← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والجود والتؤدة والرفق ثابت في صدوركم، مزروع في قلوبكم، مستحكم لكم، متكامل عندكم، بطبائع لازمة، وغرائز ثابتة. قال معاوية بن عبد الله: أفتاء «١» أهل بيتك أيها المهدي في الحلم على ما ذكر، وأهل خراسان في حال عزّ على ما وصف. ولكن إن ولّى المهديّ عليهم رجلا ليس بقديم الذّكر في الجنود، ولا بنبيه الصوت في الحروب، ولا بطويل التجربة للأمور، ولا بمعروف السياسة للجيوش والهيبة في الأعداء، دخل من ذلك أمران عظيمان، وخطران مهولان: أحدهما أن الأعداء يغتمزونها منه، ويحتقرونها فيه، ويجترءون بها عليه في النّهوض به والمقارعة له والخلاف عليه، قبل الاختبار لأمره، والتكشّف لحاله، والعلم بطباعه. والأمر الآخر أن الجنود التي يقول، والجيوش التي يسوس، إذا لم يختبروا منه البأس والنجدة، ولم يعرفوه بالصّوت والهيبة؛ انكسرت شجاعتهم، وماتت نجدتهم، واستأخرت طاعتهم إلى حين اختبارهم ووقوع معرفتهم. وربما وقع البوار قبل الاختبار. وبباب المهدي- وفقه الله- رجل مهيب نبيه حيك صيّت «٢» ، له نسب زاك وصوت عال، قد قاد الجيوش، وساس الحروب، وتألف أهل خراسان واجتمعوا عليه بالمقة «٣» ، ووثقوا به كل الثّقة، فلو ولّاه المهدي أمرهم لكفاه الله شرهم. قال المهدي: جانبت قصد الرّميّة، وأبيت إلا عصبية، إذ رأي الحدث من أهل بيتنا كرأي عشرة حلماء من غيرنا، ولكن أين تركتم ولي العهد؟ قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جدّه، ونسيج وحده، ومن الدين وأهله بحيث يقصر القول عن أدنى فضله، ولكن وجدنا الله قد حجب عن خلقه، وستر من دون عباده، علم ما تختلف به الأيام، ومعرفة ما تجري به المقادير، من حوادث الأمور وريب المنون، المخترمة لخوالي القرون ومواضي الملوك؛ فكرهنا

стр. 177

شسوعه «١» عن محلة الملك، ودار السلطان، ومقرّ الإمامة والولاية، وموضع المدائن والخزائن، ومستقرّ الجنود، وموضع الوجوه، ومجمع الأموال التي جعلها الله قطبا لمدار الملك، ومصيدة لقلوب الناس، ومثابة لإخوان الطمع، وثوّار الفتن، ودواعي البدع، وفرسان الضلال، وأبناء المروق؛ وقلنا: إن وجّه المهدي وليّ عهده فحدث في جيوشه وجنوده ما قد حدث بجنود الرسل من قبله، لم يستطع المهدي أن يعقبه بغيره، إلا أن ينهض إليهم بنفسه؛ وهذا خطر عظيم، وهول شديد؛ وإن تنفّست الأيام بمقامه، واستدامت الحال بأيامه، حتى يقع عرض لا يستغني فيه، أو يحدث أمر لابد فيه منه، صار ما بعده مما هو أعظم هولا وأجل خطرا. له تبعا وبه متّصلا. قال المهدي: الخطب أيسر مما تذهبون إليه؛ وعلى غير ما تصفون الأمر عليه، نحن أهل البيت. نجري من أسباب القضايا ومواقع الأمور على سابق من العلم، ومحتوم من الأمر، قد أنبأت به الكتب، وتتابعت عليه الرسل، وقد تناهى ذلك بأجمعه إلينا، وتكامل بحذافيره «٢» عندنا، فبه ندبّر، وعلى الله نتوكل: إنه لا بدّ لوليّ عهدي- ووليّ عهدي عقبي بعدي- أن يقود إلى خراسان البعوث، ويتوجّه نحوها بالجنود. أما الأول فإنه يقدّم إليهم رسله، ويعمل فيهم حيله، ثم يخرج نشطا إليهم، حنقا عليهم، يريد ألّا يدع أحدا من إخوان الفتن، ودواعي البدع، وفرسان الضلال، إلا توطّأه بحرّ القتل، وألبسه قناع القهر، وطوّقه طوق الذّل. ولا أحدا من الذين عملوا في قصّ جناح الفتنة، وإخماد نار البدعة، ونصرة ولاة الحق، إلا أجرى عليهم ديم فضله، وجداول بذله، فإذا خرج مزمعا به مجمعا عليه؛ لم يسر إلا قليلا حتى يأتيه أن قد عملت حيله؛ وكدحت كتبه؛ ونفذت مكايده؛ فهدأت نافرة القلوب، ووقعت طائرة الأهواء «٣» ، واجتمع عليه المختلفون بالرضا؛ فيميل نظرا لهم وبرّا بهم وتعطّفا عليهم، إلى عدوّ قد أخاف سبيلهم، وقطع طريقهم، ومنع حجّاجهم بيت الله

стр. 178

الحرام، وسلب تجارهم رزق الله الحلال. وأما الآخر فإنه يوجه إليهم من يعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون، وبذل ما يسألون، فإذا سمحت الفرق بقرانها له، وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه، فأصغت إليه الأفئدة، واجتمعت له الكلمة، وقدمت عليه الوفود، قصد لأول ناحية بخعت «١» بطاعتها، وألقت بأزمتها، فألبسها جناح نعمته، وأنزلها ظلّ كرامته، وخصّها بعظيم حبائه، ثم عمّ الجماعة بالمعدلة؛ وتعطّف عليهم بالرحمة، فلا تبقى فيهم ناحية دانية، ولا فرقة قاصية، إلا دخلت عليها بركته، ووصلت إليها منفعته، فأغنى فقيرها، وجبر كسيرها، ورفع وضيعها، وزاد رفيعها، ما خلا ناحيتين: ناحية يغلب عليهم الشقاء وتستميلهم الأهواء فتستخف بدعوته، وتبطيء عن إجابته، وتتثاقل عن حقه، فتكون آخر من يبعث، وأبطأ من يوجّه، فيضطمر عليها موجده، «٢» ويبتغي لها علة، لا يلبث أن يجدها بحقّ يلزمهم؛ وأمر يجب عليهم، فتستلحمهم الجيوش، وتأكلهم السيوف، ويستحرّفيهم القتل، ويحيط بهم الأسر، ويفنيهم التتبّع، حتى يخرب البلاد، ويؤتم الأولاد. وناحية لا يبسط لهم أمانا، ولا يقبل لهم عهدا، ولا يجعل لهم ذمة؛ لأنهم أول من فتح باب الفرقة، وتدرّع جلباب الفتنة، وربض «٣» في شقّ العصا. ولكنه يقتل أعلامهم، ويأسر قوّادهم، ويطلب هرّابهم في لجج البحار، وقلل الجبال، وخمر الأودية، وبطون الأرض، تقتيلا وتغليلا وتنكيلا؛ حتى يدع الدّيار خرابا، والنّساء أيامى. وهذا أمر لا نعرف له في كتبنا وقتا، ولا نصحّح منه غير ما قلنا تفسيرا. وأما موسى ولي عهدي، فهذا أوان توجّهه إلى خراسان، وحلوله بجرجان؛ وما قضى الله له من الشخوص «٤» إليها والمقام فيها، خير للمسلمين مغبّة، وله بإذن الله عاقبة، من المقام بحيث يغمر في لجج بحورنا ومدافع سيولنا ومجامع أمواجنا،

стр. 179

فيتصاغر عظيم فضله، ويتذأب «١» مشرق نوره، ويتقلل كثير ما هو كائن منه فمن يصحبه من الوزراء ومن يختار له من الناس؟ قال محمد بن الليث: أيها المهدي، إن وليّ عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علما قد تثنّت نحوه أعناقها، ومدّت سمته أبصارها، وقد كان لقرب داره منك، ومحلّ جواره لك، عطل الحال، غفل الأمر، واسع العذر، فأما إذا انفرد بنفسه، وخلا بنظره، وصار إلى تدبيره، فإن من شأن العامة وأمراء الأمة أن تتفقد مخارج رأيه، وتستنصت لمواقع آثاره، وتسأل عن حوادث أحواله، في برّه ومرحمته، وإقساطه ومعدلته، وتدبيره وسياسته، ووزرائه وأصحابه، ثم يكون ما سيق إليهم أغلب الأشياء عليهم، وأملك الأمور بهم، وألزمها لقلوبهم، وأشدّها استمالة لرأيهم، وعطفا لأهوائهم. فلا يفتأ المهدي- وفقه الله- ناظرا له فيما يقوّي عمد مملكته، ويسدّد أركان ولايته، ويستجمع رضا أمته، بأمر هو أزين لحاله، وأظهر لجماله، وأفضل مغبّة لأمره، وأجلّ موقعا في قلوب رعيته، وأحمد حالا في نفوس أهل ملّته. ولا أوقع مع ذلك باستجماع الأهواء له؛ وأبلغ في استعطاف القلوب عليه، من مرحمة تظهر من فعله، ومعدلة تنتشر عن أثره، ومحبة للخير وأهله، وأن يختار المهديّ- وفقه الله- من خيار أهل كل بلدة، وفقهاء أهل كلّ مصر. أقواما تسكن العامة إليهم إذا ذكروا، وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا، ثم تسهّل لهم عمارة سبل الإحسان؛ وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له وسهل عليه. قال المهدي: صدقت ونصحت. ثم بعث في ابنه موسى؛ فقال: أي بنيّ، إنك قد أصبحت لسمت عيون العامة نصبا «٢» ، ولمثنى أعطاف الرعية غاية، فحسنتك شاملة، وإساءتك نامية، وأمرك ظاهر. فعليك بتقوى الله وطاعته، فاحتمل سخط الناس فيهما، ولا تطلب رضاهم بخلافهما؛ فإن الله كافيك من أسخطه عليك إيثارك رضاه؛ وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه. ثم اعلم أن لله تعالى في كل زمان عترة من رسله، وبقايا من صفوة خلقه، وخبايا

стр. 180

لنصرة حقه، يجدّد حبل الإسلام بدعواهم ويشيد أركان الدين بنصرتهم، ويتخذهم لأولياء دينه أنصارا، وعلى إقامة عدله أعوانا، يسدّون الخلل، ويقيمون الميل، ويدفعون عن الأرض الفساد؛ وإنّ أهل خراسان أصبحوا أيدي دولتنا، وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره بطاعتهم، ونصرف نزول العظائم بمناصحتهم، وندافع ريب الزمان بعزائمهم، ونزاحم ركن الدهر ببصائرهم. فهم عماد الأرض إذا أرجفت كنفها «١» ، وحتوف الأعداء إذا أبرزت صفحتها، وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها؛ قد مضت لهم وقائع صادقات؛ ومواطن صالحات، أخمدت نيران الفتن، وقصمت دواعي البدع، وأذلّت رقاب الجبّارين، ولم ينفكّوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا، وأقاموا في ظلّ دعوتنا، واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعزّ الله بها ذلّتهم، ورفع بها ضعتهم، وجعلهم بها أربابا في أقطار الأرضين، وملوكا على رقاب العالمين، بعد لباس الذّل، وقناع الخوف، وإطباق البلاء، ومحالفة الأسى، وجهد البأس والضر. فظاهر عليهم لباس كرامتك، وأنزلهم في حدائق نعمتك. ثم اعرف لهم حقّ طاعتهم، ووسيلة دالّتهم، وماتة «٢» سابقتهم، وحرمة مناصحتهم، بالإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، والإثابة لمحسنهم، والإقالة لمسيئهم. أي بنيّ؛ ثم عليك العامة. فاستدع رضاها بالعدل عليها. واستجلب مودّتها بالإنصاف لها، وتحسّن بذلك لربك، وتزيّن به في عين رعيّتك، واجعل عمال القدر، وولاة الحجج، مقدّمة بين يدي عملك، ونصفة منك لرعيتك؛ وذلك أن تأمر قاضي كل بلد، وخيار أهل كل مصر، أن يختاروا لأنفسهم رجلا تولّيه أمرهم، وتجعل العدل حاكما بينه وبينهم، فإن أحسن حمدت، وإن أساء عذرت. هؤلاء عمال القدر؛ وولاة الحجج. فلا يضيعنّ عليك ما في ذلك- إذا انتشر في الآفاق وسبق إلى الأسماع- من انعقاد ألسنة المرجفين، وكبت قلوب الحاسدين، إطفاء نيران الحروب، وسلامة عواقب الأمور، ولا ينفكنّ في ظل كرامتك نازلا، وبعرا «٣» حبلك متعلّقا،

стр. 181

رجلان: أحدهما كريمة من كرائم رجالات العرب، وأعلام بيوتات الشرف، له أدب فاضل، وحلم راجح، ودين صحيح. والآخر له دين غير مغموز، وموضع غير مدخول، بصير بتقليب الكلام، وتصريف الرأي، وأنحاء الأدب، ووضع الكتب، عالم بحالات الحروب، وتصاريف الخطوب، يضع آدابا نافعة، وآثارا باقية، من تجميل محاسنك، وتحسين أمرك، وتحلية ذكرك. فتستشيره في حربك، وتدخله في أمرك. فرجل أصبته كذلك فهو يأوى إلى محلّتي، ويرعى في خضرة جناني؛ ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان، وخيار الأمصار. أقواما يكونون جيرانك وسمارك، وأهل مشاورتك فيما تورد، وأصحاب مناظرتك فيما تصدر. فسر على بركة الله، أصحبك الله من عونه وتوفيقه دليلا يهدي إلى الصواب قلبك، وهاديا ينطق بالخير لسانك. وكتب في شهر ربيع الآخرة سنة سبعين ومائة ببغداد «١» . باب في مداراة العدوّ في كتاب للهند: أن العدو الشديد الذي لا تقوى له لا تردّ بأسه عنك بمثل الخشوع والخضوع له، كما أنّ الحشيش إنما يسلم من الريح العاصفة بلينه وانثنائه معها. وقالوا: ازفن «٢» للقرد في دولته. أخذه الشاعر فقال: لا تعبدن صنما في فاقة نزلت ... وازفن بلا حرج للقرد في زمنه وقال أحمد بن يوسف الكاتب: إذا لم تقدر أن تعضّ يد عدوّك فقبّلها.

стр. 182

وقال سابق البلويّ: وداهن إذا ما خفت يوما مسلّطا ... عليك، ولن يحتال من لا يداهن «١» وقالت الحكماء: رأس العقل مغافصة «٢» الفرصة عند إمكانها. والانصراف عما لا سبيل إليه. وقال الشاعر: بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون التحفظ من العدوّ وإن أبدى لك المودّة قالت الحكماء: احذر الموتور ولا تطمئن إليه، وكن أشدّ ما تكون حذرا منه ألطف ما يكون مداخلة لك؛ فإنما السلامة من العدوّ بتباعدك منه، وانقباضك عنه. وعند الأنس إليه والثقة [به] تمكّنه من مقاتلك. قالوا: لا تطمئنّ إلى العدو وإن أبدى لك المقاربة، وإن بسط لك وجهه وخفض «٣» لك جناحه؛ فإنه يتربّص بك الدوائر، ويضمر لك الغوائل ولا يرتجي صلاحا إلا في فسادك، ولا رفعة إلا بسقوط جاهك. للاخطل يحذر بني أمية : كما قال الأخطل: بني أميّة إني ناصح لكم ... فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر «٤» وأتخذوه عدوّا إنّ شاهده ... وما تغيّب من أخلاقه دعر «٥»

стр. 183

إنّ الضّغينة تلقاها وإن قدمت ... كالعرّ يكمن حينا ثم ينتشر «١» وفي كتاب الهند: الحازم يحذر عدوّه على كل حال: يحذر المواثبة إن قرب والمعاودة إن بعد، والكمين إن انكشف، والاستطراد إن ولّى، والكرّة إن فرّ. وأوصى بعض الحكماء ملكا فقال: لا يكوننّ العدوّ الذي كشف لك عن عداوته بأخوف عندك من الظنين الذي يستتر لك بمخاتلته، فإنه ربما تخوّف الرجل السّمّ الذي هو أقتل الأشياء، وقتله الماء الذي هو محيي الأشياء؛ وربما تخوّف أن تقتله الملوك التي تملكه، ثم تقتله العبيد التي يملكها. ولم يقل أحد في العدوّ المندمل «٢» على العداوة مثل قول الأخطل: إنّ الضغينة تلقاها وإن قدمت ... كالعرّ يكمن حينا ثم ينتشر وقد أشار الحسن بن هانيء إلى هذا المعنى فأجاده حيث يقول: وابن عمّ لا يكاشفنا ... قد لبسناه على غمره «٣» كمن الشنآن فيه لنا ... ككمون النار في حجره «٤» وشبهوا العدوّ إذا كان هذا فعله بالحية المطرقة. قال ابن أخت تأبّط شرّا: مطرق يرشح موتا كما ... أطرق أفعى ينفث السّم صلّ» بين معاوية وابن الزبير : وقال عبد الله بن الزّبير لمعاوية- ويقال معاوية قالها لعبد الله بن الزبير-: مالي أراك تطرق إطراق الأفعوان في أصول الشجر. وفي كتاب الهند: إذا أحدث لك العدوّ صداقة لعلة ألجأته إليك، فمع ذهاب

стр. 184

العلّة رجوع العداوة، كالماء تسخّنه فإذا أمسكت عنه عاد إلى أصله باردا والشجرة المرّة لو طليتها بالعسل لم تثمر إلا مرّا. وقال دريد: وما تخفى الضغينة حيث كانت ... ولا النّظر المريض من الصحيح وقال زهير: وما يك في صديق أو عدوّ ... تخبّرك العيون عن القلوب وقيل لزياد: ما السرور؟ قال: من طال عمره حتى يرى في عدوه ما يسرّه. باب من أخبار الأزارقة كان أول من خرج من الخوارج بعد قتل عليّ ﵁، حوثرة الأقطع؛ فإنه خرج إلى النّخيلة واجتمع إليه جماعة من الخوارج، ومعاوية بالكوفة، وقد بايعه الحسن والحسين وقيس بن سعد بن عبادة؛ ثم خرج الحسن يريد المدينة؛ فوجه إليه معاوية وقد تجاوز في طريقه، يسأله أن يكون المتولّي لمحاربتهم. فقال الحسن ﵇: والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين، وما أحسب ذلك يسعني؛ فكيف أن أقاتل قوما أنت أولى بالقتال منهم؟ فلما رجع الجواب إليه وجّه إليهم جيشا أكثره من أهل الكوفة، ثم قال لأبي حوثرة. تقدّم فاكفني أمر ابنك. فسار إليه أبوه، فدعاه إلى الرجوع، فأبى، فداوره فصمّم. فقال له: أي بنيّ، أجيئك بابنك لعلّك تراه فتحنّ إليه! فقال له: يا أبت، أنا والله إلى طعنة نافذة أتقلّب فيها على كعوب الرمح أشوق مني إلى ابني. فرجع إلى معاوية فأخبره، فقال: يا أبا حوثرة، جار هذا جدا. فلما نظر حوثرة إلى أهل الكوفة قال: يا أعداء الله! أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدّوا سلطانه. واليوم تقاتلون معه لتشدّوا سلطانه؟ ثم جعل يشدّ عليهم ويقول: احمل على هذي الجموع حوثرة ... فعن قريب ستنال المغفرة

стр. 185

فحمل عليه رجل من طيء فقتله، فرأي أثر السجود قد لوّح جبهته، فندم على قتله: مرداس ومقتله : وكان مرداس أبو بلال قد شهد صفّين مع علي بن أبي طالب ﵁، وأنكر التحكيم، وشهد النّهروان ونجا فيمن نجا. فلما خرج من حبس ابن زياد ورأى شدّة الطلب للشّراة «١» ، عزم على الخروج، فقال لأصحابه: إنه والله ما يسعنا المقام مع هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل مفارقين للفضل. والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإنّ تجريد السيف وإخافة السبيل لشديد؛ ولكنا ننتبذ «٢» عنهم ولا نجرّد سيفنا ولا نقاتل إلا من قاتلنا. فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا، منهم: حريث بن حجل وكهمس بن طلق الصّريمي، فأرادوا أن يولّوا أمرهم حريثا فأبى، فولوا أمرهم مرداسا، فلما مضى بأصحابه لقيهم عبد الله بن رباح الأنصاري، وكان له صديقا؛ فقال له: يا بن أخي، أين تريد؟ فقال: أريد أهرب بديني ودين أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة. قال له: أعلم أحد بكم؟ قال: لا. قال: فارجع. قال: أو تخاف عليّ مكروها؟ قال: نعم، وأن يؤتى بك. قال: فلا تخف. فإني لا أجرد سيفا ولا أخيف أحدا ولا أقاتل إلا من قاتلني. ثم مضى حتى نزل آسك؛ فمرّ به مال يحمل إلى ابن زياد وقد بلغ أصحابه الأربعين، فحطّ ذلك المال فأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه وترك ما بقي، وقال: قولوا لصاحبكم إنما أخذنا أعطياتنا. فقال له أصحابه: لماذا تترك الباقي؟ قال: إنهم يقسمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة، فلا تقاتلوهم ما داموا على الصلاة. فوجّه إليهم ابن زياد أسلم بن زرعة الكلابيّ في ألفين، فلما وصل إليهم، قال له مرداس: اتق الله يا أسلم، فإنا لا نريد قتالا ولا نروّع أحدا؛ وإنما هربنا من الظّلم،

стр. 186

ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا. قال: لابد من ردّكم إلى ابن زياد. قال: وإن أراد قتلنا؟ قال: وإن أراد قتلكم. قال: فتشرك في دمائنا؟ قال: نعم. فشدّوا عليه شدّة رجل واحد فهزموه وقتلوا أصحابه. ثم وجه إليهم ابن زياد عبّادا، فقاتلهم يوم الجمعة حتى كان وقت الصلاة، فناداهم أبو بلال: يا قوم، هذا وقت الصلاة فوادعونا حتى نصلّي [وتصلوا] «١» . فوادعوهم؛ فلما دخلوا في الصلاة شدّوا عليهم فقتلوهم، وهم بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد. فقال عمران بن حطّان يرثي أبا بلال: يا عين بكّي لمرداس ومصرعه ... يا ربّ مرادس اجعلني كمرداس أبقيتني هائما أبكي لمرزئتي ... في منزل موحش من بعد إيناس «٢» أنكرت بعدك ما قد كنت أعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس إمّا شربت بكأس دار أوّلها ... على القرون فذاقوا جرعة الكاس فكلّ من لم يذقها شارب عجلا ... منها بأنفاس ورد بعد أنفاس وليس في الفرق كلها وأهل البدع أشد بصائر من الخوارج، ولا أكثر اجتهادا، ولا أوطن «٣» أنفسا على الموت؛ منهم الذي طعن فأنفذه الرمح فجعل يسعى إلى قاتله ويقول: عجلت إليك ربّ لترضى. ولما مالت الخوارج إلى أصبهان حاصرت بها عتّاب بن ورقاء سبعة أشهر يقاتلهم في كل يوم وكان مع عتّاب بن ورقاء رجل يقال له: شريح. ويكنى أبا هريرة، فكان يخرج إليهم في يوم فيناديهم: يا بن أبي الماحوز والأشرار ... كيف ترون يا كلاب النار «٤» شدّ أبي هريرة الهرّار ... يعروكم بالليل والنّهار وهو من الرّحمن في جوار

стр. 187

فتعاظمهم ذلك. فكمن له عبيدة بن هلال فضربه، واحتمله أصحابه، فظنّت الخوارج أنه قد قتل، فكانوا إذا تواقفوا ينادونهم: ما فعل الهرار؟ فيقولون: ما به من بأس. حتى أبلّ «١» من علّته، فخرج إليهم فقال؛ يا أعداء الله! أترون بي بأسا؟ فصاحوا: قد كنا نرى أنك لحقت بأمك الهاوية في النار الحامية. فلما طال الحصار على عتّاب، قال لأصحابه: ما تنتظرون؟ إنكم والله ما تؤتون من قلّة؛ وإنكم فرسان عشائركم؛ ولقد حاربتموهم مرارا فانتصفتم منهم؛ وما بقي من هذا الحصار إلا أن تفنى ذخائرهم فيموت أحدكم فيدفنه صاحبه، ثم يموت هو فلا يجد من يدفنه! فقاتلوا القوم وبكم قوة، من قبل أن يضعف أحدكم عن أن يمشي إلى قرنه. فلما أصبح صلى بهم الصبح، ثم خرج إلى الخوارج وهم غارّون، وقد نصب لواء لجارية يقال لها ياسمين، فقال: من أراد البقاء فليلحق بلواء ياسمين! ومن أراد الجهاد فليلحق بلوائي. قال: فخرج في ألفين وسبعمائة فارس، فلم تشعر بهم الخوارج حتى غشوهم. فقاتلوهم بجد لم تر الخوارج مثله، فقتلوا أميرهم الزبير بن عليّ، وانهزمت الخوارج، فلم يتبعهم عتّاب بن ورقاء. وخرج قريب بن مرة الأزدي وزحّاف الطائي، وكانا مجتهدين بالبصرة في أيام زياد فاعترضا الناس، فلقيا شيخا ناسكا من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار فقتلاه، وتنادى الناس، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد بالسيف، فناداه الناس من بعض البيوت: الحرورية الحرورية! انج بنفسك. فنادوه: لسنا حروريّة نحن الشّرط. فوقف فقتلوه. وبلغ أبا بلال خبرهما، وكان على دين الخوارج إلا أنه كان لا يرى اعتراض الناس، فقال: قريب، لا قرّبه الله من الخير، وزخّاف، لا عفا الله عنه، فلقد ركباها عشواء مظلمة «٢» .

стр. 188

ثم جعلا لا يمرّان بقبيلة إلا قتلا من وجدا فيها، حتى مرّا ببني عليّ بن سود، من الأزد، وكانوا رماة، وكان فيهم مائة يجيدون الرمي، فرموهم رميا شديدا، فصاحوا: يا بني عليّ، البقيا، لا رماء بيننا. فقال رجل منهم: لا شيء للقوم سوى السهام ... مشحوذة في غلس الظلام فهربت عنهم الخوارج؛ فاشتقّوا مقبرة بني يشكو حتى خرجوا إلى مزينة، واستقبلهم الناس فقتلوا عن آخرهم. زياد والخوارج : ثم عاد الناس إلى زياد، فقال: ألا ينهى كلّ قوم سفهاءهم؟ فكانت القبائل إذا أحست بخارجي فبهم أوثقوه وأتوا به زيادا، منهم من يحبسه ومنهم من يقتله. ولزياد أخرى في الخوارج: أنه أتي بامرأة منهم، فقتلها ثم عرّاها، فلم تخرج النساء إلا بعد زياد، وكنّ إذا أرغمن على الخروج قلن: لولا التّعرية لسارعنا. ومن مشاهير فرسان الخوارج: عمرو القنا، من بني سعد بن زيد مناة؛ وعبيدة بن هلال، من بني يشكر بن بكر بن وائل، وهو الذي طعن صاحب المهلّب في فخذه؛ فشكّها مع السرج؛ وهما اللذان يقول فيهما ابن المنجب السدوسي من فرسان المهلّب، وكان قال له مولاه خلاج: وددت أنّا فضضنا عسكرهم حتى أصير إلى مستقرّهم فأستلب منه جاريتين، إحداهما لك والأخرى لي: أخلاج إنك لن تعانق طفلة ... شرقا بها الجاديّ كالتّمثال «١» حتى تعانق في الكتيبة معلما ... عمرو القنا وعبيدة بن هلال «٢» وترى المقعطر في الكتيبة مقدما ... في عصبة قسطوا مع الضّلّال «٣»

стр. 189

والمقعطر: من مشاهير فرسانهم، وقطريّ، أنجدهم قاطبة؛ وصالح بن مخراق، من بهمهم، وكذلك سعد الطلائع. للمهلب في نفر من الخوارج : ولما اختلف أمر الخوارج وانحاز قطريّ فيمن معه وبقي عبد ربّه، قال المهلّب لأصحابه: إن الله تعالى قد أراحكم من أقران أربعة: قطريّ بن الفجاءة، وصالح بن مخراق، وعبيدة بن هلال، وسعد الطلائع؛ وإنما بين أيديكم عبد ربه في خشار «١» من خشار الشيطان. تعطش الخوارج إلى القتال : وكانت الخوارج تقاتل على السوط يؤخذ منها والعلق الخسيس «٢» أشدّ قتال، وسقط في بعض أيامهم رمح لرجل من مراد من الخوارج، فقاتلوا عليه حتى كثر الجراح والقتل، وذلك مع المغرب، والمرادي يرتجز: الّليل ليل فيه ويل ويل ... وسال بالقوم الشّراة السّيل إن جاز للأعداء فينا قول وتفرقت مقالة الخوارج على أربعة أضرب: فقال نافع بن الأزرق: باستعراض الناس والبراءة من عثمان وعليّ وطلحة والزبير، واستحلال الأمانة وقتل الأطفال. وقال أبو بيهس هيصم بن جابر الضّبعيّ: إن أعداءنا كأعداء الرسول ﷺ : يحلّ لنا المقام فيهم كما أقام رسول الله ﷺ وأقام المسلمون بين المشركين. وأقول: إن مناكحتهم ومواريثهم تجوز، لأنهم منافقون يظهرون الإسلام وإن حكمهم عند الله حكم المشركين. وقال عبد الله بن إباض: لا نقول فيمن خالفنا إنه مشرك، لأن معهم التوحيد

стр. 190

والإقرار بالكتاب والرسول، وإنما هم كفّار للنّعم، ومواريثهم ومناكحهم والإقامة معهم: حلّ، ودعوة الإسلام تجمعهم. وقالت الصّفريّة بقول عبد الله بن إباض، ورأت القعود، حتى صار عامتهم قعدا، وإنما سمّوا صفرية لاصفرار وجوههم، وقيل: لأنهم أصحاب ابن الصّفّار.

стр. 191

كتاب الزبرجدة في الاجواد والأصفاد فرش كتاب الزبرجدة قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، تغمده الله برحمته: قد مضى قولنا في الحروب وما يدخلها من النقص والكمال، وتقدّم الرجال، على منازلهم من الصبر والجلد، والعدّة والعدد. ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الأجواد والأصفاد، إذ كان أشرف ملابس الدنيا وأزين حللها وأجلبها لحمد، وأدفعها لذمّ، وأسترها لعيب: كرم طبيعة يتحلى بها السمح السريّ، والجواد السخي. ولو لم يكن في الكرم إلا أنه صفة من صفات الله تعالى، تسمّى بها، فهو الكريم . ومن كان كريما من خلقه، فقد تسمّى باسمه، واحتذى على صفته. وقال النبي ﷺ : «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . وفي الحديث المأثور: «الخلق عيال الله، فأحبّ الخلق إلى الله أنفعهم لعياله» . وقال الحسن والحسين ﵉ لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال. قال: بأبي وأمي أنتما، إنّ الله قد عوّدني أن يتفضّل عليّ، وعوّدته أن أتفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني. وقال المأمون لمحمد بن عبّاد المهلّبي: أنت متلاف «١» ! قال: منع الجود سوء ظّن

стр. 192

بالمعبود. يقول الله : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ «١» . وقال النبي ﷺ : «أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . مدح الكرم وذمّ البخل قال النبي ﷺ : «اصطناع المعروف يقي مصارع السوء» . وقال ﵊: «إن الله يحب الجود ومكارم الأخلاق ويبغض سفسافها «٢» » . وقال النبي ﷺ لقوم من العرب: «من سيّدكم؟ قالوا الجدّ بن قيس على بخل فيه. فقال ﷺ : وأي داء أدوأ من البخل» . وقال الله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «٣» . وقال أكثم بن صيفيّ حكيم العرب: ذلّلوا أخلاقكم للمطالب، وقودوها إلى المحامد، وعلّموها المكارم، ولا تقيموا على خلق تذمّونه من غيركم، وصلوا من رغب إليكم، وتحلّوا بالجود يكسبكم المحبة، ولا تعتقدوا البخل فتتعجلوا الفقر. أخذه الشاعر فقال: أمن خوف فقر تعجّلته ... وأخّرت إنفاق ما تجمع فصرت الفقير وأنت الغنيّ ... وما كنت تعدو الذي تصنع سخى وبخيل : وكتب رجل من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يأمره بالإبقاء على نفسه ويخوّفه الفقر. فردّ عليه: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً

стр. 193

مِنْهُ وَفَضْلًا «١» وإني أكره أن أترك أمرا قد وقع، لأمر لعله لا يقع. من خطبة لخالد القسري : وكان خالد بن عبد الله القسري يقول على المنبر: أيها الناس، عليكم بالمعروف؛ فإن الله لا يعدم فاعله جوازيه؛ وما ضعفت الناس عن أدائه قوي الله على جزائه. أخذه من قول الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس «٢» وأخذه الحطيئة من بعض الكتب القديمة: يقول الله تعالى فيما أنزله على داود ﵇: من يفعل الخير يجده عندي، لا يذهب العرف بيني وبين عبدي. من خطبة لسعيد بن العاص : وكان سعيد بن العاص يقول على المنبر: من رزقه الله رزقا حسنا فلينفق منه سرّا وجهرا، حتى يكون أسعد الناس به؛ فإنما يترك ما يترك لأحد رجلين: إمّا لمصلح فلا يقل عليه شيء، وإما لمفسد فلا يبقى له شيء. أخذخ الشاعر فقال: أسعد بمالك في الحياة فإنّما ... يبقى خلافك مصلح أو مفسد فإذا جمعت لمفسد لم يغنه ... وأخو الصلاح قليله يتزيّد قال أبو ذر: إن لك في مالك شريكين: الحدثان «٣» والوارث: فإن استطعت ألّا تكون أبخس الشركاء حظاّ فافعل. وقال بزرجمهر الفارسي: إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق منها، فإنها لا تفنى؛ وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنها لا تبقى.

стр. 194

أخذ الشاعر هذا المعنى فقال: لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التّبذير والسّرف وإن تولّت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف لكسرى في الأسخياء : وكان كسرى يقول: عليكم بأهل السخاء والشجاعة، فإنهم أهل حسن الظنّ بالله تعالى، ولو أنّ أهل البخل لم يدخل عليهم من ضرر بخلهم ومذمّة الناس لهم وإطباق «١» القلوب على بغضهم، إلا سوء ظنهم بربّهم في الخلف، لكان عظيما وأخذ هذا المعنى محمود الورّاق فقال: من ظنّ بالله خيرا جاد مبتدئا ... والبخل من سوء ظنّ المرء بالله بين موسى والهادي وابن يزيد : محمد بن يزيد بن عمرة بن عبد العزيز قال: خرجت مع موسى الهادي أمير المؤمنين من جرجان، فقال لي: إمّا أن تحملني وإما أن أحملك. ففهمت ما أراد، فأنشدته أبيات ابن صرمة الأنصاري. أوصيكم بالله أوّل وهلة ... وأحسابكم، والبرّ بالله أوّل وإن قومكم سادوا فلا تحسدوهم ... وإن كنتم أهل السيادة فاعدلوا وإن أنتم أعوزتم فتعفّفوا ... وإن كان فضل المال فيكم فأفضلوا فأمر لي بعشرين ألفا. وقال عبد الله بن عباس: سادات الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء. قال أبو مسلم الخولاني: ما شيء أحسن من المعروف إلا ثوابه، وما كلّ من قدر على المعروف كانت له نيّة؛ فإذا اجتمعت القدرة والنية تمت السعادة. وأنشد:

стр. 195

إنّ المكارم كلّها حسن ... والبذل أحسن ذلك الحسن كم عارف بي لست أعرفه ... ومخبّر عنّي ولم يرني يأتيهم خبري وإن بعدت ... داري وبوعد عنهم وطني إني لحرّ المال ممتهن ... ولحرّ عرضي غير ممتهن «١» وقال خالد بن عبد الله القسري: من أصابه غبار مركبي فقد وجب عليّ شكره. وقال عمرو بن العاص: والله لرجل ذكرني، ينام على شقّة ثمرة وعلى شقة أخرى، يراني موضعا لحاجته، لأوجب عليّ حقا إذا سألنيها مني إذا قضيتها له. وقال عبد العزيز بن مروان: إذا أمكنني الرجل من نفسه حتى أضع معروفي عنده، فيده عندي أعظم من يدي عنده. وأنشد لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا طارقات الهمّ ضاجعت الفتى ... وأعمل فكر الّليل والّليل عاكر «٢» وباكرني في حاجة لم يكن لها ... سواي ولا من نكبة الدّهر ناصر فرجت بمالي همّه عن خناقه ... وزاوله الهمّ الطّروق المساور وكان له فضل عليّ بظنّه ... بي الخير إنّي للّذي ظنّ شاكر لأبي عقيل في مروان : وقيل لأبي عقيل البليغ العراقي: كيف رأيت مروان بن الحكم عند طلب الحاجة إليه؟ قال: رأيت رغبته في الإنعام فوق رغبته في الشكر، وحاجته إلى قضاء الحاجة أشدّ من حاجة صاحب الحاجة. وقال زياد: كفى بالبخل عارا أن اسمه لم يقع في حمد قطّ، وكفى بالجود مجدا أن اسمه لم يقع في ذم قط. وقال آخر:

стр. 196

ألا تراني وقد قطّعتني عذلا ... ماذا من الفضل بين البخل والجود إلّا يكن ورق يوما أراح به ... للخابطين فإني ليّن العود لا يعدم السائلون الخير أفعله ... إمّا نوالا وإما حسن مردود قوله «إلا يكن ورق» يريد المال، وضربه مثلا. ويقال: أتى فلان فلانا يختبط ما عنده. والاختباط: ضرب الشجر ليسقط الورق لتأكله السائبة، فجعل طالب الرزق مثل الخابط. قال أسماء بن خارجة: ما أحب أن أردّ أحدا في حاجة طلبها، لأنه لا يخلو أن يكون كريما فأصون له عرضه، أو لئيما فأصون عرضي منه. وقال أرسطا طاليس: من انتجعك «١» من بلاده فقد ابتدأك بحسن الظن بك والثقة بما عندك. الترغيب في حسن الثناء واصطناع المعروف قال النبي ﷺ : «إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند ربّه فانظروا ما يتبعه من حسن الثناء» . من عمر إلى أبي موسى : وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: اعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أنّ مالك عند الله مثل ما للناس عندك. وقيل لبعض الحكماء: ما أفادك الدهر؟ قال: العلم به. قيل: فما أحد الأشياء؟ قال: أن تبقي للإنسان أحدوثة حسنة. وقال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ «٢» إنه أراد حسن الثناء من بعده.

стр. 197

وقال أكثم بن صيفي: إنما أنتم أخبار فطيّبوا أخباركم. أخذ هذا المعنى حبيب الطائي فقال: وما ابن آدم إلّا ذكر صالحة ... أو ذكر سيئة يسرى بها الكلم أما سمعت بدهر باد، أمّته ... جاءت بأخبارها من بعدها أمم «١» وقال أبو بكر محمد بن دريد: وإنّما المرء حديث بعده ... فكن حديثا حسنا لمن وعى وقالوا: الأيام مزارع، فما زرعت فيها حصدته. لابن عبد ربه : ومن قولنا في هذا المعنى وغيره من مكارم الأخلاق: يا من تجلّد للزّما ... ن أما زمانك منك أجلد سلّط نهاك على هوا ... ك وعدّ يومك ليس من غد إن الحياة مزارع ... فازرع بها ما شئت تحصد والناس لا يبقى سوى ... آثارهم والعين تفقد أو ما سمعت بمن مضى ... هذا يذمّ وذاك يحمد المال إن أصلحته ... يصلح وإن أفسدت يفّسد وقال الأحنف بن قيس: ما ادّخرت الآباء للأبناء، ولا أبقت الموتى للأحياء، شيئا أفضل من اصطناع المعروف عند ذوي الأحساب. وقالوا: تربيب المعروف أولى من اصطناعه؛ لأنّ اصطناعه نافلة، «٢» وتربيبه فريضة. وقالوا: أحي معروفك بإماتة ذكره، وعظّمه بالتّصغير له.

стр. 198

وقالت الحكماء: من تمام كرم المنعم التغافل عن حجته، والاقرار بالفضيلة لشاكر نعمته. وقالوا: للمعروف خصال ثلاث: تعجيله وتيسيره وستره، فمن أخلّ بواحدة منها فقد بخس «١» المعروف حقه وسقط عنه الشكر. وقيل لمعاوية: أي الناس أحب إليك؟ قال: من كانت له عندي يد صالحة. قيل: فإن لم تكن له؟ قال: فمن كانت لي عنده يد صالحة. وقال النبي ﷺ : «من عظمت نعمة الله عنده عظمت مؤونة الناس عليه، فإن لم يقم بتلك المؤونة عرّض النعمة للزوال» . عروة بن أدية في صلبه : أبو اليقظان قال: أخذ عبيد الله بن زياد عروة بن أديّة أخا أبي بلال، وقطع يده ورجله، وصلبه على باب داره؛ فقال لأهله وهو مصلوب: انظروا إلى هؤلاء الموكلين بي فأحسنوا إليهم، فإنهم أضيافكم. ابن المبارك عن حميد عن الحسن قال: لأن أقضي حاجة لأخ لي، أحبّ إليّ من عبادة سنة. بين السندي وكوفي ذي مروءة : وقال إبراهيم بن السّندي: قالت لرجل من أهل الكوفة، من وجوه أهلها، كان لا يجف لبده «٢» ، ولا يستريح قلبه، ولا تسكن حركته في طلب حوائج الرجال وإدخال المرافق على الضّعفاء وكان رجلا مفوّها؛ فقلت له: أخبرني عن الحالة التي خفّفت عنك النّصب «٣» وهوّنت عليك التعب في القيام بحوائج الناس، ما هي؟ قال قد والله

стр. 199

سمعت تغريد الطير بالأسحار، في فروع الأشجار، وسمعت خفق أوتار العيدان، وترجيع أصوات القيان، فما طربت من صوت قط، طربي من ثناء حسن بلسان حسن على رجل قد أحسن، ومن شكر حرّ المنعم حرّ، ومن شفاعة محتسب لطالب شاكر. قال إبراهيم: فقلت له: لله أبوك! لقد حشيت كرما. لجعفر بن محمد : إسماعيل بن مسرور عن جعفر بن محمد «١» قال: إن الله خلق خلقا من رحمته برحمته لرحمته، وهم الذين يقضون الحوائج للناس، فمن استطاع منكم أن يكون منهم فليكن. الجود مع الإقلال قال الله ﵎ فيما حكاه عن الأنصار: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » وقال النبي ﷺ : «أفضل العطية ما كان من معسر إلى معسر» . وقال ﵊: «أفضل العطية جهد المقلّ» . وقالت الحكماء: القليل من القليل أحمد من الكثير إلى الكثير. أخذ هذا المعنى حبيب فنظمه في أبيات كتب بها إلى الحسن بن وهب الكاتب وأهدى إليه قلما: قد بعثنا إليك أكرمك الله ب ... يء فكن له ذا قبول لا تقسه إلى ندى كفّك الغم ... ر ولا نيلك الكثير الجزيل «٣» واستجز قلّة الهديّة منّي ... إنّ جهد المقلّ غير قليل

стр. 200

وقالوا: جهد المقلّ أفضل من غني المكثر. وقال صريع الغواني: ليس السّماح لمكثر في قومه ... لكن لمقتر قومه المتحّمد لأبي هريرة في جعفر بن أبي طالب : وقال أبو هريرة: ما وددت أن أحدا ولدتني أمّه إلا أم جعفر بن أبي طالب؛ تبعته ذات يوم وأنا جائع، فلما بلغ الباب التفت فرآني، فقال لي: ادخل، فدخلت؛ ففكّر حينا فما وجد في بيته شيئا إلا نحيا «١» كان فيه سمن مرّة، فأنزله من رف لهم، فشقّه بين أيدينا، فجعلنا نلعق ما كان فيه من السمن والزيت، وهو يقول: ما كلّف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلّا بما تجد وقيل بعض الحكماء: من أجود الناس؟ قال: من جاد من قلّة، وصان وجه السائل عن المذلّة. وقال حماد عجرد: أورق بخير تؤمّل للجزيل فما ... ترجى الثّمار إذا لم يورق العود إنّ الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنياّ وهو مجهود بثّ النّوال ولا تمنعك قلّته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود «٢» وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود وقال حاتم: أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحلّ جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنّما وجه الكريم خصيب

стр. 201

وقال عبد الملك بن مروان: ما كنت أحب أنّ أحدا ولدني من العرب إلا عروة بن الورد لقوله: أتهزأ مني سمنت وأن ترى ... بجسمي مسّ الجوع والجوع جاهد لأني امرؤ عافى إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافى إنائك واحد أقسّم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد «١» ومن أحسن ما قيل في الجود مع الإقلال قول صريع: فلو لم يكن في كفّه غير روحه ... لجاد بها فليتّق الله سائله ومن أفرط ما قيل في الجود قول بكر بن النطّاح: أقول لمرتاد النّدى عند مالك ... تمسّكّ بجدوى مالك وصلاته «٢» فتى جعل الدّنيا وقاء لعرضه ... فأسدى بها المعروف قبل عداته «٣» فلو خذلت أمواله جود كفّه ... لقاسم من يرجوه شطر حياته وإن لم يجز في العمر قسم لمالك ... وجاز له أعطاه من حسناته وجاد بها من غير كفر بربّه ... وأشركه في صومه وصلاته وقال آخر في هذا المعنى وأحسن: ملأت يدي من الدنيا مرارا ... وما طمع العواذل في اقتصادي ولا وجبت عليّ زكاة مال ... وهل تجب الزّكاة على الجواد العطية قبل السؤال قال سعيد بن العاص: قبح الله المعروف إن لم يكن ابتداء من غير مسألة، فالمعروف عوض من مسألة الرجل إذا بذل وجهه، فقلبه خائف، وفرائصه ترعد، وجبينه يرشح؛ لا يدري أيرجع بنجح الطلب، أم بسوء المنقلب، قد انتقع «٤» لونه،

стр. 202

وذهب دم وجهه. اللهم فإن كانت الدنيا لها عندي حظّ فلا تجعل لي حظا في الآخرة. وقال أكثم بن صيفي: كل سؤال وإن قلّ أكثر من كل نوال وإن جلّ. وقال عليّ بن أبي طالب ﵁ لأصحابه: من كانت له إليّ منكم حاجة فليرفعها في كتاب، لأصون وجوهكم عن المسألة. حبيب قال: عطاؤك لا يفنى ويستغرق المنى ... وتبقى وجوه الرّاغبين بمائها «١» وقال حبيب أيضا: ذلّ السّؤال شجا في الحلق معترض ... من دونه شرق من خلفه جرض «٢» ما ماء كفّك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوض إنّي بأيسر ما أدنيت منبسط ... كما بأكثر ما أقصيت منقبض وقالوا: من بذل إليك وجهه فقد وفّاك عن نعمتك. وقالوا: أكمل الخصال ثلاث: وقار بلا مهابة، وسماح بلا طلب مكافأة، وحلم بغير ذلّ. وقالوا: السخي من كان مسرورا ببذله، متبرعا بعطائه، لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ولا يكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحب للطائر: لا يريد نفعها ولكن نفع نفسه. بين ابن أبي سبرة وأبي الأسود : نظر المنذر بن أبي سبرة إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع، فقال له: ما أصبرك على هذا القميص؟ فقال له: ربّ مملوك لا يستطاع فراقه. فبعث إليه

стр. 203

بتخت من ثياب. فقال أبو الأسود: كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر وإنّ أحقّ الناس إن كنت شاكرا ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر بين معاوية وابن صوحان في الجود : وسأل معاوية صعصعة بن صوحان: ما الجود؟ فقال: التبرّع بالمال، والعطّية قبل السؤال. لابن عبد ربه : ومن قولنا في هذا المعنى: كريم على العلّات جزل عطاؤه ... ينيل وإن لم يعتمد لنوال «١» وما الجود من يعطي إذا ما سألته ... ولكنّ من يعطي بغير سؤال وقال بشّار العقيلي: مالكيّ ينشقّ عن وجهه الجد ... ب كما انشقت الدّجى عن ضياء فثجوج السماء فيض يديه ... لقريب ونازح الدار ناء «٢» ليس يعطيك للرّجاء وللخو ... ف ولكن يلذّ طعم العطاء لا ولا أن يقال شيمته الجو ... د ولكن طبائع الآباء وقال آخر: إن بين السّؤال والإعتذار ... خطّة صعبة على الأحرار وقال حبيب: لئن جحدتك ما أوليت من نعم ... إني لفي اللؤم أمضى منك في الكرم

стр. 204

أنسى ابتسامك والألوان كاسفة ... تبسّم الصّبح في داج من الظّلم «١» رددت رونق وجهي في صحيفته ... ردّ الصّقال بهاء الصّارم الخذم «٢» وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي! استنجاح الحوائج عادتهم في ذلك : كانوا يستفتحون حوائجهم بركعتين يقولون فيهما: اللهم بك أستنجح، وباسمك أستفتح، وبمحمد نبيّك إليك أتوجه، اللهم ذلّ لي صعوبته، وسهّل لي حزونته، وارزقني من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عنّي من الشر أكثر مما أخاف. وقال النبي ﷺ : «استعينوا على حوائجكم بالكتمان لها، فإنّ كل ذي نعمة محسود» . وقال خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، ولا تطلبوها من غير أهلها، فإنّ الحوائج تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء. وقال: مفتاح نجح الحاجة الصبر على طول المدة. ومغلاقها اعتراض الكسل دونها. قال الشاعر: إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر وقلّ من جدّ في أمر يحاوله ... واستصحب الصّبر إلا فاز بالظّفر ومن أمثال العرب في هذا: من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له. أخذ الشاعر هذا المعنى فقال: إن الأمور إذا انسدّت مسالكها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا «٣»

стр. 205

لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة ... إذا تضايق أمر أن ترى فرجا أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا «١» وقال خالد بن صفوان: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشدّ من المصيبة سوء الخلف منها. وقالوا: صاحب الحاجة مبهوت، وطلب الحوائج كلّها تعزير «٢» . وقالت: الحكماء: لا تطلب حاجتك من كذّاب؛ فإنه يقرّ بها بالقول ويبعدها بالفعل؛ ولا من أحمق، يريد نفعك فيضرّك؛ ولا من رجل له أكلة من جهة رجل، فإنه لا يؤثر حاجتك على أكلته. وقال دعبل بن علي الخزاعي: جئتك مسترفدا بلا سبب ... إليك إلّا بحرمة الأدب «٣» فاقض ذمامي فإنني رجل ... غير ملحّ عليك في الطّلب وقال شبيب بن شيبة: إني لأعرف أمرا لا يتلاقى به اثنان إلا وجب النّجح بينهما. قيل له: وما ذاك؟ قال: العقل؛ فإن العاقل لا يسأل ما لا يمكن، ولا يردّ عما يمكن. وقال الشاعر: أتيتك لا أدلي بقربى ولا يد ... إليك سوى أنّي بجودك واثق فإن تولني عرفا أكن لك شاكرا ... وإن قلت لي عذرا أقل أنت صادق «٤» وقال الحسن بن هانيء: فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإنّي عاذر وشكور

стр. 206

وقال آخر: لعمرك ما أخلقت وجها بذلته ... إليك ولا عرضته للمعاير فتى وفّرت أيدي المكارم عرضه ... عليه وخلّت ماله غير وافر بين ابن واسع وأمير : ودخل محمد بن واسع على بعض الأمراء فقال: أتيتك في حاجة فإن شئت قضيتها وكنا كريمين، وإن شئت لم تقضها وكنّا لئيمين. أراد: إن قضيتها كنت أنت كريما بقضائها وكنت أنا كريما بسؤالك إباها؛ لأني وضعت الطّلبة في موضعها؛ فإن لم تقضها كنت أنت لئيما بمنعك وكنت أنا لئيما بسوء اختياري لك. وسرق حبيب هذا المعنى فقال: عيّاش إنك للّئيم وإنّني ... مذ صرت موضع مطلبي للئيم عبد الله بن طاهر وسوار القاضي : ودخل سوار القاضي على عبد الله بن طاهر صاحب خراسان فقال: أصلح الله الأمير: لنا حاجة والعذر فيها مقدّم ... خفيف معنّاها مضاعفة الأجر «١» فإن تقضها فالحمد لله وحده ... وإن عاق مقدور ففي أوسع العذر «٢» قال له: ما حاجتك أبا عبد الله؟ قال: كتاب لي: إن رأى الأمير أكرمه الله- أن ينفذه في خاصته، كتب إلى موسى بن عبد الملك في تعجيل أرزاقي. قال: أو غير ذلك أبا عبد الله؟ نعجّلها لك من مالك، وإذا وددت كنت مخيّرا بين أن تأخذ أو تردّ. فأنشد سوار يقول: فبابك أيمن أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره وكفّك حين ترى المجتدي ... ن أندى من الّليلة الماطره

стр. 207

وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأمّ بابنتها الزّائره «١» أبو حازم الأعرج وسلطان في حاجة : ودخل أبو حازم الأعرج على بعض أهل السلطان فقال: أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله قبلك، فإن يأذن الله في قضائها قضيتها وحمدناك، وإن لم يأذن في قضائها لم تقضها وعذرناك. وفي بعض الحديث: «اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه» . أخذه الطائي فنظمه في شعره فقال: قد تأوّلت فيك قول رسول الله ... إذ قال مفصحا إفصاحا إن طلبتم حوائجا عند قوم ... فتنقّوا لها الوجوه الصّباحا فلعمري لقد تنقّيت وجها ... ما به خاب من أراد النّجاحا بين المنصور وطالب حاجة : قال المنصور لرجل دخل عليه: سل حاجتك فإنك لست تقدر على هذا المقام في كل حين. قال: يبقيك الله يا أمير المؤمنين، ما أستقصر عمرك ولا أخاف بخلك، وإنّ عطاءك لشرف، وإن سؤالك لزين، وما بامريء بذل إليك وجهه نقص ولا شين «٢» . فوصله وأحسن إليه. استنجاز المواعد كلمات في معنى هذا العنوان : من أمثالهم في هذا: أنجز حرّ ما وعد. وقالوا: وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف. وقال الزّهري: حقيق على من أورق بوعد أن يثمر بفعل.

стр. 208

وقال المغيرة: من أخر حاجة فقد ضمنها. وقال الموبذان الفارسي: الوعد السحابة، والإنجاز المطر. وقال غيره: المواعيد رءوس الحوائج والإنجاز أبدانها. وقال عبد الله بن عمر: خلف الوعد ثلث النفاق، وصدق الوعد ثلث الإيمان، وما ظنّك بشيء جعله الله مدحة في كتابه، وفخرا لأنبيائه، فقال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ «١» . لجبار في عامر ابن الطفيل : وذكر جبار بن سلمى عامر بن الطّفيل فقال: كان والله إذا وعد الخير وفى، وإذا وعد الشر أخلف. وهو القائل: ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتي ... ويأمن منّي سطوة المتهدّد «٢» وإني وإن أوعدته أو وعدته ... ليكذب إيعادي ويصدق موعدي وقال ابن أبي حازم: إذا قلت في شيء «نعم» فأتمّه ... فإنّ «نعم» دين على الحرّ واجب وإلا فقل «لا» تسترح وترح بها ... لئلا يقول الناس إنك كاذب ولو لم يكن في خلف الوعد إلا قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ «٣» لكفى. وقال عمر بن الحارث: كانوا يفعلون ولا يقولون، ثم صاروا يقولون ويفعلون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون، ثم صاروا لا يقولون ولا يفعلون، فزعم أنهم ضنّوا بالكذب فضلا عن الصدق.

стр. 209

وفي هذا المعنى يقول الحسن بن هانىء: قال لي ترضى بوعد كاذب؟ ... قلت إن لم يك شحم فنفش «١» ومثله قول عباس بن الأحنف، ويقال إنها لمسلم بن الوليد صريع الغواني: ما ضرّ من شغل الفؤاد ببخله ... لو كان علّلني بوعد كاذب «٢» صبرا عليك فما أرى لي حيلة ... إلّا التّمسّك بالرجاء الخائب سأموت من كمد وتبقى حاجتي ... فيما لديك ومالها من طالب بين عبد الملك وابن أم الحكم : قال عبد الرحمن بن أم الحكم لعبد الملك بن مروان في مواعيد وعدها إياه فمطله «٣» بها: نحن إلى الفعل أحوج منا إلى القول، وأنت بالإنجاز أولى منك من المطل، واعلم أنك لا تستحق الشكر إلا بإنجازك الوعد واستتمامك المعروف. بين عيسى بن موسى وابن معن : القاسم بن معن المسعودي قال: قلت لعيسى بن موسى: أيها الأمير، ما انتفعت بك منذ عرفتك، ولا أوصلت لي خيرا منذ صحبتك. قال: ألم أكلّم لك أمير المؤمنين في كذا وأسأله لك كذا؟ قال: قلت: بلى، فهل استنجزت ما وعدت، واستتممت ما بدأت؟ قال: حال من دون ذلك أمور قاطعة، وأحوال عاذرة. قلت: أيها الأمير، فما زدت على أن نبّهت العجز من رقدته، وأثرت الحزن من ربضته، إنّ الوعد إذا لم يشفعه إنجاز يحقّقه، كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه. وقال عبد الصمد بن الفضل الرقاشي لخالد بن ديسم عامل الرّي: أخالد إن الريّ قد أجحفت بنا ... وضاق علينا رحبها ومعاشها وقد أطمعتنا منك يوما سحابة ... أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها

стр. 210

فلا غيمها يصحو فييئس طامعا ... ولا ماؤها يأتي فتروى عطاشها بين بشار وسلم : وقال سعيد بن سلم: وعد أبي بشارا العقيلي حين مدحه بالقصيدة التي يقول فيها: صدّت بخدّ وجلت عن خدّ ... ثم انثنت كالنّفس المرتدّ «١» فكتب إليه بشار بالغد: ما زال ما منّيتني من همّي ... الوعد فأرح من غمّي إن لم ترد مدحي فراقب ذمّي فقال له أبي: يا أبا معاذ، هلا استنجزت الحاجة بدون الوعيد! فإذا لم تفعل فتربّص ثلاثا وثلاثا؛ فإني والله ما رضيت بالوعد حتى سمعت الأبرش الكلبي يقول لهشام: يا أمير المؤمنين؛ لا تصنع إليّ معروفا حتى تعدني؛ فإنه لم يأتني منك سيب «٢» على غير وعد إلا هان عليّ قدره وقلّ مني شكره. فقال له هشام: لئن قلت ذلك لقد قاله سيد أهلك أبو مسلم الخولاني: «إن أوقع المعروف في القلوب، وأبرده على الأكباد معروف منتظر، بوعد لا يكدّره المطل» . يحيى بن خالد وقضاء الحوائج : وكان يحيى بن خالد بن برمك لا يقضي حاجة إلا بوعد، ويقول: من لم يبت على سرور الوعد لم يجد للصنيعة طعما. وقالوا: الخلف ألأم من البخل لأنه من لم يفعل المعروف لزمه ذمّ اللؤم وحده، ومن وعد وأخلف لزمه ثلاث مذمّات: ذمّ اللؤم، وذمّ الخلف، وذمّ الكذب. وقال زياد الأعجم: لله درّك من فتى ... لو كنت تفعل ما تقول

стр. 211

لا خير في كذب الجوا ... د وحبّذا صدق البخيل استبطأ حبيب الطائي الحسن بن وهب في عدة وعدها إياه، فكتب إليه أبياتا يستعجله بها؛ فبعث إليه بألف درهم وكتب إليه: أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا ... قلّا ولو أخّرته لم يقلل فخذ القليل وكن كمن لم يسأل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل ابن دأب عند المهدي : وقال عبد الملك بن مالك الخزاعي: دخلت على أمير المؤمنين المهدي وعنده ابن دأب وهو ينشد قول الشماخ: وأشعث قد قدّ السّفار قميصه ... يجرّ شواء بالعصا غير منضج «١» دعوت إلى ما نابني فأجابني ... كريم من الفتيان غير مزلّج» فتى يمريء الشّيزى ويروي سنانه ... ويضرب في رأس الكميّ المدجّج «٣» فتى ليس بالرّاضي بأدني معيشة ... ولا في بيوت الحيّ بالمتولّج فرفع المهديّ رأسه إليّ وقال: هذه صفتك أبا العباس. فقلت: بك نلتها يا أمير المؤمنين. قال: فأنشدني. فأنشدته قول المسموءل: إذا المرء لم يدنس من الّلؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها ... فليس إلى حسّن الثّناء سبيل «٤» إذا المرء أعيته المروءة يافعا ... فمطلبها كهلا عليه ثقيل «٥» تعيّرنا أنا قليل عدادنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل ونحن أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول «٦»

стр. 212

يقترب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول وما مات منّا سيّد حتف أنفه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل «١» تسيل على حدّ السّيوف نفوسنا ... وليست على غير السّيوف تسيل وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل «٢» وأسيافنا في كلّ شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول «٣» فقال: أحسنت، اجلس، بهذا بلغتم، سل حاجتك. قلت: يا أمير المؤمنين، تكتب لي العطاء ثلاثين رجلا من أهلي. قال: نعم، عليّ إذا وعدت، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك متمكّن من القدرة وليس دونك حاجز عن الفعل؛ فما معنى العدة؟ فنظر إلى ابن دأب يريد منه كلاما في فضل الموعد، فقال ابن دأب: حلاوة الفعل بوعد ينجز ... لا خير في العرف كنهب ينهز «٤» فضحك المهدي وقال: الفعل أحسن ما يكو ... ن إذا تقدّمه ضمان للمهلب يوصي بنيه : وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: يا بنيّ، إذا غدا عليكم الرجل وراح مسلّما فكفى بذلك تقاضيا. وقال الشاعر: أروح بتسليمي عليك وأغتدي ... وحسبك بالتّسليم منّي تقاضيا وقال آخر:

стр. 213

كفاك مخبرا وجهي بشاني ... وحسبك أن أراك وأن تراني وما ظنّي بمن يعنيه أمري ... ويعلم حاجتي ويرى مكاني وكتب العتابي إلى بعض أهل السلطان: أما بعد؛ فإن سحاب وعدك قد أبرقت، فليكن وبلها سالما من علل المطل. والسلام. وكتب الجاحظ إلى رجل وعده: أما بعد فإن شجرة وعدك قد أورقت فليكن ثمرها سالما من جوائح المطل «١» . والسلام. عبد الله بن طاهر ودعبل : وعد عبد الله بن طاهر دعبلا بغلام، فلما طال عليه تصدّى له يوما وقد ركب إلى باب الخاصّة، فلما رآه قال: أسأت الاقتضاء، وجهلت المأخذ، ولم تحسن النظر، ونحن أولى بالفضل؛ فلك الغلام والدابة متى ننزل إن شاء الله تعالى. فأخذ بعنانه دعبل وأنشده: يا جواد الّلسان من غير فعل ... ليت في راحتيك جود الّلسان عين مهران قد لطمت مرارا ... فاتّق ذا الجلال في مهران عرت عينا فدع لمهران عينا ... لا تدعه يطوف في العميان قال: فنزل له عن دابته، وأمر له بالغلام. أبان وخلف ابن خليفة : وسأل خلف بن خليفة أبان بن الوليد جارية، فوعده بها وأبطأت عليه، فكتب إليه: أرى حاجتي عند الأمير كأنّها ... تهمّ زمانا عنده بمقام وأحصر من إذ كاره إن لقيته ... وصدق الحياء ملجم بلجام أراها إذا كان النهار نسيئة ... وبالّليل تقضى عند كلّ منام «٢»

стр. 214

فياربّ أخرجها فإنك مخرج ... من الميت حيّا مفصحا بكلام فتعلم ما شكري إذا ما قضيتها ... وكيف صلاتي عندها وصيامي وكتب أبو العتاهية إلى رجل وعده بعدة ومطله بها. لا جعل الله لي إليك ولا ... عندك ما عشت حاجة أبدا ما جئت في حاجة أسرّ بها ... إلا تثاقلت ثمّ قلت غدا وكتب دعبل إلى رجل وعده وعدا وأخلفه: أحسبت أرض الله ضيّقة ... عني فأرض الله لم تضق وجعلتني فقعا بقرقرة ... فوطئتني وطئا على حنق «١» فإذا سألتك حاجة أبدا ... فاضرب بها قفلا على غلق وأعدّ لي غلّا وجامعة ... فاجمع يديّ بها إلى عنقي «٢» ما أطول الدّنيا وأوسعها ... وأدلّني بمسالك الطّرق لابن عبد ربه : ومن قولنا في رجل كتب إليّ بعدة في صحيفة ومطلني بها: صحيفة طابعها الّلوم ... عنوانها بالجهل مختوم يهدى لها والخلف في طيّها ... والمطل والتّسويف والّلوم من وجهه نحس ومن قربه ... رجس ومن عرفانه شوم لا تهتضم إن بتّ ضيفا له ... فخبزه في الجوف هاضوم «٣» تكلمه الألحاظ من رقّة ... فهو بلحظ العين مكلوم «٤» لا تأتدم شيئا على أكله ... فإنه بالجوع مأدوم «٥»

стр. 215

وقلت فيه: صحيفة كتبت ليت بها وعسى ... عنوانها راحة الرّاجي إذا يئسا وعد له هاجس في القلب قد برمت ... أحشاء صدري به من طول ماهجسا «١» براعة غرّني منها وميض سني ... حتى مددت إليها الكفّ مقتبسا «٢» فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا «٣» كأنما صيغ من بخل ومن كذب ... فكان ذاك له روحا وذا نفسا وقلت فيه: رجاء دون أقربه السّحاب ... ووعد مثل ما لمع السراب وتسويف يكلّ الصّبر عنه ... ومطل ما يقوم له حساب «٤» وأيام خلت من كلّ خير ... ودنيا قد توزّعها الكلاب لطيف الاستمناح قالت الحكماء: لطيف الاستمناح سبب النجاح، والأنفس ربما انطلقت وانشرحت بلطيف السؤال، وانقبضت وامتنعت بجفاء «٥» السائل؛ كما قال الشاعر: وجفوتني فقطعت عنك فوائدي ... كالدّرّ يقطعه جفاء الحالب وقال العتابي: إن طلبت حاجة إلى ذي سلطان فأجمل في الطلب إليه، وإياك والإلحاح عليه؛ فإنّ إلحاحك يكلم «٦» عرضك ويريق ماء وجهك، فلا تأخذ منه عوّضا لما يأخذ منك؛ ولعلّ الإلحاح يجمع عليك إخلاق ماء الوجه، وحرمان النجاح؛ فإنه ربما ملّ المطلوب إليه حتى يستخف بالطالب.
следующие страницы →