Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
أمركم، وإنما كان قوامكم أسيفا وعسيفا- يريد العبد والاجير- وصرتم اليوم إنما ترعى لكم بناتكم، فليعرض عليّ كلّ رجل منكم رأيه وما يحضره، فاني متى أسمع الحزم أعرفه. فقال كل رجل منهم ما رأى، وأكثم ساكت لا يتكلم، حتى قام النعمان ابن الحسحاس، فقال: يا قوم، انظروا ماء يجمعكم ولا يعلم الناس بأي ماء أنتم، حتى تنفرج الحلقة عنكم وقد جممتم «١» وصلحت أحوالكم وانجبر كسيركم وقوي ضعيفكم، ولا أعلم ماء يجمعكم إلا قدّة «٢» ، فارتحلوا وانزلوا قدّة. وهو موضع يقال له الكلاب، فلما سمع أكثم بن صيفي كلام النعمان، قال: هذا هو الرأي! فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم، وأعلاه مما يلي اليمن، وأسفله مما يلي العراق، فنزلت سعد الرّباب بأعلى الوادي، ونزلت حنظلة بأسفله.
قال أبو عبيدة: وكانوا لا يخافون أن يغزوا في القيظ، ولا يسافر فيه أحد، ولا يستطيع أحد ان يقطع تلك الصحارى، لبعد مسافتها، وليس بها ماء! ولشدة حرها.
فأقاموا بقية القيظ لا يعلم أحد بمكانهم! حتى إذا تهور القيظ- أي ذهب- بعث الله ذا العينين، وهو من أهل مدينة هجر، فمر بقدة وصحرائها، فرأى ما بها من النعم، فانطلق حتى أتى أهل هجر. فقال لهم: هل لكم في جارية عذراء، ومهرة شوهاء «٣» ، وبكرة «٤» حمراء، ليس دونها نكبة؟ فقالوا: ومن لنا بذلك؟ قال: تلكم تميم ألقاء مطروحون بقدّة. قالوا: إي والله! فمشي بعضهم إلى بعض، وقالوا: اغتنموها من بني تميم! فأخرجوا منهم أربعة أملاك، يقال لهم اليزيديون: يزيد بن هوبر، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المأمور، ويزيد بن المخرم، وكلهم حارثيون، ومعهم عبد يغوث الحارثي، فكان كل
стр. 1892
واحد منهم على ألفين، والجماعة ثمانية الاف، فلا يعلم جيش في الجاهلية كان أكبر منه، ومن جيش يوم كسرى يوم ذي قار، ويوم شعب جبلة- فمضوا، حتى إذا كانوا ببلاد باهلة، قال جزء بن جزء بن جزء الباهلي لابنه: يا بني، هل لك في أكرومة لا يصاب أبدا مثلها؟ قال: وما ذاك؟ قال: هذا الحيّ من تميم قد ولجوا هناك مخافة، وقد قصصت أثر الجيش يريدونهم، فاركب جملي الأرحبيّ «١» ، وسر سيرا رويدا عقبة من الليل- يعني ساعة- ثمل حلّ عنه حبليه وأنخه وتوسّد ذراعه، فإذا سمعته قد أفاض بجرّته وبال فاستنقعت ثفتاته «٢» في بوله، فشدّ عليه حبله، ثم ضع السّوط عليه، فإنك لا تسأل جملك شيئا من السير الا اعطاك، حتى تصبّح القوم. ففعل ما أمره به.
قال الباهلي: فحللت بالكلاب قبل الجيش وأنا أنظر إلى ابن ذكاء- يعني الصبح- فناديت: يا صباحاه! فانهم ليثبون إليّ ليسألوني من انت، إذ أقبل رجل منهم من بني شقيق على مهر قد كان في النعم، فنادى: يا صباحاه! قد أتي على النعم! ثم كر راجعا نحو الجيش، فلقيه عبد يغوث الحارثي وهو أول الرعيل، فطعنه في رأس معدته فسبق اللبن الدم، وكان قد اصطبح «٣» ، فقال عبد يغوث: اطيعوني وامضوا بالنعم وخلوا العجائز من تميم ساقطة افواهها: قالوا: اما دون ان تنكح بناتهم فلا! وقال ضمرة بن لبيد الحماسي، ثم المذحجي الكاهن: انظروا إذا سقتم النعم «٤» ، فإن أتتكم الخيل عصبا [عصبا] ، العصبة تنتظر الاخرى حتى تلحق بها، فإن أمر القوم هيّن، وإن لحق بكم القوم ولم ينتظر بعضهم بعضا حتى يردّوا وجوه النعم، فإنّ أمرهم شديد.
стр. 1893
وتقدمت سعد والرباب في أوائل الخيل، فالتقوا بالقوم فلم يلتفتوا إليهم، واستقبلوا النّعم ولم ينتظر بعضهم بعضا. ورئيس الرباب النعمان بن الحسحاس، ورئيس بني سعد قيس بن عاثم، وأجمع العلماء أن قيس بن عاصم كان رئيس بني تميم.
فالتقى القوم، فكان أول صريع النعمان بن الحسحاس، واقتتل القوم بقية يومهم، وثبت بعضهم لبعض حتى حجز الليل بينهم، ثم أصبحوا على راياتهم، فنادى قيس بن عاصم: يا آل سعد! ونادى عبد يغوث: يا آل سعد! قيس يدعو سعد بن زيد مناة، وعبد يغوث يدعو سعد العشيرة، فلما سمع ذلك قيس نادى: يا آل كعب! فنادى عبد يغوث: يا آل كعب! قيس يدعو كعب بن سعد، وعبد يغوث يدعو كعب بن مالك، فلما رأى ذلك قيس نادى: يا آل كعب مقاعس فلما سمعه وعلة بن عبد الله الجرمي- وكان صاحب لواء اهل اليمن- نادى: يا لمقاعس! تفاءل به فطرح له اللواء، وكان أول من انهزم، فحملت عليهم بنو سعد الرباب فهزموهم، ونادى قيس بن عاصم: يا آل تميم، لا تقتلوا إلا فارسا فإن الرجّالة لكم! ثم جعل يرتجز ويقول:
لما تولّوا عصبا هواربا ... أقسمت لا أطعن إلا راكبا «١»
إن وجدت الطعن فيهم صائبا
وقال أبو عبيدة: أمر قيس بن عاصم أن يتبعوا المنهزمة ويقطعوا عرقوب من لحقوا ولا يشتغلوا بقتلهم عن اتّباعهم فجزّوا دوابرهم، فذلك قول وعلة:
فدى لكم أهلي وأمي ووالدي ... غداة كلاب إذ تجزّ الدّوابر «٢»
وسنكتب هذه القصيدة على وجهها. وحمى عبد يغوث اصحابه فلم يوصل إلى الجانب الذي هو فيه، فألظّ «٣» به مصاد بن ربيعة بن الحارث، فلما لحقه مصاد طعنه فألقاه عن الفرس فأسره، وكان مصاد قد أصابته طعنة في مأبضه «٤» ، وكان عرقه
стр. 1894
يهمي- أي يسيل- فعصبه، وكتفه- يعني عبد يغوث- ثم أردفه خلفه، فنزفه الدم، فمال عن فرسه مقلوبا. فلما رأى ذلك عبد يغوث قطع كتافه وأجهز عليه وانطلق على فرسه، وذلك أول النهار، ثم ظفر به بعد في آخره. ونادى مناد قتل اليزيدون.
وشد قبيضة بن ضرار الضبي على ضمرة بن لبيد الحماسي الكاهن فطعنه فخرّ صريعا، فقال له قبيصة: ألا أخبرك تابعك بمصرعك اليوم! وأسر عبد يغوث، وأسره عصمة بن أبير التيمي.
قال أبو عبيدة: انتهى عصمة بن أبير إلى مصاد وقد أمعنوا في الطلب، فوجده صريعا، وقد كان قبل ذلك رأى عبد يغوث أسيرا في يديه، فعرف أنه هو الذي اجهز عليه، فاقتص أثره، فلما لحقه قال له: ويحك! إني رجل أحب اللين، وأنا خير لك من الفلاة والعطش! قال عبد يغوث: ومن أنت؟ قال: عصمة بن أبير. قال عبيد يغوث: أو عندك منعة؟ قال: نعم، فألقى يده في يده، فانطلق به عصمة حتى خبأه عند الاهتم، على ان جعل له من فداه جعلا «١» فوضعه الاهتم عند امرأته العبشمية «٢» ، فأعجبها جماله وكمال خلقه، وكان عصمة الذي أسره غلاما نحيفا، فقالت لعبد يغوث: من أنت؟ قال: انا سيّد القوم! فضحكت، وقالت: قبحك الله سيد قوم حين أسرك مثل هذا. ولذلك يقول عبد يغوث:
وتضحك مني شيخة عبشميّة ... كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا
فاجتمعت الرباب الى الاهتم فقالت: ثأرنا عندك، وقد قتل مصاد والنعمان، فأخرجه إلينا! فأبى الاهتم ان يخرجه اليهم، فكاد ان يكون بين الحيين: الرباب وسعد، فتنة، حتى أقبل قيس بن عاصم المنقري، فقال: أيؤتى قطع حلف الربّاب من قبلنا؟ وضرب فمه بقوس فهتمه «٣» فسمّي الأهتم، فقال الاهتم: انما دفعه إليّ عصمة ابن أبير، ولا أدفعه إلا لمن دفعه إليّ، فليجىء فيأخذه. فأتوا عصمة فقالوا: يا
стр. 1895
عصمة، قتل سيدنا النعمان، وفرسنا، مصاد، وثأرنا أسيرك وفي يدك، فما ينبغي لك أن تستحبيه! فقال: إني ممحل «١» ، وقد أصبت الغنى في نفسي، ولا تطيب نفسي عن أسيري! فاشتراه بنو الحسحاس بمائة بعير. وقال رؤبة بن العجاج: بل أرضوه بثلاثين من حواشي النّعم، فدفعه إليهم، فخشوا ان يهجوهم، فشدوا على لسانه نسعة «٢» ، فقال إنكم قاتليّ ولا بدّ، فدعوني أذمّ أصحابي وأنوح على نفسي! فقالوا: إنك شاعر ونخاف أن تهجونا! فعقد لهم أن لا يفعل، فأطلقوا لسانه وأمهلوه حتى قال قصيدته التي أولها:
ألالا تلوماني كفى اللّوم ما بيا ... فما لكما في الّوم خير ولا ليا
ألم تعلما أنّ الملامة نفعها ... قليل وما لومي أخي من شماليا «٣»
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا «٤»
أبا كرب والأيهمين كليهما ... وقيسا بأعلى حضرموت اليمانيا «٥»
جزى الله قومي بالكلاب ملامة ... صريحهم والآخرين المواليا «٦»
ولو شئت نجّتني من القوم نهدة ... ترى خلفها الجرد الجياد تواليا «٧»
ولكنني أحمى ذمار أبيكم ... وكاد الرّماح يختطفن المحاميا «٨»
أحقّا عباد الله أن لست سامعا ... نشيد الرّعاء المعزبين المثاليا «٩»
أقول وقد شدّوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا
стр. 1896
وتضحك مني شيخة عبشميّة ... كأن لم تري قبلي أسيرا يمانيا «١»
أمعشر تيم قد ملكتم فأسجحوا ... فإنّ أخاكم لم يكن من بوائيا «٢»
وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا اللّيث معدوّا عليه وعاديا
وقد كنت نحّار الجزور ومعمل الم ... طيّ وأمضي حيث لا حيّ ماضيا
وأعقر للشّرب الكرام مطيّتي ... وأصدع بين القينتين ردائيا «٣»
وكنت إذا ما الخيل شمّطها القنا ... لبيقا بتصريف القناة بنانيا «٤»
وعادية سوم الجراد وزعتها ... برمحي وقد أنحوا إليّ العواليا «٥»
كأنّي لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كرّي قاتلي عن رجاليا
ولم أسبإ الزّقّ الّرويّ ولم أقل ... لأيسار صدق أعظموا ضوء ناريا «٦»
قال ابو عبيدة: فلما ضربت عنقه قالت ابنة مصاد: بؤ بمصاد! فقال بنو النعمان:
يالكاع! نحن نشتريه بأموالنا ويبوء بمصاد؟ فوقع بينهم في ذلك الشر، ثم اصطلحوا، وكان الغناء كله يوم الكلاب من الرباب لتيم، ومن بني سعد لمقاعس.
وقال وعلة الجرمي وكان أول منهزم انهزم يوم الكلاب، وكان بيده لواء القوم:
ومنّ عليّ الله منّا شكرته ... غداة الكلاب إذ تجز الدّوابر
ولمّا رأيت الخيل تترى أثابجا ... علمت بأنّ اليوم أحمس فاجر «٧»
نجوت نجاء ليس فيه وثيرة ... كأني عقاب عند تيمن كاسر «٨»
خداريّة سفعاء لبّذ ريشها ... بطخفة يوم ذو أهاضيب ماطر «٩»
стр. 1897
لها ناهض في الوكر قد مهدت له ... كما مهدت للبعل حسناء عاقر
كأنّا وقد حالت حذتّه دوننا ... نعام تلاه فارس متواتر «١»
فمن يك يرجو في تميم هوادة ... فليس لجرم في تميم أواصر
ولمّا سمعت الخيل تدعو مقاعسا ... تنازعني من ثغرة النحر ناحر
فإن أستطيع لا تلتبس بي مقاعس ... ولا ترني بيداؤهم والمحاضر «٢»
ولا أك في جرّارة مضريّة ... إذا ما غدت قوت العيال تبادر «٣»
وقد قلت للنّهديّ هل أنت مردفي ... وكيف رداف الفلّ أمّك عاثر «٤»
يذكّرني بالإلّ بيني وبينه ... وقد كان في جرم ونهد تدابر «٥»
وقال محرز بن المعكبر الضبي- ولم يشهدها وكان مجاورا في بكر بن وائل- لما بلغه الخبر:
فدى لقومي ما جمّعت من نشب ... إذ ساقت الحرب أقواما لأقوام «٦»
إذ حدّثت مذحج عنا وقد كذبت ... أن لا يذبّب عن أحسابنا حام
دارت رحانا قليلا ثم واجههم ... ضرب تصدّع منه جلدة الهام «٧»
ظلّت ضباع مجيرات تجرّرهم ... وألحموهنّ منهم أيّ إلحام «٨»
حتى حذنّة لم نترك بها ضبعا ... إلّا لها جزر من شلو مقدام «٩»
стр. 1898
ظلّت تدوس بني كعب بكلكلها ... وهمّ يوم بني نهد بإظلام «١»
قال أبو عبيدة: حدثني المنتجع بن نبهان قال: وقف رؤبة بن العجاج على التيم بمسجد الحرورية، فقال: يا معشر تيم، إني سمرت عند الامير تلك الليلة، فتذاكرنا يوم الكلاب، فقال: يا معشر تيم، إن الكلاب ليس كما ذكرتم فأعفونا من قصيدتي صاحبينا- يعني عبد يغوث ووعلة الجرمي- ومن قصيد ابن المعكبر صاحبكم، وهاتوا غير ذلك، فأنتم اكثر الناس كلاما وهجاء.
قال رؤبة: فأنشدناه في ذلك اليوم شعرا كثيرا، فجعل يقول: هذه إسلامية كلها.
يوم طحفة «٢»
كانت الرّدافة «٣» ، ردافة الملك، لعتّاب بن هرميّ بن رياح، ثم كانت لقيس بن عتاب، فسأل حاجب بن زرارة النعمان أن يجعلها للحارث بن مرط بن سفيان بن مجاشع، فسألها النعمان بني يربوع، وقال: أعقبوا إخوتكم في الردّافة. قالوا: إنهم لا حاجة لهم فيها، وانما سألها حاجب حسدا لنا. وأتوا عليه. فقال الحارث بن شهاب وهو عند النعمان: إن بني يربوع لا يسلمون ردافتهم إلى غيرهم. وقال حاجب: إن بعث إليهم الملك جيشا لم يمنعوه، ولم يمتنعوا. فبعث إليهم النعمان قابوسا ابنه، وحسان بن المنذر، فكان قابوس على الناس، وكان حسان على المقدمة. وبعث معهم الصنائع والوضائع- فالصنائع من كان يأتيه من العرب، والوضائع المقيمون بالحيرة- فالتقوا بطخفة، فانهزم قابوس ومن معه، وضرب طارق بن عميرة فرس قابوس فعقره، وأخذه ليجز ناصيته «٤» ، فقال قابوس: إن الملك لا تجزّ نواصيها! فجهزه
стр. 1899
وأرسله إلى أبيه، وأما حسان بن المنذر، فأسره بشر بن عمرو الرياحي، ثم منّ عليه وأرسله، فقال مالك بن نويرة:
ونحن عقرنا مهر قابوس بعد ما ... رأى القوم منه الموت والخيل تلحب «١»
عليه دلاص ذات نسج وسيفه ... جراز من الهنديّ أبيض مقضب «٢»
طلبنا بها إنا مداريك قبلها ... إذا طلب الشّأ والبعيد المغرّب
يوم فيف الريح «٣»
قال أبو عبيدة: تجمعت قبائل مذحج، وأكثرها بنو الحارث بن كعب، وقبائل من مراد وجعفي وزبيد وخثعم، وعليهم أنس بن مدركة، وعلى بني الحارث الحصين، فأغاروا على بني عامر بن صعصعة بفيف الريح، وعلى بني عامر، عامر بن مالك ملاعب الاسنة.
قال: فاقتتل القوم فكثروهم «٤» . وارفضت قبائل من بني عامر، وصبرت بنو نمير، فما شبهوا إلا الكلاب المتعاظلة «٥» حول اللواء، وأقبل عامر بن الطفيل وخلفه دعيّ بن جعفر، فقال: يا معشر الفتيان، من ضرب ضربة او طعن طعنة فليشهدني فكان الفارس إذا ضرب ضربة او طعن طعنة قال عند ذلك: يا أبا علي! فبينما هو كذلك إذ أتاه مسهر بن يزيد الحارثي، فقال له من ورائه: عندك يا عامر! والرمح عند أذنه، فوهصه- أي طعنه فأصاب عينه- فوثب عامر عن فرسه، ونجا على رجليه، وأخذ مسهر رمح عامر. ففي ذلك يقول عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر:
لعمري وما عمري علي بهيّن ... لقد شان حر الوجه طعنة مسهر
стр. 1900
أعاذل لو كان البداد لقوتلوا ... ولكن نزونا بالعديد المجمهر «١»
ولو كان جمع مثلنا لم يبزّنا ... ولكن أتتنا أسرة ذات مفخر «٢»
أتونا ببهراء ومذحج كلّها ... وأكلب طرّا في جنان السّنور «٣»
وقال مسهر، وزعم أنهم أخذوا امرأة عامر بن الطفيل:
وهصت بخرص الرّمح مقلة عامر ... فأضحى نحيفا في الفوارس أعورا «٤»
وغادر فينا رمحه وسلاحه ... وأدبر يدعو في الهوالك جعفرا
وكنّا إذا قيسيّة دهيت بنا ... جرى دمعها من عينها فتحدّرا
مخافة ما لاقت حليلة عامر ... من الشّرّ إذ سربالها قد تعفّرا
قال: وامتنّت بنو نمير على بني كلاب بصبرهم يوم فيف الريح، فقال عامر:
تمنّون بالنعما ولولا مكرنا ... بمنعرج الفيفا لكنتم مواليا
ونحن تداركنا فوارس وحوح ... عشيّة لاقينا الحصين اليمانيا
وحوح: من بني نمير، وكان عامر استنقذهم، وأسر حنظلة بن الطفيل يومئذ.
قال أبو عبيدة: كانت وقعة فيف الريح وقد بعث النبي ﷺ بمكة، وأدرك مسهر ابن يزيد الإسلام فأسلم.
يوم تياس «٥»
كانت أفناء قبائل من بني سعد بن زيد مناة وأفناء قبائل من بني عمرو بن تميم التقت بتياس، فقطع غيلان بن مالك بن عمرو بن تميم رجل الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة. فطلبوا القصاص، فأقسم غيلان أن لا يعقلها ولا يقصّ بها حتى تحشى عيناه ترابا! وقال:
стр. 1901
لا نعقل الرّجل ولا نديها ... حتى تروا داهية تنسيها
فالتقوا فاقتتلوا فجرحوا غيلان حتى ظنوا انهم قد قتلوه، ورئيس عمرو، كعب بن عمرو، ولواؤه مع ابنه ذؤيت وهو القائل لأبيه:
يا كعب إن أخاك منحمق ... إن لم يكن بك مرّة كعب
جانيك من يجني عليك وقد ... تعدي الصّحاح مبارك الجرب «١»
والحرب قد تضطرّ جانبها ... نحو المضيق ودونه الرّحب
يوم زرود «٢» الأول
غزا الحوفزان حتى انتهى إلى زورد خلف جبل من جبالها، فأغاروا على نعم كثير صادر عن الماء لبني عبس، فاحتازوه، وأتى الصريخ بني عبس، فركبوا، ولحق عمارة ابن زياد العبسي الحوفزان فعرفه- وكانت أم عمارة قد أرضعت مضر بن شريك، وهو أخو الحوفزان- فقال عمارة: يا بني شريك، قد علمتم ما بيننا وبينكم! قال الحوفزان، وهو الحارث بن شريك: صدقت يا عمارة، فانظر كل شيء هو لك فخذه! فقال عمارة: لقد علمت نساء بني بكر بن وائل أني لم أملأ أيدي أزواجهن وأبنائهن شفقة عليهن من الموت! فحمل عمارة ليعارض النعم «٣» ليردّه، وحال الحوفزان بينه وبين النعم، فعثرت بعمارة فرسه فطعنه الحوفزان، ولحق به نعامة بن عبد الله بن شريك فطعنه أيضا، وقال نعامة: ما كرهت الرمح في كفل «٤» رجل قط أشدّ من كفل عمارة! وأسر ابنا عمارة: سنان وشداد، وكان بني عبس رجلان من طيء ابنان لأوس بن حارثة، مجاورين لهم، وكان لهما أخ أسير في بني يشكر، فأصابا رجلا من بني مرة يقال له: معدان بن محرب، فذهبا به فدفناه «٥» تحت شجرة، فلما
стр. 1902
فقدته بنو شيبان نادوا: يا ثارات معدان! فعند ذلك قتلوا ابني عمارة، وهرب الطائيان بأسيرهما فلما برىء عمارة من جراحه أتى طيّا فقال: ادفعوا إليّ هذا الكلب الذي قتلنا به! فقال الطائي لأوس: ادفع إلى بني عبس صاحبهم. فقال لهم أوس:
أتأمرونني أن أعطي بني عبس قطرة من دمي، وإن ابني أسير في بني يشكر؟ فوالله ما أرجو فكاكه إلا بهذا! فلما قفل الحوفزان من غزوه بعث إلى بني يشكر في ابن أوس، فبعثوا به إليه، فافتكّ به معدان.
وقال نعامة بن شريك:
استنزلت رماحنا سنانا ... وشيخه بطخفة عيانا
ثم أخوه قد رأى هوانا ... لمّا فقدنا بيننا معدانا
يوم غول «١» الثاني: وهو يوم كنهل «٢»
قال أبو عبيدة: أقبل ابنا هجيمة- وهما من بني غسان- في جيش، فنزلا في بني يربوع، فجاورا طارق بن عوف بن عاصم بن ثعلبة بن يربوع، فنزلا معه على ماء يقال له كنهل، فأغار عليهما أناس من ثعلبة بن يربوع، فاستاقوا نعمهما وأسروا من كان في النعم، فركب قيس بن هجيمة بخيله حتى أدرك بني ثعلبة، فكّر عليه عتيبة ابن الحارث، فقال له قيس: هل لك يا عتيبة إلى البراز؟ فقال: ما كنت لأسأله وأدعه! فبارزه، قال عتيبة: فما رأيت فارسا أملأ لعيني منه يوم رأيته، فرماني بقوسه، فما رأيت شيئا أكره إليّ منه، فطعنني فأصاب قربوس «٣» سرجي، حتى وجدت مسّ السنان في باطن فخذي، فتجنبت، قال: ثم أرسل الرمح وقبض بيدي وهو يرى أن قد أثبتني وانصرف، فأتبعته الفرس، فلما سمع زجلها رجع جانحا على قربوس سرجه، وبدا لي فرج الدرع ومعي رمح معلّب «٤» بالقدّ والعصب كنا نصطاد
стр. 1903
به الوحش، فرميته بالقوس، وطعنته بالرمح، فقتلته وانصرفت، فلحقت النعم، وأقبل الهرماس بن هجيمة فوقف على أخيه قتيلا، ثم اتبعني، وقال: هل لك في البراز؟ فقلت: لعل الرجعة لك خير! قال: أبعد قيس؟ ثم شدّ عليّ فضربني على البيضة «١» ، فخلص السيف إلى رأسي، وضربته فقتلته، فقال سحيم بن وثيل يعيّر طارقا فقتل جاريه:
لقد كنت جار بني هجيمة قبلها ... فلم تغن شيئا غير قتل المجاور
وقال جرير:
وساق ابني هجيمة يوم غول ... إلى أسيافنا قدر الحمام
يوم الجبات «٢»
قال أبو عبيدة: خرج بنو ثعلبة بن يربوع فمرّوا بناس من طوائف بني بكر بن وائل بالجبّات، خرجوا سفّارا، فنزلوا وسرحوا إبلهم ترعى، وفيها نفر منهم يرعونها: منهم سوادة بن يزيد بن بجير العجلي. ورجل من بني شيبان، وكان محموما، فمرّت بنو ثعلبة بن يربوع بالإبل، فاطردوها، وأخذوا الرجلين فسألوهما: من معكما؟ فقالا: معنا شيخ من يزيد بن بجيل العجلي في عصابة من بني بكر بن وائل، خرجوا سفارا يريدون البحرين. فقال الربيع ودعموص ابنا عتيبة بن الحارث بن شهاب: لن نذهب بهذين الرجلين وبهذه الإبل ولم يعلموا من أخذها؟ ارجعوا بنا حتى يعلموا من اخذ إبلهم وصاحبيهم ليعنيهم ذلك. فقال لهما عميرة: ما وراءكما إلا شيخ بن يزيد قد أخذتما أخاه وأطردتما ماله، دعاه، فأبيا ورجعا، فوقفا عليهم وأخبراهم وتسميا لهم، فركب شيخ بن يزيد فاتبعهما وقد ولّيا، فلحق دعموصا فأسره ومضى ربيع حتى أتى عميرة فأخبره أنّ أخاه قد قتل، فرجع عميرة على فرس يقال له الخنساء، حتى لحق القوم، فافتكّ منهم دعموصا على أن يردّ عليهم أخاهم
стр. 1904
وإبلهم، فردّها عليهم، فكفر ابنا عتيبة ولم يشكرا عميرة، فقال:
ألم تر دعموصا يصدّ بوجهه ... إذا ما رآني مقبلا لم يسلّم
ألم تعلما يا بني عتيبة مقدمي ... على ساقط بين الأسنّة مسلم
فعارضت فيه القوم حتى انتزعته ... جهارا ولم أنظر له بالتّلوّم «١»
يوم إراب «٢»
غزا الهذيل بن هبيرة بن حسان التغلبي، فأغار على بني يربوع بإراب فقتل فيهم قتلا ذريعا، فأصاب نعما كثيرة وسبى سبيا كثيرا، فيهم زينب بنت حمير بن الحارث ابن همام بن رباح بن يربوع، وهي يومئذ عقيلة نساء بني تميم وكان الهذيل يسمى مجدعا، وكان بنو تميم يفزعون به أولادهم، وسبى أيضا طابية بنت جزء بن سعد الرياحي، ففداها أبوها، وركب عتيبة بن الحارث في أسراهم ففكهم أجمعين.
يوم الشعب
غزا قيس بن شرفاء التغلبي، فأغار على بني يربوع بالشعب، فاقتتلوا، فانهزمت بنو يربوع، فزعم أبو هدبة أنها كانت اختطافا، فأسر سحيم بن وثيل الرياحي، ففي ذلك يقول سحيم:
أقول لهم بالشّعب إذ يأسرونني ... ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم «٣»
ففدى نفسه. وأسر يومئذ متمّم بن نويرة، فوفد مالك بن نويرة على قيس بن شرفاء في فدائه فقال:
هل أنت يا قيس بن شرفاء منعم ... أو الجهد إن أعطيته أنت قابله
فلما رأى وسامته «٤» وحسن شارته، قال: بل منعم. فأطلقه له.
стр. 1905
يوم غول «١» الأول
فيه قتل طريف بن شراحيل وعمرو بن مرثد المحلّمي.
غزا طريف بن تميم في بني العنبر وطوائف من بني عمرو بن تميم، فأغار على بني بكر بن وائل بغول، فاقتتلوا، ثم إنّ بكرا انهزمت، فقتل طريف بن شراحيل أحد بني ربيعة، وقتل أيضا عمرو بن مرثد المحلّمي، وقتل المحسّر، فقال في ذلك ربيعة ابن طريف:
يا راكبا بلّغن عني مغلغلة ... بني الخصيب وشرّ المنطق الفند «٢»
هلّا شراحيل إذ مال الحزام به ... وسط العجاج فلم يغضب له أحد «٣»
أو المحسّر أو عمر تحيّفهم ... منّا فوارس هيجا نصرهم حشد «٤»
إذ يلحظون بزرق من أسنتّنا ... يشفى بهنّ الشّنا والعجب والكمد «٥»
وقد قتلناكم صبرا ونأسركم ... وقد طردناكم لو ينفع الطرد «٦»
حتى استغاث بنا أدنى شريدكم ... من بعد ما مسه الضراء والنكد
وقال نضلة السلمي في يوم غول، وكان حقيرا دميما، وكان ذا نجدة:
ألم تسل الفوارس يوم غول ... بنضلة وهو موتور مشيح؟ -
رأوه فازدروه وهو حرّ ... وينفع أهله الرجل القبيح
فشدّ عليهم بالسيف صلتا ... كما عضّ الشبا الفرس الجموح «٧»
فأطلق غلّ صاحبه وأردى ... قتيلا منهم ونجا جريح
ولم يخشوا مصالته عليهم ... وتحت الرّغوة اللبن الصريح «٨»
стр. 1906
يوم الخندمة «١»
كان رجل من مشركي قريش يحدّ حربة يوم فتح مكة، فقالت له امرأته: ما تصنع بهذه؟ قال: أعددتها لمحمد وأصحابه! قالت: والله ما أرى [أنه] يقوم لمحمد وأصحابه شيء! فقال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعض نسائهم! وأنشأ يقول:
إن يقبلوا اليوم فما بي علّة ... هذا سلاح كامل وألّه «٢»
وذو غرارين سريع السّلّة «٣»
فلما لقيهم خالد بن الوليد يوم الخندمة انهزم الرجل لا يلوي على شيء فلامته امرأته، فقال:
إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه
ولقيتنا بالسيوف المسلمة ... يفلقن كلّ ساعد وجمجمه «٤»
ضربا فلا تسمع إلا غمغمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه «٥» !
يوم اللهيماء «٦»
قال أبو عبيدة: كان سبب الحرب التي كانت بين عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، وبين بني عبد بن عدي بن الدّئل بن بكر بن عبد مناة، أن قيس بن عامر بن غريب أخا بني عمرو بن عدي، وأخاه سالما، خرجا يريدان بني عمرو بن الحارث، على فرسين، يقال لاحدهما اللّعاب، والأخرى عفزر، فباتا عند رجل من بني نفاثة، فقال النفاثي لقيس وأخيه: أطيعاني وأرجعا، لأعرفنّ رماحكما تكسر في قتاد نعمان «٧» . قالا: إن رماحنا لا تكسر إلا في صدور الرجال! قال: لا يضركما،
стр. 1907
وستحمدان أمري. فأصبحا غاديين، فلما شارفا متن اللهيما من نعمان، وبنو عمرو بن الحارث فويق ذلك، بموضع يقال له أديمة «١» ، أغارا على غنم جندب بن أبي عميس، وفيها جندب، فتقدم إليه قيس، فرماه جندب في حلمة ثديه، وبعجه قيس بالسيف فأصابت ظبة «٢» السيف وجه جندب، وخرّ قيس، ونفرت الغنم نحو الدار، فتبعها، وحمل سالم على جندب بفرسه عفزر، فضرب جندب خطم «٣» عفزر بالسيف فقطعه، وضربه سالم فاتقاه بيده فقطع أحد زنديه، فخر جندب وذفّف «٤» عليه سالم، وأدرك العشي سالما، فخرج وترك سيفه في المعركة، وثوبه بحقويه، لم ينج إلا بجفن سيفه ومئزره، فقال في ذلك حماد بن عامر:
لعمرك ما وفي ابن ابي عميس ... وما خان القتال وما أضاعا
سما بقرابه حتى إذا ما ... أتاه قرنه بذل المصاعا «٥»
فإن أك نائبا عنه فإني ... سررت بأنه غبن البياعا
وأفلت سالم منها جريضا ... وقد كلم الذّبابة والذّراعا «٦»
ولو سلمت له يمنى يديه ... لعمر أبيك اطعمك السّباعا
وقال حذيفة بن أنس:
ألا بلّغا جلّ السواري وجابرا ... وبلغ بني ذي السهم عنا ويعمرا «٧»
كشفت غطاء الحرب لما رأيتها ... تميل على صفو من الليل أكدرا «٨»
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا «٩»
стр. 1908
ويمشي إذا ما الموت كان أمامه ... كذا الشّبل يحمي الانف أن يتأخّرا «١»
نجا سالم والنفس منه بشدقه ... ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا «٢»
وطاب عن اللّعاب نفسا وربّه ... وغادر قيسا في المكرّ وعفزرا
يوم خزاز «٣»
قال أبو عبيدة تنازع عامر ومسمع ابنا عبد الملك، وخالد بن جبلة، وإبراهيم بن محمد بن نوح العطاردي، وغسان بن عبد الحميد، وعبد الله بن سلم الباهلي، ونفر من وجوه أهل البصرة كانوا يتجالسون يوم الجمعة ويتفاخرون ويتنازعون في الرياسة يوم خزاز، فقال خالد بن جبلة، كان الأحوص بن جعفر الرئيس. وقال عامر ومسمع: كان الرئيس كليب بن وائل. وقال بن نوح: كان الرئيس زرارة بن عدس.
وهذا في مجلس أبي عمرو بن العلاء، فتحاكموا إلى أبي عمرو، فقال: ما شهدها عامر بن صعصعة، ولا دارم بن مالك، ولا جشم بن بكر، اليوم أقدم من ذلك، ولقد سألت عنه منذ ستين سنة فما وجدت أحدا من القوم يعلم من رئيسهم ومن الملك، غير أن أهل اليمن كان الرجل منهم يأتي ومعه كاتب وطنفسة «٤» يقعد عليها، فيأخذ من أموال نزار ما شاء، كعمال صدقاتهم اليوم. وكان أول يوم امتنعت معدّ عن الملوك ملوك حمير، وكانت نزار لم تكثر بعد، فأوقدوا نارا على خزاز ثلاث ليال، ودخنوا ثلاثة أيام ... فقيل له: وما خزاز؟ قال: هو جبل قريب من أمرة على يسار الطريق، خلفه صحراء منعج «٥» ، يناوحه كور وكوير «٦» ، إذا قطعت بطن عاقل، ففي ذلك اليوم امتنعت نزار من أهل اليمن أن يأكلوهم، ولولا قول عمرو بن كلثوم ما عرف ذلك اليوم، حيث يقول:
стр. 1909
ونحن غداة أوقد في خزاز ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
فكنّا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا «١»
فصالوا صولة فيما يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا
فآبوا بالنهاب وبالسّبابا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا «٢»
قال أبو عمرو بن العلاء: ولو كان جدّه كليب بن وائل قائدهم ورئيسهم ما ادعى الرّفادة وترك الرياسة، وما رأيت أحدا عرف هذا اليوم ولا ذكره في شعره قبله ولا بعده!
يوم المعا «٣»
قال أبو عبيدة: أغار المنبطح الأسدي على بني عبّاد بن ضبيعة، فأخذ نعما لبني لحرب بن عباد، وهي ألف بعير، فمر ببني سعد بن مالك بن ضبيعة، وبني عجل بن لجيم، فتبعوه حتى انتزعوها منه، ورئيس بني سعد حمران بن عبد عمرو، فأسر أفتل ابن حسان العجليّ المنبطح الأسدي، ففداه قومه، ولا أدري كم كان فداؤه، واستنقذوا السبي، فقال حجر بن خالد بن محمود في يوم المعا:
ومنبطح الغواضر قد أذقنا ... بناعجة المعا حرّ الجلاد «٤»
تنفّذنا أخاذيذا فردّت ... على سكن وجمع بني عباد
سكن: ابن باعث بن الحرث بن عباد، والأخائذ: من أخذ من النساء. وقال حمران بن عبد عمرو:
إن الفوارس يوم ناعجة المعا ... نعم الفوارس من بني سيار
لم يلههم عقد الأصرّة خلفهم ... وحنين منهلة الضروع عشار «٥»
стр. 1910
لحقوا على قبّ الأياطل كالقنا ... شعث تعدّ لكلّ يوم عوار «١»
حتى حبون أخا الغواضر طعنة ... وفككن منه القدّ بعد إسار
سالت عليه من الشّعاب خوانف ... ورد الغطاط تبلّج الأسحار «٢»
يوم النّسار «٣»
قال أبو عبيدة: حالفت أسد وطيء وغطفان، ولحقت بهم ضبة وعدي، فغزوا بني عامر فقتلوهم قتلا شديدا، فغضبت بنو تميم لقتل عامر، فتجمعوا حتى لحقوا طيئا وغطفان وحلفاءهم من بني ضبة وعدي يوم الجفار «٤» ، فقتلت تميم طيئا أشدّ مما قتلت عامر يوم النّسار. فقال في ذلك بشر بن أبي خازم:
غضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم النّسار فأعتبوا بالصّيلم «٥»
يوم ذات الشقوق «٦»
فحلف ضمرة بن النهشلي. فقال: الخمر عليّ حرام حتى يكون له يوم يكافئه! فأغار عليهم ضمرة يوم ذات الشقوق فقتلهم، وقال في ذلك:
الآن ساغ لي الشراب ولم أكن ... آتي التّجار ولا أشدّ تكلمي
حتى صبحت على الشّقوق بغارة ... كالتمر ينثر في حرير الحرّم
وأبأت يوما بالجفار بمثله ... وأجرت نصفا من حديث الموسم
ومشت نساء كالظباء عواطلا ... من بين عارفة السّباء وأيّم «٧»
стр. 1911
ذهب الرّماح بزوجها فتركنه ... في صدر معتدل القناة مقوّم
يوم خوّ «١»
قال أبو عبيدة: أغارت بنو أسد على بني يربوع فاكتسحوا إبلهم، فأتى الصريخ الحيّ، فلم يتلاحقوا إلا مساء بموضع يقال له خوّ، وكان ذؤاب بن ربيعة الأسدي على فرس أنثى، وكان عتيبة بن الحارث بن شهاب على حصان، فجعل الحصان يستنشق ريح الأنثى في سواد الليل ويتبعها، فلم يعلم عتيبة إلا وقد أقحم فرسه على ذؤاب بن ربيعة الأسدي، وعتيبة غافل لا يبصر ما بين يديه في ظلمة الليل، وكان عتيبة قد لبس درعه وغفل عن جربّانها «٢» حتى أتى الصّريخ فلم يشدّه، ورآه ذؤاب فأقبل بالرمح إلى ثغرة نحره فخر صريعا قتيلا، ولحق الربيع بن عتيبة فشد على ذؤاب فأسره وهو لا يعلم أنه قاتل أبيه، فكان عنده أسيرا حتى فاداه أبوه ربيعة بإبل معلومة قاطعه عليها، وتواعدا سوق عكاظ في الأشهر الحرم أن يأتي هذا بالإبل ويأتي هذا بالأسير، وأقبل أبو ذؤاب بالإبل، وشغل الربيع بن عتيبة فلم يحضر سوق عكاظ، فلما رأى ذلك ربيعة أبو ذؤاب لم يشك أن ذؤابا قد قتلوه بأبيهم عتيبة، فرثاه وقال:
أبلغ قبائل جعفر مخصوصة ... ما إن أحاول جعفر بن كلاب
إنّ المودّة والهوادة بيننا ... حلق كسحق الرّيطة المنجاب «٣»
ولقد علمت على التّجلّد والأسى ... أنّ الرّزية كان يوم ذؤاب «٤»
إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم ... بعتيبة بن الحرث بن شهاب
بأحبّهم فقدا إلى أعدائه ... وأشدّهم فقدا على الأصحاب
فلما بلغهم الشعر قتلوا ذؤاب بن ربيعة.
стр. 1912
وقالت آمنة بنت عتيبة ترثي أباها:
على مثل ابن مية فانعياه ... بشقّ نواعم البشر الجيوبا
وكان أبي عتيبة شمّريّا ... فلا تلقاه يدّخر النّصيبا
ضروبا للكميّ إذا اشمعلّت ... عوان الحرب لا ورعا هيوبا «١»
أيام الفجار الأول
قال أبو عبيدة: أيام الفجار عدة، وهذا أولها، وهو بين كنانة وهوازن، وكان الذي هاجه أن بدر بن معشر أحد بني غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة ابن كنانة، جعل له مجلس بسوق عكاظ، وكان حدثا منيعا في نفسه، فقام في المجلس وقام على رأسه قائم، وأنشأ يقول:
نحن بنو مدركة بن خندف ... من يطعنوا في عينه لم يطرف
ومن يكونوا قومه يغطرف ... كأنهم لجّة بحر مسدف «٢»
قال: ومدّ رجله وقال: أنا أعز العرب، فمن زعم أنه أعز مني فليضربها! فضربها الأحمير بن مازن أحد بني دهمان بن نصر بن معاوية، فأندرها «٣» من الركبة، وقال:
خذها إليك أيها المخندف
قال أبو عبيدة: إنما خرصها «٤» خريصة يسيرة وقال في ذلك:
نحن بنو دهمان ذو التّغطرف ... بحر لبحر زاخر لم ينزف
نبني على الأحياء بالمعرّف
قال أبو عبيدة: فتحاور الحيان عند ذلك حتى كاد أن يكون بينهما الدماء، ثم تراجعوا ورأوا أن الخطب يسير.
стр. 1913
الفجار الثاني
كان الفجار الثاني بين قريش وهوازن، وكان الذي هاجه أن فتية من قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر بن صعصعة وضيئة «١» وحسانة بسوق عكاظ. وقالوا:
بل طاف بها شباب من بني كنانة وعليها برقع وهي في درع «٢» فضل، فأعجبهم ما رأوا من هيئتها، فسألوها أن تسفر عن وجهها فأبت عليهم، فأتى أحدهم من خلفها فشد دبر درعها بشوكة إلى ظهرها وهي لا تدري، فلما قامت تقلص الدرع عن دبرها، فضحكوا وقالوا: منعتنا النظر إلى وجهها فقد رأينا دبرها! فنادت المرأة يا آل عامر! فتحاور الناس، وكان بينهم قتال ودماء يسيرة، فحملها حرب بن أمية وأصلح بينهم.
الفجار الثالث
وهو بين كنانة وهوازن: وكان الذي هاجه أن رجلا من بني كنانة كان عليه دين لرجل من بني نصر بن معاوية، فأعدم الكناني، فوافى النصري بسوق عكاظ بقرد فأوقفه في سوق عكاظ، وقال: من يبيعني مثل هذا بمالي على فلان! حتى أكثر من ذلك، وإنما فعل ذلك النصري تعييرا للكناني ولقومه، فمرّ به رجل من بني كنانة فضرب القرد بسيفه فقتله، فهتف النصري: يا آل هوازن! وهتف الكناني: يا آل كنانة! فتهايج الناس حتى كاد أن يكون بينهم قتال، ثم رأوا الخطب يسيرا فتراجعوا ولم يفقم الشر بينهم.
قال أبو عبيدة: فهذه الأيام تسمى فجارا، لأنها كانت في الأشهر الحرم، وهي الشهور التي يحرّمونها ففجروا فيها، فلذلك سميت فجارا وهذه يقال لها الفجار الأول.
стр. 1914
الفجار الآخر
وهو بين قريش وكنانة كلها وهوازن، وإنما هاجها البرّاض بقتله عروة الرّحال ابن عتبة بن جعفر بن كلاب، فأبت أن تقتل بعروة: البراض، لأن عروة سيد هوازن، والبراض خليع من بني كنانة، أرادوا أن يقتلوا به سيدا من قريش.
وهذه الحروب كانت قبل مبعث النبي ﷺ بست وعشرين سنة وقد شهدها النبي ﷺ وهو ابن أربع عشرة سنة مع أعمامه. وقال النبي ﵊: كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة يعني أنا ولهم النبل.
وكان سبب هذه الحرب أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة كان يبعث [إلى] سوق عكاظ في كل عام لطيمة «١» في جوار رجل شريف من أشراف العرب، يجيرها له حتى تباع هناك ويشترى له بثمنها من أدم الطائف ما يحتاج إليه، وكانت سوق عكاظ تقوم في أول يوم من ذي القعدة، فيتسوّقون إلى حضور الحج، ثم يحجون، وكانت الأشهر الحرم أربعة أشهر: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وعكاظ بين نخلة والطائف، وبينها وبين الطائف نحو من عشرة أميال، وكانت العرب تجتمع فيها للتجارة والتّهيّؤ للحج، من أول ذي القعدة إلى وقت الحج، ويأمن بعضها بعضا، فجهز النعمان: عير اللطيمة، ثم قال: من يجيرها؟ فقال البراض بن قيس الضّمري: أنا أجيرها على بني كنانة. فقال النعمان ما أريد إلا رجلا يجيرها على أهل نجد وتهامة. فقال عروة الرحّال، وهو يومئذ رجل هوازن: أكلب خليع يجيرها لك؟
أبيت اللعن أنا أجيرها لك على أهل الشيح «٢» والقيصوم «٣» من أهل نجد وتهامة! فقال البراض: أعلى بني كنانة تجيرها يا عروة؟ قال: وعلى الناس كلهم! فدفعها النعمان إلى عروة، فخرج بها وتبعه البراض، وعروة لا يخشى منه شيئا، لأنه كان بين ظهراني
стр. 1915
قومه من غطفان إلى جانب فدك «١» ، وإلى أرض يقال لها أوارة «٢» ، فنزل بها عروة فشرب من الخمر وغنته قينة، ثم قام فنام، فجاء البراض فدخل عليه، فناشده عروة وقال: كانت مني زلّة، وكان الفعلة مني ضلة! فقتله وخرج يرتجز ويقول:
قد كانت الفعلة مني ضلّه ... هلّا على غيري جعلت الزّلّه
فسوف أعلو بالحسام القله «٣»
وقال:
وداهية يهال الناس منها ... شددت لها بني بكر ضلوعي
هتكت بها بيوت بني كلاب ... وأرضعت الموالي بالضّروع
جمعت له يديّ بنصل سيف ... أفلّ فخرّ كالجذع الصّريع «٤»
واستاق اللطيمة إلى خيبر، واتبعه المساور بن مالك الغطفاني، وأسد بن خيثم الغنوي، حتى دخل خيبر! فكان البراض أول من لقيهما، فقال لهما: من الرجلان؟
قالا: من غطفان وغنّي. قال البراض: ما شأن غطفان وغنّي بهذه البلدة؟ قالا: ومن أنت؟ قال: من أهل خيبر. قالا: ألك علم بالبراض؟ قال: دخل علينا طريدا خليعا فلم يؤوه أحد بخيبر ولا أدخله بيتا. قالا: فأين يكون؟ قال: وهل لكما به طاقة إن دللتكما عليه؟ قالا: نعم. قال: فانزلا! فنزلا وعقلا راحلتيهما. قال: فأيكما أجرأ عليه وأمضى مقدما وأحدّ سيفا؟ قال الغطفاني: أنا! قال البراض: فانطلق أدلّك عليه، ويحفظ صاحبك راحلتيكما ففعل، فانطلق البراض يمشي بين يدي الغطفاني حتى انتهى إلى خربة في جانب خيبر خارجة عن البيوت. فقال البراض: هو في هذه الخربة وإليها يأوي، فأنظرني حتى أنظر أثمّ هو أم لا. فوقف له ودخل البراض، ثم خرج إليه وقال: هو نائم في البيت الأقصى خلف هذا الجدار، عن يمينك إذا دخلت،
стр. 1916
فهل عندك سيف فيه صرامة؟ قال: نعم. قال: هات سيفك أنظر إليه أصارم هو؟
فأعطاه إياه، فهزه البراض ثم ضربه به حتى قتله، ووضع السيف خلف الباب، وأقبل على الغنوي، فقال: ما وراءك؟ قال: لم أر أجبن من صاحبك، تركته قائما في الباب الذي فيه الرجل، والرجل نائم، لا يتقدم إليه ولا يتأخر عنه! قال الغنوي: يا لهفاه! لو كان أحد ينظر راحلتينا! قال البراض: هما عليّ إن ذهبتا، فانطلق الغنوي.
والبراض خلفه، حتى إذا جاوز الغنوي باب الخربة أخذ البراض السيف من خلف الباب ثم ضربه به حتى قتله، وأخذ سلاحيهما وراحلتيهما ثم انطلق.
وبلغ قريشا خبر البراض بسوق عكاظ، فخلصوا نجيا، واتبعتهم قيس لمّا بلغهم أن البراض قتل عروة الرّحال، وعلم قيس أبو براء عامر بن مالك، فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، ونادوهم: يا معشر قريش، إنا نعاهد الله أن لا نبطل دم عروة الرحال أبدا ونقتل به عظيما منكم، وميعادنا وإياكم هذه الليالي من العام المقبل، فقال حرب بن أمية لأبي سفيان ابنه: قل لهم إن موعدكم قابل في هذا اليوم. فقال خداش بن زهير في هذا اليوم، وهو يوم نخلة:
يا شدّة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا البيت والحرم
لما رأوا خيلنا تزجي أوائلها ... آساد غيل حمى أشبالها الأجم «١»
واستقبلوا بضراب لا كفاء له ... يبدي من الغرل الأكفال ما كتموا «٢»
ولّوا شلالا وعظم الخيل لا حقة ... كما تخبّ إلى أوطانها النعم «٣»
ولت بهم كل محضار ململمة ... كأنها لقوة بجنبها ضرم «٤»
وكانت العرب تسمي قريشا سخينة لأكلها السخن.
стр. 1917
يوم شمطة «١»
وهي من يوم الفجار الآخر، ويوم نخلة منه أيضا، قال: فجمعت كنانة قريشها وعبد مناتها والأحابيش «٢» ومن لحق بهم من بني أسد بن خزيمة، وسلّح يومئذ عبد الله ابن جدعان مائة كميّ «٣» بأداة كاملة، سوى من سلح من قومه والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة. قال: وجمعت سليم وهوازن جموعها وأحلافها- غير كلاب وبني كعب، فإنهما لم يشهدا يوما من أيام الفجار غير يوم نخلة- فاجتمعوا بشمطة من عكاظ في الأيام التي تواعدوا فيها على قرن الحول، وعلى كل قبيلة من قريش وكنانة سيدها. وكذلك على قبائل قيس، غير أن أمر كنانة كلها إلى حرب ابن أمية، وعلى إحدى مجنبتيها عبد الله بن جدعان، وعلى الأخرى كريز بن ربيعة.
وحرب بن أمية في القلب، وأمر هوازن كلها إلى مسعود بن معتب الثقفي. فتناهض الناس وزحف بعضهم إلى بعض. فكانت الدائرة في أول النهار لكنانة على هوازن، حتى إذا كان آخر النهار تداعت هوازن وصابرت، وانقشعت كنانة فاستحر القتل فيهم، فقتل منهم تحت رايتهم مائة رجل، وقيل ثمانون، ولم يقتل من قريش يومئذ أحد يذكر، فكان يوم شمطة لهوازن على كنانة.
يوم العبلاء «٤»
ثم جمع هؤلاء وأولئك، فالتقوا على قرن الحول في اليوم الثالث من أيام عكاظ، والرؤساء على هؤلاء وأولئك الذين ذكرنا في يوم شمطة، وكذلك على المجنبتين، فكان هذا اليوم أيضا لهوازن على كنانة، وفي ذلك يقول خداش بن زهير:
стр. 1918
ألم يبلغك ما لقيت قريش ... وحيّ بني كنانة إذ أبيروا «١»
دهمناهم بأرعن مكفهرّ ... فظلّ لنا بعقوتهم زئير «٢»
وفي هذا اليوم قتل العوّام بن خويلد، والد الزبير بن العوّام، قتله مرة بن معتب الثقفي، فقال رجل من ثقيف:
منّا الذي ترك العوّام منجدلا ... تنتابه الطير لحما بين أحجار «٣»
يوم شرب «٤»
ثم جمع هؤلاء وأولئك، فالتقوا على قرن الحول في اليوم الثالث من أيام عكاظ، فالتقوا بشرب، ولم يكن بينهم يوم أعظم منه، والرؤساء على هؤلاء وأولئك الذين ذكرنا، وكذلك على المجنبتين، وحمل ابن جدعان يومئذ مائة رجل على مائة بعير، ممن لم تكن له حمولة، فالتقوا وقد كان لهوازن على كنانة يومان متواليان: يوم شمطة، ويوم العبلاء، فحميت قريش وكنانة، وصابرت بنو مخزوم وبنو بكر فانهزمت هوازن وقتلت قتلا ذريعا، وقال عبد الله بن الزبعري يمدح بني المغيرة:
ألا لله قوم و ... لدت أخت بني سهم
هشام وأبو عبد ... مناف مدره الخصم «٥»
فهذان يذودان ... وذا من كثب يرمي «٦»
وأبو عبد مناف: قصي، وهشام. ابن المغيرة، وذو الرمحين: أبو ربيعة بن المغيرة، قاتل يوم شرب برمحين، وأمهم ريطة بنت سعد بن سهم.
стр. 1919
فقال في ذلك جذل الطعان:
جاءت هوازن أرسالا وإخوتها ... بنو سليم، فهابوا الموت وانصرفوا
فاستقبلوا بضراب فضّ جمعهم ... مثل الحريق فما عاجوا ولا عطفوا «١»
يوم الحريرة «٢»
قال: ثم جمع هؤلاء وأولئك ثم التقوا على رأس الحول بالحريرة، وهي حرّة إلى جنب عكاظ، والرؤساء على هؤلاء وأولئك هم الذين كانوا في سائر الأيام، وكذلك على المجنبتين، إلا أن أبا مساحق بلعاء بن قيس اليعمري قد كان مات، فكان من بعده على بكر بن عبد مناة بن كنانة، وأخوه جثامة بن قيس، فكان يوم الحريرة لهوازن على كنانة، وكان آخر الأيام الخمسة التي تزاحفوا فيها، قال: فقتل يومئذ أبو سفيان بن أمية أخو حرب بن أمية، وقتل من كنانة ثمانية نفر، قتلهم عثمان بن أسيد بن مالك، من بني عامر بن صعصعة، وقتل أبو كنف وابنا إياس، وعمر بن أيوب، فقال خداش بن زهير:
إني من النّفر المحمرّ أعينهم ... أهل السوام وأهل الصخر والّلوب «٣»
الطاعنين نحور الخيل مقبلة ... بكلّ سمراء لم تعلب ومعلوب «٤»
وقد بلوتم فأبلوكم بلاءهم ... يوم الحريرة ضربا غير مكذوب «٥»
لاقتكم منهم آساد ملحمة ... ليسوا بزارعة عوج العراقيب «٦»
فالآن إن تقبلوا نأخذ نحوركم ... وإن تباهوا فإني غير مغلوب «٧»
وقال الحارث بن كلّدة الثقفي:
стр. 1920
تركت الفارس البذاخ منهم ... تمجّ عروقه علقا عبيطا «١»
دعست لبانه بالرّمح حتى ... سمعت لمتنه فيه أطيطا «٢»
لقد أرديت قومك يا ابن صخر ... وقد جشّمتهم أمرا سليطا
وكم أسلمت منكم من كميّ ... جريحا قد سمعت له غطيطا «٣»
مضت أيام الفجار الآخر، وهي خمسة أيام في أربع سنين، أولها يوم نخلة، ولم يكن لواحد منهما على صاحبه، ثم يوم شمطة لهوازن على كنانة، وهو أعظم أيامهم، ثم يوم العبلاء، ثم يوم شرب، وكان لكنانة على هوازن، ثم يوم الحريرة لهوازن على كنانة.
قال أبو عبيدة: ثم تداعى الناس إلى السلم على أن يذروا الفضل ويتعاهدوا ويتواثقوا.
يوم عين أباغ
وبعده أيام ذي قار قال أبو عبيدة: كان ملك العرب المنذر الأكبر ابن ماء السماء، ثم مات فملك ابنه عمرو بن المنذر، وأمه هند وإليها ينسب، ثم هلك فملك أخوه قابوس، وأمه هند أيضا، فكان ملكه أربع سنين، وذلك في مملكة كسرى بن هرمز، ثم مات فملك بعده أخوه المنذر بن المنذر بن ماء السماء، وذلك في مملكة كسرى بن هرمز، فغزاه الحارث الغساني، وكان بالشام من تحت يد قيصر، فالتقوا بعين أباغ، فقتل المنذر، فطلب كسرى رجلا يجعله مكانه، فأشار إليه عدي بن زيد- وكان من تراجمة كسرى- بالنعمان بن المنذر، وكان صديقا له فأحب أن ينفعه، وهو أصغر بني المنذر بن المنذر بن ماء السماء، فولاه كسرى على ما كان عليه أبوه، وأتاه عدي بن
стр. 1921
زيد فمكّنه النعمام، ثم سعي بينهما فحبسه حتى أتى على نفسه، وهو القائل:
أبلغ النّعمان عني مألكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري «١»
وعداتي شمّت أعجبهم ... أنّني غيّبت عنهم في إساري
لامريء لم يبل مني سقطة ... إن أصابته ملمّات العثار «٢»
فلئن دهر تولى خيره ... وجرت بالنّحس لي منه الجواري
لبما منه قضينا حاجة ... وحياة المرء كالشّيء المعار
فلما قتل النعمان عديّ بن زيد العبادي- وهو من بني امريء القيس بن سعد بن زيد مناة بن تميم- سار ابنه زيد بن عدي إلى كسرى فكان من تراجمته وكان النعمان عند كسرى، فحمله عليه، فهرب النعمان حتى لحق ببني رواحة من عبس، واستعمل كسرى على العرب إياس بن قبيصة الطائي، ثم إن النعمان تجول حينا في أحياء العرب، ثم أشارت عليه امرأته المتجردة أن يأتي كسرى ويعتذر إليه، ففعل، فحبسه بساباط «٣» حتى هلك، ويقال أوطأه الفيلة.
وكان النعمان إذا شخص إلى كسرى أودع حلقته وهي ثمانمائة درع وسلاحا كثيرا، هانيء بن مسعود الشيباني، وجعل عنده ابنته هند التي تسمى حرقة، فلما قتل النعمان قالت فيه الشعراء، فقال فيه زهير بن أبي سلمى المزنيّ:
ألم تر للنّعمان كان بنجوة ... من الشرّ لو أنّ امرءا كان باقيا «٤»
فلم أر مخذولا له مثل ملكه ... أقلّ صديقا أو خليلا موافيا
خلا أنّ حيّا من رواحة حافظوا ... وكانوا أناسا يتّقون المخزيا «٥»
فقال لهم خيرا وأثنى عليهم ... وودّعهم توديع أن لا تلاقنا
стр. 1922
يوم ذي قار
قال أبو عبيدة: يوم ذي قار هو يوم ذي الحنو، ويوم قراقر، ويوم الجبايات، ويوم ذات العجرم، ويوم بطحاء ذي قار، وكلهن حول ذي قار، وقد ذكرتهن الشعراء.
قال أبو عبيدة: لم يكن هانيء بن مسعود المستودع حلقة النعمان، وإنما هو ابن ابنه، واسمه هانيء بن قبيصة بن هانيء بن مسعود، لأن وقعة ذي قار كانت وقد بعث النبيّ ﷺ ، وخبّر أصحابه بها فقال: اليوم أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا.
فكتب كسرى إلى إياس بن قبيصة يأمره أن يضم ما كان للنعمان، فأبى هانيء بن قبيصة أن يسلم ذلك إليه، فغضب كسرى وأراد استئصال بكر بن وائل.
وقدم عليه النعمان بن زرعة التغلبي وقد طمع في هلاك بكر بن وائل، فقال: يا خير الملوك، ألا أدلك على غرة «١» بكر؟ قال: بلى. قال: أقرها وأظهر الإضراب عنها حتى يجليها القيظ ويدنيها منك، فإنهم لو قاظوا «٢» تساقطوا عليك بمالهم واديا يقال له ذو قار تساقط الفراش في النار، فأقرهم، حتى إذا قاظوا جاءت بكر بن وائل حتى نزلوا الحنو حنو ذي قار، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة يخيّرهم بين ثلاث خصال: إمّا أن يسلموا الحلقة، وإمّا أن يعروا الديار، وإما أن يأذنوا بحرب! فتنازعت بكر بينها، فهمّ هانيء بن قبيصة بركوب الفلاة، وأشار به على بكر، وقال: لا طاقة لكم بمجموع الملك! فلم تر من هانيء سقطة قبلها.
وقال حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي: لا أرى غير القتال، فإنّا إن ركبنا الفلاة متنا عطشا، وإن أعطينا بأدينا تقتل مقاتلتنا وتسبى ذرارينا «٣» . فراسلت بكر بينها
стр. 1923
وتوافت بذي قار، ولم يشهدها أحد من بني حنيفة، ورؤساء بني بكر يومئذ ثلاثة نفر: هانيء بن قبيصة، ويزيد بن مسهر الشيباني، وحنظلة بن ثعلبة العجلي.
وقال مسمع بن عبد الملك العجلي بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل: لا والله ما كان لهم رئيس، وإنما غزوا في ديارهم فثار الناس إليهم من بيوتهم.
وقال حنظلة بن ثعلبة لهانيء بن قبيصة: يا أبا أمامة، إنّ ذمّتكم ذمّتنا عامّة، وإنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرّقها في قومك، فإن تظفر فستردّ عليك، وإن تهلك فأهون مفقود. فأمر بها فأخرجت وفرّقت بينهم.
وقال للنعمان: لولا أنك رسول ما أبت «١» إلى قومك سالما! قال أبو المنذر: فعقد كسرى للنعمان بن زرعة على تغلب والنمر، وعقد الخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد، وعقد لإباس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه الشهباء والدوسر، وعقد للهامرز التستري- وكان على مسلحة كسري بالسواد- على ألف من الأساورة، وكتب إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدّين- وكان عامله على الطّفّ «٢» طفّ سفوان- وأمره أن يوافي إياس بن قبيصة، ففعل.
وسار إياس بمن معه من جنده من طيء، ومعه الهامرز، والنعمان بن زرعة وخالد ابن يزيد، وقيس بن مسعود، كل واحد منهم على قومه، فلما دنا من بكر انسلّ قيس إلى قومه ليلا، فأتى هانئا فأشار عليهم كيف يصنعون، وأمرهم بالصبر ثم رجع.
فلما التقى الزحفان وتقارب القوم، قام حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي، فقال: يا معشر بكر، إنّ النّشّاب «٣» الذي مع هؤلاء الأعاجم تفرّقكم، فعاجلوهم اللقاء وابدءوهم بالشدّة.
وقال هانيء بن مسعود: يا قوم مهلك مقدور، خير من منجى مغرور، إنّ الجزع
стр. 1924
لا يردّ القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر. المنيّة خير من الدّنية، واستقبال الموت خير من استدباره، فالجدّ الجدّ، فما من الموت بدّ.
ثم قام حنظلة بن ثعلبة فقطع وضن «١» النساء فسقطن إلى الأرض، وقال: ليقاتل كل رجل منكم عن حليلته «٢» . فسمي مقطع الوضن.
قال: وقطع يومئذ سبعمائة رجل من بني شيبان أيدي أقبيتهم من مناكبها لتخف أيديهم لضرب السيوف، وعلى ميمنتهم بكر يزيد بن مسهر الشيباني، وعلى ميسرتهم حنظلة بن ثعلبة العجلي وهانيء بن قبيصة، ويقال ابن مسعود في القلب، فتجالد القوم، وقتل يزيد بن حارثة اليشكري الهامرز مبارزة، ثم قتل يزيد بعد ذلك، ويقال إنّ الحوافزان بن شريك شدّ على الهامرز فقتله، وقال بعضهم: لم يدرك الحوفزان يوم ذي قار، وإنما قتله يزيد بن حارثة.
وضرب الله وجوه الفرس فانهزموا، فاتّبعهم بكر حتى دخلوا السواد في طلبهم يقتلونهم، وأسر النعمان بن زرعة التغلبي.
ونجا إياس بن قبيصة على فرسه الحمامة، فكان أول من انصرف إلى كسرى بالهزيمة إياس بن قبيصة وكان كسرى لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلا نزع كتفيه، فلما أتاه ابن قبيصة، سأله عن الجيش، فقال: هزمنا بكر بن وائل وأتيناك ببناتهم! فعجب بذلك كسرى وأمر له بكسوة، ثم استأذنه إياس فقال: أخي قيس بن قبيصة مريض بعين التمر، فأردت أن آتيه. فأذن له.
ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة وهو بالخورنق، فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ فقالوا: إياس. فظنّ أنه حدّثه الخبر، فدخل عليه وأخبره بهزيمة القوم وقتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه.
стр. 1925
قال أبو عبيدة: لما كان يوم ذي قار، كان في بكر أسرى من تميم قريبا من مائتي أسير، أكثرهم من بني رياح بن يربوع، فقالوا: خلّوا عنا نقاتل معكم، فإنما نذب «١» عن أنفسنا! فقالوا: إنا نخاف أن لا تناصحونا! قالوا: فدعونا نعلم حتى تروا مكاننا وغناءنا.
وفي ذلك قوم جرير:
منّا فوارس ذي بهدى وذي نجب ... والمعلمون صباحا يوم ذي قار «٢»
قال أبو عبيدة: سئل عمرو بن العلاء- وتنافر إليه عجلي ويشكري، فزعم العجلي أنه لم يشهد يوم ذي قار غير شيباني وعجلي، وقال اليشكري: بل شهدتها قبائل بكر وحلفاؤهم.
فقال عمرو: قد فصل بينكما التغلبي حيث يقول:
ولقد رأيت أخاك عمرا أمرة ... يقضي وضيعيه بذات العجرم «٣»
في غمرة الموت التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال غير تغمغم
وكأنما أقدامهم وأكفهم ... سرب تساقط في خليج مفعم
لمّا سمعت دعاء مرّة قد علا ... وأتى ربيعة في العجاج الأقتم «٤»
ومحلّم يمشون تحت لوائهم ... والموت تحت لواء آل محلّم
لا يصدفون عن الوغى بوجوههم ... في كلّ سابغة كلون العظلم «٥»
ودعت بنو أمّ الرّقاع فأقبلوا ... عند اللّقاء بكلّ شاك معلم
وسمعت يشكر تدّعي بخبيّب ... تحت العجاجة وهي تقطر بالدم «٦»
стр. 1926
يمشون في حلق الحديد كما مشت ... أسد العرين بيوم نحس مظلم «١»
والجمع من ذهل كأن زهاءهم ... جرب الجمال يقودها ابنا قشعم
والخيل من تحت العجاج عوابسا ... وعلى سنابكها مناسج من دم «٢»
وقال العديل بن الفرخ العجلي:
ما أوقد الناس من نار لمكرمة ... إلا اصطلينا وكنا موقدي النار
وما يعدّون من يوم سمعت به ... للناس أفضل من يوم بذي قار
جئنا بأسلابهم والخيل عابسة ... لمّا استلبنا لكسرى كلّ إسوار «٣»
قال: وقالت عجل: لنا يوم ذي قار. فقيل لهم: من المستودع، ومن المطلوب، ومن نائب الملك، ومن الرئيس؟ فهو إذا لهم، كانت الرياسة لهانيء وكان حنظلة يشير بالرأي.
وقال شاعرهم:
إن كنت ساقية يوما ذوي كرم ... فاسقي الفوارس من ذهل بن شيبانا
واسقي فوارس حاموا عن ذمارهم ... واعلي مفارقهم مسكا وريحانا
وقال أعشى بكر:
أمّا تميم فقد ذاقت عداوتنا ... وقيس عيلان مسّ الخزي والأسف
وجند كسرى غداة الحنو صبّحهم ... مناغطاريف تزجي الموت وانصرفوا «٤»
لقوا ململمة شهباء يقدمها ... للموت لا عاجز فيها ولا خرف «٥»
فرع نمته فروع غير ناقصة ... موفّق حازم في أمره أنف
فيها فوارس محمود لقاؤهم ... مثل الأسنّة لا ميل ولا كشف
стр. 1927
بيض الوجوه غداة الروع تحسبهم ... جنان عبس عليها البيض والزّغف «١»
لمّا التقينا كشفنا عن جماجمنا ... ليعلموا أننا بكر فينصرفوا
قالوا البقيّة والهنديّ يحصدهم ... ولا بقية إلا السيف فانكشفوا
لو أنّ كلّ معدّ كان شاركنا ... في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف
لما أمالوا إلى النشّاب أيديهم ... ملنا ببيض فظلّ الهام يختطف «٢»
إذا عطفنا عليهم عطفة صبرت ... حتى تولت وكاد اليوم ينتصف
بطارق وبنو ملك مرازبة ... من الأعاجم في آذانها النّطف «٣»
من كلّ مرجانة في البحر أحرزها ... تيّارها ووقاها طينها الصدف
كأنما الآل في حافات جمعهم ... والبيض برق بدا في عارض يكف «٤»
ما في الخدود صدود عن سيوفهم ... ولا عن الطّعن في اللبّات منحرف
وقال الأعشى يلوم قيس بن مسعود:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل
أطورين في عام غزاة ورحلة ... ألا ليت قيسا غرقته القوابل «٥»
لقد كان في شيبان لو كنت عالما ... قباب وحيّ حلة وقنابل
ورجراجة تعشي النواظر فحمة ... وجرد على أكتافهنّ الرّواحل «٦»
رحلت ولم تنظر وأنت عميدهم ... فلا يبلغنّي عنك ما أنت فاعل
فعرّيت من أهل ومال جمعته ... كما عريت مما تمرّ المغازل
شفى النفس قتلى لم توسّد خدودها ... وسادا ولم تعضض عليها الأنامل
بعينيك يوم الحنو إذ صبّحتهم ... كتائب موت، لم تعقها العواذل
стр. 1928
ولما بلغ كسرى خبر قيس بن مسعود إذ انسل إلى قومه، حبسه حتى مات في حبسه، وفيه يقول الأعشى:
وعرّيت من أهل ومال جمعته ... كما عريت مما تمرّ المغازل
وكتب لقيط الإيادي إلى بني شيبان في يوم ذي قار شعرا يقول في بعضه:
قوموا قياما على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا قد ينال الأمن من فزعا
وقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عضّ مكروه به خشعا
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متّبعا طورا ومتبعا
حتى استمرّ على شزر مريرته ... مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا «١»
وهذه الأبيات نظير قول عبد العزيز بن زرارة:
قد عشت في الدهر أطوارا على طرق ... شتّى فصادفت منه اللين والفظعا
كلّا بلوت فلا النعماء تبطرني ... ولا تخشّعت من لأوائه جزعا «٢»
لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه ... ولا أضيق به ذرعا إذا وقعا
стр. 1929
كتاب الزمرّدة في المواعظ والزهد
فرش كتاب الزمردة الثانية في فضائل الشعر
قال الفقيه أبو عمر بن محمد بن عبد ربه ﵀:
قد مضى قولنا في أيام العرب ووقائعها وأخبارها، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه، إذ كان الشعر ديوان خاصة العرب والمنظوم من كلامها، والمقيّد لأيامها، والشاهد على حكامها، حتى لقد بلغ من كلف «١» العرب به، وتفضيلها له، أن عمدت إلى سبع قصائد تخيّرتها من الشعر القديم فكتبتها بماء الذهب في القباطيّ المدرجة، وعلقتها بين أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امريء القيس، ومذهبة زهير. والمذهبات سبع، وقد يقال لها المعلقات .
قال بعض المحدثين قصيدة له، ويشبهها ببعض هذه القصائد التي ذكرت.
برزة تذكر في الحس ... ن من الشّعر المعلّق «٢»
كلّ حرف نادر م ... نها له وجه معشّق
المعلقات
لامريء القيس: قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل.
ولزهير: أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم.
стр. 1930
ولطرفة: لخولة أطلال ببرقة ثهمد.
ولعنترة: يا دار عبلة بالجواء تكلّمي.
ولعمرو بن كلثوم: ألا هبى بصحنك فاصبحينا.
وللبيد: عفت الديار محلّها فمقامها.
وللحارث بن حلزة: آذنتنا ببينها أسماء.
اختلاف الناس في أشعر الشعراء
قال النبي ﷺ وذكر عنده امرؤ القيس بن حجر: «هو قائد الشعراء وصاحب لوائهم» .
وقال عمر بن الخطاب للوفد الذين قدموا عليه من غطفان: من الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب «١»
قالوا: نابغة بني ذبيان: قال لهم: فمن الذي يقول هذا الشعر:
أتيتك عاريا خلقا ثيابي ... على وجل تظن بي الظنون «٢»
فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون
قالوا: هو النابغة. قال هو أشعر شعرائكم. وما أحسب عمر ذهب إلا إلى أنه أشعر شعراء غطفان، ويدل على ذلك قوله: هو أشعر شعرائكم.
وقد قال عمر لابن عباس: أنشدني لأشعر الناس، الذي لا يعاظل «٣» بين القوافي ولا يتبع حوشيّ «٤» الكلام. قال: من ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير بن أبي سلمى فلم يزل ينشده من شعره حتى أصبح.
следующие страницы →