Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
نساء كندة
: العتبي قال: حدثني أبي لما افتتح النجير، وهي مدينة باليمن: سمع رجل من كندة رجلا وهو يقول: وجدنا في نساء كندة سعة! فقال له: إن نساء كندة مكاحل فقدت مراودها «١» .
بن صفوان والفرزدق
: لقي خالد بن صفوان الفرزدق، وكان كثيرا ما يداعبه، وكان الفرزدق دميما؛ فقال له. يا أبا فراس، ما أنت بالذي لما رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ
«٢» قال له: ولا أنت أبا صفوان بالذي قالت فيه الفتاة لأبيها: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
«٣» .
بين رجلين
: باع رجل ضيعة من رجل، فلما انتقد المال قال للمشتري: أما والله لقد أخذتها كثيرة المئونة قليلة المعونة. قال له المشتري: وأنت والله أخذتها بطيئة الاجتماع سريعة الافتراق! واشترى رجل من رجل دارا، فقال لصاحبها: لو صبرت لاشتريت منك الذراع بعشرة دنانير! قال له البائع: وأنت لو صبرت لاشتريت منك الذراع بدرهم!
بقرة بني إسرائيل
: وكان بالرقة رجل يحدّث بأخبار بني إسرائيل، فقال له الحجاج بن حنتمة: كيف كان اسم بقرة بني إسرائيل؟ قال حنتمة! فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري:
أين وجدت هذا؟ قال: في كتاب عمرو بن العاص.
стр. 1227
للشعبي
: وقال رجل للشعبي: ما كان اسم امرأة إبليس؟ قال: إن ذلك نكاح ما شهدناه! ودخل رجل على الشعبي، فوجده قاعدا مع امرأة؛ فقال: أيكما الشعبي؟ قال الشعبي: هذه! وأشار إلى المرأة.
معن بن زائدة
: كان معن بن زائدة ظنينا في دينه، فبعث إلى ابن عياش المنتوف بألف دينار وكتب إليه: قد بعثنا إليك بألف دينار، اشتريت بها منك دينك؛ فاقبض المال واكتب إليّ بالتسليم. فكتب إليه: قد قبضت المال وبعتك به ديني خلا التوحيد لما علمت من زهدك فيه!
ابن أبي بردة والممرور
: بعث بلال بن أبي بردة إلى ابن أبي علقمة الممرور، فلما أتى قال: أتدري لم بعثت إليك؟ قال لا أدري. قال: بعثت إليك لأضحك بك! قيل: لقد ضحك أحد الحكمين من صاحبه- يعرّض له بجده أبي موسى- فغضب بلال وأمر به إلى الحبس، فكلّمه الناس وقالوا: إن المجنون لا يعاقب ولا يحاسب. فأمر بإطلاقه وأن يؤتى به إليه، فأتي به في يوم سبت وفي كمه طرائف أتحف بها في الحبس؛ فقال له بلال: ما هذا الذي في كمك؟ قال: من طرائف الحبس. قال: ناولني منها. قال: هو يوم سبت، ليس يعطى فيه ولا يؤخذ! يعرّض بعمة كانت له من اليهود.
حسان وعائشة
: دخل حسان بن ثابت على عائشة ﵂ فأنشدها:
حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «١»
стр. 1228
قالت له: لكنك لست كذلك! وكان حسان من الذين جاءوا بالإفك.
ابن الأحوز وأزدي:
نظر رجل من الأزد إلى هلال بن الأحوز حين قدم من قندابيل وقد أطافت به بنو تميم، فقال: انظروا إليهم وقد أطافوا به إطافة الحواريين بعيسى. فقال له محمد بن عبد الملك المازني: هذا ضدّ: عيسى كان يحيى الموتى، وذا يميت الأحياء.
ربيعة وبعض النساء:
لما حلقت لحية ربيعة بن أبي عبد الرحمن كانت امرأة من المسجد تقف عليه كل يوم في حلقته، وتقول: الله لك يا أبا عبد الرحمن! من حلق لحيتك؟ فلما أبرمته قال لها: يا هذه، إن ذلك حلقها في جزّة واحدة، وأنت تحلقينها في كل يوم.
سعيد بن هشام وبعض الرجال:
خرج سعيد بن هشام بن عبد الملك يوما بحمص في يوم مطر، عليه طيلسان وقد كاد يمس الأرض، فقال له رجل وهو لا يعرفه: أفسدت ثوبك أبا عبد الله! قال:
وما يضرك؟ قال: وددت أنك وهو في النار! قال: وما ينفعك؟
الحجاج وابن ظبيان:
قال: لما قدم الحجاج العراق واليا عليها خرج عبيد الله بن زياد بن ظبيان متوكئا على مولى له وقد ضربه الفالج، فقال قدم العراق رجل على ديني. فقال له حصين بن المنذر الرقاشي: فهو إذا منافق! قال عبيد الله: إنه يقتل المنافقين! قال له حصين: إذا يقتلك.
خالد بن يزيد والحجاج:
ولما قدم عبد الملك بن مروان المدينة نزل دار مروان، فمر الحجاج بخالد بن يزيد بن معاوية وهو جالس في المسجد، وعلى الحجاج سيف محلى وهو يخطر متبخترا
стр. 1229
في المسجد، فقال له رجل من قريش: من هذا التّخطارة؟ فقال خالد: بخ بخ! هذا عمرو بن العاص! فسمعه الحجاج، فمال إليه فقال: قلت: هذا عمرو بن العاص، والله ما سرني أن العاص ولدني ولا ولدته، ولكن إن شئت أخبرتك من أنا! أنا ابن الأشياخ من ثقيف، والعقائل من قريش، والذي ضرب مائة ألف بسيفه هذا كلهم يشهد على أبيك بالكفر وشرب الخمر، حتى أقروا أنه خليفة! ثم ولى وهو يقول:
هذا عمرو بن العاص.
وهب بن منبه ولهبي:
قال رجل من بني أبي لهب لوهب بن منبّه: ممن الرجل؟ قال: رجل من اليمن.
قال: فما فعلت أمكم بلقيس؟ قال: هاجرت مع سليمان لله رب العالمين، وأمكم حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد «١» ! وقال رجل لابن شبرمة: من عندنا خرج العلم إليكم. قال: نعم، ثم لم يرجع إليكم.
يزيد بن منصور وابن مزيد:
نظر يزيد بن منصور خال المهدي إلى يزيد بن مزيد وعليه رداء يمان وهو يسحبه، فقال: ليس عليك عزله، فاسحب وجرّ! قال له: على آبائك عزله وعليّ سحبه! فشكاه إلى المهدي، فقال: لم تجد أحدا تتعرض له إلا يزيد بن مزيد!
أبو يقظان وابن حاتم:
دخل أبو يقظان القيسي على يزيد بن حاتم وهو والي مصر وعنده هاشم بن حديج، فقال له يزيد: حرّكه! وعلي أبي اليقظان حلّة وشي وكساء خز، فقال له هشام: الحمد لله أبا اليقظان، لبستم الوشى بعد العباء! قال: أجل، تحوكون ونلبس، فلا عدمتم هذا منا، ولا عدمنا هذا منكم.
стр. 1230
الفرزدق وعبد الجبار:
كتب الفرزدق إلى عبد الجبار بن سلمى المجاشعي يستهديه جارية وهو بعمان فكتب إليه:
كتبت إليّ تستهدي الجواري ... لقد أنعظت من بلد بعيد «١» !
وقال رجل من العرب: رأيت البارحة الجنة في منامي، فرأيت جميع ما فيها من القصور، فقلت: لمن هذه؟ فقيل لي: للعرب! قال له رجل من الموالي: أصعدت الغرف؟ قال: لا. قال: تلك لنا.
ابن صفوان وابن جعفر:
قال عبد الله بن صفوان- وكان أمّيا- لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب أبا جعفر، لقد صرت حجة لفتياننا علينا؛ إذا نهيناهم عن الملاهي قالوا: هذا ابن جعفر سيد بني هاشم يحضرها ويتخذها! قال له: وأنت أبا صفوان صرت حجة لصبياننا علينا؛ إذا لمناهم في ترك المكتب قالوا: هذا أبو صفوان سيد بني جمح لا يقرأ آية ولا يخطّها.
معاوية وابن عامر:
قال معاوية لعبد الله بن عامر. إن لي إليك حاجة! قال بحاجة أقضيها يا أمير المؤمنين؛ فسل حاجتك. قال: أريد أن تهب لي دورك وضياعك بالطائف. قال: قد فعلت! قال: وصلتك رحم! فسل حاجتك. قال: حاجتي إليك أن تردّها عليّ يا أمير المؤمنين! قال: قد فعلت!
ثمامة وبعض الرجال:
وقال رجل لثمامة بن أشرس: إن لي إليك حاجة! قال: وأنا لي إليك حاجة. قال:
стр. 1231
وما حاجتك؟ قال: فتقضيها؟ قال: نعم. فلما توثق منه قال: فإن حاجتي إليك أن لا تسألني حاجة.
جواب في فخر
عمرو بن سعيد وخالد بن يزيد في حضرة عبد الملك:
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: تفاخر عمرو بن سعيد بن العاص وخالد بن يزيد بن معاوية، عند عبد الملك بن مروان؛ فقال عبد الملك لشيخ من موالي قريش:
اقض بينهما. فقال الشيخ: كان سعيد بن العاص لا يعتمّ أحد في البلد الحرام بلون عمامته؛ وكان حرب بن أمية لا يبكى على أحد من بني أمية ما كان في البلد شاهدا؛ فلما مات سعيد وحرب شاهد لم يبك عليه.
الأبرش وخالد ابن صفوان:
قال الأبرش الكلبي لخالد بن صفوان: هلم أفاخرك- وهما عند هشام بن عبد الملك- قال له خالد: قل. فقال له الأبرش: لنا ربع البيت- يريد الركن اليماني- ومنا حاتم طيء، ومنا المهلب بن أبي صفرة! فقال خالد بن صفوان: منا النبي المرسل، وفينا الكتاب المنزل، ولنا الخليفة المؤمّل! قال الأبرش: لا فاخرت مضريّا بعدك.
هشام وقوم من اليمن:
ونزل بأبي العباس قوم من اليمن من أخواله من كعب، ففخروا عنده بقديمهم وحديثهم؛ فقال أبو العباس لخالد بن صفوان: أجب القوم. فقال: أخوال أمير المؤمنين. قال لا بد أن تقول. قال: وما أقول يا أمير المؤمنين، وما أقول لقوم هم بين حائك برد، ودابغ جلد، وسائس قرد؛ ملكتهم امرأة، ودل عليهم هدهد، وغرقتهم فأرة؟
فلم يقم بعدها ليمانيّ قائمة.
стр. 1232
الحجاج وعبد الملك:
قال عبد الملك بن الحجاج: لو كان رجل من ذهب لكنته. قال له رجل من قريش وكيف ذلك؟ قال: لم تلدني أمة بيني وبين آدم ما خلا هاجر. فقال له: لولا هاجر لكنت كلبا من الكلاب.
دخل عمر بن عبيد الله بن معمر على عبد الملك بن مروان، وعليه حبرة «١» صدآء عليها أثر الحمائل، فقال له أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: يا أبا حفص، أيّ رجل أنت لو كنت من غير من أنت منه من قريش! قال: ما أحب أني من غير من أنا منه! إن منا لسيد الناس في الجاهلية، عبد الله بن جدعان؛ وسيد الناس في الإسلام، أبا بكر الصديق؛ وما كانت هذه يدي عندك. إني استنقذت أمهات أولادك من عدوك ابن فديك بالبحرين وهن حبالى، فولدن في حجابك.
عبد الرحمن بن خالد ومعاوية:
قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة لمعاوية: أما والله لو كنا بمكة على السواء لعلمت. قال معاوية: إذا كنت أكون معاوية بن أبي سفيان، منزلي الأبطح «٢» ينشق عني سيله؛ وكنت عبد الرحمن بن خالد، منزلك أجياد «٣» أعلاه مدرة «٤» ، وأسفله عذرة.
لزبير وعثمان:
تنازع الزّبير بن العوام وعثمان بن عفان في بعض الأمر؛ فقال الزبير: أنا ابن صفية. قال عثمان: هي أدنتك من الظل، ولولا ذاك لكنت ضاحيا.
حمد بن يوسف وابن الفضل:
قال أحمد بن يوسف الكاتب لمحمد بن الفضل: يا هذا، إنك تتطاول بهاشم كأنك
стр. 1233
جمعتها، وهي تعتدّ في أكثر من خمسة آلاف. قال له: محمد بن الفضل: إن كثرة عددها ليس يخرج من عنقك فضل واحدها.
زياد ومعاوية:
فخر مولى زياد بزياد عند معاوية؛ فقال له معاوية: اسكت، فوالله ما أدرك صاحبك شيئا بسيفه إلا أدركت أكثر منه بلساني.
الأحوص ومخزومي:
وقال رجل من مخزوم للأحوص بن عبد الله الأنصاري: أتعرف الذي يقول:
ذهبت قريش بالمكارم كلّها ... والذلّ تحت عمائم الأنصار؟
قال: لا، ولكني أعرف الذي يقول:
الناس كنّوه أبا حكم ... والله كنّاه أبا جهل
أبقت رياسته لأسرته ... لؤم الفروع ورقّة الأصل
قريش وقيس:
سأل رجل من قريش رجلا من بني قيس بن ثعلبة: ممن أنت؟ قال: من ربيعة.
قال له القرشي: لا أثر لكم ببطحاء مكة. قال القيسي: آثارنا في أكناف الجزيرة مشهورة، ومواقفنا في يوم ذي قار معروفة؛ فأما مكة فسواء العاكف فيه والباد كما قال الله ﵎. فأفحمه.
الأشعث وشريح:
قال الأشعث بن قيس لشريح القاضي: لشدّ ما ارتفعت. قال: فهل ضرّك؟ قال:
لا. قال: فأراك تعرف نعمة الله على غيرك وتجهلها على نفسك.
سليمان ويزيد ابن المهلب:
قال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن المهلب: فيمن العزّ بالبصرة؟ قال: فينا وفي
стр. 1234
أحلافنا من ربيعة. قال له سليمان بن عبد الملك: الذي تحالفتما عليه أعز منكما.
عتبة وأعرابي:
قدم أعرابي البصرة فدخل المسجد الجامع وعليه خلقان وعمامة قد كوّرها على رأسه، فرمي بطرفه يمنة ويسرة، فلم ير فتية أحسن وجوها ولا أظهر زيا من فتية حضروا حلقة عتبة المخزومي فدنا منهم وفي الحلقة فرجة فطبقها «١» ؛ فقال له عتبة: ممن أنت يا أعرابي؟ قال: من مذحج. قال: من زيدها الأكرمين، أو من مرادها الأطيبين؟
قال لست من زيدها ولا من مرادها. قال: فمن أيها؟ قال: فإني من حماة أعراضها، وزهرة رياضها، بني زبيد. قال: فأفحم عتبة حتى وضع قلنسوته عن رأسه، وكان أصلع؛ فقال له الأعرابي: فأنت يا أصلع، ممن أنت؟ قال: أنا رجل من قريش.
قال: فمن بيت نبوّتها، أو من بيت مملكتها؟ قال: إني من ريحانتها بني مخزوم. قال:
والله لو تدري لم سمّيت بنو مخزوم ريحانة قريش، ما فخرت بها أبدا؛ إنما سميت ريحانة قريش لخور «٢» رجالها ولين نسائها! قال عتبة: والله لا نازعت أعرابيّا بعدك أبدا.
فيروز ونميلة:
وضع فيروز بن حصين يده على رأس نميلة بن مالك بن أبي عكابة عند زياد، فقال: من هذا العبد؟ قال: أنت والله العبد؛ ضربناك فما انتصرت، ومننّا عليك فما شكرت.
مالك بن مسمع وابن ظبيان:
اجتمعت بكر بن وائل إلى مالك بن مسمع لأمر أراده مالك؛ فأرسل إلى بكر بن وائل، وأرسل إلى عبيد الله زياد بن ظبيان؛ فأتى عبيد الله فقال: يا أبا مسمع، ما
стр. 1235
منعك أن ترسل إليّ؟ قال: يا أبا مطر، ما في كنانتي سهم أنا أوثق به مني بك. قال:
وإني لفي كنانتك؟ أما والله لئن كنت فيها قائما لأطولنّها، ولئن كنت فيها قاعدا لأخرقنّها.
ابن مسمع وشقيق:
نازع مالك بن مسمع شقيق بن ثور، فقال له مالك: إنما شرّفك قبر بتستر. قال شقيق: لكن وضعك قبر بالمشقر. وذلك أن مسمعا أبا مالك جاء إلى قوم بالمشقر، فنبحه كلبهم، فقتله، فقتلوه به؛ فكان يقال له: قتيل الكلاب، وأراد مالك قبر مجزءة بن ثور أخي شقيق، وكان استشهد بتستر مع أبي موسى الأشعري.
قتيبة بن مسلم وهبيرة:
قال قتيبة بن مسلم لهبيرة بن مسروح: أيّ رجل أنت لو كانت أخوالك من غير سلول. فبادل بهم. قال: أصلح الله الأمير، بادل بهم من شئت وجنّبني باهلة. وكان قتيبة من باهلة.
جواب ابن أبي دؤاد
ابن أبي دؤاد وابن الزيات:
قال أحمد بن أبي دؤاد لمحمد بن عبد الملك الزيات عند الواثق: أضوى، أي اسكت، بالنبطية؛ فقال له: لماذا؟ والله ما أنا بنبطي، ولا بدعي. قال له: ليس فوقك أحد يفضلك، ولا دونك أحد تنزل إليه؛ فأنت مطّرح في الحالتين جميعا.
هو وأشناس:
دخل أحمد بن أبي دواد على أشناس، فقال له: بلغني أنك فاسدت هذا الرجل يعني محمد بن عبد الملك، وهو لنا صديق؛ فأحب أن لا يأتينا. قال له ابن أبي داود أنت رجل صنعتك هذه الدولة، فإن أتيناك فلها، وإن تركناك فلنفسك.
стр. 1236
هو والواثق:
قال أحمد بن أبي داود: دخلت على الواثق؛ فقال: ما زال قوم اليوم في ثلبك ونقصك. فقلت: يا أمير المؤمنين لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ
«١» ؛ فالله ولي جزائه، وعقاب أمير المؤمنين من ورائه؛ وما ضاع امرؤ أنت حائطه، ولا ذلّ من كنت ناصره؛ فماذا قلت لهم يا أمير المؤمنين؟ قال أبا عبد الله:
وسعى إليّ بعيب عزّة نسوة ... جعل المليك خدودهنّ نعالها
هو وأبو العيناء:
وقال أبو العيناء الهاشمي: قلت لابن أبي داود: إن قوما تضافروا عليّ. قال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
»
قلت إنهم جماعة. قال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
«٣» قلت: إن لهم مكرا. قال: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«٤» قال أبو العيناء: فحدثت به أحمد بن يوسف الكاتب، فقال: ما يرى ابن أبي دواد إلا أن القرآن إنما أنزل عليه.
جواب في تفحش
خالد القسري وبدوي:
خطب خالد بن عبد الله القسري فقال: يا أهل البادية، ما أخشن بلدكم، وأغلظ معاشكم، وأجفى أخلاقكم؛ لا تشهدون جمعة، ولا تجالسون عالما. فقام إليه رجل منهم دميم، فقال: أمّا ما ذكرت من خشونة بلدنا وغلظ طعامنا فهو كذلك، ولكنكم معشر أهل الحضر فيكم ثلاث خصال هي شر من كل ما ذكرت. قال له خالد: وما هي؟ قال: تنقبون الدّور، وتنبشون القبور، وتنكحون الذّكور! قال: قبحك الله
стр. 1237
وقبح ما جئت به!
موسى بن مصعب وامرأة:
أبو الحسن قال: أتى موسى بن مصعب منزل امرأة مدنية لها قينة تعرضها؛ فإذا امرأة جميلة لها هيئة؛ فنظر إلى رجل دميم يجيء ويذهب ويأمر وينهى في الدار؛ فقال لها: من هذا الرجل؟ قالت: هو زوجي! قال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
«١» أما وجدت من الرجال غير هذا وبك من الجمال ما أرى؟ قالت: والله يا أبا عبد الله، لو استدبرك بمثل ما يستقبلني به لعظم في عينك.
بنت الملاءة ورائض خيل:
أبو الحسن قال: قالت عاتكة بنت الملاءة لرائض دواب زوجها في طريق مكة: ما وجدت عملا شرّا من عملك؛ إنما كسبك باستك! فقال لها! جعلت فداك! ما بين ما أكتسب به وما تكتسبين به أنت إلا إصبعان! قالت: ويلي عليك! خذوا الخبيث.
فطلبه حشمها؛ ففاتهم ركضا.
يونس النحوي وأزدي:
أبو الحسن قال: قال رجل من الأزد في مجلس يونس النحوي؛ وددت والله أن بني تميم جميعا في جوفي؛ على أن يضرب وسطي بالسيف! قال له شيخ في ناحية المجلس، حرمازيّ «٢» من بني تميم: ما هذا، يكفيك من ذاك كمرة «٣» حماريّة تملأ بها استك إلى لهاتك!
بين أعرابيين:
وسأل أعرابي شيخا من بني مروان وحوله قوم جلوس فقال: أصابتنا سنة ولي
стр. 1238
بضع عشرة بنتا! فقال الشيخ: أما السنة فوددت والله أن بينكم وبين السماء صفيحة من حديد؛ وأما البنات فليت الله أضعفهن لك أضعافا كثيرة، وجعلك بينهن مقطوع اليدين والرجلين ليس لهن كاسب غيرك! قال: فنظر الأعرابي مليا ثم قال: ما أدرى ما أقول لك، ولكني أراك قبيح المنظر، لئيم المخبر؛ فأعضّك الله ببظور أمهات هؤلاء الجلوس حولك.
وسأل أعرابيّ شيخا من الطائف وشكا إليه سنة أصابته، فقال: وددت والله أن الأرض حصّاء لا تنبت شيئا! قال: ذلك أيبس لجعر أمك في استها.
قال: عبيد الله بن زياد بن ظبيان لزرعة بن ضمرة الضمري: إني لو أدركتك يوم الأهواز لقطعت منك طابقا «١» شحيما، قال: أفلا أدلك على طابق شحيم هو أولى بالقطع؟ قال: بلى! قال: البظر الذي بين إسكتي أمك! قال عبد الله بن الزبير لعدي بن حاتم: متى فقئت عينك؟ قال يوم طعنتك في استك وأنت مولّ.
وقال الفرزدق: ما عييت بجواب أحد قطّ ما عييت بجواب امرأة وصبي ونبطي؛ فأما المرأة فإني ذهبت ببغلتي أسقيها في النهر، فإذا معشر نسوة، فلما همزت البغلة حبقت «٢» ؛ فاستضحك النسوة، فقلت لهن: ما أضحككن؟ فوالله ما حملتني أنثى قط إلا فعلت مثلها! فقالت امرأة منهن: فكيف كان ضراط أمك مقبرة، فقد حملتك في بطنها تسعة أشهر! فما وجدت لها جوابا. وأما الصبي، فإني كنت أنشد بجامع البصرة، وفي حلقتي الكميت بن زيد وهو صبي، فأعجبني حسن استماعه، فقلت له:
كيف سمعت يا بنيّ؟ قال لي: حسن! قلت: فسرّك أني أبوك؟ قال: أما أبي فلا أريد به بديلا، ولكن وددت أن تكون أمي! قلت: استرها عليّ يا ابن أخي، فما لقيت مثلها وأما النبطي، فإني لقيت نبطيا بيثرب، فقال لي: أنت الفرزدق؟ قلت:
стр. 1239
نعم. قال أنت الذي يخاف الناس لسانك؟ قلت: نعم. قال: فأنت الذي إذا هجوتني يموت قرسي هذا؟ قلت: لا. قال: فيموت ولدي؟ قلت: لا. قال: فأموت أنا؟
قلت: لا. قال: فأدخلني الله في حرام الفرزدق، من رجلي إلى عنقي! قلت: ويلك! ولم تركت رأسك؟ قال: حتى أرى ما تصنع الزانية!
بين جرير والفرزدق:
ولقي جرير الفرزدق بالكوفة، فقال أبا فراس: تحتمل عني مسألة؟ قال: أحتملها بمسألة. قال: نعم. قال: فسل عما بدا لك. قال: أي شيء أحب إليك يتقدمك الخير أو تتقدمه؟ قال: لا يتقدمني ولا أتقدمه، ولكن أكون معه في قران. قال: هات مسألتك. قال له الفرزدق: أي شيء أحبّ إليك إذا دخلت على امرأتك: أن تجد يدها على أير رجل أو يد رجل على حرها قال: قاتلك الله! ما أقبح كلامك وأرذل لسانك.
الفرزدق ومسجد الأحامرة:
أبو الحسن قال: مر الفرزدق يوما بمسجد الأحامرة وفيه جماعة فيهم أبو المزرد الحنفي، فقال له الفرزدق: يا أخا بني حنيفة، ما شيء لم يكن، ولا يكون ولو كان لا يستقيم؟ قال: لا أدري! قال: يا أبا المزرد، إنه سفيه؛ فإن لم تغضب أخبرتك. قال:
فإني لا أغضب. فقال: حرامك: لم تكن له أسنان، ولا تكون، ولو كان لم يستقم!
الفرزدق وابن عفراء:
أبو الحسن قال: لقي الفرزدق عمرو بن عفراء، فعاتبه في شيء بلغه عنه؛ فقال له ابن عفراء وهو بالمربد: ما شيء أحبّ إليّ من أن آتي كلّ شيء تكرهه! قال له الفرزدق: بالله إنك تأتي كل شيء أكرهه؟ قال: نعم! قال: فإني أكره أن تأتي أمك فأتها.
стр. 1240
بين الجماز وضيف:
ضاف «١» رجل قبيح الوجه دنيّ الحسب، أبا عبد الله الجمّاز: فجعل يفخر ببيته؛ فقال له الجماز: اسكت، فقباحة وجهك، ودناءة لفظك، يمنعاننا من سبّك! فأبى إلا التمادي في اللجاج؛ فقال له الجماز:
لو كنت ذا عرض هجوناكا ... أو حسن الوجه لنكناكا
جمعت مع قبحك لؤما فلل ... قبح أو اللؤم تركناك!
стр. 1241
كتاب الواسطة في الخطب
فرش الكتاب
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الأجوبة وتباين الناس فيها بقدر عقولهم، ومبلغ فطنهم، وحضور أذهانهم؛ ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الخطب التي يتخير لها الكلام، وتفاخرت بها العرب في مشاهدهم، ونطقت بها الأئمة على منابرهم، وشهرت بها في مواسمهم، وقامت بها على رءوس خلفائهم؛ وتباهت بها في أعيادهم ومساجدهم. ووصلتها بصلواتهم، وخوطب بها العوام، واستجزلت لها الألفاظ، وتخيرت لها المعاني.
اعلم أن جميع الخطب على ضربين: منها الطوال، ومنها القصار؛ ولكل ذلك موضع يليق به، ومكان يحسن فيه؛ فأول ما نبدأ به من ذلك خطب النبي ﷺ ، ثم السلف المتقدمين، ثم الجلة من التابعين والجلة من الخلفاء الماضين والفصحاء المتكلمين، على ما سقط إلينا ووقع عليه اختيارنا؛ ثم نذكر بعض خطب الخوارج؛ لجزالة ألفاظهم، وبلاغة منطقهم، كخطبة قطري بن الفجاءة في ذم الدنيا؛ فإنها معدومة النظير، منقطعة القرين؛ وخطبة أبي حمزة التي سمعها مالك بن أنس فقال: خطبنا أبو حمزة بالمدينة خطبة شكك فيها المستبصر، وردّد فيها المرتاب، ثم نسمح بصدر من خطب البادية وقول الأعراب خاصة؛ لمعرفتهم بداء الكلام ودوائه، وموارده ومصادره.
عبد الملك وابن سلمة:
قال عبد الملك بن مروان لخالد بن سلمة القرشي المخزومي: من أخطب الناس؟
стр. 1242
قال: أنا! قال: ثم من؟ قال: شيخ جذام. يعني روح بن زنباع، قال: ثم من؟ قال:
أخيّفش ثقيف. يعني الحجاج، قال: ثم من؟ قال: أمير المؤمنين!
لمعاوية في زياد:
وقال معاوية لما خطب الناس عنده فأكثروا: والله لأرمينّكم بالخطيب المصقع. قم يا زياد!
لأبي دواد:
وقال محمد كاتب المهدي- وكان شاعرا راوية، وطالبا للنحو علامة- قال:
سمعت أبا دواد يقول- وجرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام- فقال: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص، والنظر في عيوب الناس عيّ، ومسح اللحية هلك، والخروج عما بني عليه الكلام إسهاب.
قال: وسمعته يقول: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وحليها الإعراب.
وبهاؤها تخيّر اللفظ. والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه.
وأنشدني بيتا له في خطباء إياد.
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرّقباء
وأنشدني في عيّ الخطيب واستعانته بمسح العثنون وفتل الأصابع:
مليء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع «١»
بشر بن المعتمر وابن جبلة:
مرّ بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني الخطيب، وهو يعلم فتيانهم الخطابة؛ فوقف بشر يستمع، فظنّ إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد، أو يكون رجلا من النظارة؛ فقال بشر: اضربوا عما قال صفحا، واطووا عنه كشحا. ثم دفع إليهم صحيفة من تنميقه وتحبيره، فيها:
стр. 1243
خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإنّ قليل تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرف حسبا، وأحسن في الاستماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين من لفظ شريف، ومعنى بديع؛ واعلم أنّ ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا، وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه؛ وإياك والتوعّر، فإنّ التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك. ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما، فإنّ حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس إظهارهما، وترهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما؛ فكن في ثلاثة منازل: فأوّل ذلك أن يكون لفظك رشيقا عذبا، أو فخما سهلا؛ ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا، إمّا عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإمّا عند العامّة إن كنت للعامّة أردت؛ والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتّضع بأن يكون من معاني العامّة؛ وإنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال؛ وكذلك اللفظ العامي والخاصي؛ فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة لفظك، ولطف مداخلك، وقدرتك في نفسك- أن تفهم العامّة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ المتوسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء، فأنت البليغ التام.
فقال له إبراهيم بن جبلة: جعلت فداك، أنا أحوج إلى تعلمي هذا الكلام من هؤلاء الغلمة.
خطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضللّ فلا هادي له،
стр. 1244
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و [أشهد] أن محمدا عبده ورسوله.
أوصيكم عباد الله، بتقوى الله، وأحثكم على طاعة الله، وأستفتح بالذي هو خير.
أمّا بعد: أيها الناس، اسمعوا مني أبّين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا! أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت، اللهم اشهد! فمن كانت عنده أمانة فيلؤدّها إلى الذي ائتمنه عليها؛ وإن ربا الجاهلية موضوع «١» ، وإنّ أوّل ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب؛ وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السّدانة والسّقاية، والعمد قود «٢» ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.
أيها الناس، إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك ما تحقرون من أعمالكم.
أيها الناس، إنما النّسيء «٣» زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرّم الله. وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، وواحد فرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب الذي بين جمادي وشعبان. ألا هل بلغت، اللهم اشهد!
стр. 1245
أيها الناس، إنّ لنسائكم عليكم حقا، وإنّ لكم عليهنّ حقا: لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة؛ فإن فعلن فإنّ الله قد أذن لكم أن تعضلوهن «١» وتهجروهنّ في المضاجع وتضربوهنّ ضربا غير مبرّح؛ فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهنّ وكسوتهن بالمعروف؛ وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهنّ شيئا، أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله؛ فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهنّ خيرا [ألا هل بلّغت، اللهم اشهد!] .
أيها الناس؛ إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لآمريء مال أخيه إلا عن طيب نفسه.
ألا هل بلغت، اللهم اشهد! فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض؛ فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلّوا [بعده] كتاب الله وأهل بيتي، ألا هل بلغت اللهم اشهد.
أيها الناس، إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد؛ كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم؛ ليس لعربيّ على عجمي فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟
قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب.
أيها الناس، إنّ الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث؛ ولا يجوز لوارث وصية في أكثر من الثّلث؛ والولد للفراش وللعاهر الحجر «٢» ؛ من دعي إلى غير أبيه، أو تولّى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
خطب أبي بكر
وخطب أبو بكر يوم السقيفة: أراد عمر الكلام، فقال له أبو بكر: على رسلك.
стр. 1246
ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس، نحن المهاجرون، أول الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسّهم رحما برسول الله ﷺ ؛ أسلمنا قبلكم، وقدّمنا في القرآن عليكم، فقال ﵎: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ
«١» ؛ فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار، إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدوّ؛ آويتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرا، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما منحهم الله من فضله.
وخطب أيضا. حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس، إني قد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حقّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدّدوني؛ أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إنّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القويّ حتى آخذ الحق منه! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وخطب أخرى. فلما حمد الله بما هو أهله، وصلى على نبيه ﵊، قال:
إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك! فرفع الناس رءوسهم، فقال:
ما لكم أيها الناس؟ إنكم لطعانون عجلون، إن من الملوك من إذا ملك زهّده الله فيما بيده، ورغّبه فيما بيد غيره، وانتقصه شطر أجله، وأشرب قلبه الإشفاق، فهو يحسد على القليل، ويسخط على الكثير، ويسأم الرخاء وتنقطع عنده لذة البهاء، لا
стр. 1247
يستعمل العبرة، ولا يسكن إلى الثقة، فهو كالدرهم القسيّ «١» والسراب الخادع، جذل الظاهر، حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه، ونصب عمره، وضحا ظله، حاسبه الله، فأشدّ حسابه، وأقلّ عفوه. ألا وإن الفقراء هم المرحومون! ألا إن من آمن بالله حكم بكتابه وسنّة نبيه ﷺ وإنكم اليوم على خلافة نبوة، ومفرق محجة، وسترون بعدي ملكا عضوضا، «٢» وملكا عنودا، وأمة شعاعا، ودما مباحا؛ فإن كانت للباطل نزوة، ولأهل الحق جولة، يعفو لها الأثر، ويموت لها الخبر، فالزموا المساجد، واستشيروا القرآن واعتصموا بالطاعة، وليكن الإبرام بعد التشاور، والصفقة بعد طول التناظر، أي بلاد خرشنة «٣» إن الله سيفتح لكم أقصاها كما فتح عليكم أدناها.
وخطب أيضا فقال:
الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأومن به، وأتوكل عليه وأستهدي الله بالهدى، وأعوذ به من الضلالة والردى، ومن الشك والعمى؛ من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون- إلى الناس كافة، رحمة لهم وحجة عليهم، والناس حينئذ على شر حال في ظلمات الجاهلية، دينهم بدعة، ودعوتهم فرية، فأعز الله الدين بمحمد ﷺ ، وألف بين قلوبكم أيها المؤمنون، فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم عى شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون؛ فأطيعوا الله ورسوله، فإنه قال : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
«٤» .
أما بعد أيها الناس: إني أوصيكم بتقوى الله العظيم في كل أمر وعلى كل حال
стр. 1248
ولزوم الحق فيما أحببتم وكرهتم؛ فإنه ليس فيما دون الصدق من الحديث خير، من يكذب يفجر، ومن يفجر يهلك، وإياكم والفخر؛ وما فخر من خلق من تراب وإلى التراب يعود، هو اليوم حي وغدا ميّت! فاعلموا وعدوّا أنفسكم في الموتى، وما أشكل عليكم فردّوا علمه إلى الله، وقدّموا لأنفسكم خيرا تجدوه محضرا، فإنه قال : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
«١» فاتقوا الله عباد الله وراقبوه، واعتبروا بمن مضى قبلكم، واعلموا أنه لا بدّ من لقاء ربكم والجزاء بأعمالكم، صغيرها وكبيرها، إلا ما غفر الله، إنه غفور رحيم، فأنفسكم أنفسكم والمستعان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
«٢» اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، أفضل ما صليت على أحد من خلقك؛ وزكّنا بالصلاة عليه، وألحقنا به، واحشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه اللهم أعنّا على طاعتك، وانصرنا على عدوّك.
وخطب أيضا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛ فإن الله أثنى على زكريا وعلى أهل بيته، فقال: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ
«٣» ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، وعوّضكم بالقليل الفاني الكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره، فثقوا بقوله، وانتصحوا كتابه واستبصروا فيه ليوم الظلمة، فإنه خلقكم لعبادته، ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون. ثم اعلموا عباد الله أنكم
стр. 1249
تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن [لا] تنقضي الآجال [إلا] وأنتم في عمل لله [فافعلوا] ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله- فسابقوا في مهل بأعمالكم، قبل أن تنقضي آجالكم فتردّكم إلى سوء أعمالكم، فإن أقواما جعلوا آجالهم لغيرهم [ونسوا أنفسهم] ، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم؛ فالوحي الوحي والنجاء النجاء «١» ، فإن وراءكم طالبا حثيثا مرّه، سريعا سيره.
خطب عمر بن الخطاب ﵁
وخطب عمر؛ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيها الناس، من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني؛ فإن الله جعلني له خازنا وقاسما: إني باديء بأزواج رسول الله ﷺ فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، أنا وأصحابي ثم بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، ثم من أسرع إلى الهجرة أسرع إليه العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء، فلا يلومن رجل إلا مناخ راحلته. إني قد بقيت فيكم بعد صاحبي، فابتليت بكم وابتليتم بي، وإني لن يحضرني من أموركم شيء فأكله إلى غير أهل الجزاء والأمانة، فلئن أحسنوا لأحسننّ إليهم، ولئن أساءوا لأنكلنّ بهم.
وخطب أيضا فقال:
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيه ﷺ ، فهدانا به من الضلالة، وجمعنا به من الشتات، وألف بين قلوبنا، ونصرنا على عدونا، ومكن لنا في البلاد، وجعلنا به إخوانا متحابين؛ فاحمدوا الله على هذه النعمة، واسألوه المزيد
стр. 1250
فيها والشكر عليها، فإن الله قد صدقكم الوعد بالنصر على من خالفكم؛ وإياكم والعمل بالمعاصي وكفر النعمة، فقلما كفر قوم بنعمة ولم ينزعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزّهم وسلّط عليهم عدوّهم.
أيها الناس: إن الله قد أعز دعوة هذه الأمة وجمع كلمتها وأظهر فلحها ونصرها وشرفها، فاحمدوه عباد الله على نعمه، واشكروه على آلائه؛ جعلنا الله وإياكم من الشاكرين.
وخطب فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
أيها الناس: تعلموا القرآن [تعرفوا به] ، واعملوا به تكونوا من أهله؛ واعلموا أنه لم يبلغ من حق مخلوق أن يطاع في معصية الخالق [ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، وإن استغنيت عففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، تقرّم «١» البهمة الأعرابية] ، القضم «٢» دون الخضم «٣» .
وخطبة له أيضا:
أيها الناس: إنه قد أتى عليّ زمان وأنا أرى أن قراءة القرآن [إنما] تريدون به الله وما عنده: [ألا وإنه قد] خيّل إليّ أن قوما قرءوه إذ يتنزل الوحي وإذ رسول الله بين أظهرنا ينبئنا من أخباركم؛ فقد انقطع الوحي وذهب النبي، فإنما نعرفكم بما أقول لكم؛ ألا من رأينا منه خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه، ومن رأينا منه شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه؛ سرائركم بينكم وبين ربكم؛ ألا وإني إنما أبعث عمالي ليعلّموكم دينكم وسنّتكم، ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ويأخذوا أموالكم؛ ألا من رابه شيء من ذلك فليرفعه اليّ، فوالذي نفسي بيده لأقصّنّكم منه.
فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت أن بعثت عاملا من عمالك
стр. 1251
فأدب رجلا من رعيتك فضربه، أتقّصه منه؟
قال: نعم، والذي نفس عمر بيده لأقصنه منه؛ فقد رأيت رسول الله ﷺ يقصّ من نفسه.
وخطب أيضا فقال: أيها الناس اتقوا الله في سريرتكم وعلانيتكم، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تكونوا مثل قوم كانوا في سفينة فأقبل أحدهم على موضعه يخرقه، فنظر إليه أصحابه فمنعوه، فقال: هو موضعي ولي أن أحكم فيه، فإن أخذوا على يده سلم وسلموا، وإن تركوه هلك وهلكوا معه! وهذا مثل ضربته لكم. رحمنا الله وإياكم.
وخطب عام الرّمادة بالعباس ﵀:
حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم قال:
أيها الناس، استغفروا ربكم إنه كان غفارا، اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك اللهم إنا نتقرب إليك بعمّ نبيك وبقية آبائه وكبار رجال، فإنك تقول وقولك الحق وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً
«١» ؛ فحفظتهما لصلاح أبيهما؛ فاحفظ اللهم نبيّك في عمه؛ اللهم اغفر لنا إنك كنت غفارا، اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالّة، ولا تدع الكسيرة بمضيعة، اللهم قد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السرّ وأخفى؛ اللهم أغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
فما برحوا حتى علّقوا الحذاء، وقلصوا المآزر، وطفق الناس بالعباس يقولون:
هنيئا لك يا ساقي الحرمين.
وخطب إذ ولي الخلافة:
стр. 1252
صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
يا أيها الناس، إني داع فأمّنوا: اللهم إني غليظ فليّنّي لأهل طاعتك بموافقة الحق ابتغاء وجهك والدار الآخرة، وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك وأهل الدعارة والنفاق، من غير ظلم مني لهم، ولا اعتداء عليهم؛ اللهم إني شحيح فسخّني في نوائب المعروف، قصدا من غير سرف ولا تبذير، ولا رياء ولا سمعة، واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة؛ اللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين، اللهم إني كثير الغفلة والنسيان، فألهمني ذكرك على كل حال، وذكر الموت في كل حين؛ اللهم إني ضعيف عن العمل بطاعتك، فارزقني النشاط فيها والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعونك وتوفيقك؛ اللهم ثبّتني باليقين والبرّ والتقوى، وذكر المقام بين يديك والحياء منك، وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني؟ والمحاسبة لنفسي، وإصلاح الساعات، والحذر من الشبهات؛ اللهم ارزقني التفكر والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك، والفهم له، والمعرفة بمعانيه، والنظر في عجائبه، والعمل بذلك ما بقيت؛ إنك على كل شيء قدير.
وكان آخر كلام أبي بكر الذي إذا تكلم به عرف أنه قد فرغ من خطبته:
اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك.
وكان آخر كلام عمر الذي إذا تكلم به عرف أنه فرغ من خطبته:
اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني على غرّة، ولا تجعلني من الغافلين.
خطبة عثمان بن عفان ﵁
ولما ولي عثمان بن عفان قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وتشهد، ثم أرتج عليه «١» ؛ فقال:
стр. 1253
أيها الناس، إن أول كل مركب صعب، وإن أعش فستأتيكم الخطب على وجهها، وسيجعل الله بعد عسر يسرا.
خطب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه أول خطبة خطبها بالمدينة، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﵊ ثم قال:
أيها الناس: كتاب الله وسنّة نبيكم ﷺ ، أما بعد: فلا يدّعين مدّع إلا على نفسه، شغل من الجنة والنار أمامه. ساع نجا، وطالب يرجو، ومقصّر في النار:
[ثلاثة؛ واثنان] : ملك طار بجناحيه، ونبي أخذ الله بيده، لا سادس. هلك من ادّعى، وردي من اقتحم. اليمين والشمال مضلة، والوسطى والجادّة: منهج عليه أم الكتاب والسنة وآثار النبوة؛ إن الله داوى هذه الأمة بدواءين: السوط والسيف، فلا هوادة عند الإمام فيهما، استتروا ببيوتكم، وأصلحوا ذات بينكم؛ فالموت من ورائكم. من أبدى صفحته للحق هلك. قد كانت أمور لم تكونوا فيها محمودين. أما اني لو أشاء أن أقول لقلت. عفا الله عما سلف. سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب، همته بطنه، ويله! لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له! انظروا، فإن أنكرتم فأنكروا، وإن عرفتم فارووا. حق وباطل، ولكلّ أهل؛ ولئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قل الحق لربما ولعل؛ ولقلما أدبر شيء فأقبل، ولئن رجعت إليكم أموركم إنكم لسعداء، وإني لأخشى أن تكونوا في فترة، وما علينا إلا الاجتهاد.
وروى فيها جعفر بن محمد رضوان الله عليه:
ألا إن الأبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس كبارا؛ ألا وإنا أهل البيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا؛ فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، (وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا) معنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق. ألا وبنا تدرك ترة كل مؤمن وبنا تخلع
стр. 1254
ربقة الذل من أعناقكم، وبنا فتح وبنا فتح وبنا يختم.
وخطبة له أيضا:
حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله ولزوم طاعته وتقديم العمل، وترك الأمل؛ فإنه من فرّط في عمله لم ينتفع بشيء من أمله، أين التّعب بالليل والنهار، المقتحم للجج البحار ومفاوز القفار، يسير من وراء الجبال وعالج الرمال «١» ، يصل الغدو بالرواح، والمساء بالصباح، في طلب محقرات الأرباح؛ هجمت عليه منيته، فعظمت بنفسه رزيته؛ فصار ما جمع بورا، وما اكتسب غرورا، ووافى القيامة محسورا:
أيها اللاهي الغارّ بنفسه، كأني بك وقد أتاك رسول ربك، لا يقرع لك بابا، ولا يهاب لك حجابا، ولا يقبل منك بديلا، ولا يأخذ منك كفيلا، ولا يرجم لك صغيرا، ولا يوقر فيك كبيرا، حتى يؤديك إلى قعر مظلمة، أرجاؤها موحشة، كفعله بالأمم الخالية والقرون الماضية! أين من سعى واجتهد؛ وجمع وعدّد، وبنى وشيّد؛ وزخرف ونجّد، وبالقليل لم يقنع، وبالكثير لم يمتع؟ أين من قاد الجنود، ونشر البنود؟ أضحوا رفاتا! تحت الثرى أمواتا، وأنتم بكأسهم شاربون، ولسبيلهم سالكون.
عباد الله! فاتقوا الله وراقبوه، واعملوا لليوم الذي تسير فيه الجبال، وتشقّق السماء بالغمام، وتطاير الكتب عن الأيمان والشمائل؛ فأي رجل يومئذ تراك؟ أقائل هاؤم اقرءوا كتابيه! أم: يا ليتني لم أوت كتابيه! نسأل من وعدنا بإقامة الشرائع جنته أن يقينا سخطه؛ إنّ أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وخطبة له أيضا:
стр. 1255
الحمد لله الذي استخلص الحمد لنفسه، واستوجبه على جميع خلقه، الذي ناصية كلّ شيء بيده، ومصير كل شيء إليه، القويّ في سلطانه، اللطيف في جبروته، لا مانع لما أعطى، ولا معطى لما منع، خالق الخلائق بقدرته، ومسخّرهم بمشيئته، وفيّ العهد، صادق الوعد، شديد العقاب، جزيل الثواب؛ أحمده وأستعينه على ما أنعم به مما لا يعرف كنهه غيره؛ وأتوكل عليه توكّل المتسلم لقدرته، المتبري من الحول والقوّة إليه؛ وأشهد شهادة لا يشوبها شك أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، إلها واحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له وليّ من الذل وكبّره تكبيرا، وهو على كل شيء قدير، قطع ادعاء المدّعي بقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
«١» . وأشهد أنّ محمدا ﷺ صفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله بالمعروف آمرا. وعن المنكر ناهيا، وإلى الحق داعيا؛ على حين فترة من الرسل، وضلالة من الناس، واختلاف من الأمور، وتنازع من الألسن، حتى تمم به الوحي، وأنذر به أهل الأرض.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله؛ فإنها العصمة من كل ضلالة، والسبيل إلى كل نجاة؛ فكأنكم بالجثث قد زايلتها أرواحها، وتضمنها أجداثها، فلن يستقبل معمّر منكم يوما من عمره إلا بانتقاص آخر من أجله، وإنما دنياكم كفيء الظل أو زاد الراكب؛ وأحذركم دعاء العزيز الجبار عبده، يوم تعفي آثاره، وتوحش منه دياره، وييتم صغاره، ثم يصير إلى حفير من الأرض، متعفرا على خدّه، غير موسد ولا ممهد: أسأل الذي وعدنا على طاعته جنته، أن يقينا سخطه، ويجنّبنا نقمته، ويهب لنا رحمته. إنّ أبلغ الحديث كتاب الله.
وخطبة له ﵁:
أمّا بعد؛ فإنّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإنّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع، وإنّ المضمار اليوم والسباق غدا، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل؛
стр. 1256
فمن أخلص في أيام أمله حضور أجله، نفعه عمله ولم يضره أمله؛ ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله، فقد خسر عمله وضره أمله؛ ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها؛ [ألا وإنه من لا ينفعه الحقّ يضرره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى يجرّ به الضلال إلى الردى] ؛ ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، ودللتم على الزاد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل.
وخطبة له: قالوا ولما أغار سفيان بن عوف الأزدي على الأنبار في خلافة علي ﵁، وعليها [ابن] حسان البكري، فقتله وأزال تلك الخيل عن مسالحها «١» ، فخرج علي ﵁ حتى جلس على باب السّدّة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أمّا بعد؛ فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذل وشملة البلاء، وألزمه الصغار، وسامه الخسف، ومنعه النّصف»
؛ ألا وإني دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلّوا. فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليك قولي فاتخذتموه وراءكم ظهريا؛ حتى شنّت عليكم الغارات؛ وهذا أخو غامد قد بلغت خيله الأنبار، وقتل ابن حسان البكري؛ وأزال خيلكم عن مسالحها؛ وقتل منكم رجالا صالحين، وقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فينزع حجلها وقلبها «٣» ورعاثها «٤» ، ثم انصرفوا وافرين ما كلم رجل منهم؛ فلو أنّ رجلا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان عندي ملوما، بل كان به عندي جديرا؛ فواعجبا من جدّ هؤلاء في باطلهم وفشلكم عن حقكم؛ فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى؛ يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون؛ فإذا أمرتكم بالمسير إليهم في أيام الحرّ، قلتم: حمارّة
стр. 1257
القيظ؛ أملهنا حتى ينسلخ عنا الحرّ! وإذا أمرتكم بالمسير إليهم ضحى في الشتاء، قلتم:
[صبارّة القرّ] «١» أمهلنا حتى ينسلخ عنا هذا القرّ! كل هذا فرارا من الحرّ والقرّ؛ فأنتم والله من السيف أفرّ! يا أشباه الرجال ولا رجال! ويا أحلام «٢» أطفال وعقول ربات الحجال! وددت أنّ الله أخرجني من بين أظهركم، وقبضني إلى رحمته من بينكم، وأني لم أركم ولم أعرفكم! معرفة والله جرّت وهنا! [لقد ملأتم قلبي قيحا] ووريتم والله صدري غيظا، وجرعتموني الموت أنفاسا، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إنّ ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب! لله أبوهم! وهل منهم أحد أشدّ لها مراسا وأطول تجربة مني؟ لقد مارستها وأنا ابن عشرين، فها أنا ذا الآن قد نيّفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع! وخطبة له ﵁، قام فيهم فقال:
أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم! كلامكم يوهي الصم الصّلاب وفعلكم يطمع فيكم عدوّكم؛ تقولون في المجالس كيت وكيت؛ فإذا جاء القتال قلتم:
[حيدي] «٣» حياد ما عزت دعوة من دعاكم؛ ولا استراح قلب من قاساكم؛ أعاليل بأباطيل؛ وسألتموني التأخير؛ دفاع ذي الدّين الممطول؛ ألا [لا] يدفع الضيم الذليل، ولا يدرك الحقّ إلا بالجدّ. أيّ دار بعد داركم تمنعون؟ أم مع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه؛ ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب! أصبحت والله لا أصدّق قولكم؛ ولا أطمع في نصرتكم؛ فرّق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم! وددت والله أن لي بكل عشرة منكم رجلا من بني فراس بن غنم، صرف الدينار بالدرهم! وخطب إذا استنفر أهل الكوفة لحرب الجمل، فأقبلوا إليه مع ابنه الحسن ﵃، فقام فيهم خطيبا فقال:
стр. 1258
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وآخر المرسلين، أمّا بعد؛ فإنّ الله بعث محمدا ﵊ إلى الثقلين كافة، والناس في اختلاف، والعرب بشرّ المنازل، مستضيئون للثاءات «١» بعضهم على بعض، فرأب الله به الثّأي، ولأم به الصدع، ورتق به الفتق، وأمّن به السبل، وحقن به الدماء، وقطع به العداوة الواغرة للقلوب، والضغائن المخشنة للصدور؛ ثم قبضه الله مشكورا سعيه، مرضيّا عمله، مغفورا ذنبه، كريما عند ربه نزله؛ فيا لها مصيبة عمّت المسلمين، وخصّت الأقربين؛ وولى أبو بكر، فسار بسيرة رضيها المسلمون؛ ثم ولى عمر، فسار بسيرة أبي بكر ﵄؛ ثم ولي عثمان، فنال منكم ونلتم منه، حتى إذا كان من أمره ما كان أتيتموه فقتلتموه، ثم أتيتموني فقلتم لي: بايعنا! فقلت لكم:
لا أفعل! وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتم كفي فجذبتموها، وقلتم: لا نرضى إلا بك، ولا نجتمع إلا عليك! وتداككتم «٢» عليّ تداكك الإبل الهيم «٣» على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي، وأن بعضكم قاتل بعض؛ فبايعتموني، وبايعني طلحة والزبير، ثم ما لبثا أن استأذناني للعمرة فسارا إلى البصرة فقتلا بها المسلمين وفعلا الأفاعيل، وهما يعلمان والله أني لست بدون واحد ممن مضى، ولو أشاء أن أقول لقلت؛ اللهم إنهما قطعا قرابتي، ونكثا بيعتي، وألبا عليّ عدوّي؛ اللهم فلا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المساءة فيما عملا وأملا! ومما حفظ عنه بالكوفة على المنبر: قال نافع بن كليب: دخلت الكوفة للتسليم على أمير المؤمنين علي ﵁، فإني لجالس تحت منبره، وعليه عمامة سوداء، وهو يقول: انظروا هذه الحكومة، فمن دعا إليها فاقتلوه وإن كان تحت عمامتي هذه! فقال له عدي بن حاتم: قلت لنا أمس: من أبى عنها فاقتلوه. وتقول لنا اليوم: من دعا إليها فاقتلوه! والله ما ندري ما نصع بك؟ وقام إليه رجل أحدب من أهل العراق فقال: أمرت بها أمس وتنهى عنها اليوم، فأنت كما قال الأول: آكلك وأنا أعلم ما أنت. فقال علي: إلي يقال هذا.
стр. 1259
أصبحت أذكر أرحاما وآصرة ... بدلت منها هويّ الرّيح بالقصب «١»
أما والله لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به، ونهيتكم عما نهيتكم عنه، حملتكم على المكروه الذي جعل الله عاقبته خيرا إذا كان فيه، لكانت الوثقى التي لا تقلع، ولكن بمن؟ وإلى من؟ [أريد أن] أداوي بكم [وأنتم دائي] ؛ إني والله بكم كناقش «٢» الشّوكة بالشوكة، يا ليت لي بعض قومي وليت لي من بعد خير قومي، اللهم إن دجلة والفرات نهران أعجمان أصمان أبكمان، اللهم سلط عليهما بحرك، وانزع منهما بصرك؛ ويل للنّزعة «٣» يا أشطان الرّكيّ «٤» ! [أين الذين] دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن فأحسنوه، ونطقوا بالشعر فأحكموه وهيجوا إلى الجهاد فولهوا [وله] اللقاح [إلى] أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها ضربا ضربا، [وأخذوا بأطراف الأرض] زحفا زحفا، لا يتباشرون بالأحياء، ولا يعزّون على القتلى ولا يغيرون على العلي.
أولئك إخواني الذاهبون ... فحقّ البكاء لهم أن يطيبا
رزقت حبيبا على فاقة ... وفارقت بعد حبيب حبيبا!
ثم نزل تدمع عيناه؛ فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون على ما صرت إليه! فقال:
نعم، إنا لله وإنا إليه راجعون! أقوّمهم والله غدوة ويرجعون إلى عشية مثل ظهر الحية، حتى متي؟ وإلى متى؟ حسبي الله ونعم الوكيل! وهذه خطبته الغراء، ﵁:
الحمد لله الأحد الصمد، الواحد المنفرد، الذي لا من شيء كان ولا من شيء خلق إلا وهو خاضع له؛ قدرة بان بها من الأشياء وبانت الأشياء منه، فليست له صفة تنال، ولا حدّ يضرب له فيه الأمثال، كلّ دون صفته تحبير اللغات، وضلت هناك تصاريف الصفات وحارت دون ملكوته مذاهب التفكير، وانقطعت دون علمه
стр. 1260
جوامع التفسير، وحالت دون غيبه حجب تاهت في أدنى دنوّها طامحات العقول؛ فتبارك الله الذي لا يبلغه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن؛ وتعالى الذي ليس له نعت موجود، ولا وقت محدود، وسبحان الذي ليس له أول مبتدأ، ولا غاية منتهى، ولا آخر يفنى؛ وهو سبحانه كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته؛ أحاط بالأشياء كلها علمه وأتقنها صنعه، وذللها أمره، وأحصاها حفظه؛ فلا يعزب عنه غيوب الهوى، ولا مكنون صلم الدجى، ولا ما في السموات العلى إلى الأرض السابعة السفلى؛ فهو لكل شيء منها حافظ ورقيب، أحاط بها الأحد الصمد الذي لم تغيّره صروف الأزمان، ولا يتكاءده «١» صنع شيء منها كان؛ قال لما شاء أن يكون: كن! فكان؛ ابتدع ما خلق بلا مثال سبق، ولا تعب ولا نصب؛ وكل عالم من بعد جهل يعلم، والله لم يجهل ولم يتعلم؛ أحاط بالأشياء كلها علما، ولم يزدد بتجربتها خبرا؛ علمه بها قبل كونها كعمله بها بعد تكوينها؛ لم يكوّنها لتسديد سلطان، ولا خوف زوال ولا نقصان، ولا استعانة على ضد مناويء، ولا ند مكاثر، ولكن خلائق مربوبون، وعباد آخرون، فسبحان الذي لا يئوده «٢» خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ما برأ، خلق ما علم، وعلم ما أراد، ولا يتفكر على حادث أصاب، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد، لكن قضاء متقن، وعلم محكم، وأمر مبرم، توحّد بالربوبية، وخص نفسه بالوحدانية، فلبس العز والكبرياء، واستخلص المجد والسناء، واستكمل الحمد والثناء؛ فانفرد بالتوحيد، وتوحد بالتمجيد؛ فجل عن الأبناء وتطهر وتقدس عن ملامسة النساء؛ فليس له فيما خلق ندّ، ولا فيما ملك ضدّ، هو الله الواحد الصمد، الوارث للأبد الذي لا يبيد ولا ينفد، ملك السموات العلى، والأرضين السفلى، ثم دنا فعلا. وعلا فدنا، له المثل الأعلى، والأسماء الحسنى، والحمد لله رب العالمين؛ ثم إن الله ﵎ سبحانه وبحمده- خلق الخلق بعلمه ثم اختار منهم صفوته، واختار من كل خيار صفوته أمناء على وحيه، وخزنة له على أمره، إليهم ينتهي رسله، وعليهم ينزل وحيه، جعلهم أصفياء، مصطفين
стр. 1261
أنبياء، مهديين نجباء؛ استودعهم وأقرهم في خير مستقر، تناسختهم أكارم الأصلاب، إلى مطهّرات الأمهات، كلما مضى منهم سلف انبعث لأمره منهم خلف، حتى انتهت نبوّة الله وأفضت كرامته إلى محمد ﷺ ؛ فأخرجه من أفضل المعادن محتدا، وأكرم المغارس منبتا، وأمنعها ذروة، وأعزها أرومة، وأوصلها مكرمة من الشجرة التي صاغ منها أمناء، وانتخب منها أنبياء، شجرة طيبة العود، معتدلة العمود، باسقة الفروع، مخضرة الأصول والغصون، يانعة الثمار، كريمة المجتنى، في كرم نبتت، وفيه بسقت وأثمرت، وعزت فامتنعت، حتى أكرمه الله بالروح الأمين، والنور المبين، فختم به النبيين، وأتم به عدة المرسلين، [وجعله] خليفته على عباده، وأمينه في بلاده؛ زينه بالتقوى وآثار الذكرى؛ وهو إمام من اتقى، ونصر من اهتدى، سراج لمع ضوءه، وزند برق لمعه، وشهاب سطع نوره؛ فاستضاءت به العباد، واستنارت به البلاد؛ وطوى به الأحساب فأزجى به السحاب، وسخر له البراق حتى صافحته الملائكة، وأذعنت له الألسنة، وهدم به أصنام الآلهة، سيرته القصد، وسنته الرشد؛ وكلامه فصل، وحكمه عدل؛ فصدع ﷺ بما أمره به، حتى أفصح بالتوحيد دعوته؛ وأظهر في خلقه لا إله إلا الله، حتى أذعن له [الخلق] بالربوبية، وأقرّ له بالعبودية والواحدانية؛ اللهم فخصّ محمدا بالذكر المحمود. والحوض المورود. اللهم آت محمدا الوسيلة والرفعة والفضيلة، واجعل في المصطفين محلته، وفي الأعلين درجته، وشرّف بنيانه وعظّم برهانه، واسقنا بكأسه، وأوردنا حوضه، واحشرنا في زمرته، غير حزايا ولا ناكثين ولا شاكين ولا مرتابين ولا ضالين ولا مفتونين ولا مبدلين ولا حائدين ولا مضلين؛ اللهم أعط محمدا من كل كرامة أفضلها، ومن كل نعيم أكمله، ومن كل عطاء أجزله، ومن كل قسم أتمه؛ حتى لا يكون أحد من خلقك أقرب منك مكانا، ولا أحظى عندك منزلة ولا أقرب إليك وسيلة، ولا أعظم عليك حقا- ولا شفاعة، من محمد؛ واجمع بيننا وبينه في ظل العيش، وبرد الرّوح «١» ، وقرة الأعين، ونضرة السرور، وبهجة النعيم؛ فإنا نشهد أنه قد بلغ
стр. 1262
الرسالة، وأدى الأمانة والنصيحة، واجتهد للأمة. وجاهد في سبيلك. وأوذي في جنبك ولم يخف لومة لائم في دينك. وعبدك حتى أتاه اليقين، إمام المتقين، وسيد المرسلين، وتمام النبين، وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين، اللهم رب البيت الحرام، ورب البلد الحرام، ورب الركن والمقام، ورب المشعر الحرام؛ بلّغ محمدا منا السلام؛ اللهم صل على ملائكتك المقربين، وعلى أنبيائك المرسلين، وعلى الحفظة الكرام الكاتبين، وصلى الله على أهل السموات وأهل الأرضين من المؤمنين.
وخطبته الزهراء:
الحمد لله الذي هو أول كل شيء ووليه، وكل شيء خاشع له، وكل شيء قائم به، وكل شيء ضارع إليه، وكل شيء مستكين له؛ خشعت له الأصوات، وكلّت دونه الصفات، وضلت دونه الأوهام، وحارت دونه الأحلام، وانحسرت دونه الأبصار لا يقضي في الأمور غيره، ولا يتم شيء دونه، سبحانه ما أجل شأنه، وأعظم سلطانه! تسبح له السموات العلى، ومن في الأرض السفلى، له التسبيح والعظمة والملك والقدرة، والحول والقوة، يقضي بعلم ويعفو بحلم؛ قوة كلّ ضعيف، ومفزع كل ملهوف وعزّ كلّ ذليل، ووليّ كل نعمة، وصاحب كلّ حسنة، وكاشف كل كربة المطّلع على كل خفيّة، المحصي كلّ سريرة، يعلم ما تكنّ الصدور، وما ترخى عليه الستور؛ الرحيم بخلقه، الرؤوف بعباده؛ من تكلم منهم سمع كلامه، ومن سكت منهم علم ما في نفسه، ومن عاش منهم فعليه رزقه، ومن مات منهم فإليه مصيره؛ أحاط بكل شيء علمه وأحصى كل شيء حفظه، اللهم لك الحمد عدد ما تحيي وتميت، وعدد أنفاس خلقك ولفظهم ولحظ أبصارهم، وعدد ما تجري به الريح وتحمله السحاب، ويختلف به الليل والنهار، ويسير به الشمس والقمر والنجوم- حمدا لا ينقضي عدده، ولا يفنى أمده: اللهم أنت قبل كل شيء، وإليك مصير كل شيء، وتكون بعد هلاك كل شيء وتبقى ويفنى كلّ شيء، وأنت وارث كلّ شيء، أحاط علمك بكلّ شيء، وليس يعجزك شيء، ولا يتوارى عنك شيء، ولا يقدر أحد قدرتك، ولا يشكرك أحد حقّ شكرك، ولا تهتدي العقول لصفتك، ولا تبلغ
стр. 1263
الأوهام حدّك؛ حارت الأبصار دون النظر إليك، فلم ترك عين فتخبر عنك كيف أنت وكيف كنت. لا نعلم اللهم كيف عظمتك، غير أنا نعلم أنك حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، لم ينته إليك نظر، ولم يدركك بصر، ولا يقدر قدرتك ملك ولا بشر؛ أدركت الأبصار، وكتمت الآجال، وأحصيت الأعمال، وأخذت بالنواصي والأقدام، لم تخلق الخلق لحاجة ولا لوحشة ملأت كلّ شيء عظمة، فلا يردّ ما أردت، ولا يعطى ما منعت، ولا ينقص سلطانك من عصاك، ولا يزيد في ملكك من أطاعك؛ كلّ سرّ عندك علمه، وكل غيب عندك شاهده؛ فلم يستتر عنك شيء، ولم يشغلك شيء عن شيء، وقدرتك على ما تقضي، كقدرتك على ما قضيت، وقدرتك على القوي كقدرتك على الضعيف وقدرتك على الأحياء كقدرتك على الأموات؛ فإليك المنتهى وأنت الموعد، لا منجى إلا إليك؛ بيدك ناصية كل دابة، وبإذنك تسقط كلّ ورقة؛ لا يعزب «١» عنك مثقال ذرة؛ أنت الحيّ القيوم؛ سبحانك! ما أعظم ما يرى من خلقك! وما أعظم ما يرى من ملكوتك! وما أقلهما فيما غاب عنا منه! وما أسبغ نعمتك في الدنيا وأحقرها في نعيم الآخرة! وما أشدّ عقوبتك في الدنيا وما أيسرها في عقوبة الآخرة! وما الذي نرى من خلقك، ونعتبر من قدرتك.
ونصف من سلطانك فيما يغيب عنا منه مما قصرت أبصارنا عنه وكانت عقولنا دونه، وحالت الغيوب بيننا وبينه، فمن قرع سنه وأعمل فكره كيف أقمت عرشك، وكيف ذرأت خلقك، وكيف علقت في الهواء سمواتك، وكيف مددت أرضك- يرجع طرفه حاسرا، وعقله مبهورا، وسمعه والها، وفكره متحيرا؛ فكيف يطلب علم ما قبل ذلك من شأنك إذ أنت وحدك في الغيوب التي لم يكن فيها غيرك، ولم يكن لها سواك؟ لا أحد شهدك حين فطرت «٢» الخلق، ولا أحد حضرك حين ذرأت «٣» النفوس، فكيف لا يعظم شأنك عند من عرفك، وهو يرى من خلقك ما ترتاع به عقولهم، ويملأ قلوبهم، من رعد تفزع له القلوب، وبرق يخطف الأبصار، وملائكة خلقتهم وأسكنتهم سمواتك، وليست فيهم فترة، ولا عندهم غفلة، ولا بهم معصية؛
стр. 1264
هم أعلم خلقك بك، وأخوفهم لك، وأقومهم بطاعتك، ليس يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول؛ لم يسكنوا الأصلاب، ولم تضمّهم الأرحام؛ أنشأتهم إنشاء، وأسكنتهم سمواتك، وأكرمتهم بجوارك، وائتمنتهم على وحيك، وجنبتهم الآفات، ووقيتهم السيئات، وطهرتهم من الذنوب؛ فلولا تقويتك لم يقووا، ولولا تثبيتك لم يثبتوا، ولولا رهبتك لم يطيعوا، ولولاك لم يكونوا؛ أما إنهم على مكانتهم منك، ومنزلتهم عندك، وطول طاعتهم إياك- لو يعانون ما يخفي عليهم لاحتقروا أعمالهم، ولعلموا أنهم لم يعبدوك حقّ عبادتك؛ فسبحانك خالقا ومعبودا ومحمودا، بحسن بلائك عند خلقك! أنت خلقت ما دبرته مطعما ومشربا، ثم أرسلت داعيا إلينا، فلا الداعي أجبنا، ولا فيما رغّبتنا فيه رغبنا، ولا إلى ما شوّقتنا إليه اشتقنا؛ أقبلنا كلنا على جيفة نأكل منها ولا نشبع وقد زاد بعضنا على بعض حرصا لما يرى بعضنا من بعض، فافتضحنا بأكلها واصطلحنا على حبها، فأعمت أبصار صالحينا وفقهائنا، فهم ينظرون بأعين غير صحيحة، ويسمعون بآذان غير سميعة، فحيثما زالت زالوا معها، وحيثما مالت أقبلوا إليها، وقد عاينوا المأخوذين على الغرّة كيف فجأتهم الأمور، ونزل بهم المحذور، وجاءهم من فراق الأحبة ما كانوا يتوقعون، وقدموا من الآخرة ما كانوا يوعدون: فارقوا الدنيا وصاروا إلى القبور، وعرفوا ما كانوا فيه من الغرور، فاجتمعت عليهم حسرتان: حسرة الفوت «١» وحسرة الموت، فاغبرت لها وجوههم وتغيرت بها ألوانهم، وعرقت بها جباههم، وشحصت أبصارهم، وبردت أطرافهم، وحيل بينهم وبين المنطق، وإن أحدهم لبين أهله، ينظر ببصره، ويسمع بأذنه؛ ثم زاد الموت في جده حتى خالط بصره، فذهبت من الدنيا معرفته، وهلكت عند ذلك حجته، وعاين هول أمر كان مغطى عليه فأحدّ لذلك بصره؛ ثم زاد الموت في جده حتى بلغت نفسه الحلقوم، ثم خرج من جسده فصار جسدا ملقى لا يجيب داعيا، ولا يسمع باكيا؛ فنزعوا ثيابه وخاتمه، ثم وضّئوه وضوء الصلاة، ثم غسلوه وكفنوه إدراجا في أكفانه وحنطوه، ثم حملوه إلى قبره، فدلوه في حفرته، وتركوه
стр. 1265
مخلى بمفظعات من الأمور، وتحت مسألة منكر ونكير، مع ظلمة وضيق ووحشة قبر، فذاك مثواه حتى يبلى جسده ويصير ترابا؛ حتى إذا بلغ الأمر إلى مقداره، وألحق آخر الخلق بأوله، وجاءه أمر من خالقه، أراد به تجديد خلقه- أمر بصوت من سمواته فمارت السموات مورا «١» ، وفزع من فيها، وبقي ملائكتها على أرجائها، ثم وصل الأمر إلى الأرض، والخلق رفات لا يشعرون فأرج أرضهم وأرجفها وزلزلها، وقلع جبالها ونسفها وسيّرها، ودكّ بعضها بعضا من هيبته وجلاله، وأخرج من فيها فجدّدهم بعد بلائهم، وجمعهم بعد تفرّقهم، يريد أن يحصيهم ويميزهم، فريقا في ثوابه، وفريقا في عقابه، فخلد الأمر لأبده، دائما خيره وشره، ثم لم ينس الطاعة من المطيعين، ولا المعصية من العاصين، فأراد أن يجازي هؤلاء، وينتقم من هؤلاء، فأثاب أهل الطاعة بجواره، وحلول داره، وعيش رغد، وخلود أبد، ومجاورة للرب، وموافقة محمد ﷺ ، حيث لا ظعن ولا تغيّر؛ وحيث لا تصيبهم الأحزان، ولا تعترضهم الأخطار؛ ولا تشخصهم «٢» الأسفار؛ وأما أهل المعصية فخلدهم في النار، وأوثق منهم الأقدام وغلّ منهم الأيدي إلى الأعناق؛ في لهب قد اشتد حره، ونار مطبقة على أهلها لا يدخل عليها بها روح، همّهم شديد، وعذابهم يزيد، ولا مدة للدار تنقضي، ولا أجل للقوم ينتهي.
اللهم إني أسألك بأن لك الفضل والرحمة بيدك، فأنت وليهما لا يليهما أحد غيرك، وأسألك باسمك لمخزون المكنون، الذي قام به عرشك وكرسيّك وسمواتك وأرضك، وبه ابتدعت خلقك- الصلاة على محمد، والنجاة من النار برحمتك، آمين؛ إنك وليّ كريم.
وخطب أيضا فقال: أيها الناس احفظوا عني خمسا فلو شددتم إليها المطايا حتى تنضوها لم تظفروا بمثلها: ألا لا يرجونّ أحدكم إلا ربّه، ولا يخافنّ إلا ذنبه ولا يستحي أحدكم إذا لم يعلم أن يتعلم، وإذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، ألا وإن
следующие страницы →