← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبّوا أيها القوم، عليكم بالنار. فاجتمعوا والتفع في ثوبه ناحية ينظر إلينا، فلا والله إن ذاق منه مزعة وإنه لأحوج إليه منّا؛ فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلّا عظم وحافر. فأنشأ حاتم يقول: مهلا نوار أقلّي الّلوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي الأنس والخبلا «١» يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إنّ الجواد يرى في ماله سبلا ورئي حاتم يوما يضرب ولده لما رآه يضرب كلبة كانت تدلّ عليه أضيافه وهو يقول: أقول لابني وقد سطت يديه ... بكلبة لا يزال يجلدها «٢» أوصيك خيرا بها فإن لها ... عندي يدا لا أزال أحمدها تدل ضيفي عليّ في غلس اللي ... ل إذا النار نام موقدها ذكرت طيء عند عديّ بن حاتم أن رجلا يعرف بأبي الخيبريّ مر بقبر حاتم فنزل به وجعل ينادي: أبا عدي: أقر أضيافك. قال: فيقال له: مهلا ما تكلم من رمّة بالية؟ فقال: إن طيئا يزعمون أنه لم ينزل به أحد إلا قراه، كالمستهزيء فلما كان في السحر وثب أبو خيبري يصيح: واراحلتاه: فقال له أصحابه: ما شأنك؟ قال: خرج والله حاتم بالسيف حتى عقر ناقتي وأنا أنظر إليها. فتأملوا راحلته فإذا هي لا تنبعث. فقالوا: قد والله أقراك. فنحروها وظلوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه وانطلقوا، فبينما هم في مسيرهم إذ طلع عليهم عديّ ابن حاتم ومعه جمل قد قرنه ببعيره، فقال إن حاتما جاء في النوم فذكر لي قولك وأنه أقراك وأصحابك راحلتك، وقال أبياتا ردّدها عليّ حتى حفظتها، وهي: أبا الخيبريّ وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتّامها فماذا أردت إلى رمّة ... بداوية صخب هامها «٣»

стр. 247

أتبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وأنعامها وإنّا لنطعم أضيافنا ... من الكوم بالسيف نعتامها «١» وأمرني بدفع راحلة عوض راحلتك، فخذها؛ فأخذها. ولحاتم بن عبد الله أيضا: أماويّ قد طال التجنّب والهجر ... وقد عذرتنا في طلابكم العذر أماويّ إنّ المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذّكر أماويّ إمّا مانع فمبيّن ... وإما عطاء لا ينهنهه الزّجر أماويّ إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما حلّ في مالي النّزر «٢» أماويّ ما يغنى الثّراء عن الفتى ... اذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر أماويّ إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لديّ ولا خمر تري أنّ ما أنفقت لم يك ضرّني ... وأنّ يدي مما بخلت به صفر إذا أنا دلاني الذين يلونني ... بمظلمة زلج جوانبها غبر «٣» وراحوا سراعا ينفضون أكفّهم ... يقولون قد أدمى أضافرنا الحفر أماويّ إنّ المال مال بذلته ... فأوّله شكر وآخره ذكر وقد يعلم الأقوام لو أنّ حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر فإنّي وجدّي ربّ واحد أمّه ... أجرت فلا قتل عليه ولا أسر ولا أظلم ابن العمّ إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى بإخوته الدّهر غنينا زمانا بالتّصعلك والغنى ... وكلّا سقاناه بكاسيهما الدهر فما زادنا بأوا على ذي قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحلامنا الفقر «٤» وأما هرم بن سنان فهو صاحب زهير الذي يقول فيه: متى تلاق على علاته هرما ... تلق السّماحة في خلق وفي خلق

стр. 248

وكان سنان أبو هرم سيد غطفان، وماتت أمه وهي حامل به، وقالت: إذا أنا مت فشقّوا بطني فإن سيد غطفان فيه. فلما ماتت شقوا بطنها فاستخرجوا منها سنانا. وفي بني سنان يقول زهير: قوم أبوهم سنان حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأوّلهم أو مجدهم، قعدوا جنّ إذا فزعوا إنس إذا أمنوا ... مرزّءون بهاليل إذا قصدوا «١» محسّدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ماله حسدوا وقال زهير في هرم بن سنان: وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ نوائله «٢» تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطه الذي أنت سائله أخو ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يتلف المال نائله أخذ الحسن بن هانيء هذا المعنى فقال: فتى لا تغول الخمر شحمة ماله ... ولكن أياد عوّدّ وبوادي وقال زهير في هرم بن سنان وأهل بيته: إليك أعملتها فتلا مرافقها ... شهرين يجهض من أرحامها العلق «٣» حتى دفعن إلى حلو شمائله ... كالغيث ينبث في آثاره الورق من أهل بيت يرى ذو العرش فضلهم ... يبنى لهم في جنان الخلد مرتفق المطعمون إذا ما أزمة أزمت ... والطّيّبون ثيابا كلّما عرقوا كأنّ آخرهم في الجود أوّلهم ... إنّ الشّمائل والأخلاق تتّفق إن قامروا قمروا أو فاخروا فخروا ... أو ناضلوا نضلوا أو سابقوا سبقوا «٤»

стр. 249

تنافس الأرض موتاهم إذا دفنوا ... كما تنوفس عند الباعة الورق «١» وقال فيهم أيضا: وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل على مكثريهم حقّ من يعتفيهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل فما كان من خير أتوه فإنّما ... توارثه آباء أبائهم قبل وهل ينبت الخطّيّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلّا في منابتها النخل «٢» وأما كعب بن مامة الإياديّ فلم يأت عنه إلا ما ذكر من إيثاره رفيقه النّمريّ بالماء حتى مات عطشا ونجا النّمريّ، وهذا أكثر من كل ما أثنى لغيره. وله يقول حبيب: يجود بالنّفس إن ضنّ البخيل بها ... والجود بالنّفس أقصى غاية الجود وله ولحاتم الطائي يقول: كعب وحاتم اللذان تقسّما ... خطط العلا من طارف وتليد هذا الذي خلف السحاب ومات ذا ... في الجدّ ميتة خضرم صنديد «٣» إلّا يكن فيها الشّهيد فقومه ... لا يسمحون به بألف شهيد أجواد أهل الإسلام وأما أجواد أهل الإسلام فأحد عشر رجلا في عصر واحد، لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم. فأجواد الحجاز ثلاثة في عصر واحد: عبيد الله بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص. وأجواد البصرة خمسة في عصر واحد وهم: عبد الله بن عامر بن كريز، وعبيد الله

стр. 250

ابن أبي بكرة مولى رسول الله ﷺ ، ومسلم بن زياد، وعبيد الله بن معمر القرشي ثم التيمي. وطلحة الطلحات، وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وله يقول الشاعر يرثيه، ومات بسجستان وهو وال عليها. نضّر الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطّلحات وأجواد أهل الكوفة ثلاثة في عصر واحد، وهم: عتّاب بن ورقاء الرّياحي وأسماء ابن خارجة الفزاريّ. وعكرمة بن ربعي الفيّاض. فمن جود عبيد الله بن عباس أنه أول من فطّر جيرانه. وأول من وضع الموائد على الطرق، وأول من حيّا على طعامه، وأول من أنهبه، وفيه يقول شاعر المدينة: وفي السّنة الشهباء أطعمت حامضا ... وحلوا ولحما تامكا وممزّعا «١» وأنت ربيع لليتامى وعصمة ... إذا المحل من جوّ السّماء تطلّعا أبوك أبو الفضل الذي كان رحمة ... وغوثا ونورا للخلائق أجمعا ومن جوده أنه أتاه رجل وهو بفناء داره فقام بين يديه فقال: يا بن عباس إن لي عندك يدا وقد احتجت إليها. فصعّد فيه بصره وصوبّه «٢» ، فلم يعرفه، ثم قال له: ما يدك عندنا؟ قال: رأيتك واقفا بزمزم وغلامك يمتج «٣» لك من مائها والشمس قد صهرتك، فظلّلتك بطرف كسائي حتى شربت. قال: إني لأذكر ذلك وإنه يتردّد بين خاطري وفكري. ثم قال لقيّمه: ما عندك؟ قال: مائتا دينار وعشرة آلاف درهم. قال: ادفعها إليه وما أراها تفي بحق يده عندنا. فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيه ما كفاه، فكيف وقد ولد سيد الأولين والآخرين محمدا ﷺ ، ثم شفع بك وبأبيك.

стр. 251

ومن جوده أيضا: أنّ معاوية حبس عن الحسين بن عليّ صلاته حتى ضاقت عليه حاله، فقيل [له] : لو وجّهت إلى ابن عمك عبيد الله، فإنه قد قدم بنحو من ألف ألف درهم. فقال الحسين: وأين تقع ألف ألف من عبيد الله؟ فو الله لهو أجود من الريح إذا عصفت، وأسخى من البحر إذا زخر. ثم وجه إليه مع رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم. فلما قرأ عبيد الله كتابه، وكان من أرقّ الناس قلبا وألينهم عطفا. انهملت عيناه ثم قال: ويلك يا معاوية مما اجترحت يداك «١» من الإثم حين أصبحت ليّن المهاد رفيع العماد، والحسين يشكو ضيق الحال وكثرة العيال. ثم قال لقهرمانه: احمل إلى الحسين نصف ما أملكه من فضّة وذهب وثوب ودابة، وأخبره أني شاطرته مالي، فإن أقنعه ذلك وإلا فارجع واحمل إليه الشطر الآخر. فقال له القيم: فهذه المؤن التي عليك من أين تقوم بها؟ قال: إذا بلغنا ذلك دللتك على أمر يقيم حالك! فلما أتى الرسول برسالته إلى الحسين قال: إنا لله! حملت «٢» والله على ابن عمي وما حسبته يتسع لنا بهذا كله. فأخذ الشطر من ماله. وهو أول من فعل ذلك في الإسلام. ومن جوده أن معاوية بن أبي سفيان أهدى إليه وهو عنده بالشام من هدايا النّيروز حللا كثيرة ومسكا وآنية من ذهب وفضة، ووجّهها مع حاجبه، فلما وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب وهو ينظر إليها، فقال: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم والله، إنّ في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف ﵉. فضحك عبيد الله وقال: فشأنك بها فهي لك. قال: جعلت فداك، أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيجد عليّ. قال: فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن، فإذا حان خروجنا حملها إليك ليلا. فقال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم، ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه- يعني معاوية- فظنّ عبيد الله أنها مكيدة منه، قال: دع عنك هذا الكلام، فإنا قوم نفي بما وعدنا ولا ننقص ما أكدنا.

стр. 252

ومن جوده أيضا أنه أتاه سائل وهو لا يعرفه فقال له: تصدّق، فإني نبّئت أن عبيد الله بن عباس أعطى سائلا ألف درهم واعتذر إليه! فقال له: وأين أنا من عبيد الله؟ قال أين أنت منه في الحسب أم كثرة المال؟ قال: فيهما. قال: أما الحسب في الرجل فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت، وإذا فعلت كنت حسيبا. فأعطاه ألفي درهم واعتذر له من ضيق الحال: فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله بن عباس فأنت خير منه، وإن كنت هو فأنت اليوم خير منك أمس. فأعطاه ألفا أخرى. فقال السائل: هذه هزة كريم حسيب، والله لقد نقرت «١» حبة قلبي فأفرغتها في قلبك، فما أخطأت إلا باعتراض الشك بين جوانحي. ومن جوده أيضا: أنه جاءه رجل من الأنصار فقال: يا بن عم رسول الله، إنه ولد لي في هذه الليلة مولود، وإني سمّيته باسمك تبرّكا مني به، وإن أمه ماتت. فقال عبيد الله: بارك الله لك في الهبة، وأجزل لك الأجر على المصيبة. ثم دعا بوكيله فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه، وادفع إليه مائتي دينار للنفقة على تربيته. ثم قال للأنصاري. عد إلينا بعد أيام، فإنك جئتنا وفي العيش يبس وفي المال قلّة. قال الأنصاري: لو سبقت حاتما بيوم واحد ما ذكرته العرب أبدا، ولكنه سبقك فصرت له تاليا، وأنا أشهد أنّ عفوك أكثر من مجهوده، وطلّ كرمك أكثر من وابله. جود عبد الله بن جعفر ومن جود عبد الله بن جعفر أن عبد الرحمن بن أبي عمّار دخل على نخّاس يعرض قيانا له؛ فعلق واحدة منهن، فشهر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه، فكان جوابه أن قال: يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار الّلوم أم وقعا

стр. 253

فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر، فلم يكن له هم غيره، فحج فبعث إلى مولى الجارية فاشتراها منه بأربعين ألف درهم، وأمر قيّمة جواريه أن تزيّنها وتحلّيها ففعلت؛ وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: مالي لا أرى ابن أبي عمار زارنا؟ فأخبر الشيخ، فأتاه مسلّما. فلما أراد أن ينهض استجلسه، ثم قال: ما فعل حبّ فلانة؟ قال: في اللحم والدم والمخ والعصب. قال: أتعرفها لو رأيتها؟ قال: لو أدخلت الجنة لم أنكرها. فأمر بها عبد الله أن تخرج إليه، وقال له: إنما اشتريتها لك، وو الله ما دنوت منها، فشأنك بها مباركا لك فيها. فلما ولى قال: يا غلام، احمل معه مائة ألف درهم ينعم بها معها. قال: فبكى عبد الرحمن فرحا وقال: يأهل البيت، لقد خصّكم الله بشرف ما خصّ به أحدا قبلكم من صلب آدم، فتهنئكم هذه النعمة، وبورك لكم فيها. ومن جوده أيضا أنه أعطى امرأة سألته مالا عظيما، فقيل له: إنها لا تعرفك وكان يرضيها اليسير. قال: إن كان يرضيها اليسير فإني لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي. جود سعيد بن العاص ومن جود سعيد بن العاص أنه مرض وهو بالشام، فعاده معاوية ومعه شر حبيل بن السّمط، ومسلم بن عقبة المرّي، ويزيد بن شجرة الرّهاوي. فلما نظر سعيد معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاما لمعاوية، فقال له معاوية: أقسمت عليك أبا عثمان ألا تتحرّك، فقد ضعفت بالعلة. فسقط؛ فتبادر معاوية: نحوه حتى حنا عليه، وأخذ بيده فأقعده على فراشه وقعد معه، وجعل يسائله عن علّته ومنامه وغذائه، ويصف له ما ينبغي أن يتوقّاه، وأطال القعود معه؛ فلما خرج التفت إلى شرحبيل بن السّمط، ويزيد ابن شجرة، فقال: هل رأيتما خللا في مال أبي عثمان؟ فقالا: ما رأينا شيئا ننكره. فقال لمسلم بن عقبة: ما تقول؟ قال: رأيت. قال: وما ذاك؟ قال: رأيت على حشمه ومواليه ثيابا وسخة، ورأيت صحن داره غير مكنوس، ورأيت التجّار يخاصمون

стр. 254

قهرمانه. قال: صدقت، كل ذلك قد رأيته. فوجه إليه مع مسلم بثلاثمائة ألف، فسبق رسول يبشّره بها ويخبره بما كان. فغضب سعيد وقال للرسول: إن صاحبك ظن أنه أحسن فأساء، وتأوّل فأخطأ؛ فأما وسخ ثياب الحشم فمن كثرة حركته اتسخ ثوبه، وأما كنس الدار فليست أخلاقنا أخلاق من جعل داره مرآته وتزيّنه لبسه، ومعروفه عطره، ثم لا يبالي بمن مات هزلا من ذي لحمة أو حرمة. وأما منازعة التجار قهرماني فمن كثرة حوائجه وبيعه وشرائه؛ لم يجد بدّا من أن يكون ظالما أو مظلوما. وأما المال الذي أمر به أمير المؤمنين فوصلته كل ذي رحم قاطعة وهنأته كرامته المنعم بها عليه، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمائة ألف، ولشر حبيل بن السّمط بمثلها، وليزيد بن شجرة بمثلها، وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معوّلنا. فركب مسلم بن عقبة إلى معاوية فأعلمه، فقال: صدق ابن عمي فيما قال، وأحطأت فيما انتهيت إليه، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك، فإنه من جنى جناية عوقب بمثلها، كما أنه من فعل خيرا كوفيء عليه. ومن جوده أيضا أن معاوية كان يداول بينه وبين مروان بن الحكم في ولاية المدينة، فكان مروان يقارضه «١» ، فلما دخل على معاوية قال له: كيف تركت أبا عبد الملك؟ يعني مروان. قال: تركته منفّذا لأمرك، مصلحا لعملك. قال معاوية: إنه كصاحب الخبزة: كفي إنضاجها فأكلها! قال: كلا يا أمير المؤمنين؛ إنه من قوم لا يأكلون إلا ما حصدوا، ولا يحصدون إلا ما زرعوا. قال: فما الذي باعد بينك وبينه؟ قال خفته على شرفي وخافني على مثله. قال: فأي شيء كان له عندك؟ قال: أسوؤه حاضرا وأسرّه غائبا. قال: يا أبا عثمان، تركتنا في هذه الحروب. قال: حملت الثقل وكفيت الحزم. قال: فما أبطأ بك؟ قال غناؤك عني أبطأني عنك، وكنت قريبا لو دعوت لأجبناك، ولو أمرت لأطعناك. قال: ذلك ظنّنا بك. فأقبل معاوية على أهل الشام فقال يأهل الشام، هؤلاء قومي وهذا كلامهم. ثم قال: أخبرني عن مالك،

стр. 255

فقد نبّئت أنك تتحرّى فيه. قال: يا أمير المؤمنين، لنا مال يخرج لنا منه فضل، فإذا كان ما خرج قليلا أنفقناه على قلّته، وإن كان كثيرا فكذلك، غير أنا لا ندّخر منه شيئا عن معسر ولا طالب ولا مستحمل، ولا نستأثر منه بفلذة لحم ولا مزعة «١» شحم. قال: فكم يدوم لك هذا؟ قال: من السّنة نصفها. قال: فما تصنع في باقيها؟ قال: نجد من يسلفنا ويسارع إلى معاملتنا. قال: ما أحد أحوج إلى أن يصلح من شأنه منك. قال: إن شأننا لصالح يا أمير المؤمنين، ولو زدت في مالي مثله ما كنت إلا بمثل هذه الحال. فأمر له معاوية بخمسين ألف درهم، وقال: اشتر بها ضيعة تعينك على مروأتك. فقال سعيد: بل أشترى بها حمدا وذكرا باقيا. أطعم بها الجائع، وأزوج بها الأيّم، وأفكّ بها العاني «٢» ، وأواسي بها الصديق، ما وأصلح بها حال الجار فلم تأت عليه ثلاثة أشهر وعنده منها درهم. فقال معاوية: ما فضيلة بعد الإيمان بالله هي أرفع في الذكر ولا أنبه في الشرف من الجود، وحسبك أن الله ﵎ جعل الجود أحد صفاته. ومن جوده أيضا ما حكاه الأصمعي، قال: كان سعيد بن العاص يسمر معه سماره إلى أن ينقضي حين من الليل، فانصرف عنه القوم ليلة ورجل قاعد لم يقم، فأمر سعيد بإطفاء الشمعة وقال: حاجتك يافتى؟ فذكر أنّ عليه دينا أربعة آلاف درهم. فأمر له بها، وكان إطفاؤه للشمعة أكثر من عطائه. جود عبيد الله بن أبي بكرة ومن جود عبيد الله بن أبي بكرة أنه أدلى إليه رجل بحرمة، فأمر له بمائة ألف درهم، فقال: أصلحك الله، ما وصلني أحد بمثلها قط، ولقد قطعت لساني عن شكر غيرك، وما رأيت الدنيا في يد أحد أحسن منها في يدك، ولولا أنت لم تبق لها بهجة إلا أظلمت، ولا نور إلا انطمس.

стр. 256

جود عبد الله بن معمر القرشي التيمي ومن جود عبيد الله بن معمر القرشي، أن رجلا أتاه من أهل البصرة كانت له جارية نفيسة قد أدّبها بأنواع الأدب حتى برعت وفاقت في جميع ذلك، ثم إنّ الدهر قعد بسيّدها ومال عليه. وقدم عبيد الله بن معمر البصرة من بعض وجوهه، فقالت لسيّدها: إني أريد أن أذكر لك شيئا أستحي منه، إذ فيه جفاء مني، غير أنه يسهّل ذلك عليّ ما أرى من ضيق حالك وقلة مالك وزوال نعمتك، وما أخافه عليك من الاحتياج وضيق الحال، وهذا عبيد الله بن معمر قدم البصرة، وقد علمت شرفه وفضله وسعة كفّه وجود نفسه، فلو أذنت لي فأصلحت من شأني ثم تقدمت بي إليه وعرضتني عليه هدية، رجوت أن يأتيك من مكافأته ما يقيلك الله به وينهضك إن شاء الله. قال: فبكى وجدا عليها وجزعا لفراقها منه، ثم قال لها: لولا أنك نطقت بهذا ما ابتدأتك به أبدا. ثم نهض بها حتى أوقفها بين يدي عبيد الله فقال: أعزك الله، هذه ارية ربّيتها ورضيت بها لك، فاقبلها مني هدية. فقال: مثلي لا يستهدي من مثلك؛ فهل لك في بيعها فأجزل لك الثمن عليها حتى ترضى؟ قال: الذي تراه. قال: يقنعك مني عشر بدر في كل بدرة عشرة آلاف درهم؟ قال: والله يا سيدي ما امتد أملي إلى عشر ما ذكرت، ولكن هذا فضلك المعروف وجودك المشهور. فأمر عبيد الله بإخراج المال حتى صار بين يدي الرجل وقبضه، وقال للجارية: ادخلي الحجاب. فقال سيدها: أعزك الله! لو أذنت لي في وداعها! قال: نعم. فوقفت وقام، وقال لها وعيناه تدمعان: أبوح بحزن من فراقك موجع ... أقاسي به ليلا يطيل تفكّري ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرّقنا شيء سوى الموت فاعذري عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر قال عبيد الله بن معمر: قد شئت ذلك، فخذ جاريتك وبارك الله لك في المال. فذهب بجاريته وماله فعاد غنيّا.

стр. 257

فهؤلاء أجواد الإسلام المشهورون في الجود المنسوبون إليه، وهم أحد عشر رجلا كما ذكرنا وسمّينا، وبعدهم طبقة أخرى من الأجواد، قد شهروا بالجود وعرفوا بالكرم، وحمدت أفعالهم، وسنذكر ما أمكننا ذكره منها إن شاء الله تعالى. الطبقة الثانية من الأجواد فمنهم الحكم بن حنطب قيل لنصيب بن رباح: خرف شعرك أبا محجن! قال لا، ولكن خرف الكرم؛ لقد رأيتني ومدحت الحكم بن حنطب، فأعطاني ألف دينار ومائة ناقة وأربعمائة شاة. وسأل أعرابي الحكم بن حنطب، فأعطاه خمسمائة دينار، فبكى الأعرابي، فقال: ما يبكيك يا أعرابي؟ لعلك استقللت ما أعطيناك! قال: لا والله، ولكني أبكي لما تأكل الأرض منك، ثم أنشأ يقول: وكأنّ آدم حين حان وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحوباء «١» ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... فكفيت آدم علية الأبناء «٢» العتبي قال: أخبرني رجل من أهل منبج، قال: قدم علينا الحكم بن حنطب وهو مملق «٣» فأغنانا! قال له: كيف أغناكم وهو مملق؟ قال: علّمنا المكارم، فعاد غنيّنا على فقيرنا. ومنهم معن بن زائدة وكان يقال فيه: حدّث عن البحر ولا حرج، وحدّث عن معن ولا حرج. وأتاه رجل يسأله أن يحمله، فقال: يا غلام، أعطه فرسا وبرذونا وبغلا وعيرا وبعيرا وجارية. وقال: لو عرفت مركوبا غير هؤلاء لأعطيتك.

стр. 258

العتبي قال: لما قدم معن بن زائدة البصرة واجتمع إليه الناس، أتاه مروان بن أبي حفصة فأخذ بعضادتي «١» الباب، فأنشده شعره الذي قاله فيه: فما أحجم الأعداء عنك بقيّة ... عليك، ولكن لم يروا فيك مطمعا له راحتان الحتف والجود فيهما ... أبى الله إلّا أن يضرّ وينفعها ومنهم يزيد بن المهلب وكان هشام بن حسّان إذا ذكره قال: والله إن كانت السفن لتجري في جوده. وقيل ليزيد بن المهّلب: مالك لا تبني دارا؟ قال: منزلي دار الإمارة أو الحبس. ولما أتى يزيد بن عبد الملك برأس يزيد بن المهلب، نال منه بعض جلسائه فقال له: مه «٢» ! إن يزيد بن المهلّب طلب جسيما وركب عظيما ومات كريما. ودخل الفرزدق على يزيد بن المهلّب في الحبس فأنشده: صحّ في قيدك السماحة والمج ... د وفكّ العناة والإفضال قال: أتمدحني وأنا في هذه الحال؟ قال. أصبتك رخيصا فاشتريتك. فأمر له بعشرة آلاف. وقال سليمان بن عبد الملك لموسى بن نصير: اغرم» ديتك خمسين مرة. قال: ليس عندي ما أغرم. قال: والله لتغرمن ديتك مائة مرة. قال يزيد بن المهلّب: أنا أغرمها عنه يا أمير المؤمنين. قال: اغرم. فغرمها عنه مائة ألف. العتبي قال: أخبرني عوانة قال: استعمل الوليد بن عبد الملك عثمان بن حيّان المرّي على المدينة وأمره بالغلظة على أهل الظّنة؛ فلما استخلف سليمان أخذه بألفي ألف درهم؛ فاجتمعت القيسية في ذلك فتحمّلوا شطرها وضاقوا ذرعا بالشطر الثاني.

стр. 259

ووافق ذلك استعمال سليمان يزيد بن المهلب على العراق. فقال عمر بن هبيرة: عليكم بيزيد بن المهلّب، فما لها أحد غيره! فتحملوا إلى يزيد وفيهم عمر بن هبيرة، والقعقاع بن حبيب، والهذيل بن زفر بن الحارث، وانتهوا إلى رواق يزيد. قال يحيى ابن أقتل- وكان حاجبا ليزيد بن المهلب وكان رجلا من الأزد- فاستأذنت لهم فخرج يزيد إلى الرواق فقرّب ورحّب، ثم دعا بالغداء، فأتوا بطعام ما أنكروا منه أكثر مما عرفوا، فلما تغدّوا تكلم عثمان بن حيّان وكان لسنا مفوّها، وقال: زادك الله في توفيقك أيها الأمير، إن الوليد بن عبد الملك وجهني إلى المدينة عاملا عليها، وأمرني بالغلظة على أهل الظنّة والأخذ عليهم؛ وإن سليمان أغرمني غرما، والله ما يسعه مالي ولا تحمله طاقتي؛ فأتيناك لتحمل من هذا المال ما خفّ عليك، وما بقي والله ثقيل عليّ. ثم تكلم كل منهم بما حضره، وقد اختصرنا كلامهم. فقال يزيد بن المهلب: مرحبا بكم وأهلا، إن خير المال ما قضي فيه الحقوق وحملت به المغارم، وإنما لي من المال ما فضل عن إخواني، وايم الله لو علمت أن أحدا أملأ بحاجتكم مني لهديتكم إليه فاحتكموا وأكثروا. فقال عثمان بن حيان: النصف أصلح الله الأمير. قال: نعم وكرامة، اغدوا علي مالكم فخذوه. فشكروا له وقاموا فخرجوا. فلما صاروا على باب السرادق قال عمر بن هبيرة: قبّح الله رأيكم، والله ما يبالي يزيد أنصفها تحمّل أم كلّها. فمن لكم بالنصف الباقي؟ قال القوم: هذا والله الرأي! وسمع يزيد مناجاتهم، فقال لحاجبه: انظر يا يحيى إن كان بقي على القوم شيء فليرجعوا، فرجعوا إليه وقالوا: أقلنا «١» قال: قد فعلت. قالوا: فإن رأيت أن تحملها كلّها فأنت أهلها، وإن أبيت فما لها أحد غيرك، قال: قد فعلت. وغدا يزيد بن المهلب إلى سليمان فقال: يا أمير المؤمنين، أتاني عثمان بن حيّان وأصحابه. قال: أمسك في المال؟ قال: نعم. قال سليمان: والله لآخذنّه منهم. قال

стр. 260

يزيد: إني قد حملته. قال: فأدّه: قال يزيد والله ما حملته إلا لأؤدّيه ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن هذه الحمالة وإن عظم خطبها، فحمدها والله أعظم منها، ويدي مبسوطة بيدك، فابسطها لسؤالها. ثم غدا يزيد بالمال على الخزّان فدفعه إليهم فدخلوا على سليمان فأخبروه بقبض المال، فقال: وفت يمين سليمان احملوا إلى أبي خالد ماله. فقال عدي بن الرقاع العاملي: ولله عينا من رأى كحمالة ... تحمّلها كبش العراق يزيد الأصمعي قال: قدم على يزيد بن المهلّب قوم من قضاعة من بني ضبّة، فقال رجل منهم: والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الّذي نتطلب؟ ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب فاصبر لعادتنا التي عوّدتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب؟ فأمر له بألف دينار؛ فلما كان في العام المقبل وفد عليه فقال: مالي أرى أبوابهم مهجورة ... وكأنّ بابك مجمع الأسواق أرجوك أم خافوك أم شاموا النّدى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق إنّي رأيتك للمكارم عاشقا ... والمكرمات قليلة العشّاق فأمر له بعشرة آلاف درهم. ومر يزيد بن المهلّب في طريق البصرة بأعرابيّة، فأهدت إليه عنزا، فقبلها وقال لابنه معاوية: ما عندك من نفقة؟ قال: ثمانمائة درهم. قال: ادفعها إليها! قال إنها لا تعرفك ويرضيها اليسير قال: إن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي، وإن كان يرضيها اليسير فأنا لا أرضى إلا بالكثير.

стр. 261

ومنهم يزيد بن حاتم وكتب إليه رجل من العلماء يستوصله، فبعث إليه ثلاثين ألف درهم، وكتب إليه: «أما بعد، فقد بعثت إليك بثلاثين ألفا، لا أكثّرها امتنانا، ولا أقلّلها تجبّرا، ولا أستثيبك عليها ثناء، ولا أقطع لك بها رجاء، والسلام» . وكان ربيعة الرّقي قد قدم مصر فأتى يزيد بن حاتم الوردي فلم يعطه شيئا، فشغل عنه ببعض الأمر، فخرج وهو يقول: أراني ولا كفران لله راجعا ... بخفي حنين من نوال ابن حاتم فسأل عنه يزيد، فأخبر أنه قد خرج وقال كذا، وأنشد البيت؛ فأرسل في طلبه فأتي به، فقال: كيف قلت؟ فأنشده البيت: فقال شغلنا عنك! ثم أمر بخفّيه فخلعتا من رجليه وملئتا مالا، وقال: ارجع بهما بدلا من خفّي حنين! فقال فيه لما عزل عن مصر وولي مكانه يزيد بن حاتم: بكى أهل مصر بالدّموع السّواجم ... غداة غدا منها الأغرّ ابن حاتم وفيها يقول: لشتّان ما بين اليزيدين في النّدى ... يزيد سليم والأغرّ ابن حاتم فهمّ الفتى الأزديّ إتلاف ماله ... وهمّ الفتى القيسيّ جمع الدّراهم فلا يحسب التّمتام أنّي هجوته ... ولكنّني فضّلت أهل المكارم وخرج إليه رجل من الشعراء يمدحه، فلما بلغ مصر وجده قد مات؛ فقال فيه: لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي ... وأخلفني منها الذي كنت آمل فما كلّ ما يخشى الفتى بمصيبه ... ولا كلّ ما يرجو الفتى هو نائل وما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى إلا ليال قلائل

стр. 262

ومنهم أبو دلف واسمه القاسم بن إسماعيل، وفيه يقول عليّ بن جبلة: إنما الدنيا أبو دلف ... بين مبداه ومحتضره «١» فإذا ولّي أبو دلف ... ولّت الدنيا على أثره وقال فيه رجل من شعراء الكوفة: الله أجرى من الأرزاق أكثرها ... على العباد، على كفي أبي دلف بارى الرياح فأعطى وهي جارية ... حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف «٢» ما خطّ «لا» كاتباه في صحيفته ... يوما كما خطّ «لا» في سائر الصحف فأعطاه ثلاثين ألفا. ومدحه آخر فقال فيه: يشبهه الرّعد إذا الرعد رجف ... كأنه البرق إذا البرق خطف كأنه الموت إذا الموت أزف ... تحمله إلى الوغى الخيل القطف «٣» إن سار سار المجد أو حلّ وقف ... انظر بعينيك إلى أسنى الشّرف هل ناله بقدرة أو بكلف ... خلق من الناس سوى أبي دلف فأعطاه خمسين ألفا. ومن أخبار معن بن زائدة شيء عنه: قال شراحيل بن معن بن زائدة: حج هارون الرشيد وزميله أبو يوسف القاضي، وكنت كثيرا ما أسايره، إذ عرض له أعرابيّ من بني أسد فأنشده شعرا مدحه فيه

стр. 263

وأفرط، فقال له هارون: ألم أنهك عن مثل هذا في مدحك يا أخا بني أسد؟ إذا قلت فينا فقل كقول القائل في أب هذا: بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفّان أشبل «١» هم يمنعون الجار حتّى كأنّما ... لجارهم بين السّماكين منزل «٢» بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأوّلهم في الجاهليّة أوّل وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا ومنهم خالد بن عبد الله القسري وهو الذي يقول فيه الشاعر: ... إلى خالد حتى أنخن بخالد ... فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمّل بينا خالد بن عبد الله القسري جالس في مظلة له، إذ نظر إلى أعرابي يخب «٣» به بعيره مقبلا نحوه؛ فقال لحاجبه. إذا قدم فلا تحجبه. فلما قدم أدخله عليه، فسلّم وقال: أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا أناخ دهر ألقى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا «٤» فقال خالد: أرسلوك وانتظروا؟ والله لا تنزل حتى تنصرف إليهم بما يسرّهم. وأمر له بجائزة عظيمة وكسوة شريفة. ومنهم عديّ بن حاتم دخل عليه ابن دارة فقال: إني مدحتك. قال: أمسك حتى آتيك بمالي ثم امدحني على حسبه، فإني أكره ألا أعطيك ثمن ما تقول، لي ألف شاة، وألف درهم، وثلاثة

стр. 264

أعبد، وثلاث إماء، وفرسي هذا حبس في سبيل الله، فامدحني على حسب ما أخبرتك. فقال: تجن قلوصي في معدّ، وإنّما ... تلاقي الرّبيع في ديار بني ثعل وأبقى الليالي من عديّ بن حاتم ... حساما كنصل السيف سلّ من الخلل «١» أبوك جواد لا يشقّ غباره ... وأنت جواد لست تعذر بالعلل فإن تفعلوا شرّا فمثلكم اتّقي ... وإن خيرا فمثلكم فعل قال له عدي: أمسك؛ لا يبلغ مالي أكثر من هذا. أصفاد الملوك على المدح سعيد بن مسلم الباهلي قال: قدم على الرشيد أعرابي من باهلة وعليه جبة حبرة، ورداء يمان قد شدّه على وسطه ثم ثناه على عاتقه، وعمامة قد عصبها على فوديه وأرخى لها عذبة «٢» من خلفه، فمثل بين يدي الرشيد، فقال سعيد: يا أعرابي، خذ في شرف أمير المؤمنين. فاندفع في شعره. فقال الرشيد: يا أعرابي، أسمعك مستحسنا وأنكرك متّهما؛ فقل لنا بيتين في هذين- يعني محمدا الأمين وعبد الله المأمون ابنيه، وهما عن حفافيه، فقال: يا أمير المؤمنين، حملتني على الوعر القردد «٣» ورجعتني عن السّهل الجدد «٤» ، روعة الخلافة، وبهر الدرجة، ونفور القوافي على البديهة؛ فأرودني «٥» تتألف لي نوافر ويسكن روعي. قال: قد فعلت، وجعلت اعتذارك بدلا من امتحانك. قال: يا أمير المؤمنين، نفّست الخناق، وسهلت ميدان السباق؛ فأنشأ يقول:

стр. 265

بنيت لعبد الله ثمّ محمد ... ذرا قبة الإسلام فاخضرّ عودها هما طنباها، بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها «١» فقال الرشيد: وأنت يا أعرابي، بارك الله فيك! فسل ولا تكن مسألتك دون إحسانك. قال الهنيدة «٢» يا أمير المؤمنين. فأمر له بمائة ناقة وسبع خلع. المهدي ومروان ابن أبي حفصة : وقال مروان بن أبي حفصة: دخلت على المهديّ فاستنشدني، فأنشدته الشعر الذي أقول فيه: طرقتك زائرة فحيّ خيالها ... بيضاء تنشر بالخباء دلالها قادت فؤادك فاستقاد ومثلها ... قاد القلوب إلى الصّبا فأمالها حتى انتهيت إلى قولي: شهدت من الأنفال آخر آية «٣» ... بتراثهم فرجوتهم إبطالها هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفّكم أو تسترون هلالها أو تجحدون مقالة عن ربّكم ... جبريل بلّغها النبيّ فقالها قال: وأنشدته أيضا شعري الذي أقول فيه: يا بن الذي ورث النبيّ محمدا ... دون الأقارب من ذوي الأرحام الوحي بين بني البنات وبينكم ... قطع الخصام فلات حين خصام ما للنساء مع الرّجال فريضة ... نزلت بذلك سورة الأنعام أنّى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام

стр. 266

ألغى سهامهم الكتاب فحاولوا ... أن يشرعوا فيها بغير سهام ظفرت بنو ساقي الحجيج بحقّهم ... وغررتم بتوهّم الأحلام قال مروان بن أبي حفصة: فلما أنشدت المهديّ الشعرين قال: وجب حقّك على هؤلاء- وعنده جماعة من أهل بيته- قد أمرت لك بثلاثين ألفا، وفرضت على موسى خمسة آلاف، وعلى هارون مثلها، وعلى عليّ أربعة آلاف، وعلى العبّاس كذا، وعلى فلان كذا فحسبت سبعين ألفا. قال: فأمر بالثلاثين ألفا فأتى بها، ثم قال: اغد على هؤلاء وخذ ما فرضت لك. فأتيت موسى فأمر لي بخمسة آلاف، وأتيت هارون فأمر لي بمثلها، وأتيت عليا، قال: قصّر بي دون إخوتي فلن أقصّر بنفسي. فأمر لي بخمسة آلاف فأخذت من الباقين سبعين ألفا. عبد الملك وأعشى ربيعة : ودخل أعشى ربيعة على عبد الملك بن مروان، وعن يمينه الوليد وعن يساره سليمان؛ فقال له عبد الملك: ماذا بقي يا أبا المغيرة؟ قال: مضى ما مضى وبقي ما بقي. وأنشأ يقول: وما أنا في حقّي ولا في خصومتي ... بمهتضم حقّي ولا قارع سني «١» ولا مسلم مولاي من سوء ما جنى ... ولا خائف مولاي من سوء ما أجني وفضلي في الأقوام والشّعر أنني ... أقول الذي أعني وأعرف ما أعني وأنّ فؤادي بين جنبيّ عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني وإني وإن فضّلت مروان وابنه ... على الناس، قد فضّلت خير أب وابن فضحك عبد الملك وقال للوليد وسليمان: أتلوماني على هذا؟ وأمر له بعشرة آلاف.

стр. 267

عبد الرحمن بن الحكم والفرزدق : العتبي قال: دخل الفرزدق على عبد الرحمن الثقفي بن أم الحكم، فقال له عبد الرحمن: أبا فراس، دعني من شعرك الذي لا يأتي آخره حتى ينسى أوله، وقل فيّ بيتين يعلقان «١» أفواه الرواة، وأعطيكها عطية لم يعطها أحد قبلي فغدا عليه وهو يقول: وأنت ابن بطحاوي قريش فإن تشأ ... فكن من ثقيف سيل ذي حدب غمر «٢» وأنت ابن فرع ماجد لعقيلة ... تلقّت له الشمس المضيئة بالبدر قال: أحسنت، وأمر له بعشرة آلاف. الفضل بن يحيى وفتى من التجار : أبو سويد قال: أخبرني الكوفي قال: اعترض الفضل بن يحيى بن خالد في وقت خروجه إلى خراسان فتى من التجار كان شخص إلى الكوفة فقطع به وأخذ جميع ما كان معه، فأخذ بعنان دابة الفضل وقال: سأرسل بيتا ليس في الشّعر مثله ... يقطّع أعناق البيوت الشّوارد أقام النّدى والبأس في كلّ منزل ... أقام به الفضل بن يحيى بن خالد قال فأمر له بمائة ألف درهم. زبيدة وابن أبي حفصة في أبيات مدح بها الأمين : العتبي: قال أبو الجنوب مروان بن أبي حفصة أبياتا ورفعها إلى زبيدة ابنة جعفر يمتدح ابنها محمدا، وفيها يقول: لله درّك يا عقيلة جعفر ... ماذا ولدت من العلا والسّؤدد «٣»

стр. 268

إنّ الخلافة قد تبيّن نورها ... للناظرين على جبين محمد فأمرت أن يملأ فمه درّا. الحسن بن سهل وعلي بن جبلة : وقال الحسن بن رجاء الكاتب: قدم علينا علي بن جبلة إلى عسكر الحسن بن سهل، والمأمون هناك بانيا على خديجة بنت الحسن بن سهل، والمعروفة ببوران، ونحن إذ ذاك نجري على نيّف وسبعين ألف فلاح. وكان الحسن بن سهل مع المأمون يتصبّح؛ فكان الحسن يجلس للناس إلى وقت انتباهه، فلما قدم علي بن جبلة نزل بي، فقلت له: قد قوي شغل الأمير. قال: إذا لا أضيع معك! قلت: أجل. فدخلت على الحسن بن سهل في وقت ظهوره فأعلمته مكانه؛ فقال: ألا ترى ما نحن فيه؟ قلت: لست بمشغول عن الأمر له. فقال: يعطى عشرة آلاف إلى أن نتفرّغ له. فأعلمت علي بن جبلة؛ فقال في كلمة له: أعطيتني يا وليّ الحقّ مبتدئا ... عطيّة كافأت حمدي ولم ترني ما شمت برقك حتى نلت ريّقه ... كأنّما كنت بالجدوى تبادرني «١» ابن طوق ورجل عرض له : عرض رجل لابن طوق وقد خرج متنزها في الرحبة فناوله رقعة فيها جميع حاجته؛ فأخذها فإذا فيها: جعلتك دنياي فان أنت جدت لي ... بخير وإلا فالسّلام على الدّنيا فقال: والله لأصدقنّ ظنك. فاعطاه حتى أغناه. عبد الله بن طاهر ودعبل بن علي : عرض دعبل بن علي الشاعر لعبد الله بن طاهر الخراساني وهو راكب في حرّاقة له في دجلة، فأشار إليه برقعة، فأمر بأخذها، فإذا فيها:

стр. 269

عجبت لحرّاقة بن الحس ... ين كيف تسير ولا تغرق وبحران من تحتها واحد ... وآخر من فوقها مطبق وأعجب من ذاك عيدانها ... إذا مسّها كيف لا تورق فأمر له بخمسة آلاف درهم وجارية وفرس. وخرج عبد الله بن طاهر فتلقاه دعبل برقعة فيها: طلعت قناتك بالسّعادة فوقها ... معقودة بلواء ملك مقبل «١» تهتزّ فوق طريدتين كأنّما ... تهفو يقصّ لها جناحا أجدل «٢» ربح البخيل على احتيال عرضه ... بندى يديك ووجهك المتهلّل لو كان يعلم أنّ نيلك عاجل ... ما فاض منه جدول في جدول فأمر له بخمسة آلاف. ووقف رجل من الشعراء إلى عبد الله بن طاهر فأنشده: إذا قيل: أيّ فتى تعلمون ... أهشّ إلى البأس والنائل وأضرب للهام يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل؟ أشار إليك جميع الأنام ... إشارة غرقى إلى ساحل فأمر له بخمسة آلاف درهم. أحمد بن مطير قال: أنشدت عبد الله بن طاهر أبياتا كنت مدحت بها بعض الولاة، وهي: له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم فيقطر يوم الجود من كفّه النّدى ... ويقطر يوم البؤس من كفّه الدّم فلو أنّ يوم البؤس لم يثن كفّه ... على الناس لم يصبح على الأرض مجرم ولو أنّ يوم الجود فرّغ كفّه ... لبذل النّدى ما كان بالأرض معدم

стр. 270

فقال لي عبد الله: كم أعطاك؟ قلت: خمسة آلاف. قال: فقبلتها؟ قلت: نعم. قال لي: أخطأت؛ ما ثمن هذه إلا مائة ألف. أبو جعفر وحماد عجرد : ودخل حماد عجرد على أبي جعفر بعد موت أبي العبّاس أخيه فأنشده: أبوك بعد أبي العبّاس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقا وعيدانا لو مجّ عود على قوم عصارته ... لمجّ عودك فينا المسك والبانا «١» فأمر له بخمسة آلاف درهم. سعيد بن خالد وموسى شهوات : القحذمي قال: جاء موسى شهوات إلى سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، فقال: إن هنا جارية تعشّقتها، وأبوا أن ينقصوني عن مائتي دينار. فقال: بورك فيه فذهب إلى سعيد بن خالد بن أسيد، وأمّه عائشة بنت طلحة الطلحات فدعا بمطرف «٢» خزّ فبسطه وعقد في كل ركن من أركانه مائة دينار، وقال لموسى. خذ المطرف بما فيه. فأخذه، ثم غدا عليه فأنشده: أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف، لا أعني ابن بنت سعيد ولكنّني أعني ابن عائشة الذي ... أبو أبويه خالد بن أسيد عميد النّدى ما عاش يرضى به النّدى ... فإن مات لم يرض النّدى بعميد دعوه دعوه إنّكم قد رقدتم ... وما هو عن أحسابكم برقود للزبيري في آل مروان : العتبي قال: سمعت عمي ينشد لأبي العباس الزبيرى: وكلّ خليفة ووليّ عهد ... لكم يا آل مروان الفداء إمارتكم شفاء حيث كانت ... وبعض امارة الأقوام ذاء

стр. 271

فأنتم تحسنون إذا ملكتم ... وبعض القوم إن ملكوا أساءوا أأجعلكم وغيركم سواء ... وبينكم وبينهم الهواء هم أرض لأرجلكم وأنتم ... لأيديهم وأرجلهم سماء فقلت له: كم أعطى عليها؟ قال: عشرين ألفا. أبو مسلم ورؤبة : الأصمعي قال: حدثني رؤبة قال: دخلت على أبي مسلم صاحب الدعوة، فلما أبصرني نادى: يا رؤبة. فأجبته: لبّيك إذ دعوتني لبّيكا ... أحمد ربّا ساقني إليكا الحمد والنّعمة في يديكا قال: بل في يدي الله تعالى. قلت له: وأنت إذا أنعمت أجدت. ثم قلت: يأذن لي أمير المؤمنين في الإنشاد؟ قال: نعم؛ فأنشدته: ما زال يأتي الملك في أقطاره ... وعن يمينه وعن يساره مشمّرا لا يصطلي بناره ... حتى أقرّ الملك في قراره فقال: يا رؤبة، إنك أتيتنا وقد شفّ المال واستنفده الإنفاق، وقد أمرنا لك بجائزة، وهي تافهة يسيرة، ومنك العود وعلينا المعوّل، والدهر أطرق مستتبّ «١» ، فلا تجعل بيننا وبينك الأسدّة «٢» . قال رؤبة: فقلت: الذي أفادني الأمير من كلامه أكثر من الذي أفادني من ماله. ودخل نصيب بن رباح على هشام فأنشده: إذا استبق الناس العلا سبقتهم ... يمينك عفوا ثمّ صلّت شمالكا فقال هشام: بلغت غاية المدح فسلني. فقال: يا أمير المؤمنين، يداك بالعطيّة أطلق

стр. 272

من لساني بالمسألة. قال: لا بد أن تفعل. قال: لي ابنة نفضت عليها من سوادي فكسّدها، فلو أنفقها أمير المؤمنين بشيء يجعله لها. قال: فأقطعها أرضا، وأمر لها بحلي وكسوة. فنفقت السوداء. عبد الله بن جعفر ونصيب : الرياشي عن الأصمعي قال: مدح نصيب بن رباح عبد الله بن جعفر فأمر له بمال كثير وكسوة شريفة ورواحل موقرة «١» برّا وتمرا؛ فقيل له: أتفعل هذا بمثل هذا العبد الأسود؟ قال: أما لئن كان عبدا إن شعره فيّ لحرّ؛ ولئن كان أسود إنّ ثناءه لأبيض، وإنما أخذ مالا يفنى وثيابا تبلى ورواحل تنضى «٢» ، وأعطى مديحا يروى وثناء يبقى. هشام وأبو النجم : وذكروا عن أبي النجم العجلي أنه أنشد هشاما شعره الذي يقول فيه: الحمد لله الوهوب المجزل وهو من أجود شعره، حتى انتهى إلى قوله: والشمس في الجوّ كعين الأحول وكان هشام أحول، فأغضبه ذلك، فأمر به فطرد. فأمّل أبو النجم رجعته، فكان يأوي إلى المسجد، فأرق هشام ذات ليلة فقال لحاجبه: أبغني رجلا عربيا فصيحا يحدّثني وينشدني. فطلب له ما سأل، فوجد أبا النجم، فأتى به، فلما دخل عليه قال: أين تكون منذ أقصيناك؟ قال: حيث ألفاني رسولك. قال: فمن كان أبا النجم مثواك؟ قال: رجلين، أتغدّى عند أحد هما وأتعشّى عند الآخر. قال: فما لك من الولد؟ قال: ابنتان، قال أزوجتهما؟ قال: زوّجت إحدا هما. قال: فبم أوصيتها ليلة أهديتها؟ قال: قلت لها:

стр. 273

سبّي الحماة وابهتي عليها ... وأن أبت فازدلفي إليها «١» ثم اقرعي بالعود مرفقيها ... وجدّدي الخلف به عليها لا تخبري الدهر بذاك ابنيها فقال: فهل أوصيتها بعد هذا؟ قال: نعم. أوصيت من برّة قلبا برّا ... بالكلب خيرا والحماة شرّا لا تسأمي خنقا لها وجرّا ... والحيّ عمّيهم بشرّ طرّا وإن كسوك ذهبا ودرّا ... حتى يروا حلو الحياة مرّا قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب، ولا ولدي كولده. قال: فما حال الأخرى؟ قال هي ظلامة التي أقول فيها: كأنّ ظلامة أخت شيبان ... يتيمة ووالداها حيّان الرّأس قمل كلّه وصئبان ... وليس في الرجلين إلّا خيطان فهي التي يذعر منها الشّيطان قال هشام لحاجبه: ما فعلت بالدنانير التي أمرتك بقبضها؟ قال: هي عندي، وهي خمسمائة دينار. قال له: ادفعها لأبي النّجم ليجعلها في رجلي ظلامة مكان الخيطين. مروان بن محمد وطريح وذو الرمة : أبو عبيدة قال: حدّثني يونس بن حبيب قال: لما استخلف مروان بن محمد دخل عليه الشعراء يهنئونه بالخلافة، فتقدّم إليه طريح بن إسماعيل الثقفي، خال الوليد بن يزيد، فقال: الحمد لله الذي أنعم بك على الإسلام إماما، وجعلك لأحكام دينه قواما، ولأمة محمد المصطفى جنّة «٢» ونظاما. ثم أنشده شعره الذي يقول فيه: تسوء عداك في سداد ونعمة ... خلافتنا تسعين عاما وأشهرا

стр. 274

فقال مروان: كم الأشهر؟ قال: وفاء المائة يا أمير المؤمنين، تبلغ فيها أعلى درجة وأسعد عاقبة في النصرة والتمكين. فأمر له بمائة ألف درهم. ثم تقدّم إليه ذو الرّمة متحانيا كبرة، قد انحلّت عمامته منحدرة عن وجهه، فوقف يسوّيها، فقيل له: تقدّم. قال: إني أجلّ أمير المؤمنين أن أخطب بشرفه مادحا بلوثة عمامتي. فقال مروان: ما أملت أنه أبقت لنا منك ميّ ولا صيدح» في كلامك إمتاعا. قال: بلى والله يا أمير المؤمنين؛ أرد منه قراحا، والأحسن امتداحا، ثم تقدّم فأنشد شعرا يقول فيه: فقلت لها سيري، أمامك سيّد ... تفرّع من مروان أو من محمّد فقال له: ما فعلت مي؟ فقال: طويت غدائرها ببرد بلى ... ومحا التّراب محاسن الخدّ فالتفت مروان إلى العباس بن الوليد، فقال: أما ترى القوافي تنثال انثيالا؟ يعطى بكل من سمّى من آبائي ألف دينار. قال ذو الرمة: لو علمت لبلغت به عبد شمس. المنصور وابن هرمة : الربيع حاجب المنصور قال: قلت يوما للمنصور: إن الشعراء ببابك وهم كثيرون، طالت أيامهم ونفدت نفقاتهم. فقال: اخرج إليهم فاقرأ ﵈، وقل لهم من مدحني منكم فلا يصفني بالأسد، فإنما هو كلب من الكلاب؛ ولا بالحيّة، فإنما هي دويّبة منتنة تأكل التراب؛ ولا بالجبل، فإنما هو حجر أصم؛ ولا بالبحر، فإنما هو غطامط لجب «٢» ؛ ومن ليس في شعره هذا فليدخل؛ ومن كان في شعره فلينصرف. فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة، فإنه قال له. أنا له يا ربيع، فأدخلني. فأدخله، فلما مثل بين يديه، قال المنصور: يا ربيع، قد علمت أنه لا

стр. 275

يجيبك أحد غيره؛ هات يا بن هرمة. فأنشده قصيدته التي يقول فيها: له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرّها فيها عذاب ونائل لهم طينة بيضاء من آل هاشم ... إذا اسودّ من كوم التراب القبائل إذا ما أبى شيئا مضى كالذي أبى ... وإن قال إنّي فاعل فهو فاعل فقال: حسبك! ها هنا بلغت، هذا عين الشعر، قد أمرت لك بخمسة آلاف درهم. فقمت إليه وقبلت رأسه وأطرافه ثم خرجت، فلما كدت أن أخفى على عينيه سمعته يقول: يا إبراهيم! فأقبلت إليه فزعا، فقلت: لبيك فداك أبي وأمي. قال: احتفظ بها فليس لك عندنا غيرها! فقلت: بأبي وأمي أنت، أحفظها حتى أوافيك بها على الصراط بخاتم الجهبذ «١» . جعفر وابن الجهم : علي بن الحسين قال؛ أنشد عليّ بن الجهم جعفرا المتوكل شعره الذي أوله: هي النفس ما حمّلتها تتحمّل وكان في يد المتوكل جوهرتان، فأعطاه التي في يمينه؛ فأطرق متفكّرا في شيء يقوله ليأخذ التي في يساره، فقال: مالك مفكرا؟ إنما تفكر فيما تأخذ به الأخرى! خذها لا بورك لك فيها! فأنشأ يقول: بسرّ من را إمام عدل ... تعرف من بحره البحار يرجى ويخشى لكلّ أمر ... كأنّه جنّة ونار الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار يداه في الجود ضرّتان ... عليه كلتاهما تغار لم تأت منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثله اليسار وقال آخر في الهول:

стр. 276

إذا سألت النّدى عن كلّ مكرمة ... لم تلف نسبتها إلّا إلى الهول لو زاحم الشمس ألفى الشمس مظلمة ... لو زاحم الصّمّ ألجاها إلى الميل «١» أمضى من الدهر إن نابته نائبة ... وعند أعدائه أمضى من السّيل ودخل شاعر من أهل الريّ. يقال له أبو يزيد، على عبد الله بن طاهر صاحب خراسان، فأنشده: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... من شادمهر ودع غمدان لليمن «٢» فأنت أولى بتاج الملك تلبسه ... من هوذة بن عليّ وابن ذي يزن فأمر له بعشرة آلاف درهم. ودخلت ليلى الأخيليّة على الحجّاج فأنشدته: إذا ورد الحجّاج أرضا مريضة ... تتّبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها «٣» فقال لها: لا تقولي غلام، ولكن قولي: همام. ثم قال: أي النساء أحبّ إليك أنزلك عندها؟ قالت: ومن نساؤك أيها الأمير؟ قال: أم الجلاس بنت سعيد بن العاص الأموية، وهند بنت أسماء بن خارجة الفزارية، وهند بنت المهلب بن أبي صفرة العتكيّة. قالت: القيسية أحبّ إليّ. فلما كان من الغد دخلت عليه. قال: يا غلام، أعطها خمسمائة. قالت: أيها الأمير، أحسبها أدما «٤» . قال قائل: إنما أمر لك بشاء. قالت: الأمير أكرم من ذلك. فجعلها إبلا على استحياء، وإنما كان أمر لها بشاء أوّلا.

стр. 277

كتاب الجمانة في الوفود فرش الكتاب الوفود قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربّه: قد مضى قولنا في الأجواد والأصفاد «١» على مراتبهم ومنازلهم، وما جروا عليه، وما ندبوا إليه من الأخلاق الجميلة، والأفعال الجزيلة. ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الوفود الذين وفدوا على النبي ﷺ ، وعلى الخلفاء والملوك؛ فإنها مقامات فضل، ومشاهد حفل؛ يتخيّر لها الكلام، وتستهذب الألفاظ، وتستجزل المعاني. ولا بد للوافد عن قومه أن يكون عميدهم وزعيمهم الذي عن قوّته ينزعون «٢» ، وعن رأيه يصدرون؛ فهو واحد يعدل قبيلة، ولسان يعرب عن ألسنة، وما ظنّك بوافد قوم يتكلّم بين يدي النبي ﷺ أو خليفته، أو بين يدي ملك جبار في رغبة أو رهبة، فهو يوطد لقومه مرّة ويتحفّظ من أمامه أخرى. أتراه مدّخرا نتيجة من نتائج الحكمة، أو مستبقيا غريبة من غرائب الفطنة؛ أم تظن القوم قدّموه لفضل هذه الخطة إلا وهو عندهم في غاية الحذلقة «٣» والّلسن، ومجمع الشعر والخطابة. ألا ترى أنّ قيس بن عاصم المنقريّ لمّا وفد على النبي ﷺ بسط له رداءه وقال: هذا سيد الوبر. ولما توفي قيس بن عاصم قال فيه الشاعر «٤» : عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما

стр. 278

تحيّة من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما «١» وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما وفود العرب على كسرى ابن الفطامي عن الكلبيّ قال: قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين، فذكروا من ملوكهم وبلادهم. فافتخر النعمان بالعرب وفضّلهم على جميع الأمم، لا يستثنى فارس ولا غيرها، فقال كسرى وأخذته عزة الملك: يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، ونظرت في حال من يقدم عليّ من وفود الأمم، فوجدت الروم لها حظّ في اجتماع ألفتها، وعظم سلطانها، وكثرة مدائنها، ووثيق بنيانها: وأنّ لها دينا يبيّن حلالها وحرامها ويردّ سفيهها ويقيم جاهلها. ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبّها، مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعاتها، وطيّب أشجارها، ودقيق حسابها، وكثرة عددها. وكذلك الصين في اجتماعها. وكثرة صناعات أيديها في آلة الحرب وصناعة الحديد، وفروسيّتها وهمتها، وأنّ لها ملكا يجمعها. والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش، وقلّة الريف والثمار والحصون، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس، لهم ملوك تضمّ قواصيهم وتدبّر أمرهم. ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حزم ولا قوة، مع أن مما يدل على مهانتها وذلّها وصغر همتها، ومحلّتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة، والطير الحائرة، يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة، قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها، ومشاربها ولهوها ولذّاتها، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها، وإن قرى أحدهم ضيفا عدّها مكرمة، وإن أطعم أكلة عدّها غنيمة؛ تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم، ما خلا هذه التّنوخيّة التي

стр. 279

أسس جدّي اجتماعها، وشدّ مملكتها، ومنعها من عدوّها؛ فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا، وإنّ لها مع ذلك آثارا ولبوسا، وقرى وحصونا، وأمورا تشبه بعض أمور الناس- يعني اليمن- ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلّة والقلّة والفاقة والبؤس، حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس. قال النعمان: أصلح الله الملك، حقّ لأمة الملك منها أن يسمو فضلها، ويعظم خطبها، وتعلو درجتها. إلا أنّ عندي جوابا في كل ما نطق به الملك، في غير ردّ عليه، ولا تكذيب له، فإن أمّنني من غضبه نطقت به. قال كسرى: قل فأنت آمن. قال النعمان: أمّا أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل، لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها، وبسطة محلّها، وبحبوحة عزّها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت، فأيّ أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها. قال كسرى: بماذا؟ قال النعمان: بعزّها ومنعتها وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها: فأما عزّها ومنعتها؛ فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوّخوا البلاد، ووطّدوا الملك، وقادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم، ومهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجنّتهم «١» السيوف، وعدّتهم الصبر. إذ غيرها من الأمم إنما عزّها الحجارة والطين وجزائر البحور. وأما حسن وجوهها وألوانها فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند، والصين المنحفة، والترك المشوّهة، والروم المقشّرة.

стр. 280

وأما أنسابها وأحسابها، فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أوّلها، حتى إنّ أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه وليس أحد من العرب إلا يسمّي آباءه أبا فأبا، حاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه: ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير أبيه. وأما سخاؤها، فإنّ أدناهم رجلا الذي تكون عنده البكرة والناب عليها بلاغه «١» في حموله وشبعه وريّه، فيطرقه الطارق «٢» الذي يكتفي بالفلذة «٣» ويجتزيء بالشّربة فيعقرها له ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر. وأما حكمة ألسنتهم فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه، مع معرفهم بالأشياء، وضربهم للأمثال، وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس. ثم خيلهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعفّ النساء، ولباسهم أفضل اللباس ومعادنهم الذهب والفضة، وحجارة جبالهم الجزع «٤» ، ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر، ولا يقطع بمثلها بلد قفر. وأما دينها وشريعتها، فإنهم متمسّكون به، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرا حرما، وبلدا محرما، وبيتا محجوجا ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك رغبته منه، فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بأذى. وأما وفاؤها، فإنّ أحدهم يلحظ اللحظة ويوميء الإيماءة فهي ولث «٥» وعقدة لا يحلّها إلا خروج نفسه، وإنّ أحدهم ليرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه فلا

стр. 281

يغلق رهنه ولا تخفر ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به، وعسى أن يكون نائيا عن داره، فيصاب، فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما خفر من جواره؛ وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله. وأما قولك أيها الملك: يئدون أولادهم، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج. أما قولك: إنّ أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها، فما تركوا ما دونها إلا احتقارا له، فعمدوا إلى أجلّها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم مع أنها أكثر البهائم شحوما، وأطيبها لحوما، وأرقّها ألبانا، وأقلها غائلة، وأحلاها مضغة، وإنه لا شيء من الّلحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه. وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضا، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم؛ فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفا وتخوّفت نهوض عدوها إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون لهم بأزمّتهم: وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطف «١» بالعسف. وأما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى جدّ الملك وليّها الذي أتاه عند غلبة الحبش له على ملك متّسق؛ وأمر مجتمع؛ فأتاه مسلوبا طريدا مستصرخا، وقد تقاصر عن إيوائه، وصغر في عينه ما شيّد من بنائه. ولولا ما وتر «٢» به من يليه من العرب لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان ويغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار. قال: فعجب كسرى لما أجابه النعمان به؛ وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة

стр. 282

في أهل إقليمك ولما هو أفضل. ثم كساه من كسوته، وسرّحه إلى موضعه من الحيرة. فلمّا قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفيّ وحاجب بن زرارة التميميّين، وإلى الحارث ابن عباد وقيس بن مسعود البكريّين، وإلى خالد بن جعفر، وعلقمة بن معد يكرب الزّبيدي، والحرث بن ظالم المرّي؛ فلما قدموا عليه في الخورنق، قال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات تخوّفت أن يكون لها غور، وأن يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولا «١» كبعض طماطمته «٢» في تأديتهم الخراج إليه، كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله. فاقتصّ عليهم مقالات كسرى وما ردّ عليه؛ فقالوا: أيها الملك، وفّقك الله، ما أحسن ما رددت، وأبلغ ما حججته به؛ فمرنا بأمرك، وادعنا إلى ما شئت. قال: إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانكم وما يتخوّف من ناحيتكم، وليس شيء أحبّ إليّ مما سدّد الله به أمركم، وأصلح به شأنكم، وأدام به عزّكم؛ والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره، ليعلم أنّ العرب الرهط وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره، ليعلم أنّ العرب على غير ما ظن أو حدّثته نفسه؛ ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه، فإنه ملك عظيم السلطان، كثير الأعوان مترف معجب بنفسه، ولا تنخزلوا «٣» له انخزال الخاضع الذليل، وليكن أمر بين ذلك، تظهر به وثاقة حلومكم، وفضل منزلتكم، وعظمة أخطاركم؛ وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي، لسنيّ حاله، ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها؛ فإنما دعاني إلى التّقدمة بينكم علمي بميل كل رجل منكم على التقدم قبل صاحبه؛ فلا يكوننّ ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعنا؛ فإنه ملك مترف، وقادر مسلّط.

стр. 283

ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائق حلل الملوك، كل رجل منهم حلّة، وعمّمه عمامة، وختّمه بياقوتة؛ وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية وفرس نجيبة، وكتب معهم كتابا: أما بعد، فإن الملك ألقى إليّ من أمر العرب ما قد علم، وأجبته بما قد فهم بما أحببت أن يكون منه على علم، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها، وحمت ما يليها بفضل قوّتها، تبلغها في شيء من الأمور التي يتعزّز بها ذو والحزم والقوة والتدبير والمكيدة. وقد أوفدت أيها الملك رهطا من العرب؛ لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم؛ فليسمع الملك، وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم، وليكرمني بإكرامهم وتعجيل سراحهم، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم. فخرج القوم في أهبهتم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن، فدفعوا إليه كتاب النعمان، فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم. فلما أن كان بعد ذلك بأيام، أمر مرازبته «١» ووجوه أهل مملكته، فحضروا وجلسوا على كراسيّ عن يمينه وشماله؛ ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وضعهم النعمان بها في كتابه؛ وأقام التّرجمان ليؤدي إليه كلامهم، ثم أذن لهم في الكلام. فقام أكثم بن صيفيّ فقال: إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمّها نفعا، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها. الصدق منجاة، والكذب مهواة، والشرّ لجاجة «٢» ، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطيء. آفة الرأي الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور الصبر. حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة. إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي. من فسدت بطانته كان كالغاصّ بالماء. شر البلاد بلاد لا أمير بها. شر الملوك من

стр. 284

خافه البريء. المرء يعجز لا المحالة. أفضل الأولاد البررة. وخير الأعوان من لم يراء «١» بالنصيحة. أحقّ الجنود بالنصر من حسنت سريرته. يكفيك من الزاد ما بلّغك المحلّ. حسبك من شرّ سماعة. الصمت حكم وقليل فاعله. البلاغة الإيجاز. من شّدد نفر، ومن تراخى تألف. فتعجب كسرى من أكثم، ثم قال: ويحك يا أكثم! ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك في غير موضعه. قال أكثم: الصدق ينبيء عنك لا الوعيد. قال كسرى: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى. قال أكثم: ربّ قول أنفذ من صول. ثم قام حاجب بن زرارة التميمي، فقال ورى زندك، وعلت يدك، وهيب سلطانك. إن العرب أمة قد غلظت أكبادها، واستحصدت مرّتها «٢» ، ومنعت درّتها «٣» ؛ وهي لك وامقة «٤» ما تألفتها، مسترسلة ما لا ينتها، سامعة ما سامحتها، وهي العلقم مرارة، والصاب غضاضة، والعسل حلاوة، والماء الزلال سلاسة. نحن وفودها إليك، وألسنتها لديك؛ ذمّتنا محفوظة، وأحسابنا ممنوعة، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة؛ إن نؤب لك حامدين خيرا فلك بذلك عموم محمدتنا، وإن نذم لم نخص بالذمّ دونها. قال كسرى: يا حاجب، ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها. قال حاجب: بل زئير الأسد بصولتها. قال كسرى: وذلك.

стр. 285

ثم قام الحارث بن عباد البكري فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظّها، وعلوّ ثنائها. من طال رشاؤه كثر متحه «١» ، ومن ذهب ماله قلّ منحه. تناقل الأقاويل يعرّف اللّب؛ وهذا مقام سيوجف «٢» بما ينطق فيه الرّكّب، وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب؛ ونحن جيرانك الأدنون، وأعوانك المعينون، خيولنا جمّة، وجيوشنا فخمة، إن استنجدتنا فغير ربض «٣» ، وإن استطرقتنا فغير جهض» ، وإن طلبتنا فغير غمض، لا ننثني لذعر، ولا نتنكّر لدهر، رماحنا طوال، وأعمارنا قصار. قال كسرى: أنفس عزيزة، وأمة والله ضعيفة. قال الحارث: أيها الملك، وأنى يكون لضعيف عزّة، أو لصغير مرّة؟ قال كسرى: لو قصر عمرك لم تستول على لسانك نفسك. قال الحارث: أيها الملك، إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغرّرا بنفسه على الموت، فهي منية استقبلها، وحياة استدبرها؛ والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدما، وأحبسها وهي تصرّف بهم، حتى إذا جاشت نارها، وسعرت لظاها، وكشفت عن ساقها، جعلت مقادها رمحى، وبرقها سيفي، ورعدها زئيري، ولم أقصّر عن خوض خضاخضها «٥» ، حتى أنغمس في غمرات لججها، وأكون فلكا لفرساني إلى بحبوحة كبشها، فأستمطرها دما، وأترك حماتها جزر السباع وكلّ نسر قشعم «٦» . ثم قال كسرى لمن حضره من العرب: أكذلك هو؟
следующие страницы →