Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
أتكونون كمن طرفت «١» عينيه الدنيا، وسدّت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه، من تركتكم هذه المواخير «٢» المنصوبة، والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعدد غير قليل. ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج «٣» الليل وغارة النهار؟ قرّبتم القرابة، وباعدتم الدّين؛ تعتذرون بغير العذر؛ وتغضون على المختلس؛ كلّ امريء منكم يذبّ عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا؛ ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم، حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا «٤» وراءكم، كنوسا في مكانس «٥» الرّيب؛ حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا.
إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله،: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وإني أقسم بالله لآخذنّ الوليّ بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح بالسقيم؛ حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد! أو تستقيم لي قناتكم. إنّ كذبة الأمير بلقاء مشهورة فإذا تعلقتم عليّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي. من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب له؛ فإياي ودلج الليل، فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجّلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم؛ وإياي ودعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه. وقد أحدثتم أحداثا لم تكم وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرّق قوما غرّقناه، ومن أحرق قوما أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنّاه فيه حيا. فكفوا عني ألسنتكم وأيديكم، أكفّ يدي ولساني؛ ولا يظهرنّ من أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامّتكم إلا ضربت عنقه. وقد كانت بيني وبين قوم إحن»
فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي؛ فمن كان محسنا فليزدد في
стр. 1297
إحسانه، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته؛ إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته. فإن فعل ذلك لم أنظره؛ فاستأنفوا أموركم، واستعينوا على أنفسكم؛ فرب مبتئس بقدومنا سيسرّ؛ ومسرور بقدومنا سيبتئس.
أيها الناس: إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة؛ نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بقيء الله الذي خوّلنا؛ فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا؛ ولكم علينا العدل فيما ولينا؛ فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا؛ واعلموا أني مهما أقصّر عنه فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة ولو أتاني طارقا بلبل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبّانه، ولا مجمّرا لكم بعثا؛ فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم؛ فإنهم ساستكم المؤدّبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون؛ ومتى يصلحوا تصلحوا؛ ولا تشربوا قلوبكم بغضهم؛ فيشتد لذلك أسفكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا له حاجتكم؛ مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم.
أسأل الله أن يعين كلا على كل. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم أمرا فأنفذوه على أذلاله «١» ، وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امريء منكم أن يكون من صرعاي. ثم نزل.
فقام إليه عبد الله بن الأهتم، فقال: أشهد أيها الأمير، لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب! قال له: كذبت! ذاك داود ﷺ .
فقام الأحنف بن قيس فقال: إنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وإنا لن نثني حتى نبتلي. قال له زياد: صدقت! فقام أبو بلال [مرداس بن أديّة] وهو يهمس ويقول: أنبأنا الله تعالى بخلاف ما قلت؛ قال الله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
«٢» . فسمعها زياد، فقال: إنا لا نبلغ من أصحابك ما
стр. 1298
تريد حتى نخوض إليهم الباطل خوضا.
وخطبة لزياد
استوصوا بثلاث منكم خيرا: الشريف، والعالم، والشيخ، فوالله لا يأتيني شيخ بحدث استخفّ به إلا أوجعته، ولا يأتيني عالم بجاهل استخفّ به إلا أثكلت به ولا يأتيني شريف بوضيع استخفّ به إلا ضربته.
وخطبة لزياد
خطب زياد على المنبر فقال:
أيها الناس لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تنتفعوا بأحسن ما تستمعون منا، فإن الشاعر يقول:
اعمل بقولي وإن قصّرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري
وخطبة لزياد
العتبي قال: لما شهدت الشهود لزياد قام في أعقابهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
هذا أمر لم أشهد أوله، ولا علم لي بآخره، وقد قال أمير المؤمنين ما بلغكم، وشهدت الشهود بما سمعتم، فالحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناس، وحفظ منا ما ضيّعوا، فأما عبيد فإنما هو والد مبرور، أو كافل مشكور.
خطبة لجامع المحاربي
وكان شيخا صالحا خطيبا لسنا، وهو الذي قال للحجاج حين بنى مدينة واسط:
بنيتها في غير بلدك، وأورثتها غير ولدك! وشكا الحجاج سوء طاعة أهل العراق ونقم «١» مذهبهم وتسخّط طريقتهم، فقال له
стр. 1299
جامع: أما إنهم لو أحبّوك لأطاعوك، على أنهم ما شنئوك «١» لنسبك، ولا لبلدك ولا لذات نفسك، فدع عنك ما يبعدهم منك إلى ما يقرّبهم إليك، والتمس العافية ممن دونك، تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك.
قال الحجاج: إني والله ما أرى أن أرد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف! قال له:
أيها الأمير، إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار قال الحجاج: الخيار يومئذ لله.
قال: أجل، ولكن لا تدري لمن يجعله الله. وغضب الحجاج فقال: يا هناه، إنك من محارب. فقال جامع:
وللحرب سمّينا وكنّا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطّعن أحمرا
والبيت للخضري. قال الحجاج: والله لقد هممت أن أقطع لسانك فأضرب به وجهك! قال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن غششناك أغضبنا الله، فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله! قال: أجل.
وشغل الحجاج ببعض الأمر، فانسل جامع «٢» ، فمر بين صفوف خيل الشام حتى جاوز إلى خيل أهل العراق- وكان الحجاج لا يخلطهم- فأبصر كبكبة فيها جماعة من بكر العراق، وقيس العراق، وتميم العراق، وأزد العراق؛ فلما رأوه اشرأبّوا «٣» إليه وبلغهم خروجه، فقالوا له: ما عندك؟ دافع الله لنا عن نفسك! فقال: ويحكم! عمّوه بالخلع كما يعمكم بالعداوة، ودعوا التّعادي ما عداكم، فإذا ظفرتم [به] تراجعتم وتعاقبتم. أيها التميمي، هو أعدى لك من الأزدي؛ وأيها القيسي، هو أعدى لك من التّغلبيّ؛ وليس يظفر بمن ناوأه منك إلا بمن بقي معه.
وهرب جامع من فوره ذلك إلى الشام، فاستجار بزفر بن الحارث.
стр. 1300
[خطب الحجاج]
خطبة للحجاج بن يوسف
خطب الحجاج فقال: اللهم أرني الغيّ غياّ فأجتنبه، وأرني الهدى هدى فأتبعه، ولا تكلني إلى نفسي فاضلّ ضلالا بعيدا! والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء.
وخطبة للحجاج
قال الهيثم بن عدي: خرج الحجاج بن يوسف يوما من القصر بالكوفة، فسمع تكبيرا في السوق، فراعه ذلك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
يأهل العراق، يأهل الشقاق والنفاق ومساويء الأخلاق، وبني اللكيعة «١» ، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، والفقه «٢» بالقرقر «٣» إني سمعت تكبيرا لا يراد به الله وإنما يراد به الشيطان؛ وإنما مثلي ومثلكم ما قال ابن براقة الهمداني:
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم؟
متى تجمع القلب الذّكيّ وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم! «٤»
أما والله لا تقرع عصا بعصا إلا جعلتها كأمس الدابر. «٥»
خطبة الحجاج بعد دير الجماجم
خطب أهل العراق فقال:
يأهل العراق، إن الشيطان استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب والمسامع والأطراف والأعضاء والشغاف «٦» : ثم أفضى إلى المخانخ «٧» والصمائخ «٨» ، ثم ارتفع فعشش؛ ثم باض وفرخ، فحشاكم شقاقا ونفاقا، أشعركم خلافا اتخذتموه دليلا تتبعونه، وقائدا تطيعونه،
стр. 1301
ومؤامرا تستشيرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو تعظكم وقعة، أو يحجزكم إسلام، أو يردكم إيمان؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر؛ وسعيتم بالغدر، واستجمعتم للكفر، وظننتم أن الله تعالى يخذل دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذا؛ وتنهزمون سراعا؛ ثم يوم الزاوية «١» ؛ وما يوم الزاوية؟ بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم ونكوص وليّكم عنكم؛ إذ ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى أعطانها؛ لا يسأل المرء منكم عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حتى عضكم السلاح، وقصمتكم الرماح، ثم يوم دير الجماجم: وما دير الجماجم؟ بها كانت المعارك والملاحم، بضرب يزيل الهام عن مقيله «٢» ، ويذهل الخليل عن خليله.
يأهل العراق والكفرات بعد الفجرات؛ والغدرات بعد الخترات، والنّزوة بعد النزوات، إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم؛ لا تذكرون حسنة، ولا تشكرون نعمة! يأهل العراق: هل استخفّكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استفزكم عاص أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم خالع- إلا وثقتموه وآويتموه وعزّرتموه ونصرتموه ورضيتموه.
يأهل العراق؛ هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو نعق ناعق، أو زفر زافر، إلا كنتم أتباعه وأنصاره. يأهل العراق، ألم تنهكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟
ثم التفت إلى أهل الشام فقال: يأهل الشام، إنما أنا لكم كالظليم «٣» الذابّ عن فراخه؛ ينفي عنها المدر، ويباعد عنها الحجر ويكنّها من المطر، ويحميها من الضباب؛ ويحرسها من الذئاب؛ يأهل الشام، أنتم الجنّة والرداء، وأنتم العدة والحذاء.
стр. 1302
وخطبة للحجاج
قال مالك بن دينار: غدوت للجمعة، فجلست قريبا من المنبر، فصعد الحجاج ثم قال:
امرؤ حاسب نفسه؛ امرؤ راقب ربه؛ امرؤ زوّر «١» عمله امرؤ فكر فيما يقرؤه غدا في صحيفته ويراه في ميزانه: امرؤ كان عند همه آمرا، وعند هواه زاجرا؛ امرؤ أخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام «٢» جمله، فإن قاده إلى حق تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كفّه. إننا والله ما خلقنا للفناء، وإنما خلقنا للبقاء، وإنما ننتقل من دار إلى دار.
خطبة الحجاج بالبصرة
اتقوا الله ما استطعتم. فهذه لله وفيها مثوبة. ثم قال: «واسمعوا وأطيعوا» . فهذه لعبد الله وخليفة الله وحبيب الله عبد الملك بن مروان، والله لو أمرت الناس أن يأخذوا في باب واحد وأخذوا في باب غيره، لكانت دماؤهم لي حلالا من الله، ولو قتل ربيعة ومضر لكان لي حلالا. عذيري «٣» من هذه الحمراء «٤» ، يرمي أحدهم بالحجر إلى السماء ويقول: يكون إلى أن يقع هذا خير. والله لأجعلنّهم كأمس الدابر؛ عذيري من عبد هذيل، إنه زعم أنه آمن عند الله، يقرأ القرآن كأنه رجز الأعراب؛ والله لو أدركته لقتلته.
خطبة للحجاج بالبصرة
حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله كفانا مئونة الدنيا وأمرنا بطلب الآخرة فليته كفانا مئونة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا. مالي أرى علماءكم يذهبون، وجهّالكم لا يتعلمون، وشراركم لا يتوبون؟ مالي أراكم تحرصون على ما كفيتم، وتضيّعون ما به
стр. 1303
أمرتم، إن العلم يوشك أن يرفع، ورفعه ذهاب العلماء. ألا وإني أعلم بشراركم من البيطار بالفرس: الذين لا يقرؤن القرآن إلا هجرا «١» ، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا «٢»
؛ ألا وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر؛ ألا وإن الآخرة أجل مستأخر يحكم فيه ملك قادر؛ ألا فاعملوا وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم ملاقوه لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
«٣» ألا وإن الخير كلّه بحذافيره في الجنة؛ ألا وإن الشرّ كلّه بحذافيره في النار؛ ألا وإنّ من يعمل مثقال ذرّة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرا يره وأستغفر الله لي ولكم.
وخطبة للحجاج
خطب الحجاج أهل العراق فقال: يأهل العراق إني لم أجد لكم دواء أدوى «٤» لدائكم من هذه المغازي والبعوث، لولا طيب ليلة الإياب وفرحة القفل، فإنها تعقب راحة وإني لا أريد أن أرى الفرح عندكم ولا الرّاحة بكم؛ وما أراكم إلا كارهين لمقالتي، أنا والله لرؤيتكم أكره، ولولا ما أريد من تنفيذ طاعة أمير المؤمنين فيكم ما حمّلت نفسي مقاساتكم والصبر على النظر إليكم؛ والله أسأل حسن العون عليكم! ثم نزل.
خطبة الحجاج حين أراد الحج
يأهل العراق، إني أردت الحج، وقد استخلفت عليك ابني محمدا، وما كنتم له بأهل. وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله ﷺ في الأنصار؛ فإنه أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وأنا. أوصيته أن لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم! ألا وإنكم قائلون بعدي مقالة لا يمنعكم. من إظهارها إلا خوفي، تقولون: لا أحسن الله له الصحابة! وإني أعجّل لكم الجواب: فلا أحسن الله عليكم الخلافة! ثم نزل.
стр. 1304
خطبة للحجاج
خرج الحجاج يريد العراق واليا عليها في اثنى عشر راكبا على النجائب «١» ، حتى دخل الكوفة [فجأة] حين انتشر النهار، وقد كان بشر بن مروان بعث المهلب إلى الحرورية، فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو ملثّم بعمامة خزّ، فقال:
عليّ بالناس، فحسبوه وأصحابه خوارج، فهمّوا به، حتى إذا اجتمع الناس في المسجد، قام، ثم كشف عن وجهه، ثم قال:
أنا ابن جلا وطلاع الثّايا ... متى أضع العمامة تعرفوني «٢»
صليب العود من سلفي رياح ... كنصل السيف وضّاح الجبين
وماذا يبتغي الشّعراء مني ... وقد جاوزت حدّ الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدّي ... ونجّذني مداورة الشّئون «٣»
وإني لا يعود إليّ قرني ... غداة العبء إلا في قرين
أما والله إني لأحمل الشر بحمله، وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله؛ وإني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها؛ وإني لأنظر الدّماء بين العمائم والّلحى تترقرق.
قد شمّرت عن ساقها فشمّر «٤»
ثم قال:
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم ... قد لفّها الليل بسوّاق حطم «٥»
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم «٦»
ثم قال:
стр. 1305
قد لفها الليل بعصلبيّ ... أروع خرّاج من الدويّ»
مهاجر ليس بأعرابيّ
ثم قال:
قد شمّرت عن ساقها فشدّوا ... ما علّتي وأنا شيخ إد «٢»
والقوس فيها وتر عردّ ... مثل ذراع البكر أو أشدّ «٣»
إني والله يأهل العراق، ومعدن الشقاق والنفاق، ومساوى الأخلاق، لا يغمز جانبي كتغماز التّين، ولا يقعقع «٤» لي بالشنان «٥» ؛ ولقد فررت عن ذكاء. وفتّشت عن تجربة، وأجريت إلى الغاية القصوى؛ وإنّ أمير المؤمنين نثر كنانته بين يديه ثم عجم عيدانها، فوجدني أمرّها عودا وأشدّها مكسرا، فوجهني إليكم، ورماكم بي، فإنكم قد طالما أوضعتم «٦» في الفتن وسننتم سنن الغيّ؛ وايم الله لألحونّكم لحو العصا، ولأقرعنكم قرع المروة «٧» ، ولأعصبنكم عصب السّلمة «٨» ، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، أما والله لا أعد إلا وفيت؛ ولا أخلق إلا فريت «٩» ؛ فإياي وهذه الشفعاء، والزرافات والجماعات، وقالا وقيلا. وما يقولون؛ وفيم أنتم وذاك؟ والله لتستقيمنّ على طريق الحق، أو لأدعنّ لكلّ رجل منكم شغلا في جسده! من وجدته بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه وانتهبت ماله وهدمت منزله.
فشمّر الناس بالخروج إلى المهلب؛ فلما رأى المهلب ذلك قال: لقد ولي العراق خير ذكر.
خطبة الحجاج لما مات عبد الملك
قا خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
стр. 1306
أيها الناس، إن الله ﵎ نعى نبيّكم ﷺ إلى نفسه فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
«١» ؛ وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
«٢» ؟ فمات رسول الله ﷺ ، ومات الخلفاء الراشدون المهتدون المهديون، منهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان الشهيد المظلوم، ثم تبعهم معاوية؛ ثم وليكم البازل الذكر الذي جرّبته الأمور، وأحكمته التجارب مع الفقه وقراءة القرآن، والمروءة الظاهرة، واللين لأهل الحق، والوطء لأهل الزيغ؛ فكان رابعا من الولاة المهديين الراشدين؛ فاختار الله له ما عنده، وألحقه بهم، وعهد إلى شبهه في العقل والمروءة والحزم والجلد والقيام بأمر الله وخلافته؛ فاسمعوا له وأطيعوه.
أيها الناس؛ إياكم والزّيغ «٣» ؛ فإن الزيغ لا يحيق إلا بأهله، ورأيتم سيرتي فيكم، وعرفت خلافكم، وقبلتكم على معرفتي بكم؛ ولو علمت أنّ أحدا أقوى عليكم مني، أو أعرف بكم، ما وليتكم؛ فإياي وإياكم؛ من تكلم قتلناه؛ ومن سكت مات بدائه غما! ثم نزل.
خطبة الحجاج
لما أصيب بولده محمد وأخيه محمد:
أيها الناس، محمّدان في يوم واحد! أما والله لقد كنت أحبّ أنهما معي في الدنيا مع ما أرجو لهما من ثواب الله في الآخرة؛ وايم الله ليوشكن الباقي مني ومنكم أن يفنى، والجديد مني ومنكم أن يلي، والحيّ مني ومنكم أن يموت؛ وأن تدال الأرض منا كما أدلنا منها؛ فتأكل من لحومنا؛ وتشرب من دمائنا؛ كما مشينا على ظهرها، وأكلنا من ثمارها، وشربنا من مائها؛ ثم يكون كما قال الله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
«٤» . ثم تمثل بهذين البيتين:
стр. 1307
عزائي نبيّ الله من كلّ ميّت ... وحسبي ثواب الله من كلّ هالك
إذا ما لقيت الله عني راضيا ... فإنّ سرور النفس فيما هنالك
خطب الحجاج في يوم جمعة فأطال الخطبة؛ فقام إليه رجل فقال: إن الوقت لا ينتظرك، والرب لا يعذرك! فأمر به إلى الحبس! فأتاه آل الرجل وقالوا: إنه مجنون! فقال: إن أقرّ على نفسه بما ذكرتم خليت سبيله. فقال الرجل: لا والله لا أزعم أنه ابتلاني وقد عافاني.
خطبة للحجاج
ذكروا أن الحجاج مرض ففرح أهل العراق؛ وقالوا: مات الحجاج! فلما بلغه تحامل حتى صعد المنبر فقال:
يا أهل الشقاق والنفاق! نفخ إبليس في مناخركم فقلتم: مات الحجاج، ومات الحجاج فمه؟ والله ما أحب أن لا أموت! وما أرجو الخير كلّه إلا بعد الموت، وما رأيت الله رضي الخلود لأحد من خلقه، إلا لأهونهم عليه: إبليس؛ ولقد رأيت العبد الصالح سأل ربّه فقال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
«١» . ففعل؛ ثم اضمحل كأن لم يكن.
خطبة للحجاج
خطب فقال في خطبته:
سوطي سيفي، ونجاده في عنقي، وقائمه في يدي؛ وذبابه «٢» قلادة لمن اغترني! فقال الحسن: بؤسا لهذا! ما أغرّه بالله.
وحلف رجل بالطلاق أن الحجاج في النار، ثم أتى زوجته، فمنعته نفسها فأتى ابن شبرمة يستفتيه؛ فقال: يا بن أخي امض فكن مع أهلك، فإن الحجاج إن لم يكن من
стр. 1308
أهل النار، فلا يضرّك أن تزني.
هذا ما ذكرناه في كتابنا من الخطب للحجاج، وما بقي منها فهي مستقصاة في كتاب اليتيمة الثانية، حيث ذكرت أخبار زياد والحجاج، وإنما مذهبنا في كتابنا هذا أن نأخذ من كل شيء أحسنه ونحذف الكثير الذي يجتزأ منه بالقليل.
خطبة طاهر بن الحسين
لما افتتح مدينة السلام صعد المنبر وأحضر جماعة من بني هاشم والقواد وغيرهم فقال:
الحمد لله مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذلّ من يشاء؛ ولا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين؛ إنّ ظهور غلبتنا لم يكن من أيدنا ولا كيدنا، بل اختار الله لخلافته- إذ جعلها عمودا لدينه، وقواما لعباده- من يستقل بأعبائها، ويضطلع بحملها.
خطبة عبد الله بن طاهر
خطب الناس وقد تيسر لقتال الخوارج؛ فقال: إنكم فئة الله المجاهدون عن حقه، الذابّون عن دينه، الذائدون عن محارمه، الداعون إلى ما أمر به من الاعتصام بحبله، والطاعة لولاة أمره، الذين جعلهم رعاة الدين، ونظام المسلمين فاستنجزوا موعود الله ونصره بمجاهدة عدوّه وأهل معصيته، الذين أشروا «١» وتمردوا وشقوا العصا، وفارقوا الجماعة، ومرقوا من الدين، وسعوا في الأرض فسادا، فإنه يقول ﵎: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ
«٢» فليكن الصبر معقلكم الذي إليه تلجئون، وعدتكم التي تستظهرون؛ فإنه الوزر المنيع الذي دلكم الله عليه، والجنة الحصينة التي أمركم الله بلباسها؛ غضوا أبصاركم، وأخفتوا أصواتكم في مصافّكم، وامضوا قدما على بصائركم، فارغين إلى ذكر الله والاستعانة به كما أمركم الله؛ فإنه
стр. 1309
يقول: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
«١» . أيدكم الله بعز الصبر، ووليكم بالحياطة والنصر.
[خطب لقتيبة بن مسلم]
خطبة قتيبة بن مسلم
قام بخراسان حين خلع سليمان بن عبد الملك، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أتدرون من تبايعون؟ إنما تبايعون يزيد بن ثروان- يعني هبنّقة القيسي- كأني بأمير مزجاء وحكم قد أتاكم يحكم في أموالكم ودمائكم وفروجكم وأبشاركم.
ثم قال: الأعراب! وما الأعراب؟ لعن الله الأعراب! جمعتهم كما يجمع فرخ الخريق «٢» من منابت الشيخ والقيصوم «٣» ومنابت الفلفل، يركبون البقر؛ ويأكلون الهبيد «٤» ، فحملتهم على الخيل، وألبستهم السلاح حتى منع الله بهم البلاد، وجبى بهم الفيء. قالوا: مرنا بأمرك. قال: غرّوا غيري.
وخطبة لقتيبة بن مسلم
يأهل العراق، ألست أعلم الناس بكم؟ أما هذا الحي من أهل العالية فنعم الصدقة، وأما هذا الحي من بكر بن وائل فعلجة «٥» بظراء لا تمنع رجليها، وأما هذا الحيّ من عبد القيس فما ضرب العير «٦» بذنبه، وأما هذا الحي من الأزد فعلوج خلق الله وأنباطه؛ وايم الله لو ملكت أمر الناس لنقشت أيديهم، وأما هذا الحي من تميم فإنهم كانوا يسمون الغدر في الجاهلية كيسان.
وقال الشاعر:
إذا كنت من سعد وخالك منهم ... بعيدا فلا يغرك خالك من سعد
стр. 1310
إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم ... إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد
وخطبة لقتيبة بن مسلم
يأهل خراسان، قد جرّبتم الولاة قبلي؛ أتاكم أمية فكان كاسمه أمية الرأي، وأمية الدين فكتب إلى خليفته: إن خراج خراسان لو كان في مطبخه لم يكفه؛ ثم أتاكم بعده أبو سعيد ثلاثا، لا تدرون أفي طاعة الله أنتم أم في معصيته؟ ثم لم يجب فيئا، ولم يبل عدوا؛ ثم أتاكم بنوه بعده مثل أطباء «١» الكلبة؛ منهم ابن رحمة، حصان يضرب في عانة؛ لقد كان أبوه يخافه على أمهات أولاده! ثم أصبحتم وقد فتح الله عليكم البلاد [وأمّن لكم السّبل] حتى إنّ الظعينة لتخرج من مرو إلى سمرقند في غير جوار.
قوله أبو سعيد، يريد المهلب بن أبي صفرة. وقوله: ابن رحمة: يريد يزيد بن المهلب.
خطبة ليزيد بن المهلب
حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال:
أيها الناس، إني أسمع قول الرعاع، قد جاء العباس، قد جاء مسلمة، قد جاء أهل الشام. وما أهل الشام إلا تسعة أسياف: منها سبعة معي، واثنان عليّ، وما مسلمة إلا جرادة صفراء وأما العباس فبسطوس بن بسطوس، أتاكم في برابرة وصقالبة وجرامقة وأقباط وأنباط وأخلاط؛ أقبل إليكم الفلاحون والأوباش كأشلاء اللحم، والله ما لقوا قط حدّا كحدكم، ولا حديدا كحديدكم، أعيروني سواعدكم ساعة تصفقوا «٢» بها خراطيمهم «٣» ؛ فإنما هي غدوة أو روحة حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
خطبة قس بن ساعدة الإيادي
ابن عباس قال: قدم وفد إياد على رسول الله ﷺ ، فقال: أيكم يعرف قسّ بن
стр. 1311
ساعدة الإيادي؟ قالوا: كلنا يعرفه قال: فما فعل؟ قالوا: هلك! قال: ما أنساه بسوق عكاظ في الشهر الحرام على جمل له أحمر وهو يخطب الناس ويقول:
اسمعوا وعوا: من عاش مات، ومن مات فات، وكلّ ما هو آت آت؛ إنّ في السماء لخبرا، وإنّ في الأرض لعبرا، سحائب تمور، ونجوم تغور، في فلك يدور.
يقسم قسّ قسما: إن لله دينا هو أرضى من دينكم هذا.
ثم قال: مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالإقامة فأقاموا؟ أم تركوا فناموا.
أيكم يروي من شعره؟ فأنشد بعضهم:
في الذّاهبين الأوّلين ... من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... تمضي: الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
خطبة عائشة أم المؤمنين رحمها الله يوم الجمل
قالت: أيها الناس صه صه؛ إنّ لي عليكم حق الأمومة، وحقّ الموعظة؛ لا يتهمني إلا من عصى ربّه؛ مات رسول الله ﷺ بين سحري «١» ونحري؛ فأنا إحدى نسائه في الجنة، له ادّخرني ربي وخلّصني من كلّ بضع «٢» ؛ وبي ميّز مؤمنكم من منافقكم، وبي أرخص الله لكم في صعيد الأبواء «٣» ؛ ثم أبي ثاني اثنين الله ثالثهما؛ وأول من سمّي صدّيقا، مضى رسول الله ﷺ راضيا عنه؛ وطوّقه أعباء الإمامة، ثم اضطرب حبل الدين بعده؛ فمسك أبي بطرفيه، ورتق لكم فتق النفاق، وأغاض «٤» نبع الردة،
стр. 1312
وأطفأ ما حشّت «١» يهود؛ وأنتم يومئذ جحظ العيون، تنظرون العدوة «٢» ، وتسمعون الصيحة؛ فرأب الثّأي، وأوّد»
من الغلظة، وامتاح «٤» من الهوّة؛ حتى اجتحى دفين الداء؛ وحتى أعطن الوارد، وأورد الصادر، وعلى الناهل؛ فقبضه الله إليه واطئا على هامات النفاق، مذكيا نار الحرب للمشركين؛ فانتظمت طاعتكم بحبله؛ فولى أمركم رجلا مرعيا إذا ركن إليه، بعيدا ما بين اللابتين إذا ضلّ، عركة للأذاة بجنبه صفوحا عن أذاة الجاهلين، يقظان الليل في نصرة الإسلام؛ فسلك مسلك السابقيه؛ ففرق شمل الفتنة، وجمّع أعضاد ما جمّع القرآن، وأنا نصب المسألة عن مسيري هذا؛ لم ألتمس إثما، ولم أورّث فتنة أوطئكموها: أقول قولي هذا صدقا وعدلا، وإعذارا وإنذارا؛ وأسأل الله أن يصلي على محمد، وأن يخلفه فيكم بأفضل خلافة المرسلين.
خطبة عبد الله بن مسعود
أصدق الحديث كتاب الله. وأوثق العرى كلمة التقوى، خير زاد؛ وأكرم الملل ملة إبراهيم ﷺ ، وخير السنن سنّة محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وخير الأمور أوساطها، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، لنفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها. خير الغنى غنى النفس. خير ما ألقي في القلب اليقين. الخمر جماع الآثام.
النساء حبائل الشيطان. الشباب شعبة من الجنون. حبّ الكفاية مفتاح المعجزة. شرّ من الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرا «٥» ، ولا يذكر الله إلا هجرا «٦» . سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية؛ من يتألّ «٧» على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر له. مكتوب في ديوان المحسنين: من عفا عفي عنه. الشقيّ شقي في بطن أمه. السعيد من وعظ بغيره. الأمور بعواقبها. ملاك الأمر خواتيمه. أحسن الهدي هدي الأنبياء. أقبح الضلالة الضلالة بعد الهدى. أشرف الموت الشهادة. من يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرف البلاء ينكره.
стр. 1313
خطبة لعتبة بن مروان بعد فتح الأبلة
حمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي ﷺ ؛ وقال:
إن الدنيا قد تولّت [حذّاء مدبرة] ، وقد آذنت أهلها منها بصرم، وإنما بقي منها صبابة كصبابة الإناء يصطبّها صاحبها؛ ألا وإنكم مفارقوها لا محالة، ففارقوها بأحسن ما يحضركم؛ ألا إنّ من العجب أني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إن الحجر الضخم يرمى به في شفير جهنم فيهوي في النار سبعين خريفا، ولجهنّم سبعة أبواب، بين كل بابين منها مسيرة خمسمائة عام، وليأتين عليها ساعة وهي كظيظ «١» بالزحام» ؛ ولقد كنت مع رسول الله ﷺ سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق البشام، حتى قرحت أشداقنا؛ فوجدت أنا وسعد بن مالك تمرة فشققتها بيني وبينه نصفين، وما منا أحد اليوم إلا وهو أمير على مصر وإنه لم يكن نبوة قطّ إلا تناسخت «٢» ؛ وأنا أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وفي أعين الناس صغيرا.
خطب عمرو بن سعيد الأشدق
لما عقد معاوية ليزيد البيعة، قام الناس يخطبون؛ فقال [معاوية] لعمرو بن سعيد: قم يا أبا أمية. فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد فإن يزيد بن معاوية أمل تأملونه، وأجل تأمنونه؛ إن استضفتم إلى حلمه وسعكم، وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وإن افتقرتم إلى ذات يده أغناكم؛ جذع «٣» قارح «٤» ، سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع فقرع؛ فهو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه.
فقال له معاوية: أوسعت أبا أمية فاجلس.
стр. 1314
وخطبة لعمرو بن سعيد بالمدينة
قال أبو العباس بن الفرج الرياشي: حدّثنا ابن عائشة قال: قدم عمرو بن سعيد ابن العاص الأشدق المدينة أميرا، فخرج إلى منبر رسول الله ﷺ ، فقعد عليه وغمض عينيه وعليه جبة خزّ قرمز، ومطرف خز قرمز، وعمامة خز قرمز؛ فجعل أهل المدينة ينظرون إلى ثيابه إعجابا بها، ففتح عينيه فإذا الناس ينظرون إليه؛ فقال:
ما بالكم يا أهل المدينة ترفعون إليّ أبصاركم، كأنكم تريدون أن تضربونا بسيوفكم؟ أغرّكم أنكم فعلتم ما فعلتم فعفونا عنكم؟ أما إنه لو أثبتم بالأولى ما كانت الثانية؛ أغرّكم أنكم قتلتم عثمان فوافقتم «١» ثائرنا منا رفيقا، قد فنى غضبه وبقي حلمه؟ اغتنموا أنفسكم، فقد والله ملكناكم بالشباب المقتبل، البعيد الأمل الطويل الأجل، حين فرغ من الصغر، ودخل في الكبر، حليم حديد، ليّن شديد رقيق كثيف، رفيق عنيف، حين اشتد عظمه. واعتدل جسمه، ورمى الدهر ببصره، واستقبله بأشره، فهو إن عض نهس «٢» ، وإن سطا فرس «٣» ، لا يقلقل له الحصى، ولا تقرع له العصا، ولا يمشي السّهّمى «٤» .
قال: فما بقي بعد ذلك إلا ثلاث سنين وثمانية أشهر، حتى قصمه الله.
خطبة لعمرو بمكة
العتبي قال: استعمل سعيد بن العاص وهو وال على المدينة ابنه عمرو بن سعيد واليا على مكة، فلما قدم لم يلقه قرشي ولا أموي إلا أن يكون الحرث بن نوفل، فلما لقيه قال له: يا حار، ما الذي منع قومك أن يلقوني كما لقيتني؟ قال: ما منعهم من ذلك إلا ما استقبلتني به؛ والله ما كنيتني، ولا أتممت اسمي، وإنما أنهاك عن التكبّر على أكفائك، فإن ذلك لا يرفعك عليهم ولا يضعهم لك. قال: والله ما أسأت الموعظة، ولا أتهمك على النصيحة، وإن الذي رأيت مني لخلق. فلما دخل مكة قام على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
стр. 1315
أما بعد، معشر أهل مكة، فإنا سكناها حقبة، وخرجنا عنها رغبة، ولذلك كنا إذا رفعت لنا لهوة بعد لهوة «١» أخذنا أسناها، ونزلنا أعلاها؛ ثم شدخ «٢» أمر بين أمرين، فقتلنا وقتلنا؛ فو الله ما نزعنا ولا نزع عنا، حتى شرب الدم دما، وأكل اللحم لحما، وقرع العظم عظما؛ فولي رسول الله ﷺ برسالة الله إياه، واختياره له؛ ثم ولي أبو بكر لسابقته وفضله؛ ثم ولي عمر؛ ثم أجيلت قداح نزعن من شعب «٣» حول نبعة، ففاز بحظّها أصلبها وأعتقها، فكنا بعض قداحها؛ ثم شدخ أمر بين أمرين، فقتلنا وقتلنا، فوالله ما نزعنا ولا نزع عنا حتى شرب الدم دما، وأكل اللحم لحما، وقرع العظم عظما، وعاد الحرام حلالا، وأسكت كل ذي حسن عن ضرب مهنّد، عركا عركا، وعسفا عسفا، وخزا ونهسا، حتى طابوا عن حقنا نفسا، والله ما أعطوه عن هوادة، ولا رضوا فيه بالقضاء؛ أصبحوا يقولون: حقّنا غلبنا عليه، فجزيناه هذا بهذا، وهذا في هذا.
يا أهل مكة، أنفسكم أنفسكم! وسفهاءكم سفهاءكم! فإن معي سوطا نكالا، وسيفا وبالا، وكلّ منصوب على أهله. ثم نزل.
خطبة للأحنف بن قيس
قال بعد حمد الله والثناء عليه: يا معشر الأزد وربيعة، أنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الصّهر «٤» ، وأشقّاؤنا في النسب، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، والله لأزد البصرة أحبّ إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشام؛ فإن استشرف شنآنكم وأبي حسد صدوركم، ففي أحلامنا وأموالنا سعة لنا ولكم.
خطبة ليوسف بن عمر
قام خطيبا فقال: اتقوا الله عباد الله: فكم مؤمّل أملا لا يبلغه، وجامع مالا لا
стр. 1316
يأكله، ومانع عما سوف يتركه؛ ولعله من باطل جمعه، ومن حقّ منعه أصابه حراما، وأورثه عدوّا حلالا، فاحتمل إصره «١» ، وباء بوزره، وورد على ربه أسفا لهفا، خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
خطبة لشداد بن أوس الطائي
حمد الله وأثنى عليه وقال: ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البرّ والفاجر؛ ألا إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر؛ ألا إن الخير كلّه بحذافيره في الجنة؛ ألا إن الشرّ كله بحذافيره في النار، فاعملوا ما عملتم وأنتم في يقين من الله، واعلموا أنكم معروضة أعمالكم على الله، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
«٢» وغفر الله لنا ولكم.
خطبة لخالد بن عبد الله القسري
صعد المنبر يوم جمعة وهو والي مكة، فذكر الحجاج فأحمد طاعته وأثنى عليه خيرا؛ فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك يأمره فيه بشتم الحجاج وذكر عيوبه وإظهار البراءة منه: فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
إن إبليس كان ملكا من الملائكة، وكان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له به فضلا، وكان قد علم الله من غشه وخبثه ما خفى على ملائكته فلما أراد فضيحته ابتلاه بالسجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم، فلعنوه؛ وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له به فضلا، وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين من غشه وخبثه على ما خفي عنا؛ فلما أراد [الله] فضيحته أجرى ذلك على يد أمير المؤمنين، [فلعنه] ، فالعنوه لعنه الله!
خطبة لمصعب بن الزبير
قدم العراق فصعد المنبر ثم قال:
стр. 1317
بسم الله الرحمن الرحيم. طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ، إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
«١» وأشار بيده نحو الشام وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ
«٢» وأشار بيده نحو الحجاز وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ
«٣» وأشار بيده نحو العراق.
خطبة للنعمان بن بشير بالكوفة
قال: إني والله ما وجدت مثلي ومثلكم إلا الضبع والثعلب: أتيا الضبّ في جحره فقالا: أبا حسل. قال: أجبتكما. قالا: جئناك نختصم. قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت الضبع: فتحت عيني. قال: فعل النساء فعلت. قالت: فلقطت تمرة. قال: حلوا اجتنيت. قالت: فاختطفها ثعالة! قال: لنفسه بغى [الخير] . قالت. فلطمته لطمة! قال: حقّا قضيت. قالت: فلطمني أخرى. قال: كان حرّا فانتصر. قالت: فاقض الآن بيننا. قال: حدث امرأة حديثين، فإن أبت فاربع، أي: اسكت.
خطبة شبيب بن شيبة
قيل لبعض الخلفاء: إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ويستعد له، فلو أمرته أن يصعد المنبر لرجوت أن يفتضح، قال: فأمر رسولا فأخذ بيده إلى المسجد، فلم يفارقه حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي ﷺ حق الصلاة عليه؛ ثم قال: ألا إن لأمير المؤمنين أشباها أربعة: الأسد الخادر، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر؛ فأما الأسد الخادر فأشبه منه صولته ومضاءه، وأما البحر الزاخر فأشبه منه جوده وعطاءه، وأما القمر الباهر فأشبه منه نوره وضياءه، وأما الربيع الناضر فأشبه منه حسنه وبهاءه. ثم نزل عن المنبر وأنشأ يقول:
стр. 1318
وموقف مثل حدّ السّيف قمت به ... أحمي الذّمار وترميني به الحدق «١»
فما زلقت وما ألقيت كاذبة ... إذا الرّجال على أمثاله زلقوا «٢»
خطب لعتبة بن أبي سفيان
بلغه عن أهل مصر شي فأغضبه، فقام فيهم، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
يا أهل مصر، إياكم أن تكونوا للسيف حصيدا، فإن لله فيكم ذبيحا لعثمان أرجو أن يوليني نسكه «٣» ؛ إن الله جمعكم بأمير المؤمنين بعد الفرقة، فأعطى كلّ ذي حقّ حقه وكان الله فيكم، ومنّة منه عليكم؛ وقد بلغنا عنكم نجم قول، أظهره تقدّم عفو منا، فلا تصيروا إلى وحشة الباطل بعد أنس الحق، بإحياء الفتنة وإماتة السّنن؛ فأطأكم وطأة لا رمق معها؛ حتى تنكروا مني ما كنتم تعرفون، وتستخشنوا ما كنتم تستلينون؛ وأنا أشهد عليكم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وخطبة لعتبة بن أبي سفيان
يا حاملي الأم أنوف ركبت بين أعين، إنما قلّمت أظفاري عنكم ليلين مسّي إياكم، وسألتكم صلاحكم؛ إذ كان فسادكم راجعا عليكم، فأما إذ أبيتم إلا الطعن على الولاة، والتنقّص للسلف، فوالله لأقطعن على ظهوركم بطون السّياط، فإن حسمت داءكم وإلا فالسيف من ورائكم؛ ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذا جدتم لنا بالمعصية، ولا أؤيسكم من مراجعة الحسنى إن صرتم إلى التي هي أبرّ وأتقى.
وخطبة لعتبة بن أبي سفيان
لما اشتكى شكاته التي مات فيها، تحامل إلى المنبر فقال:
يا أهل مصر، لا غنى عن الرب، ولا مهرب من ذنب؛ إنه قد تقدّمت مني
стр. 1319
إليكم عقوبات كنت ارجو يومئذ الأجر فيها، وأنا أخاف اليوم الوزر منها، فليتني لا أكون اخترت دنياي على معادي، فأصلحتكم بفسادي؛ وأنا أستغفر الله منكم، وأتوب إليه فيكم؛ فقد خفت ما كنت أرجو نفعا عليه، ورجوت ما كنت أخاف اغتيالا به، وقد شقي من هلك بين رحمة الله وعفوه؛ والسلام عليكم، سلام من لا ترونه عائدا إليكم. قال: فلم يعد.
وخطبة لعتبة
العتبي: قال سعد القصر: احتبست عنا كتب معاوية بن أبي سفيان حين أرجف أهل مصر بموته، ثم قدم علينا كتابه بسلامته؛ فصعد عتبة المنبر والكتاب في يده، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
يا أهل مصر، قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح وظبات «١» السيوف، حتى صرنا شجى في لهواتكم ما تسيغه حلوقكم، وأقذاء في أعينكم ما تطرف عليها جفونكم، أفحين اشتدّت عرى الحق عليكم عقدا واسترخت عقد الباطل منكم حلا، أرجفتم بالخليفة، وأردتم تهوين الخلافة، وخضتم الحق إلى الباطل، وأقدم عهدكم به حديث، فاربحوا أنفسكم إذا خسرتم دينكم؛ فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السارّ عنه والعهد القريب منه؛ واعلموا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم؛ فأصلحوا لنا ما ظهر، نكلكم إلى الله فيما بطن؛ وأظهروا خيرا وإن أضمرتم شرا، فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون؛ وعلى الله أتوكل وبه أستعين. ثم نزل.
خطبة عتبة في الموسم
سعد القصر قال: قال مولى عتبة بن أبي سفيان: دفع عتبة بن أبي سفيان بالموسم سنة إحدى وأربعين، والناس حديث عهدهم بالفتنة، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
стр. 1320
إنا قد ولينا هذا المقام الذي يضعف الله فيه للمحسنين الأجر، وللمسيئين الوزر، ونحن على طريق ما قصدنا له، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإنها تنقطع من دوننا؛ ورب متمنّ حتفه في أمنيته، اقبلونا ما قبلنا العافية فيكم وقبلناها منكم، وإياكم ولوّا «١» فإن لوّا قد أتعبت من قبلكم، ولن تريح من بعدكم؛ فأسأل الله أن يعين كلّا على كل.
فناداه أعرابي من ناحية المسجد: أيها الخليفة. قال: لست به ولم تبعد فقال: يا أخاه! فقال: أسمعت فقل.
فقال: والله لأن تحسنوا وقد أسأنا خير لكم من أن تسيئوا وقد أحسنّا فإن كان الإحسان لكم فما أحقّكم باستتمامه، وإن كان لنا فما أحقكم بمكافأتنا. رجل من بني عامر بن صعصعة يلقاكم بالعمومة، ويختص إليكم بالخئولة، وقد كثر عياله، ووطئه زمانه، وبه فقر، وفيه أجر، وعنده شكر.
فقال عتبة: أستغفر الله منكم؛ وأسأله العون عليكم، وقد أمرت لك بغناك؛ فليت إسراعنا إليك يقوم بإبطائنا عنك.
خطبة لعتبة بن أبي سفيان
سعد القصر قال:
وجّه عتبة بن أبي سفيان ابن أخي أبي الأعور السلمي إلى مصر فمنعوه الخراج، فقدم عليهم عتبة فقام خطيبا فقال:
يأهل مصر، قد كنتم تعتذرون لبعض المنع منكم ببعض الجور عليكم؛ فقد وليكم من يقول ويفعل، ويقول؛ فإن رددتم ردّكم بيده، وإن استعصيتم ردّكم بسيفه، ثم رجا في الآخر ما أمّل في الأوّل؛ إن البيعة مشايعة «٢» ، فلنا عليكم السمع والطاعة،
стр. 1321
ولكم علينا العدل؛ فأيّنا غدر فلا ذمّة له عند صاحبه، والله ما انطلقت بها ألسنتنا حتى عقدت عليها قولبنا، ولا طلبناها منكم حتى بذلناها لكم، ناجزا بناجز، ومن حذّر كمن بشّر. قال فنادوه: سمعا سمعا، فناداهم: عدلا عدلا عدلا.
وخطبة لعتبة
قدم كتاب معاوية إلى عتبة بمصر: إنّ قبلك قوما يطعنون على الولاة ويعيبون السلف. فخطبهم فقال:
يأهل مصر، خفّ على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه، وذمّ الباطل وأنتم تأتونه، كالحمار يحمل أسفارا أثقله حملها ولم ينفعه ثقلها، وايم الله لا أداويكم بالسيف ما صلحتم على السوط، ولا أبلغ السوط ما كفتني الدّرة، ولا أبطيء عن الأولى ما لم تسرعوا إلى الأخرى؛ فالزموا ما أمركم الله به، تستوجبوا ما فرض الله لكم علينا؛ وإياكم وقال ويقول، قبل أن يقال فعل ويفعل؛ وكونوا خير قوس سهما. فهذا اليوم الذي ليس قبله عقاب، ولا بعده عتاب.
خطب الخوارج
خطبة لقطري بن الفجاءة في ذمّ الدنيا
صعد قطري بن الفجاءة منبر الأزارقة- وهو أحد بني مازن بن عمرو بن تميم- فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أمّا بعد، فإني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، حفّت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وغمرت بالآمال، وتحلّت بالأماني وزيّنت بالغرور؛ لا تدوم حسرتها، ولا تؤمن فجعتها؛ غدّارة ضرارة، وحائلة زائلة، ونافدة بائدة؛ لا تعدو- إذا [هي] تناهت إلى أمنيّة أهل الرغبة فيها والرضا عنها- أن تكون كما قال الله : كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً
стр. 1322
تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
«١» . مع أن امرءا لم يكن منها في حيرة، إلا أعقبته بعدها عبرة؛ ولم يلق من سرائها بطنا، إلا منحته من ضرائها ظهرا؛ ولم تطلّه منها ديمة رخاء، إلا هطلت عليه مزنة «٢» بلاء؛ وحريّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة؛ وإن جانب منها اعذوذب واحلولى، أمر عليه منها جانب فأوبا؛ وإن لبس امرؤ من غضارتها ورفاهيتها نعما، أرهقته من نوائبها غمّا؛ ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن، إلا أصبح منها في قوادم خوف؛ غرّارة، غرور ما فيها؛ باقية، فان ما عليها؛ لا خير في شيء من زادها إلا التقوى، من أقلّ منها استكثر مما يؤمّنه، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه «٣» ، وزال عما قليل عنه، استكثر مما يوبقه؛ كم واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وكم من ذي اختيال فيها قد خدعته؛ وكم من ذي أبّهة فيها قد صيّرته حقيرا وذي نخوة فيها قد ردّته ذليلا، وذي تاج قد كبّته «٤» لليدين والفم؛ سلطانها دول»
، وعيشها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها مرّ، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام «٦» وقطافها سلع «٧» ؛ حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام؛ مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وصحيحها وسليمها منكوب؛ وحائزها وجامعها محروب؛ مع أنّ من وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطّلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل؛ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
ألستم في مساكن من كان أطول أعمارا، وأوضح آثارا، وأعدّ عديدا، وأكثف جنودا، وأعتد عتادا، وأطول عمادا؟ تعبّدوا للدنيا أيّ تعبد، وآثروها أي إيثار، وظعنوا عنها بالكرّة والصّغار؛ فهل بلغكم أنّ الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية، وأغنت عنهم فيما أمّلتهم به بخطب! بل أثقلتهم بالفوادح، وضعضعتهم بالنوائب، وعفّرتهم
стр. 1323
للمناخر، وأعانت عليهم ريب المنون، وعقرتهم بالمصائب؛ وقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر الأمد. هل زوّدتهم إلا الشقاء، وأحلّتهم إلا الضنك، أو نوّرت لهم إلا الظلمة، وأعقبتهم إلا الندامة؟
أفهذه تؤثرون، أم عليها تحرصون، أم إليها تطمئنون؟ يقول الله ﵎:
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
«١» ؛ فبئست الدار لمن لم يتّهمها، ولم يكن فيها على وجل منها؛ اعملوا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بدّ؛ فإنما هي كما نعت الله : لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
«٢» . فاتّعظوا فيها بالذين يبنون بكل ريع آية يعبثون، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، وبالذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
«٣» ؛ واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا [الأجداث] فلا يدعون ضيفانا، وجعل لهم من الضريح أكنان، ومن التراب أكفان، ومن الرّفات جيران؛ فهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما، إن أخصبوا لم يفرحوا، وإن قحطوا لم يقنطوا، جمع وهم آحاد، جيرة وهم أبعاد، متناءون وهم يزارون ولا يزورون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، ولا يرجى دفعهم، وهم كمن لم يكن، قال الله تعالى: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
«٤» استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالآل غربة، وبالنور ظلمة، فجاءوها حفاة عراة فرادى، غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة إلى خلود الأبد يقول الله ﵎: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
«٥» ، فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم
стр. 1324
بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه. ثم نزل.
خطب لأبي حمزة بمكة
خطبهم أبو حمزة الشاري بمكة، فصعد المنبر متوكئا على قوس عربية، فخطب خطبة طويلة، ثم قال:
يأهل مكة، تعيّرونني بأصحابي، تزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شبابا؟ نعم الشباب مكتهلين، عمية عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، قد نظر الله إليهم في آناء الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، قد وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، أنضاء عبادة، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام وطول القيام، مستقلون لذلك في جنب الله، موفون بعهد الله، منجزون لوعد الله، [حتى] إذا رأوا سهام العدوّ قد فوّقت «١» ، ورماحهم قد أشرعت، وسيوفهم قد انتضيت، وبرقت الكتيبة ورعدت بصواعق الموت- استهانوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، فمضى لشاب منهم قدما حتى تختلف رجلاه على عنق فرسه، قد رمّلت «٢» محاسن وجهه الدماء، وعفّر جبينه بالثرى، وأسرع إليه سباع الأرض، وانحطت عليه طير سماء؛ فكم من مقلة في منقار طائر، طالما بكى صاحبها من خشية الله، وكم من كف بانت رقيق، قد فلق بعمد الحديد! رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان.
ثم قال: الناس منا ونحن منهم، إلا عابد وثن، أو كفرة أهل الكتاب، وإماما جائرا، أو شادّا على عضده.
وخطبة أبي حمزة بالمدينة
قال مالك بن أنس ﵀: خطبنا أبو حمزة خطبة شك فيها المستبصر وردّت المرتاب، قال:
стр. 1325
أوصيكم بتقوى الله وطاعته، والعمل بكتابه وسنة نبيه ﷺ ، وصلة الرحم، وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله، وتصغير ما عظّمت من الباطل، وإماتة ما أحيوا من الجور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وأن يطاع الله ويعصى العباد في طاعته؛ فالطاعة لله ولأهل طاعة الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ ندعو إلى كتاب الله وسنة نبيه، والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر الله بها؛ إنا والله ما خرجنا أشرا «١» ولا بطرا «٢» ولا لهوا ولا لعبا؛ ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيها ولا لثأر قد نيل منّا؛ ولكنا لمّا رأينا الأرض قد أظلمت، ومعالم الجور قد ظهرت، وكثر الادّعاء في الدين، وعمل بالهوى، وعطّلت الأحكام، وقتل القائم بالقسط «٣» ، وعنّف القائل بالحق- سمعنا مناديا ينادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فأجبنا داعي الله، فأقبلنا من قبائل شتى، قليلين مستضعفين في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره، فأصبحنا بنعمته إخوانا، وعلى الدين أعوانا.
يأهل المدينة، أوّلكم خير أوّل، وآخركم شرّ آخر؛ إنكم أطعتم قراءكم وفقهاءكم فاختانوكم عن كتاب غير ذي عوج، بتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين؛ فأصبحتم عن الحق ناكبين «٤» ، أمواتا غير أحياء وما تشعرون.
يأهل المدينة، يا أبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ما أصح أصلكم، وأسقم فرعكم! كان آباؤكم أهل اليقين، وأهل المعرفة بالدين، والبصائر النافذة، والقلوب الواعية؛ وأنتم أهل الضلالة والجهالة؛ استعبدتكم الدنيا فأذلتكم والأمانيّ فأضلتكم؛ فتح الله لكم باب الدّين فسددتموه، وأغلق عنكم باب الدنيا ففتحتموه؛ سراع إلى الفتنة، بطاء عن السّنّة «٥» ؛ عمي عن البرهان، صمّ عن العرفان؛
стр. 1326
عبيد الطمع، حلفاء الجزع؛ نعم ما ورّثكم آباؤكم لو حفظتموه، وبئس ما تورّثون أبناءكم إن تمسكوا به! نصر الله آباءكم على الحق، وخذلكم على الباطل؛ كان عدد آبائكم قليلا طيّبا وعددكم كثير خبيث؛ اتبعتم الهوى فأرداكم واللهو فأسهاكم، ومواعظ القرآن تزجركم فلا تزدجرون، وتعبّركم فلا تعتبرون، سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فقلتم: والله ما فيهم الذي يعدل؛ أخذوا المال من غير حلّه، فوضعوه في غير حقه؛ وجاروا في الحكم، فحكموا بغير ما أنزل الله؛ واستأثروا بفيئنا؛ فجعلوه دولة بين الأغنياء منهم، وجعلوا مقاسمنا وحقوقنا في مهور النساء وفروج الإماء. وقلنا لكم:
تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظلموكم، وجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله. فقلتم: لا نقوى على ذلك، ووددنا أنا أصبنا من يكفينا، فقلنا: نحن نكفيكم. ثم الله راع علينا وعليكم، إن ظفرنا لنعطينّ كلّ ذي حق حقه؛ فجئنا فاتقينا الرماح بصدورنا، والسيوف بوجوهنا، فعرضتم لنا دونهم، فقاتلتمونا، فأبعدكم الله؛ فوالله لو فلتم لا نعرف الذي تقول ولا نعلمه لكان أعذر؛ مع أنه لا عذر للجاهل، ولكن أبى الله إلا أن ينطق بالحق على ألسنتكم ويأخذكم به في الآخرة.
ثم قال: الناس منا ونحن منهم، إلا ثلاثة: حاكما جاء بغير ما أنزل الله، أو متبعا له، أو راضيا بعمله.
أسقطنا في هذه الخطبة ما كان من طعنه على الخلفاء، فإنه طعن فيها على عثمان وعلي بن أبي طالب رضوان الله عليهما، وعمر بن عبد العزيز، ولم يترك من جميع الخلفاء إلا أبا بكر وعمر، وكفّر من بعدهما، فلعنة الله عليه؛ إلا أنه ذكر من الخلفاء رجلا أصغى إلى الملاهي والمعازف وأضاع أمر الرعية فقال: كان فلان ابن فلان من عدد الخلفاء عندكم، وهو مضيّع للدين والدنيا، اشتري له بردان بألف دينار ائتزر بأحدهما والتحف بالآخر، وأقعد حبّابة عن يمينه، وسلامة عن يساره، فقال: يا حبابة غنيني، ويا سلامة استقيني؛ فإذا امتلأ سكرا وازدهى طربا شق ثوبيه وقال: ألا أطير؟
فطر إلى النار وبئس المصير! فهذه صفة خلفاء الله تعالى.
стр. 1327
وخطبة لأبي حمزة
أما بعد، فإنك في ناشيء فتنة، وقائم ضلالة قد طال جثومها، واشتدّ عليك غمومها، وتلوّت مصايد عدوّ الله، وما نصب من الشرك لأهل الغفلة عما في عواقبها، فلن يهدّ عمودها، ولن ينزع أوتادها، إلا الذي بيده ملك الأشياء وهو الله الرحمن الرحيم: ألا وإن لله بقايا من عباده لم يتحيروا في ظلمها، ولم يشايعوا أهلها على شبهها؛ مصابيح النور في أفواههم تزهو، وألسنتهم بحجج الكتاب تنطق؛ ركبوا منهج السبيل، وقاموا على العلم الأعظم، هم خصماء الشيطان الرجيم، بهم يصلح الله البلاد، ويدفع عن العباد؛ طوبى لهم وللمستصبحين بنورهم، وأسأل الله أن يجعلنا منهم.
من أرتج «١» عليه في خطبته
أول خطبة خطبها عثمان بن عفان أرتج عليه؛ فقال: أيها الناس، إن أول كلّ مركب صعب؛ وإن أعش تأتكم الخطب على وجهها؛ وسيجعل الله بعد عسر يسرا إن شاء الله.
ولما قدم يزيد بن أبي سفيان الشام واليا عليها لأبي بكر، خطب الناس فأرتج عليه؛ فعاد إلى الحمد لله، ثم أرتج عليه فعاد إلى الحمد ثم أرتج عليه فقال: يأهل الشام عسى الله أن يجعل بعد عسر يسرا، وبعد عيّ بيانا؛ وأنتم إلى إمام فاعل أحوج منكم إلى إمام قائل. ثم نزل، فبلغ ذلك عمرو بن العاص فاستحسنه.
صعد ثابت قطنة منبر سجستان، فقال: الحمد لله. ثم أرتج عليه؛ فنزل وهو يقول:
فإن لا أكن فيهم خطيبا فإنني ... بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب
فقيل له: لو قلتها فوق المنبر لكنت أخطب الناس.
стр. 1328
وخطب معاوية بن أبي سفيان لما ولي، فحصر «١» ، فقال: أيها الناس، إني كنت أعددت مقالا أقوم به فيكم فحجبت عنه؛ فإن الله يحول بين المرء وقلبه؛ كما قال في كتابه؛ وأنتم إلى إمام عدل، أحوج منكم إلى إمام خطيب؛ وإني آمركم بما أمر الله به ورسوله، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه ورسوله، وأستغفر الله لي ولكم.
وصعد خالد بن عبد الله القسري المنبر فأرتج عليه، فمكث مليا لا يتكلم؛ ثم تهيأ له الكلام فتكلم، فقال: أما بعد، فإن هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب «٢» أحيانا، فيسح عند مجيئه سيبه «٣» ، ويعزّ عند عزوبه طلبه؛ ولربما كوبر فأبى، وعولج فنأى؛ فالتأني لمجيّه، خير من التعاطي لأبيّه، وتركه عند تنكره، أفضل من طلبه عند تعذره؛ وقد يرتج على البليغ لسانه، ويخلج من الجريّ جنانه؛ وسأعود فأقول إن شاء الله.
وصعد أبو العنبس منبرا من منابر الطائف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد ... فأرتج عليه، فقال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: لا. قال: فما ينفعني ما أريد أن أقول لكم؟ ثم نزل.
فلما كان في الجمعة الثانية صعد المنبر وقال: أما بعد؛ فأرتج عليه؛ فقال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: نعم. قال: فما حاجتكم إلى أن أقول لكم ما علمتم؟ ثم نزل.
فلما كانت الجمعة الثالثة قال: أما بعد؛ فأرتج عليه، قال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: بعضنا يدري، وبعضنا لا يدري. قال: فليخبر الذي يدري منكم الذي لا يدري! ثم نزل.
وأتى رجل من بني هاشم اليمامة، فلم اصعد المنبر أرتج عليه؛ فقال: حيّا الله هذه الوجوه وجعلني فداءها: قد أمرت طائفي بالليل ألا يرى أحدا إلا أتاني به؛ وإن
стр. 1329
كنت أنا هو! ثم نزل.
وكان خالد بن عبد الله إذ تكلم يظنّ الناس أنه يصنع الكلام، لعذوبة لفظه وبلاغة منطقه؛ فبينا هو يخطب يوما إذ وقعت جرادة على ثوبه، فقال: سبحان من الجرادة من خلقه، أدمج قوائمها وطرفها وجناحيها، وسلطها على ما هو أعظم منها.
خطب عبد الله بن عامر بالبصرة في يوم أضحى، فأرتج عليه، فمكث ساعة ثم قال: والله لا أجمع عليكم عيّا ولؤما. من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها عليّ.
قيل لعبد الملك بن مروان: عجل عليك المشيب يا أمير المؤمنين. فقال: كيف لا يعجل وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين.
خطب النكاح
خطب عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان إلى عتبة بن أبي سفيان ابنته، فأقعده على فخذه، وكان حدثا، فقال:
أقرب قريب، خطب أحبّ حبيب، لا أستطيع له ردّا، ولا أجد من إسعافه بدّا؛ وقد زوّجتكها وأنت أعز عليّ منها، وهي ألصق بقلبي منك؛ فأكرمها يعذب على لساني ذكرك، ولا تهنها فيصغر عندي قدرك؛ وقد قرّبتك مع قربك. فلا تبعد قلبي من قلبك.
وخطبة نكاح
سوار القاضي:
العتبي قال: زوّج شبيب بن شيبة ابنه بنت سوار القاضي، فقلنا: اليوم يعبّ عبابه! فلما اجتمعوا تكلم فقال:
الحمد لله، وصلى الله على رسول الله، أمّا بعد، فإن المعرفة منا ومنكم بنا وبكم، تمنعنا من الإكثار، وإن فلانا ذكر فلانة.
стр. 1330
وخطبة نكاح
العتبي قال: كان الحسن البصري يقول في خطبة النكاح، بعد الحمد لله والثناء عليه:
أمّا بعد، فإن الله جمع بهذا النكاح الأرحام المنقطعة، والأنساب المتفرقة، وجعل ذلك في سنّة من دينه ومنهاج [واضح] من أمره؛ وقد خطب إليكم فلان، وعليه من الله نعمة، وهو يبذل من الصداق كذا فاستخيروا الله وردّوا خيرا يرحمكم الله.
وخطبة نكاح
العتبي قال: حضرت ابن الفقير خطب على نفسه امرأة من باهلة، فقال:
وما حسن أن يمدح المرء نفسه ... ولكن أخلاقا تذمّ وتمدح
وإن فلانة ذكرت لي.
وخطبة نكاح
عمر بن عبد العزيز:
العتبي قال: يستحب للخطاب إطالة الكلام، وللمخطوب إليه تقصيره؛ فخطب محمد بن الوليد [بن عتبة بن أبي سفيان] إلى عمر بن عبد العزيز أخته، فتكلم محمد بكلام طويل، فأجابه عمر:
الحمد لله ذي الكبرياء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء، أمّا بعد، فإن الرغبة منك دعتك إلينا، والرغبة فيك أجابتك منا، وقد أحسن بك ظنّا من أودعك كريمته، واختارك ولم يختر عليك، وقد زوّجتها على كتاب الله: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وخطبة نكاح
خطب بلال إلى قوم من خثعم لنفسه ولأخيه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
стр. 1331
أنا بلال وهذا أخي، كنا ضالّين فهدانا الله، عبدين فأعتقنا الله، فقيرين فأغنانا الله؛ فإن تزوّجونا فالحمد لله، وإن تردّونا فالمستعان الله.
وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز:
قد زوّجك أمير المؤمنين ابنته فاطمة. قال: جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا، فقد أجزلت العطية، وكفيت المسألة.
نكاح العبد
الأصمعي قال: زوّج خالد بن صفوان عبده من أمته، فقال له العبد: لو دعوت الناس وخطبت! قال: ادعهم أنت. فدعاهم العبد، فلما اجتمعوا تكلم خالد بن صفوان فقال:
إن الله أعظم وأجلّ من أن يذكر في نكاح هذين الكلبين! وأنا أشهدكم أني زوّجت هذه الزانية، من هذا ابن الزانية.
خطب الأعراب
الأصمعي قال: خطب أعرابي فقال: أمّا بعد، فإن الدنيا دار ممرّ، والآخرة دار مقرّ؛ فخذوا من ممرّكم لمقرّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها حييتم، ولغيرها خلقتم، اليوم عمل بلا حساب، وغدا حساب بلا عمل، إنّ الرجل إذا هلك قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة: ما قدّم؟ فقدّموا بعضا يكون لكم قرضا، ولا تتركوا كلا فيكون عليكم كلّا، أقول قولي هذا والمحمود الله والمصلّى عليه محمد والمدعوّ له الخليفة، ثم إمامكم جعفر. قوموا إلى صلاتكم.
وخطبة لأعرابي
الحمد لله الحميد المستحمد، وصلى الله على النبي محمد، أمّا بعد، فإنّ التعمق في
стр. 1332
ارتجال الخطب لممكن، والكلام لا يثني حتى ينثنى عنه، والله ﵎ لا يدرك واصف كنه صفته، ولا يبلغ خطيب منتهى مدحته، له الحمد كما مدح نفسه، فانهضوا إلى صلاتكم. ثم نزل فصلى.
خطبة أعرابي لقومه
الحمد لله، وصلى الله على النبي المصطفى، وعلى جميع الأنبياء، ما أقبح بمثلي أن ينهى عن أمر ويرتكبه، ويأمر بشيء ويجتنبه، وقد قال الأوّل:
ودع ما لمت صاحبه عليه ... فذمّ أن يلومك من تلوم
ألهمنا الله وإياكم تقواه، والعمل برضاه.
стр. 1333
كتاب المجنّبة الثانية في التوقيعات والفصول والصدور واخبار الكتبة
فرش الكتاب
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الخطب وفضائلها وذكر طوالها وقصارها، ومقامات أهلها؛ ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في التوقيعات، والفصول، والصدور، وأدوات الكتابة، وأخبار الكتاب، وفضل الإيجاز؛ إذ كان أشرف الكلام كلّه حسنا وأرفعه قدرا، وأعظمه من القلوب موقعا، وأقلّه على اللسان عملا: ما دل بعضه على كله، وكفى قليله عن كثيره، وشهد ظاهره على باطنه، وذلك أن تقلّ حروفه وتكثر معانيه؛ ومنه قولهم: ربّ إشارة أبلغ من لفظ.
أليس أن الإشارة تبين ما لا يبينه الكلام، وتبلغ ما يقصر عنه اللسان؟ ولكنها إذا قامت مقام اللفظ وسدت مسدّ الكلام، كانت أبلغ؛ لخفة مؤنتها، وقلة محملها.
قال ابرويز لكاتبه: اجمع الكثير مما تريد من المعنى، في القليل مما تقول. يحضّه على الإيجاز. وينهاه عن الإكثار في كتبه، ألا تراهم كيف طعنوا على الإسهاب والإكثار، حتى كان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من الإسهاب؛ قيل له: وما الإسهاب؟ قال: المسهب الذي يتخلل بلسانه تخلّل الباقر «١» ، ويشول به شولان الروق «٢» .
وقال النبي ﷺ : «أبغضكم إليّ الثرثارون المتشدقون» يريد: أهل الإكثار والتقعير في الكلام.
стр. 1334
العرب والإيجاز:
ولم أجد أحدا من السلف يذمّ الإيجاز ويقدح فيه، ولا يعيبه ويطعن عليه وتحب العرب التخفيف والحذف، ولهربها من التثقيل والتطويل، كان قصر الممدود أحب إليها من مدّ المقصور، وتسكين المتحرك أخفّ عليها من تحريك الساكن لأن الحركة عمل والسكون راحة.
ومن كلام العرب الاختصار والإطناب، والاختصار عندهم أحمد في الجملة، وإن كان للإطناب موضع لا يصلح إلا له، وقد توميء إلى الشيء فتستغني عن التفسير بالإيماء، كما قالوا: لمحة دالّة.
جعفر وكتابه لابن مسعدة:
كتب عمرو بن مسعدة إلى ضمرة الحروري كتابا، فنظر فيه جعفر بن يحيى فوقع في ظهره؛ إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيّا.
مروان وكتاب لقائد:
وبعث إلى مروان بن محمد قائد من قواده بغلام أسود، فأمر عبد الحميد الكاتب أن يكتب إليه يلحاه «١» ويعنفه، فكتب وأكثر، فاستثقل ذلك مروان، وأخذ الكتاب فوقع في أسفله: أما إنك لو علمت عددا أقل من واحد، ولونا شرّا من أسود، لبعثت به.
ربيعة الرأي وأعرابي:
وتكلم ربيعة الرأي فأكثر، وأعجبه إكثاره، فالتفت إلى أعرابيّ إلى جنبه فقال له:
ما تعدون البلاغة عندكم يا أعرابي؟ قال له: حذف الكلام، وإيجاز الصواب. قال: فما
стр. 1335
تعدّون العيّ؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم! فكأنما القمه حجرا
أول من وضع الكتابة
آدم ﵇:
أول من وضع الخط العربي والسرياني وسائر الكتب، آدم ﷺ ، قبل موته بثلاثمائة سنة؛ كتبه في الطين ثم طبخه؛ فلما انقضى ما كان أصاب الأرض من الغرق، وجد كلّ قوم كتابهم فكتبوا به، فكان إسماعيل ﵊ وجد كتاب العرب.
وروي عن أبي ذر عن النبي ﷺ أن إدريس أول من خط بالقلم بعد ادم ﷺ .
إسماعيل ﵇:
وعن ابن عباس أن أول من وضع الكتابة العربية إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وكان أول من نطق بها، فوضعت على لفظه ومنطقه.
قوم من القدماء:
وعن عمرو بن شبة بأسانيده، أن أول من وضع الخط العربي، أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت؛ وهم قوم من الجبلّة «١» الآخرة، وكانوا نزولا مع عدنان ابن أدد، وهم من طسم وجديس.
وحكى أنهم وضعوا الكتب على أسمائهم، فلما وجدوا حروفا في الألفاظ ليست في أسمائهم ألحقوها بهم وسموها الروادف، وهي: الثاء والخاء والذال والضاد والظاء والغين، على حسب ما يلحن في حروف الجمّل.
следующие страницы →