Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
ألست كليبيّا إذا سيم خطّة ... أقرّ كإقرار الحليلة للبعل
كلّ كليبيّ صحيفة وجهه ... أذلّ لأقدام الرجال من النّعل
وكان بلال بن جرير شاعرا ابن شاعر ابن شاعر، لأنّ الخطفي كان شاعرا، وهو يقول:
ما زال عصياننا لله يسلمنا ... حتى دفعنا إلى يحيى ودينار
إلى عليجين لم تقطع ثمارهما ... قد طالما سجدا للشمس والنار «١»
ومن أخبث الهجاء قول جميل:
أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدّي يا شمّاخ فارس شمّرا
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء سوء يلقهم حيث سيّرا «٢»
فإن تغضبوا من قسمة الله فيكم ... فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا
وقال كثيّر في نصيب، وكان أسود، ويكنى ابا الحجناء:
رأيت أبا الحجنإ في الناس حائرا ... ولون أبي الحجناء لون البهائم
تراه على مالاحه من سواده ... وإن كان مظلوما، له وجه ظالم!
وكان يقال لسعد بن أبي وقاص: المستجاب، لقول النبي ﷺ : اتقوا دعوة سعد.
فقال رجل بالقادسية فيه:
ألم تر أن الله أنزل نصره ... وسعد بباب القادسيّة معصم «٣»
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فهنّ أيّم «٤»
فقال سعد: اللهم! اكفني يده ولسانه. فخرس لسانه، وضربت يده فقطعت.
وذكر عند المبرّد محمد بن يزيد النحوي رجل من الشعراء، فقال: لقد هجاني
стр. 1962
ببيتين أنضج بهما كبدي! فاستنشدوه، فأنشدهم هذين البيتين:
سألنا عن ثمالة كل حيّ ... فكلّ قد أجاب ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا الآن زدتهما جهاله
ولم يقل أحد في القبيح أحسن من قول أبي نواس:
وقائلة لها في وجه نصح ... علام قتلت هذا المستهاما
فكان جوابها في حسن ميس ... أأجمع وجه هذا والحراما «١»
وكان جرير يقول: إذا هجوت فأضحك. وينشد له:
إذا سلمت فتاة بني نمير ... تلقّم باب عصرطها التّرابا «٢»
ترى برصا بمجمع إسكتيها ... كعنفقة الفرزدق حين شابا «٣»
وقوله أيضا:
وتقول إذ نزعوا الإزار عن استها ... هذي دواة معلّم الكتّاب
وقوله أيضا:
أحين صرت سماما يا بني لجأ ... وخاطرت بي عن أحسابها مضر
هيأتم عمرا يحمي دياركم ... كما يهيّأ لأست الخاري الحجر
وقال عليّ بن الجهم يهجو محمد بن عبد الملك الزيّات وزير المتوكل:
أحسن من سبعين بيتا سدى ... جمعك إياهنّ في بيت
ما أحوج الملك إلى ديمة ... تغسل عنه وضر الزيت «٤»
ومن أخبث الهجاء قول زياد الأعجم:
стр. 1963
قالوا الأشاقر تهجوني فقلت لهم ... ما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا «١»
وهم من الحسب الذاكي بمنزلة ... كطحلب الماء لا أصل ولا ورق «٢»
لا يكثرون وإن طالت حياتهم ... ولو يبول عليهم ثعلب غرقوا
وقوله أيضا:
قضى الله خلق الناس ثم خلقتم ... بقيّة خلق الله آخر آخر
فلم تسمعوا إلا الذي كان قبلكم ... ولم تدركوا إلا مدقّ الحوافر «٣»
وقال فيهم:
قبّيلة خيرها شرّها ... وأصدقها الكاذب الآثم
وضيفهم وسط أبياتهم ... وإن لم يكن صائما صائم
ونظير هذا قول الطرمّاح:
وما خلقت تيم وزيد مناتها ... وضبّة إلا بعد خلق القبائل
ومن أخبث الهجاء قول الطرمّاح في بني تميم:
لو حان ورد تميم ثم قيل لهم ... حوض الرسول عليه الأزد لم ترد
أو أنزل الله وحيا أن يعذّبها ... إن لم تعد لقتال الأزد لم تعد
وكلّ لؤم أباد الله سبّته ... ولؤم ضبّة لم ينقص ولم يزد «٤»
لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الذلّ أوّلهم ... كما أقامت عليه جذمة الوتد «٥»
ومن قول المساور بن هند:
ما سرّني أن قومي من بني أسد ... وأن ربي ينجّيني من النار
стр. 1964
وأنهم زوّجوني من بناتهم ... وأن لي كل يوم ألف دينار
ومن أخبث الهجاء من غير إقذاع «١» :
بلاد نأى عني الصّديق وسبّني ... بها عنزيّ ثم لم أتكلّم
وقال عبيد:
يا أبا جعفر كتبتك سمحا ... فاستطال المداد فالميم لام
لا تلمني على الهجاء فلم يه ... جك إلا المداد والأقلام «٢»
وقال سليمان بن أبي شيخ: كان أبو سعيد الراني يماري اهل الكوفة ويفضل أهل المدينة، فجاءه رجل من أهل الكوفة وسماه شرشيرا، وقال: كلب في جهنم يسمى شرشيرا، فقال:
عندي مسائل لا شرشير يعرفها ... إن سيل عنها ولا أصحاب شرشير
وليس يعرف هذا الدّين معرفة ... إلا حنيفيّة كوفيّة الدّور
لا تسألنّ مدينيّا فتكفره ... إلا عن البمّ والمثنى أو الزّير «٣»
فكتب أبو سعيد إلى اهل المدينة: إنكم قد هجيتم فردّوا. فردّ عليه رجل من أهل المدينة يقول:
لقد عجبت لغاو ساقه قدر ... وكل أمر إذا ما حمّ مقدور
قالوا المدينة أرض لا يكون بها ... إلا الغناء وإلا البّم والزّير
لقد كذبت لعمر الله إنّ بها ... قبر النبيّ وخير الناس مقبور
قال: فما انتصر ولا انتصر به، فليته لم يقل شيئا.
وقال مساور الوراق في أهل القياس:
كنّا من الدّين قبل اليوم في سعة ... حتى بلينا بأصحاب المقاييس «٤»
стр. 1965
قاموا من السّوق إذ قلّت مكاسبهم ... فاستعملوا الرأي بعد الجهد والبوس «١»
أمّا الغريب فأمسوا لا عطاء لهم ... وفي الموالي علامات المفاليس
فلقيه ابو حنيفة، فقال له: هجوتنا! نحن نرضيك. فبعث إليه بدراهم، فكف عنه وقال:
إذا ما الناس يوما قايسونا ... بمسألة من الفتيا ظريفه «٢»
أتيناهم بمقياس صحيح ... بديع من طراز أبي حنيفه
إذا سمع الفقيه بها وعاها ... وأثبتها بحبر في صحيفه
ومن خبيث الهجاء قول الشاعر:
عجبت لعبدان هجوني سفاهة ... أن اصطبحوا من شائهم وتفيّلوا «٣»
بجاد وريسان وفهر وغالب ... وعون وهدم وابن صفوة أخيل «٤»
فأمّا الذي يحصيهم فمكثّر ... وأمّا الذي يطريهم فمقلّل
وقال أبو العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة:
قال ابن معن وجلى نفسه ... على القربات من الأهل
هل في جواري الحيّ من وائل ... جارية واحدة مثلي
أكنى أبا الفضل فيامن رأى ... جارية تكنى أبا الفضل
قد نقطت في خدّها نقطة ... مخافة العين من الكحل
مداراة الشعراء وتقيتهم «٥»
سليمان والخليل وبعض المادحين
أبو جعفر البغدادي قال: مدح قوم من الشعراء جعفر بن سليمان بن علي بن عبد
стр. 1966
الله بن عباس، فماطلهم بالجائزة، وكان الخليل بن أحمد صديقه، وكان وقت مدحهم إياه غائبا، فلما قدم الخليل أتوه فأخبروه، فاستعانوا به عليه، فكتب إليه:
لا تقبلنّ الشعر ثمّ تعقّه ... وتنام والشعراء غير نيام «١»
واعلم بأنّهم إذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكّام
وجناية الجاني عليهم تنقضي ... وعقابهم باق على الايام
فأجازهم وأحسن اليهم.
النبي ﷺ وابن مرداس
وقال النبي ﷺ لما مدحه عباس بن مرداس: اقطعوا عني لسانه. قالوا: بماذا يا رسول الله؟ فأمر له بحلة قطع بها لسانه.
ومدح ربيعة الرقّيّ يزيد بن حاتم وهو والي مصر، فتشاغل عنه ببعض الامور واستبطأه ربيعة فشخص من مصر، وقال:
أراني ولا كفران لله راجعا ... بخفّي حنين من نوال ابن حاتم «٢»
فبلغ قوله يزيد بن حاتم، فأرسل في طلبه وردّه، فلما دخل عليه قال له: انت القائل:
أراني ولا كفران الله راجعا ... بخفي حنين من نوال ابن حاتم
قال: نعم. قال: هل قلت غير هذا؟ قال: لا. قال: والله لترجعن بخفّي حنين مملؤة مالا! فأمر بخلع خفّيه، وأن تملا له مالا، ثم قال: أصلح ما أفسدت من قولك، فقال فيه لما عزل عن مصر وولي مكانه يزيد بن السلمي:
بكى اهل مصر بالدموع السواجم ... غداة غدا منها الأغرّ ابن حاتم «٣»
стр. 1967
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم «١»
فهمّ الفتى الأزديّ إنفاق ماله ... وهمّ الفتى القيسيّ جمع الدراهم
فلا يحسب التّمتام أني هجوته ... ولكنّني فضلت أهل المكارم
واعلم أن تقية الشعراء من حفظ الأعراض التي أمر الله تعالى بحفظها، وقد وضعنا في هذا الكتاب بابا فيمن وضعه الهجاء، ومن رفعه المدح.
تيم عامل زياد ومادح له
وكان لزياد عامل على الاهواز يقال له تيم، فمدحه رجل من الشعراء، فلم يعطه شيئا، فقال الشاعر: اما اني لا أهجوك، ولكني أقول فيك ما هو شر عليك من الهجاء. فدخل على زياد فأسمعه شعرا مدحه فيه، وقال في بعضه:
وكائن عند تيم من بدور ... إذا ما صفّدت تدعو زيادا «٢»
دعته كي يجيب لها وشيكا ... وقد ملئت حناجرها صفادا «٣»
فقال زياد: لبّيك يا بدور! ثم أرسل فيه فأغرمه مائة ألف.
باب في رواة الشعر
قال الأصمعي: ما بلغت الحلم «٤» حتى رويت اثنى عشر ألف أرجوزة للأعراب.
كان خلف الأحمر أروى الناس للشعر وأعلمهم بجيّده.
قال مروان بن أبي حفصة: لما مدحت المهدي بشعري الذي أوله:
طرقتك زائرة فحيّ خيالها ... بيضاء تخلط بالحياء دلالها
أردت أن أعرضه على قرّاء البصرة، فدخلت المسجد الجامع، فتصفحت الحلق فلم
стр. 1968
أر حلقة أعظم من حلقة «١» يونس النحوي، فجلست إليه، فقلت له: إني مدحت المهدي بشعر، وأردت ألا أرفعه حتى أعرضه على بصرائكم، وإني تصفحت الحلق فلم أر حلقة أحفل من حلقتك، فإن رأيت أن تسمعه مني فافعل. فقال: يا ابن أخي، إن ههنا خلفا، ولا يمكن أحدنا أن يسمع شعرا حتى يحضر، فإذا حضر فأسمعه.
فجلست حتى أقبل خلف الأحمر، فلما جلس جلست إليه، ثم قلت له ما قلت ليونس، فقال: أنشد يا بن أخي، فأنشدته حتى أتيت على آخره فقال لي: أنت والله كأعشى بكر، بل أنت أشعر منه حيث يقول:
رحلت سميّة غدوة أجمالها ... غضبى عليك فما تقول بدالها
وكان خلف مع روايته وحفظه يقول الشعر فيحسن وينحله «٢» الشعراء. ويقال إن الشعر المنسوب إلى ابن أخت تأبط شرّا، وهو:
إنّ بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطلّ «٣»
لخلف الأحمر، وإنما ينحله إياه.
وكذلك كان يفعل حماد الراوية: يخلط الشعر القديم بأبيات له.
قال حماد: ما من شاعر إلا قد زدت في شعره أبياتا فجازت عليه، إلا الأعشى، أعشى بكر، فإني لم أزد في شعره قط غير بيت فأفسدت عليه الشعر. قيل له: وما البيت الذي أدخلته في شعر الأعشى؟ فقال:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصّلعا
قال حماد الراوية: أرسل إليّ أبو مسلم ليلا، فراعني ذلك، فلبست أكفاني ومضيت، فلما دخلت عليه تركني حتى سكن جأشي «٤» ، ثم قال لي: ما شعر فيه
стр. 1969
أوتاد؟ «١» قلت: من قائله أصلح الله الأمير؟ قال: لا أدري. قلت: فمن شعراء الجاهلية أم شعراء الإسلام؟ قال: لا أدري. قال: فأطرقت حينا أفكّر فيه، حتى بدر إلى وهمي شعر الأفوه الازدي حيث يقول:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا «٢»
والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمّع أوتاد وأعمدة ... يوما فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
فقلت: هو قول الأفوه الأزدي أصلح الله الأمير، وأنشدته الأبيات، فقال:
صدقت، انصرف إذا شئت! فقمت، فلما خطوت الباب لحقني أعوان له ومعهم بدرة، «٣» فصحبوني إلى الباب، فلما أردت أن أقبضها منهم، قالوا: لا بد من إدخالها إلى موضع منامك! فدخلوا معي، فعرضت أن أعطيهم منها شيئا، فقالوا: لا تقدم على الأمير.
الأصمعي قال: أقبل فتيان إلى أبي ضمضم بعد العشاء، فقال: ما جاء بكم؟
قالوا: جئنا نتحدث إليك. قال: كذبتم يا خبثاء! ولكن قلتم: كبر الشيخ فهلم بنا عسى أن نأخذ عليه سقطة «٤» ! قال: فأنشدهم لمائة شاعر كلهم اسمه عمرو. قال الأصمعي: تحدثت أنا وخلف الأحمر فلم نزد على أكثر من ثلاثين.
وقال الشعبي: لست لشيء من العلوم أقل رواية من الشعر، ولو شئت لأنشدت شهرا ولا أعيد بيتا! وكان الخليل بن أحمد أروى «٥» الناس للشعر ولا يقول بيتا.
стр. 1970
وكذلك كان الأصمعي. وقيل للأصمعي: ما يمنعك من قول الشعر؟ قال: نظري لجيّده.
وقيل للخليل: ما لك لا تقول الشعر؟ قال: الذي أريده لا أجده، والذي أجده لا أريده.
وقل لآخر: مالك تروي الشعر ولا تقوله؟ قال: لأني كالمسنّ: أشحذ ولا أقطع.
وقال الحسن بن هانيء: رويت أربعة آلاف شعر، وقلت أربعة آلاف شعر، فما رزأت «١» لشاعر شيئا.
الرشيد والأصمعي:
القاسم بن محمد السّلاميّ قال: حدثنا أحمد بن بشر الأطروش قال: حدثني يحيى بن سعيد قال: أخبرني الأصمعي قال: تصرفت بي الأسباب «٢» إلى باب الرشيد مؤملا للظفر، بما كان في الهمة دفينا، أترقب به طالع سعد، فاتصل بي ذلك إلى أن صرت للحرس مؤانسا بما استملت به مودّتهم، فكنت كالضيف عند أهل المبرّة، فطرفهم متوجهة بإتحافي، وطاولتني الغايات بما كدت به أن أصير إلى ملالة، غير أني لم أزل محييا للأمل بمذاكرته عند اعتراض الفترة، وقلت في ذلك:
وأيّ فتى أعير ثبات قلب ... وساع ما تضيق به المعاني
تجاذبه المواهب عن إباء ... ألا بل لا تواتيه الأماني
فربّ معرّس لليأس أجلى ... عن الدّرك الحميد لدى الرّهان «٣»
وأيّ فتى أناف على سمو ... من الهمّات ملتهب الجنان
بغير توسّع في الصدر ماض ... على العزمات والعضب اليماني «٤»
فلم نبعد أن خرج علينا خادم في ليلة نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين
стр. 1971
أجفان الرشيد، فقال: هل بالحضرة أحد يحسن الشعر؟ فقلت: الله أكبر! رب قيد مضيقة قد فكه التيسير للإنعام! أنا صاحبك إن كان صاحبك من طلب فأدمن، وحفظ فأتقن. فأخذ بيدي. ثم قال: ادخل أن يختم الله لك بالإحسان لديه والتصويب، فلعلها أن تكون ليلة تعوّض صاحبتها الغنى. قلت: بشّرك الله بالخير! قال: ودخلت، فواجهت الرشيد في البهو جالسا كأنما ركب البدر فوق أزراره جمالا، والفضل بن يحيى إلى جانبه، والشمع يحدق به على قضب المنابر، والخدم فوق فرشه وقوف، فوقف بي الخادم حيث يسمع تسليمي، ثم قال: سلّم! فسلمت، فردّ، ثم قال: ينحّى قليلا روعه، إن وجد لروعه حسّا. فقعدت حتى سكن جأشي قليلا، ثم أقدمت، فقلت: يا أمير المؤمنين، إضاءة كرمك، وبهاء مجدك، مجيران لمن نظر إليك من اعتراض أذية له، أيسألني أمير المؤمنين فأجيب، أم أبتدىء فأصيب، بيمن أمير المؤمنين وفضله؟ قال: فتبسم الفضل، ثم قال: ما أحسن ما استدعى الاختبار استسهل به المفاتحة، وأجدر به أن يكون محسنا. ثم قال الفضل: والله يا أمير المؤمنين لقد تقدّم مبرّزا محسنا في استشهاده على براءته من الحيرة، وأرجو أن يكون ممتعا. قال:
أرجو. ثم قال: ادن. فدنوت، فقال: أشاعر أم راوية؟ قلت: راوية يا أمير المؤمنين. قال: لمن؟ قلت: لذي جدّ وهزل بعد أن يكون محسنا. قال: والله ما رأيت أدعى لعلم، ولا أخبر بمحاسن بيان فتقته «١» الأذهان منك، ولئن صرت حامدا أثرك لتعرفن الإفضال متوجّها إليك سريعا. قلت: أنا على الميدان يا أمير المؤمنين، فيطلق أمير المؤمنين من عقالي مجيبا فيما أحبه قال:
قد أنصف القارة من راماها
ثم قال: ما معنى المثل في هذه الكلمة بديّا؟ قلت: ذكرت العرب يا أمير المؤمنين أن التبابعة كانت لهم رماة لا تقع سهامهم في غير الحدق، فكانت تكون في الموكب الذي يكون فيه الملك، على الجياد البلق «٢» ، بأيديهم الأسورة وفي أعناقهم الأطواق،
стр. 1972
فخرج من موكب الصّغد فارس معلم «١» بعذبات «٢» سود في قلنسوته، قد وضع نشابته في الوتر، ثم صاح: أين رماة الحرب؟ قالوا: قد أنصف القارة من راماها.
والملك أبو حسان إذ ذاك المضاف إليه.
قال الرشيد: أحسنت، أرويت للعجاج ورؤبة شيئا؟ قلت: هما يا أمير المؤمنين يتناشدان لك بالقوافي وإن غابا عنك بالأشخاص. فمد يده فأخرج من تحت فراشه رقعة، ثم قال: أسمعني. فقلت:
أرّقني طارق هم طرقا
فمضيت فيها مضيّ الجواد في سنن ميدانه، تهدر بها أشداقي، حتى إذا صرت إلى مدح بني أمية ثنيت عنان اللسان إلى امتداحه المنصور في قوله:
قلت لزير لم تصله مريمه «٣»
قال: أعن حيرة أم عن عمد؟ قلت: عن عمد، تركت كذبه إلى صدقه فيما وصف به المنصور من مجده. قال الفضل: أحسنت بارك الله فيك، مثلك يؤمل لهذا الموقف. قال الرشيد: ارجع إلى أول هذا الشعر. فأخذت من أوله حتى صرت إلى صفة الجمل فأطلت، فقال الفضل: مالك تضيّق علينا كلّ ما اتسع لنا من مساعدة السّهر في ليلتنا هذه بذكر جمل أجرب؟ صره إلى امتداح المنصور حتى تأتي على آخره. فقال الرشيد: اسكت، هي التي أخرجتك من دارك، وأزعجتك من قرارك، وسلبتك تاج ملكك، ثم ماتت، فعمل جلودها سياطا تضرب بها قومك ضرب العبيد! ثم قهقه، ثم قال: لا تدع نفسك والتعرض لما تكره. فقال الفضل: لقد عوقبت على غير ذنب، والحمد لله! قال الرشيد: أخطأت في كلامك يرحمك الله! لو قلت:
وأستغفر الله! قلت صوابا، إنما يحمد الله على النّعم. ثم صرف وجهه إليّ وقال: ما
стр. 1973
أحسن ما أدّيت في قدر ما سئلت! أسمعني كلمة عدي بن الرقاع في الوليد بن يزيد ابن عبد الملك، قوله:
عرف الديار توهّما فاعتادها
فقال الفضل. يا أمير المؤمنين، ألبستنا ثوب السهر ليلتنا هذه لاستماع الكذب! لم تأمره يسمعك ما قالت الشعراء فيك وفي آبائك؟ قال: ويحك! إنه أدب وقلما يعتاض عن مثله، ولأن أسمع من ثقيف بعبارة تشغله العناية بها عمره، أحبّ إليّ من أن تشافهني به الرسوم، وللممتدح بهذا الشعر حركات سترد عليك، ولا تقدر أن تصدر من غير انتفاع بها، ولا أكون أول مستنّ طريقة ذكر لم تؤدها الرواية. قال الفضل:
قد والله يا أمير المؤمنين شاركتك في الشوق، وأعنتك على التّوق، ثم التفت إليّ الفضل فقال: احدبنا ليلتك منشدا، هذا سيدي أمير المؤمنين قد أصغى إليك مستمعا، فمرّ ويحك في عنان الإنشاد، فهي ليلة دهرك لم تنصرف إلا غانما. قال الرشيد: أما إذ قطعت على فاحلف لتشركني في الجزاء، فما كان لي في هذا شيء لم تقاسمنيه. قال الفضل: قد والله يا أمير المؤمنين وطنت «١» نفسي على ذلك متقدما فلا تجعلنّه وعيدا، قال الرشيد: لا أجعله وعيدا. قال الأصمعي: الآن ألبس رداء التّيه على العرب كلّها، وإني أرى الخليفة والوزير وهما يتناظران في المواهب لي، فمررت في سنن الإنشاد حتى بلغت إلى قوله:
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها «٢»
فاستوى جالسا، ثم قال: أتحفظ في هذا شيئا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الفرزدق لما قال عدي:
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه
стр. 1974
قلت لجرير: أيّ شيء تراه يناسب هذا تشبيها؟ فقال جرير:
قلم أصاب من الدّواة مدادها
فما رجع الجواب حتى قال عدي:
قلم أصاب من الدّواة مدادها
فقلت لجرير: ويحك لكأن سمعك مخبوء في فؤاده! فقال جرير: اسكت، شغلني سبّك عن جيّد الكلام! ثم قال الرشيد: مرّ في إنشادك. فمضيت حتى بلغت إلى قوله:
ولقد أراد الله إذ ولّاكها ... من أمّة إصلاحها ورشادها
قال الفضل: كذب وما برّ. قال الرشيد: ماذا صنع إذ سمع هذا البيت؟ قلت:
ذكرت الرواة يا أمير المؤمنين أنه قال: لا حول ولا قوة إلا بالله! قال: مرّ في إنشادك، فمضيت حتى بلغت إلى قوله:
تأتيه أسلاب الأغرّة عنوة ... عصبا ويجمع للحروب عتادها «١»
قال الرشيد: لقد وصفه بحزم وعزم لا يعرض بينهما وكل «٢» ولا استذلال: قال:
فماذا صنع؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ذكرت الرواة أنه قال: ما شاء الله! قال:
أحسبك واهما. قلت: يا أمير المؤمنين، أنت أولى بالهداية، فليردّني أمير المؤمنين إلى الصواب. قال: إنما هذا عند قوله:
ولقد أراد الله إذ ولّاكها ... من أمّة إصلاحها ورشادها
ثم قال: والله ما قلت هذا عن سمع، ولكنني أعلم أنّ الرجل لم يكن يخطىء في مثل هذا. قال الأصمعي: وهو والله الصواب. ثم قال: مر في إنشادك. فمضيت حتى بلغت إلى قوله:
стр. 1975
وعلمت حتى لا أسائل واحدا ... عن حرف واحدة لكي أزدادها
قال: وكان من خبرهم ماذا؟ قلت: ذكرت الرواة أنّ جريرا لما أنشد عدي هذا البيت، قال: بلى والله وعشر مئين «١» . قال عدي: وقر «٢» في سمعك أثقل من الرصاص، هذا والله يا أمير المؤمنين المديح المنتقى. قال الرشيد: والله إنه لنقيّ الرصاص، هذا والله يا أمير المؤمنين المديح المنتقي. قال الرشيد: والله إنه لنقيّ الكلام في مدحه وتشبيبه. قال الفضل: يا أمير المؤمنين، لا يحسن عدي أن يقول:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
قال الرشيد: بلى قد أحسن. ثم التفت إليّ فقال: ما حفظت له في هذا الشعر شيئا حين قال:
أطفأت نيران الحروب وأوقدت ... نار قدحت براحتيك زنادها «٣»
قلت: ذكرت الرواة أنه يا أمير المؤمنين حك يمينا بشمال مقتدحا بذلك، ثم قال:
الحمد لله على هبة الإنعام. ثم قال الرشيد: رويت لذي الرّمّة شيئا؟ قلت: الأكثر يا أمير المؤمنين. قال: والله لا أسألك سؤال امتحان، ولا كان هذا عليك، ولكنني أجعله سببا للمذاكرة، فإن وقع عن عرفانك، وإلا فلا ضيق عليك بذلك عندي، فماذا أراد بقوله:
ممرّ أمرّت متنه أسديّة ... يمانيّة حلّالة بالمصانع «٤»
قلت: وصف يا أمير المؤمنين حمارا وحشيّا أسمنه بقل روضة تشابكت فروعه، ثم تواشجت عروقه، من قطر سحابة كانت في نوء الأسد، ثم في الذراع منه. قال:
أصبت، أفترى القوم علموا هذا من النجوم، بنظرهم، إذ هو شيء قلما يستخرج بغير أسباب للذين رويت لهم أصوله، أو أدّتهم إليه الأوهام والظنون؟ فالله أعلم بذلك.
стр. 1976
قلت: يا أمير المؤمنين، هذا كثير في كلامهم، ولا أحسبه إلا عن أثر «١» ألقي إليهم. قال: قلما أجد الأشياء لا تثيرها إلا الفكر في القلوب، فإن ذهبت إلى أنه هبة الله. قال: ذهبت إلى ما أدّتهم إليه الأوهام. ثم قال: أرويت للشماخ شيئا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: يعجبني منه قوله:
إذا ردّ من ثني الزّمام ثنت له ... جرانا كخوط الخيزران المموّج «٢»
قلت: يا أمير المؤمنين، هي عروس كلامه. قال: فأيها الحسن الآن من كلامه؟
قلت: الرائية. وأنشدته أبياتا منها، قال: أمسك، ثم قال: أستغفر الله ثلاثا، أرح قليلا واجلس، فقد أمتعت منشدا، ووجدناك محسنا في أدبك، معبرا عن سرائر حفظك، ثم التفت إلى الفضل، فقال: لكلام هؤلاء ومن نقدّم من الشعراء، ديباج الكلام الخسروانيّ «٣» يزيد على القدم جدّة وحسنا، فإذا جاءك الكلام الزيّن بالبديع، جاءك الحرير الصيني المذهب، يبقى على المحادثة في أفواه الرّواة، فإذا كان له رونق صواب، وعته الأسماع، ولذّ في القلوب، ولكن في الأقل منه، ثم قال: يعجبني مثل قول مسلم في أبيك وأخيك الذي افتتحه بمخاطبة حليلته مفتخرا عليها بطول السّرى في اكتساب المغانم حيث قال:
أجدك هل تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك ينشر «٤»
صبرت لها حتى تجلّت بغرّة ... كغرّة يحيى حين يذكر جعفر «٥»
أفرأيت؟ ما ألطف ما جعلهما معدنا لكمال الصفات ومحاسنها! ثم التفت إليّ فقال:
أجد ملالة، ولعل أبا العباس يكون لذلك أنشط، وهو لنا ضيف في ليلتنا هذه، فأقم معه مسامرا له! ثم نهض، فتبادر الخدم، فأمسكوا بيده حتى نزل عن فرشه، ثم
стр. 1977
قدمت النعل، فلما وضع قدمه فيها جعل الخادم يسوّي عقب النعل في رجله، فقال:
ارفق ويحك، حسبك قد عقرتني! قال الفضل: لله درّ العجم ما أحكم صنعتهم، لو كانت سنديّة ما احتجت إلى هذه الكلفة! قال: هذه نعلي ونعل آبائي رحمة الله عليهم، وتلك نعلك ونعل آبائك، لا تزال تعارضني في الشيء ولا أدعك بغير جواب يمضّك «١» ثم قال: يا غلام، عليّ بصالح الخادم. فقال: يؤمر له بتعجيل ثلاثين ألف درهم في ليلته هذه.
قال الفضل: لولا أنه مجلس أمير المؤمنين ولا يأمر فيه أحد غيره، لدعوت له بمثل ما أمر به أمير المؤمنين، فدعا له بمثل ما أمر إلا ألف درهم ويصبح من غد فيلقى الخازن إن شاء الله.
قال الأصمعي: فما صليت الظهر إلا وفي منزلي تسعة وخمسون ألف درهم.
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
يموت رديء الشّعر من قبل أهله ... وجيّده يبقى وإن مات قائله
وقال أيضا:
إني إذا قلت بيتا مات قائله ... ومن يقال له، والبيت لم يمت
باب من استعدى عليه من الشعراء
عمر بن الخطاب بين الحطيئة والزبرقان:
لما هجا الحطيئة الزبرقان بن بدر بالشعر الذي يقول فيه:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
استعدى عليه «٢» عمر بن الخطاب، وأنشده البيت، فقال: ما أرى به بأسا! قال
стр. 1978
الزبرقان: والله يا أمير المؤمنين، ما هجيت ببيت قط أشدّ عليّ منه! فبعث إلى حسان ابن ثابت وقال: انظر إن كان هجاه. فقال: ما هجاه، ولكن سلح عليه! - ولم يكن عمر يجهل موضع الهجاء في هذا البيت، ولكنه كره أن يتعرّض لشأنه، فبعث إلى شاعر مثله- وأمر بالحطيئة إلى الحبس، وقال: يا خبيث، لأشغلنّك عن أعراض المسلمين. فكتب إليه من الحبس يقول:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر «١»
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النّهى البشر
ما آثروك بها إذ قدّموك لها ... لكن لأنفسهم قد كانت الإثر «٢»
فأمر بإطلاقه وأخذ عليه ألّا يهجو رجلا مسلما.
عمر والنجاشي ورهط ابن مقبل:
ولما هجا النجاشيّ رهط تميم بن مقبل، استعدوا عليه عمر بن الخطاب، وقالوا: يا أمير المؤمنين، إنه هجانا! قال: وما قال فيكم؟ قالوا: قال:
إذا الله عادى أهل لؤم ورقة ... فعادى بني عجلان رهط ابن مقبل
قال عمر: هذا رجل دعا، فإن كان مظلوما استجيب له، وإن لم يكن مظلوما لم يستجب له.
قالوا: فإنه قد قال بعد هذا:
قبيلته لا يخفرون بذمّة ... ولا يظلمون الناس حبّة خردل «٣»
قال عمر: ليت آل الخطاب مثل هؤلاء. قالوا: فإنه يقول بعد هذ:
стр. 1979
ولا يردون الماء إلا عشيّة ... إذا صدر الورّاد عن كل منهل «١»
قال عمر: فإن ذلك أجم «٢» لهم وأمكن. قالوا فإنه يقول بعد هذا:
وما سمّى العجلان إلا لقولهم ... خذ القعب واحلب أيّها العبد واعجل «٣» .
قال عمر: سيد القوم خادمهم. فما أرى بهذا بأسا.
معاوية وأبو بردة وعقيبة:
ونظير هذا قول معاوية لأبي بردة بن أبي موسى، وكان دخل حماما فزحمه رجل، فرفع الرجل يده فلطم بها أبا بردة فأثر في وجهه، فقال فيه عقيبة الأسدي:
فلا يصرم الله اليمين التي لها ... بوجهك يا بن الأشعرين ندوب «٤»
قال: فاستعدى عليه معاوية، وقال: إنه هجاني! قال: وما قال فيك؟ قال. فأنشده البيت، قال معاوية: هذا رجل دعا ولم يقل إلا خيرا. قال: فقد قال غير هذا. قال:
وما قال؟ فأنشده:
وأنت امرؤ في الأشعرين مقابل ... وفي البيت والبطحاء أنت غريب «٥»
قال معاوية: وإذا كنت مقابلا في قومك فما عليك أن لا تكون مقابلا في غيرهم؟ قال: فقد قال غير هذا. قال: وما قال؟ قال: قال:
وما أنا من حداث أمّك بالضّحى ... ولا من يزكيها بظهر مغيب
قال: إنما قال: ما أنا من حدّاث أمك. فلو قال إنه من حدّاثها لكان ينبغي لك أن تغضب، والذي قال لي أشدّ من هذا. قال: وما قال لك يا أمير المؤمنين؟ قال:
قال:
معاوي إننا بشر فأسجع ... فلسنا بالجبال ولا الحديد «٦»
стр. 1980
أكلتم أرضنا وجذذتموها ... فهل من قائم أو من حصيد
فهبنا أمة هلكت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد
أتطمع بالخلود إذا هلكنا ... وليس لنا ولا لك من خلود
ذروا جور الخلافة واستقيموا ... وتأمير الأراذل والعبيد «١»
قال: فما منعك يا أمير المؤمنين أن تبعث إليه من يضرب عنقه؟ قال: أفلا خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: نجتمع أنا وأنت فنرفع أيدينا إلى السماء وندعو عليه.
فما زاد على أن أزري «٢» به.
زياد والفرزدق في قوم هجاهم:
استعدى قوم زيادا على الفرزدق وزعموا أنه هجاهم، فأرسل فيه وعرض له أن يعطيه، فهرب منه وأنشد:
دعاني زياد للعطاء ولم أكن ... لأقربه ما ساق ذو حسب وفرا «٣»
وعند زياد لو يريد عطاءهم ... رجال كثير قد يرى بهم فقرا
فلما خشيت أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا «٤»
نهضت إلى عنس تخوّن نيّها ... سرى الليل واستعراضها البلد القفرا «٥»
يؤمّ بها الموماة من لا ترى له ... لدى ابن أبي سفيان جاها ولا عذرا
ثم لحق بسعيد بن العاص وهو والي المدينة، فاستجار به وأنشده شعره الذي يقول فيه:
إليك فررت منك ومن زياد ... ولم أحسب دمي لكما حلالا
فإن يكن الهجاء أحلّ قتلي ... فقد قلنا لشاعركم وقالا
стр. 1981
ترى الغرّ السّوابق من قريش ... إذا ما الأمر بالحدثان عالا «١»
قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا
يزيد والأخطل في هجاء الانصار
ولما وقع التهاجي بين عبد الرحمن بن حسان وعبد الرحمن بن أم الحكم أرسل يزيد ابن معاوية إلى كعب بن جعيل، فقال له: إن عبد الرحمن بن حسان فضح عبد الرحمن ابن الحكم فاهج الانصاري. فقال: أرادّي أنت إلى الإشراك بعد الإيمان؟ لا أهجو قوما نصروا رسول الله ﷺ ، ولكن أدلّك على غلام مناصري. فدله على الأخطل فأرسل إليه فهجا الأنصاري، وقال فيه:
ذهبت قريش بالمكارم كلّها ... واللؤم تحت عمائم الانصار
قوم إذا حضر العصير رأيتهم ... حمرا عيونهم من المسطار «٢»
وإذا نسبت إلى الفريعة خلته ... كالجحش بين حمارة وحمار
فدعو المكارم لستم من اهلها ... وخذوا مساحيكم بني النجار «٣»
وكان مع معاوية النعمان بن بشير الانصار، فلما بلغه الشعر أقبل حتى دخل على معاوية، ثم حسر العمامة عن رأسه وقال: يا معاوية، هل ترى من لؤوم؟ قال: ما أرى إلا كرما. قال: فما الذي يقول فينا عبد الأراقم:
ذهبت قريش بالمكارم كلّها ... واللؤم تحت عمائم الانصار!
قال قد حكمتك فيه. قال: والله لا رضيت إلا بقطع لسانه، ثم قال:
معاوي إلا تعطنا الحقّ تعترف ... لحي الازد مشدودا عليها العمائم
أيشتمنا عبد الاراقم ضلّة ... وما الذي تجدي عليك الاراقم «٤»
فمالي ثأر دون قطع لسانه ... فدونك من ترضيه عنك الدّراهم
стр. 1982
فقال معاوية: قد وهبتك لسانه. وبلغ الاخطل، فلجأ إلى يزيد بن معاوية، فركب يزيد إلى النعمان فاستوهبه إياه، فوهبه له.
ومن قول عبد الرحمن بن حسان في عبد الرحمن بن أم الحكم:
وأمّا قولك الخلفاء منّا ... فهم منعوا وريدك من وداجي «١»
ولولاهم لطحت كحوت بحر ... هوى في مظلم الغمرات داج «٢»
وهم دعج وولد أبيك زرق ... كأنّ عيونهم قطع الزجاج «٣»
وقال يزيد لابيه: إن عبد الرحمن بن حسان يشبب بابنتك رملة. قال: وما يقول فيها؟ قال: يقول:
هي بيضاء مثل لؤلؤة الغوّا ... ص صيغت من لؤلؤ مكنون
قال صدق! قال: ويقول:
وإذا ما نسبتها لم تجدها ... في ثناء من المكارم دون
قال صدق أيضا! قال: ويقول:
تجعل المسك واليلنجو ... ج صلاء لها على الكانون «٤»
قال: صدق قال: فانه يقول:
ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء ... تمشي في مرمر مسنون «٥»
قال: كذب! قال: ويقول:
قبة من مراجل ضربوها ... عند برد الشتاء في قيطون «٦»
قال: ما في هذا شيء. قال: تبعث إليه من يأتيك برأسه. قال: يا بنيّ، لو فعلت
стр. 1983
ذلك لكان أشدّ عليك، لانه يكون سببا للخوض في ذكره، فيكثر مكثر ويزيد زائد، اضرب عن هذا صفحا، واطو دونه كشحا.
يزيد وابن الرقيات في تشببه بعاتكة
ومن قول عبيد الله بن قيس. المعروف بالرقيات. يشبب بعاتكة بنت يزيد بن معاوية:
أعاتك يا بنت الخلائف عاتكا ... أنيلي فتى امسى بحبّك هالكا
تبدت وأترابا لها فقتلنني ... كذلك يقتلن الرجال كذلك «١»
يقلّبن ألحاظا لهنّ فواترا ... ويحملن ما فوق النّعال السبائكا «٢»
إذا غفلت عنّا العيون التي نرى ... سلكن بنا حيث اشتهين المسالكا
وقلن لنا لو نستطيع لزاركم ... طبيبان منا عالمان بدائكا
فهل من طبيب بالعراق لعله ... يداوي سقيما هالكا متهالكا
فلم يعرض له يزيد، للذي تقدم من وصاية ابيه معاوية في رملة.
الحجاج وابن نمير في زينب
تحدثت الرواة ان الحجاج رأى محمد بن عبد الله بن نمير الثقفي، وكان يشبب بزينب بنت يوسف أخت الحجاج، فارتاع من نظر الحجاج إليه، فدعا به، فلما وقف بين يديه قال:
فداك أبي ضاقت بي الارض رحبها ... وإن كنت قد طوّقت كلّ مكان
وإن كنت بالعنقاء أو بتخومها ... ظننتك إلا أن يصدّ تراني «٣»
فقال: لا عليك، فوالله إن قلت الا خيرا! إنما قلت هذا الشعر:
يخبّئن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن وسط الليل معتجرات «٤»
стр. 1984
ولكن أخبرني عن قولك:
ولمّا رأت ركب النميريّ أعرضت ... وكنّ من ان يلقينه حذرات
في كم كنت؟ قال: والله إن كنت الا على حمار هزيل، ومعي رفيق على أتان مثله! قال: فتبسم الحجاج ولم يعرض له.
وهذه الابيات قالها ابن نمير في زينب بنت يوسف:
ولم تر عيني مثل سرب رأيته ... خرجن من التنعيم معتمرات «١»
مررن بفخ ثم رحن عشية ... يلبّين للرحمن مؤتجرات «٢»
تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة خفرات
ولمّا رأت ركب النّميريّ أعرضت ... وكنّ من ان يلقينه حذرات
دعت نسوة شمّ الرانين بدّنا ... نواضر لا شعثا ولا غبرات
فأدنين لمّا قمن يحجبن دونها ... حجابا من القسّيّ والحبرات «٣»
أحلّ الذي فوق السموات عرشه ... أوانس بالبطحاء معتمرات
يخبّئن أطراف البنان من التّقى ... ويخرجن وسط الليل معتجرات
هشام والفرزدق
وكان الفرزدق قد عرّض بهشام بن عبد الملك في شعره، والبيت الذي عرّض به فيه قوله:
يقلّب عينا لم تكن لخليفة ... مشوّهة حولاء جمّا عيوبها «٤»
فكتب هشام إلى خالد بن عبد الله القسري عامله على العراق يأمره بحبسه، فحبسه، حتى دخل جرير على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، انك تريد أن تبسط يدك على بادي مضر وحاضرها، فأطلق لها شاعرها وسيدها الفرزدق. فقال له هشام: أو ما يسرك ما أخزاه الله؟ قال: ما أريد ان يخزيه الله إلا على يدي! فأمر باطلاقه.
стр. 1985
أي بيت تقوله العرب أشعر
قيل لابي عمرو بن العلاء: اي بيت تقوله العرب أشعر؟ قال: البيت الذي إذا سمعه سامعه سوّلت له نفسه ان يقول مثله، ولأن يخدش أنفه بظفر كلب أهون عليه من أن يقول مثله وقيل للاصمعي: أي بيت تقوله العرب اشعر؟ قال: الذي يسابق لفظه معناه وقيل للخليل: أي بيت تقوله العرب اشعر؟ قال: البيت الذي يكون في أوله دليل على قافيته.
وقيل لغيره: أي بيت تقوله العرب أشعر؟ قال: البيت الذي لا يحجبه عن القلب شيء.
وأحسن من هذا كله قول زهير:
وإنّ أحسن بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقا
أحسن ما يجتلب به الشعر
قالت الحكماء: لم يستدع شارد الشعر بأحسن من الماء الجاري، والمكان الخالي، والشرف العالي.
ابو العتاهية وابن هانىء
وتأوّل بعضهم «الحالي» يريد الحالي بالنّوار، يعني الرياض، وهو توجيه حسن ولقي ابو العتاهية الحسن بن هانىء، فقال له: أنت الذي لا تقول الشعر حتى تؤتى بالرياحين والزهور فتوضع بين يديك؟ قال: وكيف ينبغي للشعر أن يقال إلا على هكذا؟ قال: أما إني اقوله على الكنيف «١» ! قال: ولذلك توجد فيه الرائحة.
قال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة: هل تقول الآن شعرا؟ قال: ما
стр. 1986
أشرب ولا أطرب ولا أغضب، فلا يقال الشعر الا بواحدة من هذه.
وقيل للحطئة: من أشعر الناس؟ فأخرج لسانا رقيقا كأنه لسان حية وقال: هذا إذا طمع.
وقيل لكثير عزة: لم تركت الشعر؟ قال: ذهب الشباب فما أعجب، وماتت عزة فما أطرب، ومات ابن ابي ليلى فما أرغب، يريد عبد العزيز بن مروان.
وقالوا: أشعر الناس النابغة إذا رهب، وزهير إذا غضب، وجرير إذا رغب.
وقال عمرو بن هند لعبيد بن الأبرص، ولقيه في يوم بؤسه: أنشدني من شعرك.
قال: حال الجريض «١» دون القريض. وقد يمتنع الشعر على قائله ولا يسلس حتى يبعثه خاطر أو صوت حمامة.
وقال الفرزدق: أنا أشعر الناس عند الناس، وقد يأتي عليّ الحين وقلع ضرس عندي أهون من قول بيت شعر.
وقال الراجز:
إنما الشعر بناء ... يبتنيه المبتنونا
فإذا ما نسّقوه ... كان غثا أو سمينا
ربما واتاك حينا ... ثم يستصعب حينا
وأسلس ما يكون الشعر في أول الليل قبل الكرى «٢» ، وأول النهار قبل الغذاء وعند مناجاة النفس واجتماع الفكر، وأقوى ما يكون الشعر عندي على قدر قوة أسباب الرغبة والرهبة.
قيل للخريمي: ما بال مدائحك لمحمد بن منصور أحسن من مراثيك قال: كنا حينئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون «٣» بعيد.
стр. 1987
والدليل على صحة هذا المعنى وصدق هذا القياس، أن كثيّر عزة والكميت بن زيد كانا شيعيّين غاليين، في التشيّع، وكانت مدائحهما في بني امية أشرف وأجود منها في بني هاشم، وما لذلك علة الا قوة أسباب الطمع.
وقيل لكثير عزة: يا أبا صخر، كيف تصنع إذا عسر عليك الشعر؟ قال: أطوف في الرباع «١» المحيلة والرياض المعشبة، فإن نفرت عنك القوافي وأعيت عليك المعاني، فروّح قلبك، وأجمّ ذهنك، وارتصد لقولك فراغ بالك وسعة ذهنك، فإنك تجد في تلك الساعة ما يمتنع عليك يومك الأطول وليلك الأجمع.
من رفعه المدح ووضعه الهجاء
جرير وابنه
قال بلال بن جرير: سألت أبي جريرا فقلت له: إنك لم تهج قوما قط الا وضعتهم غير بني لجأ! قال: يا بني إني لم أجد شرفا فأضعه، ولا بنأ فأهدمه.
وقد يكون الشيء مدحا فيجعله الشعر ذمّا، ويكون ذما فيجعله الشعر مدحا.
قال حبيب الطائي في هذا المعنى:
ولولا خلال سنّها الشّعر مادري ... بغاة العلا من أين تؤتى المكارم
يرى حكمة ما فيه وهو فكاهة ... ويقضى بما يقضي به وهو ظالم
ألا ترى إلى بني عبد المدان الحارثيين كانوا يفخرون بطول أجسامهم وقديم شرفهم حتى قال فيهم حسان بن ثابت:
لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ ... جسم البغال وأحلام العصافير «٢»
فقالوا له: والله يا أبا الوليد لقد تركتنا ونحن نستحي من ذكر اجسامنا بعد ان كنا نفخر بها! فقال لهم: سأصلح منكم ما أفسدت، فقال فيهم:
стр. 1988
وقد كنا نقول إذا رأينا ... لذي جسم يعدّ ذي بيان
كأنك أيها المعطى لسانا ... وجسما من بني عبد المدان
وكان بنو حنظلة بن قريع بن عوف بن كعب يقال لهم بنو أنف الناقة يسبّون بهذا الاسم في الجاهلية، وسبب ذلك أن أباهم نحر جزورا وقسم اللحم، فجاء حنظلة وقد فرغ اللحم وبقي الرأس، وكان صبيا، فجعل يجرّه، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أنف الناقة. فلقّب به، وكانوا يغضبون منه حتى قال فيهم الحطيئة:
سيري أمام فإنّ الأكثرين حصى ... والأكرمين إذا ما ينسبون أبا
قوم هم الانف والاذناب غيرهم ... ومن يسوّي بأنف الناقة الذنبا
فعاد هذا الاسم فخرا لهم وشرفا فيهم.
جرير وبنو نمير وكان بنو نمير أشراف قيس وذوائبها حتى قال جرير فيهم:
فغضّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا «١»
فما بقي نميريّ إلا طأطأ رأسه.
وقال حبيب:
فسوف يزيدكم ضعة هجائي ... كما وضع الهجاء بني نمير
الأعشى والمحلق
وقد كان المحلق بن حنتم بن شدّاد خاملا لا يذكر، حتى طرقه الأعشى في فتية وليس عنده إلا ناقة، فأتى أمّه فقال: إنّ فتية طرقونا الليلة. فإن رأيت أن تأذني في نحر الناقة! قالت: نعم يا بني. فنحرها واشترى لهم ببعض لحمها شرابا، وشوى لهم بعض لحمها، فأصبح الاعشى ومن معه غادين، فلم يشعر المحلّق حتى أتته القصيدة التي أوّلها:
أرقت وما هذا السّهاد المؤرّق ... وما بي من سقم وما بي معشق
стр. 1989
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في بقاع تحرّق «١»
تشبّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار النّدى والمحلق «٢»
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرّق «٣»
ترى الجود يسري سائلا فوق وجهه ... كما زان متن الهندو انّي رونق
فلما أتته القصيدة جعلت الاشراف تخطب اليه، ويقول القائل:
وبات على النار الندى والمحلق
وقوله: «تقاسما بأسحم داج» ، يقول: تحالفا على الرماد، وهذا شيء تفعله الفرس لئلا يفترقوا أبدا. والعوض: الدهر.
ما يعاب من الشعر وليس بعيب
لحماد
قال الاصمعي: سمعت حماد الراوية وأنشد رجل بيتا لحسان:
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل «٤»
فقال: ما يعرف هذا الا في كلاب الحانات.
وأنشده آخر قول الشاعر:
لمن منزل بين المذانب والجسر «٥»
فقال: ما يعرف هذا الا دار الياسيريين «٦» .
стр. 1990
بيت للفرزدق
ومما يعاب من الشعر وليس بعيب قول الفرزدق:
أيابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا بنت ذي البردين والفرس الورد
فقال من جهل المعنى ولم يعرف الخبر [لم يدرك] ما في هذا من المدح: ان يمدح رجلا بلباس البردين وركوب فرس ورد، إنما معناه: ما قال ابو عبيدة: إن وفود العرب اجتمعت عند النعمان، فأخرج إليهم بردي محرّق، وقال: ليقم اعز العرب قبيلة فليلبسهما. فقام عامر بن احيمر بن بهدلة فاتّزر بأحدهما وتردّى بالآخر، فقال له النعما: أنت اعز العرب قبيلة؟ قال: العز والعدد من العرب في معدّ، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني «١» ، فسكت الناس، فقال النعمان. هذه [حالك في] عشيرتك فكيف أنت كما تزعم في نفسك وأهل بيتك؟ فقال: أنا ابو عشرة، وعم عشرة، وخال عشرة، وأمّا انا في نفسي فهذا شاهدي. ثم وضع قدمه في الارض، وقال: من أزالها فله مائة من الابل! فلم يتعاط ذلك احد، فذهب بالبردين، فسمى ذا البردين، وفيه يقول الفرزدق:
فما تمّ في سعد ولا آل مالك ... فلام إذا سيل لم يتبهدل
لهم وهب النعمان بردى محرّق ... لمجد معدّ والعديد المحصّل
بيت للأعشى
ومما يعاب من الشعر وليس بعيب، قول الاعشى في فرس النعمان، وكان يسمى اليحموم:
ويأمر لليحموم كل عشية ... بقتّ وتعليق فقد كاد يسنق «٢»
فقالوا: ما يمدح به أحد من السوقة فضلا عن الملوك: ان يقوم بفرس ويأمر له
стр. 1991
بالعلف حتى كاد يسنق. وليس هذا معناه، وإنما المعنى فيه ما قال أبو عبيدة: أن ملوك العرب بلغ من حزمها ونظرها في العواقب ان احدهم لا يبيت الا وفرسه موقوف بسرجه ولجامه بين يديه قريبا منه، مخافة عدو يفجؤه أو حالة تصعب عليه، فكان للنعمان فرس يقال له اليحموم، فيتعاهده كل عشية، وهذا مما يتمادح به العرب من القيام بالخيل وارتباطها بأفنية البيوت.
بيت لزهير
ومما عابوه وليس بعيب، قول زهير:
قف بالدّيار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيّرها الأرياح والدّيم «١»
فنفى ثم حقق في معنى واحد، فنقض في عجز هذا البيت ما قال في صدره، لانه زعم ان الديار لم يعفها القدم، ثم انه انتبه من مرقده فقال: بلى، عفاها وغيّرها أيضا الارياح والديم! وليس هذا معناه الذي ذهب اليه، وإنما معناه أن الديار لم تعف في عينه، من طريق محبته لها وشغفه بمن كان فيها.
بيت لبعض الشعراء
وقال غيره في هذا المعنى ما هو أبين من هذا، وهو:
ألا ليت المنازل قد بلينا ... فلا يرمين عن شزر حزينا «٢»
فقوله: ألا ليت المنازل قد بلينا. أي. بلى ذكرها، ولكنها تتجدّد على طول البلى بتجدّد ذكرها.
وقال الحسن بن هانىء: في هذا المعنى فلخصه وأوضحه وشنّفه «٣» وقرّطه حيث يقول:
стр. 1992
لمن دمن تزداد طول نسيم ... على طول ما أقوت وحسن رسوم «١»
تجافي البلى عنهم حتى كأنما ... لبسن على الاقواء ثوب نعيم «٢»
مروان وابن يزيد
ومما عيب من الشعر بعيب، ما يروى عن مروان بن الحكم أنه قال لخالد بن يزيد ابن معاوية وقد استنشده من شعره فأنشده:
فلو بقيت خلائف آل حرب ... ولم يلّبسهم الدهر المنونا
لأصبح ماء أهل الارض عذبا ... وأصبح لحم دنياهم سمينا
فقال له مروان: «منونا» و «سمينا» والله إنها لقافية ما اضطرّك إليها الا العجز.
وهذا مما لا عجز فيه ولا عابه أحد في قوافي الشعر، وما أرى العيب فيه إلا على ما رآه عيبا، لأن الياء والواو يتعاقبان في أشعار العرب كلّها قديمها وحديثها، قال عبيد ابن الابرص:
وكلّ ذي غيبة ينوب ... وغائب الموت لا يئوب «٣»
من يسال الناس يرموه ... وسائل الله لا يخيب
ومثله من المحدثين:
أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير
بيت لذي الرمة
ومما عيب من الشعر وليس بعيب. قول ذي الرمة:
رأيت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح: انتجعي بلالا «٤»
ولما أنشد هذا الشعر بلال بن ابي بردة قال: يا غلام مر لصيدح بقتّ وعلف،
стр. 1993
فإنها هي انتجعتنا. وهذا من التعنّت الذي لا انصاف معه، لان قوله: انتجعي بلالا، إنما اراد نفسه، ومثله في كتاب الله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها
«١» ، وإنما أراد أهل القرية وأهل العير.
وكان عمر بن الخطاب يقول في بعض ما يرتجز به من شعره:
إليك يعدو قلعا وضينها ... مخالفا دين النصارى دينها «٢»
فجعل الدين للناقة، وإنما اراد صاحب الناقة.
ولم تزل الشعراء في أماديحها تصف النوق وزيارتها لمن تمدحه، ولكن من طلب تعنتا وجده، أو تجنيا على الشاعر أدركه عليه، كما فعل صريع الغواني بالحسن ابن هانىء حين لقيه، فقال له: ما يسلم لك بيت عندي من سقط! قال: فأي بيت أسقطت فيه، قال: أنشدني أي بيت شئت. فأنشده:
ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا ... وأملّه ديك الصّباح صباحا
فقال له: قد ناقضت في قولك، كيف يمله ديك الصباح صياحا، وإنما يبشره بالصبوح الذي ارتاح له! فقال له الحسن: فأنشدني أنت. من قولك. فأنشده:
عاصى العزاء فراح غير مفنّد ... وأقام بين عزيمة وتجلّد
قال له: قد ناقضت في قولك، إنك قلت:
عاصى العزاء فراح غير مفند
ثم قلت:
وأقام بين عزيمة وتجلد
فجعلته رائحا مقيما في مقام واحد، والرائح غير المقيم.
والبيتان جميعا مؤتلفان، ولكن من طلب عيبا وجده.
стр. 1994
بيت للمرقش
ومما عابه ابن قتيبة وليس بعيب، قول المرقش الاصغر:
صحا قلبه عنها على أنّ ذكرها ... إذا ذكرت دارت به الأرض قائما
فقال له: كيف يصحو من كانت هذه صفته. والمعنى صحيح، وإنما ذهب إلى أن حاله هذه، على ما تقدم من سوء حاله، حال صحو عنده، ومثل هذا في الشعر كثير، لأن بعض الشر أهون من بعض. وقال النبي ﷺ في عمه أبي طالب: إنه أخف الناس عذابا يوم القيامة، يحذى نعلين من نار يغلي منهما دماغه! وهذا من العذاب الشديد، وإنما صار خفيفا عند ما هو أشد منه، فزعم المرقّش أنه عند نفسه صاح.
إذ تبدّل حاله أسهل مما كان فيه.
بيت لابن هانىء
وقد عاب الناس قول الحسن بن هانيء:
وأخفت أهل الشّرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التي لم تخلق
فقالوا: كيف تخافه النطف التي لم تخلق؟ ومجاز هذا قريب إذا لحظ أن من خاف شيئا خافه بجوارحه وسمعه وبصره ولحمه وروحه، والنطف داخلة في هذه الجملة، فهو إذا أخاف أهل الشرك أخاف النطف التي في أصلابها.
وقال الشاعر:
ألا ترثي ... يحبّك لحمه ودمه
وقال المكفوف:
أخبّكم حبّا على الله أجره ... تضمّنه الأحشاء واللحم والدم
العتابي ومنصور النميري
ولقى العتابي منصورا النميري، فسأله عن حاله فقال: إني لمدهوش «١» : وذلك أني
стр. 1995
تركت امرأتي وقد عسر عليها ولادها. فقال له العتابي: ألا أدلك على ما يسهّل عليها! قال: وما هو؟ قال: اكتب على رحمها: «هارون» . قال: وما معناك في هذا؟ قال: ألست القائل فيه:
إن أخلف القطر لم تخلف مواهبه ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
فقال: أبا لخلفاء تعرّض وفيهم تقع وإياهم تعيب؟ فيقال إنه دخل على هارون فأعلمه ما كان من قول العتابي، فكتب إلى عبد الصمد عمه يأمره بقتله. فكتب إليه عبد الصمد يشفع له، فوهبه له.
تقبيح الحسن وتحسين القبيح
سئل بعض علماء الشعر: من أشعر الناس؟ قال: الذي يصوّر الباطل في صورة الحق، والحقّ في صورة الباطل، بلطف معناه، ودقة فطنته، فيقبّح الحسن الذي لا أحسن منه، ويحسّن القبيح الذي لا أقبح منه.
فمن تحسين القبيح قول الحارث بن هشام يعتذر من فراره يوم بدر.
الله أعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا مهري بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوّي مشهدي
فصدفت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مرصد «١»
وهذا الذي سمعه صاحب رتبيل فقال: يا معشر العرب، حسّنتم كل شيء فحسن حتى الفرار ومن تقبيح الحسن قول بشار العقيلي في سليمان بن علي وكان وصل رجلا فأحسن:
يا سوأة يكثر الشيطان ما ذكرت ... منها التّعجّب جاءت من سليمانا
لا تعجبنّ لخير زلّ عن يده ... فكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا «٢»
وقال غيره في تقبيح الحسن:
стр. 1996
يقولون لي إن بخيل بنائلي ... وللبخّل خير من سؤال بخيل
وقال المتلمس في تقبيح الحسن:
وحبس المال خير من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
وقال محمود الوراق في تحسين القبيح:
يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكبر لو تعتبر «١»
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحّ منك النظر
أنك تعصي كي تنال الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر!!
ومن تحسين القبيح أنه قيل لجذيمة الأبرص: ما هذا الوضح «٢» الذي بك؟ قال:
سيف الله الذي جلاه.
وقال ابن حسان وكان به برص:
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصة ... إنّ اللهاميم في أقرابها بلق «٣»
وقال محمود الورّاق يمدح الشيب:
وعائب عابني بشيبي ... لم يعد لما ألمّ وقته
فقلت للعائبي بشيبي: ... يا عائب الشيب لا بلغته
وقال آخر:
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب؟ ... فقلت: وهل قبل الثلاثين ملعب؟
لقد جلّ قدر الشيب إن كان كلّما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
стр. 1997
وقال أعرابي في عجوز:
أبى القلب إلا أمّ عمرو وحبّها ... عجوزا ومن يحبب عجوزا يفنّد «١»
كبرد يمان قد تقادم عهده ... ورقعته ما شيب في العين واليد «٢»
وقال بشار العقيلي في سوداء:
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده
لا شكّ إذ لونكما واحد ... أنّكما من طينة واحده
الاستعارة
لم تزل الاستعارة قديما تستعمل في المنظوم والمنثور، وأحسن ما تكون أن يستعار المنثور من المنظوم، والمنظوم من المنثور، وهذه الاستعارة خفية لا يؤبه بها لأنك قد نقلت الكلام من حال إلى حال، وأكثر ما يجتلبه الشعراء، ويتصرف فيه البلغاء، إنما يجري فيه الآخر على السنن الأول، وأقل ما يأتي لهم معنى لم يسبق إليه أحدا، إما في منظوم وإما في منثور، لأن الكلام بعضه من بعض، ولذلك قالوا في الأمثال: ما ترك الأول للأخر شيئا. ألا ترى أن كعب بن زهير، وهو في الرعيل الأول والصدر المتقدم، قد قال في شعره:
ما أرانا نقول إلا معارا ... أو معادا من قولنا مكرورا
ولكن قولهم: إن الآخر إذا أخذ من الأول المعنى فزاد فيه ما يحسّنه ويقرّبه ويوضحه فهو أولى به من الأول، وذلك كقول الأعشى:
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
فأخذ هذا المعنى الحسن بن هانيء فحسنه وقرّبه إذ قال:
دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الدّاء
стр. 1998
وقال القطامي:
والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي، ولأمّ المخطيء الهبل «١»
أخذه من قول المرقّش:
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما
وقال قيس بن الخطيم:
تبدّت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب «٢»
أخذه بعض المحدثين فقال:
فشبهتها بدرا بدا منه شقّه ... وقد سترت خدا فأبدت لنا خدّا
وأذرت على الخدّين دمعا كأنه ... تناثر درّ أو ندى واقع الوردا «٣»
وأخذه آخر فقال:
يا قمرا للنّصف من شهره ... أبدى ضياء لثمان بقين
وأخذه بشار فقال:
صدت نجدّ وجلت عن خدّ ... ثمّ انثنت كالنّفس المرتدّ
فلم يفسد الآخر قول الأول، ولم يكن الأول بالمعنى أولى من الآخر.
وقد قلنا في هذا المعنى ما هو أحسن من كل ما تقدم أو مثله، وهو قولي:
كأنّ التي يوم الوداع تعرّضت ... هلال بدا محقا على أنه تمّ «٤»
وأما الاستعارة إذا كانت من المنثور في المنظوم، ومن المنظوم في المنثور، فإنها أحسن استعارة.
стр. 1999
الرشيد وسهل:
دخل سهل بن هارون على الرشيد وهو يضاحك ابنه المأمون، فقال سهل: اللهم زده من الخيرات، وابسط له من البركات، حتى يكون بكل يوم من أيامه موفيا على أمسه، مقصرا عن غده! فقال له الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أفصحه ومن الحديث أوضحه، إذا رام أن يقول لم يعجزه! قال: يا أمير المؤمنين، ما أعلم أحدا سبقني إلى هذا المعنى. قال: بلى سبقك أعشى همدان، حيث يقول:
رأيتك أمس خير بني معدّ ... وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غدا تزيد الضّعف خيرا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس
وقد يكون مثل هذا وما أشبهه عن موافقة.
وقد سئل الأصمعي عن الشاعرين يتفقان في المعنى الواحد ولم يسمع أحدهما قول صاحبه فقال: عقول الرجال توافت «١» على ألسنتها.
اختلاف الشعراء في المعنى الواحد
وقد تختلف الشعراء في المعنى الواحد، وكل واحد منهم محسن في مذهبه جار في توجيهه، وإن كان بعضه أحسن من بعض.
ألا ترى أن الشماخ بن ضرار يقول في ناقته:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين «٢»
وقال الحسن بن هانيء في ضد هذا المعنى ما هو أحسن منه في محمد الأمين:
فإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا ... فظهورهنّ على الرجال حرام
وقال أيضا:
стр. 2000
أقول لناقتي إذا أبلغتني ... لقد أصبحت مني باليمين
فلم أجعلك للعربان نحلا ... ولا قلت اشرقي بدم الوتين «١»
فقد عاب بعض الرواة قول الشماخ، واحتجّ في ذلك بقول النبي ﷺ للأنصارية المأسورة التي نجت على ناقة النبي ﷺ [وقالت] : إني نذرت يا رسول الله إن نجاني الله عليها أن أنحرها. قال: «بئسما جزيتيها! ولا نذر لأحد في ملك غيره» .
وقد قالت الشعراء، فلم تزل تمدح حسن الهيئة وطيب الرائحة وإسبال الثوب قال الفرزدق:
بنو دارم قومي، ترى حجزاتهم ... عتاقا حواشيها رقاقا نعالها «٢»
يجرّون هدّاب اليمان كأنهم ... سيوف جلا الأطباع عنها صقالها
وأول من سبق إلى هذا المعنى النابغة الذبياني في قوله:
رقاق النّعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب «٣»
وقال طرفة:
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحقون الأرض هدّاب الأزر
وقال كثير عزة في إسبال الذيول يمدح بني أمية:
أشم من الغادين في كلّ حلة ... يميسون في صبغ من العصب متقن
لهم أزر حمر الحواشي بطونها ... بأقدامهم في الحضرميّ الملسّن «٤»
وقال فيه أيضا:
إذا حلل العصب اليماني أجادها ... أكف أساتيذ على النسج درّب
следующие страницы →