Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
أنبياء، مهديين نجباء؛ استودعهم وأقرهم في خير مستقر، تناسختهم أكارم الأصلاب، إلى مطهّرات الأمهات، كلما مضى منهم سلف انبعث لأمره منهم خلف، حتى انتهت نبوّة الله وأفضت كرامته إلى محمد ﷺ ؛ فأخرجه من أفضل المعادن محتدا، وأكرم المغارس منبتا، وأمنعها ذروة، وأعزها أرومة، وأوصلها مكرمة من الشجرة التي صاغ منها أمناء، وانتخب منها أنبياء، شجرة طيبة العود، معتدلة العمود، باسقة الفروع، مخضرة الأصول والغصون، يانعة الثمار، كريمة المجتنى، في كرم نبتت، وفيه بسقت وأثمرت، وعزت فامتنعت، حتى أكرمه الله بالروح الأمين، والنور المبين، فختم به النبيين، وأتم به عدة المرسلين، [وجعله] خليفته على عباده، وأمينه في بلاده؛ زينه بالتقوى وآثار الذكرى؛ وهو إمام من اتقى، ونصر من اهتدى، سراج لمع ضوءه، وزند برق لمعه، وشهاب سطع نوره؛ فاستضاءت به العباد، واستنارت به البلاد؛ وطوى به الأحساب فأزجى به السحاب، وسخر له البراق حتى صافحته الملائكة، وأذعنت له الألسنة، وهدم به أصنام الآلهة، سيرته القصد، وسنته الرشد؛ وكلامه فصل، وحكمه عدل؛ فصدع ﷺ بما أمره به، حتى أفصح بالتوحيد دعوته؛ وأظهر في خلقه لا إله إلا الله، حتى أذعن له [الخلق] بالربوبية، وأقرّ له بالعبودية والواحدانية؛ اللهم فخصّ محمدا بالذكر المحمود. والحوض المورود. اللهم آت محمدا الوسيلة والرفعة والفضيلة، واجعل في المصطفين محلته، وفي الأعلين درجته، وشرّف بنيانه وعظّم برهانه، واسقنا بكأسه، وأوردنا حوضه، واحشرنا في زمرته، غير حزايا ولا ناكثين ولا شاكين ولا مرتابين ولا ضالين ولا مفتونين ولا مبدلين ولا حائدين ولا مضلين؛ اللهم أعط محمدا من كل كرامة أفضلها، ومن كل نعيم أكمله، ومن كل عطاء أجزله، ومن كل قسم أتمه؛ حتى لا يكون أحد من خلقك أقرب منك مكانا، ولا أحظى عندك منزلة ولا أقرب إليك وسيلة، ولا أعظم عليك حقا- ولا شفاعة، من محمد؛ واجمع بيننا وبينه في ظل العيش، وبرد الرّوح «١» ، وقرة الأعين، ونضرة السرور، وبهجة النعيم؛ فإنا نشهد أنه قد بلغ
стр. 1262
الرسالة، وأدى الأمانة والنصيحة، واجتهد للأمة. وجاهد في سبيلك. وأوذي في جنبك ولم يخف لومة لائم في دينك. وعبدك حتى أتاه اليقين، إمام المتقين، وسيد المرسلين، وتمام النبين، وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين، اللهم رب البيت الحرام، ورب البلد الحرام، ورب الركن والمقام، ورب المشعر الحرام؛ بلّغ محمدا منا السلام؛ اللهم صل على ملائكتك المقربين، وعلى أنبيائك المرسلين، وعلى الحفظة الكرام الكاتبين، وصلى الله على أهل السموات وأهل الأرضين من المؤمنين.
وخطبته الزهراء:
الحمد لله الذي هو أول كل شيء ووليه، وكل شيء خاشع له، وكل شيء قائم به، وكل شيء ضارع إليه، وكل شيء مستكين له؛ خشعت له الأصوات، وكلّت دونه الصفات، وضلت دونه الأوهام، وحارت دونه الأحلام، وانحسرت دونه الأبصار لا يقضي في الأمور غيره، ولا يتم شيء دونه، سبحانه ما أجل شأنه، وأعظم سلطانه! تسبح له السموات العلى، ومن في الأرض السفلى، له التسبيح والعظمة والملك والقدرة، والحول والقوة، يقضي بعلم ويعفو بحلم؛ قوة كلّ ضعيف، ومفزع كل ملهوف وعزّ كلّ ذليل، ووليّ كل نعمة، وصاحب كلّ حسنة، وكاشف كل كربة المطّلع على كل خفيّة، المحصي كلّ سريرة، يعلم ما تكنّ الصدور، وما ترخى عليه الستور؛ الرحيم بخلقه، الرؤوف بعباده؛ من تكلم منهم سمع كلامه، ومن سكت منهم علم ما في نفسه، ومن عاش منهم فعليه رزقه، ومن مات منهم فإليه مصيره؛ أحاط بكل شيء علمه وأحصى كل شيء حفظه، اللهم لك الحمد عدد ما تحيي وتميت، وعدد أنفاس خلقك ولفظهم ولحظ أبصارهم، وعدد ما تجري به الريح وتحمله السحاب، ويختلف به الليل والنهار، ويسير به الشمس والقمر والنجوم- حمدا لا ينقضي عدده، ولا يفنى أمده: اللهم أنت قبل كل شيء، وإليك مصير كل شيء، وتكون بعد هلاك كل شيء وتبقى ويفنى كلّ شيء، وأنت وارث كلّ شيء، أحاط علمك بكلّ شيء، وليس يعجزك شيء، ولا يتوارى عنك شيء، ولا يقدر أحد قدرتك، ولا يشكرك أحد حقّ شكرك، ولا تهتدي العقول لصفتك، ولا تبلغ
стр. 1263
الأوهام حدّك؛ حارت الأبصار دون النظر إليك، فلم ترك عين فتخبر عنك كيف أنت وكيف كنت. لا نعلم اللهم كيف عظمتك، غير أنا نعلم أنك حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، لم ينته إليك نظر، ولم يدركك بصر، ولا يقدر قدرتك ملك ولا بشر؛ أدركت الأبصار، وكتمت الآجال، وأحصيت الأعمال، وأخذت بالنواصي والأقدام، لم تخلق الخلق لحاجة ولا لوحشة ملأت كلّ شيء عظمة، فلا يردّ ما أردت، ولا يعطى ما منعت، ولا ينقص سلطانك من عصاك، ولا يزيد في ملكك من أطاعك؛ كلّ سرّ عندك علمه، وكل غيب عندك شاهده؛ فلم يستتر عنك شيء، ولم يشغلك شيء عن شيء، وقدرتك على ما تقضي، كقدرتك على ما قضيت، وقدرتك على القوي كقدرتك على الضعيف وقدرتك على الأحياء كقدرتك على الأموات؛ فإليك المنتهى وأنت الموعد، لا منجى إلا إليك؛ بيدك ناصية كل دابة، وبإذنك تسقط كلّ ورقة؛ لا يعزب «١» عنك مثقال ذرة؛ أنت الحيّ القيوم؛ سبحانك! ما أعظم ما يرى من خلقك! وما أعظم ما يرى من ملكوتك! وما أقلهما فيما غاب عنا منه! وما أسبغ نعمتك في الدنيا وأحقرها في نعيم الآخرة! وما أشدّ عقوبتك في الدنيا وما أيسرها في عقوبة الآخرة! وما الذي نرى من خلقك، ونعتبر من قدرتك.
ونصف من سلطانك فيما يغيب عنا منه مما قصرت أبصارنا عنه وكانت عقولنا دونه، وحالت الغيوب بيننا وبينه، فمن قرع سنه وأعمل فكره كيف أقمت عرشك، وكيف ذرأت خلقك، وكيف علقت في الهواء سمواتك، وكيف مددت أرضك- يرجع طرفه حاسرا، وعقله مبهورا، وسمعه والها، وفكره متحيرا؛ فكيف يطلب علم ما قبل ذلك من شأنك إذ أنت وحدك في الغيوب التي لم يكن فيها غيرك، ولم يكن لها سواك؟ لا أحد شهدك حين فطرت «٢» الخلق، ولا أحد حضرك حين ذرأت «٣» النفوس، فكيف لا يعظم شأنك عند من عرفك، وهو يرى من خلقك ما ترتاع به عقولهم، ويملأ قلوبهم، من رعد تفزع له القلوب، وبرق يخطف الأبصار، وملائكة خلقتهم وأسكنتهم سمواتك، وليست فيهم فترة، ولا عندهم غفلة، ولا بهم معصية؛
стр. 1264
هم أعلم خلقك بك، وأخوفهم لك، وأقومهم بطاعتك، ليس يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول؛ لم يسكنوا الأصلاب، ولم تضمّهم الأرحام؛ أنشأتهم إنشاء، وأسكنتهم سمواتك، وأكرمتهم بجوارك، وائتمنتهم على وحيك، وجنبتهم الآفات، ووقيتهم السيئات، وطهرتهم من الذنوب؛ فلولا تقويتك لم يقووا، ولولا تثبيتك لم يثبتوا، ولولا رهبتك لم يطيعوا، ولولاك لم يكونوا؛ أما إنهم على مكانتهم منك، ومنزلتهم عندك، وطول طاعتهم إياك- لو يعانون ما يخفي عليهم لاحتقروا أعمالهم، ولعلموا أنهم لم يعبدوك حقّ عبادتك؛ فسبحانك خالقا ومعبودا ومحمودا، بحسن بلائك عند خلقك! أنت خلقت ما دبرته مطعما ومشربا، ثم أرسلت داعيا إلينا، فلا الداعي أجبنا، ولا فيما رغّبتنا فيه رغبنا، ولا إلى ما شوّقتنا إليه اشتقنا؛ أقبلنا كلنا على جيفة نأكل منها ولا نشبع وقد زاد بعضنا على بعض حرصا لما يرى بعضنا من بعض، فافتضحنا بأكلها واصطلحنا على حبها، فأعمت أبصار صالحينا وفقهائنا، فهم ينظرون بأعين غير صحيحة، ويسمعون بآذان غير سميعة، فحيثما زالت زالوا معها، وحيثما مالت أقبلوا إليها، وقد عاينوا المأخوذين على الغرّة كيف فجأتهم الأمور، ونزل بهم المحذور، وجاءهم من فراق الأحبة ما كانوا يتوقعون، وقدموا من الآخرة ما كانوا يوعدون: فارقوا الدنيا وصاروا إلى القبور، وعرفوا ما كانوا فيه من الغرور، فاجتمعت عليهم حسرتان: حسرة الفوت «١» وحسرة الموت، فاغبرت لها وجوههم وتغيرت بها ألوانهم، وعرقت بها جباههم، وشحصت أبصارهم، وبردت أطرافهم، وحيل بينهم وبين المنطق، وإن أحدهم لبين أهله، ينظر ببصره، ويسمع بأذنه؛ ثم زاد الموت في جده حتى خالط بصره، فذهبت من الدنيا معرفته، وهلكت عند ذلك حجته، وعاين هول أمر كان مغطى عليه فأحدّ لذلك بصره؛ ثم زاد الموت في جده حتى بلغت نفسه الحلقوم، ثم خرج من جسده فصار جسدا ملقى لا يجيب داعيا، ولا يسمع باكيا؛ فنزعوا ثيابه وخاتمه، ثم وضّئوه وضوء الصلاة، ثم غسلوه وكفنوه إدراجا في أكفانه وحنطوه، ثم حملوه إلى قبره، فدلوه في حفرته، وتركوه
стр. 1265
مخلى بمفظعات من الأمور، وتحت مسألة منكر ونكير، مع ظلمة وضيق ووحشة قبر، فذاك مثواه حتى يبلى جسده ويصير ترابا؛ حتى إذا بلغ الأمر إلى مقداره، وألحق آخر الخلق بأوله، وجاءه أمر من خالقه، أراد به تجديد خلقه- أمر بصوت من سمواته فمارت السموات مورا «١» ، وفزع من فيها، وبقي ملائكتها على أرجائها، ثم وصل الأمر إلى الأرض، والخلق رفات لا يشعرون فأرج أرضهم وأرجفها وزلزلها، وقلع جبالها ونسفها وسيّرها، ودكّ بعضها بعضا من هيبته وجلاله، وأخرج من فيها فجدّدهم بعد بلائهم، وجمعهم بعد تفرّقهم، يريد أن يحصيهم ويميزهم، فريقا في ثوابه، وفريقا في عقابه، فخلد الأمر لأبده، دائما خيره وشره، ثم لم ينس الطاعة من المطيعين، ولا المعصية من العاصين، فأراد أن يجازي هؤلاء، وينتقم من هؤلاء، فأثاب أهل الطاعة بجواره، وحلول داره، وعيش رغد، وخلود أبد، ومجاورة للرب، وموافقة محمد ﷺ ، حيث لا ظعن ولا تغيّر؛ وحيث لا تصيبهم الأحزان، ولا تعترضهم الأخطار؛ ولا تشخصهم «٢» الأسفار؛ وأما أهل المعصية فخلدهم في النار، وأوثق منهم الأقدام وغلّ منهم الأيدي إلى الأعناق؛ في لهب قد اشتد حره، ونار مطبقة على أهلها لا يدخل عليها بها روح، همّهم شديد، وعذابهم يزيد، ولا مدة للدار تنقضي، ولا أجل للقوم ينتهي.
اللهم إني أسألك بأن لك الفضل والرحمة بيدك، فأنت وليهما لا يليهما أحد غيرك، وأسألك باسمك لمخزون المكنون، الذي قام به عرشك وكرسيّك وسمواتك وأرضك، وبه ابتدعت خلقك- الصلاة على محمد، والنجاة من النار برحمتك، آمين؛ إنك وليّ كريم.
وخطب أيضا فقال: أيها الناس احفظوا عني خمسا فلو شددتم إليها المطايا حتى تنضوها لم تظفروا بمثلها: ألا لا يرجونّ أحدكم إلا ربّه، ولا يخافنّ إلا ذنبه ولا يستحي أحدكم إذا لم يعلم أن يتعلم، وإذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، ألا وإن
стр. 1266
الخامسة الصبر، فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ من لا صبر له لا إيمان له، ومن لا رأس له لا جسد له: ولا خير في قراءة إلا بتدبّر ولا في عبادة إلا بتفكّر، ولا في حلم إلا بعلم؛ ألا أنبئكم بالعالم كل العالم؟ من لم يزين لعباد الله معاصي الله، ولم يؤمّنهم مكره، ولم يؤيسهم من روحه. لا تنزلوا المطيعين الجنة ولا المذنبين الموحدين النار حتى يضي الله فيهم بأمره؛ ولا تأمنوا على خير هذه الأمة عذاب الله؛ فإنه يقول: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
«١» ولا تقنطوا شر هذه الأمة من رحمة الله، ف إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
«٢» .
ومن كلامه رضوان الله عليه: قال ابن عبّاس: لما فرغ عليّ بن أبي طالب ﵁ من وقعة الجمل، دعا بآجرّتين فعلاهما، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
يا أنصار المرأة وأصحاب البهيمة! رغا فأجبتم وعقر فهربتم؛ دخلت شرّ بلاد [أقربها من الماء، و] أبعدها من السماء. بها يغيض كل ماء، ولها شرّ أسماء: هي البصرة، والبصيرة، والمؤتفكة، وتدمر. أين ابن عبّاس؟ فدعيت. فقال لي: مر هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الذي أمرت أن تقرّ فيه.
وتمثل علي بن أبي طالب ﵁ بعد الحكمين:
زللت فيكم زلّة فأعتذر ... سوف أكيس بعدها وأشتمر «٣»
وأجمع الأمر الشّتيت المنتشر
خطب معاوية
قال القحذمي: لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقّاه رجال قريش فقالوا: الحمد لله الذي أعز نصرك، وأعلى كعبك. قال: فوالله ما ردّ عليهم شيئا حتى صعد المنبر؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
стр. 1267
أما بعد فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرّة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة، ولقد رضت لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة، وأردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفارا شديدا؛ وأردتها مثل ثنيّات «١» عثمان، فأبت عليّ؛ فسلكت بها طريق لي ولكم فيه منفعة: مؤاكلة حسنة، ومشاربة جميلة؛ فإن لم تجدوني خيركم فإني خير لكم ولاية؛ والله لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يستشفى به القائل بلسانه، فقد جعلت ذلك له دبر أذني وتحت قدمي؛ وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فاقبلوا مني بعضه، فإن أتاكم مني خير فاقبلوه، فإن السيل إذا زاد عنّى، وإذا قلّ أغنى «٢» ؛ وإياكم والفتنة، فإنها تفسد المعيشة، وتكدّر النعمة. ثم نزل.
خطبة أيضا لمعاوية
حمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي ﷺ ، ثم قال:
أما بعد، أيها الناس، إنا قدمنا عليكم، وإنما قدمنا على صديق مستبشر، أو على عدو مستتر، وناس بين ذلك ينظرون وينتظرون فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ
«٣» ولست واسعا كلّ الناس؛ فإن كانت محمدة فلا بدّ من مذمة، فلونا هونا إذا ذكر غفر؛ وإياكم والتي إن أخفيت أو بقت، وإن ذكرت أوثقت. ثم نزل.
وخطبة أيضا لمعاوية
صعد منبر المدينة، فحمد الله وأثنى، ثم قال:
يا أهل المدينة، إني لست أحب أن تكونوا خلقا كخلق العراق؛ يعيبون الشيء وهم فيه، كل امرىء منهم شيعة نفسه، فاقبلونا بما فينا فإن ما وراءنا شرّ لكم، وإن
стр. 1268
معروف زماننا هذا منكر زمان قد مضى، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت، ولو قد أتى فالرّتق خير من الفتق، وفي كلّ بلاغ، ولا مقام على الرزية.
وخطبة لمعاوية أيضا
قال العتبي: خطب معاوية الجمعة في يوم صائف شديد الحر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ ، ثم قال:
إن الله خلقكم فلم ينسكم، ووعظكم فلم يهملكم، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
«١» . قوموا إلى صلاتكم.
ومما ذكر لعبيد الله بن زياد عند معاوية
قال ابن دأب: لما قدم عبيد الله بن زياد على معاوية بعد هلاك زياد فوجده لاهيا عنه أنكره، فجعل يتصدّى له بخلوة ليسبر من رأيه ما كره أن يشرك به عمله، فاستأذن عليه بعد انصداع الطّلاب وإشغال «٢» الخاصة وافتراق العامة، وهو يوم معاوية الذي كان يخلو فيه بنفسه، ففطن معاوية لما أراد، فبعث إلى ابنه يزيد، وإلى مروان بن الحكم، وإلى سعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحكم، وعمرو بن العاص، فلما أخذوا مجالسهم أذن له، فسلم ووقف واجما يتصفح وجوه القوم، ثم قال:
صريح العقوق مكاتمة الأدنين، لا خير في اختصاص وإن وفر «٣» ، أحمد الله إليكم على الآلاء «٤» ، وأستعينه على اللأواء»
، وأستهديه من عمى مجهد، وأستعينه على عدو مرصد، وأشهد أن لا إله إلا الله المنقذ بالأمين الصادق من شقاء هاو، ومن غواية غاو، وصلوات الله على الزكي، نبيّ الرحمة، ونذير الأمّة، وقائد الهدى؛ أمّا بعد يا أمير المؤمنين، فقد عسف بنا ظنّ فرّع «٦» ، وفزع صدّع، حتى طمع السحيق،
стр. 1269
وبئس الرفيق، ودب الوشاة بموت زياد، فكلهم متحفّز للعداوة، وقد قلّص الإزرة «١» ، وشمّر عن عطافه «٢» ، ليقول؛ مضى زياد بما استلحق به، وولّى على الدنية من مستلحقه. فليت أمير المؤمنين سلم في دعته، وأسلم زيادا في ضعته، فكان ترب عامّته، وواحد رعيّته، فلا تشخص إليه عين ناظر ولا أصبع مشير، ولا تذلق «٣» عليه ألسن كلمته حيا ونبشته ميتا، فإن تكن يا أمير المؤمنين حاببت زيادا بولاء رفات، ودعوة أموات، فقد حاباك زياد بجدّ هصور وعزم جسور، حتى لانت شكائم الشّرس، وذلت صعبة الأشوس، وبذل لك يا أمير المؤمنين يمينه ويساره، تأخذ بهما المنيع، وتقهر بهما البزيع «٤» ، حتى مضى والله يغفر له؛ فإن يكن زياد أخذ بحق فأنزلنا منازل الأقربين يا أمير المؤمنين نمشي الضّرّاء «٥» وندبّ الخفاء «٦» ، ولنا من خيرك أكمله، وعليك من حوبنا «٧» أثقله، وقد شهد القوم، وما ساءني قربهم ليقرّوا حقا، ويردّوا باطلا؛ فإنّ للحقّ منارا واضحا، وسبيلا قصدا؛ فقل يا أمير المؤمنين بأي أمريك شئت، فما نأرز «٨» إلى غير جحرنا، ولا نستكثر بغير حقنا، وأستغفر الله لي ولكم.
قال: فنظر معاوية في وجوه القوم كالمتعجب، فتصفّحهم بلحظه رجلا رجلا وهو متبسم، ثم اتجه تلقاءه وعقد حبوته وحسر عن يده وجعل يوميء بها نحوه، ثم قال معاوية:
الحمد لله على ما نحن فيه؛ فكل خير منه، وأشهد أن لا إله إلا الله؛ فكل شيء خاضع له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، دلّ على نفسه بما بان عن عجز الخلق أن يأتوا بمثله، فهو خاتم النبيين، ومصدّق المرسلين، وحجة رب العالمين، صلوات الله عليه وسلامه وبركاته، أمّا بعد، فرب خير مستور، وشر مذكور، وما هو إلا السهم الأخيب لمن طار به، والحظ المرغب لمن فاز به، فيهما التفاضل، وفيهما التغابن، وقد
стр. 1270
صفقت يداي في أبيك صفقة «١» ذي الخلة من ضوارع «٢» الفصلان، عامل اصطناعي له بالكفر لما أوليته، فما رميت به إلا انتصل «٣» ، ولا انتضيته إلا غلّق جفنه، وزلّت شفرته، ولا قلت إلا عاند، ولا قمت إلا قعد، حتى اخترمه الموت، وقد أوقع بختره «٤» ، ودل على حقده، وقد كنت رأيت في أبيك رأيا حضره الخطل، والتبس به الزلل، فأخذ مني بحظ الغفلة، وما أبريء نفسي، إنّ النفس لأمّارة بالسوء؛ فما برحت هناة أبيك تحطب في جبل القطيعة حتى انتكث المبرم. وانحل عقد الوداد. فيا لها توبة تؤتنف من حوبة «٥» أورثت ندما أسمع بها الهاتف وشاعت للشامت؛ فليهنأ الواصم «٦» ما به احتقر؛ وأراك تحمد من أبيك جدا وجسورا: هما أوفيا به على شرف التقحم. وغمط النعمة؛ فدعهما فقد أذكرتنا منه ما زهّدنا فيك من بعده، وبهما مشيت الضرّاء ودببت الخفاء؛ فاذهب إليك، فأنت نجل الدّغل «٧» ، وعترة النّغل؛ والأخر شرّ.
فقال يزيد: يا أمير المؤمنين، إنّ للشاهد غير حكم الغائب، وقد حضرك زياد، وله مواطن معدودة بخير، لا يفسدها التظنّي ولا تغّيرها التهم، وأهلوه أهلوك التحقوا بك، وتوسطوا شأنك، فسافرت به الرّكبان، وسمعت به أهل البلدان، حتى اعتقده الجاهل، وشك فيه العالم، فلا يتحجّر يا أمير المؤمنين ما قد اتسع، وكثرت فيه الشهادات، وأعانك عليه قوم آخرون.
فانحرف معاوية إلى من معه فقال: هذا، وقد نفس عليه «٨» ببيعته، وطعن في إمرته، يعلم ذلك كما أعلمه؛ يا للرجال من آل أبي سفيان! لقد حكموا وبذّهم يزيد وحده.
ثم نظر إلى عبيد الله فقال: يا ابن أخي، إني لأعرف بك من أبيك، وكأني بك
стр. 1271
في غمرة لا يخطوها السابح؛ فالزم ابن عمك، فإنّ لما قال حقا.
فخرجوا، ولزم عبيد الله يزيد يرد مجلسه ويطأ عقبه أياما، حتى رمى به معاوية إلى البصرة واليا عليها. ثم لم تزل توكسه أفعاله حتى قتله الله بالخازر «١» .
وخطبة لمعاوية أيضا
قال الهيثم بن عدي: لما حضرت معاوية الوفاة ويزيد غائب، دعا بمسلم بن عقبة المرّي، والضحاك بن قيس الفهري، وقال لهما: أبلغا عني يزيد وقولا له: انظر أهل الحجاز فهم عصابتك وعترتك فمن أتاك منهم فأكرمه ومن قعد عنك فتعاهده؛ وانظر أهل العراق، فإن سألوك عزل عامل في كل يوم فاعزله عنهم، فإن عزل عامل واحد أهون عليك من سلّ مائة ألف سيف، ثم لا ندري علام أنت عليه منهم؛ ثم انظر أهل الشام، فاجعلهم الشعار دون الدّثار، فإن رابك من عدوّ ريب فارمه بهم فإن أظفرك الله فاردد أهل الشام إلى بلادهم، لا يقيموا في غير بلادهم فيتأدبوا بغير آدابهم؛ ولست أخاف عليك غير عبد لله بن عمر، وعبد الله بن الزبير. والحسين بن علي؛ فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذه «٢» الورع، وأما الحسين فأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه وأما ابن الزبير فإنه خب ضب «٣» ، فإن ظفرت به فقطعه إربا إربا.
ومات معاوية؛ فقام الضحاك بن قيس خطيبا فقال:
إن أمير المؤمنين كان أنف العرب، وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها ومخلّون بينه وبين ربه: فمن أراد حضوره بعد الظهر فليحضر.
وصلى عليه الضحاك. ثم قدم يزيد؛ فلم يقدم أحد على تعزيته حتى دخل عليه عبد الله بن همام فأنشأ يقول:
стр. 1272
اصبر يزيد فقد فارقت ذا مقة ... واشكر حباء الذي بالملك حاباكا
لارزء أعظم في الأقوام قد علموا ... ممّا رزئت ولا عقبى كعقباكا
أصبحت راعي أهل الدين كلّهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف ... أمّا نعيت فلا يسمع بمنعاكا
قال فانفتح الخطباء بالكلام.
وخطبة أيضا لمعاوية
ولما مرض معاوية مرض وفاته قال لمولى له: من بالباب؟ قال: نفر من قريش يتباشرون بموتك! قال: ويحك! لم؟ فوالله ما لهم بعدي إلا الذي يسوءهم وأذن للناس فدخلوا، فحمد الله وأثنى عليه وأوجز، ثم قال:
أيها الناس، إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوّف قارعة حتى تحل بنا، فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، وكلال حده، ونضيض وفره؛ ومنهم المصلت لسيفه، المجلب برجله، المعلن بشرّه؛ قد أشرط «١» نفسه، وأوبق دينه «٢» : لحطام ينتهزه، أو مقنب «٣» يقوده، أو منبر يفرعه «٤» ؛ ولبئس المتجر أن تراهما لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله عوضا- ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا؛ قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر عن ثوبه، وزخرف نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية؛ ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرت به الحال عن أمله؛ فتحلى باسم القناعة، وتزيّا بلباس الزهادة؛ وليس من ذلك في مراح ولا مغدى؛ وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم
стр. 1273
خوف المضج؛ فهم بين شريد باد، وبين خائف منقمع وساكت مكعوم «١» ، وداع مخلص، وموجع ثكلان؛ قد أخملتهم التّقيّة، وشملتهم الذلة؛ فهم في بحر أجاج؛ أفواههم ضامرة، وقلوبهم قرحة؛ قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا؛ وقتلوا حتى قلّوا؛ فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ «٢» ، وقراضة الجلمين؛ واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة، فقد رفضت من كان أشغف بها منكم.
وليزيد بن معاوية بعد موت أبيه
الحمد لله الذي ما شاء صنع، من شاء أعطى ومن شاء منع، ومن شاء خفض ومن شاء رفع. إن أمير المؤمنين كان حبلا من حبال الله، مدّه ما شاء أن يمده، ثم قطعه حين أراد أن يقطعه؛ وكان دون من قبله، وخيرا مما يأتي بعد، ولا أزكّيه عند ربه وقد صار إليه؛ فإن يعف عنه فبرحمته، وإن يعاقبه فبذنبه؛ وقد وليت بعده الأمر، ولست أعتذر من جهل، ولا أني على طلب علم؛ وعلى رسلكم «٣» إذا كره الله شيئا غيره؛ وإذا أحب شيئا يسّره.
وخطبة ليزيد أيضا
الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا؛ من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، اصطفاه لوحيه، واختاره لرسالته، بكتاب فصّله وفضّله، وأعزّه وأكرمه، ونصره وحفظه؛ ضرب فيه الأمثال، وحلّل فيه الحلال وحرّم فيه الحرام وشرع فيه الدين إعذارا وإنذارا: لئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل، ويكون بلاغا لقوم عابدين.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله العظيم الذي ابتدأ الأمور بعلمه وإليه يصير معادها،
стр. 1274
وانقطاع مدتها، وتصرم دارها. ثم إني أحذّركم الدنيا. فإنها حلوة خضرة، حفّت بالشهوات، وراقت بالقليل، وأينعت بالفاني، وتحببت بالعاجل. لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجيعتها، أكّالة عوّالة غرّارة. لا تبقي على حال. ولا يبقى لها حال. لن تعدو الدنيا- إذا تناهت إلى أمنّية أهل الرغبة فيها. والرضا بها- أن تكون كما قال الله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
«١» . نسأل الله ربّنا وإلهنا وخالقنا ومولانا أن يجعلنا وإياكم من فزع يومئذ آمنين.
إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله، يقول الله: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
«٢» . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
«٣» .
خطب بني مروان
خطبة عبد الملك بن مروان
وكان عبد الملك بن مروان يقول في آخر خطبته: اللهم إن ذنوبي قد عظمت وجلّت أن تحصى، وهي صغيرة في جنب عفوك فاعف عني.
وخطب بمكة شرفها الله تعالى فقال في خطبته:
إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف- يعني عثمان- ولا بالخليفة المداهن يعني معاوية- ولا بالخليفة المأفون- يعني يزيد.
قال أبو إسحاق النظام: أما والله لولا نسبك من هذا المستضعف، وسببك من
стр. 1275
هذا المداهن؛ لكنت منها أبعد من العيّوق «١» . والله ما أخذتها بوراثة، ولا سابقة ولا قرابة، ولا بدعوى شورى، ولا بوصية.
خطبة الوليد بن عبد الملك
لما مات عبد الملك بن مروان، رجع الوليد من دفن عبد الملك لم يدخل منزله حتى دخل المسجد، ونادى في الناس: الصلاة جامعة! فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، لا مؤخّر لما قدّم الله، ولا مقدّم لما أخّر الله، وقد كان من قضاء الله وسابق علمه وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه من الموت، موت وليّ هذه الأمة، ونحن نرجو أن يصير إلى منازل الأبرار، للذي كان عليه من الشدة على المريب، واللين على أهل الفضل والدين، مع ما أقام من منار الإسلام وأعلامه، وحجّ هذا البيت، وغزو هذه الثغور، وشنّ الغارات على أعداء الله؛ فلم يكن فيها عاجزا، ولا وانيا، ولا مفرطا؛ فعليكم أيها الناس بالطاعة ولزوم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الفذ»
، وهو من الجماعة أبعد واعلموا أنه من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه. ثم نزل.
وخطب سليمان بن عبد الملك
فقال: الحمد لله، ألا إنّ الدنيا دار غرور، ومنزل باطل، تضحك باكيا، وتبكي ضاحكا، وتخيف آمنا، وتؤمّن خائفا، وتفقر مثريا، وتثري مقترا ميّالة، غرارة، لعّابة بأهلها. عباد الله، فاتخذوا كتاب الله إماما، وارتضوا به حكما. واجعلوه لكم قائدا. فإنه ناسخ لما كان قبله، ولم ينسخه كتاب [بعده] واعلموا عباد الله أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس ظلام الليل إذا عسعس «٣» .
وخطب عمر بن عبد العزيز ﵀ ورضي عنه
قال العتبي: أول خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز ﵀ قوله: أيها الناس
стр. 1276
أصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم، وأصلحوا آخرتكم تصلح دنياكم، وإن امرأ ليس بينه وبين آدم أب حي لمعرق في الموت.
وخطبة له ﵀
وإن لكل سفر زادا لا محالة. فتزودوا [لسفركم] من دنياكم لآخرتكم التقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من ثوابه وعقابه، فرهبوا ورغبوا. ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوّكم. فإنه ما بسط أمل من لا يدري لعله لا بصبح بعد إمسائه أو يمسي بعد إصباحه. وربما كانت بين ذلك خطرات المنايا، وإنما يطمئن إلى الدنيا من أمن عواقبها. فإنّ من يداوي من الدنيا كلما أصابته جراحة من ناحية أخرى، فكيف يطمئن إليها؟ أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي؛ فنخسر صفقتي، وتظهر عيلتي، وتبدو مسكنتي، في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق.
ثم بكى وبكى الناس معه.
خطبة لعمر بن عبد العزيز أيضا
شبيب بن شيبة عن أبي عبد الملك قال كنت من حرس الخلفاء قبل عمر، فكنا نقوم لهم ونبدؤهم بالسلام؛ فخرج علينا عمر ﵁ في يوم عيد وعليه قميص كتان وعمامة على قلنسوة لاطئة «١» ، فمثلنا بين يديه وسلمنا عليه، فقال: مه! أنتم جماعة وأنا واحد؛ السلام عليّ والردّ عليكم، وسلم، فرددنا، وقرّبت له دابته، فأعرض عنها، ومشى ومشينا حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: وددت أنّ أغنياء الناس اجتمعوا فردّوا على فقرائهم، حتى نستوي نحن بهم، وأكون أنا أولهم. ثم قال: مالي وللدنيا؟ أم مالي ولها وتكلم فأرقّ حتى بكى الناس جميعا يمينا وشمالا، ثم قطع كلامه ونزل؛ فدنا منه رجاء بن حيوة
стр. 1277
فقال له: يا أمير المؤمنين، كلمت الناس بما أرقّ قلوبهم وأبكاهم، ثم قطعته أحوج ما كانوا إليه؛ فقال: يا رجاء، اني أكره المباهاة.
خطبة عبد الله بن الأهتم بين يدي عمر بن عبد العزيز
ودخل عبد الله بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز مع العامة، فلم يفجأ إلا وهو قائم بين يديه يتكلم؛ فحمد الله وأثنى عليه وقال:
أما بعد، فإن الله خلق الخلق غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم؛ والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون، والعرب بشر تلك المنازل؛ أهل الوبر وأهل المدر، تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاهة عيشها؛ ميّتهم في النار وحيهم أعمى، مع ما لا يحصى من المرغوب عنه والمزهود فيه؛ فلما أراد الله أن ينشر فيهم رحمته، بعث إليهم رسولا منهم عزيزا عليه ما عنتوا حريصا عليهم، بالمؤمنين رؤوف رحيم؛ فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه، ولقبوه في اسمه، ومعه كتاب من الله ناطق، لا يرحل إلا بأمره، ولا ينزل إلا بإذنه، واضطروه إلى بطن غار؛ فلما أمر بالعزيمة أسفر لأمر الله لونه، فأفلج الله حجته، وأعلى كلمته، وأظهر دعوته. وفارق الدنيا تقيا ﷺ .
ثم قام من بعده أبو بكر ﵁، فسلك سنّته وأخذ سبيله؛ وارتدّت العرب فلم يقبل منهم إلا الذي كان رسول الله ﷺ يقبله؛ فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيران في شعلها، ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل، فلم يبرح يفصل أوصالهم ويسقي الأرض دماءهم، حتى أدخلهم في الباب الذي خرجوا منه، وقرّرهم بالأمر الذي نفروا منه؛ وقد كان أصاب من مال الله بكرا «١» يرتوي عليه. وحبشية ترضع ولدا له؛ فرأى ذلك غصّة في حلقه عند موته، وثقلا على كاهله، فأدّاه إلى الخليفة من بعده وبريء إليهم منه، وفارق الدنيا تقيا نقيا على منهاج صاحبه.
ثم قام من بعده عمر بن الخطاب ﵁؛ فمصر الأمصار، وخلط الشدة
стр. 1278
باللين، وحسر عن ذراعيه، وشمر عن ساقيه، واعد للأمور أقرانها وللحرب آلتها، فلما أصابه قنّ «١» المغيرة بن شعبة، أمر ابن العباس أن يسأل الناس هل يثبتون قاتله؟
فلما قيل له قنّ المغيرة استهل «٢» بحمد الله أن لا يكون أصابه من له حق في الفيء، فيستحل دمه بما استحل من حقه؛ وقد كان أصاب من مال الله بضعة وثمانين ألفا فكسر بها رباعه «٣» ، وكره بها كفالة أهله وولده، فأدّى ذلك إلى الخليفة من بعده، وفارق الدنيا تقيا نقيا على منهاج صاحبه.
ثم إنّا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع أعوج، ثم إنك يا عمر ابن الدنيا ولدتك ملوكها، وألقمتك ثديها، فلما وليتها ألقيتها وأحببت لقاء الله وما عنده؛ فالحمد لله الذي جلا بك حوبتنا، وكشف بك كربتنا. امض ولا تلتفت، فإنه لا يغني عن الحق شيء، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين وللمؤمنات.
ولما قال: ثم إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع أعوع. سكت الناس كلهم غير هشام، فإنه قال: كذبت!
وخطبة أيضا لعمر بن عبد العزيز
قال أبو الحسن: خطب عمر بن عبد العزيز بخناصرة «٤» خطبة لم يخطب بعدها حتى مات، ﵀. حمد الله وأثني عليه، ثم قال:
أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا، ولم تتركوا سدى؛ وإن لكم معادا يحكم الله بينكم فيه، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، واعلموا أن الأمان غدا لمن خاف اليوم وباع قليلا بكثير، وفانيا بباق، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلّفها من بعدكم الباقون [كذلك] حتى تردوا إلى خير الوارثين؛ ثم إنكم في كل يوم تشيّعون غاديا ورائحا
стр. 1279
إلى الله، قد قضى نحبه، وبلغ أجله، ثم تغيّبونه في صدع من الأرض، ثم تدعونه غير موسّد ولا ممهّد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب وواجه الحساب، [مرتهنا بعمله] ، غنيا عما ترك، فقيرا إلى ما قدّم؛ وايم الله إني لا أقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم [من الذنوب] أكثر مما عندي، فأستغر الله لي ولكم، وما تبلغنا [عن أحد منكم] حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها، ولا أحد منكم إلا ووددت أن يده مع يدي ولحمتي الذين يلونني، حتى يستوي عيشنا وعيشكم؛ وايم الله إني لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان به ناطقا ذلولا، عالما بأسبابه؛ ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة، دل فيها على طاعته، ونهى عن معصيته.
ثم بكى، فتلقى دموع عينيه بردائه؛ فلم ير بعدها على تلك الأعواد حتى قبضه الله تعالى.
خطبة يزيد بن الوليد حين قتل الوليد بن يزيد
بقيّ بن مخلد قال: حدّثني خليفة بن خياط، قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم قال:
حدّثني إبراهيم بن إسحق أن يزيد بن الوليد لما قتل الوليد بن يزيد قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، إني ما خرجت أشرا ولا بطرا، ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك؛ وما بي إطراء نفسي ولا تزكية عملي، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، ولكني خرجت غضبا لله ودينه، وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه، حين درست «١» معالم الهدى، وطفيء نور أهل التقوى، وظهر الجبار العنيد المستحيل الحرمة، والراكب البدعة والمغيّر السنة، فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيتكم ظلمة لا تقتلع، على كثير من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم. وأشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه، فيجيبه من أجابه منكم؛ فاستخرت الله في
стр. 1280
أمري، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي؛ وهو ابن عمي في نسبي، وكفئي في حسبي؛ فأراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد، ولاية من الله وعونا بلا حول منا ولا قوة، ولكن بحول الله وقوته وولايته وعونه.
أيها الناس. إن لكم عليّ إن وليت أموركم أن لا أضع لبنة على لبنة ولا حجرا على حجر، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسد فقره [وخصاصة أهله] ، وأقيم مصالحه، بما يحتاجون إليه ويقوون به؛ فإن فضل شيء رددته إلى البلد الذي يليه وهو من أحوج البلدان إليه، حتى تستقيم المعيشة بين المسلمين وتكونوا فيه سواء، ولا أجمّركم «١» في بعوثكم فتفتقدوا وتفتتن أهاليكم؛ فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم به، وإن ملت فلا بيعة لي عليكم؛ وإن رأيتم أحدا أقوى عليها مني فأردتم بيعته، فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
خطب بني العباس
العتبي قال: قيل لمسلمة بن هلال العبدي: خطبنا جعفر بن سليمان الهاشمي خطبة لم يسمع أحسن منها، وما درينا أوجهه كان أحسن أم كلامه! قال: أولئك قوم بنور الخلافة يشرقون، وبلسان النّبوة ينطقون.
خطبة أبي العباس السفاح بالشام
خطب أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي، لما قتل مروان بن محمد قال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ
«٢» نكص بكم يا أهل الشام آل حرب وآل مروان، يتسكعون بكم الظلم، ويتهوّرون بكم مداحض الزلق، يطئون بكم حرم الله وحرم رسوله. ماذا يقول
стр. 1281
زعماؤكم غدا؟ يقولون: رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ
«١» إذا يقول الله : لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ
«٢» أما أمير المؤمنين فقد ائتنف «٣» بكم التوبة، واغتفر لكم الزّلة، وبسط لكم الإقامة، وعاد بفضله على نقصكم وبحلمه على جهلكم، فلتفرخ روعكم ولتطمئن به داركم، وليقطع مصارع أوائلكم فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.
خطب المنصور
خطب أبو جعفر المنصور، واسمه عبد الله بن محمد بن علي. لما قتل الأمويين، فقال:
أحرز لسان رأسه. انتبه امرؤ لحظه. نظر امرؤ في يومه لغده؛ فمشى القصد وقال الفصل، وجانب الهجر.
ثم أخذ بقائم سيفه، فقال: أيها الناس، إن بكم داء هذا دواؤه، وأنا زعيم لكم بشفائه؛ فليعتبر عبد قبل أن يعتبر به: فإنما بعد الوعيد الإيقاع وإنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله.
خطبة المنصور حين خروجه إلى الشام
شنشنة «٤» أعرفها من أخزم ... من يلق أبطال الرجال يكلم
مهلا مهلا زوايا الإرجاف «٥» وكهوف النفاق عن الخوض فيما كفيتم، والتخطي إلى ما حذّرتم، قبل أن تتلف نفوس، ويقلّ عدد، ويدول عز؛ وما أنتم وذاك؟ ألم تجدوا ما وعد ربّكم من إيراث المستضعفين من مشارق الأرض ومغاربها حقا؟ والجحد «٦»
стр. 1282
الجحد، ولكن خب كامن، وحسد مكمد، فبعدا للقوم الظالمين.
وخطب أيضا
قال يعقوب بن السكيت: خطب أبو جعفر المنصور يوم جمعة، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس اتقوا الله ...
فقام إليه رجل فقال: أذكّرك من ذكرتنا به يا أمير المؤمنين.
قال أبو جعفر: سمعا سمعا لمن فهم عن الله وذكّر به، وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه فتأخذني العزة بالإثم؛ لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. وأما أنت- والتفت إلى الرجل فقال- والله ما الله أردت بها، ولكن ليقال: قام فقال فعوقب فصبر! وأهون بها! [ويلك] لو كانت العقوبة [فاهتبلها إذ عفرت] ؛ وأنا أنذركم أيها الناس أختها؛ فإن الموعظة علينا نزلت، وفينا انبثت.
ثم رجع إلى موضعه من الخطبة.
وخطبة أيضا للمنصور بمكة
وخطب بمكة فقال أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده؛ وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه؛ فقد جعلني الله عليه قفلا، إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم؛ فإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني؛ فارغبوا إلى الله وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم من فضله ما أعلمكم به في كتابه إذ يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
«١» أن يوفقني للرساد وللصواب، وأن يلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1283
وخطبة لسليمان بن علي
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ
«١» قضاء مبرم، وقول فصل، ما هو بالهزل؛ الحمد لله الذي صدق عبده، وأنجز وعده، وبعدا للقوم الظالمين، الذين اتخذوا الكعبة غرضا، والفيء إرثا، والدين هزوا، وجعلوا القرآن عضين، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فكائن ترى من بئر معطّلة وقصر مشيد؛ ذلك بما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد؛ أمهلوا والله حتى نبذوا الكتاب، واضطهدوا العترة، ونبذوا السّنة، [وعندوا] واعتدوا، واستكبروا، وخاب كل جبار عنيد ثم أخذهم، فهل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟
خطبة عبد الملك بن صالح بن علي
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
«٢» يا أهل الشام: إن الله وصف إخوانكم في الدين وأشباهكم في الأجسام، فحذرهم نبيه محمدا ﷺ فقال: وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
«٣» . فقاتلكم الله أني تصرفون! جثث مائلة، وقلوب طائرة، تشبّون الفتن وتولون الدّبر إلا عن حرم الله فإنه دريئتكم، وحرم رسوله فإنه مغزاكم؛ أما وحرمة النبوة والخلافة، لتنفرن خفافا وثقالا، أو لأوسعنّكم إرغاما ونكالا.
وخطب صالح بن علي
يا أعضاد النفاق وعبد الضلالة، أغركم لين إبساسي وطول إيناسي «٤» ؛ حتى ظن جاهلكم أن ذلك لفلول حدّ، وفتور جدّ، وخور قناة! كذبت الظنون؛ إنها العترة
стр. 1284
بعضها من بعض، فإذا قد استوليتم العافية فعندي فصال وفطام وسيف يقدّ الهام، وإني أقول:
أغرّكم أنّي بأكرم شيمة ... رفيق وأنّي بالفواحش أخرق
ومثلي إذا لم يجز أحسن سعيه ... تكلم نعماه بديها فتنطق
لعمري! لقد فاحشتني فغلبتني ... هنيئا مريئا أنت بالفحش أرفق
وخطب داود بن علي بالمدينة
فقال: أيها الناس. حتّام يهتف بكم صريخكم؟ أما آن لراقدكم أن يهب من نومه؟
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
«١» ! أغركم الإمهال حتى حسبتموه الإهمال؟ هيهات منكم وكيف بكم والسوط في كفي والسيف مشهر:
حتى يبيد قبيلة فقبيلة ... ويعضّ كلّ مثقف بالهام «٢»
ويقمن ربات الخدور حواسرا ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام «٣»
خطبة داود بن علي بمكة
وخطب داود بن علي بمكة: شكرا شكرا! والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهرا ولا لنبتني فيكم قصرا، أظنّ عدوّ الله أن لن يظفر به، إذ مدّ له في عنانه، حتى عثر في فضل زمامه! فالآن عاد الأمر في نصابه، وطلعت الشمس من مشرقها، والآن تولّى القوس باريها، وعادت النبل إلى النّزعة، ورجع الأمر إلى مستقرّه، في أهل بيت نبيكم أهل الرأفة والرحمة، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا، ولا تجعلوا النّعم التي أنعم الله عليكم سببا إلى أن تتيح هلكتكم، وتزيل النّعم عنكم.
خطبة المهدي
الحمد لله الذي ارتضى الحمد لنفسه، ورضي به من خلقه، أحمده على آلائه،
стр. 1285
وأمجّده لبلائه، وأستعينه وأومن به، وأتوكل عليه توكّل راض بقضائه، وصابر لبلائه؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله إلى خلقه، وأمينه على وحيه؛ أرسله بعد انقطاع الرجاء، وطموس العلم، واقتراب من الساعة، إلى أمّة جاهلية، مختلفة أمية، أهل عداوة وتضاغن، وفرقة وتباين، قد استهوتهم شياطينهم، وغلب عليهم قرناؤهم، فاستشعروا الرّدى، وسلكوا العمى، يبشّر من أطاعه بالجنة وكريم ثوابها، وينذر من عصاه بالنار وأليم عقابها لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
«١» .
أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن الاقتصار عليها سلامة، والترك لها ندامة؛ وأحثّكم على إجلال عظمته، وتوقير كبريائه وقدرته، والانتهاء إلى ما يقرّب من رحمته وينجي من سخطه، وينال به ما لديه من كريم الثواب؛ وجزيل المآب؛ فاجتنبوا ما خوّفكم الله من شديد العقاب، وأليم العذاب، ووعيد الحساب؛ يوم توقفون بين يدي الجبار، وتعرضون فيه على النار يوم لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
«٢» ؛ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ.
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
«٣» ؛ يوم لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
«٤» ؛ يوم لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً؛ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
«٥» ؛ فإن الدنيا دار غرور، وبلاء وشرور، واضمحلال وزوال، وتقلّب وانتقال؛ قد أفنت من كان قبلكم، وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم؛ من ركض إليها صرعته، ومن وثق بها خانته؛ ومن أملها كذبته، ومن رجاها خذتله؛ عزّها وغناها فقر؛ والسعيد من تركها، والشقيّ فيها من آثرها،
стр. 1286
والمغبون فيها من باع حظّه من دار آخرته بها؛ فالله عباد الله والتوبة مقبولة، والرحمة مبسوطة؛ وبادروا بالأعمال الزكية في هذه الأيام الخالية قبل أن يؤخذ بالكظم «١» ، وتندموا فلا تقالون بالندم، في يوم حسرة وتأسّف وكآبة وتلهّف؛ يوم ليس كالأيام، وموقف ضنك المقام، إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله؛ يقول الله ﵎: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
«٢» .
أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم! بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ. كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ. ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
» .
أوصيكم عباد الله بما أوصاكم الله به، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه، وأرضى لكم طاعة الله، وأستغفر الله لي ولكم.
خطبة هارون الرشيد
الحمد لله؛ نحمده على نعمه، ونستعينه على طاعته، ونستنصره على أعدائه، ونؤمن به حقا، ونتوكل عليه مفوّضين إليه؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. بعثه الله على فترة من الرسل، ودروس من العلم، وإدبار من الدنيا، وإقبال من الآخرة؛ بشيرا بالنعيم المقيم؛ ونذيرا بين يدي عذاب أليم، فبلّغ الرسالة، ونصح الأمّة، وجاهد في الله، فأدّى عن الله وعده ووعيده حتى أتاه اليقين؛ فعلى النّبي من الله صلاة ورحمة وسلام.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله؛ فإن في التقوى تكفير السيئات، وتضعيف الحسنات، وفوزا بالجنة، ونجاة من النار؛ وأحذركم يوما تشخص فيه الأبصار، وتبلى فيه الأسرار، يوم البعث ويوم التغابن، ويوم التلاقي ويوم التنادي، يوم لا يستعتب من سيئة ولا يزداد من حسنة؛ يَوْمَ الْآزِفَةِ، إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما
стр. 1287
لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ، يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ
؛ ... وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
«١» .
عباد الله؛ إنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى؛ حصّنوا إيمانكم بالأمانة، ودينكم بالورع، وصلاتكم بالزكاة؛ فقد جاء في الخبر أن النبي ﷺ قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، ولا صلاة لمن لا زكاة له» . إنكم سفر مجتازون وأنتم عن قريب تنتقلون من دار فناء إلى دار بقاء؛ فسارعوا إلى المغفرة بالتوبة، وإلى الرحمة بالتقوى، وإلى الهدى بالأمانة، فإن الله تعالى ذكره أوجب رحمته للمتقين، ومغفرته للتائبين، وهداه للمنيبين؛ قال الله وقوله الحق:
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ
«٢» . وقال:
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
. وإياكم والأماني، فقد غرّت وأوردت وأبقت كثيرا حتى أكذبتهم مناياهم، فتناوشوا «٣» التوبة من مكان بعيد، وحيل بينهم وبين ما يشتهون؛ فأخبركم ربّكم عن المثلات فيهم، وصرّف الآيات، وضرب الأمثال، فرغّب بالوعد وقدّم إليكم الوعيد، وقد رأيتم وقائعه بالقرون الخوالي جيلا فجيلا، وعهدتم الآباء والأبناء والأحبة والعشائر باختطاف الموت إياهم من بيوتكم، ومن بين أظهركم، لا تدفعون عنهم، ولا تحولون دونهم، فزالت عنهم الدنيا، وانقطعت بهم الأسباب، فأسلمتهم إلى أعمالهم عند الموقف والحساب والعقاب لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
«٤» .
إنّ أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله؛ يقول الله : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
«٥» . أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم، بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
«٦» . آمركم بما أمركم الله به، وأنهاكم عما نهاكم
стр. 1288
الله عنه، وأستغفر الله لي ولكم.
[خطب المأمون]
خطبة المأمون في يوم الجمعة
الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه، ومستوجبه على خلقه؛ أحمده وأستعينه؛ وأومن به وأتوكل عليه؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله وحده، والعمل لما عنده، والتنجّز لوعده، والخوف لوعيده؛ فإنه لا يسلم إلا من اتقاه ورجاه، وعمل له وأرضاه.
فاتقوا الله عباد الله وبادروا آجالكم بأعمالكم؛ وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم ويفنى، وترحلوا عن الدنيا، فقد جدّ بكم، واستعدّوا للموت فقد أظلّكم، وكونوا كقوم صيح بهم فانتبهوا، وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا؛ فإن الله لم يخلقكم عبثا، ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به، وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة الواحدة لجديرة بقصر المدّة، وإن غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لجدير بسرعة الأوبة، وإن قادما يحل بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدّة، فاتقى عبد ربه ونصح نفسه وقدّم توبته وغلب شهوته، فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكّل به يزيّن له المعصية ليركبها، ويمنّيه التوبة ليسوّفها، حتى تهجم عليه منيته أغفل ما يكون عنها، فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة، أو تؤدّيه أيامه إلى شقوة؛ نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تقصّر به عن طاعة ربه غفلة، ولا يحل به بعد الموت فزعة، إنه سميع الدعاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، فعّال لما يريد.
خطبة المأمون يوم الأضحى
قال بعد التكبير والتحميد: إن يومكم هذا يوم أبان الله فضله، وأوجب تشريفه، وعظّم حرمته، ووفّق له من خلقه صفوته، وابتلى فيه خليله، وفدى فيه من الذبح
стр. 1289
العظيم نبيّه، وجعله خاتم الأيام المعلومات من العشر، ومقدّم الأيام المعدودات من النفر «١» ، يوم حرام من أيام عظام في شهر حرام، يوم الحج الأكبر، يوم دعا الله إلى مشهده، ونزل القرآن العظيم بتعظيمه، قال الله : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
«٢» فتقرّبوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم، وعظّموا شعائر الله، واجعلوها من طيّب أموالكم، وبصحة التقوى من قلوبكم، فإنه يقول: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
«٣» .
ثم التكبير والتحميد، والصلاة على النبي ﷺ والوصية بالتقوى ثم ذكر الموت، ثم قال:
وما من بعده إلا الجنة أو النار، عظم قدر الدارين، وارتفع جزاء العملين وطالت مدة الفريقين؛ الله الله، فوالله إنه الجدّ لا الّلعب، والحقّ لا الكذب. وما هو إلا الموت والبعث والميزان والحساب والصراط والقصاص والثواب والعقاب. فمن نجا يومئذ فقد فاز، ومن هوى يومئذ فقد خاب، الخير كلّه في الجنة، والشرّ كله في النار.
وخطبة المأمون في الفطر
قال بعد التكبير ولتحميد: ألا وإن يومكم هذا يوم عيد وسنّة، وابتهال ورغبة، يوم ختم الله به صيام شهر رمضان، وافتتح به حج بيته الحرام، فجعله [خاتمة الشهر، و] أول أيام شهور الحج، وجعله معقّبا لمفروض صيامكم، ومتنفّل قيامكم، أحلّ الله لكم في الطعام، وحرم عليكم فيه الصيام، فاطلبوا إلى الله حوائجكم، واستغفروه بتفريطكم. فإنه يقال: لا كبير مع ندم واستغفار، ولا صغير مع تماد وإصرار.
стр. 1290
ثم كبّر وحمد وذكر النبي ﷺ ، وأوصى بالبر والتقوى، ثم قال:
اتقوا الله عباد الله، وبادروا الأمر الذي اعتدل فيه يقينكم ولم يحضر الشك فيه أحدا منكم، وهو الموت المكتوب عليكم، فإنه لا تستقال بعده عثرة، ولا تحظر قبله توبة؛ واعلموا أنه لا شيء [قبله إلا دونه، ولا شيء] بعده إلا فوقه: ولا يعين على جزعه وعلزه «١» وكربة، وعلى القبر وظلمته ووحشته وضيقه وهول مطلعه ومسألة ملكيه- إلا العمل الصالح الذي أمر الله به، فمن زلت عند الموت قدمه، فقد ظهرت ندامته، وفاتته استقالته، ودعا من الرجعة إلى ما لا يجاب إليه، وبذل من الفدية ما لا يقبل منه؛ فالله الله عباد الله، كونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها إذ منعها الذين طلبوها، فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم، إلا هذا الأجل المبسوط لكم؛ فاحذروا ما حذركم الله فيه، واتقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم، ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم، فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به وما يملي في صحيفته الحافظة لما عليه وله؛ فقد حكى الله لكم ما قال المفرّطون عندما طال إعراضهم عنها؛ قال جل ذكره: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ: يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها؟ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
«٢» . وقال: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
«٣» ! ولست أنهاكم عن الدنيا بأكثر مما نهتكم به الدنيا عن نفسها، فإن كل ما بها يحذّر منها وينهى عنها، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها، وأعظم مما رأته أعينكم من فجائعها وزوالها، ذمّ كتاب الله لها والنهي عنها؛ فإنه يقول ﵎: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
«٤» . وقال: أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
«٥» . فانتفعوا
стр. 1291
بمعرفتكم بها وبإخبار الله عنها، واعلموا أن قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذروا مصارعها وجانبوا خدائعها، وآثروا طاعة الله فيها وأدركوا الجنة بما يتركون منها.
خطبة عبد الله بن الزبير حين قدم بفتح أفريقية
قدم عبد الله بن الزبير على عثمان بن عفان بفتح إفريقية، فأخبره مشافهة وقص عليه كيف كانت الوقعة، فأعجب عثمان ما سمع منه، فقال له: يا بنيّ، أتقوم بمثل هذا الكلام على الناس؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أهيب لك مني لهم! فقام عثمان في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن الله قد فتح عليكم إفريقية، وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم خبرها إن شاء الله، وكان عبد الله بن الزبير إلى جانب المنبر، فقام خطيبا، وكان أول من خطب إلى جانب المنبر، فقال:
الحمد لله الذي ألفّ بين قلوبنا وجعلنا متحابين بعد البغضة، الذي لا تجحد نعماؤه، ولا يزول ملكه؛ له الحمد كما حمد نفسه، وكما هو أهله، انتخب محمدا ﷺ فاختاره بعلمه، وائتمنه على وحيه، واختار له من الناس أعوانا قذف في قلوبهم تصديقه ومحبّته، فآمنوا به وعزّزوه ووقّروه وجاهدوا في الله حق جهاده، فاستشهد في الله منهم من استشهد على المنهاج الواضح، والبيع الرابح، وبقي منهم من بقي، لا تأخذهم في الله لومة لائم.
أيها الناس، رحمكم الله! إنا خرجنا للوجه الذي علمتم، فكنا مع وال حافظ، حفظ وصية أمير المؤمنين، كان يسير بنا الأبردين «١» ، ويخفض «٢» بنا في الظهائر، ويتخذ الليل جملا، يعجل الرّحلة من المنزل الجدب، ويطيل اللبث في المنزل الخصب، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا، حتى انتهينا إلى إفريقية، فنزلنا منها حيث يسمعون صهيل الخيل، ورغاء الإبل، وقعقعة السلاح فأقمنا أياما نجمّ كراعنا «٣» !
стр. 1292
ونصلح سلاحنا؛ ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه، فأبعدوا منه، فسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح، فكانت هذه أبعد؛ فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة، نتأنّاهم وتختلف رسلنا إليهم، فلما يئس منهم، قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، وذكر فضل الجهاد وما لصاحبه إذا صبر واحتسب، ثم نهضنا إلى عدونا وقاتلناهم أشدّ القتال يومنا ذلك، وصبر فيه الفريقان، فكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة، واستشهد الله فيهم رجالا من المسلمين، فبتنا وباتوا وللمسلمين دويّ بالقرآن كدويّ النحل، وبات المشركون في خمورهم وملاعبهم؛ فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التي كنا عليها بالأمس، فزحف بعضنا على بعض، فأفرغ الله علينا صبره وأنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر النهار، فأصبنا غنائم كثيرة، وفيئا واسعا، بلغ فيه الخمس خمسمائة ألف؛ فصفق «١» عليها مروان بن الحكم، فتركت المسلمين قد قرت أعينهم وأغناهم النفل، وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين أبشّره وإياكم بما فتح الله من البلاد، وأذلّ من الشّرك؛ فاحمدوا الله عباد الله على آلائه وما أحل بأعدائه من بأسه الذي يردّ عن القوم المجرمين.
ثم سكت فنهض إليه أبوه الزبير فقبل بين عينيه وقال: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. يا بنّي: ما زلت تنطق بلسان أبي بكر حتى صمتّ.
خطبة للامام علي كرم الله وجهه
جاء رجل إلى عليّ كرم الله وجهه فقال: يا أمير المؤمنين، صف لنا ربنا، لنزداد له محبة، وبه معرفة. فغضب عليّ كرّم الله وجهه، ثم نادى: الصلاة جامعة.
فاجتمع الناس إليه حتى غص المسجد بأهله؛ ثم صعد المنبر وهو مغضب متغير اللون، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم صلى على النبي محمد ﷺ ، ثم قال:
والحمد لله الذي لا يفره المنع، ولا يكديه الإعطاء، بل كل معط ينقص سواه؛
стр. 1293
هو المنان بفرائد النعم، وعوائد المزيد؛ وبجوده ضمنت عياله «١» الخلق، ونهج سبيل الطلب للراغبين إليه، وليس بما يسأل أجود منه بما لا يسأل، وما اختلف عليه دهر فتختلف فيه حال، ولو وهب ما انشقت عنه معادن الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار، من فلزّ اللجين «٢» ، وسبائك العقيان، وشذر الدر «٣» ، وحصيد المرجان- لبعض عباده- ما أثر ذلك في ملكه ولا في جوده ولا أنفذ ذلك سعة ما عنده، فعنده من الأفضال ما لا ينفده مطلب وسؤال، ولا يخطر لكم على بال؛ لأنه الجواد الذي لا ينقصه المواهب، ولا يبرمه إلحاح الملحين بالحوائج وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون، فما ظنّكم بمن هو كذا ولا هكذا غيره، سبحانه وبحمده.
أيها السائل، أعقل ما سألتني عنه «٤» ، ولا تسأل أحدا بعدي؛ فإني أكفيك مئونة الطلب، وشدة التعمق في المذهب؛ وكيف يوصف الذي سألتني عنه، وهو الذي عجزت الملائكة على قربهم من كرسي كرامته، وطول ولهم إليه، وتعظيمهم جلال عزته، وقربهم من غيب ملكوته- أن يعلموا من علمه إلّا ما علمهم، وهو من ملكوت العرش بحيث هم من معرفته على ما فطرهم عليه، فقالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. فمدح الله اعترافهم بالعجز عما لم يحيطوا به علما، وسمّي تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه رسوخا؛ فاقتصر على هذا ولا تقدّر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين؛ واعلم أن الله الذي لم يحدث فيمكن فيه التغير والانتقال، ولم يتغير في ذاته بمرور الأحوال. ولم يختلف على تعاقب الأيام والليالي- هو الذي خلق الخلق على غير مثال امتثله ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله. بل أرانا من ملكوت قدرته، وعجائب ربوبيته مما نطقت به آثار حكمته، واضطرار الحاجة من الخلق إلى أن يفهمهم مبلغ قوّته- ما دلنا بقيام الحجة له بذلك علينا على معرفته.
стр. 1294
ولم تحط به الصفات بإدراكها إياه بالحدود متناهيا، وما زال إذ هو الله الذي ليس كمثله شيء عن صفة المخلوقين متعاليا، انحسرت العيون عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفا، وبالذات التي لا يعلمها إلا هو عند خلقه معروفا؛ وفات لعوّه عن الأشياء مواقع وهم المتوهمين؛ وليس له مثل فيكون بالخلق مشبها، وما زال عند أهل المعرفة به عن الأشباه والأنداد منزّها، وكيف يكون من لا يقدر قدره مقدرا في رويّات الأوهام، وقد ضل في إدراك كيفيته حواسّ الأنام: لأنه أجل من أن تحدّه ألباب البشر بنظير، فسبحانه وتعالى عن جهل المخلوقين وسبحانه وتعالى عن إفك الجاهلين «١» .
ألا وإن لله ملائكة ﷺ . لو أن ملكا هبط منهم إلى الأرض لما وسعته لعظم خلقه وكثرة أجنحته؛ ومن ملائكته من سد الآفاق بجناح من أجنحته دون سائر بدنه؛ ومن ملائكته من السموات إلى حجزته «٢» وسائر بدنه في جرم الهوام الأسفل، والأرضون إلى ركبته ومن ملائكته من لو اجتمعت الإنس والجنّ على أن يصفوه ما وصفوه، لبعد ما بين مفاصله، ولحسن تركيب صورته؛ وكيف يوصف من سبعمائة عام مقدار ما بين منكبيه إلى شحمة أذنيه؟ ومن ملائكته من لو ألقيت السّفن في دموع عينيه لجرت دهر الداهرين؛ فأين أين بأحدكم؟ وأين أين أن يدرك ما لا يدرك؟
خطبة عبد الله بن الزبير لما بلغه قتل المصعب
صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم سكت؛ فجعل لونه يحمرّ مرة ويصفر مرة؛ فقال رجل من قريش لرجل إلى جانبه: ماله لا يتكلم؟ فوالله إنه للبيب الخطباء! قال:
لعله يريد أن يذكر مقتل سيد العرب، فيشتد ذلك عليه، وغير ملوم! ثم تكلم فقال:
الحمد لله، له الخلق والأمر والدنيا والآخرة؛ يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك
стр. 1295
ممّن يشاء، ويعز من يشاء، ويذلّ من يشاء. أما بعد: فإنه لم يعزّ الله من كان الباطل معه، وإن كان معه الأنام طرّا؛ ولم يذل من كان الحقّ معه، وإن كان فردا. ألا وإن خبرا من العراق أتانا فأحزننا وأفرحنا، فأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه، ثم يرعوي ذوو الألباب إلى الصبر وكريم العزاء؛ وأما الذي أفرحنا فإن قتل المصعب له شهادة ولنا ذخيرة، أسلمه النّعام المصلم «١» الآذان؛ ألا وإنّ أهل العراق باعوه بأقل من الثمن الذي الذي كانوا يأخذون منه؛ فإن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وابن عمه، وكانوا الخيار الصالحين. وإنا والله لا نموت حتفا، ولكن قعصا «٢» بالرماح، وموتا تحت ظلال السيوف؛ ليس كما يموت بنو مروان! ألا إنما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يبيد ذكره. ولا يزول سلطانه؛ فإن تقبل الدنيا علي لم آخذها أخذ الأشر البطر؛ وإن تدبر عني لم أبك عليها بكاء الخرق المهين ثم نزل.
[خطب زياد]
خطبة زياد البتراء
قال أبو الحسن المدائني عن مسلمة بن محارب عن أبي بكر الهذلي قال: قدم زياد البصرة واليا لمعاوية بن أبي سفيان وضم إليه خراسان وسجستان؛ والفسق بالبصرة ظاهر فاش. فخطب خطبة بتراء، لم يحمد الله فيها؛ وقال غيره بل قال: الحمد لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه. اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا.
أما بعد، فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والعمى الموفي بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير؛ كأنكم لم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا بما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب العظيم لأهل معصيته، في الزمن السرمدي الذي لا يزول.
стр. 1296
أتكونون كمن طرفت «١» عينيه الدنيا، وسدّت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه، من تركتكم هذه المواخير «٢» المنصوبة، والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعدد غير قليل. ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج «٣» الليل وغارة النهار؟ قرّبتم القرابة، وباعدتم الدّين؛ تعتذرون بغير العذر؛ وتغضون على المختلس؛ كلّ امريء منكم يذبّ عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا؛ ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم، حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا «٤» وراءكم، كنوسا في مكانس «٥» الرّيب؛ حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا.
إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله،: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وإني أقسم بالله لآخذنّ الوليّ بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح بالسقيم؛ حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد! أو تستقيم لي قناتكم. إنّ كذبة الأمير بلقاء مشهورة فإذا تعلقتم عليّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي. من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب له؛ فإياي ودلج الليل، فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجّلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم؛ وإياي ودعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه. وقد أحدثتم أحداثا لم تكم وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرّق قوما غرّقناه، ومن أحرق قوما أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنّاه فيه حيا. فكفوا عني ألسنتكم وأيديكم، أكفّ يدي ولساني؛ ولا يظهرنّ من أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامّتكم إلا ضربت عنقه. وقد كانت بيني وبين قوم إحن»
فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي؛ فمن كان محسنا فليزدد في
стр. 1297
إحسانه، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته؛ إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته. فإن فعل ذلك لم أنظره؛ فاستأنفوا أموركم، واستعينوا على أنفسكم؛ فرب مبتئس بقدومنا سيسرّ؛ ومسرور بقدومنا سيبتئس.
أيها الناس: إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة؛ نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بقيء الله الذي خوّلنا؛ فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا؛ ولكم علينا العدل فيما ولينا؛ فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا؛ واعلموا أني مهما أقصّر عنه فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة ولو أتاني طارقا بلبل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبّانه، ولا مجمّرا لكم بعثا؛ فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم؛ فإنهم ساستكم المؤدّبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون؛ ومتى يصلحوا تصلحوا؛ ولا تشربوا قلوبكم بغضهم؛ فيشتد لذلك أسفكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا له حاجتكم؛ مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم.
أسأل الله أن يعين كلا على كل. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم أمرا فأنفذوه على أذلاله «١» ، وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امريء منكم أن يكون من صرعاي. ثم نزل.
فقام إليه عبد الله بن الأهتم، فقال: أشهد أيها الأمير، لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب! قال له: كذبت! ذاك داود ﷺ .
فقام الأحنف بن قيس فقال: إنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وإنا لن نثني حتى نبتلي. قال له زياد: صدقت! فقام أبو بلال [مرداس بن أديّة] وهو يهمس ويقول: أنبأنا الله تعالى بخلاف ما قلت؛ قال الله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
«٢» . فسمعها زياد، فقال: إنا لا نبلغ من أصحابك ما
стр. 1298
تريد حتى نخوض إليهم الباطل خوضا.
وخطبة لزياد
استوصوا بثلاث منكم خيرا: الشريف، والعالم، والشيخ، فوالله لا يأتيني شيخ بحدث استخفّ به إلا أوجعته، ولا يأتيني عالم بجاهل استخفّ به إلا أثكلت به ولا يأتيني شريف بوضيع استخفّ به إلا ضربته.
وخطبة لزياد
خطب زياد على المنبر فقال:
أيها الناس لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تنتفعوا بأحسن ما تستمعون منا، فإن الشاعر يقول:
اعمل بقولي وإن قصّرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري
وخطبة لزياد
العتبي قال: لما شهدت الشهود لزياد قام في أعقابهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
هذا أمر لم أشهد أوله، ولا علم لي بآخره، وقد قال أمير المؤمنين ما بلغكم، وشهدت الشهود بما سمعتم، فالحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناس، وحفظ منا ما ضيّعوا، فأما عبيد فإنما هو والد مبرور، أو كافل مشكور.
خطبة لجامع المحاربي
وكان شيخا صالحا خطيبا لسنا، وهو الذي قال للحجاج حين بنى مدينة واسط:
بنيتها في غير بلدك، وأورثتها غير ولدك! وشكا الحجاج سوء طاعة أهل العراق ونقم «١» مذهبهم وتسخّط طريقتهم، فقال له
стр. 1299
جامع: أما إنهم لو أحبّوك لأطاعوك، على أنهم ما شنئوك «١» لنسبك، ولا لبلدك ولا لذات نفسك، فدع عنك ما يبعدهم منك إلى ما يقرّبهم إليك، والتمس العافية ممن دونك، تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك.
قال الحجاج: إني والله ما أرى أن أرد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف! قال له:
أيها الأمير، إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار قال الحجاج: الخيار يومئذ لله.
قال: أجل، ولكن لا تدري لمن يجعله الله. وغضب الحجاج فقال: يا هناه، إنك من محارب. فقال جامع:
وللحرب سمّينا وكنّا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطّعن أحمرا
والبيت للخضري. قال الحجاج: والله لقد هممت أن أقطع لسانك فأضرب به وجهك! قال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن غششناك أغضبنا الله، فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله! قال: أجل.
وشغل الحجاج ببعض الأمر، فانسل جامع «٢» ، فمر بين صفوف خيل الشام حتى جاوز إلى خيل أهل العراق- وكان الحجاج لا يخلطهم- فأبصر كبكبة فيها جماعة من بكر العراق، وقيس العراق، وتميم العراق، وأزد العراق؛ فلما رأوه اشرأبّوا «٣» إليه وبلغهم خروجه، فقالوا له: ما عندك؟ دافع الله لنا عن نفسك! فقال: ويحكم! عمّوه بالخلع كما يعمكم بالعداوة، ودعوا التّعادي ما عداكم، فإذا ظفرتم [به] تراجعتم وتعاقبتم. أيها التميمي، هو أعدى لك من الأزدي؛ وأيها القيسي، هو أعدى لك من التّغلبيّ؛ وليس يظفر بمن ناوأه منك إلا بمن بقي معه.
وهرب جامع من فوره ذلك إلى الشام، فاستجار بزفر بن الحارث.
стр. 1300
[خطب الحجاج]
خطبة للحجاج بن يوسف
خطب الحجاج فقال: اللهم أرني الغيّ غياّ فأجتنبه، وأرني الهدى هدى فأتبعه، ولا تكلني إلى نفسي فاضلّ ضلالا بعيدا! والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء.
وخطبة للحجاج
قال الهيثم بن عدي: خرج الحجاج بن يوسف يوما من القصر بالكوفة، فسمع تكبيرا في السوق، فراعه ذلك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
يأهل العراق، يأهل الشقاق والنفاق ومساويء الأخلاق، وبني اللكيعة «١» ، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، والفقه «٢» بالقرقر «٣» إني سمعت تكبيرا لا يراد به الله وإنما يراد به الشيطان؛ وإنما مثلي ومثلكم ما قال ابن براقة الهمداني:
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم؟
متى تجمع القلب الذّكيّ وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم! «٤»
أما والله لا تقرع عصا بعصا إلا جعلتها كأمس الدابر. «٥»
خطبة الحجاج بعد دير الجماجم
خطب أهل العراق فقال:
يأهل العراق، إن الشيطان استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب والمسامع والأطراف والأعضاء والشغاف «٦» : ثم أفضى إلى المخانخ «٧» والصمائخ «٨» ، ثم ارتفع فعشش؛ ثم باض وفرخ، فحشاكم شقاقا ونفاقا، أشعركم خلافا اتخذتموه دليلا تتبعونه، وقائدا تطيعونه،
следующие страницы →