Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
حاجتي في أبيني مالك، وأخبرهم أن العوسج «١» قد أورق، وأن النساء قد تشكت «٢» ، وليعصوا همام بن بشامة، فإنه مشئوم محدود «٣» ، ويطيعوا هذيل بن الأخنس، فإنه حازم ميمون.
فأتاهم الرسول فأبلغهم، فقال بنو عمرو بن تميم: ما نعرف هذا الكلام، ولقد جنّ الأعور بعدنا، فوالله ما نعرف له ناقة عيساء، ولا جملا أحمر! فشخص الرسول، ثم ناداهم هذيل: يا بني العنبر، قد بين لكم صاحبكم، أما الرمل الذي قبض عليه، فإنه يخبركم أنه أتاكم عدد لا يحصى وأما الشمس التي أومأ إليها، فإنه يقول إن ذلك أوضح من الشمس وأما جمله الأحمر، فإنه هو الصمّان «٤» ، يأمركم أن تعروه «٥» ، وأما ناقته العيساء، فهي الدهناء «٦» ، يأمركم أن تنذروا بني مالك بن مالك ابن زيد مناة ما حذّركم، وأن تمسكوا الحلف بينكم وبينهم، وأما العوسج الذي أورق، فيخبركم أن القوم قد لبسوا السلاح، وأما تشكّي النساء، فيخبركم بأنهنّ قد عملن شكاء «٧» يغزون به. قال: وقوله «بآية ما أكلت معكم حيسا» يريد أخلاطا من الناس قد غزوكم.
قال: فتحرزت عمرو فركبت الدهناء، وأنذروا بني مالك، فقالوا: لسنا ندري ما يقول بنو عمرو، ولسنا متحولين لما قال صاحبكم. قال: فصبّحت اللهازم بني حنظلة، فوجدوا عمرا قد خلت، وإنما أرادوهم على الوقيط، وعلى الجيش أبجر بن جابر العجلي، وشهدها ناس من تيم اللات، وشهدها الغزر بن الأسود بن شريد من بني سنان، فاقتتلوا، فأسر ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وتنازع في أسره
стр. 1857
بشر بن السوراء من تيم اللات، والغزر بن الأسود فجزا ناصيته «١» وخلّا سربه «٢» من تحت الليل، وأسر عمرو بن قيس من بني ربيعة بن عجل، وأسر عثجل بن شيبان بن علقمة من بني زرارة، ومنّ عليه، وأسرت غمامة بنت طوق بن عبيد بن زرارة، واشترك في أسرها الحطيم بن خلال، وظربان بن زياد، وقيس بن خالد، وردّوها إلى أهلها، وعيّر جرير بن الخطفي بني دارم بأسر ضرار وعثجلي وبني غمامة، فقال:
أغمام لو شهد الوقيط فوارسي ... ما فيه يقتل عنجل وضرار
فأسر حنظلة المأمون بن شيبان بن علقمة، أسره طيسلة بن زياد أحد بني ربيعة، وأسر جويرية بن بدر من بني عبد الله بن دارم، فلم يزل في الوثاق حتى قال أبياتا يمدح فيها بني عجل، وأنشأ يتغنى بها رافعا عقيرته «٣» :
وقائلة ما غاله أن يزورها ... وقد كنت عن تلك الزّيارة في شغل
وقد أدركتني والحوادث جمة ... مخالب قوم لا ضعاف لا عزل
سراع إلى الداعي، بطاء عن الخنا ... رزان لدى الناديّ من غير ما جهل «٤»
لعلهم أن يمطروني بنعمة ... كما طاب ماء المزن في البلد المحل «٥»
فقد ينعش الله الفتى بعد عسرة ... وقد يتبدي الحسنى سراة بني عجل
فلما سمعوه أطلقوه، وأسر نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وعمرو ابن ناشب، وأسر سنان بن عمرو أخو بني سلامة بن كندة من بني دارم، وأسر حاضر بن ضمرة، وأسر الهيثم بن صعصعة، وهرب عوف بن القعقاع عن إخوته، وقتل حكيم النهشلي، وذلك أنه لم يزل يقاتل وهو يرتجز ويقول:
كلّ امرىء مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
стр. 1858
وفيه يقول عنترة الفوارس:
وغادرنا حكيما في مجال ... صريعا قد سلبناه الإزارا
يوم النباج وثيتل «١» : لتميم على بكر
الخشني قال: أخبرنا أبو غسان العبدي- واسمه رفيع- عن أبي عبيدة معمر بن المثني، قال: غدا قيس بن قاسم في مقاعس وهو رئيس عليها- ومقاعس هو صريم، وربيع، وعبيد، بنو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم- ومعه سلامة بن ظرب بن نمر الحماني في الأحازب وهم حمان، وربيعة، ومالك، والأعرج- بنو كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم فغزوا بكر بن وائل فوجدوا بني ذهل بن ثعلبة بن عكابة، واللهازم، وهم: بنو قيس وتميم اللات بن ثعلبة، وعجل بن لجيم، وعنزة بن أسد بن ربيعة- بالنباج وثيتل، وبينهما روحة، فتنازع قيس بن عاصم وسلامة بن ظرب في الإغارة، ثم اتفقا على أن يغير قيس على أهل النّباج، ويغير سلامة على أهل الثيتل. قال. فبعث قيس بن عاصم سنان بن سميّ الأهتم شيّفة له- والشّيفة الطليعة- فأتاه الخبر، فلما أصبح قيس سقى خيله ثم أطلق أفواه الرّوايا، وقال قومه: قاتلوا، فإن الموت بين أيديكم، والفلاة من ورائكم! فلما دنوا من القوم صبحا سمعوا ساقيا من بكر يقول لصاحبه: يا قيس أورد فتفاءلوا به، فأغاروا على النباج قبل الصبح، فقاتلوهم قتالا شديد، ثم إن بكرا انهزمت، فأسر الأهتم حمران بن بشر بن عمرو بن مرثد، وأصابوا غنائم كثيرة، فقال قيس لأصحابه: لا مقام دون الثيتل، فالنجاة. فأتوا ثيتل ولم يغز سلامة ولا أصحابه بعد، فأغار عليهم قيس بن عاصم، فقاتلوه ثم انهزموا، فأصاب إبلا كثيرة، فقال سلامة: إنكم أغرتم على ما كان أمره إليّ! فتلاحوا «٢» في ذلك، ثم اتفقوا على أن سلموا إليه غنائم ثيتل، ففي ذلك يقول ربيعة بن ظريف:
стр. 1859
فلا يبعدنك الله قيس بن عاصم ... فأنت لنا عز عزيز وموئل
وأنت الذي خوّيت بكر بن وائل ... وقد عضّلت منها النباج وثيتل «١»
غداة دعت يا آل شيبان إذ رأت ... كراديس يهديهنّ ورد محجّل «٢»
وظلت عقاب الموت تهفوا عليهم ... وشعث النواصي لحمهنّ تصلصل «٣»
فما منكم أبناء بكر بن وائل ... لغارتنا إلا ركوب مذلل
وقال جرير يصف ما كان من إطلاق قيس بن عاصم أفواه المزاد «٤» بقوله:
وفي يوم الكلاب ويوم قيس ... هراق على مسلّحة المزادا «٥»
وقال قرة بن قيس بن عاصم:
أنا ابن الذي شقّ المزاد وقد رأى ... بثيتل أحياء اللهازم حصّرا
وصبّحهم بالجيش قيس بن عاصم ... ولم يجدوا إلا الأسنّة مصدرا
على الجرد يعلكن الشكيم عوابسا ... إذا الماء من أعطافهنّ تحدّرا «٦»
فلم يرها الراءون إلا فجاءة ... يثرن عجاجا بالسنابك أكدرا «٧»
سقاهم بها الذيفان قيس بن عاصم ... وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا «٨»
وحمران أدّته إلينا رماحنا ... ينازع غلّا من ذراعيه أسمرا «٩»
وجشامة الذهليّ قدناه عنوة ... إلى الحي مصفود اليدين مفكّرا «١٠»
стр. 1860
يوم زرود: لبني يربوع على بني تغلب
أغار خزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع وهم بزرود، فنذروا به «١» ، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزمت بنو تغلب وأسر خزيمة بن طارق، أسره أنيف بن جبلة الضبي- وهو فارس الشّيط «٢» ، وكان يومئذ معتلا في بني يربوع وأسيد بن حناءة السليطي، فتنازعا فيه، فحكما بينهما الحرث بن قراد- وأمّ الحارث امرأة من بني سعد بن ضبة- فحكم بناصية خزيمة للأنيف بن جبلة، على أن لأسيد على أنيف مائة من الإبل. قال: ففدى خزيمة نفسه بمائتي بعير وفرس. قال أنيف:
أخذتك قسرا يا خزيم بن طارق ... ولا قيت مني الموت يوم زرود
وعانقته والخيل تدمى نحورها ... فأنزلته بالقاع غير حميد
أيام يربوع على بكر
وهذه أيام كلها لبني يربوع على بني بكر: من ذلك يوم ذي طلوح «٣» ، وهو يوم أود، ويوم الحائر، ويوم ملهم، ويوم القحقح، وهو يوم مالّة ويوم رأس عين، ويوم طخفة، ويوم الغبيط، ويوم مخطّط، ويوم جدود، ويوم الجبايات ويوم زرود الثاني.
يوم ذي طلوح: لبني يربوع على بكر
كان عميرة بن طارق بن حصينة بن أريم بن عبيد بن ثعلبة، تزوج مريّة بنت جابر، أخت أبجر بن جابر العجلي، فخرج حتى ابتنى بها في بني عجل، فأتى أبجر أخته مزنة امرأة عميرة يزورها فقال لها: إني لأرجو أن آتيك ببنت النطف امرأة عميرة التي في قومها! فقال له عميرة: أترضى أن تحاربني وتسبيني؟ فندم أبجر وقال لعميرة: ما كنت لأغزو قومك! ثم غزا أبجر والحوفزان متساندين، هذا فيمن تبعه
стр. 1861
من بني شيبان، وهذا فيمن تبعه من بني اللهازم، وساروا بعميرة معهم قد وكل به أبجر أخاه حرفصة بن جابر، فقال له عميرة: لو رجعت إلى أهلي فاحتملتهم! فقال حرفصة: افعل. فكر عميرة على ناقته، ثم نكل «١» عن الجيش، فسار يومين وليلة حتى أتى بني يربوع، وأنذرهم الجيش، فاجتمعوا حتى التقوا بأسفل ذي طلوح، فأوّل ما كان فارس طلع عليهم عميرة، فنادى: يا أبجر هلمّ! فقال: من أنت؟ قال:
أنا عميرة! فكذبه، فسفر عن وجهه، فعرفه، فأقبل إليه، والتقت الخيل بالخيل، فأسر الجيش إلّا أقلهم.
وأسر حنظلة بن بشر بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم- وكان في بني يربوع- الحوفزان بن شريك، وأخذه معه مكبلا، وأخذ ابن طارق سوادة بن يزيد بن بجير بن عم أبجر، وأخذ ابن عنمة الضبي الشاعر، وكان مع بني شيبان، فافتكه متمّم بن نويرة، فقال ابن عنمة يمدح متمم بن نويرة:
جزى الله ربّ الناس عني متمّما ... بخير جزاء، ما أعف وأمجدا
أجيرت به آباؤنا وبناتنا ... وشارك في إطلاقنا وتفرّدا
أبا نهشل إني لكم غير كافر ... ولا جاعل من دونك المال مرصدا
وأسر سويد بن الحوفزان، وأسر سويد وفلحس، وهما من بني سعد بن همام فقال جرير في ذلك يذكر ذي طلوح:
ولمّا لقينا خيل أبجر يدعي ... بدعوى لجيم غير ميل العواتق
صبرنا وكان الصبر منّا سجيّة ... بأسيافنا تحت الظّلال الخوافق
فلما رأوا لا هوادة عندنا ... دعوا بعد كرب يا عمير بن طارق
يوم الحائر: وهو يوم ملهم «٢» . لبني يربوع على بكر
وذلك أن أبا مليل عبد الله بن الحارث بن عاصم بن حميد، وعلقمة أخاه، انطلقا
стр. 1862
يطلبان إبلا لهما، حتى وردا ملهم من أرض اليمامة، فخرج عليهما نفر من بني يشكر، فقتلوا علقمة وأخذوا أبا مليل، فكان عندهم ما شاء الله، ثم خلّوا سبيله، وأخذوا عليه عهدا وميثاقا أن لا يخبر بأمر اخيه أحدا، فأتى قومه، فسألوه عن أمر أخيه، فلم يخبرهم، فقال وبرة بن حمزة: هذا رجل قد أخذ عليه عهد وميثاق! فخرجوا يقصّون أثره، ورئيسهم شهاب بن عبد القيس، حتى وردوا ملهم، فلما رآهم اهل ملهم تحصنوا، فخرقت بني يربوع بعض زرعهم وقتل عمرو بن صابر صبرا «١» ، ضربوا عنقه، وقتل عيينة بن الحارث بن شهب بن مثلّم بن عبيد بن عمرو، رجلا آخر منهم، وقتل مالك بن نويرة حمران بن عبد الله، وقال:
طلبنا بيوم مثل يومك علقما ... لعمري لمن يسعى بها كان أكرما
قتلنا بجنب العرض عمرو بن صابر ... وحمران أقصدناهما والمثلما «٢»
فلله عينا من رأى مثل خيلنا ... وما أدركت من خيلهم يوم ملهما
يوم القحقح: وهو يوم مالة. لبني يربوع على بني بكر
أغارت بنو أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان على بني يربوع، ورئيسهم مجبه بن ربيعة ابن ذهل، فأخذوا إبلا لعاصم بن قرط أحد بني عبيد، وانطلقوا: فطلبهم بنو يربوع، فناوشوهم، فكانت الدائرة على بني ربيعة، وقتل المنهال بن عصمة المجبه بن ربيعة، فقال في ذلك نمران الرياحي:
وإذا لقيت القوم فاطعن فيهم ... يوم اللّقاء كطعنة المنهال
ترك المجبّه للضّياع منكّسا ... وللقوم بين سوافل وعوال «٣»
يوم رأس العين: لبني يربوع على بكر
أغارت طوائف من بني يربوع على بني أبي ربيعة برأس العين، فاطّردوا النعم
стр. 1863
فاتبعهم معاوية بن فراس في بني أبي ربيعة، فأدركوهم، فقتل معاوية بن فراس وفاتوا «١» بالإبل، وقال سحيم في ذلك:
أليس الأكرمون بنو رياح ... نموني منهم عمي وخالي
هم قتلوا المجبّه وابن تيم ... تنوح عليهما سود اللّيالي
وهم قتلوا عميد بني فراس ... برأس العين في الحجج الخوالي «٢»
وذادوا يوم طخفة عن حماهم ... ذياد غرائب الإبل النّهال «٣»
يوم العظالى «٤» : لبني يربوع على بكر
قال أبو عبيدة: وهو يوم أعشاش «٥» ، ويوم الأفاقة «٦» ، ويوم الإياد، ويوم مليحة «٧» .
قال وكانت بكر بن وائل تحت يد كسرى وفارس، وكانوا يجيرونهم ويجهزونهم، فأقبلوا من عند عامل عين التمر «٨» في ثلاثمائة فارس متساندين، يتوقعون انحدار بني يربوع في الحزن- وكانوا يشتون «٩» خفافا «١٠» ، فإذا انقطع الشتاء انحدروا إلى الحزن- قال: فاحتمل بنو عتيبة، وبنو عبيد، وبنو زبيد من بني سليط، من أول الحي، حتى استهلوا ببطن مليحة، فطلعت بنو زبيد في الحزن حتى حلّوا الحديقة «١١» والأفاقة، وحلت بنو عتيبة وبنو عبيد بعين بروضة الثّمد «١٢» .
стр. 1864
قال: وأقبل الجيش حتى نزلوا خضبة الخصيّ، ثم بعثوا رئيسهم، فصادفوا غلاما شابا من بني عبيدة يقال له قرط بن أهبط، فعرفه بسطام- وقد كان عرفه عامة غلمان بني ثعلبة حين أسره عتيبة، قال: وقال سليط: بل هو المطوّح بن قرواش- فقال له بسطام: أخبرني، ماذاك السواد الذي بالحديقة؟ قال: هم بنو زبيد، قال:
أفيهم أسيد بن حنّاءة؟ قال: نعم. قال: كم هم؟ قال: خمسون بيتا. قال: فأين بنو عتيبة؟ وأين بنو أزنم؟ قال: نزلوا روضة الثمد. قال: فأين سائر الناس؟ قال: هم محتجزون بخفاف. قال: فمن هناك من بني عاصم؟ قال الاحيمر، وقعنب ومعدان، ابنا عصمة. قال: فمن فيهم من بني الحارث بن عاصم؟ قال: حصين بن عبد الله.
فقال بسطام لقومه: أطيعوني تقبضوا على هذا الحي من زبيد وتصبحوا سالمين غانمين. قالوا: وما يغني عنا بنو زبيد لا يودون رحلتنا. قال: إن السلامة إحدى الغنيمتين. فقال له مفروق: انتفخ تتحول يا أبا الصهباء. وقال له هانىء: أحينا! فقال لهم: ويلكم! إن أسيدا لم يظلّه بيت قط شاتيا ولا قائظا، إنما بيته القفر، فإذا أحس بكم أجال على الشقراء فركض حتى يشرف على مليحة، فينادي: يا آل يربوع! فتركب، فليقاكم طعن ينسيكم الغنيمة، ولا يبصر احدكم مصرع صاحبه، وقد جئتموني وأنا أتابعكم، وقد أخبرتكم ما أنتم لا قون غدا! فقالوا:
نلتقط بني زبيد، ثم نلتقط بني عبيدة وبني عتيبة، كما نلتقط الكمأة «١» ، ونبعث فارسين فيكونان بطريق أسيد، فيحولان بينه وبين يربوع. ففعلوا، فلما أحس بهم أسيد ركب الشقراء، ثم خرج نحو بني يربوع، فابتدره الفارسان، فطعن أحدهما فألقى نفسه في شق فأخطأه. ثم كرّر راجعا حتى أشرف على مليحة، فنادى: يا صباحاه! يا آل يربوع! غشيتم! فتلاحقت الخيل حتى توافوا بالغطفان، فاقتتلوا، فكانت الدائرة على بني بكر، قتل منهم: مفروق بن عمرو، فدفن بثينة «٢» يقال لها ثينة مفروق، والمقاعس الشيباني، وزهير بن الحزور الشيباني، وعمرو بن الحزور الشيباني،
стр. 1865
والهيش بن المقعاس، وعمير بن الودّاك، والضريس، وأما بسطام فألح عليه فارسان من بني يربوع، وكان دارعا «١» على ذات النّسوع «٢» ، وكانت إذا أجدّت «٣» لم يتعلق بها شيء من خيلهم، وإذا أوعثت «٤» كادوا يلحقونها، فلما رأى ثقل درعه وضعها بين يديه على القربوس «٥» ، وكره أن يرمي بها، وخاف أن يلحق في الوعث. فلم يزل ديدنه وديدن طالبيه، حتى حميت الشمس وخاف اللحاق، فمر بوجار «٦» ضبع، فرمى الدرع فيه. فمد بعضها بعضا حتى غابت في الوجار. فلما خففت عن الفرس نشطت ففاتت الطلب وكان آخر من أتى قومه، وقد كان رجع إلى درعه لما رجع عنه القوم فأخذها. فقال العوام في بسطام وأصحابه:
وإن يك في يوم الغبيط ملامة ... فيوم العظالى كان أخزى وألوما
أناخوا يريدون الصباح فصبحّوا ... وكانوا على الغازين غدوة أشأما
فررتم ولم تلووا على مجحريكم ... لو الحارث الحرّاب يدعى لأقدما «٧»
ولو أنّ بسطاما أطيع لأمره ... لأدّى إلى الأحياء بالحنو مغنما
ففرّ أبو الصهباء إذ حمى الوغى ... وألقى بأبدان السلاح وسلّما
وأيقن أن الخيل إن تلتبس به ... يعد غانما أو يملإ البيت مأتما
ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما «٨»
أبى لك قيد بالغبيط لقاءهم ... ويوم العظالى إن فخرت مكلّما
فأفلت بسطام حريصا بنفسه ... وغادر في كرشاء لدنا مقوما «٩»
стр. 1866
وقاظ أسيرا هانىء وكأنما ... مفارق مفروق تغشّين عندما «١»
قال: ثم إنّ خانئا فدى نفسه وأسرى قومه، فقال العوام في ذلك:
إنّ الفتى هانئا لاقى بشكّته ... ولم يجم عن قتال القوم إذ نزلا «٢»
ثمّت سارع في الأسرى ففكّهم ... حامى الذّمار حقيق بالذي فعلا
يوم الغبيط «٣» لبني يربوع على بني بكر
قال أبو عبيدة: يقال لهذا اليوم: يوم الغبيط، ويوم الثعالب- والثعالب أسماء قبائل اجتمعت فيه- ويقال له: يوم صحراء فلج.
وقال أبو عبيدة: حدّثني سليط بن سعد، زبّان الصّبيريّ، وجهم بن حسان السّليطي، قالوا: غزا بسطام بن قيس، ومفروق بن عمرو، والحارث بن شريك- وهو الحوفزان- بلاد بني تميم- وهذا اليوم قبل يوم العظالي- فأغاروا على بني ثعلبة بن يربوع، وثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن عدي بن فزارة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، فذلك قيل له يوم الثعالب، وكان هؤلاء جميعا متجاورين بصحراء فلج فاقتتلوا، فانهزمت الثعالب فأصابوا فيهم واستاقوا إبلا من نعمهم، ولم يشهد عتيبة ابن الحارث بن شهاب هذه الوقعة، لأنه كان نازلا يومئذ في بني مالك بن حنظلة، ثم امترّوا «٤» على بني مالك، وهم بين صحراء فلج وبين الغبيط، فاكتسحوا إبلهم، فركبت عليهم بنو مالك، فيهم عتيبة بن الحارث بن شهاب، ومعه فرسان من بني يربوع يأثفهم- أي صار معهم مثل الأثافي «٥» المرماد- وتألّف إليهم الأحيمر بن عبد الله، والأسيد بن حنّاءة، وأبو مرحب، وجرو بن سعد الرياحي وهو رئيس بني
стр. 1867
يربوع- وربيع، والخليس، وعمارة، وبنو عتيبة بن الحارث، ومعدان وعصمة ابنا قعنب، ومالك بن نويرة، والمنهال بن عصمة أحد بني رياح بن يربوع، وهو الذي يقول فيه متّمم بن نويرة في شعره الذي يرثي فيه مالكا أخاه:
لقد غيّب المنهال تحت لوائه ... فتى غير مبطان العشية أروعا «١»
فأدركهم بغبيط المدرة «٢» ، فقاتلوهم حتى هزموهم، وأدركوا ما كانوا استاقوا من أموالهم، وألح عتيبة والأسيد والأحيمر على بسطام، فلحقه عتيبة فقال: استأسر لي يا أبا الصهباء! فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عتيبة، وأنا خير لك من الفلاة والعطش! فأسره عتيبة. ونادى القوم بجادا أخا بسطام: كرّ على أخيك! وهم يرجون أن يأسروه، فناداه بسطام: إن كررت فأنا حنيف «٣» . وكان بسطام نصرانيا، فلحق نجاد بقومه، فلم يزل بسطام عند عتيبة حتى فادى نفسه.
قال أبو عبيدة: فزعم أبو عمرو بن العلاء أنه فدى نفسه بأربعمائة بعير وثلاثين فرسا، ولم يكن عربي عكاظي أعلى فداء منه، على أن جز ناصيته وعاهده أن لا يغزو بني شهاب أبدا، فقال عتيبة بن الحارث بن شهاب:
أبلغ سراة بني شيبان مألكة ... أني أبأت بعبد الله بسطاما «٤»
قاظ الشربّة في قيد وسلسلة ... صوت الحديد يغنّيه إذا قاما «٥»
يوم مخطط: لبني يربوع على بكر
قال أبو عبيدة: غزا بسطام بن قيس والحوفزان الحرث متساندين يقودان بكر بن وائل، حتى وردوا على بني يربوع بالفردوس، وهو بطن لإياد، وبينه وبين مخطط
стр. 1868
ليلة، وقد نذرت بهم بنو يربوع فالتقوا بالمخطط، فاقتتلوا، فانهزمت بكر بن وائل، وهرب الحوفزان وبسطام ففاتا ركضا، وقتل شريك بن الحوفزان، قتله شهاب بن الحارث أخو عتيبة، وأسر الأحيمر بن عبد الله بن الضريس الشيباني، فقال في ذلك مالك بن نويرة ولم يشهد هذا اليوم:
إلّا أكن لاقيت يوم مخطّط ... فقد خبّر الرّكبان ما أتودّد
بأفناء حيّ من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
فقال الرئيس الحوفزان تبيّنوا ... بني الحصن قد شارفتم ثم حرّدوا «١»
فما فتئوا حتى رأونا كأننا ... مع الصبح اذيّ من البحر مزبد «٢»
بملمومة شهباء يبرق خالها ... ترى الشمس فيها حين دارت توقد «٣»
فما برحوا حتى علتهم كتائب ... إذا طعنت فرسانها لا تعرد «٤»
فأقررت عيني يوم ظلّوا كأنهم ... ببطن غبيط خشب أثل مسنّد «٥»
صريع عليه الطير يحجل فوقه ... وآخر مكبول اليدين مقيّد «٦»
وكان لهم في أهلهم ونسائهم ... مبيت ولم يدروا بما يحدث الغد
وقد كان لابن الحوفزان لو انتهى ... شريك وبسطام عن الشرّ مقعد
يوم جدود «٧»
غزا الحوفزان، وهو الحارث بن شريك، فأغار على من بالقاعة «٨» من بني سعد
стр. 1869
ابن زيد مناة، فأخذ نعما كثيرا، وسبى فيهنّ الزرقاء من بني ربيع بن الحارث، فأعجب بها وأعجبت به، وكانت خرقاء، فلم يتمالك أن وقع بها، فلما انتهى إلى جدود، منعتهم بنو يربوع بن حنظلة أن يردوا الماء، ورئيسهم عتيبة بن الحارث بن شهاب، فقاتلوهم، فلم يكن لبني بكر بهم يد، فصالحوهم على أن يعطوا بني يربوع بعض غنائهم، على أن يخلّوهم [أن] يردوا الماء، فقبلوا ذلك وأجازوهم، فبلغ ذلك بني سعد، فقال قيس بن عاصم في ذلك:
جزى الله يربوعا بأسوأ سعيها ... إذا ذكرت في النائبات أمورها
ويوم جدود قد فضحتم أباكم ... وسالمتم والخيل تدمى نحورها
فأجابه مالك:
سأسأل من لاقى فوارس منقذ ... رقاب إماء كيف كان نكيرها «١»
ولما أتى الصريخ بني سعد، ركب قيس بن عاصم في أثر القوم حتى أدركهم بالأشيمين، فألح قيس على الحوفزان وقد حمل الزرقاء، وكان الحوفزان قد خرج في طليعة، فلقيه قيس بن عاصم فسأله من هو، فقال: لا تكاتم اليوم، أنا الحوفزان، فمن أنت؟ قال: أنا أبو علي. ومضى، ورجع الحوفزان إلى أصحابه، فقال: لقيت رجلا أزرق كأنّ لحيته ضريبة «٢» صوف فقال: أنا أبو علي. فقالت عجوز من السبي: بأبي أبو علي! ومن لنا بأبي علي؟ فقال لها: ومن أبو علي؟ قالت: قيس بن عاصم! فقال لأصحابه: النجاء! وأردف الزرقاء خلفه وهو على فرسه الزّبد، وعقد شعرها إلى صدره ونجا بها. وكانت فرس قيس إذا أوعثت «٣» قصّرت وتمطر عليها الزّبد، فلما أجدّت «٤» لحقت بحيث يكلم الحوفزان، فقال قيس له: يا أبا حمار، أنا خير لك من الفلاة والعطش! قال له الحوفزان: ما شاء الزبد. فلما رأى قيس أن فرسه لا يلحقه، نادى الزرقاء فقال: ميلي به يا جعار! فلما سمعه الحوفزان، دفعها
стр. 1870
بمرفقه وجزّ قرونها بسيفه، فألقاها عن عجز فرسه، وخاف قيس أن لا يلحقه فنجله «١» بالرمح في خرابة وركه «٢» ، فلم يقصده وعرج منها وردّ قيس الزرقاء إلى بني الربيع، فقال سوّار بن حيّان المنقري:
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... تمجّ نجيعا من دم الجوف أشكلا «٣»
يوم سفوان «٤»
قال أبو عبيدة: التقت بنو مازن وبنو شيبان على ماء يقال له سفوان فزعمت بنو شيبان أنه لهم، وأرادوا أن يجلوا تميما عنه، فاقتتلوا قتالا شديدا، فظهرت عليهم بنو تميم، وذادوهم حتى وردوا المحدّث «٥» ، وكانوا يتوعّدون بني مازن قبل ذلك، فقال في ذلك وذاك المازني:
رويدا بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على سفوان
تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا الخيل جالت في القنا المتداني
عليها الكماة الغرّ من آل مازن ... ليوث طعان كلّ يوم طعان «٦»
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدّثان
مقاديم وصّالون في الروع خطوهم ... بكلّ رقيق الشّفرتين يمان «٧»
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة حرب أم لإيّ مكان
يوم السلي
قال أبو عبيدة: كان من حديث يوم السلي أن بني مازن أغارت على بني يشكر
стр. 1871
فأصابوا منهم، وشدّ زاهر بن عبد الله بن مالك على تميم بن ثعلبة اليشكري فقتله، فقال في ذلك:
لله تيم أيّ رمح طراد ... لاقى الحمام وأي نصل جلاد «١»
ومحش حرب مقدم متعرّض ... للموت غير معرّد حيّاد «٢»
وقال حاجب بن ذبيان المازني:
سلى يشكرا عني وأبناء وائل ... لهازمها طراّ وجمع الأراقم
ألم تعلمي أنّا إذا الحرب شمرت ... سمام على أعدائنا في الحلاقم
عتاة قراة في الشّتاء مساعر ... حماة كماة كالليوث الضراغم «٣»
بأيديهم سمر من الخطّ لدنة ... وبيض تجلى عن فراخ الجماجم «٤»
أولئك قوم إن فخرت بعزّهم ... فخرت بعزّ في اللهى والغلاصم «٥»
هم أنزلوا يوم السليّ عزيزها ... بسمر العوالي والسّيوف الصّوارم
يوم نقا «٦» الحسن: وهو يوم السقيفة لبني ضبة على شيبان
قال أبو عبيدة: غزا بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد- وقيس بن مسعود هو ذو الجدّين وأخوه، السليل بن قيس بن ضبة بن أد بن طابخة- فأغار على ألف بعير لمالك بن المنتفق فيها فحلها قد فقأ عينه، وفي الإبل مالك بن المنتفق، فركب فرسا له ونجا ركضا، حتى إذا دنا من قومه نادى: يا صباحاه! فركبت بنو ضبة، وتداعت بنو تميم، فتلاحقوا بالنقا، فقال عاصم بن خليفة لرجل من فرسان
стр. 1872
قومه أيّهم رئيس القوم؟ قال: حاميتهم صاحب الفرس الأدهم يعني بسطاما، فعلا عاصم عليه بالرمح فعارضه، حتى إذا كان بحذائه رمى بالقوس وجمع يديه في رمحه فطعنه، فلم تخطيء صماخ أذنه، حتى خرج الرمح من الناحية الأخرى، وخرّ على الألاءة- والألاءة شجرة- فلما رأى ذلك بنو شيبان خلّوا سبيل النعم وولوا الأدبار، فمن قتيل وأسير، وأسر بنو ثعلبة بجاد بن قيس بن مسعود أخا بسطام في سبعين من بني شيبان، فقال ابن غنمة الضبي، وهو مجاوز يومئذ في بني شيبان يرثي بسطاما وخاف أن يقتلوه، فقال:
لأمّ الأرض ويل ما أجنّت ... بحيث أضرّ بالحسن السبيل «١»
نقسم ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل «٢»
كأنك لم تريه ولم تريه ... تخبّ به عذا فرة ذمول «٣»
حقيبة رحّلها بدن وسرج ... تعارضها مربّبة دءول «٤»
إلى مسعاد أرعن مكفهر ... تضمّر في جوانبه الخيول «٥»
لك المرباع منها والصّفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول «٦»
لقد ضمنت بنو زيد بن عمرو ... ولا يوفي ببسطام قتيل
فخرّ على الألاءة لم يوسّد ... كأنّ جبينه سيف صقيل «٧»
فإن تجزع عليه بنو أبيه ... فقد فجعوا وحلّ بهم جليل
بمطعام إذا الأشوال راحت ... إلى الحجرات ليس لها فصيل «٨»
стр. 1873
وقال شمعلة بن الأخضر بن هبيرة:
ويوم شقائق الحسنين لاقت ... بنو شيبان آجالا قصارا «١»
شككنا بالرماح وهنّ زور ... صماخي كبشهم حتى استدارا «٢»
وأوخذناه أسمر ذا كعوب ... يشبّه طوله مسدا مغارا «٣»
وقال محرز بن المكعبر الضبي:
أطلقت من شيبان سبعين راكبا ... فآبوا جميعا كلهم ليس بشكر «٤»
إذا كنت في أفنان شيبان منعما ... فجزّ اللحى إنّ النواصي تكفر «٥»
فلا شكرهم أبغي إذا كنت منعما ... ولا ودّهم في آخر الدهر أضمر
أيام بكر على تميم
يوم الزّويرين
قال أبو عبيدة: كانت بكر بن وائل تنتجع أرض تميم في الجاهلية ترعى بها إذا أجدبوا، فإذا أرادوا الرجوع لم يدعوا عورة يصيبونها ولا شيئا يظفرون به إلا اكتسحوه، فقالت بنو تميم: امنعوا هؤلاء القوم من رعي أرضكم وما يأتون إليكم فحشدت تميم، وحشدت بكر واجتمعت، فلم يتخلف منهم إلا الحوفزان بن شريك في أناس من بني ذهل بن شيبان وكان غازيا، فقدّمت بكر عليهم عمرا الأصم أبا مفروق- قال: وهو عمرو بن قيس بن مسعود أبو عمر بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان- فحسد سائر ربيعة الأصم على الرياسة، فأتوه فقالوا: يا أبا مفروق، إنا قد زحفنا لتميم وزحفوا لنا أكثر ما كنا وكانوا قط. قال: فما تريدون؟ قالوا: نريد أن نجعل كل حي على حياله، ونجعل عليهم رجلا منهم، فنعرف غناء كل قبيلة، فإنه
стр. 1874
أشدّ لاجتهاد الناس! قال: والله إني لأبغض الخلاف عليكم، ولكن يأتي مفروق فينظر فيما قلتم. فلما جاء مفروق شاوره أبوه- وذلك أول يوم ذكر فيه مفروق بن عمرو- فقال له مفروق: ليس هذا أرادوا، وإنما أرادوا أن يخدعوك عن رأيك وحسدوك على رياستك، والله لئن لقيت القوم فظفرت لا يزال الفضل لنا بذلك أبدا، ولئن ظفر بك لا تزال لنا رياسة نعرف بها! فقال الأصم: يا قوم، قد استشرت مفروقا فرأيته مخالفا لكم، ولست مخالفا رأيه وما أشار إليه. فأقبلت تميم بجملين مجللين مقرونين مقيدين، وقالوا: لا نولّي حتى يولي هذان الجملان، وهما الزويران. فأخبرت بكر بقولهم الأصمّ، فقال: وأنا زويركم، إن حشّوهما فحشّوني «١» ، وإن عقروهما فاعقروني! قال: والتقى القوم، فاقتتلوا قتالا شديدا.
قال: وأسرت القوم بنو تميم، حرّاث بن مالك أخا مرة بن همام، فركض به رجل منهم وقد أردفه، واتبعه ابنه قتادة بن حراث، حتى لحق الفارس الذي أسر أباه، فطعنه فأراده عن فرسه، واستنقذ أباه، ثم استحرّ بين الفريقين القتال، فانهزمت بنو تميم، فقتل منهم مقتلة عظيمة. فممن قتل منهم: أبو الرئيس النهشلي. وأخذت بكر الزويرين، أخذتهما بنو سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، فنحروا أحدهما فأكلوه وافتحلوا الآخر، وكان نجيبا، فقال رجل من بني سدوس:
يا سلم إن تسألي عنّا فلا كشف ... عند اللّقاء ولسنا بالمقاريف
نحن الذين هزمنا يوم صبّحنا ... جيش الزّويرين في جمع الأحاليف
ظلّوا وظللنا نكر الخيل وسطهم ... بالشّيب منّا وبالمرد الغطاريف «٢»
وقال الأغلب بن جشم العجلي:
جاءوا بزويرهم وجئنا بالأصمّ ... شيخ لنا قد كان من عهد إرم
يكرّ بالّسيف إذا الرمح انحطم ... كهمّة الليث إذا ما الليث همّ
стр. 1875
كانت تميم معشرا ذوي كرم ... غلصمة من الغلاصيم العظم «١»
قد نفخوا لو ينفخون في فحم ... وصبروا لو صبروا على أمم «٢»
إذا ركبت ضبّة أعجاز النّعم ... فلم ندع ساقا لها ولا قدم
يوم الشيطين «٣» : لبكر على تميم
قال أبو عبيدة: لما ظهر الإسلام- قبل أن يسلم أهل نجد والعراق- سارت بكر ابن وائل إلى السواد، وقالت: نغير على تميم بالشيّطين، فإن في دين ابن عبد المطلب: من قتل نفسا قتل بها: فنغير هذا العام ثم نسلم عليها! فارتحلوا من لعلع «٤» بالذراري والأموال: فأتوا الشيطين في أربع، وبينهما مسيرة ثمانية أميال، فسبقوا كل خير حتى صبحوهم وهم لا يشعرون، ورئيسهم يومئذ بشر بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين، فقتلوا بني تميم قتلا ذريعا، وأخذوا أموالهم، واستحرّ «٥» القتل في بني العنبر وبني ضبة وبني يربوع، دون بني مالك بن حنظلة.
قال أبو عبيدة: حدثنا أبو الحمناء العنبري، قال قتل من بني تميم يوم الشيّطين ستّمائة رجل. قال: فوفد وفد بني تميم على النبي ﷺ ، فقالوا: ادع الله على بكر بن وائل! فأبى رسول الله ﷺ ، فقال رشيد ابن رميص العنبري:
وما كان بين الشّيطين ولعلع ... لسوقنا إلّا مراجع أربع
فجئنا بجمع لم ير النّاس مثله ... يكاد له ظهر الوريعة يضلع «٦»
بأرعن دهم شيّد البلق وسطه ... له عارض فيه الأسنّة تلمع «٧»
صبحنا به سعدا وعمرا ومالكا ... فكان لهم يوم من الشّرّ أشنع
فخّلوا لنا صحن العراق وإنّه ... حمى منهم لا يستطاع ممنّع
стр. 1876
يوم صعفوق «١» : لبكر على تميم
أغارت بنو أبي ربيعة على بني سليط بن يربوع يوم صعفوق، فأصابوا منهم أسرى، فأتى طريف بن تميم العنبري فروة بن مسعود، وهو يومئذ سيد بني أبي ربيعة، ففدى منهم أسرى بني سليط ورهنهم ابنه، فأبطأ عليهم فقتلوا ابنه، فقال:
لا تأمننّ سليمى أن أفارقها ... صرمى الظعائن بعد اليوم صعفوق «٢»
أعطيت أعداءه طوعا برمّته ... ثم انصرفت وظني غير موثوق
يوم مبايض: لبكر على تميم
قال أبو عبيدة: كانت الفرسان إذا كانت أيام عكاظ في الشهر الحرام وأمن بعضهم بعضا، تقنّعوا كي لا يعرفوا، وكان طريف بن تميم العنبري لا يتقنّع كما يتقنعون، فوافى عكاظ وقد كشفت بكر بن وائل، وكان طريف قتل شراحيل الشيباني أحد بني عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، فقال حمصيصة: أروني طريفا. فأروه إياه، فجعل كلما مر به تأمله ونظر إليه ففطن طريف، فقال: مالك تنظر إليّ؟ فقال: أترسّمك لأعرفك: فلله عليّ إن لقيتك أن أقتلك أو تقتلني! فقال طريف في ذلك:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم
فتوسّموني إنني أنا ذلكم ... شاكي سلاحي في الحوادث معلم «٣»
تحتى الأغرّ وفوق جلدي نثرة ... زغف تردّ السّيف وهو مثلّم «٤»
حولي أسيّد والهجيم ومازن ... وإذا حللت فحول بيتي خضّم «٥»
стр. 1877
قال: فمضى لذلك ما شاء الله، ثم إن بني عائدة حلفاء بني أبي ربيعة بن ذهل بن أبي شيبان- وهم يزعمون أنهم من قريش، وأن عائدة بن لؤي بن غالب- خرج منهم رجلان يصيدان، فعرض لهما رجل من بني شيبان، فذعر عليهما صيدهما، فوثبا عليه فقتلاه، فثارت بنو مرة بن ذهل بن شيبان يريدون قتلهما فأبت بنو ربيعة عليهم ذلك، فقال هانيء بن مسعود: يا بني ربيعة، إن إخوتكم قد أرادوا طلبكم فانمازوا «١» عنهم. قال: ففارقوهم وساروا حتى نزلوا بمبايض، ماء لهم- ومبايض علم من وراء الدهناء- فأبق عبد لرجل من بني أبي ربيعة، إن إخوتكم قد أرادوا طلبكم فانمازوا «٢» عنهم. قال: ففارقوهم وساروا حتى نزلوا بمبايض، ماء لهم- ومبايض علم من وراء الدهناء- فأبق عبد لرجل من بني أبي ربيعة، فسار إلى بلاد تميم، فأخبرهم أن حياّ جديدا من بني بكر بن وائل نزول على مبايض، وهم بنو أبي ربيعة والحي الجديد المنتقى من قومه، فقال طريف العنبري: هؤلاء ثأري يا آل تميم، إنما هم أكلة رأس «٣» . وأقبل في بني عمرو بن تميم، وأقبل معه أبو الجدعاء، أحد بني طهية، وجاءه فدكي بن أعبد المنقري في جمع من بني سعد بن زيد مناة، فنذرت بهم بنو أبي ربيعة، فانحاز بهم هانيء بن مسعود وهو رئيسهم، إلى علم مبايض، فأقاموا عليه وشرقوا «٤» بالأموال والسّرح «٥» ، وصبّحتهم بنو تميم، فقال لهم طريف: أطيعوني وافرغوا من هؤلاء الأكلب يصف لكم ما وراءهم. فقال له أبو الجدعاء رئيس بني حنظلة، فدكي رئيس بن سعد بن مناة: أنقاتل أكلبا أحرزوا نفوسهم ونترك أموالهم؟ ما هذا يرأى، وأبوا عليه. فقال هانيء لأصحابه: لا يقاتل رجل منكم ولحقت تميم بالنعم والبغال فأغاروا عليها، فلما ملئوا أيديهم من الغنيمة قال هانيء بن مسعود لأصحابة: احملوا عليهم. فهزموهم وقتلوا طريفا العنبري، قتله حمصيصة الشيباني، وقال:
ولقد دعوت طريف دعوة جاهل ... سفها وأنت بمعلم قد تعلم
وأتيت حيا في الحروب محلّهم ... والجيش باسم أبيهم يستقدم
стр. 1878
فوجدت قوما يمنعون ذمارهم ... بسلا، إذا هاب الفوارس أقدموا «١»
وإذا دعوا أبني ربيعة! شمّروا ... بكتائب دون السماء تلملم «٢»
حشدوا عليك وعجّلوا بقراهم ... وحموا ذمار أبيهم أن يشتموا
سلبوك درعك والأغرّ كلاهما ... وبنو أسيد أسلموك وخضّم «٣»
يوم فيحان «٤» : لبكر على تميم
قال أبو عبيدة: لما بدى بسطام بن قيس من عتيبة بن الحارث إذ أسر يوم الغبيط بأربعمائة بعير، قال: لأدركن عقل إبلي! فأغار بفيحان، فأخذ الربيع بن عتيبة واستاق ماله، فلما سار يومين شغل عن الربيع بالشراب، وقد مال الربيع على قدّه حتى لان، ثم خلعه وانحلّ منه. ثم جال في متن ذات النسوع- فرس بسطام- وهرب، فركبوا في أثره، فلما يئسوا منه ناداه بسطام: يا ربيع، هلم طليقا! فأبى. قال: وأتى نادي قومه يحدثهم، فجعل يقول في أثناء حديثه: إيها يا ربيع! انج ربيع! وكان معه رثي.
قال: وأقبل ربيع حتى انتهى إلى أدنى بني يربوع، فإذا هو براع، فاستسقاه وضربت الفرس برأسها فماتت. فسمي ذلك المكان إلى اليوم: هبير «٥» الفرس. قال له أبو عتيبة: أما إذ نجوت بنفسك فإني مخلف لك مالك.
يوم ذي قار الأول: لبكر على تميم
قال أبو عبيدة: فخرج عتيبة في نحو خمسة عشر فارسا من بين يربوع فكمن في
стр. 1879
حمى ذي قار، حتى مرت به إبل بني الحصين بالفداوية، اسم ماء لهم، فصاحوا بمن بها من الحامية والرّعاء، ثم استاقوها.
فأخلف للربيع ما ذهب له، وقال:
ألم ترني أفأت على ربيع ... جلادا في مباركها وخورا «١»
وأني قد تركت بني حصين ... بذي قار يرمّون الأموار
يوم الحاجز «٢» : لبكر على تميم
قال أبو عبيدة: خرج وائل بن صريم اليشكري من اليمامة، فلقيه بنو أسيد بن عمرو بن تميم، فأخذوه أسيرا، فجعلوا يغمسونه في الرّكيّة «٣» ويقولون:
يا أيها الماتح دلوي دونكا «٤»
حتى قتلوه، فغزاهم أخوه باعث بن صريم يوم حاجز، فأخذ ثمامة بن باعث بن صريم رجلا من بني أسيد كان وجيها فيهم فقتله، وقتل على الظنّة مائة منهم، فقال باعث بن صريم:
سائل أسيدا هل ثأرت بوائل ... أم هل شفيت النّفس من بلبالها «٥»
إذ أرسلوني ماتحا لدلاتهم ... فملأتها علقا إلى أسبالها «٦»
إني ومن سمك السّماء مكانها ... والبدر ليلة نصفها وهلالها «٧»
آليت أثقف منهم ذا لحية ... أبدا فتنظر عينه في مالها
стр. 1880
وقال: سائل أسيدا هل ثأرت بوائل ... أم هل أتيتهم بأمر مبرم
إذ أرسلوني ماتحا لدلائهم ... فملأتهن إلى العراق بالدّم! «١»
يوم الشقيق «٢» : لبكر على تميم
قال أبو عبيدة: أغار أبحر بن جابر العجلي على بني مالك بن حنظلة، فسبي سليمى بنت محصن، فولدت له أبجر. ففي ذلك يقول أبو النجم:
ولقد كررت على طهيّة كرة ... حتى طرقت نساءها بمساء
حرب البسوس وهي حرب بكر وتغلب، ابني وائل
أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب قال: لم تجتمع معد كلها الا على ثلاثة رهط من رؤساء العرب، وهم عامر، وربيعة، وكليب.
فالاول: عامر بن الظرب بن عمرو بن بكر بن يشكر بن الحارث، وهو عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان، وهو الناس بن مضر. وعامر بن الظرب هو قائد معدّ يوم البيداء «٣» ، حين تمذحجت مذحج وسارت إلى تهامة، وهي أول وقعة كانت بين تهامة واليمن والثاني: ربيعة بن الحارث بن مرة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن كعب، هو قائد معد يوم السّلّان «٤» ، وهو يوم كان بين اهل تهامة واليمن.
والثالث: كليب بن ربيعة، وهو الذي يقال فيه: أعز من كليب وائل. وقاد معدّ
стр. 1881
كلها يوم خزاز «١» ، ففض جموع اليمن وهزمهم، فاجتمعت عليه معد كلها، وجعلوا له قسم الملك وتاجه ونجيبته «٢» وطاعته فغبر بذلك حينا من دهره. ثم دخله ز هو شديد، وبغى على قومه لما هو فيه من عزه، وانقياد معدّ له، حتى بلغ من بغيه انه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه، ويجير على الدهر فلا تخفر ذمّته، ويقول:
وحش ارض كذا في جواري! فلا يهاج، ولا تورد إبل احد مع ابله، ولا توقد نار مع ناره، حتى قالت العرب: اعز من كليب وائل.
وكانت بنو جشم وبنو شيبان في دار واحدة بتهامة، وكان كليب بن وائل قد تزوّج جليلة بنت مرة بن ذهل بن شيبان، وأخوها جساس بن مرة، وكانت البسوس بنت منقذ التميمية خالة جساس بن مرة، وكانت نازلة في بني شيبان مجاورة لجساس، وكان لها ناقة يقال لها سراب، ولها تقول العرب: أشأم من سراب، وأشأم من البسوس! فمرّت إبل لكليب بسراب ناقة البسوس، وهي معقولة بفناء بيتها، جوار جساس بن مرة، فلما رأت سراب الابل نازعت عقالها حتى قطعته، وتبعت الإبل واختلطت بها، حتى انتهت إلى كليب وهو على الحوض، معه قوس وكنانة، فلما رآها أنكرها، فانتزع «٣» لها سهما فخرم «٤» ضرعها فنفرت الناقة وهي ترغو، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها عن رأسها وصاحت: واذلّاه! واجاراه! واخرجت.
مقتل كليب بن وائل
فأحمست جسّاسا، فركب فرسا له مغرورا به، فأخذ آلته، وتبعه عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان على فرسه، ومعه رمحه، حتى دخلا على كليب الحمى، فقال له: يا أبا الماجدة، عمدت إلى ناقة جارتي، فعقرتها! فقال له: أتراك ما نعي
стр. 1882
أن أذبّ «١» عن حماي؟ فأحمسه الغضب، فطعنه جساس فقصم صلبه، وطعنه عمرو ابن الحارث من خلفه فقطع قطنه «٢» ، فوقع كليب وهو يفحص برجله، قال لجساس:
أغثني بشربة من ماء! فقال: تجاوزت شبيثا والأحصّ «٣» : ففي ذلك يقول عمرو بن الاهتم:
وإنّ كليبا كان يظلم قومه ... فأدركه مثل الذي تريان
فلما حشاه الرّمح كفّ ابن عمه ... تذكّر ظلم الأهل أيّ أوان
وقال لجسّاس أغثني بشربة ... وإلا فخبّر من رأيت مكاني
فقال تجاوزت الأحصّ وماءه ... وبطن شبيث وهو غير دفان
وقال نابغة بني جعدة:
أبلغ عقالا أن خطة داحس ... بكفّيك فاستأخر لها أو تقدّم
كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر ذنبا منك ضرّج بالدّم
رمي ضرع ناب فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهّم «٤»
وقال لجسّاس اغثني بشربة ... تدارك بها منّا عليّ وأنعم
فقال تجاوزت الأحصّ وماءه ... وبطن شبيث وهو ذو مترسّم «٥»
فلما قتل كليب ارتحلت بنو شيبان حتى نزلوا بماء يقال له النّهيّ، وتشمر المهلهل اخو كليب- واسمه عدي بن ربيعة، وانما قيل المهلهل لانه اول من هلهل الشعر، اي ارقّه- واستعد لحرب بكر، وترك النساء والغزل، وحرّم القمار والشراب، وجمع اليه قومه، فأرسل رجلا منهم إلى بني شيبان يعذر إليهم فيما وقع من الامر، فأتوا مرة ابن ذهل بن شيبان وهو في نادي قومه، فقالوا له: إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا
стр. 1883
بناب من الإبل، فقطعتم الرحم، وانتهكتم الحرمة، وإنا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم، ونحن نعرض عليكم خلالا أربعا، لكم فيها مخرج، ولنا مقنع.
فقال مرة: وما هي؟ قال: تحيي لنا كليبا، او تدفع الينا جساسا قاتله فنقتله به، أو همّاما فإنه كفء له، أو تمكننا من نفسك، فإن فيك وفاء من دمه! فقال: أما إحيائي كليبا فهذا ما لا يكون، وأما جساس فإنه غلام طعن طعنة على عجل ثم ركب فرسه فلا أدري أيّ البلاد احتوى عليه، وأمّا همام فانه ابو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة، كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه إليّ فادفعه اليكم يقتل بجريرة غيره. واما انا فهل هو إلا ان تجول الخيل جولة غدا فأكون اوّل قتيل فيها، فما أتعجل من الموت؟ ولكن لكم عندي خصلتان: أمّا إحداهما فهؤلاء بنيّ الباقون، فعلقوا في عنق ايهم شئتم نسعة «١» فانطلقوا به إلى رحالكم فاذبحوه ذبح الجزور، وإلا فالف ناقة سوداء المقل أقيم لكم بها كفيلا من بني وائل! فغضب القوم وقالوا: لقد أسأت، ترذل «٢» لنا ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب.
ووقعت الحرب بينهم.
ولحقت جليلة زوجة كليب بأبيها وقومها، ودعت تغلب النمر بن قاسط «٣» فانضمت إلى بني كليب وصاروا يدا معهم على بكر، ولحقت بهم غفيلة بن قاسط، واعتزلت قبائل بكر بن وائل وكرهوا مجامعة بني شيبان ومساعدتهم على قتال إخوته، وأعظموا قتل جساس كليبا بناب من الإبل، فظعنت «٤» لجيم عنهم، وكفت يشكر عن نصرتهم، وانقبض الحارث بن عباد في أهل بيته، وهو أبو بجير وفارس النعامة.
وقال المهلهل يرثي كليبا:
بتّ ليلي بالأنعمين طويلا ... أرقب النجم ساهرا أن يزولا «٥»
стр. 1884
كيف أهدأ ولا يزال قتيل ... من بني وائل ينسّي قتيلا
غيّبت دارنا تهامة في الده ... ر وفيها بنو معدّ حلولا
فتساقوا كأسا أمرّت عليهم ... بينهم يقتل العزيز الذليلا
فصبحنا بني لجيم بضرب ... يترك الهام وقعه معلولا
لم يطيقوا ان ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النزولا
انتضوا معجس القسّبي وأبرق ... نا كما توعد الفحول الفحولا «١»
قتلوا ربّهم كليبا سفاها ... ثم قالوا ما إن نخاف عويلا
كذبوا والحرام والحلّ حتى ... يسلب الخدر بيضه المحجولا «٢»
ويموت الجنين في عاطف الرح ... م ونروي رماحنا والخيولا
وقال ايضا يرثيه:
كليب لا خير في الدنيا ومن فيها ... إذ أنت خلّيتها فيمن يخلّيها
كليب أيّ فتى عزّ ومكرمة ... تحت السقائف إذ يعلوك سافيها «٣»
نعى النعاة كليبا لي فقلت لهم ... مالت بنا الارض أو زالت رواسيها
الحزم والعزم كانا من صنيعته ... ما كلّ آلائه يا قوم أحصيها
القائد الخيل تردي في أعنتها ... زهوا إذا الخيل لجّت في تعاديها
من خيل تغلب ما تلفى أسنّتها ... إلا وقد خضبوها من أعاديها
يهزهزون من الخطّيّ مدمجة ... كمتا أنابيبها زرقا عواليها «٤»
ترى الرماح بأيدينا فنوردها ... بيضا ونصدرها حمرا أعاليها
ليت السماء على من تحتها وقعت ... وانشقّت الارض فانجابت بمن فيها
لا أصلح الله منّا من يصالحكم ... ما لاحت الشمس في أعلى مجاريها
стр. 1885
يوم النهي
قال أبو المنذر: أخبرني خراش أنّ اول وقعة كانت بينهم يوم النّهي، فالتقوا بماء يقال له النّهي، كانت بنو شيبان نازلة عليه، ورئيس تغلب المهلهل، ورئيس شيبان الحارث بن مرة، فكانت الدائرة لبني تغلب، وكانت الشوكة في شيبان، واستحر القتل فيهم إلا انه لم يقتل في ذلك اليوم احد من بني مرة.
يوم الذنائب «١»
ثم التقوا بالذنائب، وهو اعظم وقعة لهم، فظفرت بنو تغلب، وقتلت بكرا مقتلة عظيمة، وفيها قتل شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان- وهو جدّ الحوفزان، وهو جد معن بن زائدة، والحوفزان هو الحرث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيل- قتله عتاب بن سعد بن زهير بن جشم، وقتل الحرث بن مرة بن ذهل بن شيبان، قتله كعب بن زهير بن جشم، وقتل من بني ذهل بن ثعلبة عمرو بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة. وقتل من بني تيم الله: جميل بن مالك بن تيم الله، وعبيد الله بن مالك بن تيم الله وقتل من بني قيس بن ثعلبة: سعد بن ضبيعة بن قيس، وتميم بن قيس بن ثعلبة، وهو احد الخرفين، وكان شيخا كبيرا، فحمل في هودج، فلحقه عمرو بن مالك ابن الفدوكس بن حشم، وهو جد الاخطل، فقتله. هؤلاء من أصيب من رؤساء بكر يوم الذئاب.
يوم واردات «٢»
ثم التقوا بواردات، وعلى الناس رؤساؤهم الذين سمينا، فظفرت بنو تغلب واستحرّ القتل في بني بكر، فيومئذ قتل الشعثمان شعثم وعبد شمس ابنا معاوية بن
стр. 1886
عامر بن ذهل بن ثعلبة، وسيار بن الحرث بن سيار، وفيه قتل همام مرّة بن ذهل بن شيبان، أخو جساس لأمه وأبيه، فمر به مهلهل مقتولا، فقال: والله ما قتل بعد كليب قتيل أعز عليّ فقدا منك! وقتله ناشرة، وكان همام ربّاه وكفله، كما كان ربّى حذيفة بن بدر قرواشا فقتله يوم الهباءة.
يوم عنيزة «١»
ثم التقوا بعنيزة، فظفرت بنو تغلب، ثم كانت بينهم معاودة ووقائع كثيرة، كل ذلك كانت الدائرة فيه لبني تغلب على بني بكر: فمنها يوم الحنو، ويوم عويرضات، ويوم أنيق، ويوم ضريّة، ويوم القصيبات، هذه الايام كلها لتغلب على بكر، أصيبت فيها بكر، حتى ظنوا أن ليس يستقبلون أمرهم.
وقال مهلهل يصف هذه الايام وينعاها على بكر، في قصيدة طويلة أولها:
أليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري «٢»
فإن يك بالذّنائب طال ليلي ... فقد أبكى من اللّيل القصير «٣»
وفيها يقول:
فلو نبش المقابر عن كليب ... لأخبر بالذّنائب أيّ زير
كأنا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحيا مدير «٤»
وإني قد تركت بواردات ... بجيرا في دم مثل العبير
هتكت به بيوت بني عباد ... وبعض القتل أشفى للصّدور
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا برزت مخبّأة الخدور
ولولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور «٥»
стр. 1887
وقال مهلهل لما أسرف في الدماء:
أكثرت قتل بني بكر بربّهم ... حتى بكيت وما يبكي لهم أحد
آليت بالله لا أرضى بقتلهم ... حتى أبهرج بكرا أينما وجدوا
وقال أبو حاتم: أبهرج: أدعهم بهرجا: لا يقتل فيه قتيل، ولا يؤخذ لهم دية.
وقال: البهرج من الدراهم من هذا.
وقال المهلهل:
يا لبكر أنشروا لي كليبا ... يا لبكر أين الفرار؟ «١»
تلك شيبان تقول لبكر ... صرح الشر وبان السّرار
وبنو عجل تقول لقيس ... ولتيم اللات سيروا فساروا
وقال:
قتلوا كليبا ثم قالوا أربعوا ... كذبوا وربّ الحلّ والإحرام «٢»
حتى تبيد قبائل وقبيلة ... ويعضّ كل مثقّف بالهام
وتقوم ربّات الحدور حواسرا ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام «٣»
حتى يعضّ الشيخ بعد حميمه ... مما يرى ندما على الإبهام «٤»
يوم قضة «٥»
ثم إن مهلهلا أسرف في القتل ولم يبال بأي قبيلة من قبائل بكر أوقع، وكان أكثر بكر قعدت عن نصرة بني شيبان، لقتلهم كليب بن وائل، وكان الحارث بن عباد قد اعتزل تلك الحروب، حتى قتل ابنه بجير بن الحارث، ويقال إنه كان ابن
стр. 1888
اخيه، فلما بلغ الحرث قتله قال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابني وائل! وظن ان المهلهل قد أدرك به ثأر كليب وجعله كفئا له، فقيل له: إنما قتله بشسع نعل كليب، وذلك أن المهلهل لما قتل بجيرا قال: بؤ بشسع نعل كليب! فغضب الحرث بن عباد، وكان له فرس يقال له النعامة، فركبها وتولى أمر بكر، فقاتل تغلب حتى هرب المهلهل وتفرقت قبائل تغلب فقال في ذلك الحارث ابن عباد:
قرّبا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيالي «١»
لم أكن من جناتها علم الله ... وإني بحرّها اليوم صالي
وفيه أسر الحارث بن عباد المهلهل وهو لا يعرفه- واسمه عدي بن ربيعة- فقال له: دلّني على عدي بن ربيعة وأخلي عنك. فقال له عدي: عليك العهود بذلك إن دللتك عليه؟ قال: نعم: قال: فأنا عدي! فجز ناصيته «٢» وتركه، وقال فيه:
لهف نفسي على عدي ولم أع ... رف عديّا إذ امكنتني اليدان
وفيه قتل عمرو وعامر التغلبيان، قتلهما جحدر بن ضبيعة، طعن احدهما بسنان رمحه، والآخر بزجه، ثم إن المهلهل فارق قومه ونزل في بني جنب- وجنب في مذحج- فخطبوا إليه ابنته فمنعهم، فأجبروه على تزويجها وساقوا إليه في صداقها جلودا من أدم، فقال في ذلك:
أعزز على تغلب بما لقيت ... أخت بني الأكرمين من جشم
انكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم «٣»
لو بأبانين جاء يخطبها ... زمّل ما أنف خاطب بدم! «٤»
стр. 1889
الكلاب «١» الأول
قال أبو عبيدة: لما تسافهت بكر بن وائل وغلبها سفهاؤها، وتقاطعت أرحامها، ارتأى رؤساؤهم، فقالوا: إن سفهاءنا قد غلبوا على أمرنا، فأكل القويّ الضعيف، ولا نستطيع تغيير ذلك، فنرى أن نملّك علينا ملكا نعطيه الشاء والبعير، فيأخذ للضعيف من القوي، ويردّ على المظلوم من الظالم، ولا يمكن أن يكون من بعض قبائلنا، فيأباه الآخرون، فتفسد ذات بيننا، ولكنا نأتي تبّعا فنملّكه علينا. فأتوه، فذكروا له أمرهم، فملّك عليهم الحارث بن عمرو آكل المرار الكندي، فقدم فنزل بطن عاقل «٢» .
ثم غزا بكر بن وائل، حتى انتزع عامة ما في أيدي ملوك الحيرة اللخميين، وملوك الشام الغسانيين، وردّهم إلى أقاصي أعمالهم. ثم طعن في نيطيه «٣» - أي مات، فدفن ببطن عاقل، واختلف ابناه شرحبيل وسلمة في الملك، فتواعدا الكلاب، فأقبل شرحبيل في ضبة والرّباب كلها، وبني يربوع، وبكر بن وائل، وأقبل سلمة في تغلب، والنمر، وبهراء ومن تبعه من بني مالك بن حنظلة، وعليهم سيفان بن مجاشع، وعلى تغلب السفاح، وإنما قيل له السفاح لانه سفح أوعية قومه وقال لهم: انذروا إلى ماء الكلاب. فسبقوا ونزلوا عليه، وإنما خرجت بكر بن وائل مع شرحبيل لعداوتها لبني تغلب، فالتقوا على الكلاب، واستحرّ القتل في بني يربوع، وشد أبو حنش على شرحبيل فقتله، وكان شرحبيل قتل حنشا، فأراد أبو حنش أن يأتي برأسه إلى مسلمة، فخافه، فبعثه مع عسيف «٤» له، فلما رآه مسلمة دمعت عيناه وقال هـ: أنت قتلته؟ قال لا، ولكنه قتله أبو حنش. فقال: إنما أدفع الثواب إلى قاتله! وهرب أبو حنش عنه، فقال سلمة:
стр. 1890
ألا أبلغ أبا حنش رسولا ... فمالك لا تجيء إلى الثّواب
تعلّم أنّ خير الناس ميتا ... قتيل بين أحجار الكلاب
تداعت حوله جشم بن بكر ... وأسلمه جعاسيس الرباب «١»
ومما يدل على أن بكرا كانت مع شرحبيل قول الأخطل:
أبا غسّان إنّك لم تهنّي ... ولكن قد أهنت بني شهاب
ترقّوا في النخيل وأنسئونا ... دماء سراتكم يوم الكلاب «٢»
يوم الصفقة: ويوم الكلاب الثاني
قال أبو عبيدة: أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال: كان يوم الكلاب متصلا بيوم الصفقة، وكان من حديث الصفقة أن كسرى الملك كان قد أوقع ببني تميم فأخذ الاموال وسبى الذراري بمدينة هجر. وذلك أنهم أغاروا على لطيمة «٣» له فيها مسك وعنبر وجوهر كثير، فسمّيت تلك الوقعة يوم الصفقة، ثم إن بني تميم أداروا أمرهم، فقال ذو الحجى منهم: إنكم قد أغضبتم الملك، وقد أوقع بكم حتى وهنتم، وتسامعت بما لقيتم القبائل، فلا تأمنون دوران العرب! فجمعوا سبعة رؤساء منهم، وشاوروهم في أمرهم، وهم: أكثم بن صيفي الأسيدي، والأعيمر بن يزيد بن مرة المازني، وقيس بن عاصم المنقري، وأبير بن عصمة التيمي، والنعمان بن الحسحاس التيمي، وأبير بن عمرو والسعدي، والزبرقان ابن بدر السعدي، فقالوا لهم: ماذا ترون؟ فقال اكثم بن صيفي، وكان يكني أبا حنش: إن الناس قد بلغهم ما قد لقينا، نحن نخاف أن يطمعوا فينا. ثم مسح بيده على قلبه وقال: إني قد نيّفت على التسعين، وانما قلبي بضعة من جسمي، وقد نحل كل جسمي، وإني أخاف ان لا يدرك ذهني الرأي لكم، وأنتم قوم قد شاع في الناس
стр. 1891
أمركم، وإنما كان قوامكم أسيفا وعسيفا- يريد العبد والاجير- وصرتم اليوم إنما ترعى لكم بناتكم، فليعرض عليّ كلّ رجل منكم رأيه وما يحضره، فاني متى أسمع الحزم أعرفه. فقال كل رجل منهم ما رأى، وأكثم ساكت لا يتكلم، حتى قام النعمان ابن الحسحاس، فقال: يا قوم، انظروا ماء يجمعكم ولا يعلم الناس بأي ماء أنتم، حتى تنفرج الحلقة عنكم وقد جممتم «١» وصلحت أحوالكم وانجبر كسيركم وقوي ضعيفكم، ولا أعلم ماء يجمعكم إلا قدّة «٢» ، فارتحلوا وانزلوا قدّة. وهو موضع يقال له الكلاب، فلما سمع أكثم بن صيفي كلام النعمان، قال: هذا هو الرأي! فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم، وأعلاه مما يلي اليمن، وأسفله مما يلي العراق، فنزلت سعد الرّباب بأعلى الوادي، ونزلت حنظلة بأسفله.
قال أبو عبيدة: وكانوا لا يخافون أن يغزوا في القيظ، ولا يسافر فيه أحد، ولا يستطيع أحد ان يقطع تلك الصحارى، لبعد مسافتها، وليس بها ماء! ولشدة حرها.
فأقاموا بقية القيظ لا يعلم أحد بمكانهم! حتى إذا تهور القيظ- أي ذهب- بعث الله ذا العينين، وهو من أهل مدينة هجر، فمر بقدة وصحرائها، فرأى ما بها من النعم، فانطلق حتى أتى أهل هجر. فقال لهم: هل لكم في جارية عذراء، ومهرة شوهاء «٣» ، وبكرة «٤» حمراء، ليس دونها نكبة؟ فقالوا: ومن لنا بذلك؟ قال: تلكم تميم ألقاء مطروحون بقدّة. قالوا: إي والله! فمشي بعضهم إلى بعض، وقالوا: اغتنموها من بني تميم! فأخرجوا منهم أربعة أملاك، يقال لهم اليزيديون: يزيد بن هوبر، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المأمور، ويزيد بن المخرم، وكلهم حارثيون، ومعهم عبد يغوث الحارثي، فكان كل
стр. 1892
واحد منهم على ألفين، والجماعة ثمانية الاف، فلا يعلم جيش في الجاهلية كان أكبر منه، ومن جيش يوم كسرى يوم ذي قار، ويوم شعب جبلة- فمضوا، حتى إذا كانوا ببلاد باهلة، قال جزء بن جزء بن جزء الباهلي لابنه: يا بني، هل لك في أكرومة لا يصاب أبدا مثلها؟ قال: وما ذاك؟ قال: هذا الحيّ من تميم قد ولجوا هناك مخافة، وقد قصصت أثر الجيش يريدونهم، فاركب جملي الأرحبيّ «١» ، وسر سيرا رويدا عقبة من الليل- يعني ساعة- ثمل حلّ عنه حبليه وأنخه وتوسّد ذراعه، فإذا سمعته قد أفاض بجرّته وبال فاستنقعت ثفتاته «٢» في بوله، فشدّ عليه حبله، ثم ضع السّوط عليه، فإنك لا تسأل جملك شيئا من السير الا اعطاك، حتى تصبّح القوم. ففعل ما أمره به.
قال الباهلي: فحللت بالكلاب قبل الجيش وأنا أنظر إلى ابن ذكاء- يعني الصبح- فناديت: يا صباحاه! فانهم ليثبون إليّ ليسألوني من انت، إذ أقبل رجل منهم من بني شقيق على مهر قد كان في النعم، فنادى: يا صباحاه! قد أتي على النعم! ثم كر راجعا نحو الجيش، فلقيه عبد يغوث الحارثي وهو أول الرعيل، فطعنه في رأس معدته فسبق اللبن الدم، وكان قد اصطبح «٣» ، فقال عبد يغوث: اطيعوني وامضوا بالنعم وخلوا العجائز من تميم ساقطة افواهها: قالوا: اما دون ان تنكح بناتهم فلا! وقال ضمرة بن لبيد الحماسي، ثم المذحجي الكاهن: انظروا إذا سقتم النعم «٤» ، فإن أتتكم الخيل عصبا [عصبا] ، العصبة تنتظر الاخرى حتى تلحق بها، فإن أمر القوم هيّن، وإن لحق بكم القوم ولم ينتظر بعضهم بعضا حتى يردّوا وجوه النعم، فإنّ أمرهم شديد.
стр. 1893
وتقدمت سعد والرباب في أوائل الخيل، فالتقوا بالقوم فلم يلتفتوا إليهم، واستقبلوا النّعم ولم ينتظر بعضهم بعضا. ورئيس الرباب النعمان بن الحسحاس، ورئيس بني سعد قيس بن عاثم، وأجمع العلماء أن قيس بن عاصم كان رئيس بني تميم.
فالتقى القوم، فكان أول صريع النعمان بن الحسحاس، واقتتل القوم بقية يومهم، وثبت بعضهم لبعض حتى حجز الليل بينهم، ثم أصبحوا على راياتهم، فنادى قيس بن عاصم: يا آل سعد! ونادى عبد يغوث: يا آل سعد! قيس يدعو سعد بن زيد مناة، وعبد يغوث يدعو سعد العشيرة، فلما سمع ذلك قيس نادى: يا آل كعب! فنادى عبد يغوث: يا آل كعب! قيس يدعو كعب بن سعد، وعبد يغوث يدعو كعب بن مالك، فلما رأى ذلك قيس نادى: يا آل كعب مقاعس فلما سمعه وعلة بن عبد الله الجرمي- وكان صاحب لواء اهل اليمن- نادى: يا لمقاعس! تفاءل به فطرح له اللواء، وكان أول من انهزم، فحملت عليهم بنو سعد الرباب فهزموهم، ونادى قيس بن عاصم: يا آل تميم، لا تقتلوا إلا فارسا فإن الرجّالة لكم! ثم جعل يرتجز ويقول:
لما تولّوا عصبا هواربا ... أقسمت لا أطعن إلا راكبا «١»
إن وجدت الطعن فيهم صائبا
وقال أبو عبيدة: أمر قيس بن عاصم أن يتبعوا المنهزمة ويقطعوا عرقوب من لحقوا ولا يشتغلوا بقتلهم عن اتّباعهم فجزّوا دوابرهم، فذلك قول وعلة:
فدى لكم أهلي وأمي ووالدي ... غداة كلاب إذ تجزّ الدّوابر «٢»
وسنكتب هذه القصيدة على وجهها. وحمى عبد يغوث اصحابه فلم يوصل إلى الجانب الذي هو فيه، فألظّ «٣» به مصاد بن ربيعة بن الحارث، فلما لحقه مصاد طعنه فألقاه عن الفرس فأسره، وكان مصاد قد أصابته طعنة في مأبضه «٤» ، وكان عرقه
стр. 1894
يهمي- أي يسيل- فعصبه، وكتفه- يعني عبد يغوث- ثم أردفه خلفه، فنزفه الدم، فمال عن فرسه مقلوبا. فلما رأى ذلك عبد يغوث قطع كتافه وأجهز عليه وانطلق على فرسه، وذلك أول النهار، ثم ظفر به بعد في آخره. ونادى مناد قتل اليزيدون.
وشد قبيضة بن ضرار الضبي على ضمرة بن لبيد الحماسي الكاهن فطعنه فخرّ صريعا، فقال له قبيصة: ألا أخبرك تابعك بمصرعك اليوم! وأسر عبد يغوث، وأسره عصمة بن أبير التيمي.
قال أبو عبيدة: انتهى عصمة بن أبير إلى مصاد وقد أمعنوا في الطلب، فوجده صريعا، وقد كان قبل ذلك رأى عبد يغوث أسيرا في يديه، فعرف أنه هو الذي اجهز عليه، فاقتص أثره، فلما لحقه قال له: ويحك! إني رجل أحب اللين، وأنا خير لك من الفلاة والعطش! قال عبد يغوث: ومن أنت؟ قال: عصمة بن أبير. قال عبيد يغوث: أو عندك منعة؟ قال: نعم، فألقى يده في يده، فانطلق به عصمة حتى خبأه عند الاهتم، على ان جعل له من فداه جعلا «١» فوضعه الاهتم عند امرأته العبشمية «٢» ، فأعجبها جماله وكمال خلقه، وكان عصمة الذي أسره غلاما نحيفا، فقالت لعبد يغوث: من أنت؟ قال: انا سيّد القوم! فضحكت، وقالت: قبحك الله سيد قوم حين أسرك مثل هذا. ولذلك يقول عبد يغوث:
وتضحك مني شيخة عبشميّة ... كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا
فاجتمعت الرباب الى الاهتم فقالت: ثأرنا عندك، وقد قتل مصاد والنعمان، فأخرجه إلينا! فأبى الاهتم ان يخرجه اليهم، فكاد ان يكون بين الحيين: الرباب وسعد، فتنة، حتى أقبل قيس بن عاصم المنقري، فقال: أيؤتى قطع حلف الربّاب من قبلنا؟ وضرب فمه بقوس فهتمه «٣» فسمّي الأهتم، فقال الاهتم: انما دفعه إليّ عصمة ابن أبير، ولا أدفعه إلا لمن دفعه إليّ، فليجىء فيأخذه. فأتوا عصمة فقالوا: يا
стр. 1895
عصمة، قتل سيدنا النعمان، وفرسنا، مصاد، وثأرنا أسيرك وفي يدك، فما ينبغي لك أن تستحبيه! فقال: إني ممحل «١» ، وقد أصبت الغنى في نفسي، ولا تطيب نفسي عن أسيري! فاشتراه بنو الحسحاس بمائة بعير. وقال رؤبة بن العجاج: بل أرضوه بثلاثين من حواشي النّعم، فدفعه إليهم، فخشوا ان يهجوهم، فشدوا على لسانه نسعة «٢» ، فقال إنكم قاتليّ ولا بدّ، فدعوني أذمّ أصحابي وأنوح على نفسي! فقالوا: إنك شاعر ونخاف أن تهجونا! فعقد لهم أن لا يفعل، فأطلقوا لسانه وأمهلوه حتى قال قصيدته التي أولها:
ألالا تلوماني كفى اللّوم ما بيا ... فما لكما في الّوم خير ولا ليا
ألم تعلما أنّ الملامة نفعها ... قليل وما لومي أخي من شماليا «٣»
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا «٤»
أبا كرب والأيهمين كليهما ... وقيسا بأعلى حضرموت اليمانيا «٥»
جزى الله قومي بالكلاب ملامة ... صريحهم والآخرين المواليا «٦»
ولو شئت نجّتني من القوم نهدة ... ترى خلفها الجرد الجياد تواليا «٧»
ولكنني أحمى ذمار أبيكم ... وكاد الرّماح يختطفن المحاميا «٨»
أحقّا عباد الله أن لست سامعا ... نشيد الرّعاء المعزبين المثاليا «٩»
أقول وقد شدّوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا
следующие страницы →