Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
يمشون في حلق الحديد كما مشت ... أسد العرين بيوم نحس مظلم «١»
والجمع من ذهل كأن زهاءهم ... جرب الجمال يقودها ابنا قشعم
والخيل من تحت العجاج عوابسا ... وعلى سنابكها مناسج من دم «٢»
وقال العديل بن الفرخ العجلي:
ما أوقد الناس من نار لمكرمة ... إلا اصطلينا وكنا موقدي النار
وما يعدّون من يوم سمعت به ... للناس أفضل من يوم بذي قار
جئنا بأسلابهم والخيل عابسة ... لمّا استلبنا لكسرى كلّ إسوار «٣»
قال: وقالت عجل: لنا يوم ذي قار. فقيل لهم: من المستودع، ومن المطلوب، ومن نائب الملك، ومن الرئيس؟ فهو إذا لهم، كانت الرياسة لهانيء وكان حنظلة يشير بالرأي.
وقال شاعرهم:
إن كنت ساقية يوما ذوي كرم ... فاسقي الفوارس من ذهل بن شيبانا
واسقي فوارس حاموا عن ذمارهم ... واعلي مفارقهم مسكا وريحانا
وقال أعشى بكر:
أمّا تميم فقد ذاقت عداوتنا ... وقيس عيلان مسّ الخزي والأسف
وجند كسرى غداة الحنو صبّحهم ... مناغطاريف تزجي الموت وانصرفوا «٤»
لقوا ململمة شهباء يقدمها ... للموت لا عاجز فيها ولا خرف «٥»
فرع نمته فروع غير ناقصة ... موفّق حازم في أمره أنف
فيها فوارس محمود لقاؤهم ... مثل الأسنّة لا ميل ولا كشف
стр. 1927
بيض الوجوه غداة الروع تحسبهم ... جنان عبس عليها البيض والزّغف «١»
لمّا التقينا كشفنا عن جماجمنا ... ليعلموا أننا بكر فينصرفوا
قالوا البقيّة والهنديّ يحصدهم ... ولا بقية إلا السيف فانكشفوا
لو أنّ كلّ معدّ كان شاركنا ... في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف
لما أمالوا إلى النشّاب أيديهم ... ملنا ببيض فظلّ الهام يختطف «٢»
إذا عطفنا عليهم عطفة صبرت ... حتى تولت وكاد اليوم ينتصف
بطارق وبنو ملك مرازبة ... من الأعاجم في آذانها النّطف «٣»
من كلّ مرجانة في البحر أحرزها ... تيّارها ووقاها طينها الصدف
كأنما الآل في حافات جمعهم ... والبيض برق بدا في عارض يكف «٤»
ما في الخدود صدود عن سيوفهم ... ولا عن الطّعن في اللبّات منحرف
وقال الأعشى يلوم قيس بن مسعود:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل
أطورين في عام غزاة ورحلة ... ألا ليت قيسا غرقته القوابل «٥»
لقد كان في شيبان لو كنت عالما ... قباب وحيّ حلة وقنابل
ورجراجة تعشي النواظر فحمة ... وجرد على أكتافهنّ الرّواحل «٦»
رحلت ولم تنظر وأنت عميدهم ... فلا يبلغنّي عنك ما أنت فاعل
فعرّيت من أهل ومال جمعته ... كما عريت مما تمرّ المغازل
شفى النفس قتلى لم توسّد خدودها ... وسادا ولم تعضض عليها الأنامل
بعينيك يوم الحنو إذ صبّحتهم ... كتائب موت، لم تعقها العواذل
стр. 1928
ولما بلغ كسرى خبر قيس بن مسعود إذ انسل إلى قومه، حبسه حتى مات في حبسه، وفيه يقول الأعشى:
وعرّيت من أهل ومال جمعته ... كما عريت مما تمرّ المغازل
وكتب لقيط الإيادي إلى بني شيبان في يوم ذي قار شعرا يقول في بعضه:
قوموا قياما على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا قد ينال الأمن من فزعا
وقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عضّ مكروه به خشعا
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متّبعا طورا ومتبعا
حتى استمرّ على شزر مريرته ... مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا «١»
وهذه الأبيات نظير قول عبد العزيز بن زرارة:
قد عشت في الدهر أطوارا على طرق ... شتّى فصادفت منه اللين والفظعا
كلّا بلوت فلا النعماء تبطرني ... ولا تخشّعت من لأوائه جزعا «٢»
لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه ... ولا أضيق به ذرعا إذا وقعا
стр. 1929
كتاب الزمرّدة في المواعظ والزهد
فرش كتاب الزمردة الثانية في فضائل الشعر
قال الفقيه أبو عمر بن محمد بن عبد ربه ﵀:
قد مضى قولنا في أيام العرب ووقائعها وأخبارها، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه، إذ كان الشعر ديوان خاصة العرب والمنظوم من كلامها، والمقيّد لأيامها، والشاهد على حكامها، حتى لقد بلغ من كلف «١» العرب به، وتفضيلها له، أن عمدت إلى سبع قصائد تخيّرتها من الشعر القديم فكتبتها بماء الذهب في القباطيّ المدرجة، وعلقتها بين أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امريء القيس، ومذهبة زهير. والمذهبات سبع، وقد يقال لها المعلقات .
قال بعض المحدثين قصيدة له، ويشبهها ببعض هذه القصائد التي ذكرت.
برزة تذكر في الحس ... ن من الشّعر المعلّق «٢»
كلّ حرف نادر م ... نها له وجه معشّق
المعلقات
لامريء القيس: قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل.
ولزهير: أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم.
стр. 1930
ولطرفة: لخولة أطلال ببرقة ثهمد.
ولعنترة: يا دار عبلة بالجواء تكلّمي.
ولعمرو بن كلثوم: ألا هبى بصحنك فاصبحينا.
وللبيد: عفت الديار محلّها فمقامها.
وللحارث بن حلزة: آذنتنا ببينها أسماء.
اختلاف الناس في أشعر الشعراء
قال النبي ﷺ وذكر عنده امرؤ القيس بن حجر: «هو قائد الشعراء وصاحب لوائهم» .
وقال عمر بن الخطاب للوفد الذين قدموا عليه من غطفان: من الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب «١»
قالوا: نابغة بني ذبيان: قال لهم: فمن الذي يقول هذا الشعر:
أتيتك عاريا خلقا ثيابي ... على وجل تظن بي الظنون «٢»
فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون
قالوا: هو النابغة. قال هو أشعر شعرائكم. وما أحسب عمر ذهب إلا إلى أنه أشعر شعراء غطفان، ويدل على ذلك قوله: هو أشعر شعرائكم.
وقد قال عمر لابن عباس: أنشدني لأشعر الناس، الذي لا يعاظل «٣» بين القوافي ولا يتبع حوشيّ «٤» الكلام. قال: من ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير بن أبي سلمى فلم يزل ينشده من شعره حتى أصبح.
стр. 1931
وكان زهير لا يمدح إلا مستحقا، كمدحه لسنان بن أبي حارثة، وهرم بن سنان وهو القائل:
وإنّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقا
وكذلك أحسن القول ما صدّقه الفعل.
قالت بنو تميم لسلامة بن جندل: مجّدنا بشعرك. قال: افعلوا حتى أقول.
وقيل للبيد: من أشعر الشعراء؟ قال: صاحب القروح- يريد امرأ القيس- قيل له: فبعده من؟ قال: ابن العشرين- يعني طرفة- قيل له: فبعده من؟ قال: أنا.
وقيل للحطيئة: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
يريد عبيد بن الأبرص. قيل له: فبعده من؟ فأخرج لسانه وقال: هذا إذا رغب.
وقيل لبعض الشعراء: من أشعر الناس؟ قال: النابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، وجرير إذا غضب.
وقال أبو عمرو بن العلاء: طرفة أشعرهم واحدة. يعني قصيدته:
لخولة أطلال ببرقة ثمهد
وفيها يقول:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وأنشد هذا البيت للنبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، فقال: هذا من كلام النبوّة! وسمع عبد الله بن عمر رجلا ينشد بيت الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد «١»
فقال: ذاك رسول الله! إعجابا بالبيت، يعني أن مثل هذا المدح لا يستحقه إلا رسول الله ﷺ .
стр. 1932
سئل الأصمعي عن شعر النابغة، فقال: إن قلت ألين من الحرير صدقت وإن قلت أشدّ من الحديد صدقت.
وسئل عن شعر الجعدي: فقال: مطرف بألف وخمار بواف «١» .
وسئل حماد الراوية عن شعر ابن أبي ربيعة، فقال: ذلك الفستق المقشر الذي لا يشبع منه.
وقالوا في عمرو بن الأهتم: كأنّ شعره حلل منشرّة.
وسئل عمرو بن العلاء عن جرير والفرزدق، فقال: هما بازيان، يصيدان ما بين الفيل والعندليب.
وقال جرير: أنا مدينة الشعر والفرزدق نبعته.
وقال بلال بن جرير: قلت لأبي: يا أبت، إنك لم تهج قوما قط إلا وضعتهم إلا بني لجأ. قال: إني لم أجد شرفا فأضعه ولا بناء فأهدمه.
أشعر نصف بيت:
واختلف الناس في أشعر نصف بيت قالته العرب، فقال بعضهم: قول أبي ذؤيب الهذلي:
والدّهر ليس بمسعف من يجزع «٢»
وقال بعضهم: قول حميد بن ثور الهلالي:
نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
وقال بعضهم: قول زميل:
ومن يك رهنا للحوادث يغلق
وهذا ما لا يدرك غايته ولا يوقف على حدّ منه، والشعر لا يفوت به أحد ولا يأتي به بديع إلا أتى ما هو أبدع منه، ولله درّ القائل: أشعر الناس من أبدع في
стр. 1933
شعره، ألا ترى مروان بن أبي حفصة على موضعه من الشعر وبعد صيته فيه ومعرفته وسمته- أنشدوه لامريء القيس فقال: هذا أشعر الناس.
في شعر حسان:
وقد قالوا: لحسان بن ثابت أفخر بيت قالته العرب وأحكم بيت قالته العرب، فأما أفخر بيت قالته العرب فقوله:
وبيوم بدر إذ يردّ وجوههم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد
وأما أحكم بيت قالته العرب فقوله:
فإنّ امرأ أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلّا ما جنى لسعيد
في شعر جرير:
وقالوا: أهجي بيت قالته العرب قول جرير:
والتّغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا «١»
ولما قال جرير هذا البيت قال: والله لقد هجوت بني تغلب ببيت لو طعنوا في أستاههم بالرماح ما حكّوها! في شعر أبي ذؤيب:
ويقال: إن أبدع بيت قالته العرب: قول أبي ذؤيب الهذلي:
والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
فيقال إنّ أصدق بيت قالته العرب قول لبيد:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل
وذكر الشعر عند عبد الملك بن مروان فقال: إذا أردتم الشعر الجيّد فعليكم
стр. 1934
بالرزق من بني قيس بن ثعلبة- وهم رهط أعشى بكر-، وبأصحاب النخل من يثرب- يريد الأوس والخزرج، وأصحاب الشعف من هذيل. والشعف: رءوس الجبال.
فضائل الشعر
ومن الدليل على عظم قدر الشعر عند العرب وجليل خطبه في قلوبهم: أنه لما بعث النبي ﷺ بالقرآن المعجز نظمه، المحكم تأليفه، وأعجب قريشا ما سمعوا منه، قالوا: ما هذا إلا سحر! وقالوا في النبي ﷺ : شاعر نتربّص به ريب المنون «١» . وكذلك قال النبي ﷺ في عمرو بن الأهتم لما أعجبه كلامه: إنّ من البيان لسحرا.
وقال الراجز:
لقد خشيت أن تكون ساحرا ... راوية مزا ومرا شاعرا «٢»
وقال النبي ﷺ : إنّ من الشّعر لحكمة.
وقال كعب الأحبار: إنا نجد قوما في التوراة أناجيلهم في صدورهم، تنطق ألسنتهم بالحكمة، وأظنهم الشعراء.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: أفضل صناعات الرجل الأبيات من الشعر يقدّمها في حاجاته، يستعطف بها قلب الكريم، ويستميل بها قلب اللئيم.
وقال الحجاج للمساور بن هند: مالك تقول الشعر وقد بلغت من العمر ما بلغت؟
قال: أرعى به الكلأ، وأشرب به الماء، وتقضى لي به الحاجة، فإن كفيتني ذلك تركته!
стр. 1935
وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده: روّهم الشعر، روّهم الشعر: يمجدوا وينجدوا! وقالت عائشة: روّوا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم.
وبعث زياد بولده إلى معاوية، فكاشفه عن فنون من العلم فوجده عالما بكل ما سأله عنه، ثم استنشده الشعر، فقال: لم أرو منه شيئا! فكتب معاوية إلى زياد؟ ما منعك أن تروّيه الشعر؟ فوالله إن كان العاق «١» ليرويه فيبرّ، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل.
وكان علي ﵁ إذا أراد المبارزة في الحرب أنشأ يقول:
أيّ يوميّ من الموت أفرّ ... يوم لا يقدر أم يوم قدر
يوم لا يقدر لا أرهبه ... ومن المقدور لا ينجو الحذر
وقال المقداد بن الأسود: ما كنت أعلم أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ أعلم بشعر ولا فريضة من عائشة ﵂! وفي رواية الخشني عن أبي عاصم عن عبد الله بن لا حق عن ابن أبي مليكة قال:
قالت عائشة: رحم الله لبيدا كان يقول:
قضّ الّلبانة لا أبا لك واذهب ... والحق بأسرتك الكرام الغيّب «٢»
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب «٣»
فكيف لو أدرك زماننا هذا! ثم قالت: إني لأروي ألف بيت له، وإنه أقل ما أروي لغيره.
وقال الشعبي: ما أنا لشيء من العلم أقلّ مني رواية للشعر، ولو شئت أن أنشد شعرا شهرا لا أعيد بيتا لفعلت.
стр. 1936
وسمع النبي ﷺ عائشة وهي تنشد شعر زهير بن جناب.
ارفع ضعيفك لا يحل بك ضعفه ... يوما فتدركه عواقب ما جني
يجزيك أو يثني عليك فإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
فقال النبي ﷺ : صدق يا عائشة، لا شكر الله من لا يشكر الناس.
يزيد بن عمر بن مسلم الخزاعي، عن أبيه عن جده قال: دخلت على النبي ﷺ ومنشد ينشده قول سويد بن عامر المصطلقي:
لا تأمننّ وإن أمسيت في حرم ... إنّ المنايا بجنبي كلّ إنسان
فاسلك طريقك تمشي غير مختشع ... حتى تلاقي الذي منيّ لك الماني
فكلّ ذي صاحب يوما مفارقه ... وكلّ زاد وإن أبقيته فان
والخير والشّرّ مقرونان في قرن ... بكلّ ذلك يأتيك الجديدان «١»
فقال النبي ﷺ : لو أدرك هذا الإسلام لأسلم.
أبو حاتم عن الاصمعي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أنشدك يا رسول الله، قال: نعم، فأنشده:
تركت القيان وعزف القيان ... وأدمنت تصلية وابتهلا
وكرّ المشقر في حومة ... وشنى على المشركين القتالا «٢»
أيا ربّ لا أغبننّ صفقتي ... فقد بعت مالي وأهلي بدالا
فقال النبي ﷺ : ربح البيع. ربح الببيع.
وقدم أبو ليلى النابغة الجعدي على رسول الله ﷺ ، فأنشده شعره الذي يقول فيه:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
стр. 1937
فقال النبي ﷺ : إلى أين يا أبا ليلى؟ فقال: إلى الجنة يا رسول الله بك! فقال النبي ﷺ : إلى الجنة إن شاء الله! فلما بلغ قوله وانتهى وهو يقول:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا «١»
قال النبي ﷺ : لا يفضض «٢» الله فاك. فعاش مائة وثلاثين سنة لم تنغضن «٣» له ثنية «٤» .
سفيان الثوري عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: إنها لكلمة نبيّ يعني قول الشاعر:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك وبالاخبار من لم تزوّد
وسمع كعب قول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
قال: إنه في التوراة حرف بحرف، يقول الله تعالى: من يفعل الخير يجده عندي، لا يذهب الخير بيني وبين عبدي.
للنبي ﷺ .
ابن عباس قال: أنشدت النبي ﷺ أبياتا لامية بن أبي الصلت يذكر فيها حملة العرش، وهي:
رجل وثور تحت رجل يمينه ... والتّيس للأخرى وليث مرصد «٥»
والشمس تطلع كل آخر ليلة ... فجرا ويصبح لونها يتوقّد
стр. 1938
تبدو فما تبدو لهم في وقتها ... إلا معذّبة وإلا تجلد
فتبسم النبي ﷺ كالمصدّق له.
ومن حديث ابن ابي شيبة: أن النبي ﷺ أردف الشريد، فقال النبي ﷺ : تروي من شعر امية بن ابي الصلت شيئا قلت: نعم. قال: فأنشدني. فأنشدته، فجعل يقول بين كل قافيتين: هيه! حتى أنشدته مائة قافية، فقال: هذا رجل آمن لسانه وكفر قلبه! ولو لم يكن من فضائل الشعر إلا أنه أعظم جند يجنّده رسول الله ﷺ على المشركين ... يدلّ على ذلك قوله لحسان: شن الغطاريف «١» على بني عبد مناف، فوالله لشعرك أشدّ عليهم من وقع السهام في غلس الظلام، وتحفّظ بيتي فيهم. قال:
والذي بعثك بالحق نبيا، لأسلّنّك منهم سلّ الشعرة من العجين! ثم أخرج لسانه فضرب به أرنبة أنفه، وقال: والله يا رسول الله إنه ليخيّل لي أني لو وضعته على حجر لفلقه «٢» ، أو على شعر لحلقه! فقال النبي ﷺ : أيّد الله حسانا في هجوه بروح القدس.
إسلام دوس
وقال ابن سيرين: بلغني أن دوسا إنما أسلمت فرقا «٣» من كعب بن مالك صاحب النبي ﷺ حيث يقول:
قضينا من تهامة كل نحب ... وخيبر ثمّ أغمدنا السّيوفا «٤»
نخيرها ولو نطقت لقالت ... قواضبهنّ: دوسا أو ثقيفا «٥»
قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: لقد شكر الله قولك حيث تقول:
زعمت سخينة أن ستغلب ربّها ... وليغلبنّ مغالب الغلّاب
стр. 1939
ولو لم يكن من فضائل الشعر إلا انه أعظم الوسائل عند رسول الله ﷺ ...
فمن ذلك أنه قال لعبد الله بن رواحة: أخبرني ما الشعر يا عبد الله؟ قال:
شيء يختلج في صدري فينطق به لساني. قال: فأنشدني. فأنشده شعره الذي يقول فيه:
فثبّت الله ما آتاك من حسن ... قفوت عيسى بإذن الله والقدر
فقال النبي ﷺ : وإياك ثبّت الله، وإياك ثبّت الله، وإياك ثبّت الله.
شعر قتيلة بنت الحارث
ومن ذلك ما رواه ابن اسحاق صاحب المغازي وابن هشام: قال ابن اسحاق: لما نزل رسول الله ﷺ الصفراء «١» - قال ابن هشام: الأثيل «٢» - أمر عليا فضرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف صبرا بين يدي رسول الله ﷺ ، فقالت أخته قتيلة بنت الحارث ترثيه:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة ... من صبح خامسة وأنت موفّق
أبلغ بها ميتا بأنّ تحيّة ... ما إن تزال بها النجائب تخفق «٣»
منى عليك وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق
هل يسمعنّ النّضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميّت لا ينطق
أمحمّد يا خير ضنء كريمة ... في قومها والفحل فحل معرق «٤»
ما كان ضرّك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
والنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقّهم إن كان عتقا يعتق
стр. 1940
ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تمزّق «١»
صبرا يقاد إلى المنيّة متعبا ... رسف المقيّد وهو عان موثّق «٢»
قال ابن هشام: قال النبي ﷺ لما بلغه هذا الشعر: لو بلغني قبل قتله ما قتلته.
بين النبي وأبي جرول يوم حنين
من حديث زياد بن طارق الجشمي قال: حدّثني أبو جرول الجشمي- وكان رئيس قومه- قال: أسرنا النبي ﷺ يوم حنين، فبينما هو يميز الرجال من النساء، إذ وثبت فوقفت بين يديه وأنشدته:
امنن علينا رسول الله في حرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر
إنا لنشكر للنّعما إذا كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر
فذكّرته حين نشأ في هوازن وأرضعوه، فقال ﵊: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لله ولكم. فقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لله ولرسوله.
فردّت الانصار ما كان في أيديها من الذراري والأموال! فإذا كان هذا مقام الشعر عند النبي ﷺ ، فأيّ وسيلة تبلغه أو تعسره؟
فتح مكة
وكان الذي هاج فتح مكة أن عمرو بن مالك الخزاعي، ثم أحد بني كعب خرج من مكة حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، وكانت خزاعة في حلف النبي ﷺ في عهده وعقده، فلما انتقضت عليهم قريش بمكة وأصابوا منهم ما أصابوا، أقبل عمرو بن سالم الخزاعي بأبيات قالها، فوقف على رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد بين أظهر الناس، فقال:
стр. 1941
يا ربّ إني ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا «١»
قد كنتم ولدا وكنّا ولدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا «٢»
وهم أذلّ وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجّدا «٣»
وقتلونا ركّعا وسجّدا ... فانصر هداك الله نصرا أيّدا
وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجرّدا
إن سيم خسفا وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا «٤»
قال ابن هشام: فقال رسول الله ﷺ ، نصرت يا عمرو بن مالك، ثم عرض عارض من السماء، فقال رسول الله ﷺ ! إنّ هذه السحابة تستهلّ بنصر بني كعب.
وقال عمر بن الخطاب: الشعر جذل من كلام العرب، يسكن به الغيظ، وتطفأ به النائرة، ويتبلّغ به القوم في ناديهم، ويعطى به السائل.
فقال ابن عباس. الشعر علم العرب وديوانها، فتعلموه، وعليكم بشعر الحجاز فأحسبه ذهب إلى شعر الحجاز وحض عليه، إذ لغتهم أوسط اللغات.
وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: يا اخي، إنك شهرت بالشعر، فإياك والتشبيب «٥» بالنساء، فإنك تعرّ الشريفة في قومها، والعفيفة في نفسها-، والهجاء فإنك لا تعدو أن تعادي به كريما او تستثير به لئيما، ولكن افخر بمآثر قومك، وقل من الأمثال ما توفّر به نفسك، وتؤدب به غيرك.
стр. 1942
وسئل مالك بن أنس: من أين شاطر عمر بن الخطاب عماله؟ فقال: اموال كثيرة ظهرت عليهم، وإن شاعرا كتب إليه يقول:
نحجّ إذا حجّوا ونغزو إذا غزوا ... فأنى لهم وفر ولسنا بذي وفر؟
إذا التاجر الهنديّ جاء بفارة ... من المسك راحت في مفارقهم تجري «١»
فدونك مال الله حيث وجدته ... سيرضون إن شاطرتهم- منك بالشطر
قال: فشاطرهم عمر أموالهم.
وأنشد عمر بن الخطاب قول زهير:
فإنّ الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
فجعل يعجب بمعرفته بمقاطع الحقوق وتفصيلها، وإنما أراد: مقطع الحقوق يمين أو حكومة أو بينة.
وأنشد عمر قول عبدة بن الطبيب:
والعيش شح وإشفاق وتأميل
فقال: على هذا بنيت الدنيا.
للنبي ﷺ وأصحابه في وباء المدينة
ولما هاجر النبي ﷺ والى المدينة وهاجر أصحابه، مسهم وباء «٢» المدينة، فمرض أبو بكر وبلال. قالت عائشة: فدخلت عليهما. فقلت: يا أبت كيف تجدك؟
ويا بلال، كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كلّ امرىء مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
قالت: وكان بلال إذا أقلعت عنه يرفع عقيرته «٣» ويقول:
стр. 1943
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل «١»
وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل «٢»
قالت عائشة: وكان عامر بن فهيرة يقول:
وقد رأيت الموت قبل ذوقه ... إنّ الجبان حتفه من فوقه
كالثور يحمي جلده بروقه «٣»
قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: اللهم حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكة وأشدّ، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة «٤» .
ومن حديث البراء بن عازب: قال: لما كان يوم حنين رأيت النبي ﷺ ، والعباس وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهما آخذان بلجام بغلته. وهو يقول:
أنا النبيّ لا كذب أنا ... ابن عبد المطلب
ومن حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة يرفعه إلى النبي ﷺ : أنه لما دخل الغار نكب «٥» ، فقال:
«هل أنت إلا أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت» .
فهذا من المنثور الذي يوافق المنظوم وإن لم يتعمّد به قائلة المنظوم. ومثل هذا من كلام الناس كثير يأخذه الوزن، مثل قول عبد مملوك لمواليه:
«اذهبوا بي إلى الطبيب ... وقولوا قد اكتوى» .
ومثله كثير مما يأخذه الوزن ولا يراد به الشعر، ولا يسمّى قول النبي ﷺ وإن
стр. 1944
كان موزونا- شعرا لانه لا يراد به الشعر.
ومثله في آي الكتاب: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ
«١» .
ومنه: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ، وَقُدُورٍ راسِياتٍ
«٢» .
ومثله: وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
«٣» .
ومنه: فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ
«٤» .
ولو تطلبت في رسائل الناس وكلامهم لوجدت فيه ما يحتمل الوزن كثيرا، ولا يسمّى شعرا. من ذلك قول القائل: من يشتري باذنجان. تقطيعه: مستفعلن مفعولات، وهذا كثير.
من قال الشعر من الصحابة والتابعين والعلماء المشهورين
كان شعراء النبي ﷺ : حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة.
وقال سعيد بن المسيب: كان أبو بكر شاعرا، وعمر شاعرا، وعليّ أشعر الثلاثة.
ومن قول علي كرم الله وجهه بصفين:
لمن راية يخفق ظلّها ... إذا قيل قدّمها حضين تقدّما
يقدّمها في الصف حتى يذيديها ... حياض تقطر السم والدما «٥»
جزى الله عني والجزاء بكفّه ... ربيعة خيرا، ما أعف وأكرما
стр. 1945
وقال أنس بن مالك خادم النبي ﷺ : قدم علينا رسول الله ﷺ وما في الأنصار بيت إلا وهو يقول الشعر. قيل له: وأنت أبا حمزة؟ قال: وأنا وقال عمرو بن العاص يوم صفّين:
شبّت الحرب فأعددت لها ... مفرّع الحارك محبوك الثّبج «١»
يصل الشّدّ بشدّ فإذا ... ونت الخيل عن الشّ معج «٢»
جرشع أعظمه جفرته ... فإذا ابتلّ من الماء خرج «٣»
وقال عبد لله بن عمرو بن العاص:
فلو شهدت جمل مقامي ومشهدي ... بصفّين يوما شاب منها الذوائب
عشيّة جا أهل العراق كأنهم ... سحاب ربيع زعزعتها الجنائب «٤»
وجئناهم نردي كأنّ صفوفنا ... من البحر مدّ موجه متراكب
إذا قلت قد ولّوا سراعا بدت لنا ... كتائب منهم فارجحنّت كتائب «٥»
فدارت رحانا واستدارت رحاهم ... سراة النهار ما توالى المناكب
وقالوا لنا إن نرى ان تبايعوا ... عليّا فقلنا بل نرى أن نضارب
ومن شعراء التابعين
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أحد السبعة من فقهاء المدينة، وله يقول سعيد بن المسيب: أنت الفقيه الشاعر؟ [قال] : لا بدّ للمصدور أن ينفث. يعني أنه من كان في صدره زكام فلا بدّ أن ينفث به زكمة صدره: يريد أن كل من اختلج في صدره شيء من شعر أو غيره ظهر على لسانه.
стр. 1946
وقال عمر بن عبد العزيز: وددت لو أني لي مجلسا من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بدينار.
قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: ما أحسن الحسنات في أثر السيئات، وأقبح السيئات في أثر الحسنات! وأحسن من هذا وأقبح من ذلك: الحسنات في أثر الحسنات، والسيئات في أثر السيئات! عروة بن أذينة، وكان من ثقات أصحاب حديث رسول الله ﷺ ، يروي عنه مالك.
وقال ابن شبرمة: كان عروة بن أذينة يخرج في الثلث الأخير من الليل إلى سكك البصرة فينادي: يا أهل البصرة، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ؟
«١» الصلاة الصلاة!
ومن شعراء الفقهاء المبرزين
عبد الله بن المبارك صاحب الرقائق «٢» وقال حبّان: خرجنا مع ابن المبارك مرابطين إلى الشام، فلما نظر إلى ما فيه القوم من التعبد والغزو والسرايا كل يوم، التفت إليّ وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون على أعمار أفنيناها، وليال وأيام قطعناها في علم الخلية «٣» والبريّة وتركنا هاهنا أبواب الجنة مفتوحة! قال: فبينما هو يمشي وأنا معه في أزقة المصّيصة «٤» ، إذ لقي سكرانا قد رفع عقيرته «٥» يتغنى ويقول.
أذلّني الهوى فأنا الذليل ... وليس إلى الذي أهوى سبيل
стр. 1947
قال: فأخرج برنامجا «١» من كمه فكتب البيت، فقلنا له: أتكتب بيت شعر سمعته من سكران؟ قال: أما سمعتم المثل: ربّ جوهرة في مزبلة؟ قالوا: نعم. قال: فهذه جوهرة في مزبلة! وبلغ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عمر بن عبد العزيز بعض ما يكره، فكتب إليه:
أتاني عنك هذا اليوم قول ... فضقت به وضاق به جوابي
أبا حفص فلا أدري أرغمي ... تريد بما تحاول أم عتابي
فإن تك عاتبا تعتب وإلا ... فما عودي إذا بيراع غاب
وقد فارقت أعظم منك رزءا ... وواريت الأحبة في التراب «٢»
وقد عزّو عليّ إذا اسلموني ... معا فلبست بعدهم ثيابي
وقد ذكر شعر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن أذينة في الباب الذي يتلو هذا، وهو «قولهم في الغزل» .
راشد بن عبد ربه حدّث فرج بن سلام قال: حدّثنا عبد الله بن الحكم الواسطي عن بعض أشياخ الشام قال: استعمل رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب على نجران، فولاه الصلاة والحرب، ووجه راشد بن عبد ربه السّلمي أميرا على القضاء والمظالم، فقال
راشد بن عبد ربه:
صحا القلب عن سلمى وأقصر شأوه ... وردّت عليه ما نعته تماضر
وحكّمه شيب القذال عن الصّبا ... وللشيب عن بعض الغواية زاجر «٣»
стр. 1948
فأقصر جهلي اليوم وارتدّ باطلي ... عن اللهو لما ابيضّ مني الغدائر «١»
على أنه قد هاجه بعد صحوه ... بمعرض ذي الآجام عيس بواكر «٢»
ولما دنت من جانب الفرض أخصبت ... وحلت ولاقاها سليم وعامر
وخبّرها الركبان أن ليس بينها ... وبين قرى بصرى ونجران كافر
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر «٣»
لابن عمر في ولده سالم
وكان عبد الله بن عمر يحب ولده سالما حبّا مفرطا، فلامه الناس في ذلك، فقال:
يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والانف سالم
وقال: إن ابني سالما يحب الله حبا لو لم يخفه ما عصاه.
وكان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إذا برز للقتال أنشد:
أي يوميّ من الموت أفرّ ... يوم لا يقدر أم يوم قدر
يوم لا يقدر لا أرهبه ... ومن المقدور لا ينجو الحذر
وكان إذا سار بأرض الكوفة يرتجز ويقول:
يا حبّذا السير بأرض الكوفه ... أرض سواء سهلة معروفة
تعرفها جمالنا المعلوفه وكان ابن عباس في طريقه من البصرة إلى الكوفة يحدو الإبل، ويقول:
أوبي إلى أهلك يا رباب ... أوبي فقد حان لك الإياب «٤»
وقال ابن عباس لما كفّ بصره:
стр. 1949
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكيّ وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مشهور «١»
قولهم في الغزل
قال رجل لمحمد بن سيرين: ما تقول في الغزل الرقيق ينشده الإنسان في المسجد؟
فسكت عنه حتى أقيمت الصلاة وتقدم إلى المحراب، فالتفت إليه فقال:
وتبرد برد رداء العرو ... س في الصيف رقرقت فيه العبيرا
ونسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب إلا هريرا
ثم قال: الله أكبر.
الحجاج وأبو هريرة
وقال الحجاج: دخلت المدينة فقصدت إلى مسجد النبي ﷺ : فإذا بأبي هريرة قد أكبّ الناس عليه يسألونه، فقلت: هكذا! افرجوا لي عن وجهه. فأفرج لي عنه، فقلت له: إني إنما أقول هذا:
طاف الخيالان فهاجا سقما ... خيال أروى وخيال تكتّما
تريك وجها ضاحكا ومعصما ... وساعدا عبلا وكفّا أدرما «٢»
فما تقول فيه؟ قال: لقد كان رسول الله ﷺ ينشد مثل هذا في المسجد فلا ينكره.
ودخل كعب بن زهير على النبيّ ﷺ قبل صلاة الصبح، فمثل بين يديه وأنشده:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول «٣»
стр. 1950
هيفاء مقبلة عجراء مدبرة ... لا يشتكى قصر منها ولا طول «١»
ما إن تدوم على حال تكون بها ... كما تلوّن في أبثوابها الغول
ولا تمسّك بالوعد الذي وعدت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الاباطيل
فلا يغرّنك ما منت وما وعدت ... إنّ الأمانيّ والأحلام تضليل
ثم خرج من هذا إلى مدح النبي ﷺ ، فكساه بردا اشتراه منه معاوية بعشرين ألفا.
ومن قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في الغزل:
كتمت الهوى حتى أضرّ بك الكتم ... ولامك أقوام ولومهم ظلم
ونمّ عليك الكاشحون وقبل ذا ... عليك الهوى قد نمّ لو نفع النّمّ «٢»
فيامن لنفس لا تموت فينقضي ... عناها، ولا تحيا حياة لها طعم
تجنّبت إتيان الحبيب تأثّما ... ألا إنّ هجران الحبيب هو الإثم
ومن شعر عروة بن أذينة، وهو من فقهاء المدينة وعبادها، وكان من أرق الناس تشبيبا:
قالت وأبثثتها وجدي وبحت به ... قد كنت عندي تحت السّتر فاستتر «٣»
أأنت تبصر من حولي؟ فقلت لها ... غطّى هواك وما ألقي على بصري
وقد وقفت عليه امرأة، فقالت له: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح وأنت القائل:
إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي ... غدوت نحو سقاء الماء أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتّقد!
стр. 1951
والله ما قال هذا رجل صالح. وكذبت عدوة الله عليها لعنة الله، بل لم يكن مرائيا ولكنه كان مصدورا «١» فنفث! وقدم عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك في رجال من أهل المدينة، فلما دخلوا عليه ذكروا حوائجهم فقضاها ثم التفت إلى عروة، فقال له: ألست القائل:
لقد علمت وخير القول أصدقه ... بأنّ رزقي وإن لم آت يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنّيني «٢»
قال: فما أراك إلا قد سعيت له! قال: سأنظر في أمري يا أمير المؤمنين. وخرج عنه فجعل وجهته إلى المدينة، فبعث إليه بألف دينار، وكشف عنه فقيل له: قد توجه إلى المدينة! فبعث إليه بالألف دينار، فلما قدم عليه بها الرسول، قال له: أبلغ امير المؤمنين السلام، وقل له أنا كما قلت: قد سعيت وعييت في طلبه، وقعدت عنه فأتاني لا يعنّيني.
ومن قول عبد الله بن المبارك، وكان فقيها ناسكا شاعرا رقيق النسيب معجب التّشبيب حيث يقول:
زعموها سألت جارتها ... وتعرّت ذات يوم تبترد «٣»
أكما ينعتني تبصرنني ... عمركنّ الله أم لا يقتصد
فتضاحكن وقد قلن لها ... حسن في كلّ عين من يودّ
حسدا حمّلنه من شأنها ... وقديما في الحبّ الحسد
وقال شريح القاضي. وكان من جلّة التابعين، والعلماء المتقدمين، استقضاه على ﵀ ومعاوية. وكان يزوج امرأة من بني تميم تسمى زينب، فنقم عليها فضربها، ثم ندم، فقال
رأيت رجالا يضربون نساءهم ... فشلّت يميني يوم أضرب زينبا
стр. 1952
أأضربها في غير ذنب أتت به ... فما العدل مني ضرب من ليس أذنبا
فزينب شمس والنساء كواكب ... إذا برزت لم تبد منهنّ كوكبا «١»
الرشيد وشاعر مدحه
قال: حج الرشيد وزميله أبو يوسف القاضي، قال شراحيل بن زائدة: وكان كثيرا ما أسايره، فبينما أنا أسايره إذ عرض له اعرابي من بني أسد فأنشده شعرا مدحه فيه وعرضه، فقال هل الرشيد: ألم أنهك عن مثل هذا في شعرك يا أخا بني أسد؟ إذ أنت قلت فقل كما قال مروان بن أبي حفصة في أبي هذا، وأشار إليّ يقول:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل «٢»
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السّماكين منزل «٣»
بها ليل الإسلام سادوا ولم يكن ... كأوّلهم في الجاهليّة أوّل «٤»
هم القوم إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
ابن شماس يمدح عمر بن عبد العزيز
وقال عتبة بن شماس يمدح عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:
إنّ أولى بالحقّ في كلّ حق ... ثم أحرى بأن يكون حقيقا
من أبوه عبد العزيز بن مروا ... ن ومن كان جدّه الفاروقا
ثم داموا لنا علينا وكانوا ... في ذرا شاهق تفوت الانوقا «٥»
стр. 1953
الرسول ﷺ وابن مرداس
مدح عباس بن مرداس رسول الله ﷺ ، فكساه حلة، ومدحه كعب بن زهير، فكساه بردا اشتراه منه معاوية بعشرين ألف درهم، وإن ذلك البرد لعند الخلفاء إلى اليوم.
عمر بن الخطاب وابن عباس في شعر زهير
وقال ابن عباس: قال لي عمر بن الخطاب: أنشدني قول زهير. فأنشدته قوله في هرم بن سنان بن حارثة حيث يقول:
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأفلاذ ما ولدوا
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
جنّ إذا فزعوا، إنس إذا أمنوا ... مرزءون بها ليل إذا احتشدوا
محّسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ماله حسدوا
فقال له عمر: ما كان أحبّ إليّ لو كان هذا الشعر في أهل بيت رسول الله ﷺ ! انظر إلى ضنانة عمر بالشعر، كيف لم ير أحدا يستحق هذا المدح إلا أهل بيت محمد ﵊؟
ابن عمرو وبعضهم في بيت للحطيئة
وأسمع رجل عبد الله بن عمر بيت الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد «١»
فقال: ذلك رسول الله ﷺ . فلم ير أحدا يستحق هذا المدح غير رسول الله ﷺ .
стр. 1954
عمر بن عبد العزيز ونصيب وجرير ودكين
واستأذن نصيب بن رباح على عمر بن عبد العزيز فلم يأذن له، فقال: أعلموا أمير المؤمنين أني قلت شعرا أوله الحمد لله. فأعلموه، فأذن له، فأدخل عليه وهو يقول:
الحمد لله، أما بعد يا عمر ... فقد أتتنا بك الحاجات والقدر
فأنت رأس قريش وابن سيّدها ... والرأس فيه يكون السمع والبصر
فأمر له بحليّة سيفه.
ومدحه جرير بشعره الذي يقول فيه:
هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر؟
فأمر له بثلثماية درهم.
ومدحه دكين الراجز، فأمر له بخمس عشرة ناقة.
ابن جعفر ونصيب
ومدح نصيب بن رياح عبد الله بن جعفر، فأمر له بمال كثير وكسوة ورواحل.
فقيل له: تفعل هذا بمثل هذا العبد الاسود؟ فقال: أما والله لئن كان عبدا إن شعره لحرّ، وإن كان أسود إن ثناءه لأبيض. وإنما أخذ مالا يفنى، وثيابا تبلى، ورواحل تنضي «١» ، وأعطي مديحا يروي، وثناء يبقى.
ودخل ابن هرم بن سنان على عمر بن الخطاب، فقال له: من أنت: قال: أنا ابن هرم بن سنان، قال: صاحب زهير؟ قال: نعم. قال: أما إنه كان يقول فيكم فيحسن! قال: كذلك كنا نعطيه فنجزل! قال: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.
ابو جعفر وطريح
وكان طريح الثقفي ناسكا شاعرا، فلما قال في أبي جعفر المنصور قوله:
стр. 1955
أنت ابن مسلنطح البطاح ولم ... تعطف عليك الحنيّ والولج «١»
لو قلت للسّيل دع طريقك والمو ... ج عليه كالليل يعتلج «٢»
لهمّ أو كاد أو لكان له ... في سائر الارض عنك منعرج
طوبي لفرعيك من هنا وهنا ... طوبي لأعراقك التي تشج
قال أبو جعفر: بلغني عن هذا الرجل أنه يتأله، فكيف يقول: دع طريقك؟ فبلغ ذلك، فقال: الله يعلم أني إنما أردت يا رب، لو قلت للسيل: دع طريقك
الحطيئة في سجن عمر
وقال الحطيئة لما حبسه عمر بن الخطاب في هجائه للزبرقان بن بدر- أبياتا يمدح فيها عمر ويستعطفه، فلما قرأها عمر عطف له وأمر بإطلاقه وعفا عما سلف منه، والأبيات:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر «٣»
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقى إليك مقاليد النهى البشر
ما آثروك بها إذا قدّموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بها الإثر «٤»
ابن دارة وابن حاتم
ودخل ابن دارة على عدي بن حاتم صاحب رسول الله ﷺ ، فقال: إني مدحتك! قال: أمسك حتى آتيك بمالي ثم امدحني على حسبه، فإني أكره أن لا أعطيك ثمن ما تقول. لي ألف شاة، وألف درهم، وثلاثة أعبد، وثلاث إماء، وفرسي هذا حبيس في سبيل الله، فامدحني على حسب ما أخبرتك، فقال:
تحن قلوصي في معدّ وإنما ... تلاقي الربيع في ديار بني ثعل «٥»
стр. 1956
وأبقى الليالي من عديّ بن حاتم ... حساما كنصل السيف سلّ من الخلل «١»
أبوك جواد لا يشقّ غباره ... وأنت جواد ليس يعذر بالعلل «٢»
فإن تفعلوا شرّا فمثلكم اتّقى ... وإن تفعلوا خيرا فمثلكم فعل
قال عدي: أمسك، لا يبلغ مالي إلى أكثر من هذا.
قولهم في الهجاء
قال الله ﵎ في هجو المشركين: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«٣» .
فأرخص الله للشعراء بهذه الآية في هجائهم لمن تعرض لهم.
الرسول ﷺ ورجل في أبي سفيان
يزيد بن عمرو بن تميم الخزاعي عن أبيه عن جده، أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال:
يا رسول الله، إن أبا سفيان يهجوك! فقال رسول الله ﷺ : اللهم إنه هجاني وإني لا أقول الشعر، فاهجه عني، فقام إليه عبد الله بن رواحة فقال: يا رسول إيذن لي فيه.
فقال أنت القائل:
فثبّت الله ما آتاك من حسن
قال: نعم. قال: وإياك فثّبت الله. ثم قام إليه كعب بن مالك فقال: إيذن لي فيه.
стр. 1957
قال: أنت القائل: «همّت» ؟ قال: نعم. قال: لست له. ثم قام حسان بن ثابت، فقال يا رسول الله ائذن لي فيه. وأخرج لسانه فضرب به أرنبة «١» أنفه وقال: والله يا رسول الله إنه ليخيّل لي أني لو وضعته على حجر لفلقه، أو شعر لحلقه! فقال أنت له، اذهب إلى أبي بكر يخبرك بمثالب القوم، ثم اهجهم وجبريل معك. فقال يردّ على أبي سفيان:
ألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلة فقد برح الخفاء «٢»
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بندّ ... فشرّكما لخيركما الفداء
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويطريه ويمدحه سواء
لنا في كلّ يوم من معدّ ... سباب أو قتال أو هجاء
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
ابن ياسر ويمني
وقال رجل من أهل اليمن: دخلت الكوفة فأتيت المسجد، فإذا بعمار بن ياسر ورجل ينشده هجاء معاوية وعمرو بن العاص، وهو يقول: ألصق بالعجوزين! «٣» قلت له: سبحان الله! أتقول هذا وأنتم أصحاب محمد ﷺ ؟ قال: إن شئت فاجلس وإن شئت فاذهب! فجلست، فقال: أتدري ما كان يقول لنا رسول الله ﷺ لما هجانا اهل مكة؟ قلت: لا أدري. قال: كان يقول لنا: قولوا لهم مثل ما يقولون لكم.
وقال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: لقد شكر الله لك بيتا قلته وهو:
زعمت سخينة ان تغالب ربّها ... وليغلبنّ مغالب الغلّاب
стр. 1958
هذيل وسؤالها حل الزنا
وسألت هذيل رسول الله ﷺ أن يحلّ لها الزنا، فقال حسان في ذلك:
سألت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلّت هذيل بما سالت ولم تصب «١»
وقال عبد الملك بن مروان: ما هجي أحد بأوجع من بيت هجي به ابن الزبير، وهو:
فإن تصبك من الأيام جائحة ... لم تبك منك على دنيا ولا دين! «٢»
وقيل لعقيل بن علّفة: ما لك لا تطيل الهجاء؟ قال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وقال رجل من ثقيف لمحمد بن مناذر: ما بال هجائك أكثر من مدحك؟ قال:
ذلك مما أغراني به قومك، واضطرني إليه لؤمك.
وقال أبو عمرو بن العلاء: قلت لجرير: إنك لعفيف الفرج كثير الصدقة، فلم تسبّ الناس؟ قال: يبدءوني ثم لا أغفر لهم. وكان جرير يقول: لست بمبتدىء ولكنني معتد. يريد أنه يسرف في القصاص.
ومثله قول الشاعر:
بني عمّنا لا تنطقوا الشّعر بعد ما ... دفنتم بأفناء العذيب القوافيا
فلسنا كمن قد كنتم تظلمونه ... فيقبل ضيما أو يحكّم قاضيا «٣»
ولكنّ حكم السيف فيكم مسلّط ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا
فإن قلتم إنا ظلمنا فلم نكن ... ظلمنا ولكنّا أسأنا التّقاضيا
وكان عمر بن الخطاب يقول: واحدة بأخرى والبادىء أظلم
стр. 1959
عبد الملك وجرير والأخطل
وقيل: وفد جرير على عبد الملك بن مروان، فقال عبد الملك للأخطل: أتعرف هذا؟ قال: لا. قال: هذا جرير. قال الأخطل: والذي أعمى رأيك يا جرير ما عرفتك! قال له جرير: والذي أعمى بصيرتك وأدام خزيتك لقد عرفتك: لسيماك سيما أهل النار.
كثير والأخطل عند عبد الملك
ابن الاعرابي قال: دخل كثيّر عزّة على عبد الملك فأنشده وعنده رجل لا يعرفه، فقال لعبد الملك: هذا شعر حجازي، دعني أضغمه لك ضغمة «١» . قال كثيّر: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا الأخطل. قال: فالتفت إليه فقال له: هل ضغمت.
الذي يقول:
والتّغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استة وتمثل الأمثالا
تلقاهم حلماء عن أعدائهم ... وعلى الصّديق تراهم جهّالا «٢»
حصين وصديق له
حدثنا يحيى بن عبد العزيز قال: حدثنا محمد بن عبد الحكم بمصر: كان رجل له صديق يقال له حصين، فولى موضعا يقال له السابين، فطلب إليه حاجة فاعتل فيها، فكتب إليه:
اذهب إليك فإنّ ودّك طالق ... مني وليس طلاق ذات البين
فإذا ارعويت فإنها تطليقة ... ويقيم ودّك لي على ثنتين «٣»
وإذا أبيت شفعتها بمثالها ... فيكون تطليقين في حيضين «٤»
стр. 1960
وإن الثلاث أتتك مني بتّة ... لم تغن عنك ولاية السّابين
ولم ارض أن أهجو حصينا وحده ... حتى أسوّد وجه كلّ حصين
طلب دعبل بن علي حاجة إلى بعض الملوك فصرح بمنعه، فكتب إليه:
أحسبت أرض الله ضيّقة ... عني؟ فأرض الله لم تضق
وحسبتني فقعا بقرقرة ... فوطئتني وطئا على حنق «١»
فإذا سألتك حاجة أبدا ... فاضرب بها قفلا على غلق
وأعدّ لي غلّا وجامعة ... فاجمع يديّ بها إلى عنقي «٢»
ثم ارم بي في قعر مظلمة ... إن عدت بعد اليوم في الحمق «٣»
ما أطول الدنيا وأوسعها ... وأدلّني بمسالك الطّرق
ومثل هذا قول أبي زبيد:
إن كان رزقي إليك فارم به ... في ناظري حبة على رصد «٤»
ليتك أدّبتني بواحدة ... تجعلها منك آخر الأبد
تحلف أن لا تبرّني أبدا ... فإنّ فيها بردا على كبدي
وقال زياد: ما هجيت ببيت قط أشدّ عليّ من قول الشاعر:
فكّرّ ففي ذاك إن فكرت معتبر ... هل نلت مكرمة إلا بتأمير
عاشت سميّة ما عاشت وما علمت ... أنّ ابنها من قريش في الجماهير «٥»
سبحان من ملّك عبّاد بقدرته ... لا يدفع الخلق محتوم المقادير
وقال بلال بن جرير: سألت أبي: أيّ شيء هجيت به أشدّ عليك؟ قال: قول العيث:
стр. 1961
ألست كليبيّا إذا سيم خطّة ... أقرّ كإقرار الحليلة للبعل
كلّ كليبيّ صحيفة وجهه ... أذلّ لأقدام الرجال من النّعل
وكان بلال بن جرير شاعرا ابن شاعر ابن شاعر، لأنّ الخطفي كان شاعرا، وهو يقول:
ما زال عصياننا لله يسلمنا ... حتى دفعنا إلى يحيى ودينار
إلى عليجين لم تقطع ثمارهما ... قد طالما سجدا للشمس والنار «١»
ومن أخبث الهجاء قول جميل:
أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدّي يا شمّاخ فارس شمّرا
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء سوء يلقهم حيث سيّرا «٢»
فإن تغضبوا من قسمة الله فيكم ... فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا
وقال كثيّر في نصيب، وكان أسود، ويكنى ابا الحجناء:
رأيت أبا الحجنإ في الناس حائرا ... ولون أبي الحجناء لون البهائم
تراه على مالاحه من سواده ... وإن كان مظلوما، له وجه ظالم!
وكان يقال لسعد بن أبي وقاص: المستجاب، لقول النبي ﷺ : اتقوا دعوة سعد.
فقال رجل بالقادسية فيه:
ألم تر أن الله أنزل نصره ... وسعد بباب القادسيّة معصم «٣»
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فهنّ أيّم «٤»
فقال سعد: اللهم! اكفني يده ولسانه. فخرس لسانه، وضربت يده فقطعت.
وذكر عند المبرّد محمد بن يزيد النحوي رجل من الشعراء، فقال: لقد هجاني
стр. 1962
ببيتين أنضج بهما كبدي! فاستنشدوه، فأنشدهم هذين البيتين:
سألنا عن ثمالة كل حيّ ... فكلّ قد أجاب ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا الآن زدتهما جهاله
ولم يقل أحد في القبيح أحسن من قول أبي نواس:
وقائلة لها في وجه نصح ... علام قتلت هذا المستهاما
فكان جوابها في حسن ميس ... أأجمع وجه هذا والحراما «١»
وكان جرير يقول: إذا هجوت فأضحك. وينشد له:
إذا سلمت فتاة بني نمير ... تلقّم باب عصرطها التّرابا «٢»
ترى برصا بمجمع إسكتيها ... كعنفقة الفرزدق حين شابا «٣»
وقوله أيضا:
وتقول إذ نزعوا الإزار عن استها ... هذي دواة معلّم الكتّاب
وقوله أيضا:
أحين صرت سماما يا بني لجأ ... وخاطرت بي عن أحسابها مضر
هيأتم عمرا يحمي دياركم ... كما يهيّأ لأست الخاري الحجر
وقال عليّ بن الجهم يهجو محمد بن عبد الملك الزيّات وزير المتوكل:
أحسن من سبعين بيتا سدى ... جمعك إياهنّ في بيت
ما أحوج الملك إلى ديمة ... تغسل عنه وضر الزيت «٤»
ومن أخبث الهجاء قول زياد الأعجم:
стр. 1963
قالوا الأشاقر تهجوني فقلت لهم ... ما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا «١»
وهم من الحسب الذاكي بمنزلة ... كطحلب الماء لا أصل ولا ورق «٢»
لا يكثرون وإن طالت حياتهم ... ولو يبول عليهم ثعلب غرقوا
وقوله أيضا:
قضى الله خلق الناس ثم خلقتم ... بقيّة خلق الله آخر آخر
فلم تسمعوا إلا الذي كان قبلكم ... ولم تدركوا إلا مدقّ الحوافر «٣»
وقال فيهم:
قبّيلة خيرها شرّها ... وأصدقها الكاذب الآثم
وضيفهم وسط أبياتهم ... وإن لم يكن صائما صائم
ونظير هذا قول الطرمّاح:
وما خلقت تيم وزيد مناتها ... وضبّة إلا بعد خلق القبائل
ومن أخبث الهجاء قول الطرمّاح في بني تميم:
لو حان ورد تميم ثم قيل لهم ... حوض الرسول عليه الأزد لم ترد
أو أنزل الله وحيا أن يعذّبها ... إن لم تعد لقتال الأزد لم تعد
وكلّ لؤم أباد الله سبّته ... ولؤم ضبّة لم ينقص ولم يزد «٤»
لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الذلّ أوّلهم ... كما أقامت عليه جذمة الوتد «٥»
ومن قول المساور بن هند:
ما سرّني أن قومي من بني أسد ... وأن ربي ينجّيني من النار
стр. 1964
وأنهم زوّجوني من بناتهم ... وأن لي كل يوم ألف دينار
ومن أخبث الهجاء من غير إقذاع «١» :
بلاد نأى عني الصّديق وسبّني ... بها عنزيّ ثم لم أتكلّم
وقال عبيد:
يا أبا جعفر كتبتك سمحا ... فاستطال المداد فالميم لام
لا تلمني على الهجاء فلم يه ... جك إلا المداد والأقلام «٢»
وقال سليمان بن أبي شيخ: كان أبو سعيد الراني يماري اهل الكوفة ويفضل أهل المدينة، فجاءه رجل من أهل الكوفة وسماه شرشيرا، وقال: كلب في جهنم يسمى شرشيرا، فقال:
عندي مسائل لا شرشير يعرفها ... إن سيل عنها ولا أصحاب شرشير
وليس يعرف هذا الدّين معرفة ... إلا حنيفيّة كوفيّة الدّور
لا تسألنّ مدينيّا فتكفره ... إلا عن البمّ والمثنى أو الزّير «٣»
فكتب أبو سعيد إلى اهل المدينة: إنكم قد هجيتم فردّوا. فردّ عليه رجل من أهل المدينة يقول:
لقد عجبت لغاو ساقه قدر ... وكل أمر إذا ما حمّ مقدور
قالوا المدينة أرض لا يكون بها ... إلا الغناء وإلا البّم والزّير
لقد كذبت لعمر الله إنّ بها ... قبر النبيّ وخير الناس مقبور
قال: فما انتصر ولا انتصر به، فليته لم يقل شيئا.
وقال مساور الوراق في أهل القياس:
كنّا من الدّين قبل اليوم في سعة ... حتى بلينا بأصحاب المقاييس «٤»
стр. 1965
قاموا من السّوق إذ قلّت مكاسبهم ... فاستعملوا الرأي بعد الجهد والبوس «١»
أمّا الغريب فأمسوا لا عطاء لهم ... وفي الموالي علامات المفاليس
فلقيه ابو حنيفة، فقال له: هجوتنا! نحن نرضيك. فبعث إليه بدراهم، فكف عنه وقال:
إذا ما الناس يوما قايسونا ... بمسألة من الفتيا ظريفه «٢»
أتيناهم بمقياس صحيح ... بديع من طراز أبي حنيفه
إذا سمع الفقيه بها وعاها ... وأثبتها بحبر في صحيفه
ومن خبيث الهجاء قول الشاعر:
عجبت لعبدان هجوني سفاهة ... أن اصطبحوا من شائهم وتفيّلوا «٣»
بجاد وريسان وفهر وغالب ... وعون وهدم وابن صفوة أخيل «٤»
فأمّا الذي يحصيهم فمكثّر ... وأمّا الذي يطريهم فمقلّل
وقال أبو العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة:
قال ابن معن وجلى نفسه ... على القربات من الأهل
هل في جواري الحيّ من وائل ... جارية واحدة مثلي
أكنى أبا الفضل فيامن رأى ... جارية تكنى أبا الفضل
قد نقطت في خدّها نقطة ... مخافة العين من الكحل
مداراة الشعراء وتقيتهم «٥»
سليمان والخليل وبعض المادحين
أبو جعفر البغدادي قال: مدح قوم من الشعراء جعفر بن سليمان بن علي بن عبد
следующие страницы →