Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
أنا بلال وهذا أخي، كنا ضالّين فهدانا الله، عبدين فأعتقنا الله، فقيرين فأغنانا الله؛ فإن تزوّجونا فالحمد لله، وإن تردّونا فالمستعان الله.
وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز:
قد زوّجك أمير المؤمنين ابنته فاطمة. قال: جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا، فقد أجزلت العطية، وكفيت المسألة.
نكاح العبد
الأصمعي قال: زوّج خالد بن صفوان عبده من أمته، فقال له العبد: لو دعوت الناس وخطبت! قال: ادعهم أنت. فدعاهم العبد، فلما اجتمعوا تكلم خالد بن صفوان فقال:
إن الله أعظم وأجلّ من أن يذكر في نكاح هذين الكلبين! وأنا أشهدكم أني زوّجت هذه الزانية، من هذا ابن الزانية.
خطب الأعراب
الأصمعي قال: خطب أعرابي فقال: أمّا بعد، فإن الدنيا دار ممرّ، والآخرة دار مقرّ؛ فخذوا من ممرّكم لمقرّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها حييتم، ولغيرها خلقتم، اليوم عمل بلا حساب، وغدا حساب بلا عمل، إنّ الرجل إذا هلك قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة: ما قدّم؟ فقدّموا بعضا يكون لكم قرضا، ولا تتركوا كلا فيكون عليكم كلّا، أقول قولي هذا والمحمود الله والمصلّى عليه محمد والمدعوّ له الخليفة، ثم إمامكم جعفر. قوموا إلى صلاتكم.
وخطبة لأعرابي
الحمد لله الحميد المستحمد، وصلى الله على النبي محمد، أمّا بعد، فإنّ التعمق في
стр. 1332
ارتجال الخطب لممكن، والكلام لا يثني حتى ينثنى عنه، والله ﵎ لا يدرك واصف كنه صفته، ولا يبلغ خطيب منتهى مدحته، له الحمد كما مدح نفسه، فانهضوا إلى صلاتكم. ثم نزل فصلى.
خطبة أعرابي لقومه
الحمد لله، وصلى الله على النبي المصطفى، وعلى جميع الأنبياء، ما أقبح بمثلي أن ينهى عن أمر ويرتكبه، ويأمر بشيء ويجتنبه، وقد قال الأوّل:
ودع ما لمت صاحبه عليه ... فذمّ أن يلومك من تلوم
ألهمنا الله وإياكم تقواه، والعمل برضاه.
стр. 1333
كتاب المجنّبة الثانية في التوقيعات والفصول والصدور واخبار الكتبة
فرش الكتاب
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الخطب وفضائلها وذكر طوالها وقصارها، ومقامات أهلها؛ ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في التوقيعات، والفصول، والصدور، وأدوات الكتابة، وأخبار الكتاب، وفضل الإيجاز؛ إذ كان أشرف الكلام كلّه حسنا وأرفعه قدرا، وأعظمه من القلوب موقعا، وأقلّه على اللسان عملا: ما دل بعضه على كله، وكفى قليله عن كثيره، وشهد ظاهره على باطنه، وذلك أن تقلّ حروفه وتكثر معانيه؛ ومنه قولهم: ربّ إشارة أبلغ من لفظ.
أليس أن الإشارة تبين ما لا يبينه الكلام، وتبلغ ما يقصر عنه اللسان؟ ولكنها إذا قامت مقام اللفظ وسدت مسدّ الكلام، كانت أبلغ؛ لخفة مؤنتها، وقلة محملها.
قال ابرويز لكاتبه: اجمع الكثير مما تريد من المعنى، في القليل مما تقول. يحضّه على الإيجاز. وينهاه عن الإكثار في كتبه، ألا تراهم كيف طعنوا على الإسهاب والإكثار، حتى كان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من الإسهاب؛ قيل له: وما الإسهاب؟ قال: المسهب الذي يتخلل بلسانه تخلّل الباقر «١» ، ويشول به شولان الروق «٢» .
وقال النبي ﷺ : «أبغضكم إليّ الثرثارون المتشدقون» يريد: أهل الإكثار والتقعير في الكلام.
стр. 1334
العرب والإيجاز:
ولم أجد أحدا من السلف يذمّ الإيجاز ويقدح فيه، ولا يعيبه ويطعن عليه وتحب العرب التخفيف والحذف، ولهربها من التثقيل والتطويل، كان قصر الممدود أحب إليها من مدّ المقصور، وتسكين المتحرك أخفّ عليها من تحريك الساكن لأن الحركة عمل والسكون راحة.
ومن كلام العرب الاختصار والإطناب، والاختصار عندهم أحمد في الجملة، وإن كان للإطناب موضع لا يصلح إلا له، وقد توميء إلى الشيء فتستغني عن التفسير بالإيماء، كما قالوا: لمحة دالّة.
جعفر وكتابه لابن مسعدة:
كتب عمرو بن مسعدة إلى ضمرة الحروري كتابا، فنظر فيه جعفر بن يحيى فوقع في ظهره؛ إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيّا.
مروان وكتاب لقائد:
وبعث إلى مروان بن محمد قائد من قواده بغلام أسود، فأمر عبد الحميد الكاتب أن يكتب إليه يلحاه «١» ويعنفه، فكتب وأكثر، فاستثقل ذلك مروان، وأخذ الكتاب فوقع في أسفله: أما إنك لو علمت عددا أقل من واحد، ولونا شرّا من أسود، لبعثت به.
ربيعة الرأي وأعرابي:
وتكلم ربيعة الرأي فأكثر، وأعجبه إكثاره، فالتفت إلى أعرابيّ إلى جنبه فقال له:
ما تعدون البلاغة عندكم يا أعرابي؟ قال له: حذف الكلام، وإيجاز الصواب. قال: فما
стр. 1335
تعدّون العيّ؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم! فكأنما القمه حجرا
أول من وضع الكتابة
آدم ﵇:
أول من وضع الخط العربي والسرياني وسائر الكتب، آدم ﷺ ، قبل موته بثلاثمائة سنة؛ كتبه في الطين ثم طبخه؛ فلما انقضى ما كان أصاب الأرض من الغرق، وجد كلّ قوم كتابهم فكتبوا به، فكان إسماعيل ﵊ وجد كتاب العرب.
وروي عن أبي ذر عن النبي ﷺ أن إدريس أول من خط بالقلم بعد ادم ﷺ .
إسماعيل ﵇:
وعن ابن عباس أن أول من وضع الكتابة العربية إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وكان أول من نطق بها، فوضعت على لفظه ومنطقه.
قوم من القدماء:
وعن عمرو بن شبة بأسانيده، أن أول من وضع الخط العربي، أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت؛ وهم قوم من الجبلّة «١» الآخرة، وكانوا نزولا مع عدنان ابن أدد، وهم من طسم وجديس.
وحكى أنهم وضعوا الكتب على أسمائهم، فلما وجدوا حروفا في الألفاظ ليست في أسمائهم ألحقوها بهم وسموها الروادف، وهي: الثاء والخاء والذال والضاد والظاء والغين، على حسب ما يلحن في حروف الجمّل.
стр. 1336
بنو إسماعيل:
وعنه أن أول من وضع الخط: نفيس، ونصر، وأتيما، وبنو إسماعيل بن إبراهيم، ووضعوه متصل الحروف بعضها ببعض حتى فرقه نبت وهميسع وقيذر.
طيء:
وحكوا أيضا أن ثلاثة نفر من طيء اجتمعوا ببقعة، وهم مرامر بن مرة، وأسلم ابن سدرة، وعامر بن جدرة؛ فوضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلمه قوم من الأنبار.
في الإسلام:
وجاء الإسلام وليس أحد يكتب بالعربية غير سبعة عشر إنسانا، وهم: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، وعثمان، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبان بن سعيد بن العاص، وخالد بن سعيد أخوه، وأبو حذيفة ابن عتبة، ويزيد بن أبي سفيان، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، والعلاء بن الحضرمي وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان بن حرب، ومعاوية ولده، وجهيم بن الصلت بن مخرمة.
استفتاح الكتب
إبراهيم بن محمد الشيباني قال: لم تزل الكتب تستفتح: باسمك اللهم، حتى أنزلت سورة هود وفيها: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
«١» فكتب بسم الله؛ ثم نزلت بسورة بني إسرائيل: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
«٢» ، فكتب بسم الله الرحمن؛ ثم نزلت بسورة النمل: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
«٣» فاستفتح بها رسول الله ﷺ وصارت سنّة.
стр. 1337
وكان رسول الله ﷺ يكتب إلى أصحابه وأمراء جنوده: من محمد رسول الله إلى فلان.
وكذلك كانوا يكتبون إليه: يبدءون بأنفسهم، فممن كتب إليه وبدأ بنفسه أبو بكر، والعلاء بن الحضرمي، وغيرهما؛ وكذلك كتب الصحابة والتابعين؛ ثم لم تزل حتى ولى الوليد بن عبد الملك، فعظم الكتاب وأمر أن لا يكاتبه الناس بمثل ما يكاتب به بعضهم بعضا، فجرت به سنة الوليد إلى يومنا هذا، إلا ما كان من عمر بن عبد العزيز ويزيد الكامل، فإنهما عملا بسنة رسول الله ﷺ ، ثم رجع الأمر إلى رأي الوليد، والقوم عليه إلى اليوم.
ختم الكتاب وعنوانه
سبب ذلك:
وأما ختم الكتاب وعنوانه فإن الكتب لم تزل مشهورة غير معنونة ولا مختومة حتى كتبت صحيفة المتلمس، فلما قرأها ختمت الكتب وعنونت؛ وكانت يؤتى بالكتاب فيقال: من عني به؟ فسمى عنوانا.
وقال حسان بن ثابت في قتل عثمان:
ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا «١»
وقال آخر:
وحاجة دون أخرى قد سمحت بها ... جعلتها للذي أحببت عنوانا
وقال أهل التفسير في قول الله تعالى: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
«٢» : أي مختوم؛ إذ كانت كرامة الكتاب ختمه.
стр. 1338
تأريخ الكتاب
سبب ذلك:
لا بد من تأريخ الكتاب؛ لأنه لا يدل على تحقيق الأخبار وقرب عهد الكتاب وبعده إلا بالتأريخ، فإذا أردت أن تؤرّخ كتابك فانظر إلى ما مضى من الشهر وما بقي منه، فإن كان ما بقي أكثر من نصف الشهر، كتبت: لكذا وكذا ليلة مضت من شهر كذا؛ وإن كان الباقي أقل من النصف جعلت مكان مضت: بقيت.
وقد قال بعض الكتاب: لا تكتب إذا أرّخت إلا بما مضى من الشهر؛ لأنه معروف وما بقي منه مجهول؛ لأنك لا تدري أيتم الشهر أم لا.
سحاءة الكتاب وطريقة لابن طاهر:
ولا تجعل سحاءة «١» كتابك غليظة، إلا في كتب العهود والسجلات التي يحتاج إلى بقاء خواتمها وطوابعها؛ فإن عبد الله بن طاهر كتب إليه بعض عمّاله على العراق كتابا، وجعل سحاءته غليظة، فأمر بإشخاص الكاتب إليه، فلما ورد عليه قال له عبد الله بن طاهر: إن كانت معك فأس فاقطع ختم كتابك ثم ارجع إلى عملك، وإن عدت إلى مثلها عدنا إلى إشخاصك لقطعها؛ ولا تعظم الطينة «٢» جدا، وطن كتبك بعد كتبك عناوينها، فإن ذلك من أدب الكاتب، فإن طينت قبل العنوان فأدب منتحل.
تفسير الأمي
فأما الأمّيّ فمجازه على ثلاثة وجوه: قولهم أمي؛ منسوب إلى أمة رسول الله ﷺ ويقال: رجل أمّي؛ إذا كان من أمّ القرى، قال الله تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ
стр. 1339
حَوْلَها
«١» ، وأما قوله تعالى: النَّبِيَّ الْأُمِّيَ
«٢» ، فإنما أراد به الذي لا يقرأ ولا يكتب، والأمّيّة في النبي ﷺ فضيلة: لأنها أدلّ على صدق ما جاء به أنه من عند الله لا من عنده، وكيف يكون من عنده وهو لا يكتب ولا يقرأ ولا يقول الشعر ولا ينشده؟
المأمون والمنقرى:
قال المأمون لأبي العلاء المنقرى: بلغني أنك أمّيّ، وأنك لا تقيم الشعر. وأنك تلحن في كلامك! فقال: يا أمير المؤمنين، أما اللحن فربما سبقني لساني بالشيء منه، وأما الأمّيّة وكسر الشعر فقد كان النبي ﷺ أمّيّا، وكان لا ينشد الشعر. فقال المأمون: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعا، وهو الجهل، أما علمت يا جاهل أن ذلك في النبي ﷺ فضيلة وفيك وفي أمثالك نقيصة.
شرف الكتاب وفضلهم
فمن فضلهم قول الله تعالى على لسان نبيه ﷺ : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
»
، وقوله تعالى: كِراماً كاتِبِينَ
«٤» ، وقوله: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ
«٥» .
وللكتّاب أحكام بيّنة كأحكام القضاة يعرفون بها وينسبون إليها ويتقلدون التدبير وسياسة الملك دون غيرهم، وبهم يقام أود الدين وأمور العالمين.
كتاب النبي ﷺ :
فمن أهل هذه الصناعة: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكان مع شرفه ونبله وقرابته من رسول الله ﷺ يكتب الوحي، ثم أفضت عليه الخلافة بعد الكتابة،
стр. 1340
وعثمان بن عفان- كانا يكتبان الوحي، فإن غابا كتب أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، فإن لم يشهد واحد منهما، كتب غيرهما.
وكان خالد بن سعيد بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، يكتبان بين يديه في حوائجه.
وكان المغيرة بن شعبة، والحصين بن نمير، يكتبان ما بين الناس، وكانا ينوبان عن خالد ومعاوية إذا لم يحضرا.
وكان عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث، والعلاء بن عقبة، يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء.
وكان ربما كتب عبد الله بن الأرقم إلى الملوك عن النبي ﷺ وعلى آله.
وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص «١» ثمار الحجاز.
وكان زيد بن ثابت يكتب إلى الملوك مع ما كان يكتبه من الوحي؛ وقيل إنه تعلم بالفارسية من رسول كسرى، وبالرومية من حاجب النبي ﷺ ، وبالحبشية من خادم النبي ﷺ ، وبالقبطية من خادمه ﵊.
وروي عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب بين يدي رسول الله ﷺ يوما، فقام لحاجة، فقال لي: ضع القلم على أذنك، فإنه أذكر للمملي وأفضى للحاجة.
وكان معيقيب بن أبي فاطمة يكتب مغانم النبي ﷺ .
وكان حنظلة بن الربيع بن المرقع بن صيفي، ابن أخي أكثم بن صيفي الأسيّدي، خليفة كل كاتب من كتاب النبي ﷺ إذا غاب عن عمله؛ فغلب عليه اسم الكاتب، وكان يضع عنده خاتمه، فقال له: الزمني وأذكرني بكل شيء أنا فيه؛ وكان لا يأتي على مال ولا طعام ثلاثة أيام إلا أذكره؛ فلا يبيت ﷺ وعنده منه شيء.
стр. 1341
ومرّ رسول الله ﷺ يوما بامرأة مقتولة يوم فتح مكة، فقال لحنظلة: الحق خالدا وقل له، لا تقتلنّ ذرية ولا عسيفا «١» . ومات حنظلة بمدينة الرّها، فقالت فيه امرأة؛ وحكي أنه من قول الجن وهذا محال:
يا عجب الدهر لمحزونة ... تبكي على ذي شيبة شاحب
إن تسأليني اليوم ما شفّني ... أخبرك قيلا ليس بالكاذب
إن سواد العين أودى به ... وجدي على حنظلة الكاتب
لما وجّه عمر بن الخطاب ﵁ سعدا إلى العراق وكتب إليه أن يسبّع القبائل أسباعا، ويجعل على كل سبع رجلا، فعل سعد ذلك، وجعل السّبع الثالث تميما وأسدا وغطفان وهوازن، وأميرهم حنظلة بن الربيع الكاتب. وكان أحد من سيّر إلى يزدجرد يدعوه إلى الإسلام.
وكان الحصين بن نمير من بني عبد مناة شهد بيعة الرضوان، ودعاه رسول الله ﷺ ليكتب صلح الحديبية فأبى ذلك سهيل بن عمرو، وقال: لا يكتب إلا رجل منا. فكتب علي بن أبي طالب.
وروي عنه ﵇ أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله ﷺ بالحديبية، حين صالح قريشا، كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب له، ثم ارتد ولحق بالمشركين، وقال: إن محمدا يكتب بما شئت! فسمع ذلك رجل من الأنصار، فحلف بالله إن أمكنه الله منه ليضربنّه ضربا بالسيف؛ فلما كان يوم فتح مكة جاء به عثمان- وكان بينهما رضاع- فقال: يا رسول الله هذا عبد الله قد أقبل تائبا. فأعرض عنه، والأنصاري مطيف به ومعه سيفه، فمدّ رسول الله ﷺ يده وبايعه، وقال للأنصاري: لقد تلوّمتك «٢» أن توفي بنذرك! فقال: هلا أو مضت إليّ! فقال ﷺ :
لا ينبغي لي أن أومض «٣» .
стр. 1342
أيام أبي بكر ﵁
كان يكتب لأبي بكر عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت.
وروي أن عبد الله بن الأرقم كتب له، وأن حنظلة بن الربيع كتب له أيضا.
ولما تقلد الخلافة دعا يزيد بن ثابت، وقال له: أنت شاب عاقل لا نتهمك على رسول الله ﷺ ، وكنت تكتب الوحي: فتتبع القرآن فاجمعه وفيه يقول حسان بن ثابت:
فمن للقوافي بعد حسّان وابنه ... ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت
أيام عمر بن الخطاب ﵁
كتب لعمر بن الخطاب: زيد بن ثابت، وعبد الله بن أرقم، وعبد الله بن خلف الخزاعي- أبو طلحة الطلحات- على ديوان البصرة.
وكتب له على ديوان الكوفة أبو جبيرة بن الضحاك، فلم يزل عليه إلى أن ولى عبيد الله بن زياد، فعزله وولى مكانه حبيب بن سعد القيسي.
أيام عثمان بن عفان ﵁
كان يكتب لعثمان مروان بن الحكم، وكان عبد الملك بن مروان يكتب له على ديوان المدينة، وأبو حبترة على ديوان الكوفة، وعبد الله بن الأرقم على بيت المال، وكان أبو غطفان بن عوف بن سعد بن دينار من بني همدان، من قيس بن عيلان- يكتب له أيضا، وكان يكتب له أهيب مولاه، وحمران مولاه.
أيام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
كان يكتب له سعيد بن نمران الهمداني، ثم ولي قضاء الكوفة لابن الزبير؛ وكان عبد الله بن جعفر يكتب له؛ وروي أن عبد الله بن حسن كتب له؛ وكان عبد الله ابن أبي رافع يكتب له، وسماك بن حرب.
стр. 1343
[أيام بني أمية]
كتاب بني أمية:
وكان يكتب لمعاوية بن أبي سفيان: سعيد بن أنس الغساني.
وكاتب يزيد بن معاوية: سرجون بن منصور.
وكاتب مروان بن الحكم: حميد بن عبد الرحمن بن عوف.
وكانت عبد الملك بن مروان: سالم مولاه، ثم كتب له عبد الحميد بن يحيى. وهو عبد الحميد الأكبر.
وكاتب الوليد بن عبد الملك: جناح مولاه.
وكاتب سليمان بن عبد الملك: عبد الحميد الأصغر.
وكاتب عمر بن عبد العزيز: الليث بن أبي رقية مولى أم الحكم؛ وكتب له رجاء ابن حيوة وخص به؛ وإسماعيل بن أبي حكم مولى الزبير؛ وسليمان بن سعد الحسني على ديوان الخراج. وكان عمر يكتب كثيرا بيده.
وكاتب يزيد بن عبد الملك: عبد الحميد أيضا، ثم لم يزل كاتبا لبني أمية إلى أيام مروان بن محمد وانقضاء دولة بني أمية؛ وكان عبد الحميد أول من فتق أكمام البلاغة، وسهّل طرقها، وفكّ رقاب الشعر.
ثم جاءت الدولة العباسية
كتاب بني العباس:
فكان كاتب أبي العباس وأبي جعفر: أبا أيوب المورياني الأهوازي.
وكاتب محمد المهدي بن المنصور: معاوية بن عبيد الله، ثم يعقوب بن داود.
وكاتب موسى الهادي بن محمد المهدي: إبراهيم بن ذكوان الحراني.
وكاتب هارون الرشيد محمد المهدي: يحيى بن خالد البرمكي، ثم الفضل بن الربيع، ثم إبراهيم بن صبيح.
стр. 1344
وكاتب محمد- بن زبيدة- الأمين: الفضل بن الربيع.
وكاتب عبد الله المأمون بن هارون الرشيد: الفضل بن سهل، ثم الحسن بن سهل، ثم عمرو بن مسعدة، ثم أحمد بن يوسف.
وكاتب أبي إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد، وهو المعروف بابن ماردة:
الفضل بن مروان، ومحمد بن عبد الملك الزيات.
وكاتب الواثق هارون بن محمد المعتصم: محمد بن الملك الزيات أيضا.
وكاتب المتوكل جعفر بن محمد المعتصم: إبراهيم بن العباس بن صول، مولى لبني العباس.
وكاتب المنتصر محمد، ويكنى أبا جعفر، ابن المتوكل: أحمد بن الخصيب.
ثم كتب للمستعين: أحمد بن محمد المعتصم، فظهر من عجزه وعيّه ما أسخطه عليه، ثم جعل وزارته إلى أوتامش، وقام بخدمته شجاع بن القاسم كاتبه، ثم سخط عليهما فقتلهما واستوزر أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، ثم صرفه وقلد وزارته محمد بن الفضل الجرجاني، ثم كانت الفتنة بين المستعين والمعتز، وزارته جعفر بن عفر بن محمود الجرجاني، فلما استقام الأمر رد وزارته إلى أحمد بن إسرائيل.
وكاتب المهتدي محمد بن الواثق: جعفر بن محمود الجرجاني، ثم استوزر بعده أيا أيوب سليمان بن وهب.
واستوزر المعتمد أحمد بن المتوكل: عبيد الله بن يحيى بن خافان، فلما توفى استوزر بعده الحسن بن مخلد؛ وكان سبب موته أنه صدمه غلام له في الميدان يقال له رشيق، فحمل إلى منزله فمات بعد ثلاث ساعات.
وتقلد الوزارة للمعتضد: أحمد بن طلحة.
وللموفق بن جعفر المتوكل: عبيد الله بن سليمان بن وهب.
وتقلد الوزارة للمكتفي بالله أبي محمد علي بن المعتضد بالله: القاسم بن عبيد الله ابن سليمان.
стр. 1345
وتقلد الوزارة لجعفر المقتدر بالله بن المعتضد بالله: علي بن محمد بن الفرات، ثم محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، ثم علي بن عيسى ثم حامد بن العباس، ثم محمد ابن علي بن مقلة، الذي يوصف خطه بالجودة؛ ثم سليمان بن الحسن بن مخلد، ثم عبد الله بن أحمد الكلوذاني، ثم الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، ولقّب بعميد الدولة، وكان يكتب على كتبه: «من عميد الدولة أبي علي بن ولي الدولة» وذكر لقبه على الدنانير والدراهم؛ ثم الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات.
وتقلد الوزارة للقاهر بالله منصور محمد بن المعتضد: محمد بن علي بن مقلة ثم محمد ابن القاسم بن عبيد الله، ثم القاسم بن عبيد الله الحصيني.
وتقلد الوزارة للراضي بالله أبي العباس محمد بن جعفر المقتدر: محمد بن علي بن مقلة، ثم عبد الرحمن بن عيسى، أخو الوزير علي بن عيسى، ثم محمد بن القاسم الكرخي؛ ثم الفضل بن جعفر بن الفرات، ثم محمد بن يحيى بن شيرزاد.
وتقلد الوزارة للمتّقي بالله إبراهيم بن جعفر بن المقتدر؛ كاتبه أحمد بن محمد بن الأفطس، ثم أبو إسحق القراريطي، ثم علي بن محمد بن مقلة.
وتقلد الوزارة للمستكفي بالله أبي القاسم عبد الله بن علي المكتفي بالله: الحسين بن محمد بن أبي سليمان، ثم محمد بن علي السامري المكنى أبا الفرج؛ ثم ولي للمطيع بالله الفضل بن المقتدر، فوزر له الحسن بن هارون.
أسماء من كتب لغير الخليفة
كان المغيرة بن شعبة كاتبا لأبي موسى الأشعري.
وكان سعيد بن جبير كاتبا لعبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان قاضيا بعد ذلك.
وكان الحسن بن أبي الحسن البصري- مع نبله وفقهه وورعه وزهده- كاتبا للربيع بن زياد الحارثي بخراسان، ثم ولي قضاء البصرة لعمر بن عبد العزيز فقيل له:
من ولّيت القضاء بالبصرة؟ فقال: وليت سيد التابعين الحسن بن أبي الحسن البصري.
стр. 1346
وكان محمد بن سيرين- مع علمه وورعه- كاتبا لأنس بن مالك بفارس.
وكان زياد بن أبيه- مع رأيه ودهائه، وما كان من معاوية في ادعائه- يكتب للمغيرة بن شعبة، ثم لعبد الله بن عامر بن كريز، ثم لعبد الله بن عباس، ثم لأبي موسى الأشعري؛ فوجّهه أبو موسى من البصرة لعمر بن الخطاب ليرفع إليه حسابه، فأمر له عمر بألف درهم، لما رأى فيه من الذكاء، وقال له: لا ترجع لأبي موسى.
فقال: يا أمير المؤمنين، أعن خيانة صرفتني أم عن تقصير؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكني أكره أن أحمل فضل عقلك على الرعية! قم ولي بعد الكتابة العراق.
وكان عامر الشعبي- مع فقهه وعلمه ونبله- كاتبا لعبد الله بن مطيع، ثم لعبد الله ابن يزيد عامل عبد الله بن الزبير على الكوفة، ثم ولي قضاء الكوفة بعد الكتابة.
وكان قبيصة بن ذؤيب كاتبا لعبد الملك على ديوان الخاتم.
وكان عبد الرحمن كاتب نافع بن الحارث، وهو عامل أبي بكر وعمر على مكة.
وكان عبد الله بن خلف الخزاعي، أبو طلحة الطلحات، كاتبا على ديوان البصرة لعمرو بن عثمان، ثم قتل يوم الجمل مع عائشة ﵄.
وكان خارجة بن زيد بن ثابت على ديوان المدينة، ثم طلب الخلافة فقتل دونها.
وكان يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى كاتبا على ديوان المدينة زمن يزيد بن معاوية، وكان بعده حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري.
أشراف الكتاب كتاب النبي ﷺ
كتاب النبي ﷺ :
كتب له عشرة كتّاب: علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبان بن سعيد بن العاص، ولدا سعيد بن العاص؛
стр. 1347
وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، وزيد بن ثابت، والعلاء بن الحضرمي، ومعاوية بن أبي سفيان: ولم يزل يكتب له حتى مات ﵊.
من أشراف الكتاب:
وكان عثمان بن عفان كاتبا لأبي بكر، ثم صار خليفة.
وكان مروان بن الحكم كاتبا لعثمان بن عفان، ثم صار خليفة.
وكان عمرو بن سعيد بن العاص كاتبا على ديوان المدينة، ثم طلب الخلافة فقتل دونها.
وكان المغيرة بن شعبة كاتبا لأبي موسى الأشعري.
وكان الحسن بن أبي الحسن البصري كاتبا للربيع بن زياد الحارثي بخراسان.
وكان سعيد بن جبير كاتبا لعبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان فاضلا.
وكان زياد كاتبا للمغيرة بن شعبة، ثم لأبي موسى الأشعري، ثم لعبد الله بن عامر ابن كريز، ثم لعبد الله بن عباس.
وكان عامر الشعبي كاتبا لعبد الله بن مطيع، وهو والي الكوفة لعبد الله ابن الزبير.
وكان محمد بن سيرين كاتبا لأنس بن مالك بفارس.
وكان قبيصة بن ذؤيب كاتبا لعبد الملك على ديوان الخاتم.
وكان عبد الرحمن بن أبزي كاتب نافع بن الحارث الخزاعي، وهو عامل أبي بكر وعمر على مكة.
وكان عبيد الله بن أوس الغساني سيد أهل الشام كاتب معاوية.
وكان سعيد بن نمران الهمداني سيد همدان كاتب علي بن أبي طالب، ثم ولي بعد ذلك قضاء الكوفة لابن الزبير.
وكان عبد الله بن خلف الخزاعي أبو طلحة الطلحات كاتبا على ديوان البصرة لعمر وعثمان، وقتل يوم الجمل مع عائشة.
стр. 1348
وكان خارجة بن زيد بن ثابت على ديوان المدينة من قبل عبد الملك.
وكان يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى على ديوان المدينة زمان يزيد بن معاوية؛ وكان بعد حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري صاحب النبي ﷺ .
من نبل بالكتابة وكان قبل خاملا
سرجون بن منصور الرومي: كتب لمعاوية، ويزيد ابنه، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان؛ إلى أن أمره عبد الملك بأمر فتوانى فيه، ورأى منه عبد الملك بعض التفريط، فقال لسليمان بن سعد كاتبه على الرسائل: إن سرجون يدلّ علينا بصناعته، وأظن أنه رأى ضرورتنا إليه في حسابه، فما عندك فيه حيلة؟ فقال: بلى، لو شئت لحوّلت الحساب من الرومية إلى العربية. قال: افعل، قال: أنظرني أعاني ذلك. قال:
لك نظرة ما شئت. فحوّل الديوان، فولاه عبد الملك جميع ذلك.
وحسان النّبطي كاتب الحجاج، وسالم مولى هشام بن عبد الملك، وعبد الحميد الأكبر، وعبد الصمد، وجبلة بن عبد الرحمن، وقحذم، جدّ الوليد بن هشام القحذمي؛ وهو الذي قلب الدواوين من الفارسية إلى العربية.
ومنهم الفراء، كاتب خالد بن عبد الله القسري.
ومنهم: الربيع، والفضل بن الربيع، ويعقوب بن داود، ويحيى بن خالد، وجعفر ابن يحيى، وأبو محمد عبد الله بن المقفع، والفضل بن سهل، والحسن بن سهل، وجعفر ابن محمد بن الأشعث، وأحمد بن يوسف، وأبو عبد السلام الجند يسابوري، وأبو جعفر محمد بن عبد الملك الزيات، والحسن بن وهب، وإبراهيم بن العباس الصولي، ونجاح بن سلمة، وأحمد بن محمد بن المدبر؛ فهؤلاء نبلوا بالكتابة واستحقوا اسمها.
من أدخل نفسه في الكتابة ولم يستحقها
صالح بن شيرزاد، وجعفر بن سابور كاتب الأفشين، والفضل بن مروان، وداود
стр. 1349
ابن الجراح، وأبو صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وأحمد بن الخصيب؛ فهؤلاء لطخوا أنفسهم بالكتابة وما دانوها.
وقال بعض الشعراء في صالح بن شيرزاد:
حمار في الكتابة يدّعيها ... كدعوى آل حرب في زياد
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو غرّقت ثوبك في المداد
ومنهم أبو أيوب ابن أخت أبي الوزير. وهو القائل يرثي أمّ سليمان بن وهب الكاتب:
لأمّ سليمان علينا مصيبة ... مفلّقة مثل الحسام البواتر
وكنت سراج البيت يا أمّ سالم ... فأضحى سراج البيت وسط المقابر
فقال سليمان بن وهب: ما نزل بأحد من خلق الله ما نزل بي: ماتت أمي فرثيت بمثل هذا الشعر، ونقل اسمي من سليمان إلى سالم.
صفة الكتاب
قال إبراهيم بن محمد الشّيباني: من صفة الكاتب: اعتدال القامة، وصغر الهامة، وخفّة اللهازم «١» ، وكثاثة اللحية، صدق الحسّ، ولطف المذهب، وحلاوة الشمائل، وحسن الإشارة، وملاحة الزّيّ؛ حتى قال بعض المهالبة لولده: تزيّوا بزيّ الكتّاب؛ فإنّ فيهم أدب الملوك وتواضع السّوقة.
وقال إبراهيم بن محمد الكاتب: من كمال آل الكتابة، أن يكون الكاتب نقيّ الملبس، نظيف المجلس، ظاهر المروءة، عطر الرائحة، دقيق الذهن، صادق الحس، حسن البيان، رقيق حواشي اللسان، حلو الإشارة، مليح الاستعارة، لطيف المسالك،
стр. 1350
مستقرّ التركيب، ولا يكون مع ذلك فضفاض الجثّة، متفاوت الأجزاء، طويل اللحية، عظيم الهامة؛ فإنهم زعموا أنّ هذه الصورة لا يليق بصاحبها الذكاء والفطنة.
وأنشد سعيد بن حميد في إبراهيم بن العباس.
رأيت لهازم الكتّاب خفت ... ولهزمتاك شانهما الفدامه «١»
وكتّاب الملوك لهم بيان ... كمثل الدّرّ قد رصفوا نظامه
وأنت إذا نطقت كأنّ عيرا ... يلوك بما يفوه به لجامه
وقال آخر:
عليك بكاتب لبق رشيق ... زكيّ في شمائله جداره
تناجيه بطرفك من بعيد ... فيفهم رجع لحظك بالإشاره
ونظر أحمد بن الخصيب إلى رجل من الكتاب فدم المنظر «٢» ، مضطرب الخلق، طويل العثنون؛ فقال: لأن يكون هذا فنطاس «٣» مركب، أشبه من أن يكون كاتبا.
فإذا اجتمعت للكاتب هذه الخلال، وانتظمت فيه هذه الخصال، فهو الكاتب البليغ، والأديب النّحرير؛ وإن قصرت به آلة من هذه الآلات، وقعدت به أداة من هذه الأدوات، فهو منقوص الجمال، منكسف الحس، منحوس النصيب.
ما ينبغي للكاتب أن يأخذ به نفسه
قال إبراهيم الشيباني: أوّل ذلك حسن الخط، الذي هو لسان اليد، وبهجة الضمير، وسفير العقول، ووحي الفكرة، وسلاح المعرفة، وأنس الإخوان عند الفرقة، ومحادثتهم على بعد المسافة، ومستودع السر، وديوان الأمور.
стр. 1351
ولست أجد لحسن الخط حدّا أقف عليه، أكثر من قول علي بن ربن النصراني الكاتب في الكاتب، فإني سألته واستوصفته الخط، فقال. أعلمك الخط في كلمة واحدة؟ فقلت له: تفضل بذلك. فقال: لا تكتب حرفا حتى تستفرغ مجهودك في كتابة الحرف، وتجعل في نفسك أنك لا تكتب غيره حتى تعجز عنه ثم تنتقل إلى ما بعده.
وإياك والنقط والشكل في كتابك، إلا أن تمرّ بالحرف المعضل الذي تعلم أن المكتوب إليه يعجز عن استخراجه؛ فإني سمعت سعيد بن حميد بن عبد الحميد الكاتب يقول: لأن يشكل الحرف على القارىء أحب إليّ من أن يعاب الكتاب بالشكل.
وكان المأمون يقول: إياكم والشّونيز «١» في كتبكم. يعني النقط والإعجام.
ومن ذلك: أن يصلح الكاتب آلته التي لابدّ منها، وأداته التي لا تتم صناعته إلا بها، مثل دواته، فلينعم ربّها «٢» وإصلاحها، وليتخيّر من أنابيب القصب أقله عقدا، وأكثفه لحما، وأصلبه قشرا، وأعدله استواء؛ ويجعل لقرطاسه سكينا حادّا؛ لتكون عونا له على بري أقلامه، ويبريها من ناحية نبات القصبة؛ واعلم أنّ محل القلم من الكاتب كمحل الرمح من الفارس.
قال العتابي: سألني الأصمعي يوما في دار الرشيد: أي الأنابيب للكتابة أصلح، وعليها أصبر؟ فقلت له: ما نشف بالهجير ماؤه، وستره عن تلويحه غشاؤه، من التّبريّة القشور، الدّرّيّة الظهور؛ الفضّيّة الكسور. قال: فأيّ نوع من البري أصوب وأكتب؟ فقلت: البرية المستوية القطة، التي عن يمين سنها قرنة «٣» تؤمن معها المجة عند المذة والمطة، للهواء في شقها فتيق، والريح في جوفها خريق «٤» ، والمداد في
стр. 1352
خرطومها رقيق. قال العتابي: فبقي الأصمعي باهتا إليّ ضاحكا لا يحير مسألة ولا جوابا.
من صفات الكاتب:
ولا يكون الكاتب كاتبا حتى لا يستطيع أحد تأخير أوّل كتابه وتقديم آخره.
وأفضل الكتاب ما كان في أول كتابه دليل على حاجته، كما أن أفضل الأبيات ما دل أول البيت على قافيته؛ فلا تطيلنّ صدر كتابك إطالة تخرجه عن حدّه، ولا تقصر به دون حدّه؛ فإنهم قد كرهوا في الجملة أن تزيد صدور كتب الملوك على سطرين أو ثلاثة أو ما قارب ذلك.
وقيل للشعبي: أي شيء تعرف به عقل الرجل؟ قال: إذا كتب فأجاد.
وقال الحسن بن وهب: الكاتب نفس واحدة، تجزأت في أبدان متفرقة.
فأمّا الكاتب المستحقّ اسم الكتابة، والبليغ المحكوم له بالبلاغة، من إذا حاول صيغة كتاب، سالت عن قلمه عيون الكلام من ينابيعها، وظهرت معادنها وندرت من مواطنها من غير استكراه ولا اغتصاب.
بين العتابي وصديق له:
بلغني أن صديقا لكلثوم العتابي أتاه يوما فقال له: اصنع لي رسالة. فاستمد مدة ثم علق القلم؛ فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلا شاردة عنك. فقال له العتابي: إني لما تناولت القلم تداعت عليّ المعاني من كل جهة، فأحببت أن أترك كل معنى حتى يرجع إلى موضعه؛ ثم أجتني لك أحسنّها.
بين يزيد وكاتب له:
قال أحمد بن محمد: كنت عند يزيد بن عبد الله أخي ذبيان، وهو يملي على كاتب له؛ فأعجل الكاتب ودارك في الإملاء عليه، فتلجلج لسان قلم الكاتب عن تقييد
стр. 1353
إملائه؛ فقال له: اكتب يا حمار! فقال له الكاتب: أصلح الله الأمير، إنه لما هطلت شآبيب الكلام، وتدافعت سيوله على حرف القلم، كلّ القلم عن إدراك ما وجب عليه تقييده. فكان حضور جواب الكاتب أبلغ من بلاغة يزيد.
وقال له يوما وقد مط حرفا في غير موضعه: ما هذا؟ قال: طغيان في القلم.
ما يحتاج إليه الكاتب:
فإن كان لابد لك من طلب أدوات الكتابة، فتصفح من رسائل المتقدمين ما يعتمد عليه، ومن رسائل المتأخرين ما يرجع إليه، ومن نوادر الكلام ما تستعين به، ومن الأشعار والأخبار والسير والأسمار ما يتسع به منطقك، ويطول به قلمك؛ وانظر في كتب المقامات والخطب، ومجاوبة العرب، ومعالى العجم، وحدود المنطق وأمثال الفرس ورسائلهم وعهودهم، وسيرهم، ووقائعهم، ومكايدهم في حروبهم بعد أن تكون متوسطا علم النحو والغريب، والوثائق والسور، وكتب السجلات والأمانات؛ لتكون ماهرا، تنتزع آي القرآن في مواضعها؛ واختلاف الأمثال في أماكنها؛ وقرض الشعر الجيد وعلم العروض؛ فإن تضمين المثل السائر، والبيت الغابر البارع، مما يزين كتابك، ما لم تخاطب خليفة أو ملكا جليل القدر فإن اجتلاب الشعر في كتب الخلفاء عيب، إلا أن يكون الكاتب هو القارض للشعر والصانع له، فإن ذلك يزيد في أبّهته.
خبر حائك الكلام
أبو جعفر البغدادي قال: حدثنا عثمان بن سعيد قال: لما رجع المعتصم من الثغر وصار بناحية الرقة، قال لعمرو بن مسعدة: ما زلت تسألني في الرّخّجي «١» حتى وليته
стр. 1354
الأهواز، فقعد في سرة الدنيا يأكلها خضما وقضما، ولم يوجه إلينا بدرهم واحد؛ اخرج إليه من ساعتك. فقلت في نفسي: أبعد الوزارة أصبر مستحثا على عامل خراج؟ ولكن لم أجد بدّا من طاعة أمير المؤمنين، فقلت: أخرج إليه يا أمير المؤمنين. فقال: احلف لي أنك لا تقيم ببغداد إلا يوما واحدا. فحلفت له، ثم انحدرت إلى بغداد، فأمرت ففرش لي زورق بالطبري وغشّي بالسّلخ «١» ، وطرح عليه الكز «٢» ، ثم خرجت، فلما صرت بين دير هزقل ودير العاقول، إذا رجل يصيح: يا ملاح، رجل منقطع! فقلت للملاح: قرّب إلى الشطّ. فقال: يا سيدي، هذا شحاذ، فإن قعد معك آذاك. فلم ألتفت إلى قوله، وأمرت الغلمان فأدخلوه، فقعد في كوثل «٣» الزورق، فلما حضر وقت الغذاء عزمت أن أدعوه إلى طعامي، فدعوته، فجعل يأكل أكل جائع بنهامة، إلا أنه نظيف الأكل؛ فلما رفع الطعام، أردت أن يستعمل معي ما يستعمل العوام مع الخواص: أن يقوم فيغسل يده في ناحية؛ فلم يفعل، فغمزه الغلمان، فلم يقم فتشاغلت عنه ثم قلت: يا هذا ما صناعتك؟ قال:
حائك! فقلت في نفسي: هذه شر من الأولى. فقال لي: جعلت فداك، قد سألتني عن صناعتي فأخبرتك، فما صناعتك أنت؟ قال: فقلت في نفسي: هذه أعظم من الأولى، وكرهت أن أذكر له الوزارة فقلت: أقتصر له على الكتابة؛ فقلت: كاتب.
قال: جعلت فداك، الكتّاب على خمسة أصناف: فكاتب رسائل يحتاج إلى أن يعرف الفصل من الوصل والصدور والتهاني والتعازي والترغيب والترهيب والمقصور والممدود وجملا من العربية؛ وكاتب خراج، يحتاج أن يعرف الزرع والمساحة والأشوال والطّسوق «٤» والتقسيط والحساب؛ وكاتب جند، يحتاج أن يعرف مع الحساب الأطماع «٥» وشيات الدواب وحلي الناس؛ وكاتب قاض، يحتاج أن يكون عالما بالشروط والأحكام والفروع والناسخ والمنسوخ والحلال والحرام والمواريث؛ وكاتب
стр. 1355
شرطة، يحتاج أن يكون عالما بالجروح والقصاص والعقول «١» والديات؛ فأيهم أنت أعزك الله؟
قال: قلت: كاتب رسائل. قال: فأخبرني، إذا كان لك صديق تكتب إليه في المحبوب والمكروه وجميع الأسباب، فتزوّجت أمّه، فكيف تكتب له: أتهنيه أم تعزيه؟
قلت: والله ما أقف على ما تقول.
قال: فلست بكاتب رسائل، فأيّهم أنت؟ قلت: كاتب خراج.
قال: فما تقول- أصلحك الله- وقد ولاك السلطان عملا فبثثت عمالك فيه فجاءك قوم يتظلمون من بعض عمالك؛ فأردت أن تنظر في أمورهم وتنصفهم؛ إذ كنت تحب العدل والبر، وتؤثر حسن الأحدوثة وطيب الذكر، وكان لأحدهم قراح «٢» كيف كنت تمسحه؟ قال: كنت أضرب العطوف في العمود وأنظركم مقدار ذلك.
قال: إذا تظلم الرجل. قلت: فأمسح العمود على حدة.
قال: إذا تظلم السلطان. قلت: والله ما أدري. قال: فلست بكاتب خراج، فأيهم أنت؟
قلت: كاتب جند. قال: فما تقول في رجلين، اسم كل واحد منهما أحمد، أحدهما مقطوع الشفة العليا، والآخر مقطوع الشفة السفلى، كيف كنت تكتب حليتهما؟
قال: كنت أكتب: أحمد الأعلم، وأحمد الأعلم. قال: كيف يكون هذا ورزق هذا مائتا درهم ورزق هذا ألف درهم، فيقبض هذا على دعوة هذا، فتظلم صاحب الألف. قلت: والله ما أدري. قال: فلست بكاتب جند؛ فأيهم أنت؟
стр. 1356
قلت: كاتب قاض. فقال: فما تقول- أصلحك الله- في رجل توفي وخلف زوجة وسريّة «١» . وكان للزوجة بنت وللسرية ابن، فلما كان في تلك الليلة أخذت الحرة ابن السّرية فادّعته وجعلت ابنتها مكانه، فتنازعتا فيه، فقالت هذه: هذا ابني.
وقالت هذه: هذا ابني. كيف تحكم بينهما وأنت خليفة القاضي؟
قلت: والله لست أدري! قال: فلست بكاتب قاض، فأيهم أنت؟
قلت: كاتب شرطة. قال فما تقول- أصلحك الله- في رجل وثب على رجل فشجه شجة موضحة «٢» ، فوثب عليه المشجوج فشجّه شجة مأمومة «٣» ؟ قلت ما أعلم. ثم قلت: أصلحك الله، ففسّر لي ما ذكرت. قال: أما الذي تزوجت أمه، فتكتب إليه:
أما بعد، فإن أحكام الله تجري بغير محابّ المخلوقين، والله يختار للعباد، فخار الله لك في قبضها إليه، فإن القبر أكرم لها! والسلام.
وأما القراح، فتضرب واحدا في مساحة العطوف، فمن ثمّ بابه.
وأما أحمد وأحمد، فتكتب حلية المقطوع الشفة العليا: أحمد الأعلم؛ والمقطوع الشفة السفلى: أحمد الأشرم.
وأما المرأتان، فيوزن لبن هذه ولبن هذه، فأيهما كان [لبنها] أخفّ فهي صاحبة البنت.
وأما الشجة، فإن في الموضحة خمسا من الإبل، وفي المأمومة ثلاثا وثلاثين وثلثا، فيرد صاحب المأمومة ثمانية وعشرين وثلثا.
قلت: أصلحك الله، فما نزع بك إلى هنا؟ قال: ابن عم لي كان عاملا على ناحية، فخرجت إليه فألفيته معزولا، فقطع بي، فأنا خارج أضطرب في المعاش. قلت:
ألست ذكرت أنك حائك؟ قال: أنا أحوك الكلام، ولست بحائك الثياب.
стр. 1357
قال: فدعوت المزين فأخذ من شعره. وأدخل الحمام فطرحت عليه شيئا من ثيابي، فلما صرت إلى الأهواز، كلمت الرّخّجيّ، فأعطاه خمسة آلاف درهم. ورجع معي، فلما صرت إلى أمير المؤمنين، قال: ما كان من خبرك في طريقك؟ فأخبرته خبري، حتى حدثته حديث الرجل، فقال لي: هذا لا يستغنى عنه، فلأي شيء يصلح؟ قلت:
هذا أعلم الناس بالمساحة والهندسة. قال: فولاه أمير المؤمنين البناء والمرمّة «١» : فكنت والله ألقاه في الموكب النبيل، فينحطّ عن دابته، فأحلف عليه فيقول: سبحان الله! إنما هذه نعمتك وبك أفنيتها.
فضائل الكتابة
قال أبو عثمان الجاحظ: ما رأيت قوما أنفذ طريقة في الأدب من هؤلاء الكتاب؛ فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا.
وقال بعض المهالبة لبنيه، تزيّوا بزي الكتاب فإنهم جمعوا أدب الملوك وتواضع السّوقة.
المنصور وقوم من الكتاب:
وعتب أبو جعفر المنصور على قوم من الكتاب فأمر بحبسهم؛ فرفعوا إليه رقعة ليس فيها إلا هذا البيت:
ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا
فعفا عنهم وأمر بتخلية سبيلهم.
وقال المؤيد: كتّاب الملوك عيونهم الناظرة، وآذانهم الواعية، وألسنتهم الناطقة؛
стр. 1358
والكتابة أشرف مراتب الدنيا بعد الخلافة، وهي صناعة جليلة تحتاج إلى آلات كثيرة.
وقال سهل بن هارون: الكتابة أول زينة الدنيا، التي إليها يتناهى الفضل، وعندها تقف الرغبة.
ما يجوز في الكتابة وما لا يجوز فيها
قال إبراهيم بن محمد الشيباني: إذا احتجت إلى مخاطبة الملوك، والوزراء، والعلماء، والكتّاب. والخطباء، والأدباء، والشعراء، وأوساط الناس وسوقتهم؛ فخاطب كلا على قدر أبّهته وجلالته، وعلوّه وارتفاعه، وفطنته؛ واجعل طبقات الكلام على ثمانية أقسام: منها الطبقات العلية أربع، والطبقات الأخر وهي دونها أربع. ولكل طبقة منها درجة، ولكلّ قسمة لا ينبغي للكاتب البليغ أن يقصر بأهلها عنها ويقلب معناها إلى غيرها.
فالحدّ الأول الطبقات العليا، وغايتها القصوى الخلافة، التي أجلّ الله قدرها، وأعلى شأنها عن مساواتها بأحد من أبناء الدنيا في التعظيم والتوقير.
والطبقة الثانية لوزرائها وكتابها، الذين يخاطبون الخلفاء بعقولهم وألسنتهم، ويرتقون الفتوق بآرائهم.
الطبقة الثالثة أمراء ثغورهم وقواد جنودهم؛ فإنه يجب مخاطبة كل أحد منهم على قدره وموضعه وحظه، وغنائه وجزائه، واضطلاعه بما حمل من أعباء أمورهم، وجلائل أعمالهم.
والرابعة القضاة؛ فإنهم وإن كان لهم تواضع العلماء، وجلية الفضلاء، فمعهم أبهة السلطنة وهيبة الأمراء.
стр. 1359
وأما الطبقات الأربع الأخر، فهم الملوك الذين أوجبت نعمهم تعظيمهم في الكتب إليهم، وأفضالهم تفضيلهم فيها.
والثانية وزراؤهم وكتّابهم وأتباعهم، الذين تقرع أبوابهم، وبعناياتهم تستباح أموالهم.
والثالثة هم العلماء، الذين يجب توقيرهم في الكتب بشرف العلم وعلوّ درجة أهله.
والطبقة الرابعة لأهل القدر والجلالة، والحلاوة والطلاوة، والظرف والأدب، فإنهم يضطرونك بحدة أذهانهم، وشدّة تمييزهم وانتقادهم، وأدبهم وتصفحهم، إلى الاستقصاء على نفسك في مكاتبتهم.
واستغنينا عن الترتيب للسوقة والعوام والتجار، باستغنائهم بمهناتهم عن هذه الآلات، واشتغالهم بمهنتهم عن هذه الأدوات.
ولكل طبقة من هذه الطبقات معان ومذاهب يجب عليك أن تراعاها في مراسلتك إياهم في كتبك، وتزن كلامك في مخاطبتهم بميزانه، وتعطيه قسمته، وتوفيه نصيبه؛ فإنك متى أهملت ذلك وأضعته، لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقهم، وتسلك بهم غير مسلكهم، وتجري شعاع بلاغتك في غير مجراه، وتنظم جوهر كلامك في غير سلكه؛ فلا تعتدّ بالمعنى الجزل ما لم تلبسه لفظا لائقا بمن كاتبته، وملامسا لمن راسلته، فإن إلباسك المعنى- وإن صحّ وشرف- لفظا متخلفا عن قدر المكتوب إليه، لم تجر به عادته، تهجين للمعنى وإخلال بقدره. وظلم بحق المكتوب إليه، ونقص ما يجب له؛ كما أن في اتباع تعارفهم، وما انتشرت به عاداتهم، وجرت به سنّتهم، قطعا لعذرهم، وخروجا من حقوقهم، وبلوغا إلى غاية مرادهم، وإسقاطا لحجة أدبهم.
стр. 1360
فمن الألفاظ المرغوب عنها، والصدور المستوحش منها في كتب السادات والملوك والأمراء، على اتفاق المعاني، مثل: أبقاك الله طويلا، وعمّرك مليا. وإن كنا نعلم أنه لا فرق بين قولهم: أطال الله بقاك، وبين قولهم: أبقاك الله طويلا؛ ولكنهم جعلوا هذا أرجح وزنا، وأنبه قدرا في المخاطبة؛ كما أنهم جعلوا: أكرمك الله وأبقاك، أحسن منزلا في كتب الفضلاء والأدباء، من: جعلت فداك، على اشتراك معناه واحتمال أن يكون فداه من الخير، كما يحتمل أن يكون فداه من الشر؛ ولولا أن رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص: ارم فداك أبي وأمي، لكرهنا أن يكتب بها أحد؛ على أن كتّاب العسكر وعوامهم قد ولعوا بهذه اللفظة، حتى استعملوها في جميع محاوراتهم، وجعلوها هجّيراهم «١» في مخاطبة الشريف والوضيع، والكبير والصغير. ولذلك قام محمود الوراق:
كلّ من حلّ سرّ من رامن الناس ... ومن قد يداخل الأملاكا
لو رأى الكلب مائلا بطريق ... قال للكلب: يا جعلت فداكا!
وكذلك لم يجيزوا أن يكتبوا بمثل: أبقاك الله، وأمتع بك؛ إلا في الابن والخادم المنقطع إليك، وأما في كتب الإخوان فغير جائز، بل مذموم مرغوب عنه؛ ولذلك كتب عبد الله بن طاهر إلى محمد بن عبد الملك الزيات:
أحلت عما عهدت من أدبك ... أم نلت ملكا فتهت في كتبك
أم قد ترى أنّ في ملاطفة الإخوان ... نقصا عليك في أدبك
أكان حقّا كتاب ذي مقة ... يكون في صدره: وأمتع بك!؟
أتعبت كفّيك في مكاتبتي ... حسبك ممّا لقيت في تعبك
فكتب إليه محمد بن عبد الملك الزيات:
كيف أخون الإخاء يا أملي ... وكل شيء أنال من سببك
стр. 1361
أنكرت شيئا فلست فاعله ... ولن تراه يخطّ في كتبك
إن يك جهل أتاك من قبلي ... فعد بفضل علىّ من حسبك
فاعف فدتك النّفوس عن رجل ... يعيش حتى الممات في أدبك
ولكل مكتوب إليه قدر ووزن، ينبغي للكاتب أن لا يجاوزه عنه ولا يقصر به دونه، وقد رأيتهم عابوا الأحوص حين خاطب الملوك خطاب العوام في قوله:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق «١» الحديث يقول ما لا يفعل
وهذا معنى صحيح في المدح، ولكنهم أجلّوا قدر الملوك أن يمدحو بما تمدح به العوام؛ لأنّ صدق الحديث وإنجاز الوعد وإن كان من المدح، فهو واجب على العامة، والملوك لا يمدحون بالفرائض الواجبة، إنما يحسن مدحهم بالنوافل لأن المادح لو قال لبعض الملوك: إنك لا تزني بحليلة جارك، وإنك لا تخون ما استودعت، وإنك لتصدق في وعدك وتفي بعهدك؛ فكأنه قد أثنى بما يجب؛ ولو قصد بثنائه إلى مقصده كان أشبه في الملوك.
ونحن نعلم أن كل أمير يتولى من أمير المؤمنين شيئا فهو أمير المؤمنين؛ غير أنهم لم يطلقوا هذه اللفظة إلا في الخلفاء خاصة.
ونحن نعلم أن الكيس هو العقل، ولكن لو وصفت رجلا فقلت: إنه لعاقل كنت مدحته عند الناس، وإن قلت: إنه لكيّس كنت قد قصّرت به عن وصفه، وصغّرت من قدره، إلا عند أهل العلم باللغة؛ لأن العامة لا تلتفت إلى معنى الكلمة. ولكن إلى ما جرت به العادة من استعمالها في الظاهر؛ إذ كان استعمال العامة لهذه الكلمة مع الحداثة والغرة وخساسة القدر وصغر السن.
وقد روينا عن علي كرم الله وجهه أنه تسمى بالكيّس حين بنى سجن الكوفة، فقال في ذلك:
стр. 1362
أما تراني كيّسا مكيّسا ... بنيت بعد نافع مخيّسا «١»
حصنا حصينا وأميرا كيّسا
وقال الشاعر:
ما يصنع الأحمق المرزوق بالكيس
وكذلك تعلم أن الصلاة رحمة، غير أنهم كرهوا الصلاة إلا على الأنبياء.
كذلك روينا عن ابن عباس.
وسمع سعد بن أبي وقاص ابن أخ له يلبّي ويقول في تلبيته: لبّيك ياذا المعارج.
فقال: نحن نعلم أنه ذو المعارج، ولكن ليس كذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﷺ ، إنما كنا نقول: لبّيك اللهم لبيك.
وكان أبو إبراهيم المزني يقول في بعض ما خطب به داود بن خلف الأصبهاني:
«فإن قال كذا فقد خرج عن الملة والحمد لله» فنقض ذلك عليه داود، وقال فيما ردّ عليه: نحمد الله على أن يخرج امرأ مسلما من الإسلام؟ وهذا موضع استرجاع، وللحمد مكان يليق به، وإنما يقال في المصيبة: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
«٢» .
فامتثل هذه المذاهب، واجر على هذه القواعد، وتحفظ في صدور كتبك وفصولها [وافتتاحها] وخواتمها وضع كلّ معنى في موضع يليق به، وتخيّر لكل لفظة معنى يشاكلها، وليكن ما تختم به فصولك في موضع ذكر البلوى بمثل: نسأل الله دفع المحذور، وصرف المكروه؛ وأشباه هذا؛ وفي موضع ذكر المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون وفي موضع ذكر النعمة: الحمد لله خالصا، والشكر لله واجبا، [وما يشاكل ذلك] ؛ فإن هذه المواضع يجب على الكاتب أن يتفقدها ويتحفظّ فيها؛ فإنّ الكاتب إنما يصير كاتبا بأن يضع كل معنى في موضعه، ويعلّق كل لفظة على طبقتها من المعنى.
стр. 1363
واعلم أنه لا يجوز في الرسائل استعمال ما أتت به آي القرآن من الاختصار والحذف، ومخاطبة الخاص بالعام والعام بالخاص؛ لأن الله جل ثناؤه [إنما] خاطب بالقرآن قوما فصحاء فهموا عنه- جل ثناؤه- أمره ونهيه ومراده؛ والرسائل إنما يخاطب بها أقوام دخلاء على اللغة، لا علم لهم بلسان العرب.
وكذلك ينبغي للكاتب أن يجتنب اللفظ المشترك، والمعنى الملتبس؛ فإنه إن ذهب يكاتب على مثل معنى قول الله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها
«١» ، وكقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
»
، احتاج الكاتب أن يبيّن معناه: اسأل أهل القرية وأهل العير، وبل مكركم بالليل والنهار، ومثل هذا كثير لا يتسع الكتاب لذكره.
وكذلك لا يجوز أيضا في الرسائل والبلاغات المنثورة ما يجوز في الأشعار الموزونة؛ لأن الشاعر مضطر، والشعر مقصور مقيّد بالوزن والقوافي؛ فلذلك أجازوا لهم صرف ما لا ينصرف من الأسماء، وحذف ما لا يحذف منها؛ واغتفروا فيه سوء النظم، وأجازوا فيه التقديم والتأخير، والإضمار في موضع الإظهار؛ وذلك كله غير سائغ في الرسائل، ولا جائز في الملاغات، فمّما أجيز في الشعر من الحذف مثل قول الشاعر:
قواطنا مكّة من ورق الحما
يعني الحمام؛ وقول الآخر:
صفر الوشاحين صموت الخلخل
يريد الخلخال؛ وكقول الآخر:
دار لسلمى إذه من هواكا
стр. 1364
يريد إذ هي؛ وكقول الحطيئة:
فبها الرّماح وفيها كلّ سابغة ... جدلاء مسرودة من نسج سلّام
يريد سليمان؛ وقول الآخر:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق «١»
وأراد ثعلبة بن سيّار؛ وكما قال الآخر:
ولست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
أراد ولكن.
وكذلك لا ينبغي في الرسائل أن يصغر الاسم في موضع التعظيم، وإن كان ذلك جائزا، مثل قولهم: «دويهية» تصغير داهية، «وجذيل» تصغير جذل، «وعذيق» تصغير عذق. وقال الشاعر، وهو لبيد:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل
وقال الحباب بن المنذر يوم سقيفة بني ساعدة: أنا عذيقها «٢» المرجّب، وجذيلها «٣» المحكّك، وقد شرحه أبو عبيد.
ومما لا يجوز في الرسائل وكرهوه في الكلام أيضا، مثل قولهم: كلمت إياك، وأعني إياك، وهو جائز في الشعر:
وأحسن وأجمل في أسيرك إنّه ... ضعيف ولم يأسر كإيّاك اسر
وقال الراجز:
إيّاك حتى بلغت إيّاك
стр. 1365
فتخيّر من الألفاظ أرجحها لفظا وأجزلها معنى، وأشرفها جوهرا وأكرمها حسبا، وأليقها في مكانها، وأشكلها في موضعها؛ فإن حاولت صنعة رسالة فزن اللفظة قبل أن تخرجها بميزان التصريف إذا عرضت، وعاير الكلمة بمعيارها إذا سنحت؛ فإنه ربما مر بك موضع يكون مخرج الكلام إذا كتبت: أنا فاعل، أحسن من أن تكتب: أنا أفعل، وموضع آخر، يكون فيه: استفعلت، أحلى من: فعلت؛ فأدر الكلام على أماكنه، وقلّبه على جميع وجوهه؛ فأيّ لفظة رأيتها أخفّ في المكان الذي ندبتها إليه، وأنزع إلى الموضع الذي راودتها عليه فأوقعها فيه؛ ولا تجعل اللفظة قلقة في موضعها، نافرة عن مكانها؛ فإنك متى فعلت [ذلك] هجّنت الموضع الذي حاولت تحسينه، وأفسدت المكان الذي أردت إصلاحه؛ فإن وضع الألفاظ في غير أماكنها، وقصدك بها إلى غير مصابها، إنما هو كترقيع الثوب الذي لم تتشابه رقاعه، ولم تتقارب أجزاؤه، خرج عن حد الجدّة وتغيّر حسنه، كما قال الشاعر:
إن الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبيّن الناس أنّ الثّوب مرقوع «١»
كذلك كلما احلولى الكلام وعذب وراق وسهلت مخارجه، كان أسهل ولوجا في الأسماع، وأشدّ اتصالا بالقلوب، وأخفّ على الأفواه؛ لا سيما إن كان المعنى البديع مترجما بلفظ مونق شريف ومعايرا بكلام عذب لم يسمه التكلف بميسمه ولم يفسده التعقيد باستغلافه.
وكتب عيسى بن لهيعة إلى أخيه أبي الحسن، وزوّر كلامه وجاوز المقدار في التنطع «٢» ؛ فوقّع في أسفل كتابه:
أنّى يكون بليغا ... من اسمه كان عيّا
وثالث الحرف منه ... أذ كفيت مسيّا
قال: وبلغني أن بعض الكتاب عاد بعض الملوك فوجده يئن من علة، فخرج عنه بباب الطاق، فإذا بطير يدعى الشفانين، فاشتراه وبعث به إليه، وكتب كتابا يتنطع
стр. 1366
في بلاغته، وذكر: إنه يقال له شفانين، أرجو أن يكون شفاء من أنين! فوقع في أسفل الكتاب: والله لو عطست ضبّا ما كنت عندنا إلا نبطيا، فأقصر عن تنطّعك وسهّل كلامك.
قوله: لو عطست ضبّا، يريد: أن الضّباب من طعام الأعراب وفي بلدهم يقال:
لو عطست فنثرت صبّا من عطاسك، لم يلحق بالأعراب ولم تكن إلا نبطيا.. وقد جاء في بعض الحديث: أن القط من نثرة عطسة الأسد، وأن الفأر من نثرة عطسة الخنزير، فقال هذا: لو أن الضب من نثرتك لم تكن إلا نبطيا.
وفي هذا المعنى قال مخلد الموصلي يهجو حبيبا:
أنت عندي عربي ... ليس في ذاك كلام
شعر ساقيك وفخ ... ذيك خزامى وثمام «١»
وقذى عينيك صمغ ... ونواصيك ثغام «٢»
وضلوع الصّدر من شل ... وك نبع وبشام «٣»
لو تحرّكت كذا لا ... ن جفلت منك نعام
وظباء راتعات ... ويرابيع عظام «٤»
وحمام يتغنى ... حبّذا ذاك الحمام
أنا ما ذنبي لأن ... كذبني فيك الأنام؟
وفتى يحلف ما إن ... عرّقت فيه الكرام «٥»
ثم قالوا جاسمي ... من بني الأنّباط حام
كذبوا ما أنت إلا ... عربيّ والسّلام!
стр. 1367
وقد رأيتهم شبهوا المعنى الخفّي بالروح الخفي، واللفظ الظاهر بالجثمان الظاهر؛ وإذا لم ينهض بالمعنى الشريف الجزل لفظ شريف جزل، لم تكن العبارة واضحة، ولا النظام متسقا، وتضاءل المعنى الحسن تحت المعنى القبيح، كتضاءل الحسناء في الأطمار الرثة.
وإنما يدل على المعنى أربعة أصناف: لفظ، وإشارة، وعقد، وخط؛ وقد ذكر له أرسطاطاليس صنفا خامسا في كتاب المنطق، وهو الذي يسمى النّصيبة «١» ، والنّصيبة الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف الأربعة، وهي الناطقة بغير لفظ، والمشيرة إليك بغير يد؛ وذلك ظاهر في خلق السموات والأرض وكل صامت وناطق. وجميع هذه الأصناف الخمسة كاشفة عن أعيان المعاني وسافرة عن وجوهها.
وأوضح هذه الدلائل وأفصح هذه الأصناف صنفان: هما القلم واللسان، وكلاهما للقلب ترجمان! فأمّا اللسان فهو الآلة التي يخرج الإنسان بها عن حدّ الاستبهام، إلى حدّ الإنسانية بالكلام؛ ولذلك قال صاحب المنطق: حدّ الإنسان، الحيّ الناطق.
وقال هشام بن عبد الملك: إن الله رفع درجة اللسان فأنطقه بين الجوارح.
وقال علي بن عبيدة: إنما يبين عن الإنسان، اللسان وعن المودّة العينان.
وقال آخر: الرجل مخبوء تحت لسانه.
وقالوا: المرء بأصغريه: قلبه ولسانه.
وقال الشاعر:
وما المرء إلا الأصغران: لسانه ... ومعقوله، والجسم خلق مصوّر «٢»
فإن طرّة راقتك يوما فربّما ... يمرّ مذاق العود والعود أخضر
وللخط صورة معروفة، وحلية موصوفة، وفضيلة بارعة. ليست لهذه الأصناف؛ لأنه يقوم مقامه في الإيضاح عند المشهد ويفضله عند المغيب؛ لأنّ الكتب تقرأ في
стр. 1368
الأماكن المتباينة، والبلدان المتفرّقة، وتدرس في كل عصر وزمان، وبكلّ لسان؛ واللسان وإن كان ذلقا فصيحا لا يعدو سامعه ولا يجاوزه إلى غيره.
البلاغة
قال سهل بن هارون: سياسة البلاغة أشدّ من البلاغة.
وقيل لجعفر بن يحيى بن خالد: ما البلاغة؟ قال: التقرّب من المعنى البعيد، والدلالة بالقليل على الكثير.
وقيل لابن المقفع: ما البلاغة؟ قال: قلة الحصر، والجراءة على البشر. قيل له: فما العيّ؟ قال: الإطراق من غير فكرة، والتنحنح من غير علة.
وقيل لآخر: ما البلاغة؟ قال: تطويل القصير، وتقصير الطويل.
وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ فقال: حذف الفضول، وتقريب البعيد.
وقيل لأرسطاطاليس: ما البلاغة؟ فقال: حسن الاستعارة.
وقيل لجالينوس: ما البلاغة؟ فقال: إيضاح المعضل، وفك المشكل.
وقيل للخليل بن أحمد: ما البلاغة؟ فقال: ما قرب طرفاه، وبعد منتهاه.
وقيل لخالد بن صفوان: ما البلاغة؟ قال: إصابة المعنى، والقصد للحجة.
وقيل لآخر: ما البلاغة؟ قال: تصوير الحق في صورة الباطل، وتصوير الباطل في صورة الحق.
وقيل لإبراهيم الإمام: ما البلاغة؟ فقال: الجزالة والإصابة.
تضمين الأسرار في الكتب
وأمّا تضمين الأسرار في الكتب حتى لا يقرؤها غير المكتوب إليه، ففيه أدب يجب معرفته، وقد تعلقت العامّة بكتاب القمّيّ والأصبهانيّ.
الأصبهاني: وكان أبو حاتم سهل بن محمد قد وصف لي منه أشياء جليلة من تبديل
стр. 1369
الحروف، وذلك ممكن لكل إنسان، غير أنّ اللطيف من ذلك أن تأخذ لبنا حليبا فتكتب به في القرطاس، فيذرّ المكتوب له عليه رمادا سخنا من رماد القراطيس، فيظهر ما كتبت به إن شاء الله؛ وإن شئت كتبت بماء الزاج الأبيض، فإذا وصل إلى المكتوب إليه أمرّ عليه شيئا من غبار الزاج. وإن أحببت أن لا يقرأ الكتاب بالنهار ويقرأ بالليل، فاكتبه بمرارة السّلحفاة.
قولهم في الأقلام
قالوا: القلم أحد اللسانين، وهو المخاطب للعيون بسرائر القلوب على لغات مختلفة، من معان معقودة بحروف معلومة مؤلّفة، متباينات الصور، مختلفات الجهات، لقاحها التفكر، ونتاجها التدبر، تخرس منفردات، وتنطق مزدوجات، بلا أصوات مسموعة، ولا ألسن محدودة، ولا حركات ظاهرة، خلا قلم حرّف باريه قطّته ليتعلق المداد به، وأرهف جانبيه ليردّ ما انتشر عنه إليه، وشق رأسه ليحتبس المداد عليه، فهنالك استمدّ القلم بشقه، ونثر في القرطاس بخطه حروفا أحكمها التفكر، وجرى على أسلته الكلام الذي سداه العقل، وألحمه اللسان، ونهسته اللهوات، وقطعته الأسنان، ولفظته الشفاه، ووعته الأسماع، عن أنحاء شتى من صفات وأسماء.
وقال الشاعر وهو أبو الحسن محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي:
وأسمر طاوي الكشح أخرس ناطق ... له ذملان في بطون المهارق «١»
إذا استعجلته الكفّ أمطر وبله ... بلا صوت إرعاد ولا ضوء بارق
إذا ما حدا غرّ القوافي رأيتها ... مجلّلة تمضي أمام السّوابق
كأنّ عليه من دجى الليل حلّة ... إذا ما استهلّت مزنه بالصّواعق
كأن الّلآلي والزبرجد نطقه ... ونوم الخزامى في عيون الحدائق «٢»
стр. 1370
وقال العلوي في صفة القلم:
وعريان من خلعة مكتس ... يميس من الوشي في يلمق «١»
تحدّر من رأسه ريقة ... تسيل على ذروة المفرق
فكم من أسير له مطلق ... وكم من طليق له موثق
يقيم ويوطن غرب البلاد ... وينهى ويأمر بالمشرق
قليل كثير ضروب الخطو ... ط وأخرس مستمع المنطق
يسير بركب تلال عجال ... إذا ما حدا الفكر في مهرق
وقال آخر في القلم:
لك القلم المطيعك غير أنّا ... وجدنا وسمه غير المطاع
له ذوقان من أري هني ... ومن شري وبيّ ذي امتناع «٢»
أحدّ اللفظ ينطق عن سواه ... فيسمع وهو ليس بذي استماع
إذا استسقى بلاغتك استهلّت ... عليه سماء فكرك باندفاع
وقال:
وبيت بعلياء الفلاة بنيته ... بأسمر مشقوق الخياشيم يرعف
كأنّ عليه ملبسا جلد حية ... مقيم فما يمضي ولا يتخلّف
جليل شئون الخطب، ما كان راكبا ... يسير، وإن أرجلته فمضعّف
وقال حبيب بن أوس، وهو من أحسن ما قيل فيه:
لك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجني اشتارته أيد عواسل
له ريقة طلّ ولكنّ وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل «٣»
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل
следующие страницы →