← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

هشام على غير طريق ابن هبيرة، وفي جوف الكتاب هذه الأبيات مدرجة» يقول فيها: أرى خلل الرّماد وميض جمر ... فيوشك أن يكون لها ضرام «٢» فإنّ النار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أوّلها الكلام «٣» فإن لم تطفئوها تجن حربا ... مشمّرة يشيب لها الغلام فقلت من التّعجّب: ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام؟ فإن كانوا لحينهم نياما ... فقل قوموا فقد حان القيام ففرّي عن رحالك ثم قولي ... على الإسلام والعرب السّلام فكتب إليه هشام أن احسم ذلك الثّؤلول «٤» الذي نجم عندكم. قال نصر: وكيف لنا بحسمه. وقال نصر بن سيار يخاطب المضرية واليمانية ويحذّرهم هذا العدوّ الداخل عليهم، بقوله: أبلغ ربيعة في مرو وإخوتهم ... فليغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب ولينصبوا الحرب إنّ القوم قد نصبوا ... حربا يحرّق في حافاتها الحطب ما بالكم تلقحون الحرب بينكم ... كأنّ أهل الحجا عن رأيهم عزبوا «٥» وتتركون عدوّا قد أظلّكم ... ممّا تأشّب لا دين ولا حسب «٦» قدما يدينون دينا ما سمعت به ... عن الرّسول ولم تنزل به الكتب فمن يكن سائلا عن أصل دينهم ... فإنّ دينهم أن تقتل العرب

стр. 1647

ومات محمد بن علي في أيام الوليد بن يزيد، وأوصى إلى ولده إبراهيم بن محمد؛ فقام بأمر الشيعة، وقدّم عليهم أبو مسلم السرّاج وسليمان بن كثيّر؛ وقال لأبي مسلم: إن استطعت أن لا تدع بخراسان لسانا عربيّا فافعل، ومن شككت في أمره فاقتله. فلما استعلى أمر أبي مسلم بخراسان وأجابته الكور كلها، كتب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد بخبر أبي مسلم وكثرة من تبعه، وأنه قد خاف أن يستولي على خراسان وأن يدعو إلى إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. فأتى الكتاب مروان وقد أتاه رسول أبي مسلم بجواب إبراهيم إلى أبي مسلم؛ فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان وهو عامله على دمشق، أن اكتب إلى عاملك بالبلقاء ليسير إلى الحميمة فيأخذ إبراهيم بن محمد فيشده وثاقا ثم يبعث به إليك، ثم وجّهه إليّ. فحمل إلى مروان، وتبعه من أهله عبد الله ابن علي، وعيسى بن موسى؛ فأدخل على مروان، فأمر به إلى الحبس. قال الهيثم: حدثني أبو عبيدة قال: كنت آتيه في السجن، ومعه فيه سعيد بن [هشام بن] عبد الملك، وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز؛ فو الله إني ذات ليلة في سقيفة «١» السجن بين النائم واليقظان، إذا بمولى لمروان قد استفتح الباب ومعه عشرون رجلا من موالي مروان الأعاجم، ومعهم صاحب السجن، فأصبحنا وسعيد وعبد الله وإبراهيم قد ماتوا. قال الهيثم: حدّثني أبو عبيدة قال: حدّثني وصيف عبد الله بن عمر بن عبد العزيز الذي كان يخدمه في الحبس: أنه غمّ «٢» عبد الله مولاه بمرفقه «٣» ، وإبراهيم بن محمد بجراب نورة «٤» ، وسعيد بن عبد الملك أخرجه صاحب السجن، فلقيه بعض حرس مروان في ظلمة الليل، فوطئته الخيل وهم لا يعرفون من هو، فمات.

стр. 1648

ثم استولى أبو مسلم على خراسان كلها، فأرسل إلى نصر بن سيار، فهرب هو وولده وكاتبه داود، حتى انتهوا إلى الريّ، فمات نصر بن سيار بساوة «١» وتفرّق أصحابه، ولحق داود بالكوفة وولده جميعا. واستعمل أبو مسلم عماله على خراسان ومرو وسمرقند وأحوازها «٢» ؛ ثم أخرج الرايات السود، وقطع البعوث، وجهز الخيل والرجال، عليهم قحطبة بن شبيب، وعامر بن إسماعيل، ومحرز بن إبراهيم في عدّة من القواد، فلقوا من بطوس «٣» ، فانهزموا؛ ومن مات في الزحام أكثر ممن قتل، فبلغ القتلى بضعة عشر ألفا. ثم مضى قحطبة إلى العراق، فبدأ بجرجان وعليها نباته بن حنظلة الكلابي، وكان قحطبة يقول لأصحابه: والله ليقتلن عامر بن ضبارة، وينهزمنّ ابن هبيرة، ولكني أخاف أن أموت قبل أن أبلغ ثأري، وأخاف أن أكون الذي يغرق في الفرات، فإن الإمام محمد بن علي قال لي ذلك قال الهيثم: فقدم قحطبة جرجان فقتل ابن نباتة ودخل جرجان فانتهبها، وقسم- ما أصاب بين أصحابه؛ ثم سار إلى عامر بن ضبارة بأصبهان فلقيه، فقتل ابن ضبارة وقتل أصحابه، ولم ينج منهم إلا الشريد، ولحق فلّهم بابن هبيرة. وقال قحطبة لما قتل ابن ضبارة: ما شيء رأيته ولا عدوّ قتلته إلا وقد حدّثني به الإمام صلوات الله عليه، إلا أنه حدّثني أني لا أعبر الفرات. وسار قحطبة حتى نزل بحلوان «٤» ووجه أبا عون في نحو من ثلاثين ألفا إلى مروان بن محمد، فأخذ على شهرزور حتى أتى الزّاب، وذلك برأي أبي مسلم. فحدث أبو عون عبد الملك بن يزيد: قال لي أبو هاشم بكير بن ماهان: أنت والله

стр. 1649

الذي تسير إلى مروان، ولتبعثنّ إليه غلاما من مذحج يقال له عامر فليقتلنّه فأمضيت والله عامر بن إسماعيل على مقدمتي، فلقي مروان فقتله. ثم سار قحطبة من حلوان إلى ابن هبيرة بالعراق، فالتقوا بالفرات، فاقتتلوا حتى اختلط الظلام، وقتل قحطبة في المعركة وهو لا يعرف، فقال بعضهم: غرق في الفرات. ثم انهزم ابن هبيرة حتى لحق بواسط، وأصبح المسوّدة وقد فقدوا أميرهم، فقدّموا الحسن بن قحطبة. ولما بلغ مروان قتل قحطبة وهزيمة ابن هبيرة قال: هذا والله الإدبار، وإلا فمتى رأيتم ميتا هزم حيّا! وأقام ابن هبيرة بواسط وغلبت المسوّدة على العراق، وبايعوا لأبي العباس عبد الله ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ووجه عمّه عبد الله بن علي لقتال مروان وأهل الشام، وقدمه على أبي عون وأصحابه؛ ووجه أخاه أبا جعفر إلى واسط لقتال ابن هبيرة، وأقام أبو العباس بالكوفة حتى جاءته هزيمة مروان بالزاب. وأمضى عبد الله بن علي أبا عون في طلبه، وأقام على دمشق ومدائن الشام يأخذ بيعتها لأبي العباس. وكان أبو سلمة الخلال. واسمه حفص بن سليمان. يدعى وزير آل محمد، وكان أبو مسلم يدعى أمين آل محمد؛ فقتل أبو العباس أبا سلمة الخلال، واتهمه بحب بني فاطمة وأنه كان يحطب «١» في حبالهم؛ وقتل أبو جعفر أبا مسلم. وكان أبو مسلم يقول لقواده إذا أخرجهم: لا تكلموا الناس إلا رمزا، ولا تلحظوهم إلا شزرا «٢» : لتمتلىء صدورهم من هيبتكم.

стр. 1650

مقتل زيد بن علي أيام هشام بن عبد الملك كتب يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك: إن خالد بن عبد الله أودع زيد بن حسين بن علي بن أبي طالب مالا كثيرا. فبعث هشام إلى زيد فقدم عليه فسأله عن ذلك فأنكر، فاستحلفه فحلف؛ فخلّى سبيله. وأقام عند هشام بعد ذلك سنة، ثم دخل عليه في بعض الأيام، فقال له هشام: بلغني أنك تحدّث نفسك بالخلافة ولا تصلح لها لأنك ابن أمة! قال: أما قولك إني أحدث نفسي بالخلافة، فلا يعلم الغيب إلا الله؛ وأما قولك إني ابن أمة فهذا إسماعيل ﷺ ابن أمة، أخرج الله من صلبه خير البشر محمدا ﷺ ، وإسحاق ابن حرة، أخرج الله من صلبه القردة والخنازير وعبدة الطاغوت «١» . وخرج زيد مغضبا، فقال زيد: ما أحبّ أحد الحياة إلا ذلّ! قال له الحاجب: لا يسمع هذا الكلام منك أحد. وخرج زيد حتى قدم الكوفة، فقال: شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد «٢» منخرق الخفين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد «٣» قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد ثم خرج بخراسان، فوجه يوسف بن عمر إليه الخيل وخرج في أثرهم حتى لقيه، فقاتله، فرمي زيد في آخر النهار بنشابة من نحره فمات، فدفنه أصحابه في حمأة كانت قريبة منهم، وتتبّع أصحاب زيد، فانهزم من انهزم وقتل من قتل، ثم أتي يوسف فقيل له: إن زيدا دفن في حمأة. فاستخرجه وبعث برأسه إلى هشام، ثم صلبه في سوق الكناسة «٤» ، فقال في ذلك أعور كلب، وكان مع يوسف في جيش أهل الشام:

стр. 1651

نصبنا لكم زيدا على جذع نخلة ... وما كان مهديّ على الجذع ينصب الشيباني قال: لما نزل عبد الله بن علي نهر أبي فطرس «١» ، حضر الناس بابه للإذن، وحضر اثنان وثمانون رجلا من بني أمية، فخرج الآذن فقال: يا أهل خراسان، قوموا. فقاموا سماطين «٢» في مجلسه، ثم أذن لبني أمية فأخذت سيوفهم ودخلوا عليه. قال أبو محمد العبدي الشاعر: وخرج الحاجب فأدخلني فسلمت عليه فرد عليّ السلام، ثم قال: أنشدني قولك: وقف المتيّم في رسوم ديار فأنشدته حتى انتهيت إلى قولي: أمّا الدّعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أميّة من دعاة النّار من كان يفخر بالمكارم والعلا ... فلها يتمّ المجد غير فخار والغمر بن يزيد بن عبد الملك جالس معه على المصلى، وبنو أمية على الكراسي فألقى إليّ صرة حرير خضراء فيها خمسمائة دينار، وقال: لك عندنا عشرة آلاف درهم وجارية وبرذون «٣» وغلام وتخت ثياب، قال: فوفى والله بذلك كله ثم أنشأ عبد الله بن علي يقول: حسبت أميّة أن سيرضى هاشم ... عنها ويذهب زيدها وحسينها كلا وربّ محمّد وإلهه ... حتى تباح سهولها وحزونها «٤» ثم أخذ قلنسوته من رأسه فضرب بها الأرض، فأقبل أولئك الجند على بني أمية فخبطوهم بالسيوف والعمد، وقال الكلبي الذي كان بينهم وكان من أتباعهم: أيها الأمير، إني والله ما أنا منهم! فقال عبد الله بن علي:

стр. 1652

ومدخل رأسه لم يدعه أحد ... بين الفريقين حتى لزّه القرن «١» اضربوا عنقه! ثم أقبل على الغمر فقال: ما أحسب لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا! فقال: أجل. قال: يا غلام، اضرب عنقه، فأقيم من المصلى فضرب عنقه، ثم أمر ببساط فطرح عليهم، ودعا بالطعام فجعل يأكل وأنين بعضهم تحت البساط. وفي رواية أخرى، قال: لما قدم الغمر بن يزيد بن عبد الملك على أبي العباس السفاح في ثمانين رجلا من بني أمية، وضعت لهم الكراسي، ووضعت لهم نمارق «٢» وأجلسوا عليها، وأجلس الغمر مع نفسه في المصلى، ثم أذن لشيعته فدخلوا، ودخل فيهم سديف بن ميمون، وكان متوشحا سيفا، متنكبا قوسا، وكان طويلا آدم «٣» ، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيزعم الضّلال بما حبطت أعمالهم أنّ غير آل محمد أولى بالخلافة؟ فلم وبم أيها الناس؟ لكم الفضل بالصحابة، دون حق ذوي القرابة، الشركاء في النسب، الأكفاء في الحسب، الخاصة في الحياة، الوفاة عند الوفاة، مع ضربهم على الأمر جاهلكم، وإطعامهم في اللأواء «٤» جائعكم، فكم قصم الله بهم من جبار باغ، وفاسق ظالم، لم يسمع بمثل العباس، لم تخضع له أمّة بواجب حق، أبو رسول الله ﷺ بعد أبيه، وجلدة ما بين عينيه، أمينه ليلة العقبة، ورسوله إلى أهل مكة، وحاميه يوم حنين، لا يردّ له رأيا، ولا يخالف له قسما؛ إنكم والله معاشر قريش ما اخترتم لأنفسكم من حيث ما اختاره الله لكم، تيميّ مرة، وعديّ مرة، وكنتم بين ظهراني قوم قد آثروا العاجل على الآجل، والفاني على الباقي، وجعلوا الصدقات في الشهوات، والفيء في اللذات والغناء. والمغانم في المحارم، إذ ذكّروا بالله لم يذكروا، وإذا قدّموا بالحق أدبروا، فذلك زمانهم، وبذلك كان يعمل سلطانهم.

стр. 1653

فلما كان الغد أذن لهم فدخلوا، ودخل فيهم شبل، فلما جلسوا قام شبل فاستأذن في الإنشاد، فأذن له، فأنشد: أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العبّاس «١» طلبوا وتر هاشم فلقوها ... بعد ميل من الزمان وياس لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعن كلّ نخلة وغراس «٢» لقد غاظني وغاظ سوائي ... قربهم من منابر وكراسي واذكروا مصرع الحسين وزيدا ... وقتيلا بجانب المهراس «٣» وقتيلا بجوف حرّان أضحى ... تحجل الطّير حوله في الكناس «٤» نعم شبل الهراش صولاك شبل ... لو نجا من حبائل الإفلاس ثم قام وقاموا، ثم أذن لهم بعد، فدخلوا ودخل الشيعة، فلما جلسوا قام. سديف بن ميمون، فأنشد: قد أتتك الوفود من عبد شمس ... مستعدّين يوجعون المطيّا» غفوة أيّها الخليفة لا عن ... طاعة بل تخوّفوا المشرفيّا «٦» لا يغرّنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضّلوع داء دويّا فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا ثم قام خلف بن خليفة الأقطع فأنشد: إن تجاوز فقد قدرت عليهم ... أو تعاقب فلم تعاقب بريّا أو تعاتبهم على رقّة الدّين ... فقد كان دينهم سامريّا

стр. 1654

فالتفت أبو العباس إلى الغمر فقال: كيف ترى هذا الشعر؟ قال: والله إنّ هذا لشاعر، ولقد قال شاعرنا ما هو أشعر من هذا. قال: وما قال؟ فأنشده: شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا فشرق وجه أبي العباس بالدم وقال: كذبت يا بن اللخناء «١» ! إني لأرى الخيلاء في رأسك بعد! ثم قاموا، وأمر بهم فدفعوا إلى الشيعة فاقتسموهم فضربوا أعناقهم، ثم جرّوا بأرجلهم حتى ألقوهم في الصحراء بالأنبار وعليهم سراويلات الوشي، فوقف عليهم سديف مع الشيعة، وقال: طمعت أميّة أن سيرضى هاشم ... عنها ويذهب زيدها وحسينها كلا وربّ محمد وإلهه ... حتى يباد كفورها وخئونها وكان أشدّ الناس على بني أمية عبد الله بن عليّ، وأحنّهم عليهم سليمان بن علي، وهو الذي كان يسميه أبو مسلم: كنف الأمان! وكان يجير كلّ من استجار به. وكتب إلى أبي العباس: يا أمير المؤمنين، إنا لم نحارب بني أمية على أرحامهم، وإنما حاربناهم على عقوقهم، وقد دفت إليّ منهم دافّة «٢» لم يشهروا سلاحا ولم يكثروا جمعا، فأحب أن تكتب لهم منشور أمان. فكتب لهم منشور أمان وأنفذه إليهم، فمات سليمان بن عليّ وعنده بضع وثمانون حرمة لبني أمية. خلفاء بني أمية بالأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام أوّل خلفاء الأندلس من بني أمية: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ولي الملك يوم الجمعة لعشر خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين ومائة، وهو ابن

стр. 1655

ثمان وعشرين سنة. وتوفي في عشرة من جمادي الأولى سنة اثنتين وسبعين ومائة، فكان ملكه اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر، وكان يقال له صقر قريش، وذلك أنّ أبا جعفر المنصور قال لأصحابه: أخبروني عن صقر قريش من هو؟ قالوا: أمير المؤمنين الذي راض الملك، وسكّن الزلازل، وحسم الأدواء، وأباد الأعداء. قال: ما صنعتم شيئا. قالوا: فمعاوية. قال: ولا هذا. قالوا: فعبد الملك بن مروان. قال: ولا هذا. قالوا: فمن يا أمير المؤمنين؟ قال: عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدا أعجميا مفردا. فمصّر الأمصار، وجند الأجناد، ودوّن الدواوين، وأقام ملكا بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدّة شكيمته «١» ، إنّ معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان وذللا له صعبه، وعبد الملك ببيعة تقدّم له عقدها، وأمير المؤمنين بطلب عشيرته واجتماع شيعته، وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه. وقالوا لما توطد ملك عبد الرحمن بن معاوية عمل هذه الأبيات وأخرجها إلى وزرائه فاستغربت من قوله إذ صدقها فعله، وهي: ما حقّ من قام ذا امتعاض ... منتضي الشّفرتين نصلا فبزّ ملكا وساد عزّا ... ومنبرا للخطاب فصلا «٢» فجاز قفرا وشقّ بحرا ... مساميا لجّة ومحلا «٣» وجنّد الجند حين أودى ... ومصّر المصر حين أجلى «٤» ثم دعا أهله جميعا ... حيث انتأوا أن هلمّ أهلا «٥» فجاء هذا طريد جوع ... شريد سيف أبيد قتلا فحلّ أمنا ونال شبعا ... وحاز مالا وضمّ شملا ألم يكن حقّ ذا على ذا ... أوجب من منعم ومولى؟

стр. 1656

وكتب أمية بن يزيد عنه كتابا إلى بعض عماله يستقصره فيما فرّط فيه من عمله، فأكثر وأطال الكتاب، فلما لحظه عبد الرحمن أمر بقطعه «١» ، وكتب: أمّا بعد، فإن يكن التقصير لك مقدّما يعدّ الاكتفاء أن يكون لك مؤخرا، وقد علمت بما تقدّمت، فاعتمد على أيهما أحببت. وكان ثار عليه ثائر بغربيّ بلدة «٢» ، فغزاه به وأسره، فبينما هو منصرف وقد حمل الثائر على بغل مكبولا، نظر إليه عبد الرحمن بن معاوية وتحته فرس له، فقنّع «٣» رأسه بالقناة، وقال: يا بغل، ماذا تحمل من الشقاق والنفاق! قال الثائر: يا فرس، ماذا تحمل من العفو والرحمة! فقال له عبد الرحمن: والله لا تذوق موتا على يدي أبدا. هشام بن عبد الرحمن ثم ولى هشام بن عبد الرحمن لسبع خلون من جمادي الآخرة سنة اثنتين وسبعين ومائة. ومات في صفر سنة ثمانين ومائة. وكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر. ومات وهو ابن إحدى وثلاثين سنة. وهو أحسن الناس وجها، وأشرفهم نفسا، الكامل المروءة، الحاكم بالكتاب والسنة، الذي أخذ الزكاة على حلها، ووضعها في حقها، لم يعرف منه هفوة في حداثته، ولا زلة في أيام صباه، ورآه يوما أبوه وهو مقبل ممتليء شبابا فأعجبه فقال: يا ليت نساء بني هاشم أبصرنه حتى يعدن فوارك «٤» . وكان هشام يصر الصّرر بالأموال في ليالي المطر والظّلمة، ويبعث بها إلى المساجد فيعطى من وجد فيها؛ يريد بذلك عمارة المساجد.

стр. 1657

وأوصى رجل في زمن هشام بمال في فك سبيّة من أرض العدو، فطلبت فلم توجد، احتراسا منه للثغر؛ واستنقاذا لأهل السبي. الحكم بن هشام ثم ولي الخلافة الحكم بن هشام في صفر سنة ثمانين ومائة؛ وكانت ولايته ستا وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا. ومات يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين وهو ابن اثنتين وخمسين سنة. وكانت فيه بطالة إلا أنه كان شجاع النفس، باسط الكف، عظيم العفة متخيرا لأهل عمله ولأحكام رعيته، أورع من يقدر عليه وأفضلهم، فيسلّطهم على نفسه، فضلا عن ولده وسائر خاصته. وكان له قاض قد كفاه أمور رعيته، بفضله وعدله وورعه وزهده، فمرض مرضا شديدا، واغتم له الحكم غما شديدا؛ فذكر يزيد فتاه: أنه أرق يوما وليلة وبعد عنه نومه وجعل يتململ على فراشه، فقلت: أصلح الله الأمير، إني أراك متململا وقد زال النوم عنك، فلم أدر ما عرض لك! قال: ويحك، إني سمعت نائحة هذه الليلة، وقاضينا مريض، فما أراه إلا قد قضى نحبه، وأين لنا بمثله؟ ومن يقوم للرعية مقامه؟ ثم إن القاضي مات، واستقضى الحكم بعده سعيد بن بشير؛ فكان أقصد الناس إلى الحق، وآخذهم بعدل، وأبعدهم من هوى، وأنقذهم لحكم: رفع إليه رجل من أهل كورة جيان أن عاملا للحكم اغتصبه جارية وعمل في تصييرها إلى الحكم، فوقعت من قلبه كل موقع، وأن الرجل أثبت أمره عند القاضي، وأتاه ببينة «١» يشهدون على معرفة ما تظلّم منه، وعلى عين الجارية ومعرفتهم بها، وأوجب البينة أن تحضر الجارية؛ فاستأذن القاضي على الحكم، فأذن له فلما دخل عليه قال: إنه لا يتم عدل في العامة دون إفاضته في الخاصة. وحكى له أمر الجارية،

стр. 1658

وخيّره في إبرازها إليه، أو عزله عن القضاء! فقال له: ألا أدعوك إلى خير من ذلك؟ تبتاع الجارية من صاحبها بأنفس ثمن وأبلغ ما يسأله فيها. فقال: إن الشهود قد شخصوا من كروة جيان يطلبون الحق في مظانه «١» ، فلما صاروا ببابك تصرفهم دون إنقاذ الحق لأهله! ولعل قائلا أن يقول: باع ما يملك بيع مقتسر على أمره. فلما رأى عزمه أمر بإخراج الجارية من قصره، وشهد الشهود على عينها، وقضى بها لصاحبها. وكان سعيد بن بشير القاضي إذا خرج إلى المسجد أو جلس في مجلس الحكم، جلس في رداء معصفر «٢» وشعر مفرق إلى شحمة أذنيه؛ فإذا طلب ما عنده وجد أورع الناس وأفضلهم. وكانت للحكم ألف فرس مربوطة بباب قصره على جانب النهر، عليها عشرة عرفاء، تحت يد كل عريف منها مائة فرس لا تندب ولا تبرح، فإذا بلغه عن ثائر في طرف من أطرافه عاجله قبل استحكام أمره، فلا يشعر حتى يحاط به. وأتاه الخبر: أن جابر بن لبيد يحاصر جيان وهو يلعب بالصولجان في الجسر، فدعا بعريف من أولئك فأشار إليه أن يخرج من تحت يده إلى جابر بن لبيد، ثم فعل مثل ذلك بأصحابه من العرفاء، فلم يشعر ابن لبيد حتى تساقطوا عليه متساوين، فلما رأى ذلك عدوّه سقط في أيديهم وظنوا أن الدنيا قد حشرت لديهم، فولوا مدبرين. وقال الحكم يوم الهيجاء بعد وقعة الرّبض: رأيت صدوع الأرض بالسّيف راقعا ... وقدما رأيت الشّعب مذ كنت يافعا فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة ... أبادرها مستنضي السيف دارعا وشافه على أرض القضاء جماجما ... كأقحاف شريان الهبيد لوامعا «٣»

стр. 1659

تنبّئك أني لم أكن عن قراعهم ... بوان وأني كنت بالسيف قارعا «١» ولما تساقينا سجال حروبنا ... سقيتهم سمّا من الموت ناقعا «٢» وهل زدت أن وفّيتهم صاع قرضهم ... فوافوا منايا قدّرت ومصارعا قال عثمان بن المثنى المؤدب: قدم علينا عباس بن ناصح من الجزيرة أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم ، فاستنشدني شعر الحكم، فأنشدته، فلما انتهيت إلى قوله: وهل زدت أن وفّيتهم صاع قرضهم قال: لو جوثي الحكم في حكومة لأهل الربض لقام بعذره هذا البيت. عبد الرحمن بن الحكم ثم ولي بعده عبد الرحمن بن الحكم، أندى الناس كفا، وأكرمهم عطفا، وأوسعهم فضلا، في ذي الحجة سنة ست ومائتين: فملك إحدى وثلاثين سنة وخمسة أشهر، ومات ليلة الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وهو ابن اثنتين وستين سنة. وكتب إليه بعض عماله، يسأله عملا رفيعا لم يكن من شاكلته؛ فوقّع في أسفل كتابه: من لم يصب وجه مطلبه، كان الحرمان أولى به. محمد بن عبد الرحمن ثم ولي الملك محمد بن عبد الرحمن، يوم الخميس لثلاث [خلون] من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، فملك أربعا وثلاثين سنة، وتوفي يوم الجمعة مستهلّ ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وهو ابن سبع وستين سنة.

стр. 1660

وكتب عبد الرحمن بن الشمر إلى الأمير محمد بن عبد الرحمن في حياة أبيه عبد الرحمن- وكان يتجنب الوقوف ببابه مخافة نصر الفتى- فلما مات نصر كتب ابن الشمر هذه الأبيات إلى محمد يقول فيها: لئن غاب وجهي عنك إنّ مودّتي ... لشاهدة في كلّ يوم تسلّم وما عاقني إلا عدوّ مسلّط ... يذلّ ويقصي من يشاء ويرغم ولم يستطل إلا بكم وبعزّكم ... ولا ينبغي أن يمنح العزّ مجرم فمكنتموه فاستطال عليكم ... وكادت بنا نيرانه تتضرّم كذلك كلب السّوء إن يشبع انبرى ... لمشبعه مستشليا يترمرم «١» فجمّع إخوانا لصوصا أراذلا ... ومنّاهم أن يقتلونا ويغنموا رأى بأمين الله سقما فغرّه ... ولم يك يدري أنّه يتقدّم فنحمد رباّ سرّنا بهلاكه ... فما زال بالإحسان والطّول ينعم أراد يكيد الله نصر فكاده ... ولله كيد يغلب الكيد، مبرم بكى الكفر والشّيطان نصرا فأعولا ... كما ضحكت شوقا إليه جهنّم وكانت له في كلّ شهر جباية ... جباية آلاف تعد وتخّتم فهل حائط الإسلام يوما يسومهم ... بما اجترموا يوما عليه وأقدموا «٢» وينهبنا أموالهم وهو فاعل ... فإني أرى الدّنيا له تتبسم ألا أيّها النّاس اسمعوا قول ناصح ... حريص عليكم مشفق وتفهّموا محمّد نور يستضاء بوجهه ... وسيف بكفّ الله ماض مصمّ فكونوا له مثل البنين يكن لكم ... أبا حدبا في الرحم بل هو أرحم «٣» فيا بن أمين الله لا زلت سالما ... معافّي فإنا ما سلمت سنسلم ألست المرجّى من أمية والذي ... له المجد منها الأتلد المتقدّم «٤»

стр. 1661

وأنت لأهل الخير روح ورحمة ... نعم، ولأهل الشّرّ صاب وعلقم «١» وحدث بقي بن مخلد الفقيه قال: ما كلمت أحدا من الملوك أكمل عقلا، ولا أبلغ لفظا من الأمير محمد؛ دخلت عليه يوما في مجلس خلافته فافتتح الكلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ، ثم ذكر الخلفاء خليفة خليفة؛ فحكى كل واحد منهم بحليته ونعته ووصفه، وذكره مآثره ومناقبه، بأفصح لسان، وأبين بيان، حتى انتهى إلى نفسه فسكت. وخرج الأمير محمد يوما متنزها إلى الرصافة ومعه هاشم بن عبد العزيز، فكان بها صدر نهاره على لذّاته، فلما أمسى واختلط الظلام رجع منصرفا إلى القصر وبه اختلاط؛ فأخبرني من سمعه وهاشم يقول له: يا سيدي يا بن الخلائف، ما أطيب الدنيا لولا، قال له: لولا ماذا؟ قال: لولا الموت! قال له: يا بن اللخناء لحنت «٢» في كلامك؛ وهل ملكنا هذا الملك الذي نحن فيه إلا بالموت، ولولا الموت ما ملكناه أبدا. وكان الأمير محمد غزّاء لأهل الشرك والخلاف، وربما أوغل في بلاد العدوّ الستة الأشهر أو أكثر، يحرق وينسف، وله في العدوّ وقيعة وادي سليط، وهي من أمهات الوقائع؛ لم يعرف مثلها في الأندلس قبلها، وفيها يقول عباس بن فرناس، وشعره يكفينا من صفتها: ومختلف الأصوات مؤتلف الزّحف ... لهوم الفلا عبل القبائل ملتفّ «٣» إذا أومضت فيه الصّوارم خلتها ... بروقا تراءى في الجهام وتستخفي «٤» كأنّ ذرّى الأعلام في سيلانه ... فراقد يم قد عجزن عن القذف «٥»

стр. 1662

وإن طحنت أركانه كان قطبها ... حجى ملك نجد شمائله عفّ سميّ ختام الأنبياء محمد ... إذا وصف الأملاك جلّ عن الوصف فمن أجله يوم الثلاثاء غدوة ... وقد نقض الإصباح عقد عرى السجف «١» بكى جبلا وادي سليط فأعولا ... على النفر العبدان والعصبة الغلف «٢» دعاهم صريخ الحين فاجتمعوا له ... كما اجتمع الجعلان للبعر في قفّ «٣» فما كان إلّا أن رماهم ببعضها ... فولّوا على أعقاب مهزومة كشف «٤» كأنّ مساعير الموالي عليهم ... شواهين جادت للغرانيق بالسّيف» بنفسي تنانير الوغى حين صمّمت ... إلى الجبل المشحون صفاّ على صفّ يقول ابن بليوس لموسى وقد ونى ... أرى الموت قدّامي وتحتي ومن خلفي قتلناهم ألفا وألفا ومثلها ... وألفا وألفا بعد ألف إلى ألف سوى من طواه النهر في مستلجّه ... فأغرق فيه أو تدأدأ من جرف «٦» المنذر بن محمد ثم ولي المنذر بن محمد، يوم الأحد لثلاث خلون من ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائتين. ومات يوم السبت في غزاة له على ببشتر «٧» لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وهو ابن ست وأربعين سنة. وكان أشدّ الناس شكيمة، وأمضاهم عزيمة؛ ولما ولي الملك بعث إليه أهل طليطلة بجبايتهم كاملة، فردّها عليهم وقال: استعينوا بها في حربكم، فأنا سائر إليكم إن شاء الله.

стр. 1663

ثم غزا إلى المارق الموتر عمرو بن حفصون، وهو بحصن قامرة فأحدق به بخيله ورجله، فلم يجد الفاسق منفذا ولا متنفّسا، فأعمل الحيلة، ولاذ بالمكر والخديعة، وأظهر الإنابة والإجابة، وأن يكون من مستوطني قرطبة بأهله وولده، وسأل إلحاق أولاده في الموالي: فأجابه الأمير إلى كل ما سأل، وكتب له الأمانات، وقطعت لأولاده الثياب، وخرزت له الخفاف؛ ثم سأل مائة بغل يحمل عليها ماله ومتاعه إلى قرطبة، فأمر الأمير بها، وطلبت البغال ومضت إلى ببشتر وعليها عشرة من العرفاء، وانحل العسكر عن الحصن بعض الانحلال، وعكف القاضي وجماعة من الفقهاء على تمام الصلح فيما حسبوا فلما رأى الفاسق الفرصة، انتهزها؛ ففسق ليلا وخرج، فلقى العرفاء بالبغال، فقتلهم وأخذ البغال، وعاد إلى سيرته الأولى؛ فعقد المنذر على نفسه عقدا أن لا أعطاه صلحا ولا عهدا إلا أن يلقى بيده، وينزل على عهده وحكمه، ثم غزاه الغزاة التي توفى فيها، فأمر بالبنيان والسكنى عليه. وأن يردّ سوق قرطبة عليه؛ فعاجله أجله عن ذلك. عبد الله بن محمد ثم تولى عبد الله بن محمد التقي النقي العابد الزاهد، التالي لكتاب الله، والقائم بحدود الله، يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين فبنى الساباط «١» ، وخرج إلى الجامع والتزم الصلاة إلى جانب المنبر حتى أتاه أجله ﵀ يوم الثلاثاء لليلة بقيت من صفر سنة ثلاثمائة. وكانت له غزوات، منها غزاة بلى، التي أنست كل غزاة تقدمتها، وذلك أن المرثد ابن حفصون ألّب عليه كور الأندلس، فنزل حصن بلى «٢» ، وخرج إليه الأمير عبد الله بن محمد في أربعة عشر ألفا من أهل قرطبة خاصة، وأربعة آلاف من حشمه ومواليه؛ فبرز إليه الفاسق وقد كردس كراديسه «٣» في سفح الجبل، وناهضه الأمير

стр. 1664

عبد الله بجمهور عسكره، فلم يكن لهم فيه إلا صدمة صادقة، أزالوهم بها عن عسكرهم، فلم يقدروا أن يتراجعوا إليه؛ ونظر الفاسق إلى معسكر عبد الله الأمير، فإذا بمدد مقبل مثل الليل، في انحدار السيل. لا ينقطع؛ فخشعت نفسه، وعطف إلى الحصن يظهر إخراج من بقي فيه، فثلم «١» ثلمة وخرج منها في خمسة معه، وقد طار بهم جناح الفرار؛ فلما انتهى ذلك إلى أهل عسكره، ولّوا مدبرين لا يلوي أحد على أحد، فعملت الرماح على أكتافهم، والسيوف في طلى «٢» أعناقهم، حتى أفنوهم أو كادوا، وكان منهم جماعة قد افترقوا في عسكر الأمير عبد الله، فقعد الأمير في المظلة وأمر بالتقاطهم، وأن لا يمر أحد على أحد منهم إلا قتله. فقتل منهم ألف رجل صبرا بين يدي الأمير. عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين ثم ولي الملك القمر الأزهر، الأسد الغضنفر، الميمون النقيبة، «٣» المحمود الضريبة، سيد الخلفاء، وأنجب النجباء، عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين، صبيحة هلال ربيع الأول سنة ثلاثمائة، فقلت فيه: بدا الهلال جديدا ... والملك غضّ جديد يا نعمة الله زيدي ... ما كان فيه مزيد وهي عدة أبيات، فتولى الملك وهي جمرة تحتدم، ونار تضطرم، وشقاق ونفاق، فأخمد نيرانها، وسكن زلزالها، وافتتحها عودا كما افتتحها بدءا سميّه عبد الرحمن بن معاوية ﵀. وقد قلت وقيل في غزواته كلها أشعار قد جالت في الأمصار، وشردت في البلدان، حتى أتهمت وأنجدت وأعرقت، ولولا أن الناس متكتفون بما في أيديهم منها

стр. 1665

لأعدنا ذكرها أو ذكر بعضها، ولكنا سنذكر ما سبق إلينا من مناقبه التي لم يتقدمه إليها متقدّم ولا أخت لها ولا نظير. فمن ذلك أول غزاة غزاها، وهي الغزاة المعروفة بغزاة المنتلون، افتتح بها سبعين حصنا، كلّ حصن منها قد نكبت عنه الطوائف، وأعيا على الخلائف، وفيها أقول: قد أوضح الله للإسلام منهاجا ... والناس قد دخلوا في الدّين أفواجا وقد تزيّنت الدّنيا لساكنها ... كأنما ألبست وشيا وديباجا يا بن الخلائف إنّ المزن لو علمت ... نداك ما كان منها الماء ثجّاجا «١» والحرب لو علمت بأسا تصول به ... ما هيّجت من حميّاك الذي اهتاجا «٢» مات النّفاق وأعطى الكفر ذمّته ... وذلّت الخيل إلجاما وإسراجا وأصبح النصر معقودا بألوية ... تطوي المراحل تهجيرا وإدلاجا «٣» أدخلت في قبّة الإسلام مارقة ... أخرجتها من ديار الشّرك إخراجا «٤» بجحفل تشرق الأرض الفضاء به ... كالبحر يقذف بالأمواج أمواجا يقوده البدر يسري في كواكبه ... عرمرما كسواد الليل رجراجا «٥» تروق فيه بروق الموت لامعة ... ويسمعون به للرّعد أهزاجا غادرت في عقوتي جيّان ملحمة ... أبكيت منها بأرض الشّرك أعلاجا «٦» في نصف شهر تركت الأرض ساكنة ... من بعد ما كان فيها الجور قد ماجا وجدت في الخبر المأثور منصلتا ... من الخلائف خرّاجا وولّاجا «٧» تملا بك الأرض عدلا مثل ما ملئت ... جورا وتوضح للمعروف. منهاجا يا بدر ظلمتها، يا شمس صبحتها ... يا ليث حومتها إن هائج هاجا «٨»

стр. 1666

إنّ الخلافة لن ترضى ولا رضيت ... حتى عقدت لها في رأسك التّاجا ولم يكن مثل هذه الغزاة لملك من الملوك في الجاهلية والإسلام. وله غزاة مارشن «١» التي كانت أخت بدر وحنين، وقد ذكرناها على وجهها في الأرجوزة التي نظمتها في مغازيه كلها من سنة إحدى وثلاثمائة إلى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وأوقفناها. ومن مناقبه أن الملوك لم تزل تبني على أقدارها، ويقضى عليها بآثارها، وأنه بنى في المدة القليلة ما لم تبن الخلفاء في المدة الطويلة، نعم: لم يبق في القصر الذي فيه مصانع أجداده ومعالم أوليته بنيّة «٢» إلا وله فيها أثر محدث، إما تزييد أو تجديد. ومن مناقبه أنه أول من سمى أمير المؤمنين من خلفاء بني أمية بالأندلس. ومن مناقبه التي لا أخت لها ولا نظير، ما أعجز فيه من بعده، وفات فيه من قبله، من الجود الذي لم يعرف لأحد من أجواد الجاهلية والإسلام إلا له؛ وقد ذكرت ذلك في شعري الذي أقول فيه: يا بن الخلائف والعلا للمعتلي ... والجود يعرف فضله للمفضل نوّهت بالخلفاء بل أخملتهم ... حتى كأنّ نبيلهم لم ينبل أذكرت بل أنسيت ما ذكر الألى ... من فعلهم فكأنه لم يفعل وأتيت آخرهمّ وشأوك فائت ... للآخرين ومدرك للأوّل ألآن سمّيت الخلافة باسمها ... كالبدر يقرن بالسّماك الأعزل «٣» تأبى فعالك أن تقرّ لآخر ... منهم وجودك أن يكون لأوّل وهذه الأرجوزة التي ذكرت جميع مغازيه وما فتح الله عليه فيها في كل غزاة، وهي:

стр. 1667

سبحان من لم تحوه أقطار ... ولم تكن تدركه الأبصار ومن عنت لوجهه الوجوه ... فما له ندّ ولا شبيه سبحانه من خالق قدير ... وعالم بخلقه بصير وأوّل ليس له ابتداء ... وآخر ليس له انتهاء أوسعنا إحسانه وفضله ... وعزّ أن يكون شيء مثله وجلّ أن تدركه العيون ... أو يحوياه الوهم والظّنون لكنّه يدرك بالقريحة ... والعقل والأبينة الصّحيحة «١» وهذه من أثبت المعارف ... في الأوجه الغامضة اللّطائف معرفة العقل من الإنسان ... أثبت من معرفة العيان فالحمد لله على نعمائه ... حمدا جزيلا وعلى آلائه «٢» وبعد حمد الله والتّمجيد ... وبعد شكر المبديء المعيد أقول في أيام خير الناس ... ومن تحلّى بالنّدى والباس ومن أباد الكفر والنّفاقا ... وشرّد الفتنة والشّقاقا ونحن في حنادس كالليل ... وفتنة مثل غثاء السّيل «٣» حتى تولّى عابد الرّحمن ... ذاك الأعزّ من بني مروان مؤيّد حكّم في عداته ... سيفا يسيل الموت من ظباته «٤» وصبّح الملك مع الهلال ... فأصبحا ندّين في الجمال واحتمل التقوى على جبينه ... والدّين والدنيا على يمينه قد أشرقت بنوره البلاد ... وأنقطع التشغيب والفساد هذا على حين طغى النفاق ... واستفحل النكّاث والمرّاق «٥»

стр. 1668

وضاقت الأرض على سكانها ... وأذلت الحرب لظى نيرانها ونحن في عشواء مدلهمّة ... وظلمة ما مثلها من ظلمه تأخذنا الصّيحة كلّ يوم ... فما تلذّ مقلة بنوم وقد نصلي العيد بالنواظر ... مخافة من العدوّ الثائر «١» حتى أتانا الغوث من ضياء ... طبّق بين الأرض والسماء «٢» خليفة الله الذي أصطفاه ... على جميع الخلق واجتباه من معدن الوحي وبيت الحكمة ... وخير منسوب إلى الأئمة تكلّ عن معروفه الجنائب ... وتستحي من جوده السحائب «٣» في وجهه من نوره برهان ... وكفّه تقبيلها قربان أحيا الذي مات من المكارم ... من عهد كعب وزمان حاتم مكارم يقصر عنها الوصف ... وغرّة يحسر عنها الطّرف «٤» وشيمة كالصّاب أو كالماء ... وهمّة ترقى إلى السماء «٥» وانظر إلى الرفيع من بنيانه ... يريك بدعا من عظيم شانه لو خايل البحر ندى يديه ... إذا لجت عفاته إليه «٦» لغاض أو لكاد أن يغيضا ... ولا استحى من بعد أن يفيضا «٧» من أسبغ النّعمى وكانت محقا ... وفتّق الدّنيا وكانت رتقا هو الذي جمّع شمل الأمه ... وجاب عنها دامسات الظلمة وجدّد الملك الذي قد أخلقا ... حتى رست أوتاده واستوسقا وجمّع العدّة والعديدا ... وكثّف الأجناد والحشودا

стр. 1669

أول غزاة غزاها أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد ثم انتحى جيّان في غزاته ... بعسكر يسعر من حماته فاستنزل الوحش من الهضاب ... كأنما حطّت من السّحاب فأذعنت مرّاقها سراعا ... وأقبلت حصونها تداعى» لمّا رماها بسيوف العزم ... مشحوذة على دروع الحزم كادت لها أنفسهم تجود ... وكادت الأرض بهم تميد «٢» لولا الإله زلزلت زلزالها ... وأخرجت من رهبة أثقالها فأنزل الناس إلى البسيط ... وقطع البين من الخليط وافتتح الحصون حصنا حصنا ... وأوسعّ الناس جميعا أمنا ولم يزل حتى انتحى جيّانا ... فلم يدع بأرضها شيطانا فأصبح الناس جميعا أمّه ... قد عقد الإلّ لهم والذّمّه «٣» ثم انتحى من فوره إلبيره ... وهي بكلّ آفة مشهورة «٤» فداسها بخيله ورجله ... حتى توطّا خدّها بنعله ولم يدع من جنّها مريدا ... بها ولا من إنسها عنيدا «٥» إلّا كساه الذّل والصّغارا ... وعمّه وأهله دمارا فما رأيت مثل ذاك العام ... ومثل صنع الله للإسلام فانصرف الأمير من غزاته ... وقد شفاه الله من عداته وقبلها ما خضعت وأذعنت ... إستجّة وطالما قد صنعت «٦» وبعدها مدينة الشّئيل ... ما أذعنت للصّارم الصّقيل «٧»

стр. 1670

لمّا غزاها قائد الأمير ... باليمن في لوائه المنصور فأسلمت ولم تكن بالمسلمه ... وزال عنها أحمد بن مسلمه وبعدها في آخر الشهور ... من ذلك العام الزكيّ النّور أرجفت القلاع والحصون ... كأنما ساورها المنون وأقبلت رجالها وفودا ... تبغي لدى إمامها السّعودا وليس من ذي عزة وشدّة ... إلا توافوا عند باب السّده «١» قلوبهم باخعة بالطاعه ... قد أجمعوا الدخول في الجماعة «٢» سنة إحدى وثلاثمائة ثم غزا في عقب عام قابل ... فحال في شذونة والسّاحل «٣» ولم يدع مريّة الجزيره ... حتى كوى أكلبها الهريره «٤» حتى أناخ بذرى قرمونه ... بكلكل كمدرة الطاحونه «٥» على الذي خالف فيها وانتزى ... يعزى إلى سوادة إذا اعتزى فسال أن يمهله شهورا ... ثم يكون عبده المأمورا فأسعف الأمير منه ما سأل ... وعاد بالفضل عليه وقفل «٦» سنة اثنتين وثلاثمائة كان بها القفول عند الجيئه ... من غزو إحدى وثلثمائه «٧» فلم يكن يدرك في باقيها ... غزو ولا بعث يكون فيها

стр. 1671

سنة ثلاث وثلاثمائة ثمّت أغزى في الثلاث عمّه ... وقد كساه عزمه وحزمه فسار في جيش شديد الباس ... وقائد الجيش أبو العبّاس حتى ترقّى بذرى ببشتر ... وجال في ساحتها بالعسكر فلم يدع زرعا ولا ثمارا ... لهم ولا علفا ولا عقارا وقطع الكروم منها والشجر ... ولم يبايع علجها ولا ظهر «١» ثم انثنى من بعد ذاك قافلا ... وقد أباد الزرع والمآكلا فأيقن الخنزير عند ذاكا ... أن لا بقاء يرتجى هناكا فكاتب الإمام بالإجابة ... والسّمع والطاعة والإنابة فأخمد الله شهاب الفتنه ... وأصبح الناس معا في هدنه وارتعت الشاة معا والذّيب ... إذ وضعت أوزارها الحروب سنة أربع وثلاثمائة وبعدها كانت غزاة أربع ... فأيّ صنع ربّنا لم يصنع ... ... فيها، ببسط الملك الأوّاه ... كلتا يديه في سبيل الله وذاك أن قوّد قائدين ... بالنّصر والتأيبد ظاهرين هذا إلى الثّغر وما يليه ... على عدوّ الشّرك أو ذويه وذا إلى شمّ الرّبا من مرسيه ... وما مضى جرى إلى بلنسيه «٢» فكان من وجّهه للساحل ... القرشيّ القائد القنابل «٣» وابن أبي عبدة نحو الشّرك ... في خير ما تعبية وشكّ «٤» فأقبلا بكلّ فتح شامل ... وكلّ ثكل للعدوّ ثاكل وبعد هذى الغزوة الغرّاء ... كان افتتاح ليلة الحمراء «٥»

стр. 1672

أغزى بجند نحوها مولاه ... في عقب هذا العام لا سواه بدرا، فضمّ جانبيه ضمّه ... وغمّها حتى أجابت حكمه وأسلمت صاحبها مقهورا ... حتى أتى بدر به مأسورا سنة خمس وثلاثمائة وبعدها كانت غزاة خمس ... إلى السّواديّ عقيد النّحس لمّا طغى وجاوز الحدودا ... ونقض الميثاق والعهودا ونابذ السّلطان من شقائه ... ومن تعدّيه وسوء رائه أغزى إليه القرشيّ القائدا ... إذ صار عن قصد السبيل حائدا ثمّت شدّ أزره ببدر ... فكان كالشّفع لهذا الوتر «١» أحدقها بالخيل والرجال ... مشمّرا وجدّ في القتال فنازل الحصن العظيم الشّان ... بالرّجل والرّماة والفرسان فلم يزل بدر بها محاصرا ... كذا على قتاله مثابرا والكلب في تهوّر قد انغمس ... وضيّق الحلق عليه والنّفس فافترق الأصحاب عن لوائه ... وفتحوا الأبواب دون رائه واقتحم العسكر في المدينة ... وهو بها كهيئة الظّعينه «٢» مستسلما للذلّ والصّغار ... وملقيا يديه للإسار فنزع الحاجب تاج ملكه ... وقاده مكتّفا لهلكه «٣» وكان في آخر هذا العام ... نكب أبي العبّاس بالإسلام غزا فكان أنجد الأنجاد ... وقائدا من أفحل القوّاد فسار في غير رجال الحرب ... الضاربين عند وقت الضرب محاربا في غير ما محارب ... والحشم الجمهور عند الحاجب

стр. 1673

واجتمعت إليه أخلاط الكور ... وغاب ذو التّحصيل عنه والنظر «١» حتى إذا أوغل في العدوّ ... فكان بين البعد والدّنوّ أسلمه أهل القلوب القاسيه ... وأفردوه للكلاب العاويه فاستشهد القائد في أبرار ... قد وهبوا نفوسهم للباري في غير تأخير ولا فرار ... إلا شديد الضرب للكفار سنة ست وثلاثمائة قم أقاد الله من أعدائه ... وأحكم النصر لأوليائه في مبدأ العام الذي من قابل ... أزهق فيه الحقّ نفس الباطل فكان من رأي الإمام الماجد ... وخير مولود وخير والد أن احتمي للواحد القهّار ... وفاض من غيظ على الكفّار فجمع الأجناد والحشودا ... ونفّر السيّد والمسودا وحشر الأطراف والثّغورا ... ورفض الّلذّة والحبورا «٢» حتى إذا ما وافت الجنود ... واجتمع الحشّاد والحشود قوّد بدرا أمر تلك الطائفة ... وكانت النفس عليه خائفه فسار في كتائب كالسّيل ... وعسكر مثل سواد الليل حتى إذا حلّ على مطنيّه ... وكان فيها أخبث البرّيه «٣» ناصبهم حربا لها شرار ... كأنما أضرم فيها النار وجدّ من بينهم القتال ... وأحدقت حولهم الرجال فحاربوا يومهم وباتوا ... وقد نفت نومهم الرّماة فهم طوال الليل كالطّلائح ... جراحهم تنغل في الجوارح «٤» ثم مضوا في حربهم أيّاما ... حتى بدا الموت لهم زؤاما

стр. 1674

لمّا رأوا سحائب المنيّة ... تمطرهم صواعق البليه تغلغل العجم بأرض العجم ... وانحشدوا من تحت كلّ نجم فأقبل العلج لهم مغيثا ... يوم الخميس مسرعا حثيثا «١» بين يديه الرّجل والفوارس ... وحوله الصّلبان والنّواقس وكان يرجو أن يزيل العسكرا ... عن جانب الحصن الذي قد دمّرا فاعتاقه بدر بمن لديه ... مستبصرا في زحفه إليه حتى التقت ميمنة بميسره ... واعتلت الأرواح عند الحنجره ففاز حزب الله بالعلجان ... وانهزمت بطانة الشيطان فقتلوا قتلا ذريعا فاشيا ... وأدبر العلج ذميما خازيا وانصرف الناس إلى القليعة ... فصبّحوا العدوّ يوم الجمعه ثم التقى العلجان في الطريق ... البنبلونيّ مع الجلّيقي فأعقدا على انتهاب العسكر ... وأن يموتا قبل ذاك المحضر وأقسما بالجبت والطاغوت ... لا يهزما دون لقاء الموت «٢» فأقبلوا بأعظم الطّغيان ... قد جلّلوا الجبال بالفرسان حتى تداعى الناس يوم السبت ... فكان وقتا يا له من وقت فأشرعت بينهم الرماح ... وقد علا التّكبير والصّياح وفارقت أغمادها السّيوف ... وفغرت أفواهها الحتوف «٣» والتقت الرجال بالرجال ... وانغمسوا في غمرة القتال في موقف زاغت به الأبصار ... وقصرت في طوله الأعمار وهبّ أهل الصبر والبصائر ... فأوعقوا على العدوّ الكافر «٤»

стр. 1675

حتى بدت هزيمة البشكنس ... كأنّه مختضب بالورس «١» فانقضّت العقبان والسلالقه ... زعقا على مقدّم الجلالقه «٢» عقبان موت تخطف الأرواحا ... وتشبع السّيوف والرماحا فانهزم الخنزير عند ذاكا ... وانكشفت عورته هناك فقتلوا في بطن كلّ وادي ... وجاءت الرّءوس في الأعواد وقدّم القائد ألف راس ... من الجلاليق ذوي العماس» فتمّ صنع الله للإسلام ... وعمّنا سرور ذاك العام وخير ما فيه من السّرور ... موت ابن حفصون به الخنزير فاتّصل الفتح بفتح ثان ... والنّصر بالنّصر من الرّحمن وهذه الغزاة تدعى القاضيه ... وقد أتتهم بعد ذاك الداهيه سنة سبع وثلاثمائة وبعدها كانت غزاة بلده ... وهي التي أودت بأهل الرّدّة «٤» وبدؤها أنّ الإمام المصطفى ... أصدق أهل الأرض عدلا ووفا لمّا أتته ميتة الخنزير ... وأنه صار إلى السّعير كاتبه أولاده بالطاعه ... وبالدّخول مدخل الجماعه وأن يقرّهم على الولاية ... على ورود الخرج والجبايه فاختار ذلك الإمام المفضل ... ولم يزل من رأيه التّفضّل ثم لوى الشيطان رأس جعفر ... وصار منه نافخا في المنخر فنقض العهود والميثاقا ... واستعمل التّشغيب والنفاقا «٥»

стр. 1676

وضمّ أهل النّكث والخلاف ... من غير ما كاف وغير وافي فاعتاقه الخليفة المؤيّد ... وهو الذي يشقي به ويسعد «١» ومن عليه من عيون الله ... حوافظ من كلّ أمر داه فجنّد الجنود والكتائبا ... وقوّد القوّاد والمقانبا «٢» ثم غزا في أكثر العديد ... مستصحبا بالنّصر والتأييد حتى إذا مرّ بحصن بلده ... خلف فيه قائدا في عدّه يمنعهم من انتشار خيلهم ... وحارسا في يومهم وليلهم ثمّ مضى يستنزل الحصونا ... ويبعث الطّلاع والعيونا حتى أتاه باشر من بلده ... يعدو برأس رأسها في صعده «٣» فقدّم الخيل إليها مسرعا ... واحتلّها من يومه تسرّعا فحفّها بالخيل والرّماة ... وجملة الحماة والكماة «٤» فأطلع الرجل على أنقابها ... واقتحم الجند على أبوابها «٥» فأذعنت ولم تكن بمذعنة ... واستسلمت كافرة لمؤمنه فقدّمت كفارها للسيف ... وقتّلوا بالحقّ لا بالحيف «٦» وذاك من يمن الإمام المرتضى ... وخير من بقي وخير من مضى ثم انتحى من فوره بر بشترا ... فلم يدع بها قضيبا أخضرا وحطّم النّبات والزّروعا ... وهتك الرباع والرّبوعا فإذ رأى الكلب الذي رآه ... من عزمه في قطع منتواه «٧»

стр. 1677

ألقى إليه باليدين ضارعا ... وسال أن يبقى عليه وادعا وأن يكون عاملا في طاعته ... على درور الخرج من جبايته فوثق الإمام من رهانه ... كيلا يكون في عمى من شانه وقبل الإمام ذاك منه ... فضلا وإحسانا وسار عنه سنة ثمان وثلاثمائة ثم غزا الإمام دار الحرب ... فكان خطبا يا له من خطب فحشدت إليه أعلام الكور ... ومن له في النار ذكر وخطر «١» إلى ذوي الديوان والرايات ... وكلّ منسوب إلى الشامات وكلّ من أخلص للرّحمن ... بطاعة في السر والإعلان وكلّ من طاوع بالجهاد ... أو ضمه سرج على الجياد فكان حشدا يا له من حشد ... من كلّ حرّ عندنا وعبد فتحسب الناس جرادا منتشر ... كما يقول ربّنا فيمن حشر ثم مضى المظفّر المنصور ... على جبينه الهدى والنّور أمامه جند من الملائكه ... آخذة لربّها وتاركه حتى إذا فوّز في العدوّ ... جنّبه الرحمن كل سو «٢» وأنزل الجزية والدواهي ... على الذين أشركوا بالله فزلزلت أقدامهم بالرّعب ... واستنفروا من خوف نار الحرب واقتحموا الشّعاب والمكامنا ... وأسلموا الحصون والمدائنا «٣» فما تبقّى من جناب دور ... من بيعة لراهب أو دير إلا وقد صيّرها هباء ... كالنار إذ وافقت الأباء «٤» وزعزعت كتائب السّلطان ... بكلّ ما فيها من البنيان فكان من أوّل حصن زعزعوا ... ومن به من العدوّ أوقعوا

стр. 1678

مدينة معروفة بوخشمه ... فغادروها فحمة مسخّمه «١» ثم ارتقوا منها إلى حواضر ... فغادروها مثل أمس الدابر ثم مضوا والعلج يحتذيهم ... بجيشه يمشي ويقتفيهم حتى انتهوا منه لوادي ديّ ... ففيه عفّى الرّشد سبل الغيّ لمّا التقوا بمجمع الجوزين ... واجتمعت كتائب العلجين من أهل اليون وبنبلونه ... وأهل أرنيط وبرشلونه «٢» تضافر الكفر مع الإلحاد ... واجتمعوا من سائر البلاد فاضطربوا في سفح طود عال ... وصففّوا تعبية القتال «٣» فبادرت إليهم المقدّمه ... سامية في خيلها المسوّمه وردّها متصل بردّ ... يمدّه بحر عظيم المدّ «٤» فانهزم العلجان في علاج ... ولبسوا ثوبا من العجاج «٥» كلاهما ينظر حينا خلفه ... فهو يرى في كلّ وجه حتفه والبيض في آثارهم والسّمر ... والقتل ماض فيهم والأسر «٦» فلم يكن للنّاس من براح ... وجاءت الرءوس في الرّماح فأمر الأمير بالتّقويض ... وأسرع العسكر في النّهوض فصادفوا الجمهور لمّا هزموا ... وعاينوا قوّادهم تخرّموا «٧» فدخلوا حديقة للموت ... إذ طمعوا في حصنها بالفوت فيا لها حديقة ويا لها ... وافت بها نفوسهم آجالها

стр. 1679

تحصّنوا إذ عاينوا الأهوالا ... بمعقل كان لهم عقالا وصخرة كانت عليهم صيلما ... وانقلبوا منها إلى جهنما «١» تساقوا يستطعمون الماء ... فأخرجت أرواحهم ظماء فكم لسيف الله من جزور ... في مأدب الغربان والنّسور «٢» وكم به قتلى من القساوس ... تندب للصّلبان والنّواقس ثم ثنى عنانه الأمير ... وحوله التّهليل والتّكبير مصمّما بحرب دار الحرب ... قدّامه كتائب من عرب فداسها وسامها بالخسف ... والهتك والسّفك لها والنّسف فحرّقوا ومزّقوا الحصونا ... وأسخنوا من أهلها العيونا فانظر عن اليمين واليسار ... فما ترى إلا لهيب النار وأصبحت ديارهم بلاقعا ... فما ترى إلا دخانا ساطعا «٣» ونصر الإمام فيها المصطفى ... وقد شفى من العدوّ واشتفى غزوة سنة تسع وثلاثمائة وبعدها كانت غزاة طرّش ... سمت إليها جيشه لم ينهش «٤» وأحدقت بحصنها الأفاعي ... وكلّ صلّ أسود شجاع «٥» ثم بنى حصنا عليها راتبا ... يعتور القوّاد فيه دائبا حتى أنابت عنوة جنّانها ... وغاب عن يافوخها شيطانها فأذعنت لسيّد السادات ... وأكرم الأحياء والأموات خليفة الله على عباده ... وخير من يحكم في بلاده

стр. 1680

وكان موت بدر ابن أحمد ... بعد قفول الملك المؤيّد واستحجب الإمام خير حاجب ... وخير مصحوب وخير صاحب موسى الأغرّ من بني جدير ... عقيد كلّ رأفة وخير سنة عشر وثلاثمائة وبعدها غزاة عشر غزوه ... بها افتتاح منتلون عنوه غزا الإمام في ذوي السّلطان ... يؤمّ أهل النّكث والطّغيان «١» فاحتلّ حصن منتلون قاطعا ... أسباب من أصبح فيه خالعا سار إليه وبنى عليه ... حتى أتاه ملقيا يديه ثم انثنى عنه إلى شذونه ... فعاضها سهلا من الحزونه «٢» وساقها بالأهل والولدان ... إلى لزوم قبّة الإيمان ولم يدع صعبا ولا منيعا ... إلا وقد أذلهم جميعا ثم انثنى بأطيب القفول ... كما مضى بأحسن الفصول سنة إحدى عشر وثلاثمائة وبعدها غزاة إحدى عشره ... كم نبّهت من نائم في سكره غزا الإمام ينتحي ببشترا ... في عسكر أعظم بذاك عسكرا فاحتلّ من ببشتر ذراها ... وجال في شاط وفي سواها «٣» فخرّب العمران من ببشتر ... وأذعنت شاط لربّ العسكر «٤» فأدخل العدّة والعديدا ... فيها ولم يترك بها عنيدا ثم انتحى بعد حصون العجم ... فداسها بالقضم بعد الخضم «٥» ما كان في سواحل البحور ... منها وفي الغابات والوعور

стр. 1681

وأدخل الطّاعة في مكان ... لم يدر قطّ طاعة السّلطان ثم رمى الثّغر بخير قائد ... وذادهم منها بخير ذائد «١» به قما الله ذوي الإشراك ... وأنقذ الثّغر من الهلاك» وانتاش من مهواتها تطيله ... وقد ثوت دماؤها مطلوله «٣» وسهّل الثّغر وما يليه ... من شيعة الكفر ومن ذويه ثم انثنى بالفتح والنجاح ... قد غيّر الفساد بالصلاح سنة اثنتي عشر وثلاثمائة وبعدها غزاة ثنتى عشره ... وكم بها من حسرة وعبره غزا الإمام حوله كتائبه ... كالبدر محفوفا به كواكبه «٤» غزا وسيف النصر في يمينه ... وطالع السعد على جبينه وصاحب العسكر والتّدبير ... موسى الأغرّ حاجب الأمير «٥» فدمّر الحصون من تدمير ... واستنزل الوحش من الصّخور «٦» فاجتمعت عليه كلّ الأمّه ... وبايعته أمراء الفتنه حتى إذا أوعب من حصونها ... وحمّل الحقّ على متونها «٧» مضى وسار في ظلال العسكر ... تحت لواء الأسد الغضنفر رجال تدمير ومن يليهم ... من كلّ صنف يعتزي إليهم حتى إذا حلّ على تطيله ... بكت على دمائها المطوله وعظم ما لاقت من العدوّ ... والحرب في الرّواح والغدوّ فهمّ أن يديخ دار الحرب ... وأن يكون ردأة في الدّرب «٨»

стр. 1682

ثم استشار ذا النّهى والحجر ... من صحبه ومن رجال الثّغر فكلّهم أشار أن لا يدربا ... ولا يجوز الجبل المؤشّبا لأنه في عسكر قد انخرم ... بندب كلّ العرفاء والحشم وشنّعوا أنّ وراء الفجّ ... خمسين ألفا من رجال العلج فقال لا بدّ من الدّخول ... وما إلى حاشاه من سبيل وأن أديخ أرض بنبلونه ... وساحة المدينة الملعونه وكان رأيا لم يكن من صاحب ... ساعده عليه غير الحاجب واستنصر الله وعبّى ودخل ... فكان فتحا لم يكن له مثل «١» لمّا مضى وجاز الدّروبا ... وادّرع الهيجاء والحروبا «٢» عبّى له علج من الأعلاج ... كتائبا غطّت على الفجاج «٣» فاستنصر الإمام ربّ الناس ... ثم استعان بالنّدى والباس وعاذ بالرّغبة والدعاء ... واستنزل النّصر من السّماء فقدم القوّاد بالحشود ... وأتبع المدود بالمدود فانهزم العلج وكانت ملحمه ... جاوز فيها السّاقة المقدّمه «٤» فقتلوا مقتلة الفناء ... فارتوت البيض من الدّماء ثم أمال نحو بنبلونه ... واقتحم العسكر في المدينه حتى إذا جاسوا خلال دورها ... وأسرع الخراب في معمورها بكت على ما فاتها النّواظر ... إذ جعلت تدقّها الحوافر لفقد من قتّل من رجالها ... وذلّ من أيتم من أطفالها فكم بها وحولها من أغلف ... تهمي عليه الدمع عين الأسقف «٥»

стр. 1683

وكم بها حقّر من كنائس ... بدّلت الأذان بالنّواقس يبكي لها النّاقوس والصّليب ... كلاهما فرض له النّحيب وانصرف الإمام بالنّجاح ... والنصر والتأييد والفلاح ثم ثنى الرّايات في طريقه ... إلى بني ذي النّون من توفيقه فأصبحوا من بسطهم في قبض ... قد ألصقت خدودهم بالأرض «١» حتى بدوا إليه بالبرهان ... من أكبر الآباء والولدان فالحمد لله على تأييده ... حمدا كثيرا وعلى تسديده سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة ثم غزا بيمنه أشونا ... وقد أشادوا حولها حصونا «٢» وحفّها بالخيل والرّجال ... وقاتلوهم أبلغ القتال حتى إذا ما عاينوا الهلاكا ... تبادروا بالطّوع حينذاكا وأسلموا حصنهم المنيعا ... وسمحوا بخرجهم خضوعا وقبلهم في هذه الغمزاة ... ما هدمت معاقل العصاة وأحكم الإمام في تدبيره ... على بني هابل في مسيره ومن سواهم من ذوي العثيرة ... وأمراء الفتنة المغيره إذ حبسوا مراقبا عليهم ... حتى أتوا بكلّ ما لديهم من البنين والعيال والحشم ... وكلّ من لاذ بهم من الخدم فهبطوا من أجمع البلدان ... وأسكنوا مدينة السّلطان فكان في آخر هذا العام ... بعد خضوع الكفر للإسلام مشاهد من أعظم المشاهد ... على يدي عبد الحميد القائد لمّا غزا إلى بني ذي النون ... فكان فتحا لم يكن بالدّون «٣»

стр. 1684

إذ جاوزوا في الظلم والطّغيان ... بقتلهم لعامل السّلطان وحاولوا الدخول في الأذيّة ... حتى غزاهم أنجد البريّه فعاقهم عن كلّ ما رجوه ... بنقضه كلّ الذي بنوه وضبطه الحصن العظيم الشّان ... أشنين بالرّجل والفرسان ثم مضى الليث إليهم زحفا ... يختطف الأرواح منهم خطفا فانهزموا هزيمة لن ترقدا ... وأسلموا صنوهم محمّدا «١» وغيره من أوجه الفرسان ... مغرّب في مأتم الغربان مقطّع الأوصال بالسّنابك ... من بعد ما مزّق بالنّيازك «٢» ثم لجوا إلى طلاب الأمن ... وبذلهم ودائعا من رهن فقبضت رهانهم وأمّنوا ... وأنغضوا رؤسهم وأذعنوا ثم مضى القائد بالتّأييد ... والنصر من ذي العرش والتسديد حتى أتى حصن بني عماره ... والحرب بالتدبير والإداره فافتتح الحصن وخلّى صاحبه ... وأمن الناس جميعا جانبه سنة أربع عشرة وثلاثمائة لم يغز فيها وغزت قوّاده ... واعتورت ببشترا أجناده فكلهم أبلى وأغنى واكتفى ... وكلّهم شفى الصّدور واشتفى ثم تلاهم بعد ليث الغيل ... عبد الحميد من بني بسيل «٣» هو الذي قام مقام الضّيغم ... وجاء في غزاته بالصّيلم «٤» برأس جالوت النّفاق والحسد ... من جمّع الخنزير فيه والأسد فهاكه من صحبه في عدّه ... مصلّيين عند باب السّدّه

стр. 1685

قد امتطى مطيّة لا تبرح ... صائمة قائمة لا ترمح «١» مطية إن يعرها انكسار ... يطلبها النّجّار لا البيطار كأنه من فوقها أسوار ... عيناه في كلتيهما مسمار «٢» مباشرا للشّمس والرّياح ... على جواد غير ذي جماح يقول للخاطر بالطّريق ... قول محب ناصح شفيق هذا مقام خادم الشّيطان ... ومن عصى خليفة الرحمن فما رأينا واعظا لا ينطق ... أصدق منه في الذي لا يصدق قفل لمن غرّ بسوء رائه ... يمت إذا شاء بمثل دائه كم مارق مضى وكم منافق ... قد ارتقى في مثل ذاك الحالق وعاد وهو في العصى مصلب ... ورأسه في جذعه مركّب فكيف لا يعتبر المخالف ... لحال من تطلبه الخلائف أما رآه من هوان يرتع ... معتبرا لمن يرى ويسمع سنة خمس عشرة وثلاثمائة فيها غزا معتزما ببشترا ... فجال في ساحتها ودمّرا ثم غزا طلجيرة عليها ... وهي الشّجى من بين أخدعيها «٣» وامتدّها بابن السّليم راتبا ... مشمّرا عن ساقه محاربا «٤» حتى رأى حفص سبيل رشده ... بعد بلوغ غاية من جهده فدان للإمام قصدا خاضعا ... وأسلم الحصن إليه طائعا سنة ست عشرة وثلاثمائة لم يغز وانتحى ببشترا ... فرمّها بما رأى ودبّرا «٥»
следующие страницы →