهذا يا أبا سعيد لعلم ... قال: إنّ الذي تعرّض به يرغب عنك. وأخبرت عائشة بمقالتهما، فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا؛ فقال: إن الشيطان ليراك من حيث لا تراه! فضحكت عائشة وقالت: لله أبوك! ما أخبث لسانك. الحسين ومعاوية : الشعبي قال: دخل الحسين بن عليّ يوما على معاوية ومعه مولى له يقال له ذكوان، وعند معاوية جماعة من قريش فيهم ابن الزبير، فرحب معاوية بالحسين وأجلسه على سريره، وقال: ترى هذا القاعد- يعني ابن الزبير- فإنه ليدركه الحسد لبني عبد مناف.

стр. 1196

فقال ابن الزبير لمعاوية: قد عرفنا فضل الحسين وقرابته من رسول الله ﷺ ؛ لكن إن شئت أعلمك فضل الزبير على أبيك أبي سفيان فعلت، فتكلم ذكوان مولى الحسين بن علي فقال: يا ابن الزبير، إن مولاي ما يمنعه من الكلام أن لا يكون طلق اللسان رابط الجنان؛ فإن نطق نطق بعلم؛ وإن صمت صمت بحلم؛ غير أنه كفّ «١» الكلام، وسبق إلى السنان، فأقرت بفضله الكرام؛ وأنا الذي أقول: فيم الكلام لسابق في غاية ... والناس بين مقصّر ومبلّد «٢» إنّ الذي يجري ليدرك شأوه ... ينمي بغير مسوّد ومسدّد بل كيف يدرك نور بدر ساطع ... خير الأنام وفرع آل محمد فقال معاوية: صدق قولك يا ذكوان؛ أكثر الله في موالي الكرام مثلك. فقال ابن الزبير: إن أبا عبد الله سكت وتكلم مولاه، ولو تكلم لأجبناه، أو لكففنا عن جوابه إجلالا له؛ ولا جواب لهذا العبد. قال ذكوان: هذا العبد خير منك؛ قال رسول الله ﷺ : «مولى القوم منهم» ؛ فأنا مولى رسول الله ﷺ ، وأنت ابن العوام ابن خويلد؛ فنحن أكرم ولاء وأحسن فعلا. قال ابن الزبير: إني لست أجيب هذا! فهات ما عندك. فقال معاوية: قاتلك الله يابن الزبير. ما أعياك وأبغاك. أتفخر بين يدي أمير المؤمنين وأبي عبد الله؟ إنك أنت المتعدي لطورك «٣» ، الذي لا تعرف قدرك؛ فقس شبرك بفترك؛ ثم تعرّف كيف تقع بين عرانين «٤» بني عبد مناف؛ وأما والله لئن دفعت في بحور بني هاشم وبني عبد شمس لقطّعتك بأمواجها، ثم لترميّن بك في

стр. 1197

لججها؛ فما بقاءك في البحور إذا غمرتك، وفي الأمواج إذا بهزتك «١» ؟ هنالك تعرف نفسك؛ وتندم على ما كان من جرأتك، وتمسّي ما أصبحت فيه من أمان وقد حيل بين العير والنّزوان. فأطرق ابن الزبير مليا ثم رفع رأسه فالتفت إلى من حوله، ثم قال أسألكم بالله: أتعلمون أن أبي حواريّ رسول الله ﷺ ، وأن أباه أبا سفيان حارب رسول الله ﷺ ؟ وأن أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأمه هند آكلة الأكباد؟ وجدي الصدّيق، وجده المشدوخ ببدر ورأس الكفر؟ وعمتي خديجة ذات الخطر والحسب، وعمته أم جميل حمالة الحطب؟ وجدتي صفية، وجدته حمامة؟ وزوج عمتي خير ولد آدم محمد ﷺ ، وزوج عمته شر ولد آدم أبو لهب سيصلي نارا ذات لهب؟ وخالتي عائشة أم المؤمنين، وخالته أشقى الأشقين؟ وأنا عبد الله، وهو معاوية؟ وقال له معاوية: ويحك يابن الزبير كيف تصف نفسك بما وصفتها؟ والله مالك في القديم من رياسة، ولا في الحديث سياسة، ولقد قدناك وسدناك قديما وحديثا، لا تستطيع لذلك إنكارا، ولا عنه فرارا، وإن هؤلاء الحضور ليعلمون أن قريشا قد اجتمعت يوم الفخار على رياسة حرب بن أمية وأن أباك وأسرتك تحت رايته راضون بإمارته غير منكرين لفضله ولا طامعين في عزله، إن أمر أطاعوا، وإن قال أنصتوا، فلم تزل فينا القيادة وعزّ الولاية؛ حتى بعث الله محمدا ﷺ ، فانتخبه من خير خلقه، من أسرتي لا أسرتك، وبني أبي لابني أبيك، فجحدته قريش أشدّ الجحود؛ وأنكرته أشدّ الإنكار وجاهدته أشدّ الجهاد، إلا من عصم الله من قريش؛ فما ساد قريشا وقادهم إلا أبو سفيان بن حرب، فكانت الفئتان تلتقيان ورئيس الهدى منا ورئيس الضلالة منا؛ فمهديّكم تحت راية مهدّينا، وضالّكم تحت راية ضالّنا؛ فنحن الأرباب، وأنتم الأذناب؛ حتى خلّص الله أبا سفيان بن حرب بفضله من عظيم شركه؛ وعصمه بالإسلام من عبادة الأصنام؛ فكان ما لم يعط في

стр. 1198

الجاهلية عظيما شأنه، وفي الإسلام معروفا مكانه؛ ولقد أعطي يوم الفتح ما لم يعط أحد من آبائك، وإن منادي رسول الله ﷺ نادى: من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن؛ وكانت داره حرما، لا دارك ولا دار أبيك؛ وأما هند فكانت امرأة من قريش في الجاهلية عظيمة الخطر؛ وفي الإسلام كريمة الخبر، وأما جدك الصّديق فبتصديق عبد مناف سمى صديقا لا بتصديق عبد العزّى، وأما ما ذكرت من جدي المشدوخ ببدر، فلعمري لقد دعا إلى البراز هو وأخوه وابنه فلو برزت إليه أنت وأبوك ما بارزوكم ولا رأوكم لهم أكفاء، كما قد طلب ذلك غيركم فلم يقبلوهم، حتى برز إليهم أكفاؤهم من بني أبيهم، فقضى الله مناياهم بأيديهم فنحن قتلنا ونحن قتلنا. وما أنت وذاك؟ وأما عمتك أم المؤمنين فبنا شرفت وسميت أمّ المؤمنين، وخالتك عائشة مثل ذلك، وأما صفية فهي أدنتك من الظل، ولولا هي لكنت ضاحيا؛ وأمّا ما ذكرت من عمك وخال أبيك سيد الشهداء، فكذلك كانوا ﵏، وفخرهم وإرثهم لي دونك، ولا فخر لك فيهم ولا إرث بينك وبينهم؛ وأمّا قولك: أنا عبد الله وهو معاوية، فقد علمت قريش أيّنا أجود في الإزم «١» ، وأحزم في القدم، وأمنع للحرم؛ لا والله ما أراك منتهيا حتى تروم من بني عبد مناف ما رام أبوك، فقد طالبهم بالذّحول «٢» وقدّم إليهم الخيول، وخدعتم أمّ المؤمنين ولم تراقبوا رسول الله ﷺ إذ مددتم على نسائكم السّجوف «٣» وأبرزتم زوجته للحتوف ومقارعة السيوف، فلما التقى الجمعان نكص أبوك هاربا فلم ينجه ذلك أن طحنه أبو الحسين بكلكله طحن الحصيد بأيدي العبيد، وأمّا أنت فأفلتّ بعد أن خمشتك براثينه ونالتك مخاليبه، وايم الله ليقوّمنّك بنو عبد مناف بثقافها، أو لتصبحنّ منها صباح أبيك بوادي السّباع، وما كان أبوك المرهوب جانبه، ولكنه كما قال الشاعر: أكيلة سرحان فريسة ضيغم ... فقضقضه بالكفّ منه وحطّما «٤»

стр. 1199

ابن الزبير ومعاوية: نازع مروان بن الحكيم يوما ابن الزبير عند معاوية، فكان هوى معاوية مع مروان؛ فقال ابن الزبير: يا معاوية، إنّ لك حقا وطاعة، وإن لك صلة وحرمة؛ فأطع الله نطعك؛ فإنه لا طاعة لك علينا إن لم تطع الله؛ ولا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السّخبر «١» . وقال معاوية يوما وعنده ابن الزبير وذكر له مروان- فقال: إن يطلب هذا الأمر فقد يطمع فيه من هو دونه، وإن يتركه يتركه لمن هو فوقه؛ وما أراكم بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا تعطفه قرابة، ولا ترده مودّة، يسومكم خسفا ويوردكم تلفا. قال ابن الزبير: إذا والله نطلق عقال الحرب بكتائب تمور كرجل «٢» الجراد، حافاتها الأسل، «٣» لها دويّ كدوي الريح، تتبع غطريفا من قريش لم تكن أمّه براعية ثلّة «٤» . قال معاوية: أنا ابن هند، أطلقت عقال الحرب، وأكلت ذروة السنام، وشربت عنفوان المكرع «٥» ، وليس للآكل بعدي إلا الفلذة، ولا للشارب إلا الرّنق «٦» . مجاوبة الحسن بن علي لمعاوية وأصحابه ابن العاص والحسن: وفد الحسن بن عليّ على معاوية، فقال عمرو لمعاوية، يا أمير المؤمنين، إن الحسن لفهّ «٧» ، فلو حملته على المنبر فتكلم وسمع الناس كلامه عابوه وسقط من عيونهم. ففعل، فصعد المنبر وتكلم وأحسن؛ ثم قال: أيها الناس، لو طلبتم ابنا لنبيّكم ما بين لابتيها لم تجدوه غيري وغير أخي. وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. فساء ذلك

стр. 1200

عمرا وأراد أن يقطع كلامه، فقال له: أبا محمد، أتصف الرّطب؟ فقال: أجل، تلقحه الشمال وتخرّجه الجنوب، وتنضجه الشمس، ويصبغه القمر. قال: أبا محمد، هل تنعت الخراءة؟ قال: نعم، تبعد المشي في الأرض الصّحصح «١» حتى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولا تستنج بالقمّة والرّمة- يريد الروث والعظم- ولا تبل في الماء الراكد. مروان والحسن: بينما معاوية بن أبي سفيان جالس في أصحابه إذ قيل له: الحسن بالباب. فقال معاوية: إن دخل أفسد علينا ما نحن فيه! فقال له مروان بن الحكم: ائذن له؛ فإني أسأله ما ليس عنده فيه جواب. قال معاوية: لا تفعل فإنهم قوم قد ألهموا الكلام وأذن له؛ فلما دخل وجلس قال له مروان: أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن، ويقال إنّ ذلك من الخرق! فقال الحسن: ليس كما بلغك، ولكنا معشر بني هاشم أفواهنا عذبة شفاهها فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهنّ وقبلهنّ؛ وأنتم معشر بني أمية فيكم بخر شديد، فنساؤكم يصرفن أفواههنّ وأنفاسهنّ عنكم إلى أصداغكم؛ فإنما يشيب منكم موضع العذار من أجل ذلك. قال مروان: إن فيكم يا بني هاشم خصلة سوء. قال: وما هي؟ قال: الغلمة «٢» . قال: أجل، نزعت الغلمة من نسائنا ووضعت في رجالنا، ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت في نسائكم، فما قام لأموية إلا هاشمي! فغضب معاوية وقال: قد كنت أخبرتكم فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم وأفسد عليكم مجلسكم. فخرج الحسن وهو يقول: ومارست هذا الدهر خمسين حجّة ... وخمسا أزجّي قائلا بعد قائل «٣»

стр. 1201

فلا أنا في الدنيا بلغت جسيمها ... ولا في الذي أهوى كدحت بطائل وقد أشرعت فيّ المنايا أكفّها ... وأيقنت أني رهن موت بعاجل الحسن وحبيب الفهري: قال الحسن بن علي لحبيب بن مسلمة الفهري: ربّ مسير لك في غير طاعة الله! قال: أما مسيري إلى أبيك فلا! قال: بلى، ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في آخرتك، ولو كنت إذ فعلت شرا قلت خيرا كنت كما قال الله : خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً «١» ، ولكنك كما قال الله: بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ «٢» . ابن جعفر وابن الحكم في مجلس عبد الملك: قدم عبد الله بن جعفر على عبد الله بن مروان، فقال له يحيى بن الحكم: ما فعلت خبيثة؟ فقال: سبحان الله! يسميها رسول الله ﷺ طيبة وتسميها خبيثة؟ لقد اختلفتما في الدنيا وستختلفان في الآخرة! قال يحيى: لأن أموت بالشام أحب إليّ من أن أموت بها! قال: اخترت جوار النصارى على جوار رسول الله ﷺ ! قال يحيى: ما تقول في عليّ وعثمان؟ قال: أقول ما قاله من هو خير مني فيمن هو شر منهما: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٣» . مجاوبة بين معاوية وأصحابه معاوية والضحاك وابن العاص: قال معاوية يوما وعنده الضحاك بن قيس، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص: ما أعجب الأشياء؟

стр. 1202

قال الضحاك بن قيس: إكداء العاقل وإجداء الجاهل. وقال سعيد بن العاص: أعجب الأشياء ما لم ير مثله. وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء غلبة من لا حقّ له ذا الحقّ على حقه. وقال معاوية: أعجب من هذا أن تعطي من لا حق له ما ليس له بحق من غير غلبة. معاوية وقوم من قريش: حضر قوم من قريش مجلس معاوية، فيهم عمرو بن العاص، وعبد الله بن صفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام؛ فقال عمرو: أحمد الله يا معشر قريش إذ جعل أمركم إلى من يغضي على القذى، ويتصام عن العوراء، ويجرّ ذيله على الخدائع. قال عبد الله: لو لم يكن كذلك لمسّنا إليه الضر أو دببنا إليه الخمر، ورجونا أن يقوم بأمرنا من لا يطعمك مال مصر. قال معاوية: يا معشر قريش، حتى متى لا تنصفون من أنفسكم؟ قال عبد الرحمن بن الحارث: إن عمرا أفسدك علينا وأفسدنا عليك. لو أغضبت عن هذه. قال: إن عمرا لي ناصح. قال عبد الرحمن: فأطعمنا مثل ما أطعمته، وخذنا بمثل نصيحته؛ إنا رأيناك يا معاوية تضرب عوامّ قريش بأيديك في خواصها، كأنك ترى أن بكرامها جاروك دون لئامها، وإنا والله لنفرغ من إناء فعم في إناء ضخم، وكأنك بالحرب قد حل عقالها عليك من لا ينظر لك. قال معاوية: يا بن أخي، ما أحوج أهلك إليك! فلا تفجعهم بنفسك! ثم أنشد: أعزّ رجالا من قريش تتابعوا ... على سفه، مني الحيا والتكرم «١» معاوية وابن الزبير: وقال معاوية لابن الزبير: تنازعني هذا الأمر كأنك أحق به مني! قال: لم لا أكون أحق به منك يا معاوية، وقد اتبع أبي رسول الله ﷺ على الإيمان واتبع الناس أباك على الكفر؟ قال له معاوية: غلطت يا ابن الزبير بعث الله ابن عمي نبيا فدعا أباك فأجابه؛ فما أنت إلا تابع لي، ضالا كنت أو مهديّا.

стр. 1203

معاوية ومروان وابن العاص في الحسين: العتبي قال: دعا معاوية مروان بن الحكم فقال له: أشر عليّ في الحسين. قال: تخرجه معك إلى الشام، فتقطعه عن أهل العراق وتقطعهم عنه. قال: أردت والله أن تستريح منه وتبتليني به، فإن صبرت عليه صبرت على ما أكره، وإن أسأت إليه كنت قد قطعت رحمه! فأقامه وبعث إلى سعيد بن العاص، فقال له: يا أبا عثمان، أشر عليّ في الحسين. فقال: والله إنك ما تخاف الحسين إلا على من بعدك، وإنك لتخلف له قرنا إن صارعه ليصرعنه، وإن سابقه ليسبقنّه؛ فذر الحسين منبت النخلة، يشرب من الماء، ويصعد في الهواء، ولا يبلغ إلى السماء! قال: فما غيّبك عني يوم صفّين؟ قال: تحملت الحرم، وكفيت الحزم، وكنت قريبا لو دعوتنا لأجبناك، ولو ثلمت لرقعناك! قال معاوية: يا أهل الشام؛ هؤلاء قومي وهذا كلامهم. مجاوبة بين بني أمية ابن سعيد وابن عتبة في حضرة معاوية: قال: لما أخرج أهل المدينة عمرو بن سعيد الأشدق، وكان وليهم بعد الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، قال عمر بن سعيد لمعاوية: إن الوليد بن عتبة هو الذي أمر أهل المدينة باخراجي؛ فأرسل إليه وتوثّقه. فأرسل إليه معاوية، فلما دخل عليه قال له عمرو: أوليد، أنت أمرت بإخراجي؟ قال لا ورحمك أبا أمية، ولا أمرت أهل الكوفة بإخراج أبيك؛ بل كيف أطاعني أهل المدينة فيك، إلا أن تكون عصيت الله فيهم؟ إنك لتحل عرى ملك شديدة عقدتها، وتمتري «١» أخلاف فيقة» سريعة درتها؛ وما جعل الله صالحا مصلحا كفاسد مفسد! معاوية وخالد بن عبد الله في أموال العراق: جلس يوما عبد الملك بن مروان وعند رأسه عبد الله بن خالد بن أسيد، وعند

стр. 1204

رجليه أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وأدخلت عليه الأموال التي جاءت من قبل الحجاج حتى وضعت بين يديه، فقال: هذا والله التوفير، وهذه الأمانة؛ لا ما فعل هذا- وأشار إلى خالد- استعملته على العراق فاستعمل كل ملطّ «١» فاسق فأدّوا إليه العشرة واحدا، وأدّى إليّ من العشرة واحدا! واستعملت هذا على خراسان- وأشار إلى أمية- فأهدى إليّ برذونين حطمين «٢» ، فإن استعملتكم ضيعتم وإن عزلتكم قلتم استخف بنا وقطع أرحامنا! فقال خالد بن عبد الله: استعملتني على العراق وأهله رجلان: سامع مطيع مناصح، وعدو مبغض مكاشح؛ فأما السامع المطيع المناصح فإنا جزيناه ليزداد ودّا إلى ودّه، وأما المبغض المكاشح، فإنا داريناه ضغنه وسللنا حقده، وكثرنا لك المودة في صدور رعيتك؛ وإن هذا جبى الأموال وزرع لك البغضاء في قلوب الرجال؛ فيوشك أن تنبت البغضاء فلا أموال ولا رجال! فلما خرج ابن الأشعث قال عبد الملك: هو والله ما قال خالد. خالد بن يزيد ومحمد بن عمرو: قدم محمد بن عمرو بن سعيد بن العاص الشام، فأتى عمته آمنة بنت سعيد بن العاص، وكانت عند خالد بن يزيد بن معاوية، فدخل عليه فرآه فقال له: ما يقدم علينا أحد من أهل الحجاز إلا اختار المقام عندنا على المدينة. فظن محمد أنه يعرّض به، فقال: وما يمنعهم وقد قدم من المدينة قوم على النواضح «٣» ، فنكحوا أمّك، وسلبوك ملكك، وفرّغوك لطلب الحديث وقراءة الكتب ومعالجة ما لا تقدر عليه. يعني الكيميا، وكان يعملها. عثمان وابن العاص بعد عزله عن مصر: لما عزل عثمان بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن أبي سرح، دخل عليه عمرو وعليه جبة، فقال له: ما حشو جبّتك يا عمرو؟ قال: أنا! قال: قد علمت أنك فيها. ثم قال: أشعرت يا عمرو أن الّلقاح درّت بعدك ألبانها بمصر؟ قال: لأنكم أعجفتم «٤» أولادها.

стр. 1205

ابن لعمر بن عبد العزيز وابن لسليمان: وقع بين ابن لعمر بن عبد العزيز وابن لسليمان بن عبد الملك كلام. فجعل ابن عمر يذكر فضل أبيه، قال له ابن سليمان؛ إن شئت فأقلل وإن شئت فأكثر؛ ما كان أبوك إلا حسنة من حسنات أبي! لأن سليمان هو ولي عمر ابن عبد العزيز. العباس بن الوليد والوليد بن يزيد: ذكروا أن العباس بن الوليد وجماعة من بني مروان كانوا عند هشام، فذكروا الوليد بن يزيد، فحمّقوه وعابوه، وكان هشام يبغضه؛ ودخل الوليد، فقال له العباس بن الوليد: كيف حبّك للروميات؟ قال: إن أباك كان مشغوفا بهنّ. قال: إني لا أحبهن. [قال] : وكيف لا يحببن وهن يلدن مثلك؟ قال: اسكت، فلست بالفحل يأتي عسبه «١» بمثلي. قال له هشام: يا وليد، ما شرابك؟ قال: شرابك يا أمير المؤمنين. وقام فخرج، فقال هشام: هذا الذي تزعمون أنه أحمق. الوليد بن يزيد وولد لهشام: وقرّب إلى الوليد بن يزيد فرسه، فجمع جراميزه «٢» ووثب على سرجه، ثم التفت إلى ولد لهشام بن عبد الملك، فقال: يحسن أبوك أن يصنع مثل هذا؟ قال: لأبي مائة عبد يصنعون مثل هذا! فقال الناس: لم ينصفه في الجواب. عبد الملك ويحيى بن الحكم وبنت لعبد الرحمن بن هشام: خطب عبد الملك بن مروان بنت عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فقالت: والله لا تزوجني أبو الذباب! فتزوجها يحيى بن الحكم؛ فقال عبد الله ليحيى: أما والله لقد تزوجت أسود أفوه «٣» ! قال يحيى: أما إنها أحبّت مني ما كرهت منك! وكان عبد الملك رديء الفم، يدمي فيقع عليه الذباب، فسمي أبا الذباب.

стр. 1206

الجواب القاطع ثابت بن عبد الله وسعيد بن عثمان: نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام، فقال: إني لأبغض هذه الوجوه. قال له سعيد بن عثمان: تبغضهم لأنهم قتلوا أباك! قال: صدقت، ولكن الأنصار والمهاجرون قتلوا أباك! الحجاج وخارجي: وقال الحجاج لرجل من الخوارج: والله إنك من قوم أبغضهم! قال له: أدخل الله أشدّنا بغضا لصاحبه الجنة. عمرو بن معديكرب وباهلي: وقال ابن الباهلي لعمرو بن معديكرب: إن مهرك لمقرف «١» . قال: هجين عرف هجينا «٢» مثله. الحجاج وخارجية: وقال الحجاج لامرأة من الخوارج: والله لأعدّنكم عدّا ولأحصدنّكم حصدا! قالت له: الله يزرع وأنت تحصد، فأين قدرة المخلوق من الخالق. وأتي الحجاج بامرأة من الخوارج، فقال لأصحابها: ما تقولون فيها؟ قالوا: عاجلها القتل أيها الأمير، قالت الخارجية: لقد كان وزراء صاحبك خيرا من وزرائك يا حجاج! قال لها: ومن صاحبي؟ قالت: فرعون؛ استشارهم في موسى فقالوا: أرجه «٣» وأخاه!

стр. 1207

زياد وخارجي: وأتي زياد برجل من الخوارج، فقال له: ما تقول فيّ وفي أمير المؤمنين؟ قال أما الذي تسميه أمير المؤمنين فهو أمير المشركين، وأما أنت فما أقول في رجل أوله لزنية وآخره لدعوة! فأمر به فقتل وصلب. الأشعث وشريح: قال الأشعث بن قيس لشريح القاضي: لشدّ ما ارتفعت! قال: فهل رأيت ذلك ضرك؟ قال: لا. قال: فأراك تعرف نعمة الله عليك وتجهلها على غيرك. ابن الفضل وبعض قرابته: نازع محمد بن الفضل بعض قرابته في ميراث، فقال له: يا بن الزنديق! قال له: إن كان أبي كما تقول وأنا مثله، فلا يحل لك أن تنازعني في هذا الميراث؛ إذ كان لا يرث دين دينا. الحجاج وخارجية: وأتي الحجاج بامرأة من الخوارج، فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه، فقيل لها الأمير يكلمك وأنت لا تنظرين إليه! قالت: إني لأستحي أن أنظر من لا ينظر الله إليه! فأمر بها فقتلت. عثمان وعلي: لقي عثمان بن عفان عليّ بن أبي طالب، فعاتبه في شيء بلغه عنه، فسكت عنه علي؛ فقال له عثمان: مالك لا تقول؟ قال: له علي: ليس لك عندي إلا ما تحب وليس جوابك إلا ما تكره. وتكلم الناس عند معاوية في يزيد ابنه إذ أخذ له البيعة، وسكت الأحنف؛ فقال له: مالك لا تقول أبا بحر؟ قال: أخافك إن صدقت وأخاف الله إن كذبت!

стр. 1208

قال معاوية يوما: أيها الناس، إن الله فضّل قريشا بثلاث: فقال لنبيه ﵊: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ «١» ، فنحن عشيرته؛ وقال: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ «٢» ، فنحن قومه؛ وقال: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «٣» ، ونحن قريش! فأجابه رجل من الأنصار فقال: على رسلك يا معاوية، فإن الله يقول: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ «٤» ، وأنتم قومه؛ وقال: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ «٥» ، وأنتم قومه، وقال الرسول ﵊: يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً «٦» ، وأنتم قومه؛ ثلاثة بثلاثة، ولو زدتنا لزدناك! فأفحمه. وقال معاوية لرجل من اليمن: ما كان أجهل قومك حين ملّكوا عليهم امرأة! فقال: أجهل من قومي قومك الذين قالوا حين دعاهم رسول الله ﷺ : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٧» ، ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه. مجاوبة الأمراء والردّ عليهم قال معاوية لجارية بن قدامة: ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية. قال: ما كان أهونك على أهلك إذ سموك معاوية، وهي الأنثى من الكلاب. قال: لا أمّ لك! قال: أمي ولدتني للسيوف التي لقيناك بها في أيدينا. قال: إنك لتهدّدني! قال: إنك لم تفتتحنا قسرا ولم تملكنا عنوة، ولكنك أعطيتنا عهدا وميثاقا وأعطيناك سمعا وطاعة، فإن وفيت لنا وفينا لك، وإن فزعت إلى غير ذلك، فإنا تركنا وراءنا رجالا شدادا وألسنة حدادا.

стр. 1209

قال له معاوية: لا كثّر الله في الناس أمثالك. قال جارية: قل معروفا وراعنا؛ فإن شر الدعاء المحتطب. معاوية والأحنف: عدّد معاوية بن أبي سفيان على الأحنف ذنوبا، فقال: يا أمير المؤمنين، لم تردّ الأمور على أعقابها؛ أما والله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها على عواتقنا؛ ولئن مددت فترا من غدر لنمدّن باعا من ختر؛ «١» ولئن شئت لنستصفين كدر قلوبنا بصفو حلمك. قال: فإني أفعل!. معاوية وعدي: قال معاوية لعدي بن حاتم: ما فعلت الطرفات يا أبا طريف؟ يعني أولاده؛ قال: قتلوا! قال: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قتل بنوك معه وبقي له بنوه! قال: لئن كان ذلك لقد قتل هو وبقيت أنا بعده! قال له معاوية: ألم تزعم أنه لا يخنق في قتل عثمان عنز؟ قال: قد والله خنق فيه التيس الأكبر. قال معاوية: أما إنه قد بقيت من دمه قطرة ولا بد أن أتبعها! قال عدي: لا أبا لك! شم «٢» السيف، فإنّ سلّ السيف يسلّ السيف. فالتفت معاوية إلى حبيب بن مسلمة فقال: أجعلها في كتابك فإنها حكمة. الأحنف وشامي لعن عليا: الشيباني عن أبي الجناب الكندي عن أبيه، أن معاوية بن أبي سفيان بينا هو جالس وعنده وجوه الناس، إذ دخل رجل من أهل الشام فقام خطيبا، فكان آخر كلامه أن لعن عليا؛ فأطرق الناس وتكلم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا القائل ما قال آنفا لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين لعنهم، فاتق الله ودع عنك عليا، فقد لقي

стр. 1210

ربّه، وأفرد في قبره، وخلا بعمله؛ وكان والله- ما علمنا- المبرّز بسبقه، الطاهر خلقه، الميمون نقيبته «١» ، العظيم مصيبته فقال له معاوية: يا أحنف، لقد أغضيت العين على القذى، وقلت ما ترى! وايم الله لتصعدنّ المنبر فتلعننّه طوعا أو كرها، فقال له الأحنف يا أمير المؤمنين، إن تعفني فهو خير لك، وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجري فيه شفتاي أبدا! قال: قم فاصعد المنبر. قال الأحنف: أما والله مع ذلك لأنصفنك في القول والفعل. قال: وما أنت قائل يا أحنف إن أنصفتني؟ قال: أصعد المنبر فأحمد الله بما هو أهله، وأصلّ على نبيه ﷺ ، ثم أقول: أيها الناس، إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليا، وإن عليا ومعاوية اختلفا فاقتتلا، وادّعى كلّ واحد منهما أنه بغي عليه وعلى فئته؛ فإذا دعوت فأمّنوا رحمكم الله. ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغيّ منهما على صاحبه؛ والعن الفئة الباغية؛ اللهم العنهم لعنا كبيرا! أمّنوا رحمكم الله. يا معاوية، لا أزيد على هذا ولا أنقص منه حرفا ولو كان فيه ذهاب نفسي؛ فقال معاوية: إذا نعفيك يا أبا بحر. معاوية وعقيل في أمر علي: وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إن عليا قد قطعك ووصلتك؛ ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر! قال: أفعل، فأصعد، فصعد، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس، إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليّ بن أبي طالب فالعنوه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ثم نزل، فقال له معاوية إنك لم تبين أبا يزيد من لعنت بيني وبينه. قال: والله لازدت حرفا ولا نقصت آخر، والكلام إلى نية المتكلم. الهيثم بن عدي قال: قال معاوية لأبي الطفيل: كيف وجدك على عليّ؟ قال: وجد ثمانين مثكلا! قال: فكيف حبّك له؟ قال: حب أم موسى، وإلى الله أشكو التقصير!

стр. 1211

وقال مرة أخرى: أبا الطفيل! قال: نعم. قال: أنت من قتلة عثمان؟ قال: لا، ولكني ممن حضره ولم ينصره. قال: وما منعك من نصره؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار، فلم أنصره. قال: لقد كان حقّه واجبا وكان عليهم أن ينصروه. قال: فما منعك من نصرته يا أمير المؤمنين وأنت ابن عمه؟ قال: أو ما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل وقال: مثلك ومثل عثمان كما قال الشاعر: لأعرفنّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادا معاوية وابن الخطل: العتبي قال: صعد معاوية المنبر فوجد من نفسه رقة، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس، إن عمر ولاني أمرا من أمره، فوالله ما غششته ولا خنته ثم ولاني الأمر من بعده ولم يجعل بيني وبينه أحدا؛ فأحسنت والله وأسأت، وأصبت وأخطأت؛ فمن كان يجهلني فإني أعرّفه بنفسي. فقام إليه سلمة بن الخطل العرجيّ؛ فقال: أنصفت يا معاوية وما كنت منصفا. قال فغضب معاوية وقال: ما أنت وذاك يا أحدب؟ والله لكأني أنظر إلى بيتك بمهيعة، «١» وبطنب «٢» تيس، وبطنب بهمة، بفنائه أعنز عشر، يحتلبن في مثل قوارة حافر العير، «٣» تهفو الريح منه بجانب، كأنه جناح نسر. قال: رأيت والله ذاك في شر زماننا إلينا، وو الله إن حشوه يومئذ لحسب غير دنس؛ فهل رأيتني يا معاوية أكلت مالا حراما أو قتلت امرأ مسلما؟ قال: وأين كنت أراك وأنت لا تدبّ إلا في خمر؟ وأي مسلم يعجز عنك فتقتله؟ أم أي مال تقوى عليه فتأكله؟ اجلس لا جلست. قال: بل أذهب حتى لا تراني. قال إلى أبعد الأرض لا إلى أقربها فمضى، ثم قال معاوية: ردّوه عليّ، فقال الناس: يعاقبه! فقال له: أستغفر الله منك يا أحدب، والله لقد بررت في قرابتك، وأسلمت فحسن إسلامك، وإن أباك لسيّد قومه؛ ولا أبرح أقول بما تحب فاقعد.

стр. 1212

معاوية وخريم الناعم: الأوزاعي قال: دخل خريم الناعم على معاوية، فنظر إلى ساقيه فقال: أيّ ساقين. لو أنهما على جارية. قال في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين. قال معاوية: واحد بأخرى والبادي أظلم. عبد الملك وعطاء: دخل عطاء المضحك على عبد الملك بن مروان، فقال له: أما وجدت لك أمك اسما إلا عطاء؟ قال: لقد استكثرت من ذلك ما استكثرته يا أمير المؤمنين، ألا سمتني باسم المباركة، صلوات الله عليها، مريم. معاوية وصحار: قال معاوية لصحار بن العباس العبدي: يا أزرق. قال: البازي أزرق. قال: يا أحمر. قال: الذهب أحمر. قال: ما هذه البلاغة فيكم عبد القيس؟ قال: شيء يختلج في صدورنا فتقذفه ألسنتنا كما يقذف البحر الزّبد. قال: فما البلاغة عندكم؟ قال: أن نقول فلا نخطىء، ونجيب فلا نبطىء. ابن عامر وابن حازم: وقال عبد الله بن عامر بن كريز لعبد الله بن حازم يا بن عجلى. قال: ذاك اسمها. قال: يا بن السوداء. قال: ذاك لونها. قال: يا بن الأمة. قال: كل أنثى أمة فاقصد بذرعك لا يرجع سهمك عليك؛ إن الإماء قد ولدنك. عبد الملك وابن ظبيان: دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: ما هذا الذي يقول الناس؟ قال: وما يقولون؟ قال: يقولون إنك لا تشبه أباك قال: والله لأنا أشبه به من الماء بالماء، والغراب بالغراب؛ ولكن أدلك على من لم يشبه أباه.

стр. 1213

قال: من هو؟ قال: من لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال والأعمام. قال: ومن هو؟ قال: ابن عمي سويد بن منجوف. وإنما أراد عبد الملك ابن مروان، وذلك لأنه ولد لستة أشهر. هشام وزيد ابن علي: دخل زيد بن عليّ على هشام بن عبد الملك، فلم يجد موضعا يقعد فيه: فعلم أن ذلك فعل به على عمد؛ فقال: يا أمير المؤمنين، اتق الله. قال: أو مثلك يا زيد يأمر مثلي بتقوى الله؟ قال زيد: إنه لا يكبر أحد فوق تقوى الله، ولا يصغر دون تقوى الله. قال له هشام: بلغني أنك تحدّث نفسك بالخلافة ولا تصلح لها؛ إنك ابن أمة. قال: زيد: أما قولك إني أحدّث نفسي بالخلافة، فلا يعلم الغيب إلا الله؛ وأما قولك إني ابن أمة، فهذا إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن ابن أمة من صلبه خير البشر محمد ﷺ ، وإسحاق ابن حرة. أخرج من صلبه القردة والخنازير وعبدة الطاغوّت. قال له: قم. قال: إذن لا تراني إلا حيث تكره. فلما خرج من عنده قال: ما أحب أحد قط الحياة إلا ذل. قال له حاجبه: لا يسمع هذا الكلام منك أحد. وقال زيد بن علي: سرّده الخوف وازرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد «١» محتفي الرّجلين يشكو الوجا ... تقرعه أطراف مرو حداد «٢» قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد ثم خرج بخراسان، فقتل وصلب في كناسة. وفيه يقول سديف بن ميمون في دولة بني العباس: واذكروا مقل الحسين وزيدا ... وقتيلا بجانب المهراس «٣»

стр. 1214

يريد حمزة بن عبد المطلب المقتول بأحد. عبد الملك ورجل من قيس: دخل رجل من قيس على عبد الملك بن مروان؛ فقال: زبيري. والله لا يحبك قلبي أبدا. قال: يا أمير المؤمنين، إنما يجزع من الحب النساء، ولكن عدل وإنصاف. عمر بن الخطاب وأبو مريم: وقال عمر بن الخطاب لأبي مريم الحنفي قاتل زيد بن الخطاب: والله لا يحبك قلبي أبدا حتى تحب الأرض الدم. قال: يا أمير المؤمنين، فهل تمنعني لذلك حقا؟ قال: لا. قال: فحسبي. سليمان ويزيد ابن أبي مسلم: دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، فقال: على امريء أوطأك رسنه وسلّطك على الأمة لعنة الله. فقال: يا أمير المؤمنين، إنك رأيتني والأمر مدبر عني ولو رأيتني والأمر مقبل عليّ لعظم في عينك ما استصغرت مني. قال: أتظن الحجاج استقر في قعر جهنم أم هو يهوي فيها؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج يأتي يوم القيامة بين أبيك، وأخيك فضعه من النار حيث شئت. مروان وزفر: وقال مروان بن الحكم لزفر بن الحارث: بلغني أن كندة تدّعيك. قال: لا خير فيمن لا يتّقي رهبة ولا يدّعي رغبة. مروان وابن ولجة: قال مروان بن الحكم للحسن بن دلجة: إني أظنك أحمق. قال: [أحمق] ما يكون الشيخ إذا عمل بظنّه.

стр. 1215

مروان وحويطب: وقال مروان لحويطب بن عبد العزّى، وكان كبيرا مسنا. أيها الشيخ، تأخر إسلامك حتى سبقك الأحداث. فقال: الله المستعان، والله لقد هممت بالإسلام غير مرة، وكل ذلك يعوقني عنه أبوك وينهاني، ويقول: يضع من قدرك أن تترك دين آبائك لدين محدث، وتصير تابعا فسكت مروان. عبد الملك وثابت بن عبد الله: قال عبد الملك بن مروان لثابت بن عبد الله بن الزبير: أبوك ما كان أعلم بك حيث كان يشتمك. قال: يا أمير المؤمنين، إنما كان يشتمني أني كنت أنهاه أن يقاتل بأهل المدينة وأهل مكة؛ فإن الله لا ينصر بهما؛ أما أهل مكة فأخرجوا النبي ﷺ وأخافوه، ثم جاءوا إلى المدينة فآذوه حتى سيرهم- يعرّض بالحكم بن أبي العاص طريد النبي ﷺ ؛ وأما أهل المدينة فخذلوا عثمان حتى قتل بين أظهرهم ولم يدفعوا عنه. قال له: عليك لعنة الله. معاوية والبراءة من علي: جلس معاوية يبايع الناس على البراءة من عليّ؛ فقال له رجل من بني تميم: يا أمير المؤمنين، نطيع أحياءكم ولا نبرأ من موتاكم. فالتفت معاوية إلى زياد فقال: هذا رجل فاستوص به. معاوية والأنصار: قال معاوية يوما: يا معشر الأنصار، بم تطلبون ما عندي؟ فوالله لقد كنتم قليلا معي كثيرا معي عليّ، ولقد فللتم حدّي يوم صفين حتى رأيت المنايا تتلظى من أسنتكم، ولقد هجوتموني [في أسلافي] بأشدّ من وخز الأسل، «١» حتى إذا أقام الله

стр. 1216

منّا ما حاولتم ميله، قلتم ارع فينا وصية رسول الله ﷺ . هيهات. يأبى الحقين العذرة. «١» فأجابه قيس بن سعد، قال أما قولك جئناك نطلب ما عندك، فبالإسلام الكافي به الله ما سواه، لا بما نمتّ إليك به من الأحزاب؛ وأما استقامة الأمر، فعلى كره منا كان؛ وأما فلّنا حدّك يوم صفين، فأمر لا نعتذر منه؛ وأما عداوتنا لك، فلو شئت كففتها عنك؛ وأما هجاؤنا إياك، فقول يثبت حقّه ويزول باطله؛ وأما وصية رسول الله ﷺ ، فمن يؤمن بها يحفظها من بعده؛ وأما قولك يأبى الحقين العذرة، فليس دون الله يد تحجزك منا؛ فدونك أمرك يا معاوية؛ فإنما مثلك كما قال الشاعر: يا لك من قبّرة بمعمر ... خلالك الجوّ فبيضي واصفري «٢» سليمان وابن المهلب: وقال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن المهلب: فيمن العزّ بالبصرة؟ قال: فينا وفي حلفائنا من ربيعة. قال سليمان: الذي تحالفتما عليه أعزّ منكما. عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير: مرّ عمر بن الخطاب بالصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير، ففرّوا وثبت ابن الزبير؛ قال له عمر: كيف لم تفرّ مع أصحابك؟ قال: لم أجترم «٣» فأخافك، ولم يكن بالطريق من ضيق فأوسّع لك! عبد الله بن الزبير وعدي بن حاتم: وقال عبد الله بن الزبير لعدي بن حاتم: متى فقئت عينك؟ قال: يوم قتل أبوك، وهربت عن خالتك، وأنا للحقّ ناصر، وأنت له خاذل. وكان فقئت عينه يوم الجمل.

стр. 1217

الرشيد وابن مزيد: وقال هارون الرشيد ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخلفاء في ربيعة؟ قال: نعم، ولكن منابرهم الجذوع. يزيد بن معاوية والمسود: كان المسور بن مخرمة جليلا نبيلا، وكان يقول في يزيد بن معاوية إنه يشرب الخمر؛ فبلغه ذلك؛ فكتب إلى عامله بالمدينة أن يجلده الحدّ، ففعل، فقال المسور في ذلك: أيشربها صرفا يفضّ ختامها ... أبو خالد ويجلد الحد مسور المأمون وابن أكثم: قال المأمون ليحيى بن أكثم القاضي: أخبرني من الذي يقول: قاض يرى الحدّ في الزّناء ولا ... يرى على من يلوط من باس قال: يقوله يا أمير المؤمنين الذي يقول: لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال ... أمّة وال من آل عبّاس قال: ومن يقوله؟ قال: أحمد بن نعيم. قال: ينفى إلى السند. وإنما مزحنا معك. سليمان وابن الرقاع: قال سليمان بن عبد الملك لعدي بن الرقاع: أنشدني قولك في الخمر: كميت إذا شجّت، وفي الكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب تريك القذى من دونها وهي دونه ... لوجه أخيها في الإناء قطوب «١» فأنشده؛ فقال له سليمان: شربتها ورب الكعبة! قال عدي: والله يا أمير المؤمنين، لئن رابك وصفي لها قد رابني معرفتك بها! فتضاحكا وأخذا في الحديث.

стр. 1218

بلال وخالد بن صفوان: الأصمعي قال: لما ولي بلال بن أبي بردة البصرة بلغ ذلك خالد بن صفوان، فقال: سحابة صيف عن قليل تقشّع فبلغ ذلك بلالا فدعا به، فقال؛ أنت القائل؟ سحابة صيف عن قليل تقشع؟ أما والله لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب» برد! فضربه مائة سوط. وكان خالد يأتي بلالا في ولايته، ويغشاه في سلطانه، ويغتابه إذا غاب عنه. ويقول ما في قلب بلال من الإيمان إلا ما في بيت أبي الزرد الحنفي من الجوهر. وأبو الزرد رجل مفلس. عتبة وخالد القسري: دخل عتبة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على خالد بن عبد الله القسري بعد حجاب شديد، وكان عتبة رجلا سخيا، فقال له خالد يعرّض به: إن هاهنا رجالا يداينون في أموالهم، فإذا فنبت يداينون في أعراضهم! فعلم القرشي أنه يعرّض به؛ فقال: أصلح الله الأمير، إن رجالا تكون أموالهم أكثر من مروءاتهم، فأولئك تبقى أموالهم؛ ورجالا تكون مروءاتهم أكثر من أموالهم، فإذا نفدت ادانوا على سعة ما عند الله! فخجل خالد وقال: أما إنك منهم ما علمت. شريك والربيع: كان شريك القاضي يشاحن الربيع صاحب شرطة المهدي فحمل الربيع المهديّ عليه، فدخل شريك يوما على المهدي، فقال له المهدي: بلغني أنك ولدت في

стр. 1219

قوصرة. «١» فقال: ولدت يا أمير المؤمنين بخراسان، والقواصر هناك عزيزة، قال: إني لأراك فاطميا خبيثا! قال: والله لإني لأحب فاطمة وأبا فاطمة. ﷺ ؛ قال: وأنا والله أحبهما؛ ولكني رأيتك في منامي مصروفا وجهك عني، وما ذاك إلا لبغضك لنا؛ وما أراني إلا قاتلك لأنك زنديق! قال: يا أمير المؤمنين؛ إن الدماء لا تسفك بالأحلام؛ وليست رؤياك رؤيا يوسف النبي ﷺ ؛ وأمّا قولك بأني زنديق، فإنّ للزنادقة علامة يعرفون بها. قال: وما هي؟ قال: بشرب الخمر والضرب بالطنبور، قال: صدقت أبا عبد الله، وأنت خير من الذي حملني عليك. عمر بن الخطاب وابن العاص: قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص لما قدم عليه من مصر: لقد سرت سيرة عاشق. قال: والله ما تأبطتني الإماء ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي! «٢» قال عمر: والله ما هذا جواب كلامي الذي سألتك عنه، وإن الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل، والبيضة منسوبة إلى طرقها. «٣» وقام عمر فدخل، فقال عمرو: لقد فحش علينا أمير المؤمنين! بين عبد الله بن مسلم والحضين بن المنذر: وتزعم الرواة أنّ قتيبة بن مسلم لما افتتح سمرقند أفضى إلى أثاث لم ير مثله، وإلى آلات لم ير مثلها، وأراد أن يري الناس عظيم ما فتح الله عليهم، ويعرّفهم أقدار القوم الذين ظهروا عليهم، فأمر بدار ففرشت وفي صحنها قدور أشتات ترتقى بالسلالم؛ فإذا الحصين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي قد أقبل والناس جلوس على مراتبهم، والحضين شيخ كبير؛ فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لقتيبة: ائذن لي في كلامه. فقال: لا تردّه فإنه خبيث الجواب. فأبي عبد الله إلا أن يأذن له. وكان

стр. 1220

عبد الله يضعّف، «١» وكان قد تسوّر حائطا إلى امرأة قبل ذلك؛ فأقبل على الحضين فقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، ضعف عمّك عن تسوّر الحيطان! قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا ترى. قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها. قال: أجل، ولا عيلان؛ ولو كان رآها سمّي شعبان، ولم يسمّ عيلان! قال له عبد الله: أتعرف الذي يقول: عزلنا وأمّرنا، وبكر بن وائل ... تجرّ خصاها تبتغي من تحالف قال: أعرفه وأعرف الذي يقول: وخيبة من يخيب على غنيّ ... وباهلة بن يعصر والرّباب يريد: يا خيبة من يخيب. قال: أتعرف الذي يقول: كأنّ فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا عرقت أفواه بكر بن وائل «٢» قال: نعم، وأعرف الذي يقول: قوم قتيبة أمّهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل قال: أمّا الشعر فأراك ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيئا؟ قال: نعم، أقرأ منه الأكثر: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً . «٣» قال: فأغضبه، فقال: والله لقد بلغني أنّ امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى من غيره! قال: فما تحرّك الشيخ عن هيئته الأولى؛ ثم قال على رسله: وما يكون؟ تلد غلاما على فراشي فيقال فلان بن الحضين، كما يقال عبد الله بن مسلم! فأقبل قتيبة على عبد الله فقال: لا يبعد الله غيرك! والحضين هذا هو الحضين بن منذر الرقاشي، ورقاش أمّهم، وهو من بني شيبان

стр. 1221

ابن بكر بن وائل، وهو صاحب لواء علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بصفين على ربيعة كلها. وله يقول علي بن أبي طالب: لمن راية سوداء يخفق ظلّها ... إذا قيل قدّمها حضين تقدّما يقدّمها في الصفّ حتى يزيرها ... حياض المنايا تقطر السّمّ والدّما جزى الله عني والجزاء بفضله ... ربيعة خيرا ما أعف وأكرما ابن الجارود وابن العاص: وقال المنذر بن الجارود العبدي لعمرو بن العاص: أيّ رجل أنت لو لم تكن أمّك! ممن هي؟ قال: أحمد الله إليك؛ لقد فكرت فيها البارحة، فجعلت أنقلها في قبائل العرب فما خطرت لي عبد القيس ببال. ابن صفوان وداري: قال خالد بن صفوان لرجل من بني عبد الدار وسمعه يفخر بموضعه من قريش- فقال له خالد: لقد هشمتك هاشم، وأمّتك «١» أميّة، وخزمتك مخزوم، وجمحتك جمح، وسهمتك «٢» سهم؛ فأنت ابن عبد دارها، تفتح الأبواب إذا أغلقت، وتغلقها إذا فتحت. جواب في هزل المغيرة وأعرابي يؤكله: كان للمغيرة بن عبد الله الثقفي وهو والي الكوفة، جدي يوضع على مائدته، فحضره أعرابي، فمد يده إلى الجدي وجعل يسرع فيه؛ فقال له المغيرة: إنك لتأكله بحرد «٣» كأن أمه نطحتك! قال: وإنك لمشفق عليه كأنّ أمه أرضعتك.

стр. 1222

ابن عنبسة وإبراهيم في حضرة هشام: كان إبراهيم بن عبد الله بن مطيع جالسا عند هشام، إذ أقبل عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص، أحمر الجبة والمطرف والعمامة؛ فقال إبراهيم؛ هذا ابن عنبسة قد أقبل في زينة قارون! قال: فضحك هشام؛ قال له عبد الرحمن: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ فأخبره بقول إبراهيم؛ قال له عبد الرحمن: لولا ما أخاف من غضبه عليك وعليّ وعلى المسلمين لأجبته! قال: وما تخاف من غضبه؟ قال: بلغني أن الدجال يخرج من غضبة يغضبها. وكان إبرهيم أعور! قال إبراهيم لولا أن له عندي يدا عظيمة لأجبته! قال: وما يده عندك؟ قال: ضربه غلام له بمدية فأصابه، فلما رأى الدم فزع، فجعل لا يدخل عليه مملوك إلا قال له: أنت حر! فدخلت عليه عائدا له، فقلت له: كيف تجدك؟ قال لي: أنت حر! قلت له: أنا إبراهيم! قال لي: أنت حر، فضحك هشام حتى استلقى. ابن حسان وعطاء: قال عبد الرحمن بن حسان لعطاء بن أبي صيفي بن ثابت: لو أصبت ركوة مملوءة خمرا بالبقيع ما كنت صانعا؟ قال: كنت أعرّفها بين التجار، فإن لم تكن لهم فهي لك! لكن أخبرني عن الفريعة أهي أكبر أم ثابت، وقد تزوجها قبله أربعة، كلهم يلقاها بمثل ذراع البكر ثم يطلقها عن قلي، «١» فقيل لها: يا فريعة، لم تطلقين وأنت جميلة حلوة؟ قالت: يريدون الضيق ضيّق الله عليهم ... ! جارية وقرشي: ولقي رجل من قريش كان به وضح «٢» جارية من بدر وكان مغرما بالشراب؛ فقال لها: أشعرت أنه بعث نبيّ لهذه الأمة يحل الخمر للناس؟ قالت: إذا لا نصدّق به حتى يبرىء الأكمه والأبرص!.

стр. 1223

الزبرقان وزياد: ودخل الزبرقان بن بدر على زياد، فسلّم تسليما جافيا، فأدناه زياد وأجلسه معه؛ ثم قال له: يا أبا عباس الناس يضحكون من جفائك! قال: ولم ضحكوا؟ فو الله إن منهم رجل إلا ودّ أنّي أبوه دون أبيه، لغيّة كان أو لرشدة! دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة وعنده ناس من اليمامة يضحكون، فقال: يا أبا فراس، أتدري ممّ يضحكون؟ قال: لا أدري. قال: من جفائك. قال: أصلح الله الأمير. حججت فإذا رجل على عاتقه الأيمن صبي، وامرأة اخذة بمئزره وهو يقول: أنت وهبت زائدا ومزيدا ... وكهلة أولج فيها الأجردا! وهي تقول: إذا شئت. فسألت: ممن الرجل؟ قال: من الأشعريين. فأنا أجفي من ذلك الرجل؟ قال: لا حياك الله! فقد علمت أنا لا نفلت منك. كوسج ومسبل: اجتمع كوسج «١» مع رجل مسبل، فقال المسبل «٢» : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً «٣» ! قال الكوسج: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ «٤» . مسلمة وموسوس: مر مسلمة بن عبد الملك، وكان من أجمل الناس، بموسوس على مزبلة؛ فقال الموسوس: لو رآك أبوك آدم لقرّت عينه بك. قال له مسلمة: لو رآك أبوك آدم لأذهب سخنة عينه بك قرة عينه بي. وكان مسلمة من أحضر الناس جوابا.

стр. 1224

النخعي والأعمش: خرج إبراهيم النخعي، وقام سليمان الأعمش يمشي معه؛ فقال إبراهيم: إن الناس إذا رأونا قالوا: أعور وأعمش! قال: وما غلبك أن يأثموا ونؤجر؟ قال: وما عليك أن يسلموا ونسلم؟ شداد وأسود: وقال شداد الحارثي: لقيت أسود بالبادية فقلت: لمن أنت يا أسود؟ قال: لسيد الحي يا أصلع! قلت: ما أغضبك من الحق؟ قال لي: الحق أغضبك. قلت: أولست بأسود؟ قال: أولست بأصلع. ابن أسماء في سجن الكوفة: أدخل مالك بن أسماء السجن، سجن الكوفة؛ فجلس إليه رجل من بني مرة فاتكأ عليه المري يحدثه؛ ثم قال: أندري كم قتلنا منكم في الجاهلية؟ قال: أما في الجاهلية فلا، ولكن أعرف من قتلتم منا في الإسلام! قال: ومن قتلنا منكم في الإسلام! قال: أنا، قد قتلتني بنتن إبطيك! نميرية في يوم ريح: مرت امرأة من بني نمير على مجلس لهم في يوم ريح، فقال رجل منهم: إنها لرسحاء «١» ! قالت: والله يا بني نمير ما أطعتم الله ولا أطعتم الشاعر؛ قال الله ﵎: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ «٢» . وقال الشاعر: فغضّ الطّرف إنّك من نمير

стр. 1225

لشريح: قيل لشريح: أيهما أطيب: الجوزنيق أم اللّوزنيق «١» ؟ قال: لست أحكم على غائب. هشام والفرزدق: هشام بن القاسم قال: جمعني والفرزدق مجلس، فتجاهلت عليه فقلت: من الكهل؟ قال: وما تعرفني؟ قلت: لا! قال: أبو فراس. قلت: ومن أبو فراس قال: الفرزدق. قلت: ومن الفرزدق؟ قال: وما تعرف الفرزدق؟ قلت: لا أعرف الفرزدق إلا شيئا يفعله النساء عندنا يتشهّون به كهيئة السويق. قال: الحمد لله الذي جعلني في بطون نسائكم يتشهون بي! هشام والأبرش الكلبي: قال هشام بن عبد الملك للأبرش الكلبي: زوّجني امرأة من كلب. فزوّجه؛ فقال له ذات يوم: لقد وجدنا في نساء كلب سعة! قال: يا أمير المؤمنين، نساء كلب خلقن لرجال كلب. وقال له يوما وهو يتغذى معه: يا أبرش، إن أكلك أكل معدّي قال: هيهات، تأبى ذلك قضاعة. عمارة وشيطان الطاق: عمارة عن محمد بن أبي بكر البصري قال: لما مات جعفر بن محمد قال أبو حنيفة لشيطان الطاق: مات إمامك. وذلك عند المهدي؛ فقال شيطان الطاق: لكن إمامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم! فضحك المهدي من قوله، وأمر له بعشرة آلاف درهم.

стр. 1226

نساء كندة : العتبي قال: حدثني أبي لما افتتح النجير، وهي مدينة باليمن: سمع رجل من كندة رجلا وهو يقول: وجدنا في نساء كندة سعة! فقال له: إن نساء كندة مكاحل فقدت مراودها «١» . بن صفوان والفرزدق : لقي خالد بن صفوان الفرزدق، وكان كثيرا ما يداعبه، وكان الفرزدق دميما؛ فقال له. يا أبا فراس، ما أنت بالذي لما رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ «٢» قال له: ولا أنت أبا صفوان بالذي قالت فيه الفتاة لأبيها: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ «٣» . بين رجلين : باع رجل ضيعة من رجل، فلما انتقد المال قال للمشتري: أما والله لقد أخذتها كثيرة المئونة قليلة المعونة. قال له المشتري: وأنت والله أخذتها بطيئة الاجتماع سريعة الافتراق! واشترى رجل من رجل دارا، فقال لصاحبها: لو صبرت لاشتريت منك الذراع بعشرة دنانير! قال له البائع: وأنت لو صبرت لاشتريت منك الذراع بدرهم! بقرة بني إسرائيل : وكان بالرقة رجل يحدّث بأخبار بني إسرائيل، فقال له الحجاج بن حنتمة: كيف كان اسم بقرة بني إسرائيل؟ قال حنتمة! فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: أين وجدت هذا؟ قال: في كتاب عمرو بن العاص.

стр. 1227

للشعبي : وقال رجل للشعبي: ما كان اسم امرأة إبليس؟ قال: إن ذلك نكاح ما شهدناه! ودخل رجل على الشعبي، فوجده قاعدا مع امرأة؛ فقال: أيكما الشعبي؟ قال الشعبي: هذه! وأشار إلى المرأة. معن بن زائدة : كان معن بن زائدة ظنينا في دينه، فبعث إلى ابن عياش المنتوف بألف دينار وكتب إليه: قد بعثنا إليك بألف دينار، اشتريت بها منك دينك؛ فاقبض المال واكتب إليّ بالتسليم. فكتب إليه: قد قبضت المال وبعتك به ديني خلا التوحيد لما علمت من زهدك فيه! ابن أبي بردة والممرور : بعث بلال بن أبي بردة إلى ابن أبي علقمة الممرور، فلما أتى قال: أتدري لم بعثت إليك؟ قال لا أدري. قال: بعثت إليك لأضحك بك! قيل: لقد ضحك أحد الحكمين من صاحبه- يعرّض له بجده أبي موسى- فغضب بلال وأمر به إلى الحبس، فكلّمه الناس وقالوا: إن المجنون لا يعاقب ولا يحاسب. فأمر بإطلاقه وأن يؤتى به إليه، فأتي به في يوم سبت وفي كمه طرائف أتحف بها في الحبس؛ فقال له بلال: ما هذا الذي في كمك؟ قال: من طرائف الحبس. قال: ناولني منها. قال: هو يوم سبت، ليس يعطى فيه ولا يؤخذ! يعرّض بعمة كانت له من اليهود. حسان وعائشة : دخل حسان بن ثابت على عائشة ﵂ فأنشدها: حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «١»

стр. 1228

قالت له: لكنك لست كذلك! وكان حسان من الذين جاءوا بالإفك. ابن الأحوز وأزدي: نظر رجل من الأزد إلى هلال بن الأحوز حين قدم من قندابيل وقد أطافت به بنو تميم، فقال: انظروا إليهم وقد أطافوا به إطافة الحواريين بعيسى. فقال له محمد بن عبد الملك المازني: هذا ضدّ: عيسى كان يحيى الموتى، وذا يميت الأحياء. ربيعة وبعض النساء: لما حلقت لحية ربيعة بن أبي عبد الرحمن كانت امرأة من المسجد تقف عليه كل يوم في حلقته، وتقول: الله لك يا أبا عبد الرحمن! من حلق لحيتك؟ فلما أبرمته قال لها: يا هذه، إن ذلك حلقها في جزّة واحدة، وأنت تحلقينها في كل يوم. سعيد بن هشام وبعض الرجال: خرج سعيد بن هشام بن عبد الملك يوما بحمص في يوم مطر، عليه طيلسان وقد كاد يمس الأرض، فقال له رجل وهو لا يعرفه: أفسدت ثوبك أبا عبد الله! قال: وما يضرك؟ قال: وددت أنك وهو في النار! قال: وما ينفعك؟ الحجاج وابن ظبيان: قال: لما قدم الحجاج العراق واليا عليها خرج عبيد الله بن زياد بن ظبيان متوكئا على مولى له وقد ضربه الفالج، فقال قدم العراق رجل على ديني. فقال له حصين بن المنذر الرقاشي: فهو إذا منافق! قال عبيد الله: إنه يقتل المنافقين! قال له حصين: إذا يقتلك. خالد بن يزيد والحجاج: ولما قدم عبد الملك بن مروان المدينة نزل دار مروان، فمر الحجاج بخالد بن يزيد بن معاوية وهو جالس في المسجد، وعلى الحجاج سيف محلى وهو يخطر متبخترا

стр. 1229

في المسجد، فقال له رجل من قريش: من هذا التّخطارة؟ فقال خالد: بخ بخ! هذا عمرو بن العاص! فسمعه الحجاج، فمال إليه فقال: قلت: هذا عمرو بن العاص، والله ما سرني أن العاص ولدني ولا ولدته، ولكن إن شئت أخبرتك من أنا! أنا ابن الأشياخ من ثقيف، والعقائل من قريش، والذي ضرب مائة ألف بسيفه هذا كلهم يشهد على أبيك بالكفر وشرب الخمر، حتى أقروا أنه خليفة! ثم ولى وهو يقول: هذا عمرو بن العاص. وهب بن منبه ولهبي: قال رجل من بني أبي لهب لوهب بن منبّه: ممن الرجل؟ قال: رجل من اليمن. قال: فما فعلت أمكم بلقيس؟ قال: هاجرت مع سليمان لله رب العالمين، وأمكم حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد «١» ! وقال رجل لابن شبرمة: من عندنا خرج العلم إليكم. قال: نعم، ثم لم يرجع إليكم. يزيد بن منصور وابن مزيد: نظر يزيد بن منصور خال المهدي إلى يزيد بن مزيد وعليه رداء يمان وهو يسحبه، فقال: ليس عليك عزله، فاسحب وجرّ! قال له: على آبائك عزله وعليّ سحبه! فشكاه إلى المهدي، فقال: لم تجد أحدا تتعرض له إلا يزيد بن مزيد! أبو يقظان وابن حاتم: دخل أبو يقظان القيسي على يزيد بن حاتم وهو والي مصر وعنده هاشم بن حديج، فقال له يزيد: حرّكه! وعلي أبي اليقظان حلّة وشي وكساء خز، فقال له هشام: الحمد لله أبا اليقظان، لبستم الوشى بعد العباء! قال: أجل، تحوكون ونلبس، فلا عدمتم هذا منا، ولا عدمنا هذا منكم.

стр. 1230

الفرزدق وعبد الجبار: كتب الفرزدق إلى عبد الجبار بن سلمى المجاشعي يستهديه جارية وهو بعمان فكتب إليه: كتبت إليّ تستهدي الجواري ... لقد أنعظت من بلد بعيد «١» ! وقال رجل من العرب: رأيت البارحة الجنة في منامي، فرأيت جميع ما فيها من القصور، فقلت: لمن هذه؟ فقيل لي: للعرب! قال له رجل من الموالي: أصعدت الغرف؟ قال: لا. قال: تلك لنا. ابن صفوان وابن جعفر: قال عبد الله بن صفوان- وكان أمّيا- لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب أبا جعفر، لقد صرت حجة لفتياننا علينا؛ إذا نهيناهم عن الملاهي قالوا: هذا ابن جعفر سيد بني هاشم يحضرها ويتخذها! قال له: وأنت أبا صفوان صرت حجة لصبياننا علينا؛ إذا لمناهم في ترك المكتب قالوا: هذا أبو صفوان سيد بني جمح لا يقرأ آية ولا يخطّها. معاوية وابن عامر: قال معاوية لعبد الله بن عامر. إن لي إليك حاجة! قال بحاجة أقضيها يا أمير المؤمنين؛ فسل حاجتك. قال: أريد أن تهب لي دورك وضياعك بالطائف. قال: قد فعلت! قال: وصلتك رحم! فسل حاجتك. قال: حاجتي إليك أن تردّها عليّ يا أمير المؤمنين! قال: قد فعلت! ثمامة وبعض الرجال: وقال رجل لثمامة بن أشرس: إن لي إليك حاجة! قال: وأنا لي إليك حاجة. قال:
следующие страницы →