Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
يقولون لي إن بخيل بنائلي ... وللبخّل خير من سؤال بخيل
وقال المتلمس في تقبيح الحسن:
وحبس المال خير من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
وقال محمود الوراق في تحسين القبيح:
يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكبر لو تعتبر «١»
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحّ منك النظر
أنك تعصي كي تنال الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر!!
ومن تحسين القبيح أنه قيل لجذيمة الأبرص: ما هذا الوضح «٢» الذي بك؟ قال:
سيف الله الذي جلاه.
وقال ابن حسان وكان به برص:
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصة ... إنّ اللهاميم في أقرابها بلق «٣»
وقال محمود الورّاق يمدح الشيب:
وعائب عابني بشيبي ... لم يعد لما ألمّ وقته
فقلت للعائبي بشيبي: ... يا عائب الشيب لا بلغته
وقال آخر:
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب؟ ... فقلت: وهل قبل الثلاثين ملعب؟
لقد جلّ قدر الشيب إن كان كلّما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
стр. 1997
وقال أعرابي في عجوز:
أبى القلب إلا أمّ عمرو وحبّها ... عجوزا ومن يحبب عجوزا يفنّد «١»
كبرد يمان قد تقادم عهده ... ورقعته ما شيب في العين واليد «٢»
وقال بشار العقيلي في سوداء:
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده
لا شكّ إذ لونكما واحد ... أنّكما من طينة واحده
الاستعارة
لم تزل الاستعارة قديما تستعمل في المنظوم والمنثور، وأحسن ما تكون أن يستعار المنثور من المنظوم، والمنظوم من المنثور، وهذه الاستعارة خفية لا يؤبه بها لأنك قد نقلت الكلام من حال إلى حال، وأكثر ما يجتلبه الشعراء، ويتصرف فيه البلغاء، إنما يجري فيه الآخر على السنن الأول، وأقل ما يأتي لهم معنى لم يسبق إليه أحدا، إما في منظوم وإما في منثور، لأن الكلام بعضه من بعض، ولذلك قالوا في الأمثال: ما ترك الأول للأخر شيئا. ألا ترى أن كعب بن زهير، وهو في الرعيل الأول والصدر المتقدم، قد قال في شعره:
ما أرانا نقول إلا معارا ... أو معادا من قولنا مكرورا
ولكن قولهم: إن الآخر إذا أخذ من الأول المعنى فزاد فيه ما يحسّنه ويقرّبه ويوضحه فهو أولى به من الأول، وذلك كقول الأعشى:
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
فأخذ هذا المعنى الحسن بن هانيء فحسنه وقرّبه إذ قال:
دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الدّاء
стр. 1998
وقال القطامي:
والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي، ولأمّ المخطيء الهبل «١»
أخذه من قول المرقّش:
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما
وقال قيس بن الخطيم:
تبدّت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب «٢»
أخذه بعض المحدثين فقال:
فشبهتها بدرا بدا منه شقّه ... وقد سترت خدا فأبدت لنا خدّا
وأذرت على الخدّين دمعا كأنه ... تناثر درّ أو ندى واقع الوردا «٣»
وأخذه آخر فقال:
يا قمرا للنّصف من شهره ... أبدى ضياء لثمان بقين
وأخذه بشار فقال:
صدت نجدّ وجلت عن خدّ ... ثمّ انثنت كالنّفس المرتدّ
فلم يفسد الآخر قول الأول، ولم يكن الأول بالمعنى أولى من الآخر.
وقد قلنا في هذا المعنى ما هو أحسن من كل ما تقدم أو مثله، وهو قولي:
كأنّ التي يوم الوداع تعرّضت ... هلال بدا محقا على أنه تمّ «٤»
وأما الاستعارة إذا كانت من المنثور في المنظوم، ومن المنظوم في المنثور، فإنها أحسن استعارة.
стр. 1999
الرشيد وسهل:
دخل سهل بن هارون على الرشيد وهو يضاحك ابنه المأمون، فقال سهل: اللهم زده من الخيرات، وابسط له من البركات، حتى يكون بكل يوم من أيامه موفيا على أمسه، مقصرا عن غده! فقال له الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أفصحه ومن الحديث أوضحه، إذا رام أن يقول لم يعجزه! قال: يا أمير المؤمنين، ما أعلم أحدا سبقني إلى هذا المعنى. قال: بلى سبقك أعشى همدان، حيث يقول:
رأيتك أمس خير بني معدّ ... وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غدا تزيد الضّعف خيرا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس
وقد يكون مثل هذا وما أشبهه عن موافقة.
وقد سئل الأصمعي عن الشاعرين يتفقان في المعنى الواحد ولم يسمع أحدهما قول صاحبه فقال: عقول الرجال توافت «١» على ألسنتها.
اختلاف الشعراء في المعنى الواحد
وقد تختلف الشعراء في المعنى الواحد، وكل واحد منهم محسن في مذهبه جار في توجيهه، وإن كان بعضه أحسن من بعض.
ألا ترى أن الشماخ بن ضرار يقول في ناقته:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين «٢»
وقال الحسن بن هانيء في ضد هذا المعنى ما هو أحسن منه في محمد الأمين:
فإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا ... فظهورهنّ على الرجال حرام
وقال أيضا:
стр. 2000
أقول لناقتي إذا أبلغتني ... لقد أصبحت مني باليمين
فلم أجعلك للعربان نحلا ... ولا قلت اشرقي بدم الوتين «١»
فقد عاب بعض الرواة قول الشماخ، واحتجّ في ذلك بقول النبي ﷺ للأنصارية المأسورة التي نجت على ناقة النبي ﷺ [وقالت] : إني نذرت يا رسول الله إن نجاني الله عليها أن أنحرها. قال: «بئسما جزيتيها! ولا نذر لأحد في ملك غيره» .
وقد قالت الشعراء، فلم تزل تمدح حسن الهيئة وطيب الرائحة وإسبال الثوب قال الفرزدق:
بنو دارم قومي، ترى حجزاتهم ... عتاقا حواشيها رقاقا نعالها «٢»
يجرّون هدّاب اليمان كأنهم ... سيوف جلا الأطباع عنها صقالها
وأول من سبق إلى هذا المعنى النابغة الذبياني في قوله:
رقاق النّعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب «٣»
وقال طرفة:
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحقون الأرض هدّاب الأزر
وقال كثير عزة في إسبال الذيول يمدح بني أمية:
أشم من الغادين في كلّ حلة ... يميسون في صبغ من العصب متقن
لهم أزر حمر الحواشي بطونها ... بأقدامهم في الحضرميّ الملسّن «٤»
وقال فيه أيضا:
إذا حلل العصب اليماني أجادها ... أكف أساتيذ على النسج درّب
стр. 2001
أتاهم بها الجابي فراحوا عليهم ... تمائم من فضفاضهنّ المكعّب «١»
لها طرر تحت البنائق أدنيت ... إلى مرهفات الحضرميّ المعقرب «٢»
وقال آخر:
معي كل فضفاض القميص كأنه ... إذا ما سرت فيه المدام فنيق «٣»
وخالفهم فيه صريع الغواني فقال:
لا يعبق الطيب خدّيه ومفرقه ... ولا يمسّح عينيه من الكحل
وقال دريد بن الصّمّة يرثي أخاه عبد الله بن الصّمة ويصفه بتشمير الثوب:
كميش الإزار خارج نصف ساقه ... بعيد من السّوءات طلّاع أنجد
مثل قول الحجاج:
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني «٤»
وقد يحمل معناهم في تشمير الثوب وسحبه واختلافهم فيه على وجهين: أحدهما أن يستحسن بعضهم ما يستقبح بعض، والوجه الثاني يشبه أن يكون لتشمير الثوب موضع ولسحبه موضع كما قال عمرو بن معديكرب:
فيوما ترانا في الخزور نجرّها ... ويوما ترانا في الحديد عوابسا «٥»
ويوما ترانا في الثريد ندوسه ... ويوما ترانا نكسر الكعك يابسا «٦»
وقال أعشى بكر لعمرو بن معديكرب:
стр. 2002
وإذا تجيء كتيبة مكروهة ... ملمومة يخشى الكماة نزالها «١»
كنت المقدّم غير لابس جبّة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها
وقال مسلم بن الوليد في يزيد بن مزيد خلاف هذا كلّه، وهو:
تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
ولما أنشده يزيد بن مزيد قال له: ألا قلت كما قال الأعشى. فأنشده البيتين، فقال: قولي أحسن من قوله، إنه وصفه بالخرق، وأنا وصفتك بالحزم.
وقال عبد الملك بن مروان لأسيلم بن الأحنف الأسدي: ما أحسن شيء مدحت به؟ قال: قول الشاعر:
أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه ... لعين ترجّي أو لأذن تسمّع
من النّفر الشيم الذين إذا اعتزوا ... وهاب رجال حلقة الباب قعقعوا «٢»
جلا الإذفر الأحوى من المسك فرقه ... وطيّب دهنا رأسه فهو أنزع «٣»
إذا النّفر السّود اليمانون حاولوا ... له حول برديه أدقّوا وأوسعوا
فقال عبد الملك: أحسن من هذا قول قبيس بن الأسلت:
قد حصّت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع «٤»
أسعى على جل بني مالك ... كل امريء في شأنه ساعي
وقال بعضهم:
سألت المحبّين الذين تحمّلوا ... تباريخ هذا الحبّ في سالف الدهر «٥»
فقالوا: شفاء الحبّ حبّ يزيله ... لأخرى، وطول للتمادي على الهجر
стр. 2003
وقال الحمدوني ما هو أحسن من هذا المعنى في ضدّه، وهو قوله:
زعموا أنّ من تشاغل بالحبّ سلا عن حبيبه وأفاقا
كذبوا، ما كذا بلونا ولكن ... لم يكونوا فيما أرى عشّاقا
كيف أسلو بلذّة عنك والّلذّات يحدثن لي إليك اشتياقا
كلما رمت سلوة تذهب الحر ... قة زادت قلبي عليك احتراقا «١»
وقال كثيّر عزّة:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثّل لي ليلي بكلّ سبيل!.
وقال بعض الناس: إن كان يحبها فلماذا ينسى ذكرها؟ ألا قال كما قال مجنون بني عامر:
فلا خفّف الرحمن ما بي من الهوى ... ولا قطع الرحمن عن حبّها قلبي
فما سرّني أني خليّ من الهوى ... ولو أنّ لي ما بين شرق إلى غرب
وذهب أكثرهم أن بعد العهد يسلي المحب عن حبيبه، وقالوا فيه:
إذا ما شئت أن تسلو حبيبا ... فأكثر دونه عدد الليالي
وقال العباس بن الأحنف:
إذا كنت لا يسليك عمن تحبّه ... تناء ولا يشفيك طول تلاق «٢»
فما أنت إلا مستعير حشاشة ... لمهجة نفس آذنت بفراق
وقال كثير عزة:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد «٣»
ومثله قول بشار:
من حبّها أتمنى أن يلاقيني ... من نحو بلدتها ناع فينعاها!
стр. 2004
كيما أقول: فراق لا لقاء له ... وتضمر النّفس يأسا ثم تسلاها
وهذه المذاهب كلها خارجة في معناها، جارية في مجراها.
وقال عبد الله بن جندب:
ألا يا عباد الله، هذا أخوكم ... قتيلا فهل منكم له اليوم واتر
خذوا بدمي إن متّ كلّ خريدة ... مريضة جفن العين والطّرف ساهر «١»
وقال صريع الغواني في ضد هذا:
أديرا عليّ الرّاح لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي «٢»
وقول عبد الله بن جندب أحسن في هذا المعنى، لأنه إنما أراد أن يدل على موضع ثأره واسم قاتله، ولم يرد الطلب بالثأر، ولأنه لا ثأر له.
وقد قال عبد الله بن عباس، ونظر إلى رجل مدنف «٣» عشقا: هذا قتيل الحب.
لا عقل ولا قود «٤» .
وقال الفرزدق وأراد مذهب ابن جندب فلم تؤاته رقة الطبع، فخرج إلى جفاء القول وقبحه فقال:
يا أخت ناجية بن سامة إنني ... أخشى عليك بنيّ إن طلبوا دمي
لن يتركوك وقد قتلت أباهم ... ولو ارتقيت إلى السماء بسلّم
وقال ابن أخت تأبط شرا يرثي خاله وقتلته هذيل:
شامس في القرّ حتى إذا ما ... ذكت الشّعرى فبرد وظلّ «٥»
ظاعن بالحزم حتى إذا ما ... حلّ حلّ الحزم حيث يحلّ
стр. 2005
أخذ معنى البيت الأوّل أعرابي فسهل معناه وحسن ديباجته، فقال:
إذا نزل الشتاء فأنت شمس ... وإن نزل المصيف فأنت ظلّ
وأخذ معنى البيت الثاني الحسن بن هانيء فقال في الخصيب:
فما جازه جود ولا حلّ دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
وقالوا في الخيال فحيّوه ورحّبوا به. فمن ذلك قول مروان بن أبي حفصة:
طرقتك زائرة فحيّ خيالها
وقال:
طرق الخيال فحيّه بسلام
وعلى هذا بنيت أشعارهم، وخالفهم جرير فطرد الخيال، فقال:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام
وأوّل من طرد الخيال طرفة فقال:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها، فإني واصل حبل من وصل
وأعجب من هذا قول الراعي الذي هجا الخيال فقال:
طاف الخيال بأصحابي فقلت لهم ... أأمّ شذرة زارتني أم الغول
لا مرحبا بابنة الأقيال إذ طرقت ... كأن محجرها بالفار مكحول «١»
وقد يختلف معنى الشاعر أيضا في شعر واحد يقوله، ألا ترى أنّ امرأ القيس قال في شعره:
وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل «٢»
стр. 2006
فوصف نفسه بالصبر والجلد والقوّة على التهالك، ثم أدركته الرقة والاشتياق في البيت الذي بعده:
أغرّك مني أنّ حبّك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
مستدركا قوله في البيت الأول:
فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل
ولم يزل من تقدّم من الشعراء وغيرهم مجمعين على ذمّ الغراب والتشاؤم به، وكان اسمه مشتقا من الغربة، فسموه غراب البين، وزعموا أنه إذا صاح في الديار أقوت «١» من أهلها، وخالفهم أبو الشّيص فقال ما هو أحسن من هذا وأصدق من ذلك كله، قوله:
ما فرّق الأحباب بع ... د الله إلا الإبل
والناس يلحون غرا ... ب البين لمّا جهلوا «٢»
وما إذا صباح غراب ... ب في الديار احتملوا
وما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرحل
وما غراب البين إلّا ... ناقة أو جمل
وقال آخر في هذا المعنى وذكر الإبل:
لهنّ الوجى إذ كنّ عونا على النّوى ... ولا زال منها ظالع وكسير «٣»
وما الشؤم في نعب الغراب ونعقه ... وما الشؤم إلا ناقة وبعير
ومن قولنا في هذا المعنى:
نعب الغراب فقلت أكذب طائر ... إن لم يصدّقه رغاء بعير
ردّ الجمال هو المحقّق للنّوى ... بل شرّ أخلاس لهنّ وكور «٤»
стр. 2007
وقد يأتي من الشعر ما هو خارج عن طبقة الشعراء، منفرد في غرائبه وبديع صنعته ولطيف تشبيهه، كقول جعفر بن جدار كاتب ابن طولون:
كم بين باري وبين بمّا ... وبين بون إلى دمّما «١»
من رشإ أبيض التراقي ... أغيد ذي غنّة أحمّا «٢»
وطفلة رخصة المرائي ... ليست تحلّى ولا تسمّى
إلا وسلك من اللآلي ... يعجز من يخرج المعمّى
صغرى وكبرى إلى ثلاث ... مثل التّعاليل أو أتما
وكم ببمّ وأرض بمّ ... وكم برمّ وأرض رمّا «٣»
من طفلة بضّة لعوب ... تلقاك بالحسن مستتما
منهنّ ريّا وكيف ريّا ... ريّا إذا لاقت المشما
لو شمّها طائر بدوّ ... لخرّ في الترب أو لهمّا
تسحب ثوبين من خلوق ... قد أفنيا زعفران قمّا «٤»
كأنما جلّيا عليها ... من طيب ما باشرا وشمّا
فألفيا زعفران قمّ ... فانغمسا فيه واستحما
فهي نظير اسمها المعلّى ... يفوح لا مرطها المدمّا «٥»
هيهات يا أخت أهل بمّ ... غلطت في الاسم والمسمّى
لو كان هذا وقيل سمّ ... مات إذا من يقول سمّا
قد قلت إذ أقبلت تهادى ... كطلعة البدر أو أتما
تومي بأسروعة وتخفي ... بالبرد مثل القداح حمّا «٦»
стр. 2008
لو كنت ممّن لكنت ممّا ... لكني قد كبرت عمّا ...
عاتبني الدهر في عذاري ... بأحرف فارعويت لمّا «١»
قوّس ما كان مستقيما ... وابيضّ ما كان مدلهمّا
وكيف تصبوا الدّمى إلى من ... كان أخا ثم صار عمّا
لي عنك يا أخت أهل بمّ ... شغل بما قد دنا مهما
فلست من وجهك المفدّى ... ولست من قدّك المحمّى
أذهلني عنك خوف يوم ... يحيا له كلّ من ألما
ما كسبته يداي وهنا ... خيرا وشرّا أصبت ثما
تحشر فيه الجنان زقّا ... وتحشر النار فيه زمّا «٢»
تقول هذي لطالبيها ... هيت وهذي لهم هلمّا
نفسي أولى بأن أذمّا ... من أمرها كلّ ما استذمّا
يا نفس كم تخدعين عما ... بلبس داج وأكل لما «٣»
رعيت من ذي الحطام مرعى ... جمعت أكلا له وذمّا
ويحك فاستيقظي ليوم ... يحيا له كلّ من أرمّا «٤»
ألم تري يونس بن عبد الأ ... على غدا صامتا فصما
في حفرة ما يحير حرفا ... قد دكّ من فوقها وطما
والمزنيّ الذي إليه ... نعشو إذا دهرنا ادهما «٥»
أخفى فؤادي له عزائي ... لكن زفيري عليه نما
كأنما خوّفا فخافا ... أو حذّرا غاشما فصما
أقبل سهم من الرزايا ... فخصّ أعلامنا وعما
стр. 2009
دكدك منا ذرا جبال ... شامخة في السماء شما «١»
وخصّنا دون من عليها ... وزاد هما بنا وغما
قد قرب الموت يا بن أمّا ... فبادر الموت يا بن أمّا
واعلم بأن من عصاك جهلا ... من التّقي لم يطعك هما «٢»
هو الهدى والرّدى فإمّا ... أتيت آتي الرّدى وإمّا «٣»
هأنذا فاعتبر بحالي ... في طبق موصد معمّى
قد أسكنتني الذنوب بيتا ... يخاله الإلف مستحمّا
فهل إلى توبة سبيل ... تكون فيها الهموم هما
فتشكر الله لا سواه ... لعلّ نعماه أن تتمّا
يا نفس جدّي ولا تميلي ... فأفضل البرّ ما استتما
أو ابحثي عن فل ابن فلّ ... تريه تحت التراب رمّا
لبئس عبد يروح بغيا ... مع المساوي تراه دوما
في غمرة العيش لا يبالي ... أحمده الجار أم أدمّا
كم بين هذا وبين عبد ... يغدو خميص الحشى هضما «٤»
يقطع آناءه صلاة ... ودهره بالصلاح صوما «٥»
إن بهذا الكلام نصحا ... إن لم يواف القلوب صما
يا ربّ لي ألف ألف ذنب ... إن تعف يا ربّ فاعف جما
فابرد بعفو غليل قلب ... كأنّ فيه رسيس حمّى «٦»
وقال الغزال:
لعمرى ما ملّكت مقودي الصّبا ... فأمطو للذات في السهل والوعر «٧»
стр. 2010
ولا أنا ممن يؤثر اللهو قلبه ... فأمسي في سكر وأصبح في سكر
ولا قارع باب اليهوديّ موهنا ... وقد هجع النّوام من شهوة الخمر
وأوتغه الشيطان حتى أصاره ... من الغيّ في بحر أضل من البحر «١»
أغذّ السّرى فيها إذا الشّرب أنكروا ... ورهني عند العلج ثوبي من الفجر «٢»
كأني لم أسمع كتاب محمد ... وما جاء في التنزيل فيه من الزجر
كفاني من كل الذي اعجبوا به ... قليلة ماء تستقي لي من النهر
ففيها شرابي إن عطشت وكل ما ... يريد عيالي للعجين وللقدر
بخبز وبقل ليس لحما وانني ... عليه كثير الحمد لله والشكر
فيا صاحب اللّحمان والخمر هل ترى ... بوجهي إذا عاينت وجهي من ضرّ «٣»
وبالله لو عمّرت تسعين حجة ... إلى مثلها ما اشتقت فيها إلى خمر
ولا طربت نفسي إلى مزهر ولا ... تحنّن قلبي نحو عود ولا زمر
وقد حدّثوني أن فيها مرارة ... وما حاجة الإنسان في الشرب للمرّ
أخي عدّ ما قاسيته وتقلبت ... عليك به الدنيا من الخير والشر
فهل لك في الدنيا سوى الساعة التي ... تكون بها السراء او حاضر الضر
فما ساق منها لا يحس ولا يرى ... وما لم يكن منها عميّ عن الفكر
فطوبى لعبد اخرج الله روحه ... إليه من الدنيا على عمل البر
ولكنني حدّثت أنّ نفوسهم ... هنالك في جاه جليل وفي قدر
وأجسادهم لا يأكل الترب لحمها ... هنالك لا تبلى الى اخر الدهر
وقال أيضا:
كتبت وشوق لا يفارق مهجتي ... ووجدي بكم مستحكم وتذكري «٤»
стр. 2011
بقرطبة قلبي وجسمي ببلدة ... نأيت بها عن أهل ودّي ومعشري «١»
سقى الله من مزن السحائب ثرّة ... دياركم اللاتي حوت كل جؤذر «٢»
بحق الهوى أقر السلام على التي ... اهيم بها عشقا إلى يوم محشري
لئن غبت عنها فالهوى غير غائب ... مقيم بقلب الهائم المنفطر
كأن لم أبت في ثوبها طول ليلة ... إلى أن بدا وجه الصباح المنوّر
وعانقت غصنا فيه رمّان فضّة ... وقبلت ثغرا ريقه ريق سكر
أأنسى ولا أنسى عناقك خاليا ... وضمّي ونقلي نظم درّ وجوهر
فواحزني أن فرّق الدهر بيننا ... وكدّر وصلا منك غير مكدّر
لقد غرّرت نفسي بحبك ضلة ... ولو علمت عقبى الهوى لم تغرّر «٣»
بكيت فما أغنى البكا عند صحبتي ... وشوقي إلى رئم من الإنس أحور «٤»
سلام سلام ألف ألف يكرر ... ويا حاملا عني الرسالة كرّر
ألا يا نسيم الريح بلّغ سلامنا ... وصف كلّ ما يلقى الغريب وخبّر
وقل لشعاع الشمس بلّغ تحيتي ... سميّك واقرأها على آل جعفر
وقال أيضا:
أقر السلام على إلف كلفت به ... قدرمت صبرا وطول الشوق لم يرم
ظبي تباعد عن قربي وعن نظري ... فالنفس والهة من شدة الالم
كنا كروحين في جسم غذاؤهما ... ماء المحبة من هام ومنسجم
إلفين هذا بهذا مغرم كلف ... لا واحد في الهوى منا بمتّهم «٥»
لله تلك الليالي والسرور بها ... كأنما أبصرتها العين في الحلم
ففرق الدهر شملا كان ملتئما ... منا وجمّع شملا غير ملتئم
стр. 2012
ما زلت أرعى نجوم الليل طالعة ... أرجو السلوّ بها إذ غبت عن نجمي
نجم من الحسن ما يجري به فلك ... كأنه الدر والياقوت في النظم
ذاك الذي حاز حسنا لا نظير له ... كالبدر نورا علا في منزل النعم
وقد تناظر والبرجيس في شرف ... وقارن الزّهرة البيضاء في توم «١»
فذاك يشبهه في حسن صورته ... وذا يزيد بخط الشعر والقلم
أشكو إلى الله ما ألقى لفرقته ... شكوى محب سقيم حافظ الذمم
لو كنت أشكو إلى صمّ الهضاب إذا ... تفطرت للذي أبديه من ألم
يا غادرا لم يزل بالغدر مرتديا ... أين الوفاء أبن لي غير محتشم
إن غاب جسمك عن عيني وعن نظري ... فما يغيب عن الأسرار والوهم
إني سأبكيك ما ناحت مطوّقة ... تبكي أليفا على فرع من النّشم «٢»
ما يجوز في الشعر مما لا يجوز في الكلام
قال أبو حاتم: أبيح للشاعر ما لم يبح للمتكلم، من قصر الممدود، ومد المقصور، وتحريك الساكن، وتسكين المتحرك، وصرف ما لا ينصرف، وحذف الكلمة ما لم تلتبس بأخرى، كقولهم: فل، من فلان، وحم، من حمام.
قال الشاعر:
وجاءت حوادث من مثلها ... يقال لمثلك: ويها فل
وقال مسلم بن الوليد:
سل الناس إني سائل الله وحده ... وصائن وجهي عن فلان وعن فل
وقال آخر:
دعاء حمامات تجاوبها حم
стр. 2013
ومن المحذوف أيضا قول الشاعر: «١»
لها أشارير من لحم تتمّره ... من الثّعالي ووخز من أرانيها «٢»
يريد «من الثعالب» . ومثله قول الشاعر:
ولضفادي جمّة نقانق
يريد «الضفادع» .
ومن المحذوف قول كعب بن زهير:
ويلمها خلة لو أنها صدقت ... في وعدها أو لو انّ النّصح مقبول
يريد: ويل لأمها. ومنه قولهم: لاه أبوك، يريدون: لله أبوك. وقال الشاعر:
لاه ابن عمّك لا يخا ... ف المبديات من العواقب
وكذلك الزيادة أيضا إذا احتاجوا إليها في الشعر، فمن ذلك قول زهير:
ثم استمرّوا وقالوا إنّ موعدكم ... ماء بشرقيّ سلمى فيد أو ركك «٣»
قال الاصمعي: سألت نجيبات فيد عن ركك فقيل: ماء هاهنا يسمى ركّا، فعلمت أن زهيرا احتاج فضعّف.
ومنه قول القطامي:
وقول المرء ينفذ بعد حين ... مواضع ليس ينفذها الإبار «٤»
ومثله قولهم: كلكال، من كلل. ونظير هذا كثير في الشعر لمن تتبعه.
وأما قصرهم الممدود فجائز في أشعارهم، ومدّ المقصور عندهم قبيح.
стр. 2014
وقد يستجاد في الشعر على قبحه، مثل قول حسان بن ثابت:
قفاؤك أحسن من وجهه ... وأمّك خير من المنذر
وأنشد أبو عبيدة:
يا لك من تمر ومن شيشاء ... ينشب في الحلق وفي اللهاء «١»
فمدّ اللها، وهو جمع لهاة. كما قالوا: قطاة وقطا، ونواة ونوى.
وأما تحريك الساكن وتسكين المتحرك، فمن ذلك قول لبيد بين ربيعة:
ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النّفوس حمامها
ومثله قول امرىء القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل «٢»
وقال أمية بن ابي الصلت:
تأبى فما تطلع لهم في وقتها ... إلا معذّبة وإلا تجلد
ومن قولهم في تحريك الساكن:
اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسّوط قونس الفرس «٣»
وأما صرف ما لا ينصرف عندهم فكثير، والقبيح عندهم أن لا يصرف المنصرف، وقد يستجاد في الشعر على قبحه، قال عباس بن مرداس:
وما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع
ومن قولهم في تسكين المتحرّك وقد استشهد به سيبويه في كتابه:
عجب الناس وقالوا ... شعر وضّاح اليماني
стр. 2015
إنما شعري قند ... قد خلط بجلجلان «١»
ولو حرّك «خلط» اجتمع خمس حركات.
باب ما أدرك على الشعراء
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: أدركت العلماء بالشعر على امرىء القيس قوله:
أغرك منّي أنّ حبّك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وقالوا: إذا لم يغرّ هذا فما الذي يغرّ؟ ومعناه في هذا البيت يناقض البيت الذي قبله حيث يقول:
وإن كنت قد ساءتك مني خليقة ... فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل
لأنه ادعى في هذا البيت فضلا للتجلد وقوة الصبر بقوله:
فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل وزعم في البيت الثاني أنه لا تحمّل فيه للصبر ولا قوة على التمالك بقوله:
وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وأقبح من هذا عندي قوله:
فظلّ العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدّمقس المفتل «٢»
ومما ادرك على زهير قوله في الضفادع:
يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا «٣»
стр. 2016
وقالوا: ليس خروج الضفادع من الماء مخافة الغم والغرق، وإنما ذلك لانهن يبتن في الشطوط.
ومما أدرك على النابغة قوله يصف الثور:
يحيد عن أستن سود أسافله ... مثل الإمإ الغوادي تحمل الحزما «١»
قال الاصمعي: إنما توصف الإماء في مثل هذا الموضع بالرواح لا بالغدوّ، لانهن يجئن بالحطب إذا رحن. قال الأخنس التغلبي:
تظل بها ربد النّعام كأنها ... إماء يرحن بالعشيّ حواطب «٢»
وأخذ عليه «٣» في وصف السيف قوله:
يقدّ السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقد بالصفاح نار الحباحب «٤»
فزعم أنه يقدّ الدرع المضاعفة، والفارس، والفرس، ثم يقع في الأرض فيقدح النار من الحجارة، وهذا من الإفراط القبيح. وأقبح عندي من هذا في وصف المرأة قوله:
ليست من السّود أعقابا إذا انصرفت ... ولا تبيع بأعلى مكة البرما «٥»
ومما أخذ عليه قوله:
خطا طيف حجن في حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع
فشبه نفسه بالدّلو، وشبه النعمان بخطاطيف حجن، يريد خطاطيف معوجة تمدّ بها الدلو. وكان الأصمعي يكثر التعجب من قوله:
وغيّرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل علي بأن أخشاك من عار
стр. 2017
ومما أدرك على المتلمّس قوله:
وقد أتناسى الهمّ عند احتضاره ... بناج عليه الصّيعرية مكدم «١»
والصيعرية: سمة النوق، فجعلها صفة للفحل، وسمعه طرفة وهو صبي ينشد هذا البيت، فقال: استنوق الجمل! فضحك الناس، وصارت مثلا.
أخذ عليه أيضا قوله:
أحارث انا لو تساط دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمسّ دم دما «٢»
وهذا من الكذب المحال.
ومما أدرك على طرفة قوله:
أسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا كل أمون وطمر
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هدّاب الأزر
فذكر أنهم يعطون إذا سكروا، ولم يشترط لهم ذلك إذا صحوا كما قال عنترة:
وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرّمي «٣»
ومما أدرك على عدي بن زيد قوله في صفة الفرس:
فضاف يفرّي جلّه عن سراته ... يبذّ الجياد فارها متتابعا «٤»
ولا يقال للفرس فاره، وإنما يقال له جواد وعتيق، ويقال للبرذون والبغل والحمار: فاره.
ومما أدرك عليه وصفه الخمر بالخضرة، ولا يعلم أحد وصفها بذلك، فقال:
стр. 2018
والمشرف الهنديّ يسقى به ... أخضر مطموثا بمإ الخريص «١»
ومما أدرك على أعشى بكر قوله:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول «٢»
وهذه الالفاظ الاربعة في معنى واحد.
ومما أدرك على لبيد قوله:
ومقام ضيّق فرّجته ... بمقامي ولساني وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل
فظن أن الفيّال أقوى الناس، كما أن الفيل أقوى البهائم.
ومما أدرك على عمرو بن أحمر الباهلي قوله يصف المرأة:
لم تدر ما نسج اليرندج قبلها ... ودراس أعوص دارس متجدّد «٣»
اليرندج: جلود سود. فظن أنه شيء ينسج، ودراس أعوص: يريد انها لم تدارس الناس عويص الكلام الذي يخفى أحيانا ويتبين احيانا. وقد اتى ابن احمر في شعره بأربعة ألفاظ لم تعرف في كلام العرب: منها أنه سمى النار ماموسة، ولا يعرف ذلك، قال:
كما تطايح عن ماموسة الشّرر
وسمى حوار الناقة بابوسا، ولا يعرف ذلك، فقال:
حنّت قلوصي إلى بابوسها جزعا ... فما حنينك أمّا أنت والذكر «٤»
стр. 2019
وفي بيت آخر يذكر فيه البقرة:
... وبنّس عنها فرقد خصر أي تأخر، ولا يعرف التبنس، وقال:
وتقنّع الحرباء أرنته يريد مالفّ على الرأس، ولا تعرف الأرنة إلا في شعره.
ومما أدرك على نصيب بن رباح قوله:
أهيم بدعد ما حييت فإن امت ... فواكبدي من ذا يهيم بها بعدي
تلهف على من يهيم بها بعده.
ومما أدرك على الراعي قوله في المرأة:
تكسو المفارق واللّبّات ذا أرج ... من قصب معتلف الكافرو درّاج «١»
أراد المسك، فجعله من قصب، والقصب: المعي فجعل المسك من قصب دابة تعتلف الكافور فيتولد عنها المسك.
ومما أدرك على جرير قوله في بني الفدوكس رهط الاخطل:
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إليّ قطينا
القطين في هذا الموضع: العبيد الإماء. وقيل له: أبا حزرة، ما وجدت في تميم شيئا تفخر به عليهم حتى فخرت بالخلافة؟ لا والله ما صنعت في هجائهم شيئا.
ومما أدرك على الفرزدق قوله:
وعض زمان يابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا او مجلّف «٢»
стр. 2020
وقد أكثر النحويون الاحتيال لهذا البيت ولم يأتوا فيه بشيء يرضي ومثل ذلك قوله:
غداة أحلّت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات السدائف والخمر «١»
وكان حصين بن أصرم قد حلف ألا يأكل لحما ولا يشرب خمرا حتى يدرك ثأره، فأدركه في هذا اليوم الذي ذكره، فقال: عبيطات السدائف. فنصب «عبيطات السدائف» ورفع «الخمر» . وإنما هي معطوفة عليها وكان وجهها النصب، فكأنه أراد: وأحلّت له الخمر.
ومما أدرك على الأخطل قوله في عبد الملك بن مروان:
وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبيض لا عاري الخوان ولا جدب «٢»
وهذا مما لا يمدح به خليفة.
وأخذ عليه قوله في رجل من بني أسد يمدحه، وكان يعرف بالقين ولم يكن قينا، فقال فيه:
نعم المجير سماك من بني أسد ... بالمرج إذا قتلت جيرانها مضر «٣»
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فالآن طيّر عن أثوابه الشّرر
وهذا مدح كالهاجاء.
ومما أدرك على ذي الرّمة:
تصغي إذا شدّها بالكور جارحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب «٤»
وسمعه اعرابي ينشده فقال: صرع والله الرجل! ألا قلت كما قال عمك الراعي:
стр. 2021
وواضعة خدّها للزّما ... م فالخدّ منها له أصعر «١»
فلا تعجل المرء قبل الرّكو ... ب وهي بركبته أبصر
وهي إذا قام في غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر
ومما أدرك عليه أيضا قوله:
حتى إذا دوّمت في الأرض راجعه ... كير ولو شاد نجّى نفسه الهرب
قالوا: التدويم إنما يكون في الجوّ، يقال: دوم الطائر في السماء، إذا حلق واستدار، ودوّى في الأرض، إذا استدار فيها.
ومما أدرك على أبي الطّمحان القيني قوله:
لمّا تحمّلت الحمول حسبتها ... دوما بأيلة ناعما مكموما
الدوم: شجر المقل، وهو لا يكمّ، وإنما يكم النخل «٢» .
ومما أخذ على العجاج قوله:
كأنّ عينيه من الغئور ... قلتان أو حوجلتا قارور «٣»
صيّرتا بالنّضج والتصيير ... صلاصل الزيت إلى الشّطور
الحوجلتان: القارورتان، جعل الزجاج ينضح ويرشح.
ومما أدرك على رؤبة قوله:
كنتم كمن أدخل في حجر يدا ... فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
جعل الأفعى دون الأسود، وهي فوقه في المضرّة. وأخذ عليه في قوله في وصف الظليم:
وكلّ زجّاء سخام الخمل ... تبري له في زعلات خطل»
стр. 2022
فجعل للظليم عدّة إناث، كما يكون للحمار، وليس للظليم إلا أنثى واحدة.
وأخذ عليه قوله يصف الراعي:
لا يلتوي من عاطس ولا نغق «١»
إنما هو النغيق والنّغاق وإنما يصف الرامي، وأدرك عليه قوله:
أقفرت الوعثاء والعثاعث ... من أهلها والبرق البرارث «٢»
إنما هي البراث جمع برث، وهي الارض اللينة. وأدرك عليه قوله:
يا ليتنا والدهر جري السّمّة
انما يقال: السّمّهى: أي في الباطل وأخذ عليه قوله:
أو فضة أو ذهب كبريت
قال: فسمع بالكبريت أنه احمر فظنّ انه ذهب.
ومما يستقبح من تشبيهه قوله في النساء:
يلبسن من لين الثّياب نيما
والنيم: الفرو القصير، وأخذ عليه قوله في قوائم الفرس:
يهوين شتّى ويقعن وقفا
وأنشده مسلم بن قتيبة، فقال له: أخطأت يا أبا الجحاف، جعلته مقيّدا. قال له رؤبة: أدنني من ذنب البعير.
ومما أدرك على أبي نخيلة الراجز قوله في وصف المرأة.
مريّة لم تلبس المرقّقا ... ولم تذق من البقول الفستقا «٣»
стр. 2023
فجعل الفستق من البقول، وإنما هو شجر.
تسبح أخراه ويطفو أوّله
قال الاصمعي: إذا كان كذلك فحمار الكسّاح أسرع منه: لأنّ اضطراب مؤخره قبيح، وإنما الوجه فيه ما قال أعرابي في وصف فرس أبي الاعور السلمي:
مرّ كلمع البرق سام ناظره ... تسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمسّ الأرض منه حافره
وأخذ عليه أيضا في الورود قوله:
جاءت تساقى في الرعيل الأوّل ... والظّلّ عن أخفافها لم يفضل
فوصف أنها وردت في الهاجرة، وإنما خير الورود غلسا «١» والماء بارد، كما قال الآخر:
فوردت قبل الصباح الفائق «٢» وكقول لبيد بن ربيعة العامري:
إنّ من وردي لتغليس النّهل «٣»
وقال آخر:
فوردن قبل تبيّن الألوان
وأنشد بشار الأعمى قول كثيّر عزة:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكفّ تلين «٤»
فقال: لله أبو صخر! جعلها عصا خيزرانة، فوالله لو جعلها عصا زبد لهجّنها، ألا قال كما قلت:
стр. 2024
وبيضاء المحاجر من معدّ ... كأنّ حديثها قطع الجمان «١»
إذا قامت لحاجتها تثنّت ... كأن عظامها من خيزران
ودخل العتابيّ على الرشيد فأنشده في وصف الفرس:
كأن أذنيه إذا تشوّفا ... قادمة او قلما محرّفا
فعلم الناس أنه لحن، ولم يهتد احد منهم الى اصلاح البيت غير الرشيد، فانه قال:
قل:
تخال أذنيه إذا تشوّفا
والراجز وإن كان لحن فإنه اصاب التشبيه.
كثير وابن أبي عتيق وابن معاذ
حدّث أبو عبد الله بن عرفة بواسط، قال: حدثني احمد بن محمد بن يحيى عن الزبير ابن بكار عن سليمان بن عباس السعدي عن السائب رواية كثّير عزة، قال: قال لي كثير عزة يوما: قم بنا إلى ابن ابي عتيق نتحدّث عنده. قال: فجئناه فوجدناه عند ابن معاذ المعني، فلما رأى كثّيرا قال لابن أبي عتيق: ألا أغنيك شعر كثير عزة؟ قال:
نعم. فغناه:
أبائنة سعدى نعم ستبين ... كما انبتّ من حبل القرين قرين «٢»
أأن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
كأنك لم تسمع ولم تر قبلها ... تفرّق ألّاف لهن حنين
فأخلفن ميعادي وخنّ أمانتي ... وليس لمن خان الامانة دين
فالتفت ابن ابي عتيق إلى كثّير فقال: وللدين صحبتهم يا بن أبي جمعة! ذلك والله أشبه بهنّ وأدعى للقلوب إليهنّ، وإنما يوصفن بالبخل والامتناع، وليس بالوفاء والأمانة، ذو الرقيّات أشعر منك حيث يقول:
стр. 2025
حبّذا الإدلال والغنج ... والتي في طرفها دعج «١»
والتي إن حدّثت كذبت ... والتي في ثغرها فلج «٢»
خبّروني هل على رجل ... عاشق في قبلة حرج
فقال كثيّر: قم بنا من عند هذا.
عمارة وابن ابي السمط
عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، قال: اني بباب المأمون إذ خرج عبد الله بن السمط، فقال لي: علمت أنّ امير المؤمنين على كماله لا يعرف الشعر! قلت له: وبم علمت ذلك؟ قال: اسمعته الساعة بيتا لو شاطرني ملكه عليه لكان قليلا، فنظر إلى نظرا شزرا كاد يصطلمني «٣» . قلت له: وما البيت؟ فأنشد:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدّين، والناس بالدنيا مشاغيل
قلت له: والله لقد حلم عليك إذ لم يؤدّبك عليه، ويلك! وإذا لم يشتغل هو بالدنيا فمن يدبّر أمرها؟ ألا قلت كما قال جدي في عبد العزيز بن مروان:
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدّين شاغله «٤»
فقال: الآن علمت أنني أخطأت.
البعيث وجملة من الشعراء والوليد
الهيثم بن عدي قال: دخل رجل من أصحاب الوليد بن عبد الملك عليه فقال: يا أمير المؤمنين، لقد رأيت ببابك جماعة من الشعراء لا احسبهم اجتمعوا بباب احد من الخلفاء، فلو أذنت لهم حتى ينشدوك! فأذن لهم، فأنشدوه، وكان فيهم الفرزدق، وجرير، والاخطل، والاشهب بن رميلة، وترك البعيث فلم يأذن له، فقال الرجل
стр. 2026
المستأذن لهم: لو أذنت للبعيث! فلم يأذن له، وقال: ليس كهؤلاء، إنما قال من الشعر يسيرا. قال: والله يا أمير المؤمنين إنه لشاعر. فأذن له، فلما مثل بين يديه، قال: يا أمير المؤمنين. إن هؤلاء ومن ببابك قد ظنوا أنك انما أذنت لهم دوني لفضل لهم عليّ. قال: أولست تعلم ذلك؟ قال: لا والله، ولا علمه الله لي، قال: فأنشدني من شعرك. قال: أما والله حتى أنشدك من شعر كل رجل منهم ما يفضحه! فأقبل على الفرزدق، فقال: قال هذا الشيخ الاحمق لعبد بني كليب:
بأيّ رشاء يا جرير وماتح ... تدلّيت في حومات تلك القماقم «١»
فجعله تدلى عليه وعلى قومه من عل وإنما يأتيه من تحته لو كان يعقل.
وقد قال هذا كلب بني كليب:
لقومي أحمى للحقيقة منكم ... وأضرب للجبّار والنقع ساطع «٢»
واوثق عند المردفات عشيّة ... لحاقا إذا ما جرد السّيف لامع «٣»
فجعل نساءه لا يثقن بلحاقه إلا عشية وقد نكحن وفضحن.
وقال هذا النصرانيّ ومدح رجلا يسمى قينا فهجاه ولم يشعر، فقال:
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فالآن طيّر عن أثوابه الشّرر
وقال ابن رمية ودفع أخاه إلى مالك بن ربيعيّ بن سلمى فقتل، فقال:
مددنا وكانت ضلة من حلومنا ... تبدي إلى أولاد ضمرة أقطعا
فمن يرجو خيره وقد فعل بأخيه ما فعل؟ فجعل الوليد يعجب من حفظه لمثالب القوم وقوة قلبه، وقال له: قد كشفت عن مساوىء القوم، فأنشدني من شعرك.
فأنشده، فاستحسن قوله ووصله وأجزل له.
стр. 2027
ومما عيب على الحسن بن هانىء قوله في بعض بني العباس:
كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره
فقالوا: من حق رسول الله ﷺ ، ان يضاف إليه ولا يضاف هو إلى غيره، ولو اتسع متسع فأجازه لكان له مجاز حسن، وذلك ان يقول القائل من بني هاشم لغيره من أبناء قريش: منا رسول الله ﷺ . يريد أنه من القبيلة التي نحن منها، كما قال حسان بن ثابت:
وما زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عزّ لا ترام ومفخر
بها ليل منهم جعفر، وابن أمّه ... علي، ومنهم أحمد المتخيّر «١»
فقال: منهم، كما قال هذا: من نفره.
ومما أدرك عليه قوله في البعير:
أخنس في مثل الكظام مخطمه «٢»
والاخنس: القصير المشافر، وهو عيب له، وإنما توصف المشافر بالسبوطة.
ومما أدرك على أبي ذؤيب قوله في وصف الدّرّة:
فجاء بها ما شئت من لطميّة ... يدور الفرات فوقها وتموج «٣»
قالوا: والدّرة لا تكون في الماء الفرات إنما تكون في الماء المالح.
جرير وابن لجأ
اجتمع جرير بن الخطفي وعمر بن لجأ التيمي عند المهاجر بن عبد الله والي اليمامة، فأنشده عمر بن لجأ أرجوزته التي يقول فيها:
стр. 2028
تصطك ألحيها على دلائها ... تلاطم الأزد على عطائها «١»
حتى انتهى إلى قوله:
تجرّ بالأهون من إدنائها ... جرّ العجوز الثّني من خفائها «٢»
فقال جرير: ألا قلت:
جرّ الفتاة طرفي ردائها
فقال. والله ما أردت إلا ضعف العجوز، وقد قلت أنت أعجب من هذا، وهو قولك:
وأوثق عند المردفات عشيّة ... لحاقا إذا ما جرّد السيف لا مع
والله لئن لم يلحقن إلا عشية، ما لحقن حتى نكحن وأحبلن. ووقع الشر بينهما.
ابن أبي ربيعة والاحوص ونصيب وكثير
وقدم عمر بن أبي ربيعة المدينة، فأقبل إليه الاحوص ونصيب، فجعلوا يتحدثون، ثم سألهما عمر عن كثيّر عزة، فقالوا: هو ههنا قريب. قال: فلو أرسلنا اليه! قالا: هو أشد بأوا «٣» من ذلك! قال: فاذهبا بنا إليه. فقاموا نحوه، فألفوه جالسا في خيمة له، فوالله ما قام للقرشي ولا وسع له، فجعلوا يتحدثون ساعة، فالتفت إلى عمر بن أبي ربيعة، فقال له: إنك لشاعر، لولا أنك تشبّب بالمرأة ثم تدعها وتشبّب بنفسك! أخبرني عن قولك:
ثمّ اسبطرّت تشتدّ في أثري ... تسأل أهل الطّواف عن عمر «٤»
والله لو وصفت بهذا هرة اهلك لكان كثيرا، ألا قلت كما قال هذا، يعني الأحوص:
стр. 2029
أدور، ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور
وما كنت زوّارا ولكنّ ذا الهوى ... وإن لم يزر لا بدّ أن سيزور
قال: فانكسرت نخوة عمر بن أبي ربيعة ودخلت الاحوص زهوة، ثم التفت إلى الاحوص فقال: أخبرني عن قولك:
فإن تصلي أصلك وإن تبيني ... بهجرك بعد وصلك ما أبالي «١»
أما والله لو كنت حرا لباليت ولو كسر أنفك: ألا قلت كما قال هذا الاسود وأشار إلى نصيب:
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إن تملّينا فما ملّك القلب
قال: فانكسر الاحوص ودخلت نصيبا زهوة، ثم التفت إلى نصيب فقال له:
أخبرني عن قولك:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواكبدي من ذا يهيم بها بعدي!
أهمّك ويحك من يفعل بها بعدك؟ فقال القوم: الله أكبر! استوت الفرق قوموا بنا من عند هذا.
كثير وسكينة
ودخل كثيّر عزة على سكينة بنت الحسين، فقالت له: يابن أبي جمعة، أخبرني عن قولك في عزة:
وما روضة بالحزن طيّبة الثرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها «٢»
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها «٣»
ويحك! وهل على الارض زنجية منتنة الإبطين، توقد بالمندل الرطب نارها إلا
стр. 2030
طاب ريحها؟ ألا قلت كما قال عمك امرؤ القيس:
ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
عبد الملك وكثير
سمر عبد الملك بن مروان ذات ليلة وعنده كثيّر عزة، فقال له: أنشدني بعض ما قلت في عزة. فأنشده إلى هذا البيت:
هممت وهمّت، ثم هابت وهبتها ... حياء، ومثلي بالحياء حقيق
فقال له عبد الملك: أما والله لولا بيت أنشدتنيه قبل هذا لحرمتك جائزتك! قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنك شركتها معك في الهيبة، ثم استأثرت بالحياء دونها. قال: فأي بيت عفوت عني به يا امير المؤمنين؟ قال قولك:
دعوني لا أريد بها سواها ... دعوني هائما فيمن يهيم
ومما أدرك على الحسن بن هانىء قوله في وصف الاسد حيث يقول:
كأنما عينه إذا التفتت ... بارزة الجفن عين مخنوق
وإنما يوصف الاسد بغؤور العينين، كما قال العجاج:
كأن عينيه من الغئور ... قلتان حوجلتا قارور «١»
وقال أبو زبيد:
كأن عينيه نقباوان في حجر
ومن قولنا في وصف الاسد ما هو أشبه به من هذا:
ولربّ خافقة الذوائب قد غدت ... معقودة بلوائه المنصور
يرمي بها الآفاق كلّ شر نبث ... كفاه غير مقلم الأظفور «٢»
ليث تطير له القلوب مخافة ... من بين همهمة له وزئير
стр. 2031
وكأنما يومي إليك بطرفه ... عن جمرتين بجملد منقور «١»
باب من أخبار الشعراء
حدث دعبل الشاعر أنه اجتمع هو ومسلم وأبو الشيص وأبو نواس في مجلس، فقال لهم أبو نواس: إن مجلسنا هذا قد شهر باجتماعنا فيه، ولهذا اليوم ما بعده فليأت كلّ واحد منكم بأحسن ما قال فلينشده. فأنشده أبو الشيص فقال:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخّر عنه ولا متقدّم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمني اللّوم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن أكرم
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم ... إذ كان حظّي منك حظّي منهم
قال: فجعل أبو نواس يعجب من حسن الشعر حتى ما كاد ينقضي عجبه، ثم أنشده مسلم أبياتا من شعره الذي يقول فيه:
فأقسم أنسى الدّاعيات إلى الصّبا ... يمينا وقد فاجأت والسّتر واقع
فغطّت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع «٢»
قال دعبل: فقال لي أبو نواس: هات أبا علي، وكأني بك قد جئتنا بأم القلادة.
فقلت: يا سيدي، ومن يباهيك بها غيري فأنشدته:
أين الشّباب وأيّة سلكا ... أم أين يطلب ضلّ أم هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
يا ليت شعري كيف صبركما ... يا صاحبيّ إذا دمي سفكا
لا تطلبا بظلامتي أحدا ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا
ثم سألناه أن ينشد، فأنشد أبو نواس:
стр. 2032
لا تبك هندا ولا تطرب إلى دعد ... واشرب على الورد من حمراء كالورد
كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها ... وجدت حمرتها في العين والخدّ
فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ... في كفّ جارية ممشوقة القدّ
تسقيك من عينها خمرا ومن يدها ... خمرا، فمالك من سكرين من بدّ
لي نشوتان وللّندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي
فقاموا كلهم فسجدوا له؛ فقال: افعلتموها أعجميّة؟ لا كلمتكم ثلاثا ولا ثلاثا ولا ثلاثا! ثم قال: تسعة أيام في هجر الاخوان كثير، وفي هجر بعض يوم استصلاح للفساد وعقوبة على الهفوة. ثم التفت فقال: أعلمتم أن حكيما عتب على حكيم، فكتب المعتوب عليه إلى العاتب: يا أخي، إن أيام العمر أقلّ من أن تحتمل الهجر.
المعتز والزبير
محمد بن الحسن المديني قال: أخبرني الزبير بن أبي بكر قال: دخلت على المعتز بالله أمير المؤمنين، فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد الله إني قد قلت في ليلتي هذه أبياتا، وقد أعيا عليّ اجازة بعضها. قلت: أنشدني. فأنشدني- وكان محموما- يقول:
إني عرفت علاج القلب من وجع ... وما عرفت علاج الحبّ والخدع
جزعت للحبّ، والحمى صبرت لها ... إني لأعجب من صبري ومن جزعي
من كان يشغله عن حبّه وجع ... فليس يشغلني عن حبّكم وجعي
قال أبو عبد الله: فقلت:
وما أملّ حبيبي ليلة أبدا ... مع الحبيب، ويا ليت الحبيب معي
فأمر لي على البيت بألف دينار.
أبو نواس ومسلم وأبو العتاهية
اجتمع الحسن بن هانىء، وصريع الغواني، وأبو العتاهية، في مجلس بالكوفة فقيل لابي العتاهية: أنشدنا. فأنشد:
стр. 2033
أسيّدتي هاتي- فديتك- ما جرمي ... فأنزل فيما تشتهين من الحكم
كفاك بحقّ الله ما قد ظلمتني ... فهذا مقام المستجير من الظلم
وقيل لصريغ الغواني: أنشدنا فأنشأ يقول:
قد اطّلعت على سرّي وإعلاني ... فاذهب لشأنك ليس الجهل من شاني
إنّ التي كنت أرجو قصد سيرتها ... أعطت رضا وأطاعت بعد عصيان
ثم قيل للحسن بن هانىء: أنشدنا. فأنشد:
يا ابنة الشيخ اصبحينا ... ما الذي تنتظرينا
قد جرى في عوده الما ... ء فأجري الخمر فينا
قيل: هذا الهزل. فهات الجد. فأنشأ:
لمن طلل عاري المحلّ دفين ... عفا عهده إلا روائم جون «١»
كما افترقت عند المبيت حمائم ... غريبات ممسى ما لهنّ وكون»
ديار التي أمّا جنى رشفاتها ... فخلو وأما مسّها فيلين
وما أنصفت، أمّا الشّحوب فظاهر ... بوجهي، وأما وجهها فمصون
فقام صريغ الغواني يجر ذيله، وخرج وهو يقول: إن هذا مجلس ما جلسته أبدا.
الرشيد والمأمون في الصلاة على موتي
هشام بن عبد الملك الخزاعي قال: كنا بالرّقة مع هارون الرشيد، فكتب إليه صاحب الخبر بموت الكسائي، وإبراهيم الموصلي، والعباس بن الاحنف، في وقت واحد؛ فقال لابنه المأمون: اخرج فصلّ عليهم. فخرج المأمون في وجوه قواده وأهل خاصته، وقد صفّوا له. فقالوا له: من ترى أن يقدم؟ قال: الذي يقول:
يا بعيد الدّار عن وطنه ... هائما يبكي على شجنه «٣»
стр. 2034
كلّما جدّ البكاء به ... زادت الاسقام في بدنه
قيل له: هذا. وأشار إلى العباس بن الاحنف؛ فقال قدّموه! فقدّم عليهم.
ابو عمرو وجرير
أبو عمرو بن العلاء قال: نزل جرير وهو مقبل من عند هشام بن عبد الملك فبات عندي إلى الصبح؛ فلما أصبح شخص وخرجت معه أشيّعه، فلما خرجنا من أطناب البيوت التفت إليّ فقال: أنشدني من قول مجنون بني الملوّح، فأنشدته:
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحلّ العصم سهل الأباطح
... تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح «١»
فقال: والله لولا أنه لا يحسن بشيخ مثلي الصراخ، لصرخت صرخة سمعها هشام على سريره.
وهذا من أرق الشعر كله وألطفه، لولا التضمين الذي فيه، والتضمين: أن يكون البيت معلّقا بالبيت الثاني، لا يتم معناه إلا به، وإنما يحمد البيت إذا كان قائما بنفسه.
ابن الاحنف وابن الملوح
وقال العباس بن الاحنف نظير قول المجنون بلا تضمين، وهو قوله:
أشكو الذين أذاقوني مودّتهم ... حتى إذا أيقظوني بالهوى رقدوا
الرشيد والاصمعي
وقال الاصمعي: دخلت على هارون الرشيد، فوجدته منغمسا في الفرش، فقال:
ما أبطأ بك يا أصمعي؟ قلت: احتجمت يا أمير المؤمنين. قال: فما اكلت عليها؟
قلت: سكباجة وطباهجة «٢» ، قال: رميتها بحجرها! أتشرب؟ فقلت. نعم؛ وقلت.
стр. 2035
اسقني حتى تراني مائلا ... وترى عمران ديني قد خرب
قال: يا مسرور، أيّ شيء معك؟ قال: ألف درهم. قال: ادفعها للاصمعي.
ابن داود ويهودي
كان يصحب علي بن داود الهاشمي يهودي ظريف مؤنس أديب شاعر أريب «١» ، فلما أراد الحج أراد ان يستصحبه فكتب إليه اليهودي يقول:
إني أعوذ بداود وحفرته ... من أن أحجّ بكره يابن داود
نبئت أنّ طريق الحجّ مصردة ... عن النّبيذ وما عيشي بتصريد «٢»
والله ما فيّ من اجر فتطلبه ... فيما علمت ولا ديني بمحمود
أما أبوك فذاك الجود يعرفه ... وأنت أشبه خلق الله بالجود
كأنّ ديباجتي خدّيه من ذهب ... إذا تعصب في أثوابه السّود
السويقي في ضر ناله
حدث أبو اسحاق يحيى بن محمد الحواري، قال: سمعت شيخا من اهل البصرة يقول: قال ابراهيم السويقي مولي المهالبة: تتابعت عليّ سنون ضيّقة، وألحّ عليّ العسر وكثرة العيال وقلّة ذات اليد؛ وكنت مشتهرا بالشعر أقصد به الإخوان وأهل الاقدار وغيرهم، حتى جفاني كلّ صديق، وملّني من كنت أقصده؛ فأضرّ بي ذلك جدا؛ فبينما أنا ذات يوم جالس مع امرأتي في يوم شديد البرد، إذ قالت: يا هذا، قد طال علينا الفقر، وأضر بنا الجهد؛ وقد بقيت في بيتي كأنك زمن «٣» ، هذا مع كثرة الولد؛ فأخرج عني واكفني نفسك، ودعني مع هؤلاء الصبيان أقوم بهم مرة وأقعد بهم أخرى. وألحّت عليّ في الخصومة، وقالت لي: يا مشئوم، تعلمت صناعة لا تجدي
следующие страницы →