← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وكأنما يومي إليك بطرفه ... عن جمرتين بجملد منقور «١» باب من أخبار الشعراء حدث دعبل الشاعر أنه اجتمع هو ومسلم وأبو الشيص وأبو نواس في مجلس، فقال لهم أبو نواس: إن مجلسنا هذا قد شهر باجتماعنا فيه، ولهذا اليوم ما بعده فليأت كلّ واحد منكم بأحسن ما قال فلينشده. فأنشده أبو الشيص فقال: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخّر عنه ولا متقدّم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمني اللّوم وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن أكرم أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم ... إذ كان حظّي منك حظّي منهم قال: فجعل أبو نواس يعجب من حسن الشعر حتى ما كاد ينقضي عجبه، ثم أنشده مسلم أبياتا من شعره الذي يقول فيه: فأقسم أنسى الدّاعيات إلى الصّبا ... يمينا وقد فاجأت والسّتر واقع فغطّت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع «٢» قال دعبل: فقال لي أبو نواس: هات أبا علي، وكأني بك قد جئتنا بأم القلادة. فقلت: يا سيدي، ومن يباهيك بها غيري فأنشدته: أين الشّباب وأيّة سلكا ... أم أين يطلب ضلّ أم هلكا لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى يا ليت شعري كيف صبركما ... يا صاحبيّ إذا دمي سفكا لا تطلبا بظلامتي أحدا ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا ثم سألناه أن ينشد، فأنشد أبو نواس:

стр. 2032

لا تبك هندا ولا تطرب إلى دعد ... واشرب على الورد من حمراء كالورد كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها ... وجدت حمرتها في العين والخدّ فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ... في كفّ جارية ممشوقة القدّ تسقيك من عينها خمرا ومن يدها ... خمرا، فمالك من سكرين من بدّ لي نشوتان وللّندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي فقاموا كلهم فسجدوا له؛ فقال: افعلتموها أعجميّة؟ لا كلمتكم ثلاثا ولا ثلاثا ولا ثلاثا! ثم قال: تسعة أيام في هجر الاخوان كثير، وفي هجر بعض يوم استصلاح للفساد وعقوبة على الهفوة. ثم التفت فقال: أعلمتم أن حكيما عتب على حكيم، فكتب المعتوب عليه إلى العاتب: يا أخي، إن أيام العمر أقلّ من أن تحتمل الهجر. المعتز والزبير محمد بن الحسن المديني قال: أخبرني الزبير بن أبي بكر قال: دخلت على المعتز بالله أمير المؤمنين، فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد الله إني قد قلت في ليلتي هذه أبياتا، وقد أعيا عليّ اجازة بعضها. قلت: أنشدني. فأنشدني- وكان محموما- يقول: إني عرفت علاج القلب من وجع ... وما عرفت علاج الحبّ والخدع جزعت للحبّ، والحمى صبرت لها ... إني لأعجب من صبري ومن جزعي من كان يشغله عن حبّه وجع ... فليس يشغلني عن حبّكم وجعي قال أبو عبد الله: فقلت: وما أملّ حبيبي ليلة أبدا ... مع الحبيب، ويا ليت الحبيب معي فأمر لي على البيت بألف دينار. أبو نواس ومسلم وأبو العتاهية اجتمع الحسن بن هانىء، وصريع الغواني، وأبو العتاهية، في مجلس بالكوفة فقيل لابي العتاهية: أنشدنا. فأنشد:

стр. 2033

أسيّدتي هاتي- فديتك- ما جرمي ... فأنزل فيما تشتهين من الحكم كفاك بحقّ الله ما قد ظلمتني ... فهذا مقام المستجير من الظلم وقيل لصريغ الغواني: أنشدنا فأنشأ يقول: قد اطّلعت على سرّي وإعلاني ... فاذهب لشأنك ليس الجهل من شاني إنّ التي كنت أرجو قصد سيرتها ... أعطت رضا وأطاعت بعد عصيان ثم قيل للحسن بن هانىء: أنشدنا. فأنشد: يا ابنة الشيخ اصبحينا ... ما الذي تنتظرينا قد جرى في عوده الما ... ء فأجري الخمر فينا قيل: هذا الهزل. فهات الجد. فأنشأ: لمن طلل عاري المحلّ دفين ... عفا عهده إلا روائم جون «١» كما افترقت عند المبيت حمائم ... غريبات ممسى ما لهنّ وكون» ديار التي أمّا جنى رشفاتها ... فخلو وأما مسّها فيلين وما أنصفت، أمّا الشّحوب فظاهر ... بوجهي، وأما وجهها فمصون فقام صريغ الغواني يجر ذيله، وخرج وهو يقول: إن هذا مجلس ما جلسته أبدا. الرشيد والمأمون في الصلاة على موتي هشام بن عبد الملك الخزاعي قال: كنا بالرّقة مع هارون الرشيد، فكتب إليه صاحب الخبر بموت الكسائي، وإبراهيم الموصلي، والعباس بن الاحنف، في وقت واحد؛ فقال لابنه المأمون: اخرج فصلّ عليهم. فخرج المأمون في وجوه قواده وأهل خاصته، وقد صفّوا له. فقالوا له: من ترى أن يقدم؟ قال: الذي يقول: يا بعيد الدّار عن وطنه ... هائما يبكي على شجنه «٣»

стр. 2034

كلّما جدّ البكاء به ... زادت الاسقام في بدنه قيل له: هذا. وأشار إلى العباس بن الاحنف؛ فقال قدّموه! فقدّم عليهم. ابو عمرو وجرير أبو عمرو بن العلاء قال: نزل جرير وهو مقبل من عند هشام بن عبد الملك فبات عندي إلى الصبح؛ فلما أصبح شخص وخرجت معه أشيّعه، فلما خرجنا من أطناب البيوت التفت إليّ فقال: أنشدني من قول مجنون بني الملوّح، فأنشدته: وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحلّ العصم سهل الأباطح ... تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح «١» فقال: والله لولا أنه لا يحسن بشيخ مثلي الصراخ، لصرخت صرخة سمعها هشام على سريره. وهذا من أرق الشعر كله وألطفه، لولا التضمين الذي فيه، والتضمين: أن يكون البيت معلّقا بالبيت الثاني، لا يتم معناه إلا به، وإنما يحمد البيت إذا كان قائما بنفسه. ابن الاحنف وابن الملوح وقال العباس بن الاحنف نظير قول المجنون بلا تضمين، وهو قوله: أشكو الذين أذاقوني مودّتهم ... حتى إذا أيقظوني بالهوى رقدوا الرشيد والاصمعي وقال الاصمعي: دخلت على هارون الرشيد، فوجدته منغمسا في الفرش، فقال: ما أبطأ بك يا أصمعي؟ قلت: احتجمت يا أمير المؤمنين. قال: فما اكلت عليها؟ قلت: سكباجة وطباهجة «٢» ، قال: رميتها بحجرها! أتشرب؟ فقلت. نعم؛ وقلت.

стр. 2035

اسقني حتى تراني مائلا ... وترى عمران ديني قد خرب قال: يا مسرور، أيّ شيء معك؟ قال: ألف درهم. قال: ادفعها للاصمعي. ابن داود ويهودي كان يصحب علي بن داود الهاشمي يهودي ظريف مؤنس أديب شاعر أريب «١» ، فلما أراد الحج أراد ان يستصحبه فكتب إليه اليهودي يقول: إني أعوذ بداود وحفرته ... من أن أحجّ بكره يابن داود نبئت أنّ طريق الحجّ مصردة ... عن النّبيذ وما عيشي بتصريد «٢» والله ما فيّ من اجر فتطلبه ... فيما علمت ولا ديني بمحمود أما أبوك فذاك الجود يعرفه ... وأنت أشبه خلق الله بالجود كأنّ ديباجتي خدّيه من ذهب ... إذا تعصب في أثوابه السّود السويقي في ضر ناله حدث أبو اسحاق يحيى بن محمد الحواري، قال: سمعت شيخا من اهل البصرة يقول: قال ابراهيم السويقي مولي المهالبة: تتابعت عليّ سنون ضيّقة، وألحّ عليّ العسر وكثرة العيال وقلّة ذات اليد؛ وكنت مشتهرا بالشعر أقصد به الإخوان وأهل الاقدار وغيرهم، حتى جفاني كلّ صديق، وملّني من كنت أقصده؛ فأضرّ بي ذلك جدا؛ فبينما أنا ذات يوم جالس مع امرأتي في يوم شديد البرد، إذ قالت: يا هذا، قد طال علينا الفقر، وأضر بنا الجهد؛ وقد بقيت في بيتي كأنك زمن «٣» ، هذا مع كثرة الولد؛ فأخرج عني واكفني نفسك، ودعني مع هؤلاء الصبيان أقوم بهم مرة وأقعد بهم أخرى. وألحّت عليّ في الخصومة، وقالت لي: يا مشئوم، تعلمت صناعة لا تجدي

стр. 2036

عليك شيئا! فضجرت منها ومن قولها، وخرجت على وجهي في ذلك البرد والريح، وليس عليّ إلا فرو خلق «١» ، ليس فوقه دثار، ولا تحته شعار، إلا ازار على عنقي؛ ثم جاءت ريح شديدة، فذهبت به عن يدي، وتفرّقت أجزاؤه عني من بلاه وكثرة رقاعه، وعلى عنقي طيلسان «٢» ليس عليّ منه إلا رسمه. فخرجت والله متحيرا لا ادري أين أقصد ولا حيث أذهب؛ فبينما أنا أجيل الفكرة، إذ أخذتني سماء بفطر متدارك، فدفعت على دار على بابها روشن «٣» مطلّ ودكان نظيف وليس عليه أحد؛ فقلت: أستتر بالروشن إلى أن يسكن المطر. فقصدت قصد الدار، فإذا بجارية قاعدة، قد لزمت باب الدار كالحافظة عليه؛ فقالت لي: إليك يا شيخ عن بابنا. فقلت: أنا- ويحك- لست بسائل، ولا أنا ممن تتخوّف ناحيته! فجلست على الدكان، فلما سكنت نفسي سمعت نغمة رخيمة من وراء الباب، تدلّ على نغمة امرأة: فأصغيت، فإذا بكلام يدل على عتاب؛ ثم سمعت نغمة اخرى مثل تلك، وهي تقول فعلت وفعلت! والاخرى تقول: بل انت فعلت وفعلت! إلى أن قالت إحداهما: أنا- جعلت فداك- إن كنت أسأت فاغفري؛ واحفظي فيّ بيتين لمولانا ابراهيم السويقي! فقالت الاخرى: وما قال؟ فانه يبلغني عنه اشعار ظريفة. فأنشدتها تقول: هبيني يا معذّبتي أسأت ... وبالهجران قبلكم بدأت فأين الفضل منك فدتك نفسي ... عليّ إذا أسأت كما أسأت فقالت: ظرف والله وأحسن! فلما سمعت ذكري وذكر «مولانا» علمت أنهما من بعض نساء المهالبة؛ فلم أتمالك أن دفعت الباب وهجمت عليهما، فصاحتا: وراءك يا شيخ عنّا حتى نستتر! وتوهّمتا أنني من أهل الدار؛ فقلت لهما. جعلت فداكما، لا تحتشما مني؛ فإني أنا ابراهيم السويقي؛ فبالله، وبحق حرمتي منكنّ، إلّا شفّعتني فيها،

стр. 2037

ووهبت لي ذنبها، واسمعي مني فأنا الذي أقول: خذي بيدي من الحزن الطويل ... فقد يعفو الخليل عن الخليل أسأت فأجملي تفديك نفسي ... فما يأتي الجميل سوى الجميل فقالت: قد فعلت وصفحت عن زلّتها «١» ؛ ثم قالت: يا أبا إسحاق، مالي أراك بهذه الهيئة الرثة والبزّة الخلقة! فقلت: يا مولاتي، تعدّى عليّ الدهر، ولم ينصفني الزمان، وجفاني الاخوان، وكسدت بضاعتي. فقالت: عزّ عليّ ذلك وأومأت «٢» إلى الأخرى؛ فضربت بيدها على كمها، فسلّت دملجا «٣» من ساعدها، ثم ثنت باليد الاخرى، فسلت منها دملجا آخر؛ فقالت: يا أبا اسحاق، خذ هذا واقعد على الباب مكانك وانتظر الجارية حتى تأتيك. ثم قالت: يا جارية، سكن المطر؟ قالت: نعم. فقامتا، وخرجت وقعدت مكاني؛ فما شعرت إلا والجارية قد وافت بمنديل فيه خمسة أثواب وصرّة فيها ألف درهم؛ وقالت: تقول لك مولاتي: أنفق هذه، فإذا احتجت فصر إلينا حتى نزيدك إن شاء الله! فأخذت ذلك وقمت وقلت في نفسي: إن ذهبت بالدملجين إلى امرأتي، قالت: هذا لبناتي، وكابرتني عليهما؛ فدخلت السوق فبعتهما بخمسين دينارا وأقبلت؛ فلما فتحت الباب صاحت امرأتي وقالت: قد جئت أيضا بشؤمك! فطرحت الدنانير والدراهم بين يديها والثياب؛ فقالت: من أين هذا؟ قلت: من الذي تشاءمت به وزعمت أنه بضاعتي التي لا تجدي! فقالت: قد كانت عندي في غاية الشؤم، وهي اليوم في غاية البركة! نوادر من الشعر المأمون وابن الجهم قال المأمون لمحمد بن الجهم: أنشدني بيتا أوله ذم وآخره مدح؛ أولّك به كورة. فأنشده:

стр. 2038

قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت منا مناظرهم لحسن المخبر فقال له: زدني. فأنشده: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه ... فطيب تراب القبر دلّ على القبر فولّاه الدّينور. الرشيد والضبي وقال هارون الرشيد للمفضل الضبي: أنشدنا بيتا أوله أعرابي في شملته هبّ من نومته، وآخره مدني رقيق، غذي بماء العقيق. قال: المفضل: هوّلت عليّ يا أمير المؤمنين، فليت شعري بأي مهر نفتضّ عروس هذا الخدر؟ ... قال هارون: هو بيت جميل حيث يقول: ألا أيها النّوّام ويحكم هبوا ... أسائلكم: هل يقتل الرجل الحبّ فقال له المفضل: فأخبرني يا أمير المؤمنين عن بيت أوله أكثم بن صيفي في إصابة الرأي، وآخره بقراط الطبيب في معرفته بالداء والدواء. قال له هارون: ما هو؟ قال: هو بيت الحسن بن هانىء حيث يقول: دع عنك لومي فإنّ اللّوم إغرأ ... وداوني بالتي كانت هي الداء قال: صدقت. المنصور في الرضمة قال الربيع: خرجنا مع المنصور منصرفنا من الحج، فنزلنا الرّضمة «١» ، ثم راح المنصور ورحنا معه في يوم شديد الحرّ، وقد قابلته الشمس، وعليه جبة وشي؛ فالتفت إلينا وقال: إني أقول بيتا من شعر، فمن أجازه منكم فله جبتي هذه! قلنا: يقول أمير المؤمنين. فقال:

стр. 2039

وهاجرة نصبت لها جبيني ... يقطّع حرّها ظهر العظايه «١» فبدر بشار الاعمى فقال: وقفت بها القلوص ففاض دمعي ... على خدّي وأقصر واعظايه «٢» فخرج له من الجبة، فلقيته بعد ذلك فقلت له: ما فعلت بالجبة؟ قال: بعتها بأربعة آلاف درهم! عائشة بنت المهدي والشعراء خرج رسول عائشة بنت المهدي- وكانت شاعرة- إلى الشعراء وفيهم صريع الغواني، فقال: تقرئكم سيدتي السلام وتقول لكم: من أجاز هذا البيت فله مائة دينار. فقالوا: هاته. فأنشدهم: أنيلي نوالا وجودي لنا ... فقد بلغت نفسي التّرقوه «٣» فقال صريع: وإني كالدّلو في حبّكم ... هويت إذ انقطعت عرقوه «٤» فأخذ المائة الدينار. الحسن البصري والفرزدق وكان الفرزدق يجلس الى الحسن البصري، وجرير يجلس إلى ابن سيري؛ لتباعد ما بين الرجلين- وكان موتهما في عام واحد، وذلك سنة عشر ومائة- فبينما الفرزدق جالس عند الحسن، إذ جاءه رجل فقال: يا أبا سعيد، إنا نكون في هذه البعوث

стр. 2040

والسرايا، فنصيب المرأة من العدوّ وهي ذات زوج، أفتحل لنا من غير أن يطلقها زوجها؟ قال الفرزدق: قد قلت أنا مثل هذا في شعري. قال الحسن: وما قلت؟ قال: قلت: وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلال لمن يبني بها لم تطلّق قال الحسن: صدقت. ثم أقبل إليه رجل آخر، فقال: يا ابا سعيد، ما تقول في الرجل يشك في الشخص يبدو له فيقول: والله هذا فلان! ثم لا يكون هو: ما ترى في يمينه؟ فقال الفرزدق: وقد قلت أنا مثل هذا. قال الحسن: وما قلت؟ قال: قلت: ولست بمأخوذ بقول تقوله ... إذا لم تعنه عاقدات العزائم قال الحسن: صدقت. عباد ورؤبة بين زوجين استعدت امرأة على زوجها عباد بن منصور، وزعمت أنه لا ينفق عليها، فقال لرؤبة: احكم بينهما. فقالت فطلّق إذا ما كنت لست بمنفق ... فما الناس إلا منفق أو مطلّق بشار بين شاعرين كان رجل يدّعي الشعر، ويستبرده قومه؛ فقال لهم: إنما تستبردوني من طريق الحسد. قالوا: فبيننا وبينك بشار العقيلي، فارتفعوا إليه، فقال له: أنشدني. فأنشده؛ فلما فرغ قال له بشار: إني لأظنّك من أهل بيت النبوّة! قال له: وما ذلك؟ قال: إنّ الله تعالى يقول وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ «١» فضحك القوم وخرجوا عنه. وقال أبو دلف

стр. 2041

أتى أبو دلف المبدي بقافية ... جوابها يهلك الداعي من الغيظ من زاد فيها له رحلي وراحلتي ... وخاتمي، والمدى فيها إلى القيظ فأجابه ابن عبد ربه: قد زدت فيها وإن أضحى أبو دلف ... والنفس قد أشرفت منه على الغيظ! لبعض الشعراء في حضرة سليمان سمر الفرزدق والأخطل وجرير عند سليمان بن عبد الملك ليلة، فبينما هم حوله إذ خفق «١» فقالوا: نعس أمير المؤمنين! وهموا بالقيام؛ فقال لهم سليمان: لا تقوموا حتى تقولوا في هذا شعرا. فقال الأخطل: رماه الكرى في رأسه فكأنه ... صريع تروّى بين أصحابه خمرا فقال له: ويحك! سكران جعلتني! ثم قال جرير بن الخطفي: رماه الكرى في رأسه فكأنما ... يرى في سواد الليل قنبرة حمرا «٢» فقال له: ويحك! أجعلتني أعمى! ثم قال الفرزدق بعد هذا: رماه الكرى في رأسه فكأنما ... أميم جلاميد تركن به وقرا «٣» قال له ويحك! جعلتني مشجوجا، ثم أذن لهم فانقلبوا فحباهم وأعطاهم. في شعر ابن ابي ربيعة كان عمر بن ابي ربيعة القرشي غزلا مشبّبا بالنساء الحواجّ، رقيق الغزل؛ وكان الاصمعي يقول في شعره: الفستق المقشر الذي لا يشبع منه! وكان جرير يستبرده ويقول: شعر حجازي، لو اتخذ في تموز لوجد البرد فيه فلما أنشد له:

стр. 2042

فلما تلاقينا عرفت الذي بها ... كمثل الذي حذوك النّعل بالنّعل قال: ما زال يهذي حتى قال الشعر! وقالت العلماء: ما عصي الله بشعر ما عصي بشعر عمر بن ابي ربيعة! وولد عمر بن أبي ربيعة يوم مات عمر بن الخطاب، فسمّي باسمه؛ فقالت العلماء: أي خير رفع، وأيّ شرّ وضع! ثم إنه تاب في اخر ايامه وتنسك، ونذر لله أن يعتق لله رقبة لكل بيت يقوله؛ وانه حج، فبينما هو يطوف بالبيت اذ نظر إلى فتى من نمير يلاحظ جارية في الطّواف؛ فلما رأى ذلك منه مرار، أتاه، فقال له يا فتى، أما رأيت تصنع؟ فقال له الفتى: يا أبا الخطاب لا تعجل عليّ؛ فإن هذه ابنة عمي، وقد سمّيت لي، ولست أقدر على صداقها، ولا اظفر منها بأكثر مما ترى؛ وانا فلان بن فلان، وهذه فلانة ابنة فلان. فعرفهما عمر، فقال له: اقعد يا ابن أخي عند هذه السارية «١» حتى يأتيك رسولي. ثم ركب دابته حتى أتى منزل عمّ الفتى، فقرع الباب فخرج اليه الرجل، فقال: ما جاء بك يا ابا الخطاب في مثل هذه الساعة؟ قال: حاجة عرضت قبلك في هذه الساعة. قال: هي مقضية. قال عمر: كائنة ما كانت؟ قال: نعم! قال: فإني قد زوّجت ابنتك فلانة من ابن اخيك فلان: قال: فإني قد أجزت ذلك. فنزل عمر عن دابته، ثم أرسل غلاما إلى داره فأتاه بألف درهم فساقها عن الفتى، ثم أرسل إلى الفتى فأتاه، فقال لابي الجارية: أقسمت عليك إلا ما ابتنى بها هذه الليلة! قال له: نعم فلما أدخلت على الفتى انصرف عمر الى داره مسرورا بما صنع، فرمى بنفسه على فراشه وجعل يتململ «٢» ، ووليدة له عند رأسه، فقالت: يا سيدي، أرقت هذه الليلة أرقا لا أدري ما دهمك؟ فأنشأ يقول: تقول وليدتي لمّا رأتني ... طربت وكنت قد أقصرت حينا

стр. 2043

أراك اليوم قد أحدثت شوقا ... وهاج لك الهوى داء دفينا وكنت زعمت أنك ذا عزاء ... إذا ما شئت فارقت القرينا بعيشك هل رأيت لها رسولا ... فشاقك أم لقيت لها خدينا؟ «١» فقلت: شكا إليّ أخ محبّ ... كبعض زماننا إذ تعلمينا فقصّ عليّ ما يلقى بهند ... يذكّر بعض ما كنّا نسينا وذو القلب المصاب وإن تعزّى ... مشوق حين يلقى العاشقينا ثم ذكر يمينه، فاستغفر الله، وأعتق رقبة لكل بيت. الأخطل والأعور بن بنان دعا الاعور بن بنان التغلبيّ الاخطل الشاعر إلى منزله، فأدخله بيتا قد نجد بالفرش الشريفة والوطاء العجيب، وله امرأة تسمى برّة في غاية الحسن والجمال؛ فقال له: أبا مالك، إنك رجل تدخل على الملوك في مجالسهم؛ فعهل ترى في بيتي عيبا؟ فقال له: ما أرى في بيتك عيبا غيرك! فقال له: إنما اعجب من نفسي إذ كنت أدخل مثلك بيتي! اخرج عليك لعنة الله! فخرج الاخطل وهو يقول: وكيف يداويني الطّبيب من الجوى ... وبرّة عند الاعور بن بنان ويلصق بطنا منتن الريح مجرزا ... إلى بطن خود دائم الخفقان «٢» باب من الشعر يخرج معناه في المدح والهجاء قال الشاعر في خياط أعور يسمى عمرا: خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء فاسأل الناس جميعا ... أمديح أم هجاء

стр. 2044

ومنه قول حبيب في مرثية بني حميد حيث يقول: لو خرّ سيف من العيّوق منصلتا ... ما كان إلا على هاماتهم يقع «١» فلو هجوا بهذا رجلا على أنه أنحس خلق الله، لجاز فيه؛ ولو مدح به على مذهب قول الشاعر: وإنا لتستحلي المنايا نفوسنا ... ونترك أخرى مرّة ما نذوقها وقول الآخر: ونحن أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول وما مات منّا سيّد في فراشه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل «٢» تسيل على حدّ السّيوف دماؤنا ... وليس على غير السّيوف تسيل لجاز ذلك. ومثله لحبيب: انظر فحيث ترى السّيوف لوامعا ... أبدا ففوق رؤوسهم تنألق ما قالوه في تثنية الواحد قال الفرزدق في تثنية الواحد: [ألم تعلموا أني ابن صاحب صوأر] ... وعندي حساما سيفه وحمائله «٣» وقال جرير: لمّا تذكرت بالدّيرين أرّقني ... صوت الدّجاج وقرع بالنواقيس

стр. 2045

وإنما هو دير الوليد، معروف بالشام؛ وأراد بالدجاج: الديكة. وقال قيس بن الحطيم في الدرع: مضاعفة يعيي الأنامل ريعها ... كأنّ قتيريها عيون الجنادب «١» يريد: قتيرها. وقال آخر: وقال لبوّابيه لا تدخلنّه ... وسدّ خصاص الباب عن كلّ منظر «٢» وقال أهل التفسير في قول الله : أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ «٣» أنه أراد واحدا فثنّاه: وكذلك قول معاوية للجلواز الذي كان وكله بروح بن زنباع لما اعتذر إليه روح واستعطفه: خلّيا عنه. قولهم في جمع الاثنين والواحد قال الله ﵎: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ » . يريد: أخوين فصاعدا. وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ «٥» ، وإنما ناداه رجل من بني تميم. وقوله: وَأَلْقَى الْأَلْواحَ «٦» ، وإنما هي لوحان.

стр. 2046

وقال الشاعر: لولا الرّجاء لأمر ليس يعلمه ... خلق سواك لما ذلّت لكم عنقي ومثل هذا كثير في الشعر القديم والمحدث. وقولهم في إفراد الجمع والاثنين وأما قولهم في إفراد الجمع فهو أقل من هذا الذي ذكرناه. وكذلك في إفراد الاثنين؛ فمن ذلك قول الله تعالى: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا «١» . وقوله: أْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ «٢» . وقوله: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ «٣» . وقال جرير: هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذّكر! وقال آخر: وكأنّ بالعينين حبّ قرنفل ... أو فلفل كحلت به فانهلّت ولم يقل: فانهلتا. وقال مسلم بن الوليد: ألا أنف الكواعب عن وصالي ... غداة بدا لها شيب القذال «٤» وقال جرير: وقلنا للنّساء به أقيمي

стр. 2047

قولهم في تذكير المؤنث وتأنيث المذكر قال مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري في شعره الذي أوله: حبّذا ليلنا بتلّ بونا «١» ... ومررنا بنسوة عطرات وسماع وقرقف فنزلنا «٢» ... ما لهم لا يبارك الله فيهم حين يسألن منحنا ما فعلنا وقال آخر، وقد استشهد به سيبويه في كتابه: فلا ديمة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها «٣» فذّكر الأرض. وقال نصيب: إنّ السّماحة والمروءة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح وقالت أعرابية: قامت تبكّيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر «٤» تركتني في الدار وحشية ... قد ذلّ من ليس له ناصر وقال أبو نواس: كمن الشّنان فيه لنا ... ككمون النار في حجره «٥» وإنما ذكرت هذا الباب في كتاب الشعر، لاحتياج الشاعر إليه في شعره واتساعه فيه.

стр. 2048

باب ما غلط فيه على الشعراء وأكثر ما أدرك على الشعراء له مجاز وتوجيه حسن، ولكن أصحاب اللغة لا ينصفونهم، وربما غلطوا عليهم وتأوّلوا غير معانيهم التي ذهبوا إليها؛ فمن ذلك قول سيبويه واستشهد ببيت في كتابه في إعراب الشيء على المعنى لا على اللفظ وأخطأ فيه: معاوي إنّنا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا «١» كذا رواه سيبويه على النصب، وزعم أن إعرابه على معنى الخبر الذي في «ليس» ، وإنما قاله الشاعر على الخفض، والشعر كله مخفوض، فما كان يضطره أن ينصب هذا البيت ويحتال على إعرابه بهذه الحيلة الضعيفة، وإنما الشعر: معاوي إنّنا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد أكلتم أرضنا فجردتموها ... فهل من قائم أو من حصيد أتطمع في الخلود إذا هلكنا ... وليس لنا ولا لك من خلود فهبنا أمّة هلكت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد ونظير هذا البيت ما ذكره في كتابه أيضا واحتج به في باب النون الخفيفة: ثبتّم ثبات الخيزرانيّ في الثّرى ... حديثا متى ما يأتك الخير ينفعا «٢» وهذا البيت للنجاشي، وقد ذكره عمرو بن بحر الجاحظ في فخر قحطان على عدنان في شعر كله مخفوض وهو: أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... بني عامر عنّي يزيد بن صعصع ثبتّم ثبات الخيزراني في الثّرى ... حديثا متى ما يأتك الخير ينفع

стр. 2049

ومثله قول محمد بن يزيد النحوي المعروف بالمبرّد في كتاب الروضة وأدرك على الحسن بن هانيء قوله: وما لبكر بن وائل عصم ... إلا لحمقائها وكاذبها «١» فزعم أنه أراد بحمقائها هبنّقة القيس، ولا يقال في الرجل حمقاء، وإنما أراد دغة العجلية، وعجل في بكر، وبها يضرب المثل في الحمق. باب من مقاطع الشعر ومخارجه اعلم بأنك متى ما نظرت بعين الإنصاف، وقطعت بحجة العقل، علمت أن لكل ذي فضل فضله، ولا ينفع المتقدم تقدّمه، ولا يضرّ المتأخر تأخّره؛ فأما من أساء النظم ولم يحسن التأليف فكثير، كقول القائل: شرّ يوميها وأغواه لها ... ركبت هند بحدج جملا «٢» شرّ يوميها، نصب على الحال، وإنما معناه: ركبت هند جملا بحدج في شرّ يوميها. وكقول الفرزدق: وما مثله في الناس إلا مملّكا ... أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه معناه: ما مثل هذا الممدوح في الناس إلا الخليفة الذي هو خاله، فقال: أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه فبّعد المعنى القريب، ووعّر الطريق السهل، ولبّس المعنى بتوعّر اللفظ وقبح البنية حتى ما يكاد يفهم.

стр. 2050

ومثل هذا إلا أنه أقرب منه إلى الفهم قول القائد: بينما ظلّ ظليل ناعم ... طلعت شمس عليه فاضمحل يريد: حتى طلعت شمس عليه: ومثله قول الآخر: إنّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتّكل «١» يريد: من يتكل عليه. ولله در الأعشى حيث قال: لم تمش ميلا ولم تركب على جمل ... ولم تر الشمس إلا دونها الكلل وأبين منه قول النابغة: ليست من السّود أعقابا إذا انصرفت ... ولا تبيع بأعلى مكّة البرما «٢» وقد حذا على مثال قول النابغة بعض المبرّزين من أهل العصر، فقال. ليست من الرّمص أشفارا إذا نظرت ... ولا تبيع بفوق الصّخرة الرّغفا «٣» فقيل له: ما معناك في هذا؟ قال: هو مثل قول النابغة. وأنشد البيت وقال: ما الفرق بين أن تبيع البرم أو تبيع الرغف، وبين أن تكون رمصاء العينين أو سوداء العقبين. وانظر إلى سهولة معنى الحسن بن هانيء وعذوبة ألفاظه في قوله: حذر امريء ضربت يداه على العدا ... كالدّهر فيه شراسة وليان «٤» وإلى خشونة ألفاظ حبيب الطائي في هذا المعنى حيث يقول:

стр. 2051

شرست بل لنت بل قابلت ذاك بذا ... فأنت لا شك فيه السهل والجبل وقد يأتي من الشعر ما لا فائدة له ولا معنى، كقول القائل: الليل ليل، والنهار نهار ... والأرض فيها الماء والأشجار! وقال الأعشى: إن محلّا وإن مرتحلا ... وإن في السّفّر إذ مضى مثلا «١» وقال إبراهيم الشيباني الكاتب: قد تكون الكلمة إذا كانت مفردة حوشية بشعة، حتى إذا وضعت في موضعها وقرنت مع إخوتها حسنت؛ كقول الحسن بن هانيء: ذو حصر أفلت من كرّ القبل والكرّ كلمة خسيسة، ولا سيما في الرقيق والغزل والنسيب، غير أنها لما وضعت في موضعها حسنت. وكذلك الكلمة الرقيقة العذبة ربما قبحت ونفرت إذا لم توضع في موضعها، مثل قول الشاعر: رأت رائحا جونا فقامت غريرة ... بمسحاتها جنح الظّلام تبادره «٢» فأوقع الجافي الجلف هذه اللفظة غير موقعها، وبخسها حقّها حين جعلها في غير مكانها حقا؛ لأن المساحي لا تصلح الغرائر. واعلم أنه لا يصلح لك شيء من المنثور والمنظوم، إلا أن تجري منه على عرق وأن تتمسك منه بسبب، فأما إن كان غير مناسب لطبيعتك، وغير ملائم لقريحتك، فلا تنض «٣» مطيّتك في التماسه، ولا تتعب نفسك إلى انبعاثه، باستعارتك ألفاظ الناس وكلامهم، فإن ذلك غير مثمر لك ولا مجد عليك، ما لم تكن الصناعة ممازجة لذهنك، وملتحمة بطبعك.

стр. 2052

واعلم أن من كان مرجعه اغتصاب نظم من تقدمه، واستضاءته بكوكب من سبقه، وسحب ذيل حلة غيره، ولم تكن معه أداة تولّد له من بنات ذهنه، ونتائج فكره، الكلام الجزل والمعنى الحفل، لم يكن من الصناعة في عير ولا نفير «١» ، ولا ورد ولا صدر؛ على أن سماع كلام الفصحاء المطبوعين، ودرس رسائل المتقدمين، هو على كل حال مما يفتق اللسان، ويقوي البيان، ويحد الذّهن، ويشحذ الطبع، إن كانت فيه بقية وهناك خبيّة. واعلم أن العلماء شبهت المعاني بالأرواح والألفاظ بالأجساد واللباب، فإذا كتب الكاتب البليغ المعنى الجزل، وكساه لفظا حسنا، وأعاره مخرجا سهلا، ومنحه دلا مونقا- كان في القلب أحلى، وللصدر أملى؛ ولكنه بقي عليه أن يؤلفه مع شقائقه وقرائنه، ويجمع بينه وبين أشباهه ونظائره، وينظمه في سلكه، كالجوهر المنثور: الذي إذا تولى نظمه الناظم الحاذق، وتعاطى تأليفه الجوهريّ العالم، ظهر له بأحكام الصنعة ولطيف الحكمة حسنا هو فيه، وكساه ومنحه بهجة هي له، وكذلك كلما احلولى الكلام وعذب وراق وسهلت مخارجه، كان أسهل ولوجا في الأسماع، وأشدّ اتصالا بالقلوب، وأخف على الأفواه؛ لا سيما إذا كان المعنى البديع مترجما بلفظ مونق شريف، لم يسمه التكلف بميسمه، ولم يفسده التعقيد باستهلاكه، كقول ابن أبي كريمة: قفاه وجه، والذي وجهه ... مثل قفاه يشبه الشّمسا فهجّن المعنى بتعقد مخارج الألفاظ؛ وأخذه الحسن بن هانيء فأوضحه وسهله قال: بأبي أنت من غزال غرير ... بزّ حسن الوجوه حسن قفاكا «٢»

стр. 2053

وكلاهما أخذه من حسان بن ثابت حيث يقول: قفاؤك أحسن من وجهه ... وأمّك خير من المنذر «١» وقد يأتي من الشعر في طريق المدح ما الذمّ أولى به من المدح، ولكنه يحل ما قبله وما بعده، ومثله قول حبيب: لو خرّ سيف من العيوق منصلتا ... ما كان إلا على هاماتهم يقع هذا لا يجوز ظاهره في شيء من المدح، وإنما يجوز في الذم والنحس؛ لو وصفت رجلا بأنه أنحس الخلق، لم تصفه بأكثر من هذا، وليس للشجاعة فيه وجه؛ لأن قولهم «لو خر سيف من السماء لم يقع إلا على رأسه» . أن تقول: هذا رأس كلّ نحس. قولهم في رقة التشبيب ومن الشعر المطبوع الذي يجري مع النفس رقة ويؤدي عن الضمير إبانة، مثل قول العباس بن الأحنف: وليلة ما مثلها ليلة ... صاحبها بالسّعد مفجوع ليلة جئناها على موعد ... نسري وداعي الشّوق متبوع لمّا خبت نيرانها وانكفا السّ ... امر عنها وهو مصروع «٢» قامت تثنّى وهي مرعوبة ... تودّ أنّ الشّمل مجموع حتى إذا ما حاولت خطوة ... والصّدر بالأرداف مدفوع «٣» بكى وشاحاها على متنها ... وإنما أبكاهما الجوع «٤» فانتبه الهادون من أهلها ... وصار للموعد مرجوع

стр. 2054

يا ذا الذي نمّ علينا لقد ... قلت ومنك القول مسموع لا تشغليني أبدا بعدها ... إلا ونمّامك منزوع ما بال خلخالك ذا خرسة ... لسان خلخالك مقطوع عاذلتي في حبّها أقصري ... هذا لعمري عنك موضوع وفي معناه لبشار بن برد: سيّدي لا تأت في قمر ... لحديث وارقب الدّرعا «١» وتوقّ الطّيب ليلتنا ... إنه واش إذا سطعا وله أيضا: يقولان لو عزّيت قلبك لارعوى ... فقلت وهل للعاشقين قلوب «٢» كثير وشعر لجميل: الأصمعي قال: سمع كثير عزة منشدا ينشد شعر جميل بن معمر الذي يقول فيه: ما أنت والوعد الذي تعدينني ... إلا كبرق سحابة لم تمطر تقضى الدّيون ولست تقضى عاجلا ... هذا الغريم ولست فيه بمعسر يا ليتني ألقي المنيّة بغتة ... إن كان يوم لقائكم لم يقدر يهواك ما عشت الفؤاد وإن أمت ... يتبع صداي صداك بين الأقبر «٣» فقال كثيّر: هذا والله الشعر المطبوع؛ ما قال أحد مثل قول جميل، وما كنت إلا راوية لجميل، ولقد أبقى للشعراء مثالا تحتذي عليه. الفرزدق وشعر لابن أبي ربيعة: وسمع الفرزدق رجلا ينشد شعر عمر بن أبي ربيعة الذي يقول فيه:

стр. 2055

فقالت وأرخت جانب السّتر إنما ... معي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي فقلت لها مالي لهم من ترقّب ... ولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي حتى انتهى إلى قوله: فلما توافقنا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل فقال الفرزدق: هذا والله الذي أرادت الشعراء أن تقوله فأخطأته وبكت على الطلول. وإنما عارض بهذا الشعر جميلا في شعره الذي يقول فيه: خليليّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي فلم يصنع عمر مع جميل شيئا. لابن عبد ربه: ومن قولنا في رقة التشبيب والشعر المطبوع الذي ليس بدون ما تقدم ذكره: صحا القلب إلّا خطرة تبعث الأسى ... لها زفرة موصولة بحنين بلى ربما حلّت عرى عزماته ... سوالف آرام وأعين عين» لواقط حبات القلوب إذا رنت ... بسحر عيون وانكسار جفون وريط متين الوشى أينع تحته ... ثمار صدور لا ثمار غصون «٢» برود كأنوار الرّبيع لبسنها ... ثياب تصاب لا ثياب مجون فرين أديم الليل عن نور أوجه ... تجنّ بها الألباب أيّ جنون «٣» وجوه جرى فيها النعيم فكلّلت ... بورد خدود يجتنى وعيون سألبس للأيام درعا من العزا ... وإن لم يكن عند اللّقا بحصين فكيف ولي قلب إذا هبّت الصّبا ... أهبّ بشوق في الضّلوع دفين «٤»

стр. 2056

ويهتاج منه كلّ ما كان ساكنا ... دعاء حمام لم تبت بوكون «١» وإنّ ارتياحي من بكاء حمامة ... كذي شجن داويته بشجون كأنّ حمام الأيك حين تجاوبت ... خزين بكى من رحمة لحزين «٢» ومما عارضت به صريع الغواني في قوله: أديرا عليّ الرّاح لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتانلتي ذحلي «٣» فيا حزنى أني أموت صبابة ... ولكن على من لا يحلّ له قتلي فديت التي صدّت وقالت لتربها ... دعيه، الثّريّا منه أقرب من وصلي فقلت على رويّه: أتقتلني ظلما وتجحدني قتلي ... وقد قام من عينيك لي شاهدا عدل أطلاب ذحلي ليس بي غير شادن ... بعينيه سحر فاطلبوا عنده ذحلي «٤» أغار على قلبي فلما أتيته ... أطالبه فيه أغار على عقلي بنفسي التي ضنّت بردّ سلامها ... ولو سألت قتلي وهبت لها قتلي إذا جئتها صدّت حياء بوجهها ... فتهجرني هجرا ألذّ من الوصل وإن حكمت جارت عليّ بحكمها ... ولكن ذاك الجور أشهى من العدل كتمت الهوى جهدي فجدّده الأسى ... بماء البكا هذا يخط وذا يملي وأحببت فيها العذل حبّا لذكرها ... فلا شيء أشهى في فؤادي من العذل «٥» أقول لقلبي كلّما ضامه الأسى ... إذا ما أبيت العزّ فاصبر على الذلّ برأيك لا رأيي تعرّضت للهوى ... وأمرك لا أمري وفعلك لا فعلي وجدت الهوى نصلا من الموت مغمدا ... فجرّدته ثم اتّكأت على النّصل «٦»

стр. 2057

فإن كنت مقتولا على غير ريبة ... فأنت التي عرّضت نفسي للقتل فمن نظر إلى سهولة هذا الشعر، مع بديع معناه ورقة طبعه، لم يفضل شعر صريع الغواني عنده إلا بفضل التقدم، ولا سيما إذا قرن قوله في هذا الشعر. كتمت الذي ألقى من الحبّ عذلي ... فلم يدر ما بي فاسترحت من العذل بقولي في هذا الشعر: أحببت فيها العذل حبّا لذكرها ... فلا شيء أشهى في فؤادي من العذل ومن قولنا في رقة التشبيب وحسن التشبيه: كم سوسن لطف الحياء بلونه ... فأصاره وردا على وجناته ومثله: يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا ... ورشا بتقطيع القلوب رفيقا «١» ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... درّا يعود من الحياء عقيقا ونظير هذا من قولنا في رقة التشبيب وحسن التشبيه والبديع الذي لا نظير له، والغريب الذي لم يسبق إليه: حوارء داعبها الهوى في حور ... حكمت لواحظها على المقدور «٢» نظرت إليّ بمقلة أدمانة ... وتلفّتت بسوالف اليعفور «٣» فكأنما غاض الأسى بجفونها ... حتى أتاك بلؤلؤ منثور ونظير هذا من قولنا: أدعو إليك فلا دعاء يسمع ... يا من يضرّ بناظريه وينفع للورد حين ليس يطلع دونه ... والورد عندك كلّ حين يطلع

стр. 2058

لم تنصدع كبدي عليك لضعفها ... لكنها ذابت فما تتصدّع من لي بأجرد ما يبين لسانه ... خجلا وسيف جفونه ما يقطع «١» منع الكلام سوى إشارة مقلة ... فبها يكلّمني وعنها يسمع ومثله: جمال يفوت الوهم في غاية الفكر ... وطرف إذا مافاه ينطق بالسّحر ووجه أعار البدر حلّة حاسد ... فمنه الذي يسود في صفحة البدر وقال بشار بن برد: ويح قلبي ما به من حبّها ... ضاق من كتمانه حتى علن لا تلم فيها وحسّن حبّها ... كل ما مرّت به العين حسن وله: كأنها روضة منوّرة ... تنفّست في أواخر السّحر ولبشار، وهو أشعر بيت قاله المولّدون في الغزل: أنا والله أشتهي سحر عيني ... ك وأخشى مصارع العشاق وله: حوراء إن نظرت إلي ... ك سقتك بالعينين خمرا وكأنها برد الشرا ... ب صفا ووافق منك فطرا. ولأبي نواس: وذات خدّ مورّد ... قوهيّة المتجرّد «٢» تأمّل العين من ... ها محاسنا ليس تنفد فبعضه في انتهاء ... وبعضه يتولّد

стр. 2059

وكلما عدت فيه ... يكون في العود أحمد وله أيضا: ضعيفة كرّ الطّرف تحسب أنها ... قريبة عهد في الإفاقة من سقم قولهم في النحول قال عمر بن أبي ربيعة القرشي يصف نحول جسمه وشحوب لونه في شعره الذي يقول فيه: رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشيّ فيخصر «١» أخا سفر جوّاب أرض تقاذفت ... به فلوات فهو أشعث أغبر «٢» قليلا على ظهر المطيّة شخصه ... خلا ما نفى عنه الرداء المحبّر «٣» وفي هذا الشعر يقول: فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبّت بالعشاء وأنؤر وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروّح رعيان ونوّم سمّر «٤» وخفّض عني الصّوت أقبلت مشية ال ... حباب وركني خيفة القوم أزور «٥» فحيّيت إذ فاجأتها فتلهّفت ... وكادت بمكتوم التحيّة تجهر وقالت وعضّت بالبنان: فضحتني ... وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر أريتك إذ هنّا عليك ألم تخف ... رقيبا وحولي من عدوّك حضّر فوالله ما أدري أتعجيل حاجة ... سرت بك أم قد نام من كنت تحذر فقلت لهابل قادني الشوق والهوى ... إليك وما عين من الناس تنظر

стр. 2060

فيا لك من ليل تقاصر طوله ... وما كان ليلي قبل ذلك يقصر ويا لك من ملهى هناك ومجلس ... لنا لم يكدّره علينا مكدّر يمجّ ذكيّ المسك منها مفلّج ... رقيق الحواشي ذو غروب مؤشّر «١» وترنو بعينيها إليّ كما رنا ... إلى ربرب وسط الخميلة جؤذر «٢» بروق إذا تفترّ عنه كأنه ... حصى برد أو أقحوان منوّر فلما تقضي الليل إلا أقلّه ... وكادت توالي نجمه تتغوّر أشارت بأنّ الحيّ قد حان منهم ... هبوب ولكن موعد لك غزور «٣» فما راعني إلا مناد برحلة ... وقد لاح مفتوق من الصّبح أشقر «٤» فلما رأت من قد تنوّر منهم ... وأيقاظهم قالت أشر كيف تأمر فقلت: أباديهم فإمّا أفوتهم ... وإمّا ينال السيف ثأرا فيثأر فقالت: أتحقيقا لما قال كاشح ... علينا وتصديقا لما كان يؤثر فإن كان ما لا بدّ منه فغيره ... من الأمر أدنى للخفاء وأستر أقصّ على أختيّ بدء حديثنا ... ومالي من أن يعلما متأخّر لعلّهما أن يبغيا لك مخرجا ... وأن يرحبا صدرا بما كنت أحصر فقالت لأختيها أعينا على فتى ... أتى زائرا والأمر للأمر يقدر فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا ... أقلّي عليك اللوم فالخطب أيسر يقوم فيمشي بيننا متنكّرا ... فلا سرّنا يفشو ولا هو يبصر فكان مجنّي دون ما كنت أتقي ... ثلاث شخوص: كاعبان ومعصر «٥» فلما أجزنا ساحة الحيّ قلن لي ... ألم تتّق الأعداء والليل مقمر وقلن أهذا دأبك الدهر سادرا ... أما تستحي أم ترعوي أم تفكّر

стр. 2061

ويروى أن يزيد بن معاوية لما أراد توجيه مسلم بن عقبة إلى المدينة، اعترض الناس، فمرّ به رجل من أهل الشام معه ترس قبيح، فقال: يا أخا أهل الشام، مجنّ ابن أبي ربيعة كان أحسن من مجنّك هذا! يريد قول عمر ابن أبي ربيعة: فكان مجنّي دون ما كنت أتّقي ... ثلاث شخوص: كاعبان ومعصر وقال أعرابيّ في النحول: ولو أنّ ما أبقيت مني معلّق ... بعود ثمام ما تأوّد عودها «١» وقال آخر: إن تسألوني عن تباريح الهوى ... فأنا الهوى وأبو الهوى وأخوه «٢» فانظر إلى رجل أضرّ به الأسى ... لولا تقلّب طرفه دفنوه وقال مجنون بني عامر في النحول: ألا إنما غادرت يا أمّ مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب وللحسن بن هانيء: كما لا ينقضي الأرب ... كذا لا يفتر الطلب «٣» ولم يبق الهوى إلا ... أقلّي وهو محتسب سوى أني إلى الحيوا ... ن بالحركات أنتسب وقال آخر وهو خالد الكاتب: هذا محبّك نضو لا حراك به ... لم يبق من جسمه إلا توهّمه «٤» ومن قولنا في هذا المعنى: سبيل الحبّ أوّله اغترار ... وآخره هموم وادّكار «٥»

стр. 2062

وتلقى العاشقين لهم جسوم ... براها الشوق لو نفخوا لطاروا ومثله من قولنا: لم يبق من جثمانه ... إلا حشاشة مبتئس قد رق حتى ما يرى ... بل ذاب حتى ما يحس وقال الحسن بن هانيء في هذا المعنى، فأربى على الأوّلين والآخرين: يا من تموت عمدا ... فكان للعين أملى وفي الشّعوثة أربى ... فكان أشهى وأحلى أردت أن تزدريك ... العيون هيهات كلّا يا عاقد القلب مني ... هلّا تذكّرت خلّا تركت مني قليلا ... من القليل أقلّا يكاد لا يتجزّا ... أقلّ في اللفظ من لا ولأبي العتاهية: تلاعبت بي يا عتب ثم حملتني ... على مركب بين المنية والسّقم ألا في سبيل الله جسمي وقوّتي ... ألا مسعد حتى أنوح على جسمي وله: لم تبق مني إلا القليل وما ... أحسبها تترك الذي بقيا قولهم في التوديع ابن حميد وجارية له: قال سعيد بن حميد الكاتب وكان على الخراج بالرقة: ودعت جارية لي تسمى شفيعا وأنا أضحك وهي تبكي، وأقول لها: إنما هي أيام قلائل! قالت: إن كنت تقدر أن تخلف مثل شفيع فنعم! فلما طال بي السفر واتصلت بي الأيام كتبت إليها كتابا، وفي أسفله: ودّعتها والدّمع يقطر بيننا ... وكذاك كلّ ملذّع بفراق

стр. 2063

شغلت بتفييض الدّموع شمالها ... ويمينها مشغولة بعناق قال: فكتبت إليّ في طومار «١» كبير ليس فيه إلا: بسم الله الرحمن الرحيم، [في أوّله] وفي آخره: يا كذاب، وسائر الكتاب أبيض، قال: فوجهت الكتاب إلى ذي الرياستين الفضل بن سهل. وكتبت إليها كتابا على نحو ما كتبت، ليس فيه إلا: بسم الله الرحمن الرحيم، في أوله، وفي آخره أقول: فودّعتها يوم التفرّق ضاحكا ... إليها ولم أعلم بأن لا تلاقيا فلو كنت أدري أنه آخر الّلقا ... بكيت وأبكيت الحبيب المصافيا قال: فكتبت إليّ كتابا آخر ليس فيه إلا: بسم الله الرحمن الرحيم، في أوله، وفي آخره: أعيذك بالله أن يكون ذلك! فوجهته إلى ذي الرياستين الفضل بن سهل فأشخصني «٢» إلى بغداد وصيّرني إلى ديوان الضياع. ابن يحيى وجاريتان: محمد بن يزيد الرّبعي عن الزبير عن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل قال: إنه لما نفاه المتوكل إلى جزيرة أقريطش» فطال مقامه بها، تمتّع بجارية رائعة الجمال بارعة الكمال، فأنسته ما كان فيه من رونق الخلافة وتدبيرها، وكان قبل ذلك متيّما بجارية خلفها بالعراق، فسلا عنها؛ فبينما هو مع الأقريطشيّة في سرور وحبور، يحلف لها أنه لا يفارق البلد ما عاش، إذ قدم عليه كتاب جاريته من العراق وفيه مكتوب: كيف بعدي لا ذقتم النوم أنتم ... خبروني مذ بنت عنكم وبنتم «٤» بمراض الجفون من خرّد العين ... وورد الخدود بعدي فتنتم «٥»

стр. 2064

يا أخلّاي إنّ قلبي وإن با ... ن، من الشوق عندكم حيث كنتم فإذا ما أبى الإله اجتماعا ... فالمنايا عليّ وحدي وعشتم أخذت هذا المعنى من قول حاتم: إذا ما أتى يوم يفرّق بيننا ... بموت، فكن أنت الذي تتأخّر فلم يباشر لذة بعد كتابها، حتى رضي عنه المتوكل وصرفه إلى أحسن حالاته. المعتز وجارية لابن رجاء: الزبيري قال: حدثني ابن رجاء الكاتب قال: أخذ مني الخليفة المعتز جارية كنت أحبها وتحبني؛ فشربا معا في بعض الليالي، فسكر قبلها، وبقيت وحدها ولم تبرح من المجلس هيبة له، فذكرت ما كنا فيه من أيامنا، فأخذت العود فغنت عليه صوتا حزينا من قلب قريح وهي تقول: لا كان يوم الفراق يوما ... لم يبق للمقلتين نوما شتّت منّي ومنك شملا ... فسرّ قوما وساء قوما يا قوم من لي بوجد قلب ... يسومني في العذاب سوما ما لامني الناس فيه إلا ... بكيت كيما أزاد لوما فلما فرغت من صوتها رفع المعتز رأسه إليها والدموع تجري على خديها كالفرند «١» انقطع سلكه فسألها عن الخبر وحلف لها أن يبلغها أملها، فأعلمته القصة فردها إليّ وأحسن إليها، وألحقني في ندمائه وخاصته. أبو أحمد وجارية له: وكان لأبي أحمد صاحب حرب المعتمد جارية، فكتبت إليه وهو مقيم على العلوي بالبصرة تقول:

стр. 2065

لنا عبرات بعدكم تبعث الأسى ... وأنفاس حزن جمّة وزفير ألا ليت شعري بعدنا هل بكيتم ... فأمّا بكائي بعدكم فكثير قال أبو أحمد: فلم يكن لي همّ غيرها حتى قفلت «١» من غزاتي. مروان وجارية له: وكتب مروان بن محمد وهو منهزم نحو مصر إلى جارية له خلفها بالرّملة: وما زال يدعوني إلى الصّدّ ما أرى ... فأنأى ويثنيني الذي لك في صدري «٢» وكان عزيزا أنّ بيني وبينها ... حجابا فقد أمسيت منك على عشر وأنكاهما والله للقلب فاعلمي ... إذا ازددت مثليها فصرت على شهر وأعظم من هذين والله أنّني ... أخاف بأن لا نلتقي آخر الدّهر سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة ... ولا طالبا بالصّبر عاقبة الصّبر ابن بكار ورجل بالثغر: الزبير بن بكار قال: رأيت رجلا بالثغر «٣» وعليه ذلة واستكانة وخضوع، وكان يكثر التنفس، ويخفي الشكوى، وحركات الحب لا تخفى؛ فسألته وقد خلوت به فقال وقد تحدّر دمعه: أنا في أمري رشاد ... بين غزو وجهاد بدني يغزو الأعادي ... والهوى يغزو فؤادي يا عليما بالعباد ... ردّ إلفي ورقادي «٤» وقال أعرابيّ يصف البين: أدمت أناملها عضّا على البين ... لمّا انثنت فرأتني دامع العين

стр. 2066

وودّعتني إيماء وما نطقت ... إلا بسبّابة منها وعينين وجدي كوجدك بل أضعافه فإذا ... عنّي تواريت قاب الرّمح واحيني «١» وإن سمعت بموتي فاطلبي بدمي ... هواك والبين واستعدي على البين وقال آخر: مالت تودّعني والدّمع يغلبها ... كما يميل نسيم الرّيح بالغصن ثمّ استمرّت وقالت وهي باكية ... يا ليت معرفتي إيّاك لم تكن وقال آخر: أنين فاقد إلف أنّ في الغلس ... حتى تضايق منه مخرج النّفس فكلّما أنّ من شوق أجال يدا ... على فؤاد له بالبين مختلس وقال آخر: أمبتكر للبين أم أنت رائح ... وقلبك ملهوف ودمعك سافح الآن تبكي والنّوى مطمئنة ... فكيف إذا بارحت من لا تبارح فإنك لم تبرح ولا شطّت النوى ... ولكنّ صبري عن فؤادي نازح «٢» وقال آخر: إذا انفتحت قيود البين عنّي ... وقيل أتيح للنّائي سراح أبت حلقاته إلّا انقفالا ... ويأتي الله والقدر المتاح ومن لي بالبقاء وكلّ يوم ... لسهم البين في كبدي جراح وقال محمد بن أبي أمية الكاتب: يا غريبا يبكي لكلّ غريب ... لم يذق قبلها فراق حبيب عزّه البين فاستراح إلى الدّم ... ع وفي الدمع راحة للقلوب ختلته حوادث الدهر حتى ... أقصدته منها بسهم مصيب «٣»

стр. 2067

أيّ يوم أراك فيه كما كن ... ت قريبا فأشتكي من قريب وقال أبو الطيامير: أقول له يوم ودّعته ... وكلّ بعبرته مبلس «١» لئن رجعت عنك أجسامنا ... لقد سافرت معك الأنفس وقال أبو العتاهية: أبيت مسهّدا قلقا وسادي ... أروّح بالدموع عن الفؤاد فراقك كان آخر عهد نومي ... وأوّل عهد عيني بالسّهاد فلم أر مثل ما سلبته نفسي ... وما رجعت به من سوء زاد وقال محمد بن يزيد التّستري: رفعت جانبا إليك من الكلّ ... ة قابلته طرفا كحيلا «٢» نظرت نظرة الصّبابة لا تم ... لك للبين دمعها أن يجولا ثم ولّت وقد تغير ذاك الصّ ... بح من خدّها فعاد أصيلا وقال يزيد بن عثمان: دمعة كالّلؤلؤ الرّط ... ب على الخدّ الأسيل «٣» وجفون تنفث السّح ... ر من الطّرف الكحيل إنما يفتضح العا ... شق في يوم الرحيل وقال علي بن الجهم: يا وحشتا للغريب في البلد الن ... ازح ماذا بنفسه صنعا فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده وما انتفعا يقول في نأيه وغربته ... عدل من الله كلّ ما صنعا

стр. 2068

وقال آخر: بانوا وأضحى الجسم من بعدهم ... ما تبصر العين له فيّا «١» يا أسفي منهم ومن قولهم ... ما ضرّك الفقد لنا شيّا بأيّ وجه أتلقّاهم ... إن وجدوني بعدهم حيّا وقال آخر: اترحل عن حبيبك ثم تبكي ... عليه، فمن دعاك إلى الفراق؟ وقال هدبة العذري: ألا ليت الرياح مسخّرات ... بحاجتنا تباكر أو تئوب فتخبرنا الشّمال إذا أتتنا ... وتخبر أهلنا عنّا الجنوب «٢» عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب «٣» فيأمن خائف ويفكّ عان ... ويأتي أهله النّائي الغريب وقال آخر: لا بارك الله في الفراق ولا ... بارك في الهجر ما أمرّهما لو ذبح الهجر والفراق كما ... يذبح ظبي لما رحمتهما شربت كأس الفراق مترعة ... فطار عن مقلتيّ نومهما «٤» يا سيّدي والذي أؤمّله ... ناشدتك الله أن تذوقهما وقال حبيب الطائي: الموت عندي والفرا ... ق كلاهما ما لا يطاق يتعاونان على النفو ... س فذا الحمام وذا السّياق «٥»

стр. 2069

لو لم يكن هذا كذا ... ما قيل موت أو فراق وقال آخر: شتان ما قبلة التّلاق ... وقبلة ساعة الفراق هذي حياة وتلك موت ... بينهما راحة العناق وقال سعيد بن حميد: موقف البين مأتم العاشقينا ... لا ترى العين فيه إلّا حزينا إنّ في البين فرحتين: فأمّا ... فرحتي بالوداع للظّاعنينا ... فاعتناق لمن أحبّ وتقبيل ... ولمس بحضرة الكاشحينا «١» ثم لي فرحة إذا قدم النّا ... س لتسليمهم على القادمينا! وقال أعرابي: ليل الشّجيّ على الخليّ قصير ... وبلا المحبّ على المحبّ يسير بان الذين أحبّهم فتحمّلوا ... وفراق من تهوى عليك عسير فلأبعثنّ نياحة لفراقهم ... فيها تلطّم أوجه وصدور ولألبسنّ مدارعا مسودة ... لبس الثّواكل إذ دهاك مسير «٢» ولأذكرنّك بعد موتي خاليا ... في القبر عند منكر ونكير «٣» ولأطلبنّك في القيامة جاهدا ... بين الخلائق والعباد نشور «٤» فبجنّة إن صرت صرت بجنة ... ولئن حواك سعيرها فسعير والمستهام بكلّ ذاك جدير ... والذّنب يغفر والإله شكور ومن قولنا في البين:

стр. 2070

هيّج البين دواعي سقمي ... كسا جسمي ثوب الألم أيها البين أقلني مرة ... فإذا عدت فقد حلّ دمي «١» يا خليّ الرّوع نم في غبطة ... إنّ من فارقته لم ينم! ولقد هاج لقلبي سقما ... ذكر من لو شاء داوى سقمي ومن قولنا في المعنى: ودّعتني بزفرة واعتناق ... ثم نادت: متى يكون التلاق؟ وتصدّت فأشرق الصّبح منها ... بين تلك الجيوب والأطواق «٢» يا سقيم الجفون من غير سقم ... بين عينيك مصرع العشّاق إنّ يوم الفراق أفظع يوم ... ليتني متّ قبل يوم الفراق ومن قولنا فيه: فررت من الّلقاء إلى الفراق ... فحسبي ما لقيت وما ألاقي سقاني البين كأس الموت صرفا ... وما ظني أموت بكفّ ساقي فيا برد اللقاء إلى فؤادي ... أجرني اليوم من حرّ الفراق وقال مجنون بني عامر. وإني لمفن دمع عيني من البكا ... حذارا لأمر لم يكن وهو كائن وقالوا: غدا او بعد ذاك بليلة ... فراق حبيب لم يبن وهو بائن وما كنت أخشى أن تكون منيّتي ... بكفّيّ إلّا أنّ ما حان حائن وقال أبو هشام الباهلي خليلي غدا لا شكّ فيه مودّع ... فوالله ما أدري غدا كيف أصنع فواحزنا إن لم أودّعه غدوة ... ويا أسفا إن كنت فيمن يودّع «٣»
следующие страницы →