← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لا خير في كذب الجوا ... د وحبّذا صدق البخيل استبطأ حبيب الطائي الحسن بن وهب في عدة وعدها إياه، فكتب إليه أبياتا يستعجله بها؛ فبعث إليه بألف درهم وكتب إليه: أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا ... قلّا ولو أخّرته لم يقلل فخذ القليل وكن كمن لم يسأل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل ابن دأب عند المهدي : وقال عبد الملك بن مالك الخزاعي: دخلت على أمير المؤمنين المهدي وعنده ابن دأب وهو ينشد قول الشماخ: وأشعث قد قدّ السّفار قميصه ... يجرّ شواء بالعصا غير منضج «١» دعوت إلى ما نابني فأجابني ... كريم من الفتيان غير مزلّج» فتى يمريء الشّيزى ويروي سنانه ... ويضرب في رأس الكميّ المدجّج «٣» فتى ليس بالرّاضي بأدني معيشة ... ولا في بيوت الحيّ بالمتولّج فرفع المهديّ رأسه إليّ وقال: هذه صفتك أبا العباس. فقلت: بك نلتها يا أمير المؤمنين. قال: فأنشدني. فأنشدته قول المسموءل: إذا المرء لم يدنس من الّلؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها ... فليس إلى حسّن الثّناء سبيل «٤» إذا المرء أعيته المروءة يافعا ... فمطلبها كهلا عليه ثقيل «٥» تعيّرنا أنا قليل عدادنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل ونحن أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول «٦»

стр. 212

يقترب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول وما مات منّا سيّد حتف أنفه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل «١» تسيل على حدّ السّيوف نفوسنا ... وليست على غير السّيوف تسيل وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل «٢» وأسيافنا في كلّ شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول «٣» فقال: أحسنت، اجلس، بهذا بلغتم، سل حاجتك. قلت: يا أمير المؤمنين، تكتب لي العطاء ثلاثين رجلا من أهلي. قال: نعم، عليّ إذا وعدت، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك متمكّن من القدرة وليس دونك حاجز عن الفعل؛ فما معنى العدة؟ فنظر إلى ابن دأب يريد منه كلاما في فضل الموعد، فقال ابن دأب: حلاوة الفعل بوعد ينجز ... لا خير في العرف كنهب ينهز «٤» فضحك المهدي وقال: الفعل أحسن ما يكو ... ن إذا تقدّمه ضمان للمهلب يوصي بنيه : وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: يا بنيّ، إذا غدا عليكم الرجل وراح مسلّما فكفى بذلك تقاضيا. وقال الشاعر: أروح بتسليمي عليك وأغتدي ... وحسبك بالتّسليم منّي تقاضيا وقال آخر:

стр. 213

كفاك مخبرا وجهي بشاني ... وحسبك أن أراك وأن تراني وما ظنّي بمن يعنيه أمري ... ويعلم حاجتي ويرى مكاني وكتب العتابي إلى بعض أهل السلطان: أما بعد؛ فإن سحاب وعدك قد أبرقت، فليكن وبلها سالما من علل المطل. والسلام. وكتب الجاحظ إلى رجل وعده: أما بعد فإن شجرة وعدك قد أورقت فليكن ثمرها سالما من جوائح المطل «١» . والسلام. عبد الله بن طاهر ودعبل : وعد عبد الله بن طاهر دعبلا بغلام، فلما طال عليه تصدّى له يوما وقد ركب إلى باب الخاصّة، فلما رآه قال: أسأت الاقتضاء، وجهلت المأخذ، ولم تحسن النظر، ونحن أولى بالفضل؛ فلك الغلام والدابة متى ننزل إن شاء الله تعالى. فأخذ بعنانه دعبل وأنشده: يا جواد الّلسان من غير فعل ... ليت في راحتيك جود الّلسان عين مهران قد لطمت مرارا ... فاتّق ذا الجلال في مهران عرت عينا فدع لمهران عينا ... لا تدعه يطوف في العميان قال: فنزل له عن دابته، وأمر له بالغلام. أبان وخلف ابن خليفة : وسأل خلف بن خليفة أبان بن الوليد جارية، فوعده بها وأبطأت عليه، فكتب إليه: أرى حاجتي عند الأمير كأنّها ... تهمّ زمانا عنده بمقام وأحصر من إذ كاره إن لقيته ... وصدق الحياء ملجم بلجام أراها إذا كان النهار نسيئة ... وبالّليل تقضى عند كلّ منام «٢»

стр. 214

فياربّ أخرجها فإنك مخرج ... من الميت حيّا مفصحا بكلام فتعلم ما شكري إذا ما قضيتها ... وكيف صلاتي عندها وصيامي وكتب أبو العتاهية إلى رجل وعده بعدة ومطله بها. لا جعل الله لي إليك ولا ... عندك ما عشت حاجة أبدا ما جئت في حاجة أسرّ بها ... إلا تثاقلت ثمّ قلت غدا وكتب دعبل إلى رجل وعده وعدا وأخلفه: أحسبت أرض الله ضيّقة ... عني فأرض الله لم تضق وجعلتني فقعا بقرقرة ... فوطئتني وطئا على حنق «١» فإذا سألتك حاجة أبدا ... فاضرب بها قفلا على غلق وأعدّ لي غلّا وجامعة ... فاجمع يديّ بها إلى عنقي «٢» ما أطول الدّنيا وأوسعها ... وأدلّني بمسالك الطّرق لابن عبد ربه : ومن قولنا في رجل كتب إليّ بعدة في صحيفة ومطلني بها: صحيفة طابعها الّلوم ... عنوانها بالجهل مختوم يهدى لها والخلف في طيّها ... والمطل والتّسويف والّلوم من وجهه نحس ومن قربه ... رجس ومن عرفانه شوم لا تهتضم إن بتّ ضيفا له ... فخبزه في الجوف هاضوم «٣» تكلمه الألحاظ من رقّة ... فهو بلحظ العين مكلوم «٤» لا تأتدم شيئا على أكله ... فإنه بالجوع مأدوم «٥»

стр. 215

وقلت فيه: صحيفة كتبت ليت بها وعسى ... عنوانها راحة الرّاجي إذا يئسا وعد له هاجس في القلب قد برمت ... أحشاء صدري به من طول ماهجسا «١» براعة غرّني منها وميض سني ... حتى مددت إليها الكفّ مقتبسا «٢» فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا «٣» كأنما صيغ من بخل ومن كذب ... فكان ذاك له روحا وذا نفسا وقلت فيه: رجاء دون أقربه السّحاب ... ووعد مثل ما لمع السراب وتسويف يكلّ الصّبر عنه ... ومطل ما يقوم له حساب «٤» وأيام خلت من كلّ خير ... ودنيا قد توزّعها الكلاب لطيف الاستمناح قالت الحكماء: لطيف الاستمناح سبب النجاح، والأنفس ربما انطلقت وانشرحت بلطيف السؤال، وانقبضت وامتنعت بجفاء «٥» السائل؛ كما قال الشاعر: وجفوتني فقطعت عنك فوائدي ... كالدّرّ يقطعه جفاء الحالب وقال العتابي: إن طلبت حاجة إلى ذي سلطان فأجمل في الطلب إليه، وإياك والإلحاح عليه؛ فإنّ إلحاحك يكلم «٦» عرضك ويريق ماء وجهك، فلا تأخذ منه عوّضا لما يأخذ منك؛ ولعلّ الإلحاح يجمع عليك إخلاق ماء الوجه، وحرمان النجاح؛ فإنه ربما ملّ المطلوب إليه حتى يستخف بالطالب.

стр. 216

وقال الحسن بن هانيء: تأنّ مواعيد الكرام فربّما ... حملت من الإلحاح سمحا على بخل وقال آخر: إن كنت طالب حاجة فتجمّل ... فيها بأحسن ما طلبت وأجمل إنّ الكريم أخا المروءة والنّهى ... من ليس في حاجاته بمثقّل بين مروان ابن أبي حفصة وابن يزيد : وقال مروان بن أبي حفصة: لقيت يزيد بن مزيد وهو خارج من عند المهدي فأخذت بعنان دابّته وقلت له: إني قلت فيك ثلاثة أبيات أريد بكل بيت منها مائة ألف. قال: هات لله أبوك، فأنشأت أقول: يا أكرم الناس من عجم ومن عرب ... بعد الخليفة يا ضرغامة العرب «١» أفنيت مالك تعطيه وتنهبه ... يا آفة الفضة البيضاء والذهب إنّ السنان وحدّ السيف لو نطقا ... لأخبرا عنك في الهيجاء بالعجب عبد الملك ونفر من بني أمية : المدائني قال: قدم قوم من بني أمية على عبد الملك بن مروان، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن ممن تعرف، وحقّنا ما لا ينكر، وجئناك من بعيد، ونمتّ «٢» بقريب، ومهما تعطنا فنحن أهله. الرشيد وعبد الملك بن صالح : دحل عبد الملك بن صالح على الرشيد فقال: أسألك بالقرابة والخاصة أم بالخلافة والعامة؟ قال: بل بالقرابة والخاصة. قال: يداك يا أمير المؤمنين أطلق من لساني بالمسألة، فأعطاه وأجزل له.

стр. 217

ودخل أبو الرّيان على عبد الملك بن مروان، وكان عنده أثيرا، فرآه خائرا «١» ، فقال: يا أبا الريان، مالك خائرا؟ قال: أشكو إليك الشرف يا أمير المؤمنين! قال: كيف ذلك؟ قال: نسأل ما لا نقدر عليه ونعتذر فلا نعذر. قال عبد الملك: ما أحسن ما استمنحت واعتررت «٢» يا أبا الريّان. أعطوه كذا وكذا. الحجاج والشعبي : العتّابي قال: كتب الشّعبي إلى الحجاج يسأله حاجة، فاعتلّ عليه «٣» ، فكتب إليه الشّعبي: والله لا عذرتك وأنت والي العراقين وابن عظيم القريتين. فقضى حاجته. وكان جدّ الحجاج لأمه عروة بن مسعود الثقفي. معاوية وابن زرارة : العتبي قال: قدم عبد العزيز بن زرارة الكلابي على أمير المؤمنين معاوية فقال: إني لم أزل أهزّ ذوائب الرّحال إليك، فلم أجد معوّلا إلا عليك، أمتطي الليل بعد النهار، وأسم «٤» المجاهل بالآثار، يقودني إليك أمل، وتسوقني بلوى، والمجتهد يعذر، وإذا بلغتك فقطني «٥» . فقال: احطط عن راحلتك. يزيد بن المهلب وكريز : ودخل كريز بن زفر بن الحارث على يزيد بن المهلب فقال: أصلح الله الأمير، أنت أعظم من أن يستعان بك ويستعان عليك، ولست تفعل من الخير شيئا إلا وهو يصغر عنك وأنت أكبر منه، ولا العجب أن تفعل، ولكن العجب ألا تفعل. قال: سل حاجتك. قال: حملت عن عشيرتي عشر ديات. قال: قد أمرت لك بها وشفعتها بمثلها.

стр. 218

حاتم الطائي وسائل حاجة : العتبي عن أبيه قال: أتى رجل إلى حاتم الطائي فقال: إنها وقعت بيني وبين قوم ديات، فاحتملتها في مالي وأملي، فعدمت مالي وكنت أملي، فإن تحملها عني فربّ همّ قد فرجته، وغمّ كفيته، ودين قضيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمّ يومك، ولم أيأس من غدك. فحملها عنه. خالد القسري وسائل : المدائني قال: سأل رجل خالدا القسري حاجة، فاعتل عليه، فقال له: لقد سألت الأمير من غير حاجة. قال: وما دعاك إلى ذلك؟ قال: رأيتك تحب من لك عنده حسن بلاء؛ فأردت أن أتعلّق منك بحبل مودة. فوصله وحباه وأدنى مكانه. المنصور والهجري : الأصمعي قال: دخل أبو بكر الهجريّ على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين نغض فمي «١» ، وأنتم أهل البيت بركة، فلو أذنت لي فقبّلت رأسك لعل الله يشدّد لي منه! قال: اختر منها أو من الجائزة. فقال: يا أمير المؤمنين. أهون عليّ من ذهاب درهم من الجائزة ألّا تبقى حاكّة في فمي. فضحك المنصور وأمر له بجائزة. أبو دلف وجار له : وذكروا أن جارا لأبي دلف ببغداد لزمه كبير دين فادح، حتى احتاج إلى بيع داره، فساوموه بها، فسألهم ألفي دينار؛ فقالوا له: إنّ دارك تساوي خمسمائة. قال: وجواري من أبي دلف بألف وخمسمائة! فبلغ أبا دلف؛ فأمر بقضاء دينه وقال له: لا تبع دارك ولا تنتقل من جوارنا.

стр. 219

قيس بن سعد وامرأة : ووقفت امرأة على قيس بن سعد بن عبادة فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان. قال: ما أحسن هذه الكناية! املأوا لها بيتها خبزا ولحما وسمنا. المنصور وأزهر السمان : إبراهيم بن أحمد عن الشّيباني قال: كان أبو جعفر المنصور أيام بني أمية إذا دخل البصرة دخل مستترا، فكان يجلس في حلقة أزهر السمان المحدّث، فلما أفضت الخلافة إليه قدم عليه أزهر، فرحّب به وقرّبه، وقال له: ما حاجتك يا أزهر؟ قال: داري متهدمة، وعليّ أربعة آلاف درهم، وأريد لو أن ابني محمدا بنى بعياله «١» . فوصله باثنى عشر ألفا، وقال: قد قضينا حاجتك يا أزهر؛ فلا تأتنا طالبا. فأخذها وارتحل. فلما كان بعد سنة أتاه، فلما رآه أبو جعفر قال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: جئتك مسلما. قال: إنه يقع في خلد أمير المؤمنين أنك جئت طالبا. قال: ما جئت إلا مسلّما. قال: قد أمرنا لك باثنى عشر ألفا، واذهب فلا تأتنا طالبا ولا مسلّما. فأخذها ومضى؛ فلما كان بعد سنة أتاه، فقال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: أتيت عائدا، قال: إنه يقع في خلدي أنك جئت طالبا. قال: ما جئت إلا عائدا. قال: قد أمرنا لك باثنى عشر ألفا، واذهب فلا تأتنا طالبا ولا مسلما ولا عائدا. فأخذها وانصرف؛ فلما مضت السنة أقبل، فقال له: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: دعاء كنت أسمعك تدعو به يا أمير المؤمنين، جئت لأكتبه. فضحك أبو جعفر وقال: إنه دعاء غير مستجاب، وذلك أني قد دعوت الله به ألا أراك فلم يستجب لي، وقد أمرنا لك باثنى عشر ألفا وتعال متى شئت، فقد أعيتني فيك الحيلة. ابن المهلب وأعرابي : أقبل أعرابي إلى داود بن المهلب فقال له. إني مدحتك فاستمع. قال: على رسلك «٢» ! ثم دخل بيته وتقلّد سيفه وخرج، فقال: قل، فإن أحسنت حكّمناك، وإن

стр. 220

أسأت قتلناك! فأنشأ يقول: أمنت بداود وجود يمينه ... من الحدث المخشيّ والبؤس والفقر فأصبحت لا أخشى بداود نبوة ... من الحدثان إذ شددت به أزري» له حكم لقمان وصورة يوسف ... وحكم سليمان وعدل أبي بكر فتى تفرق الأموال من جود كفّه ... كما يفرق الشيطان من ليلة القدر «٢» فقال: قد حكمناك؛ فإن شئت على قدرك، وإن شئت على قدري. قال: بل على قدري. فأعطاه خمسين ألفا، فقال له جلساؤه: هلا احتكمت على قدر الأمير؟ قال: لم يك في ماله ما يفي بقدره! قال له داود: أنت في هذه أشعر منك في شعرك. وأمر له بمثل ما أعطاه. الرشيد وإسحاق الموصلي : الأصمعي قال: كنت عند الرشيد إذ دخل عليه إسحاق بن إبراهيم الموصلي فأنشده: وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل فعالي فعال المكثرين تجمّلا ... ومالي كما قد تعلمين قليل فكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل فقال له الرشيد: لله درّ أبيات تأتينا بها! ما أحسن أصولها وأبين فصولها، وأقلّ فضولها! يا غلام أعطه عشرين ألفا. قال: والله لا أخذت منها درهما واحدا! قال: ولم؟ قال: لأن كلامك والله يا أمير المؤمنين خير من شعري! قال: أعطوه أربعين ألفا. قال الأصمعي: فعلمت والله أنه أصيد لدراهم الملوك مني.

стр. 221

معاوية وزيد ابن منية : العتبي عن أبيه قال: قدم زيد بن منية من البصرة على معاوية، وهو أخو يعلي بن منية صاحب الجمل، جمل عائشة ﵂، ومتولي تلك الحروب، ورأس أهل البصرة؛ وكانت ابنة يعلي عند عتبة بن أبي سفيان؛ فلما دخل على معاوية شكا دينه، فقال: يا كعب، أعطه ثلاثين ألفا. فلما ولّى قال: وليوم الجمل ثلاثين ألفا أخرى، ثم قال له: الحق بصهرك- يعني عتبة- فقدم عليه مصر. فقال: إني سرت إليك شهرين، أخوض فيهما المتالف «١» ، ألبس أردية الليل مرّة، وأخوض في لجج السراب أخرى، موقرا «٢» من حسن الظن بك، وهاربا من دهر قطم «٣» ، ومن دين لزم، بعد غنى جدعنا به أنوف الحاسدين. فقال عتبة: إن الدهر أعاركم غنى، وخلطكم بنا ثم استردّ ما أمكنه أخذه، وقد أبقى لكم منّا ما لا ضيعة معه، وأنا رافع يدي ويدك بيد الله، فأعطاه ستين ألفا كما أعطاه معاوية. ابن سويد وأبو ساسان : إبراهيم الشيباني قال: قال عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف: أعدم أبي إعدامة بالبصرة وأنفض «٤» ، فخرج إلى خراسان فلم يصب بها طائلا. فبينا هو يشكو تعزّر الأشياء عليه، إذ عدا غلامه على كسوته وبغلته فذهب بهما، فأتى أبا ساسان حضين ابن المنذر الرقاشي فشكا إليه حاله، فقال له: والله يا بن أخي، ما عمّك ممن يحمل محاملك، ولعلّي أن أحتال لك. فدعا بكسوة حسنة فألبسني إياها، ثم قال: امض بنا. فأتى باب والى خراسان، فدخل وتركني بالباب، فلم ألبث أن خرج الحاجب فقال: أي عليّ بن سويد؟ فدخلت إلى الوالي، فإذا حضين على فراش إلى جانبه، فسلمت على الوالي فردّ عليّ، ثم أقبل عليه حضين فقال: أصلح الله الأمير، هذا علي

стр. 222

ابن سويد بن منجوف سيد فتيان بكر بن وائل وابن سيد كهولها، وأكثر الناس مالا حاضرا بالبصرة وفي كل موضع ملكت به بكر بن وائل مالا، وقد تجمّل بي إلى الأمير في حاجة. قال: هي مقضية. قال: فإنه يسألك أن تمدّ يدك في ماله ومراكبه وسلاحه إلى ما أحببت. قال: لا والله لا أفعل ذلك به، نحن أولى بزيادته. قال: فقد أعفيناك من هذه إذ كرهتها، فهو يسألك أن تحمّله حوائجك بالبصرة. قال: إن كانت حاجة فهو فيها ثقة، ولكن أسألك أن تكلّمه في قبول معونة منا؛ فإنا نحب أي يرى على مثله من أثرنا. فأقبل عليّ فقال: يا أبا الحسن، عزمت عليك ألّا تردّ على عمّك شيئا أكرمك به. فسكت. قال: فدعا لي بمال ودوابّ وكسا ورقيق، فلما خرجت قلت: أبا ساسان، لقد أوقفتني على خطة ما وقفت على مثلها قط. قال: اذهب إليك يا بن أخي، فعمّك أعلم بالناس منك؛ إن الناس إن علموا لك غرارة «١» من مال حثوا «٢» لك أخرى وإن يعلموك فقيرا تعدّوا عليك مع فقرك. المهدي وأبو دلامة : إبراهيم الشيباني قال: ولد لأبي دلامة ابنة ليلا، فأوقد السّراج وجعل يخيط خريطة من شقق، فلما أصبح طواها بين أصابعه وغدا بها إلى المهدي فاستأذن عليه، وكان لا يحجب عليه، فأنشده: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عبّاس ثم ارتقوا من شعاع الشمس في درج ... إلى السماء فأنتم أكرم الناس قال له المهدي: أحسنت والله أبا دلامة، فما الذي غدا بك إلينا؟ قال: ولدت لي جارية يا أمير المؤمنين. قال: فهل قلت فيها شعرا؟ قال: نعم قلت: فما ولدتك مريم أمّ عيسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم ولكن قد تضمّك أمّ سوء ... إلى لبّاتها وأب لئيم «٣»

стр. 223

قال فضحك المهدي وقال: فما تريد أن أعينك به في تربيتها أبا دلامة؟ قال: تملأ هذه يا أمير المؤمنين. وأشار إليه بالخريطة بين إصبعيه. فقال المهدي: وما عسى أن تحمل هذه؟ قال: من لم يقنع بالقليل لم يقنع بالكثير. فأمر أن تملأ مالا، فلما نشرت أخذت عليهم صحن الدار، فدخل فيها أربعة آلاف درهم. وكان المهدي قد كسا أبا دلامة ساجا «١» ، فأخذ به وهو سكران، فأتي به إلى المهدي؛ فأمر بتمزيق الساج عليه وأن يحبس في بيت الدّجاج؛ فلما كان في بعض الليل وصحا أبو دلامة من سكره ورأى نفسه بين الدّجاج، صاح: يا صاحب البيت! فاستجاب له السجان، قال: مالك يا عدوّ الله؟ قال: ويلك! من أدخلني مع الدّجاج؟ قال: أعمالك الخبيثة! أتي بك أمير المؤمنين وأنت سكران، فأمر بتمزيق ساجك وحبسك مع الدّجاج. قال له: ويلك! أو تقدر على أن توقد لي سراجا وتجيئني بدواة وورق ولك سلبي «٢» هذا. فأتاه بدواة وورق؛ فكتب أبو دلامة إلى المهديّ: أمن صهباء صافية المزاج ... كأنّ شعاعها لهب السّراج تهشّ لها النفوس وتشتهيها ... إذا برزت ترقرق في الزّجاج وقد طبخت بنار الله حتّى ... لقد صارت من النّطف النّضاج «٣» أمير المؤمنين فدتك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي أقاد إلى السجون بغير ذنب ... كأنّي بعض عمّال الخراج ولو معهم حبست لهان وجدي ... ولكنّي حبست مع الدّجاج دجاجات يطيف بهنّ ديك ... ينادي بالصّياح إذا يناجي وقد كانت تخبّرني ذنوبي ... بأنّي من عذابك غير ناجي على أنيّ وإن لاقيت شراّ ... لخيرك بعد ذاك الشرّ راجي ثم قال أوصلها إلى أمير المؤمنين. فأوصلها إليه السجّان، فلما قرأها أمر بإطلاقه

стр. 224

وأدخله عليه، فقال له: أين بت الليلة أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج يا أمير المؤمنين. قال: فما كنت تصنع؟ قال: كنت أقاقي معهن حتى أصبحت. فضحك المهدي وأمر له بصلة جزيلة، وخلع عليه كسوة شريفة. بين أبي دلامة وعيسى بن موسى : وكتب أبو دلامة إلى عيسى بن موسى وهو والي الكوفة رقعة فيها هذه الأبيات: إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرّحيم فأمّا بعد ذاك فلي غريم ... من الأنصار قبح من غريم لزوم ما علمت لباب داري ... لزوم الكلب أصحاب الرّقيم «١» له مئة عليّ ونصف أخرى ... ونصف النصف في صكّ قديم دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم أتوني بالعشيرة يسألوني ... ولم أك في العشيرة باللئيم قال: فبعث إليه بمائة ألف درهم. أبو دلف وأبو دلامة : ولقي أبو دلامة أبو دلف في مصاد له وهو والي العراق، فأخذ بعنان فرسه وأنشده: إني حلفت لئن رأيتك سالما ... بقرى العراق وأنت ذو وفر لتصلينّ علي النبيّ محمّد ... ولتملأنّ دراهما حجري «٢» فقال: أمّا الصلاة على النبيّ فنعم، ﷺ . وأما الدراهم، فلمّا نرجع إن شاء الله تعالى. قال: له: جعلت فداك. لا تفرق بينهما. فاستلفها له وصبّت في حجره حتى أثقلته.

стр. 225

أبو دلامة والمهدي : ودخل أبو دلامة على المهدي، فأنشده أبياتا أعجب بها، فقال له: سلني أبا دلامة واحتكم وأفرط ما شئت. فقال: كلب يا أمير المؤمنين أصطاد به. قال: قد أمرنا لك بكلب، وهاهنا بلغت همتك، وإلى هاهنا انتهت أمنيتك؟ قال: لا تعجل عليّ يا أمير المؤمنين، فإنه بقي علي. قال: وما بقي عليك؟ قال: غلام يقود الكلب. قال: وغلام يقود الكلب. قال: وخادم يطبخ الصّيد. قال: وخادم يطبخ الصيد. قال: ودار نسكنها. قال: ودار تسكنها. قال: وجارية نأوي اليها. قال: وجارية تأوي إليها. قال: قد بقي الآن المعاش. قال: قد أقطعناك ألفي جريب «١» عامرة وألفي جريب غامرة. قال: وما الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: التي لا تعمر. قال: أنا أقطع أمير المؤمنين خمسين ألفا من فيافي بني أسد. قال: قد جعلتها كلّها لك عامرة. قال: فيأذن لي أمير المؤمنين في تقبيل يده؟ قال: أما هذه فدعها. قال: ما منعتني شيئا أيسر على أمّ ولدي فقدا منه. أبو دلامة والمنصور : ودخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور يوما وعليه قلنسوة طويلة، وكان قد أخذ أصحابه بلباسها وأخذهم بلبس دراريع، عليها مكتوب بين كتفي الرجل: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٢» وأمرهم بتعليق السيوف على أوساطهم. فدخل عليه أبو دلامة في ذلك الزّيّ، فقال له: كيف أصبحت أبا دلامة؟ قال: بشرّ حال يا أمير المؤمنين. قال: كيف ذلك؟ ويلك. قال: وما ظنّك يا أمير المؤمنين بمن أصبح وجهه في وسطه، وسيفه على استه، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره؟ قال: فضحك أبو جعفر وأمر بتغيير ذلك، وأمر لأبي دلامة بصلة.

стр. 226

هو والمنصور أيضا : وأوصل أبو دلامة إلى العبّاس بن منصور رقعة فيها هذه الأبيات: قف بالديار وأيّ الدهر لم تقف ... على منازل بين السّهل والنجف وما وقوفك في أطلال منزلة ... لولا الذي استحدثت في قلبك الكلف «١» إن كنت أصبحت مشغوفا بجارية ... فلا وربّك لا يشفيك من شغف ولا يزيدك إلّا العلّ من أسف ... فهل لقلبك من صبر على الأسف «٢» هذي مقالة شيخ من بني أسد ... يهدي السّلام إلى العبّاس في الصّحف تخطّها من جواري المصر كاتبة ... قد طالما ضربت في اللام والألف وطالما اختلفت صيفا وشاتية ... إلى معلّمها بالّلوح والكتف حتى إذا ما استوى الثّديان وامتلأت ... منها وخيفت على الإسراف والقرف «٣» صينت ثلاث سنين ما ترى أحدا ... كما تصان ببحر درّة الصّدف بينا الفتى يتمشّى نحو مسجده ... مبادرا لصلاة الصّبح بالسّدف «٤» حانت له نظرة منها فأبصرها ... مطلّة بين سجفيها من الغرف فخرّ في التّرب ما يدري غداتئذ ... أخرّ منكشفا أو غير منكشف وجاءه القوم أفواجا بمائهم ... لينضحوا الرجل المغشىّ بالنّطف «٥» فوسوسوا بقران في مسامعه ... خوفا من الجنّ والإنسان لم يخف ... ... شيئا، ولكنه من حبّ جارية ... أمسى وأصبح من موت على شرف قالوا لك الخير ما أبصرت قلت لهم ... جنّيّة أقصدتني من بني خلف أبصرت جارية محجوبة لهم ... تطلّعت من أعالي القصر ذي الشّرف فقلت: أيّكم والله يأجره ... يعير قوّته منّي إلى ضعفي فقام شيخ بهيّ من تجارهم ... قد طالما خدع الأقوام بالحلف

стр. 227

فابتاعها لي بألفي أحمر فغدا ... بها إليّ فألقاها على كتفي فبتّ ألثمها طورا وتلثمني ... طورا ونفعل بعض الشيء في الّلحف بتنا كذلك حتى جاء صاحبها ... يبغي الدنانير بالميزان ذي الكفف «١» وذاك حقّ علي «زند» وكيف به ... والحقّ في طرف والعين في طرف «٢» وبين ذاك شهود لم أبال بهم ... أكنت معترفا أم غير معترف فإن تصلني قضيت القوم حقّهم ... وإن تقل لا فحقّ القوم في تلف فلما قرأ العباس الأبيات أعجب بها واستظرفها وقضى عنه ثمن الجارية. واسم أبي دلامة زند. جعفر بن يحيى وعبد الملك بن صالح : إبراهيم بن المهدي قال: قال لي جعفر بن يحيى يوما: إني استأذنت أمير المؤمنين في الحجامة وأردت أن أخلوا وأفرّ من أشغال الناس وأتروّح، فهل أنت مساعدي قلت: جعلني الله فداك، أنا أسعد الناس بمساعدتك وآنس بمخالاتك «٣» . قال: بكّر إليّ بكور الغراب. قال فأتيت عند الفجر الثاني، فوجدت الشمعة بين يديه، وهو قاعد ينتظرني للميعاد. قال فصيلنا ثم أفضنا في الحديث حتى جاء وقت الحجامة فأتى بحجّام فحجّمنا في ساعة واحدة، ثم قدّم إلينا طعام فطعمنا، فلما غسلنا أيدينا خلع علينا ثياب المنادمة، وضمّخنا بالخلوق «٤» ، وظللنا بأسرّ يوم مرّ بنا، ثم إنه ذكر حاجة فدعا الحاجب، فقال: إذا جاء عبد الملك القهرماني فأذن له. فنسي الحاجب. وجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي على جلالته وسنّه وقدره وأدبه، فأذن له الحاجب. فما راعنا إلا طلعة عبد الملك. فتغير لذلك جعفر بن يحيى وتنغّص عليه ما كان فيه. فلما نظر عبد الملك إليه على تلك الحالة، دعا غلامه فدفع إليه سيفه وسواده وعمامته،

стр. 228

ثم جاء ووقف على باب المجلس، وقال: اصنعوا بي ما صنعتم بأنفسكم. قال: فجاء الغلام فطرح عليه ثياب المنادمة، ودعا بالطعام فطعم. ثم جاء بالشراب فشرب ثلاثا، ثم قال: ليخفّف عنيّ فإنه شيء ما شربته قط. فتهلل وجه جعفر بن يحيى: جعلني الله فداك، قد نفصّلت عنيّ فإنه شيء ما شربته قط. فتهلل وجه جعفر وفرح. وكان الرشيد قد عتب على عبد الملك بن صالح ووجد «١» عليه، فقال له جعفر بن يحيى: جعلني الله فداك، قد تفضّلت وتطوّلت وأسعدت، فهل من حاجة تبلغها مقدرتي، أو تحيط بها نعمتي، فأقضيها لك مكافأة لما صنعت؟ قال: بلى، إن قلب أمير المؤمنين عاتب عليّ فسله الرضا عني. قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين. ثم قال: عليّ أربعة آلاف دينار. قال: حاضرة، ولكن من مال أمير المؤمنين. أحبّ اليك. قال: وابني إبراهيم أحب أن أشدّ ظهره بصهر من أولاد أمير المؤمنين. قال. قد زوّجه أمير المؤمنين عائشة. قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه. قال: قد ولّاه أمير المؤمنين مصر. قال: وانصرف عبد الملك ونحن نعجب من إقدامه على قضاء الحوائج من غير استئذان أمير المؤمنين. فلما كان من الغد وقفنا على باب الرشيد ودخل جعفر، فلم نلبث أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك، فعقد النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك؛ وكتب سجلّ إبراهيم على مصر.. وخرج جعفر فأشار إلينا، فلما صار إلى منزله ونحن خلفه، نزل ونزلنا بنزوله؛ فالتفت إلينا، فقال: تعلقت قلوبكم بأوّل أمر عبد الملك فأحببتم معرفة آخره، وإني لما دخلت على أمير المؤمنين مثلت بين يديه وابتدأت القصة من أولها؛ فجعل يقول: أحسن والله، فما صنعت؟ فأخبرته بما سأل وبما أجبته به، فجعل يقول في ذلك: أحسنت: أحسنت! وخرج إبراهيم واليا على مصر. ذو حاجة على باب ملك من الأكاسرة : وقدم رجل على ملك من ملوك الأكاسرة، فمكث ببابه حينا لا يصل إليه، فتلطف في رقعة أوصلها إليه، وفيها أربعة أسطر:

стр. 229

في السطر الأول: الضّر والأمل أقدماني عليك. والسطر الثاني: الفقر لا يكون معه صبر على المطالبة. والسطر الثالث: الانصراف بلا فائدة فتنة وشماتة للعدوّ. والسطر الرابع: فإما نعم مثمرة، وإما لا مريحة. فلما قرأها وقّع تحت كل سطر منها بألف مثقال وأمر له بها. يحيى بن خالد وشاعر : وقد دخل رجل من الشعراء على يحيى بن خالد بن يرمك فأنشده: سألت النّدى هل أنت حرّ؟ فقال لا ... ولكنّني عبد ليحيي بن خالد فقلت شراء قال لا بل وراثة ... توارثني عن والد بعد والد فأمر له بعشرة آلاف. خالد القسري وأعرابي : ودخل أعرابيّ على خالد بن عبد الله القسريّ فأنشده: أخالد إني لم أزرك لخلّة ... سوى أنني عاف وأنت جواد «١» أخالد بين الحمد والأجر حاجتي ... فأيّهما تأتي فأنت عماد فأمر له بخمسة آلاف درهم. العباس القائد وابن عبد ربه : ومن قولنا في هذا المعنى- ودخلت على أبي العبّاس القائد فأنشدته: الله جرّد للنّدى والباس ... سيفا فقلّده أبا العبّاس ملك إذا استقبلت غرّة وجهه ... قبض الرّجاء إليك روح الياس

стр. 230

وجه عليه من الحياء سكينة ... ومحبّة تجري من الأنفاس وإذا أحبّ الله يوما عبده ... ألقى عليه محبّة للناس ثم سألته حاجة فيها بعض الغلظ، فتلكأ عليّ. فأخذت سحاية «١» من بين يديه فوقّعت فيها على البديهة: ما ضرّ عندك حاجتي ما ضرّها ... عذرا إذا أعطيت نفسك قدرها انظر إلى عرض البلاد وطولها ... أو لست أكرم أهلها وأبرّها حاشى لجودك أن يوعّر حاجتي ... ثقتي بجودك سهّلت لي وعرها لا يجتني حلو المحامد ماجد ... حتى يذوق من المطالب مرّها فقضى الحاجة وسارع إليها. المتوكل وعبد الله ابن يحيى : وأبطأ عبد الله بن يحيى عن الديوان، فأرسل إليه المتوكل يتعرّف خبره، فكتب إليه: عليل من مكانين ... من الإفلاس والدّين ففي هذين لي شغل ... وحسبي شغل هذين فبعث إليه بألف دينار. الفضل بن يحيى ومستمنح : عبد الله بن منصور قال: كنت يوما في مجلس الفضل بن يحيى، فأتاه الحاجب فقال: إن بالباب رجلا قد أكثر في طلب الإذن وزعم أن له يدا يمتّ بها فقال: أدخله. فدخل رجل جميل الوجه رثّ الهيئة، فسلّم فأحسن. فأومأ إليه بالجلوس فجلس؛ فلما علم أنه قد انطلق وأمكنه الكلام، قال له: ما حاجتك؟ قال له: قد

стр. 231

أعربت بها رثاثة هيئتي، وضعف طاقتي! قال: أجل، فما الذي تمتّ به؟ قال: ولادة تقرب من ولادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك. قال: أمّا الجوار فقد يمكن أن يكون كما قلت، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن ما علمك بالولادة؟ قال: أعلمتني أمي أنها لما وضعتني قيل إنه ولد الليلة ليحيى بن خالد غلام وسمّي الفضل؛ فسّمتني فضيلا، إعظاما لا سمك أن تلحقني بك. فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين؟ قال: خمس وثلاثون. قال: صدقت، هذا المقدار الذي أتيت عليه، فما فعلت أمّك؟ قال: توفيت رحمها الله، قال: فما منعك عن اللّحوق بنا فيما مضى؟ قال: لم أرض نفسي للقائك، لأنها كانت في عامّية وحداثة تقعدني عن لقاء الملوك. قال: يا غلام أعطه لكل عام مضى من سنيه ألفا، وأعطه من كسوتنا ومراكبنا ما يصلح له. فلم يخرج من الدار إلا وقد طاف به إخوانه وخاصة أهله. من حبيب إلى ابن أبي دواد : وكتب حبيب بن أوس الطائي إلى أحمد بن أبي دواد: اعلم وأنت المرء غير معلّم ... وافهم جعلت فداك غير مفهّم أنّ اصطناع العرف ما لم توله ... مستكملا كالثّوب ما لم يعلم «١» والشّكر ما لم يستثر بصنيعة ... كالخطّ تقرؤه وليس بمعجم «٢» وتفنّني في القول إكثار وقد ... أسرجت في كرم الفعال فألجم وقال دعبل بن علي الخزاعي في طاهر بن الحسين صاحب خراسان: أيا ذا اليمنين والدّعوتين ... ومن عنده العرف والنّائل أترضى لمثلي أنّي مقيم ... ببابك مطّرح خامل رضيت من الودّ والعائدات ... ومن كلّ ما امّل الآمل بتسليمة بين خمس وستّ ... إذا ضمّك المجلس الحافل وما كنت أرضى بذا من سواك ... أيرضى بذا رجل عاقل

стр. 232

وإن ناب شغل ففي دون ما ... تدبّره شغل شاغل عليك السلام فإني امرؤ ... إذا ضاق بي بلد راحل بين زياد وضبيّ : الأصمعي قال: نظر زياد إلى رجل من ضبّة يأكل أكلا قبيحا، وهو أقبح الناس وجها، فقال: يا أخا ضبّة، كم عيالك؟ قال: سبع بنات أنا أجمل منهن وجها، وهنّ آكل مني. فضحك زياد وقال: لله درك! ما ألطف سؤالك! افرضوا له ولكل واحدة منهن مائة وخادما، وعجّلوا له ولهن بأرزاقهن. فخرج الضّبي وهو يقول: إذا كنت مرتاد السماحة والنّدى ... فناد زيادا أو أخا لزياد يجبك امرؤ يعطي على الحمد ماله ... إذا ضنّ بالمعروف كلّ جواد وما لي لا أثني عليك وإنّما ... طريفي من معروفكم وتلادي «١» ووقف دعبل ببعض أمراء الرقّة، فلما مثل بين يديه قال: أصلح الله الأمير، إني لا أقول كما قال صاحب معن: بأيّ الخلّتين عليك أثني ... فإني عند منصرفي مسؤل أبالحسنى وليس لها ضياء ... عليّ فمن يصدّق ما أقول أم الأخرى ولست لها بأهل ... وأنت لكلّ مكرمة فعول ولكني أقول: ماذا أقول إذا أتيت معاشري ... صفرا يداي من الجواد المجزل إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... ضنّ الأمير بماله لم يجمل ولأنت أعلم بالمكارم والعلا ... من أن أقول فعلت ما لم تفعل فاختر لنفسك ما أقول، فإننّي ... لا بدّ مخبرهم وإن لم أسأل قال له: قاتلك الله! وأمر له بعشرة آلاف درهم. بشر بن مروان وابن عبدل : العتبي قال: دخل ابن عبدل على عبد الملك بن مبشر بن مروان لما ولي الكوفة،

стр. 233

فقعد بين السماطين «١» ثم قال: أيها الأمير، إني رأيت رؤيا فأذن لي في قصصها. فقال: قل. فقال: أغفيت قبل الصّبح نوم مسهّد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها فرأيت أنك رعتني بوليدة ... مفلوجة حسن عليّ قيامها» وببدرة حملت إليّ وبغلة ... شهباء ناجية يصرّ لجامها «٣» قال له عبد الملك بن بشر بن مروان: كل شيء رأيت فهو عندي إلا البغلة، فإنها دهماء فارهة «٤» . قال: امرأتي طالق ثلاثا إن كنت رأيتها إلّا دهماء، إلّا أني غلطت. علي الأرميني والبطين : الشيباني عن البطين الشاعر قال: قدمت على علي بن يحيى الأرمينيّ فكتبت إليه: رأيت في النّوم أنّي راكب فرسا ... ولي وصيف وفي كفي دنانير فقال قوم لهم حذق ومعرفة ... رأيت خيرا وللأحلام تعبير رؤياك فسّر غدا عند الأمير تجد ... تعبير ذاك وفي الفأل التّباشير فجئت مستبشرا مستشعرا فرحا ... وعند مثلك لي بالفعل تيسير قال: فوقّع لي في أسفل كتابي: أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ «٥» ثم أمر لي بكل شيء ذكرته في أبياتي ورأيته في منامي. وقال بشار العقيلي: حتى متى ليت شعري يا بن يقطين ... أثني عليك بما لا منك توليني أما علمت جزاك الله صالحة ... عني وزادك خيرا يا بن يقطين أنّي أريدك للدّنيا وزينتها ... ولا أريدك يوم الدّين للدّين

стр. 234

وقال آخر في مثل هذا المعنى: يا بن العلاء ويا بن القرم مرداس ... إني لأطريك في أهلي وجلّاسي «١» أثني عليك ولي حال تكذّبني ... فيما أقول فأستحيي من الناس حتى إذا قيل: ما أعطاك من صفد ... طأطأت من سوء حالي عندها راسي «٢» الأخذ من الأمراء لعثمان في جائزة السلطان : حدّثنا جعفر بن محمد، عن يزيد بن سمعان، عن عبد الله بن ثور، عن عبد الحميد ابن وهب، عن أبي الخلال، قال: سألت عثمان بن عفّان عن جائزة السلطان، فقال: لحم طريّ ذكي. عكرمة والجائزة : جعفر بن محمد، عن يحيى بن محمد العامريّ، عن المعتمر، عن عمران بن حدير، قال: انطلقت أنا ورجل إلى عكرمة، فرأى الرجل عليه عمامة متخرّقة، فقال الرجل: عندنا عمائم، ألا نبعث إليك بعمامة منها؟ قال عكرمة: إنا لا نقبل من الناس شيئا، إنما نقبل من الأمراء. الحسن البصري وخميصته : وقال هشام بن حسان: رأيت على الحسن البصري خميصة «٣» لها أعلام يصلّي فيها، أهداها إليه مسلمة بن عبد الملك. وكان النبي ﷺ يلبس خفّين أسودين أهداهما إليه النجاشي صاحب الحبشة. وقال نافع: كان عبد الله بن عمر يقبل هدايا أهل الفتنة، مثل المختار وغيره. ودخل مالك بن أنس على هارون الرشيد فشكا إليه دينا لزمه فأمر له بألف دينار

стр. 235

عين. فلما وضع يديه للقيام، قال: يا أمير المؤمنين، وزوّجت ابني محمدا فصار عليّ فيه ألف دينار. قال: ولابنه محمد ألف دينار. قال: فلقد مات مالك وتركها لوارثه في مزود. وقال الأصمعي: حدّثني إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: كان الربيع بن خثيم في ألف ومائة من العطاء فكلم فيه أبي معاوية فألحقه بألفين؛ فلما حضر العطاء نودي الربيع بن خثيم، فقيل له: في ألفين. فقعد، فنظروا فوجدوا على اسمه مكتوبا: كلّم فيه يحيى بن طلحة أمير المؤمنين فألحقه بألفين. وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق، كنت أريد أن تقبل مني هذه الجبة كسوة. قال: إن كنت غنيا قبلتها منك، وإن كنت فقيرا لم أقبلها منك. قال: فإني غني. قال: وكم مالك؟ قال: ألفا دينار. قال: فأنت تودّ أنها أربعة آلاف؟ قال: نعم. قال: فأنت فقير، لا أقبلها منك. وأمر إبراهيم بن الأغلب المعروف بزيادة الله، بمال يقسم على الفقهاء، فكان منهم من قبل ومنهم من لم يقبل، فكان أسد بن الفرات فيمن قبل، فجعل زيادة الله يغمص «١» على كل من قبل منهم، فبلغ ذلك أسد بن الفرات، فقال: لا عليه، إنما أخذنا بعض حقوقنا والله سائله عما بقى! وقد فخرت العرب بأخذ جوائز الملوك وكان من أشرف ما يتموّلونه، فقال ذو الرمة: وما كان مالي من تراث ورثته ... ولا دية كانت ولا كسب مأثم ولكن عطاء الله من كلّ رحلة ... إلى كلّ محجوب السّرادق خضرم «٢» وقال آخر يهجو مروان بن أبي حفصة ويعيبه بأخذه من العامة ويفخر بأنه لا يأخذ إلا من الملوك، فقال:

стр. 236

عطايا أمير المؤمنين، ولم تكن ... مقصّمة من هؤلاء وأولئكا وما نلت حتّى شبت إلا عطيّة ... تقوم بها مصرورة في ردائكا تفضيل بعض الناس على بعض في العطاء ذكر عمر بن الخطاب ﵁ الفقراء فقال: إن سعيد بن خذيم منهم. فأعطاه ألف دينار، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أعطيت فأغن» . وقدم على رسول الله ﷺ وفد من العرب فأعطاهم وفضل رجلا منهم؛ فقيل له في ذلك، فقال: كل القوم عيال عليه. الرسول ﷺ والعباس بن مرداس : وأعطى النبي ﷺ يوم حنين المؤلّفة قلوبهم، فأعطى الأقرع بن حابس التميمي. وعيينة بن حصن الفزاري، مائة من الإبل، وأعطى العبّاس بن مرداس السّلمي خمسين؛ فشق ذلك عليه، فقال أبياتا. فأتاه بها وأنشده إياها وهي: أيذهب نهبي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع ولا كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع وما كنت غير امريء منهم ... ومن تضع اليوم لم يرفع فقال رسول الله ﷺ لبلال: اقطع عني لسان العباس. فأعطاه حتى أرضاه. الرسول ﷺ وصفوان بن أمية : وقال صفوان بن أمية: لقد غزوت مع رسول الله ﷺ وما خلق الله خلقا أبغض إليّ منه فما زال يعطيني حتى ما خلق الله خلقا أحبّ إليّ منه. وكان صفوان بن أمية من المؤلّفة قلوبهم.

стр. 237

شكر النعمة سليمان التّميميّ قال: إن الله أنعم على عباده بقدر قدرته، وكلّفهم من الشكر بقدر طاقتهم. وقالوا: مكتوب في التوراة: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك. وقالوا: كفر النعمة يوجب زوالها، وشكرها يوجب المزيد فيها. وقالوا: من حمدك فقد وفّاك حقّ نعمتك. وجاء في الحديث: «من نشر معروفا فقد شكره، ومن ستره فقد كفره» . وقال عبد الله بن عباس: لو أن فرعون مصر أسدى إليّ يدا صالحة لشكرته عليها. وقالوا: إذا قصرت يداك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر. وقالوا: ما نحل الله تعالى عباده شيئا أقلّ من الشكر، واعتبر ذلك بقول الله : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ «١» . الواقدي ويحيى البرمكي في قوم جاءوا يشكرونه : محمد بن صالح الواقدي قال: دخلت على يحيى بن خالد البرمكي، فقلت: إن ها هنا قوما جاءوا يشكرون لك معروفا. فقال: يا محمد، هؤلاء يشكرون معروفا، فكيف لنا بشكر شكرهم. للنبي ﷺ في شكر النعمة وكفرها : وقال النبي ﷺ : ما أنعم الله على عبده نعمة فرأى عليه أثرها إلا كتب: حبيب الله شاركا لأنعمه. وما أنعم الله على عبده نعمة فلم ير أثرها عليه إلا كتب: بغيض الله كافرا لأنعمه.

стр. 238

بين عدي بن أرطاة وعمر بن عبد العزيز : وكتب عديّ بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز: إني بأرض كثرت فيها النّعم، وقد خفت على من قبلي من المسلمين قلّة الشكر والضعف عنه فكتب إليه عمر ﵁: إن الله تعالى لم ينعم على قوم نعمة فحمدوه عليها إلا كان ما أعطوه أكثر مما أخذوا. واعتبر ذلك لقول الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ «١» . فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان. بين النبي ﷺ عائشة في أبيات لابن جناب : وسمع النبي ﷺ عائشة ﵂ تنشد أبيات زهير بن جناب: إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه عواقب ما جنى «٢» يجزيك أو يثنى عليك فإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى فقال النبي ﵊: صدق يا عائشة، لا شكر الله من لا يشكر الناس. الخشني قال: أنشدني الرياشي: إذا أنا لم أشكر على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمّما «٣» ففيم عرفت الخير والشّرّ باسمه ... وشقّ لي الله المسامع والفما وأنشدني في الشكر: سأشكر عمرا ما تراخت منيّتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلّت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشّكوى إذا النّعل زلّت رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلّت «٤»

стр. 239

قلة الكرام في كثرة اللئام قال النبي ﷺ : الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة. وقالت الحكماء: الكرام في اللئام كالغرة في الفرس. وقال الشاعر: تفاخرني بكثرتها قريط ... وقلّ والد الحجل الصقور فإن أك في شراركم قليلا ... فإنّي في خباركم كثير بغاث الطّير أكثرها فراخا ... وأم الصّقر مقلات نزور «١» وقال السموأل: تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل وقال حبيب: ولقد نكون ولا كريم نناله ... حتى نخوض إليه ألف لئيم وقال ابن أبي حازم: وقالوا: لو مدحت فتى كريما ... فقلت وكيف لي بفتى كريم بلوت ومرّ بي خمسون حولا ... وحسبك بالمجرّب من عليم فلا أحد يعدّ ليوم خير ... ولا أحد يعود على عديم «٢» وقال دعبل: ما أكثر الناس لا بل ما أقلّهم ... والله يعلم أنّي لم أقل فندا «٣» إني لأغلق عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن ما أرى أحدا

стр. 240

وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول حبيب الطائي: إنّ الجياد كثير في البلاد وإن ... قلّوا، كما غيرهم قلّ وإن كثروا لا يدهمنّك من دهمائهم عجب ... فإنّ جلّهم أو كلهم بقر وكلّما أضحت الأخطار بينهم ... هلكى تبيّن من أضحى له خطر لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما ... في الخيل لم تحمد الأوضاح والغرر «١» لكسرى في الشح : الأصمعي قال: قال كسرى. أي شيء أضرّ؟ فأجمعوا على الفقر. فقال كسرى: الشحّ أضرّ منه، لأن الفقير يجد الفرجة فيتسع. من جاد أولا وضنّ آخرا نزل أعرابيّ برجل من أهل البصرة، فأكرمه وأحسن إليه ثم أمسك، فقال الأعرابي: تسرّى فلما جاذب المرء نفسه ... رأى أنّه لا يستقيم له السّرو «٢» وكان يزيد بن منصور يجري لبشّار العقيلي وظيفة في كل شهر، ثم قطعها عنه؛ فقال: أبا خالد ما زلت سابح غمرة ... صغيرا فلما شبت خيّمت بالشّاطي «٣» جريت زمانا سابقا ثم لم تزل ... تأخّر حتى جئت تقطو مع القاطي «٤» كسنّور عبد الله بيع بدرهم ... صغيرا، فلما شبّ بيع بقيراط

стр. 241

وقال مسلم بن الوليد صريع الغواني لمحمد بن منصور بن زياد: أبا حسن قد كنت قدّمت نعمة ... وألحقت شكرا ثم أمسكت وانيا «١» فلا ضير لم تلحقك مني ملامة ... أسأت بنا عودا وأحسنت باديا فأقسم لا أجزيك بالسّوء مثله ... كفى بالذي جازيتني لك جازيا وقال سليمان الأعمى، وهو أخو صريع الغواني، في سليمان بن علي: يا سوءة يكبر الشيطان إن ذكرت ... منها العجائب جاءت من سليمانا لا تعجبنّ بخير زلّ عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا من ضن أولا ثم جاد آخرا قدم الحارث بن خالد المخزوميّ على عبد الملك فلم يصله، فرجع وقال فيه: صحبتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطّعت نفسي ألومها حبست عليك النّفس حتّى كأنّما ... بكفّيك يجري بؤسها ونعيمها فبلغ قوله عبد الملك، فأرسل إليه فردّه وقال: أرأيت عليك غضاضة «٢» من مقامك ببابي؟ قال: لا، ولكني اشتقت إلى أهلي ووطني، ووجدت فضلا من القول فقلت، وعليّ دين لزمني. قال: وكم دينك؟ قال ثلاثون ألفا. قال: فقضاء دينك أحبّ إليك أم ولاية مكة؟ قال: بل ولاية مكة. فولاه إياها. وقدم الحطيئة المدينة فوقف إلى عتيبة بن النهاس العجليّ، فقال: أعطني. فقال: مالك عندي حقّ فأعطيكه، وما في مالي فضل عن عيالي فأعود به عليك. فخرج عنه مغضبا، وعرّفه به جلساؤه، فأمر بردّه، ثم قال له: يا هذا، إنك وقفت إلينا فلم تستأنس ولم تسلّم، وكتمتنا نفسك، كأنك الحطيئة؟ قال: هو ذلك. قال: اجلس فلك عندنا كلّ ما تحب، فجلس فقال له: من أشعر الناس؟ قال الذي يقول:

стр. 242

ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتّق الشّتم يشتم «١» يعني زهيرا. قال: ثم من؟ قال: الذي يقول: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب يعني عبيدا. قال: ثم من؟ قال: أنا ... فقال لوكيله: خذ بيد هذا فامض به إلى السوق، فلا يشيرون إلى شيء إلا اشتريته له. فمضى معه إلى السوق، فعرض عليه الخزّ والقز، فلم يلتفت إلى شيء منه. وأشار إلى الأكسية والكرابيس الغلاظ والأقبية، فاشترى له منها حاجته؛ ثم قال: أمسك. قال: فإنه قد أمرني أن أبسط يدي بالنفقة. قال: لا حاجة لي أن يكون له على قومي يد أعظم من هذه. ثم أنشأ يقول: سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيّان لا ذمّ عليك ولا حمد وأنت امرؤ لا الجود منك سجيّة ... فتعطي وقد يعدي على النائل الوجد «٢» من مدح أميرا فخيبه قال سعيد بن سلم: مدحني أعرابيّ فأبلغ، فقال: ألا قل لساري الّليل لا تخش ضلّة ... سعيد بن سلم نور كلّ بلاد لنا سيّد أربى على كلّ سيد ... جواد حثا في وجه كل جواد قال: فتأخّرت عنه قليلا، فهجاني فأبلغ، فقال: لكلّ أخي مدح ثواب علمته ... وليس لمدح الباهلّي ثواب مدحت سعيدا والمديح مهزّة «٣» ... فكان كصفوان عليه تراب ومدح الحسن بن رجاء أبا دلف فلم يعطه شيئا؛ فقال:

стр. 243

أبا دلف ما أكذب الناس كلّهم ... سواي فإنّي في مديحك أكذب وقال آخر في مثل هذا المعنى: إنّي مدحتك كاذبا فأثبتني ... لمّا مدحتك ما يثاب الكاذب وقال آخر في مثل هذا المعنى: لئن أخطأت في مدحك ما أخطأت في منعي لقد أحللت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع ومدح حبيب الطائي عيّاش بن لهيعة، وقدم عليه مصر واستسلفه مائتي مثقال، فشاور فيها زوجته، فقالت له: هو شاعر، يمدحك اليوم ويهجوك غدا؛ فاعتلّ عليه واعتذر إليه ولم يقض حاجته، فقال فيه: عيّاش، إنّك للئيم وإنّني ... مذ صرت موضع مطلبي للئيم ثم هجاه حتى مات، وهجاه بعد موته فقال فيه: لا سقيت أطلالك الدّاثرة ... ولا انقضت عثرتك العاثره يا أسد الموت تخلّصته ... من بين فكّي أسد القاصره «١» لابن عبد ربه : ومن قولنا في هذا المعنى- وسألت بعض موالي السلطان إطلاق محبوس فتلكأ فيه، فقلت: حاشا لمثلك أن يفكّ أسيرا ... أو أن يكون من الزّمان مجيرا ليست قوافي الشّعر فيك مدارعا ... سودا وضلّت أوجها وصدورا هلّا عطفت برحمة لما دعت ... ويلا عليك مدائحي وثبورا «٢» لو أنّ لؤمك عاد جودا عشره ... ما كان عندك حاتم مذكورا

стр. 244

ربيعة الرقي ويزيد بن حاتم : قال: ومدح ربيعة الرقي يزيد بن حاتم الأزدي، وهو والي مصر، فاستبطأه ربيعة، فشخص عنه من مصر وقال: أراني ولا كفران لله راجعا ... بخفّي حنين من نوال ابن حاتم «١» فبلغ قوله يزيد بن حاتم، فأرسل في طلبه فردّ إليه. فلما دخل عليه قال له: أنت القائل: أراني ولا كفران لله راجعا قال: نعم. قال: فهل قلت غير هذا؟ قال: لا والله. قال: لترجعن بخفّي حنين مملوءة مالا فأمر بخلع نعليه وملئت له مالا؛ فقال فيه لما عزل عن مصر وولي يزيد بن أسيد السّلمي مكانه: بكى أهل مصر بالدّموع السّواجم ... غداة غدا منها الأغرّ ابن حاتم «٢» وفيها يقول: لشتّان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيدين سليم والأغرّ ابن حاتم فهمّ الفتى الأزديّ إنفاق ماله ... وهمّ الفتى القيسي جمع الدّراهم فلا يحسب التّمتام أنّي هجوته ... ولكنّني فضّلت أهل المكارم «٣» أجواد أهل الجاهلية الذين انتهى إليهم الجود في الجاهلية ثلاثة نفر: حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، وهرم بن سنان المرّي، وكعب بن مامة الإيادي.

стр. 245

شيء عن حاتم : ولكن المضروب به المثل حاتم وحده، وهو القائل لغلامه يسار، وكان إذا اشتدّ البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد نارا في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضلّ الطريق ليلا فيصمد نحوه، فقال في ذلك: أوقد فإنّ الّليل ليل قرّ ... والريح يا موقد ريح صرّ «١» علّ يرى نارك من يمرّ ... إن جلبت ضيفا فأنت حرّ وقالوا: لم يكن حاتم ممسكا شيئا ما عدا فرسه وسلاحه، فإنه كان لا يجود بهما. ومرّ حاتم في سفره على عنزة وفيهم أسير، فاستغاث بحاتم ولم يحضره فكاكه، فاشتراه من العنزيّين وأطلقه وأقام مكانه في القيد حتى أدّى فداءه. وقالت نوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض واغبرّ أفق السماء، وراحت الإبل حدبا حدابير» ، وضنت المراضع على أولادها فما تبضّ «٣» بقطرة، وحلقت «٤» السنة المال وأيقنّا بالهلاك. فو الله إنا لفي ليلة صنّبر «٥» بعيدة ما بين الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعا: عبد الله وعديّ وسفّانة: فقام حاتم إلى الصّبيّين وقمت أنا إلى الصّبية، فو الله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعلّلني بالحديث. فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تهوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد، فقال: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معوّلا إلا عليك يا أبا عديّ، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم: فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة؛ كأنها نعامة حولها رئالها؛ فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخرّ، ثم كشطه عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة فقال لها: شأنك؛ فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يمشي في الحى

стр. 246

يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبّوا أيها القوم، عليكم بالنار. فاجتمعوا والتفع في ثوبه ناحية ينظر إلينا، فلا والله إن ذاق منه مزعة وإنه لأحوج إليه منّا؛ فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلّا عظم وحافر. فأنشأ حاتم يقول: مهلا نوار أقلّي الّلوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي الأنس والخبلا «١» يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إنّ الجواد يرى في ماله سبلا ورئي حاتم يوما يضرب ولده لما رآه يضرب كلبة كانت تدلّ عليه أضيافه وهو يقول: أقول لابني وقد سطت يديه ... بكلبة لا يزال يجلدها «٢» أوصيك خيرا بها فإن لها ... عندي يدا لا أزال أحمدها تدل ضيفي عليّ في غلس اللي ... ل إذا النار نام موقدها ذكرت طيء عند عديّ بن حاتم أن رجلا يعرف بأبي الخيبريّ مر بقبر حاتم فنزل به وجعل ينادي: أبا عدي: أقر أضيافك. قال: فيقال له: مهلا ما تكلم من رمّة بالية؟ فقال: إن طيئا يزعمون أنه لم ينزل به أحد إلا قراه، كالمستهزيء فلما كان في السحر وثب أبو خيبري يصيح: واراحلتاه: فقال له أصحابه: ما شأنك؟ قال: خرج والله حاتم بالسيف حتى عقر ناقتي وأنا أنظر إليها. فتأملوا راحلته فإذا هي لا تنبعث. فقالوا: قد والله أقراك. فنحروها وظلوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه وانطلقوا، فبينما هم في مسيرهم إذ طلع عليهم عديّ ابن حاتم ومعه جمل قد قرنه ببعيره، فقال إن حاتما جاء في النوم فذكر لي قولك وأنه أقراك وأصحابك راحلتك، وقال أبياتا ردّدها عليّ حتى حفظتها، وهي: أبا الخيبريّ وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتّامها فماذا أردت إلى رمّة ... بداوية صخب هامها «٣»

стр. 247

أتبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وأنعامها وإنّا لنطعم أضيافنا ... من الكوم بالسيف نعتامها «١» وأمرني بدفع راحلة عوض راحلتك، فخذها؛ فأخذها. ولحاتم بن عبد الله أيضا: أماويّ قد طال التجنّب والهجر ... وقد عذرتنا في طلابكم العذر أماويّ إنّ المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذّكر أماويّ إمّا مانع فمبيّن ... وإما عطاء لا ينهنهه الزّجر أماويّ إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما حلّ في مالي النّزر «٢» أماويّ ما يغنى الثّراء عن الفتى ... اذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر أماويّ إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لديّ ولا خمر تري أنّ ما أنفقت لم يك ضرّني ... وأنّ يدي مما بخلت به صفر إذا أنا دلاني الذين يلونني ... بمظلمة زلج جوانبها غبر «٣» وراحوا سراعا ينفضون أكفّهم ... يقولون قد أدمى أضافرنا الحفر أماويّ إنّ المال مال بذلته ... فأوّله شكر وآخره ذكر وقد يعلم الأقوام لو أنّ حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر فإنّي وجدّي ربّ واحد أمّه ... أجرت فلا قتل عليه ولا أسر ولا أظلم ابن العمّ إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى بإخوته الدّهر غنينا زمانا بالتّصعلك والغنى ... وكلّا سقاناه بكاسيهما الدهر فما زادنا بأوا على ذي قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحلامنا الفقر «٤» وأما هرم بن سنان فهو صاحب زهير الذي يقول فيه: متى تلاق على علاته هرما ... تلق السّماحة في خلق وفي خلق

стр. 248

وكان سنان أبو هرم سيد غطفان، وماتت أمه وهي حامل به، وقالت: إذا أنا مت فشقّوا بطني فإن سيد غطفان فيه. فلما ماتت شقوا بطنها فاستخرجوا منها سنانا. وفي بني سنان يقول زهير: قوم أبوهم سنان حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأوّلهم أو مجدهم، قعدوا جنّ إذا فزعوا إنس إذا أمنوا ... مرزّءون بهاليل إذا قصدوا «١» محسّدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ماله حسدوا وقال زهير في هرم بن سنان: وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ نوائله «٢» تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطه الذي أنت سائله أخو ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يتلف المال نائله أخذ الحسن بن هانيء هذا المعنى فقال: فتى لا تغول الخمر شحمة ماله ... ولكن أياد عوّدّ وبوادي وقال زهير في هرم بن سنان وأهل بيته: إليك أعملتها فتلا مرافقها ... شهرين يجهض من أرحامها العلق «٣» حتى دفعن إلى حلو شمائله ... كالغيث ينبث في آثاره الورق من أهل بيت يرى ذو العرش فضلهم ... يبنى لهم في جنان الخلد مرتفق المطعمون إذا ما أزمة أزمت ... والطّيّبون ثيابا كلّما عرقوا كأنّ آخرهم في الجود أوّلهم ... إنّ الشّمائل والأخلاق تتّفق إن قامروا قمروا أو فاخروا فخروا ... أو ناضلوا نضلوا أو سابقوا سبقوا «٤»

стр. 249

تنافس الأرض موتاهم إذا دفنوا ... كما تنوفس عند الباعة الورق «١» وقال فيهم أيضا: وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل على مكثريهم حقّ من يعتفيهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل فما كان من خير أتوه فإنّما ... توارثه آباء أبائهم قبل وهل ينبت الخطّيّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلّا في منابتها النخل «٢» وأما كعب بن مامة الإياديّ فلم يأت عنه إلا ما ذكر من إيثاره رفيقه النّمريّ بالماء حتى مات عطشا ونجا النّمريّ، وهذا أكثر من كل ما أثنى لغيره. وله يقول حبيب: يجود بالنّفس إن ضنّ البخيل بها ... والجود بالنّفس أقصى غاية الجود وله ولحاتم الطائي يقول: كعب وحاتم اللذان تقسّما ... خطط العلا من طارف وتليد هذا الذي خلف السحاب ومات ذا ... في الجدّ ميتة خضرم صنديد «٣» إلّا يكن فيها الشّهيد فقومه ... لا يسمحون به بألف شهيد أجواد أهل الإسلام وأما أجواد أهل الإسلام فأحد عشر رجلا في عصر واحد، لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم. فأجواد الحجاز ثلاثة في عصر واحد: عبيد الله بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص. وأجواد البصرة خمسة في عصر واحد وهم: عبد الله بن عامر بن كريز، وعبيد الله

стр. 250

ابن أبي بكرة مولى رسول الله ﷺ ، ومسلم بن زياد، وعبيد الله بن معمر القرشي ثم التيمي. وطلحة الطلحات، وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وله يقول الشاعر يرثيه، ومات بسجستان وهو وال عليها. نضّر الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطّلحات وأجواد أهل الكوفة ثلاثة في عصر واحد، وهم: عتّاب بن ورقاء الرّياحي وأسماء ابن خارجة الفزاريّ. وعكرمة بن ربعي الفيّاض. فمن جود عبيد الله بن عباس أنه أول من فطّر جيرانه. وأول من وضع الموائد على الطرق، وأول من حيّا على طعامه، وأول من أنهبه، وفيه يقول شاعر المدينة: وفي السّنة الشهباء أطعمت حامضا ... وحلوا ولحما تامكا وممزّعا «١» وأنت ربيع لليتامى وعصمة ... إذا المحل من جوّ السّماء تطلّعا أبوك أبو الفضل الذي كان رحمة ... وغوثا ونورا للخلائق أجمعا ومن جوده أنه أتاه رجل وهو بفناء داره فقام بين يديه فقال: يا بن عباس إن لي عندك يدا وقد احتجت إليها. فصعّد فيه بصره وصوبّه «٢» ، فلم يعرفه، ثم قال له: ما يدك عندنا؟ قال: رأيتك واقفا بزمزم وغلامك يمتج «٣» لك من مائها والشمس قد صهرتك، فظلّلتك بطرف كسائي حتى شربت. قال: إني لأذكر ذلك وإنه يتردّد بين خاطري وفكري. ثم قال لقيّمه: ما عندك؟ قال: مائتا دينار وعشرة آلاف درهم. قال: ادفعها إليه وما أراها تفي بحق يده عندنا. فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيه ما كفاه، فكيف وقد ولد سيد الأولين والآخرين محمدا ﷺ ، ثم شفع بك وبأبيك.
следующие страницы →