Полный текст (2 664 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
قهوة ليست بباذقة ... لا ولا بتع ولا داذي «١»
مرّة يهذي الحليم بها ... بأبي ذلك من هاذي
فهي أستاذ الشراب بنا ... والمعاني دأب أستاذ
[البسيط]
الضرب الأول من البسيط وهو المخبون
نور تولّد من شمس ومن قمر ... في طرفه قدر أمضى من القدر
أصلى فؤادي بلا ذنب جوى حرق ... لم يبق من مهجتي شيئا ولم يذ
لا والرّحيق المصفّى من مراشفه ... وما بخديه من ورد ومن طر
ما أنصف الحبّ قلبي في حكومته ... ولا عفا الشوق عني عفو مقتد
الضرب الثاني من البسيط وهو المقطوع
خرجت أجتاز قفرا غير مجتاز ... فصادني أشهل العينين كالبازي
صقر على كفّه صقر يؤلّفه ... ذا فوق بغل وذاك فوق قفّاز
كم موعد لي من ألحاظ مقلته ... لو أنه موعد يقضى بإنجاز
أبكي ويضحك منّي طرفه هزوا ... نفسي الفداء لذاك الضاحك الهازي
الضرب الثالث من البسيط وهو المجزوء المذال
يا غصنا مائسا بين الرّياط ... مالي بعدك بالعيش اغتباط «٢»
стр. 2172
يا من إذا ما بدا لي ماشيا ... وددت أنّ له خدّي بساط
تترك عيناه من أبصره ... مختلطا عقله كلّ اختلاط
قلت متى نلتقي يا سيّدي ... قال غدا نلتقي عند الصراط
الضرب الرابع من البسيط وهو المجزوء السالم
يا ساحرا طرفه إذ يلحظ ... وفاتنا لفظه إذا يلفظ
يا غصنا ينثني من لينه ... وجهك من كلّ عين يحفظ
أيقظ طرفي إذا ما قد بدا ... من طرفه ناعس مستيقظ «١»
ظبي له وجنة من رقّة ... تجرحها مقلتي إذ تلحظ
الضرب الخامس من البسيط وهو المقطوع
يا من دمي دونه مسفوك ... وكل حرّ له مملوك
كأنه فضّة مسبوكة ... أو ذهب خالص مسبوك
ما أطيب العيش إلّا أنه ... عن عاجل كلّه متروك
والخير مسدودة أبوابه ... ولا طريق له مسلوك
العروض المقطوع: المجزوء ضربه مثله
إليك يا غرّة الهلال ... وبدعة الحسن والجمال
стр. 2173
مددت كفّا بها انقباض ... فأين كفي من الهلال
شكوت ما بي إليك وجدا ... فلم ترقّي ولم تبالي
أعاضك الله عن قريب ... حالا من السّقم مثل حالي
العروض الأول من الوافر: المقطوف ضربه مثله
بنفسي من مراشفه مدام ... ومن لحظات مقلته سهام
ومن هو إن بدا والبدر تمّ ... خفى من حسنه البدر التّمام
أقول له وقد أبدى صدودا ... فلا لفظ إليّ ولا ابتسام
تكلم ليس يوجعك الكلام ... ولا يمحو محاسنك السلام
العروض الثاني من الوافر مجزوء سالم ضربه مثله
سلبت الرّوح من بدني ... ورعت القلب بالحزن
فلي بدن بلا روح ... ولي روح بلا بدن
قرنت مع الرّدى نفسي ... فنفسي وهو في قرن
فليت السحر من عيني ... ك لم أره ولم يرني
العروض الثالث من الوافر: المجزوء المعصوب
غزال من بني العاص ... أحسّ بصوت قنّاص
فأتلع جيده ذعرا ... وأشخص أيّ إشخاص
أيا من أخلصت نفسي ... هواه كلّ إخلاص
أطاعك من صميم القل ... ب عفوا كلّ معتاص
стр. 2174
العروض الأول من الكامل: التام ضربه مثله
في الكلّة الصفراء ريم أبيض ... يشفي القلوب بمقلتيه ويمرض «١»
لمّا غدا بين الحمول مقوّضا ... كاد الفؤاد عن الحياة يقوّض
صد الكرى عن جفن عينك معرضا ... لمّا رآه يصدّ عنك ويعرض
أديت من حبي إليك فريضة ... إن كان حبّ الخلق ممّا يفرض
الضرب الثاني: المقطوع
أومت إليك جفونها بوداع ... خود بدت لك من وراء قناع «٢»
بيضاء أنماها النعيم بصفرة ... فكأنها شمس بغير شعاع
أما الشباب فودّعت أيامه ... ووداعهنّ موكّل بوداع
لله أيام الصّبا لو أنّها ... كرّت عليّ بلذّة وسماع
الضرب الثالث: الأحذ المضمر
أصغى إليك بكأسه مصغ ... صلت الجبين معقرب الصّدغ
كأس تؤلّف بالمحبّة بيننا ... طورا وتنزغ أيّما نزغ
في روضة درجت بزهرتها الصبا ... والشمس درج من الفرغ «٣»
فاشرب بكف أغنّ عقرب صد ... غه للقلب منك منيّه الّلدغ
стр. 2175
الضرب الرابع: الأحذ الممنوع من الإضمار العروض الثاني
يا دمية نصبت لمعتكف ... بل ظبية أوفت على شرف
بل درّة زهراء ما سكنت ... بحرا ولا اكتنفت ورا صدف
أسرفت في قتلي بلا ترة ... وسمعت قول الله في السّرف
إني أتوب إليك معترفا ... إن كنت تقبل توب معترف
الضرب الخامس: الأحذ المضمر
يا فتنة بعثت على الخلق ... ما بينها والموت من فرق
شمس بدت لك من مغاربها ... يفترّ مبسمها عن البرق
ما كنت أحسب قبل رؤيتها ... للشمس مطلعا سوى الشّرق
يا من يضنّ بفضل نائله ... لو في يديه مفاتح الرّزق
العروض الثالث، له أربعة ضروب الضرب السادس: المجزوء المرفل
طلعت له والليل دامس ... شمس تجلّت في حنادس «١»
تختال في لين المجا ... سد بين حارسة وحارس
يا من لبهجة وجهه ... يستأسر البطل الممارس
لم يبق من قبلي سوى ... رسم تغيّر فهو دارس
الضرب السابع: المجزوء المذال
دع قول واشية وواش ... واجعلهما كلبي هراش
стр. 2176
واشرب معتّقة تسلسل في العظام وفي المشاش
الضرب الثامن: المجزوء الصحيح
ألحاظ عيني تلتهي ... في روض ورد يزدهي
رتعت بها وتنزّهت ... فيها ألذّ تنزّه
يا أيّها الخنث الجفو ... ن بنخوة وتكرّه
والمكتسي غنجا أما ... ترثي لأشعث أمره
الضرب التاسع: المجزوء المقطوع بسلامة الثاني
أطفت شرارة لهوي ... ولوت بشدة عدوي
شعل علون مفارقي ... ومضت ببهجة سروي
لمّا سلكت عروضها ... ذهب الزّحاف بحزوي
يا أيها الشّادي صه ... ليست بساعة شدو
الهزج له عروض واحد وضربان (الضرب المجزوء الممنوع من القبض)
ألا يا دين قلبي للشّ ... باب الغضّ إذ ولّى
جعلت الغيّ سربالي ... وكان الرّشد بي أولى
بنفسي جائر في الح ... كم يلفى جوره عدلا
وليس الشهد في فيه ... بأحلى عنده من «لا»
الضرب الثاني: المحذوف
هنا تفني قوافي الشّعر في هذا الرّوي
قواف ألبست حليا ... من الحسن البديّ
تعالت عن جرير بل ... زهير بل عديّ
стр. 2177
ثم الجزء السادس ويليه- إن شاء الله- الجزء السابع وأوله كتاب الياقوتة الثانية، في علم الألحان واختلاف الناس فيه
стр. 2178
الجزء السابع
كتاب الياقوتة الثانية في علم الألحان واختلاف الناس فيه
لابن عبد ربه قال أبو عمر احمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في أعاريض الشعر وعلل القوافي، وفسرنا جميع ذلك بالمنظوم والمنثور.
ونحن قائلون بعون الله وإذنه في علم الالحان واختلاف الناس فيه، ومن كرهه، ولأي وجه كره؛ ومن استحسنه، ولاي وجه استحسن؛ وكرهنا ان يكون كتابنا هذا بعد اشتماله على فنون الآداب والحكم والنوادر والامثال، عطلا من هذه الصناعة، التي هي مراد السمع، ومرتع النفس وربيع القلب، ومجال الهوى، ومسلاة الكئيب، وأنس الوحيد، وزاد الراكب؛ لعظم موقع الصوت الحسن من القلب، وأخذه بمجامع النفس..
ابن مسلم وابن دأب قال ابو سعيد بن مسلم: قلت لابن دأب: قد أخذت من كل شيء بطرف غير شيء واحد، فلا أدري ما صنعت فيه. فقال: لعلك تريد الغناء؟ قلت: أجل. قال:
أما إنك لو شهدتني وأنا أترنم بشعر كثيّر عزة حيث يقول:
وما مرّ من يوم عليّ كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلّت
لاسترخت تكّتك «١» ! قال: قلت: أتقول لي هذا! قال: اي والله: وللمهدي أمير المؤمنين كنت أقوله.
стр. 2179
فصل في الصوت الحسن
للمفسرين
قال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
«١» : هو الصوت الحسن.
للنبي ﷺ
وقال النبي ﷺ لابي موسى الاشعري لما أعجبه حسن صوته: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود.
لأهل الطب
وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يسري في الجسم، ويجري في العروق، فيصفو له الدم، ويرتاح له القلب، وتنمو له النفس، وتهتز الجوارح، وتخف الحركات؛ ومن ذلك كرهوا للطفل أن ينوّم على أثر البكاء حتى يرقص ويطرب.
ليلى الاخيلية والحجاج
وقالت ليلى الاخيلية للحجاج حين سألها عن ولدها وأعجبه ما رأى من شبابه:
إني والله ما حملته سهوا، ولا وضعته يتنا، ولا أرضعته غيلا، ولا أنمته تئقا. تعني لم أنوّمه مستوحشا باكيا؛ وقولها: ما حملته سهوا، تعني في بقايا الحيض؛ ويقال: حملت المرأة وضعا وتضعا، إذ حملت في استقبال الحيض؛ وقولها: ولا وضعته يتنا، تعني منكسا؛ وقولها: ولا أرضعته غيلا، تعني لبنا فاسدا.
стр. 2180
للفلاسفة
وزعمت الفلاسفة أن النغم فضلّ بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه فاستخرجته الطبيعة بالالحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس وحنّ إليه الروح؛ ولذلك قال أفلاطون: لا ينبغي ان تمنع النفس من معاشقة بعضها بعضا؛ ألا ترى ان اهل الصناعات كلّها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم، ترنّموا بالالحان، فاستراحت لها أنفسهم.
وليس من احد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعجبه طنين رأسه؛ ولو لم يكن من فضل الصوت إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل أو ملبس أو مشرب أو نكاح أو صيد، إلا وفيه معاناة على البدن، وتعب على الجوارح. غيره، لكفى.
وقد يتوصل بالالحان الحسان إلى خير الدنيا والآخرة؛ ذلك أنها تبعث على مكارم الاخلاق، من اصطناع المعروف، وصلة الرحم، والذبّ عن الاعراض، والتجاوز عن الذنوب؛ وقد يبكي الرجل بها على خطيئته، ويرق القلب من قسوته، ويتذكر نعيم الملكوت ويمثله في ضميره.
وكان أبو يوسف القاضي ربما حضر مجلس الرشيد وفيه الغناء، فيجعل مكان السرور به بكاء، كأنه يتذكر به نعيم الآخرة!.
لابن أبي داود
وقال أحمد بن أبي داود إن كنت لاسمع الغناء من مخارق عند المعتصم، فيقع علي البكاء!.
حتى إن البهائم لتحنّ إلى الصوت الحسن وتعرف فضله؛ وقال العتابي وذكر رجلا، فقال: والله إن جليسه لطيب عشرته لأطرب من الإبل على الحداء، والنحل على الغناء.
стр. 2181
لصاحب الفلاحات
وكان صاحب الفلاحات يقول بأن النحل أطرب الحيوان كله إلى الغناء، وإن افراخها لتستنزل بمثل الزّجل والصوت الحسن.
قال الراجز:
والطّير قد يسوقه للموت ... إصغاؤه إلى حنين الصّوت
وبعد، فهل خلق الله شيئا اوقع بالقلوب وأشدّ اختلاسا للعقول، من الصوت الحسن، لا سيما إذا كان من وجه حسن، كما قال الشاعر:
ربّ سماع حسن ... سمعته من حسن
مقرّب من فرح ... مبعّد من حزن
لا فارقاني أبدا ... في صحة من بدني
وهل على الارض رعديد «١» مستطار الفؤاد، بتغنّى بقول جرير بن الخطفي:
قل للجبان إذا تأخّر سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناجي
إلا ثاب إليه روحه، وقوي قلبه؟ أم على الأرض بخيل قد تقفّعت «٢» أطرافه لؤما، ثم غنى بقول حاتم الطائي:
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إنّ الجواد يرى في ماله سبلا
إلا انبسطت أنامله ورشحت أطرافه؟ أم هل على الارض غريب نازح الدار بعيد المحل، يتغنى بشعر علي بن الجهم:
يا وحشتا للغريب في البلد النّا ... زح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا
يقول في نأويه وغربته ... عدل من الله كلّ ما صنعا
إلا انقطعت كبده حنينا إلى وطنه، وتشوّقا إلى سكنه؟
стр. 2182
اختلاف الناس في الغناء
اختلف الناس في الغناء، فاجازه عامة اهل الحجاز، وكرهه عامة أهل العراق.
رأي من اجازه
فمن حجّة من اجازه أن أصله الشعر الذي أمر النبي ﷺ به، وحضّ عليه، وندب اصحابه اليه، وتجند به على المشركين؛ فقال لحسان: شنّ الغارة على بني عبد مناف، فو الله لشعرك أشدّ عليهم من وقع السهام في غلس الظلام. و [الشعر] هو ديوان العرب ومقيّد احكامها الشاهد على مكارمها؛ وأكثر شعر حسان بن ثابت يغنى به.
حسان وابنه
قال فرج بن سلام: حدثني الرياشي عن الاصمعي قال: شهد حسان بن ثابت مأدبة لرجل من الأنصار وقد كفّ بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، فكلما قدّم شيء من الطعام قال حسان لابنه عبد الرحمن: أطعام يد أم طعام يدين؟ فيقول له طعام يد.
حتّى قدّم الشّواء، فقال له: هذا طعام يدين. فقبض الشيخ يده؛ فلما رفع الطعام اندفعت قينة تغني لهم بشعر حسان:
انظر خليلي بباب جلّق هل ... تبصر دون البلقاء من أحد «١»
جمال شعثاء إذا هبطن من ال ... منحشّ دون الكثبان فالسّند «٢»
قال: فجعل حسان يبكي، وجعل عبد الرحمن يوميء إلى القينة أن ترددّه! قال الاصمعي: فلا أدري ما الذي اعجب عبد الرحمن من بكاء ابيه!.
لعائشة
وقالت عائشة ﵂: علّموا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم.
стр. 2183
النبي ﷺ والشريد وأردف النبي ﷺ الشريد، فاستنشده من شعر امية، فأنشده مائة قافية، وهو يقول: هيه! استحسانا لها.
فلما أعياهم القدح في الشعر والقول فيه، قالوا: الشعر حسن ولا نرى ان يؤخذ بلحن حسن؛ وأجازوا ذلك في القرآن وفي الاذان؛ فإن كانت الالحان مكروهة فالقرآن والاذان أحق بالتنزيه عنها، وإن كانت غير مكروهة، فالشعر احوج إليها لإقامة الوزن واخراجه على حدّ الخبر؛ وما الفرق بين أن ينشد الرجل:
أتعرف رسما كاطّراد المذانب
مرسلا، أو يرفع بها صوته مرتجلا.
وإنما جعلت العرب الشعر موزونا لمدّ الصوت فيه والدندنة؛ ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنثور.
النبي ﷺ واحتجوا في اباحة الغناء واستحسانه بقول النبي ﷺ لعائشة: اهديتم الفتاة إلى بعلها؟ قالت: نعم. قال: فبعثتم معها من يغني؟ قالت: لا. قال: أو ما علمت ان الانصار قوم يعجبهم الغزل، ألا بعثتم معها من يقول؟
أتيناكم أتيناكم ... فحيّونا نحيّيكم
ولولا الحبّة السمرا ... ءلم نحلل بواديكم
واحتجوا بحديث عبد الله بن أنس ابن عم مالك، وكان من أفضل رجال الزهري، قال: مر النبي ﷺ بجارية في ظل فارع «١» وهي تغني:
стр. 2184
هل عليّ ويحكم ... إن لهوت من حرج!
فقال النبي ﷺ : لا حرج إن شاء الله.
والذي لا ينكره اكثر الناس، غناء النصب، وهو غناء الركبان.
عمر بن الخطاب
حدّث عبد الله بن المبارك عن اسامة بن زيد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: مر بنا عمر بن الخطاب وأنا وعاصم بن عمر نغني غناء النصب، فقال: أعيدا عليّ. فأعدنا عليه، فقال: أنتما كحماري العباديّ، قيل له: أي حماريك شرّ؟ قال: ذا، ثم ذا!.
أنس بن مالك وسمع أنس بن مالك أخاه البراء بن مالك يغني، فقال: ما هذا؟ قال: أبيات عربية أنصبها نصبا.
ابن أبي وقاص
ومن حديث الجماني عن حماد بن زيد عن سليمان بن يسار، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص في منزل بين مكة والمدينة قد ألقي له مصلّى فاستلقى عليه ووضع إحدى رجليه على الاخرى وهو يتغنى، فقلت: سبحان الله أبا إسحاق! أتفعل مثل هذا وأنت محرم؟ فقال: يا بن أخي، وهل تسمعني أقول هجرا «١» .
عمرو النابغة الجعدي
ومن حديث المفضل عن قرّة بن خالد بن عبد الله بن يحيى، قال: قال عمر بن الخطاب للنابغة الجعدي: أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من غنائك. فاسمعه كلمة
стр. 2185
له. قال: وإنك لقائلها؟ قال: نعم. قال: لطالما غنيت بها خلف جمال الخطاب.
ابن جريج وعطاء
عاصم عن جريج، قال: سألت عطاء عن قراءة القرآن على الحان الغناء والحداء، قال: وما بأس ذلك يابن أخي!.
داود ﵇
قال، وحدّث عبيد بن عمير الليثي، أنّ داود النبي ﵇، كانت له معزفة يضرب بها إذا قرأ الزبور لتجتمع عليه الجنّ والإنس والطير، فيبكي ويبكي من حوله؛ وأهل الكتاب يجدون هذا في كتبهم.
رأي من كرهه
ومن حجة من كره الغناء أن قال: إنه يسعر القلوب، ويستفز العقول، ويستخف الحليم، ويبعث على اللهو، ويحض على الطرب، وهو باطل في أصله. وتأولوا في ذلك قول الله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَيَتَّخِذَها هُزُواً
«١» ، وأخطئوا في التأويل؛ إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السّير والاحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن ويقولون إنها أفضل منه؛ وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا؛ وأعدل الوجوه في هذا أن يكون سبيله سبيل الشعر، فحسنه حسن وقبيحه قبيح.
ابن جامع وسفيان
وقد حدّث ابراهيم بن المنذر الخزاعي أنّ ابن جامع السهمي قدم مكة بمال كثير، ففرّقه في ضعفاء أهلها؛ فقال سفيان بن عيينة: بلغني أنّ هذا السهمي قدم بمال كثير.
قالوا: نعم. قال: فعلام يعطى؟ قالوا: يغني الملوك فيعطونه. قال: وبأي شيء
стр. 2186
يغنيهم؟ قالوا: بالشعر. قال: فكيف يقول؟ فقال له فتى من تلاميذه: يقول:
أطوّف بالبيت مع من يطوف ... وأرفع من مئزري المسبل
قال: بارك الله عليه، ما أحسن ما قال! قال: ثم ماذا؟ قال:
وأسجد بالليل حتى الصباح ... وأتلوا من المحكم المنزل
قال: وأحسن أيضا، أحسن الله إليه، ثم ماذا؟ قال:
عسى فارج الهمّ عن يوسف ... يسخّر لي ربّة المحمل
قال: أمسك! أمسك! أفسد آخرا ما أصلح أوّلا! ألا ترى سفيان بن عيينة ﵀ حسّن الحسن من قوله وقبّح القبيح؟.
وكره الغناء قوم على طريق الزهد في الدنيا ولذاتها، كما كره بعضهم الملاذّ ولبس العباءة، وكره الحوّاريّ «١» ، وأكل الكشكار، وترك البرّ وأكل الشعير، لا على طريق التحريم، فإنّ ذلك وجه حسن ومذهب جميل؛ فإنما الحلال ما أحل الله والحرام ما حرّم الله. يقول الله تعالى وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ
«٢» .
وقد يكون الرجل أيضا جاهلا بالغناء او متجاهلا به، فلا يأمر به ولا ينكره.
للحسن البصري
قال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟ قال: نعم العون الغناء على طاعة الله، يصل الرجل به رحمه، ويواسي به صديقه. قال الرجل: ليس عن هذا أسألك. قال: وعمّ سألتني؟ قال: أن يغني الرجل. قال: وكيف يغني؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه وينفخ منخريه؛ قال الحسن: والله يابن أخي ما ظننت أنّ عاقلا يفعل هذا بنفسه أبدا! وإنّما أنكر عليه الحسن تشويه وجهه وتعويج فمه؛ وإن كان أنكر
стр. 2187
الغناء فإنما هو من طريق أهل العراق، وقد ذكرنا أنهم يكرهونه.
لابن جريج وابن عبيد
قال إسحاق بن عمارة: حدثني ابو المغلس عن أبي الحارث، قال: اختلف في الغناء عند محمد بن ابراهيم والي مكة، فأرسل إلى ابن جريح وإلى عمرو بن عبيد، فأتياه، فسألهما، فقال ابن جريج: لا بأس به، شهدت عطاء بن أبي رباح في ختان ولده وعنده ابن سريج المغني، فكان إذا غنى لم يقل له اسكت، وإذا سكت لم يقل له غنّ، وإذا لحن ردّ عليه. وقال عمرو بن عبيد: أليس الله يقول ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
«١» ، فأيهما يكتب الغناء، الذي عن اليمين أو الذي عن الشمال؟ فقال ابن جريج: لا يكتبه واحد منهما؛ لانه لغو كحديث الناس فيما بينهم من أخبار جاهليتهم وتناشد أشعارهم.
لابي يوسف
قال اسحاق: وحدثني إبراهيم بن سعد الزمري قال: قال أبو يوسف القاضي: ما أعجب امركم يأهل المدينة في هذه الاغاني! ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها! قال: فغضبت وقلت: قاتلكم الله يأهل العراق! ما أوضح جهلكم وأبعد من السداد رأيكم! متى رأيت أحدا سمع الغناء فظهر منه ما يظهر من سفهائكم هؤلاء الذين يشربون المسكر فيترك أحدهم صلاته، ويطلق امرأته، ويقذف «٢» المحصنة من جاراته، ويكفر بربه؛ فأين هذا من هذا؟ من اختار شعرا جيدا ثم اختار جرما حسنا فردّده عليه فأطربه وأبهجه فعفا عن الجرائم، وأعطى الرغائب ... ؟ فقال أبو يوسف: قطعتني! ولم يحر جوابا.
الرشيد والزهري
قال إسحاق: وحدّثني ابراهيم بن سعد الزهري قال: قال لي الرشيد: من بالمدينة
стр. 2188
ممن يحرّم الغناء؟ قال: قلت: من قنّعه الله بخزيه، قال: بلغني أنّ مالك بن أنس يحرّمه. قلت: يا أمير المؤمنين، أو لمالك أن يحرّم ويحلل؟ والله ما كان ذلك لابن عمّك محمد ﷺ إلا بوحي من ربه، فمن جعل هذا لمالك؟ فشهادتي على أبي أنه سمع مالكا في عرس ابن حنظلة الغسيل يتغنى:
سليمى أزمعت بينا ... فأين بوصلها أينا
ولو سمعت مالكا يحرّمه ويدي تناله لا حسنت أدبه! قال: فتبسم الرشيد.
ابن عمر وابن جعفر
وعن أبي شعيب الحراني عن جعفر بن صالح بن كيسان عن أبيه، قال: كان عبد الله بن عمر يحب عبد الله بن جعفر، فغدا عليه يوما وعنده جارية في حجرها عود، فقال ابن عمر: ما ذاك يا أبا محمد؟.
قال: وما تظن به يا أبا عبد الرحمن؟ فإن أصاب ظنّك فلك الجارية.
قال: ما أراني إلا قد أخذتها، هذا ميزان رومي!.
فضحك ابن جعفر وقال: صدقت، هذا ميزان يوزن به الكلام، والجارية لك؛ ثم قال: هات فغنّت:
أيا شوقا إلى البلد الامين ... وحي بين زمزم والحجون
ثم قال: هل ترى بأسا؟ قال: هل غير هذا؟ قال: لا. قال: فما أرى بذا بأسا.
ابن عمر وابن محرز
وسمع عبد الله بن عمر ابن محرز يغني:
لو بدّلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو
لعرفت مغناها بما احتملت ... مني الضلوع لأهلها قبل
فقال له عبد الله بن عمر: قل: إن شاء الله! قال: يفسد المعنى. قال: لا خير في معنى يفسده «إن شاء الله» .
стр. 2189
عمر بن عبد العزيز ومغن
حدث محمد بن زكريا الغلابي بالبصرة قال: حدثني ابن الشرفي عن الاصمعي قال سمع عمر بن عبد العزيز راكبا يغني في سفره:
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهنّ سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد «١»
وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضا في الطخية المتورّد «٢»
وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الطّراف الممدّد «٣»
فقال عمر بن عبد العزيز: وأنا لولا ثلاث لم أحفل متى قام عوّدي: لولا أن أنفر في السرية، وأقسم بالسوية، وأعدل في القضية!.
جرير والاسلمي العابد
قال جرير المدني: مررت بالأسلمي العابد وهو في مسجد رسول الله ﷺ يصلي فسلمت عليه، فأومأ إليّ وأشار بالجلوس، فجلست، فلما سلم أخذ بيدي وأشار إلى حلقي، وقال: كيف هو؟ قلت: أحسن ما كان قط. قال: أما والله لوددت أنه خلا لي وجهك وأنك أسمعتني:
يا لقومي بحبلك المصروم ... يوم شطّوا وأنت غير ملوم
أصبح الرّبع من أمامة قفرا ... غير مغنى معازف ورسوم
قلت: إذا شئت، قال: في غير هذا الوقت إن شاء الله.
ابن المبارك
وحدث ابو عبد الله المروزي بمكة في المسجد الحرام، قال: حدثنا حسان وسويد صاحبا ابن المبارك، قالا: لما خرج ابن المبارك إلى الشام مرابطا خرجنا معه، فلما
стр. 2190
نظر إلى ما فيه القوم من التعبد والغزو والسرايا في كل يوم، التفت إلينا فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون على أعمار أفنيناها، وأيام وليال قد قطعناها في علم الشعر، وتركنا ههنا أبواب الجنة مفتوحة! قال: فبينما هو يمشي ونحن معه في أزقة المصيصة، إذا نحن بسكران قد رفع صوته يغني:
أذلني الهوى فأنا الذّليل ... وليس إلى الذي أهوى سبيل
فأخرج برنامجا من كمه، فكتب البيت؛ فقلنا له: أتكتب بيت شعر سمعته من سكران؟ قال: أما سمعتم المثل: ربّ جوهرة في مزبلة!.
الاوقص المخزومي
قال: وولي الأوقص المخزومي قضاء مكة، فما رؤي مثله في العفاف والنبل، فبينما هو نائم ذات ليلة في علّية له، إذ مر به سكران يتغنى ويلحن في غنائه، فأشرف المخزومي عليه، فقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنيت خطأ: خذه عني! فأصلحه عليه!.
وقال الاوقص المخزومي: قالت لي أمي: أي بنيّ، إنّك خلقت في صورة لا تصلح معها لمجامعة الفتيان في بيوت القيان، فعليك بالدين، فإن الله يرفع به الخسيسة ويتمّ به النقيصة، فنفعني الله بقولها.
الشعبي وبشر
وحدث عباس بن المفضل قاضي المدينة، قال: حدثني الزبير بن بكار قاضي مكة عن مصعب بن عبد الله قال: دخل الشعبي على بشر بن مروان وهو والي العراق لاخيه عبد الملك بن مروان، وعنده جارية في حجرها عود؛ فلما دخل الشعبي امرها فوضعت العود، فقال له الشعبي: لا ينبغي للامير ان يستحي من عبده. قال: صدقتم:
ثم قال للجارية: هاتي ما عندك. فأخذت العود وغنت:
ومما شجاني أنها يوم ودّعت ... تولت وماء العين في الجفن حائر
стр. 2191
فلما أعادت من بعيد بنظرة ... إليّ التفاتا أسلمته المحاجر
فقال الشعبي: الصغير أكيسهما «١» . يريد الزير، ثم قال: يا هذه، أرخي من يمّك، وشدّي من زيرك «٢» . فقال له بشر: وما علمك؟ قال: أظن العمل فيهما. قال:
صدقت، ومن لم ينفعه ظنّه لم ينفعه يقينه.
قرشي ورجل يغني في المسجد
وحدث عن أبي عبد الله البصري قال: غنّى رجل في المسجد الحرام وهو مستلق على قفاه صوتا، ورجل من قريش يصلي في جواره؛ فسمعه خدّام المسجد فقالوا: يا عدو الله، تغني في المسجد الحرام! ورفعوه إلى صاحب الشرطة، فتجوز القرشي في صلاته؛ ثم سلم واتبعه، فقال لصاحب الشرطة: كذبوا عليه أصلحك الله، إنّما كان يقرأ! فقال يا فساق، أتأتوني برجل قرأ القرآن تزعمون انه غنّى خلوا سبيله! فلما خلّوه قال له القرشي: والله لولا انك أحسنت وأجدت ما شهدت لك، اذهب راشدا.
أبو حنيفة وجار له
وكان لابي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب، وكان أبو حنيفة يحيي الليل بالقيام، ويحييه جاره الكيال بالشراب، ويغني على شرابه:
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فأخذه العسس «٣» ليلة فوقع في الحبس، وفقد أبو حنيفة صوته واستوحش له؛ فقال لاهله: ما فعل جارنا الكيال؟ قالوا: أخذه العسس فهو في الحبس. فلما اصبح ابو حنيفة وضع الطويلة على رأسه، وخرج حتى أتى باب عيسى بن موسى، فاستأذن عليه، فأسرع في إذنه- وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي الملوك- فأقبل عليه عيسى
стр. 2192
بوجهه، وقال: أمر ما جاء بك أبا حنيفة! قال: نعم، أصلح الله الامير، جار لي من الكيالين، أخذه عسس الامير ليلة كذا، فوقع في حبسك. فأمر عيسى باطلاق كل من أخذ في تلك الليلة، إكراما لابي حنيفة؛ فأقبل الكيال على أبي حنيفة متشكرا له، فلما رآه أبو حنيفة قال: أضعناك يا فتى؟ يعرّض له بقصيدته؛ قال: لا والله، ولكنك بررت وحفظت.
الدارمي وتاجر عراقي
: الاصمعي قال: قدم عراقي بعدل «١» من خمر العراق الى المدينة، فباعها كلها إلا السود، فشكا ذلك الى الدارمي، وكان قد تنسك وترك الشعر ولزم المسجد فقال: ما تجعل لي على أن أحتال لك بحيلة حتى تبيعها كلّها على حكمك؟ قال: ما شئت!! قال: فعمد الدارمي إلى ثياب نسكه! فألقاها عنه وعاد إلى مثل شأنه الاول، وقال شعرا ورفعه إلى صديق له من المغنين، فغنى به وكان الشعر:
قل للمليحة في الخمار الاسود ... ماذا فعلت بزاهد متعبّد «٢»
قد كان شمّر للصلاة ثيابه ... حتى خطرت له بباب المسجد
ردّي عليه صلاته وصيامه ... لا تقتليه بحقّ دين محمد
فشاع هذا الغناء في المدينة: وقالوا: قد رجع الدارمي وتعشق صاحبة الخمار الاسود. فلم تبق مليحة بالمدينة الا اشترت خمارا اسود، وباع التاجر جميع ما كان معه؛ فجعل إخوان الدارمي من النساك يلقون الدارمي فيقولون: ماذا صنعت؟
فيقول: ستعلمون نبأه بعد حين. فلما أنفذ العراقي ما كان معه، رجع الدارمي إلى نسكه ولبس ثيابه.
عروة بن أذينة
: وحدث عبد الله بن مسلم بن قتيبة ببغداد، قال: حدثني سهل عن الأصمعي قال:
стр. 2193
كان عروة بن أذينة يعدّ ثقة ثبتا في الحديث، روى عنه مالك بن أنس؛ وكان شاعرا لبقا في شعره غزلا، وكان يصوغ الألحان والغناء على شعره في حداثته وينحلها المغنين؛ فمن ذلك قوله، وغنى به الحجازيون:
يا ديار الحيّ بالأجمه ... لم يبيّن رسمها كلمه
وهو موضع صوته، ومنه قوله:
قالت وأبثثتها وجدي وبحت به ... قد كنت عندي تحت السّتر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطّي هواك وما ألقي على بصري
قال: فوقفت عليه امرأة وحوله التلامذة، فقالت: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح، وأنت القائل:
إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد
لا والله ما قال هذا رجل صالح قط!
القس
: قال: وكان عبد الرحمن الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة، وإنه مر يوما بسلامة وهي تغني، فقام يستمع غناءها، فرآه مولاها فقال له:
هل لك أن تدخل فتسمع؟ فأبى، فلم يزل به حتى دخل، فقال له: أوقفك في موضع بحيث تراها ولا تراك. فغنّته فأعجبته، فقال له مولاها: هل لك في أن أحوّلها إليك؟ فأبى ذلك عليه، فلم يزل به حتى أجابه، فلم يزل يسمعها ويلاحظها النظر حتى شغف بها؛ ولما شعرت لحظه إيّاها غنته:
ربّ رسولين لنا بلّغا ... رسالة من قبل أن يبرحا
لم يعملا خفّا ولا حافرا ... ولا لسانا بالهوى مفصحا
حتى استقلا بجوابيهما ... بالطائر الميمون قد أنجحا
стр. 2194
الطرف والطّرف بعثناهما ... فقضيا حاجا وما صرّحا
قال: فأغمي عليه وكاد أن يهلك؛ فقالت له يوما: والله إنّي أحبّك! قال لها: وأنا والله أحبّك! قالت: وأحب أن أضع فمي ... قال: وأنا والله ... قالت: فما يمنعك من ذلك؟ قال: أخشى أن تكون صداقة ما بيني وبينك [اليوم] عداوة يوم القيامة؛ أما سمعت الله تعالى يقول: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
«١» ؟
ثم نهض وعاد إلى طريقه التي كان عليها، وأنشأ يقول:
قد كنت أعذل في السفاهة أهلها ... فأعجب لما تأتي به الأيام «٢»
فاليوم أعذرهم وأعلم أنما ... سبل الضلالة والهدى أقسام
وله فيه:
إن سلامة التي ... أفقدتني تجلّدي «٣»
لو تراها وعودها ... حين يبدو وتبتدي
للجريرين والغري ... ض وللقرم معبد
خلتهم بين عودها ... والدّساتين واليد
أخبار عبد الله بن جعفر
هو ومعاوية
: حدث سعيد بن محمد العجلي بعمان، حدثني نصر بن علي عن الأصمعي، قال: كان معاوية يعيب على عبد الله بن جعفر سماع الغناء؛ فأقبل معاوية عاما من ذلك حاجا، فنزل المدينة، فمر ليلة بدار عبد الله بن جعفر فسمع عنده غناء على أوتار، فوقف ساعة يستمع، ثم مضى وهو يقول: أستغفر الله! أستغفر الله! فلما انصرف من آخر الليل مر بداره أيضا، فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال الحمد لله!
стр. 2195
ثم نهض وهو يقول: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
» .
فلما بلغ ابن جعفر ذلك أعدّ له طعاما ودعاه إلى منزله، وأحضر ابن صيّاد المغني، ثم تقدم إليه يقول: إذا رأيت معاوية واضعا يده في الطعام فحرّك أو تارك وغنّ. فلما وضع معاوية يده في الطعام حرّك ابن صياد أوتاره وغنى بشعر عدي بن زيد وكان معاوية يعجب به.
يا لبينى أوقدي النارا ... إنّ من تهوين قد حارا
ربّ نار بتّ أرمقها ... تقضم الهنديّ والغارا
ولها ظبي يؤجّجها ... عاقد في الخصر زنارا «٢» .
قال فأعجب معاوية غناؤه، حتى قبض يده عن الطعام، وجعل يضرب برجله الأرض طربا؛ فقال له عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين؛ إنما هو مختار الشعر يركّب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأسا؟ قال: لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان.
قال: وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية بالشام، فأنزله في دار عياله، وأظهر من إكرامه وبرّه ما كان يستحقه؛ فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوجة معاوية؛ فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد الله بن جعفر، فجاءت إلى معاوية فقالت: هلم فاسمع ما في منزل هذا الذي جعلته بين لحمك ودمك، وأنزلته في حرمك! فجاء معاوية فسمع شيئا حرّكه وأطربه، فقال: والله إنّي لأسمع شيئا تكاد الجبال تخرّ له، وما أظنّه إلا من تلقية الجن! ثم انصرف، فلما كان من آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فأنبه فاختة، وقال لها: اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي: ملوك بالنهار، رهبان بالليل! ثم إن معاوية أرق ذات ليلة، فقال لخادمه حديج: اذهب فانظر من عند عبد الله، وأخبره بخروجي إليه. فذهب فأخبره، فأقام كلّ من كان عنده؛ ثم جاء معاوية، فلم
стр. 2196
ير في المجلس غير عبد الله، فقال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان. قال معاوية:
مره يرجع إلى مجلسه. ثم قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان. قال: مره يرجع إلى مجلسه ... حتى لم يبق إلا مجلس رجل، فقال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس رجل يداوي الآذان، يا أمير المؤمنين! قال له معاوية: فإنّ أذني عليلة، فمره فليرجع إلى موضعه. وكان موضع بديح المغني، فأمره ابن جعفر، فرجع إلى موضعه، فقال له معاوية: داو أذني من علّتها! فتناول العود ثم غنى:
أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم ... بحومانة الدرّاج فالمتثلم «١»
فحرّك عبد الله بن جعفر رأسه، فقال معاوية: لم حرّكت رأسك يا بن جعفر؟
قال: أريحيّة أجدها يا أمير المؤمنين، لو لاقيت عندها لابليت، ولئن سئلت عندها لأعطيت! وكان معاوية قد خضب «٢» ، فقال ابن جعفر لبديح: هات غير هذا.
وكانت عند معاوية جارية أعزّ جواريه عنده، كانت متولية خضابه، فغناه بديح:
أليس عندك شكر للتي جعلت ... ما ابيض من قادمات الشعر كالحمم «٣»
وجدّدت منك ما قد كان أخلقه ... صرف الزمان وطول الدهر والقدم
فطرب معاوية طربا شديدا وجعل يحرك رجله، فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين سألتني عن تحريك رأسي فأخبرتك، وأنا أسألك عن تحريك رجلك! فقال معاوية:
كلّ كريم طروب. ثم قام وقال: لا يبرح أحد منكم حتى يأتيه إذني. فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار، ومائة ثوب من خاص ثيابه، وإلى كل رجل منهم بألف دينار وعشرة أثواب.
هو ومغنية سمعها
: وعن ابن الكلبي والهيثم بن عدي، قالا: بينا عبد الله بن جعفر في بعض أزقة المدينة، إذ سمع غناء، فأصغى إليه، فإذا بصوت شجيّ رقيق لقينة تغني:
стр. 2197
قل للكرام ببابنا يلجوا ... ما في التصابي على الفتى حرج «١»
فنزل عبد الله عن دابته، ودخل على القوم بلا إذن؛ فلما رأوه قاموا إليه إجلالا ورفعوا مجلسه؛ ثم أقبل عليه صاحب المنزل، فقال: يا بن عم رسول الله دخلت منزلنا بلا إذن، وما كنت لهذا بخليق! فقال عبد الله: لم أدخل إلا بإذن! قال: ومن أذن لك؟ قال: قينتك هذه؛ سمعتها تقول:
قل للكرام ببابنا يلجوا
فولجنا، فإن كنا كراما فقد أذن لنا، وإن كنا لئاما خرجنا مذمومين! فضحك صاحب المنزل، وقال صدقت جعلت فداك! ما أنت إلا من أكرم الأكرمين. ثم بعث عبد الله إلى جارية من جواريه، فقال لها: غني فغنت، فطرب القوم، وطرب عبد الله؛ فدعا بثياب وطيب فكسا القوم وصاحب المنزل وطيّبهم ووهب له الجارية، وقال له: هذه أحذق بالغناء من جاريتك.
أخبار ابن أبي عتيق
هو وعائشة
: ذكر رجل من أهل المدينة أنّ ابن أبي عتيق- وهو عبد الله بن محد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- دخل على عائشة أم المؤمنين- وهي عمته- فوضع رأسه في حجرها- أو على ركبتها- ثم رفع عقيرته يتغني:
ومقيّر حجل جررت برجله ... بعد الهدؤ له قوائم أربع
فاطرب زمان اللهو من زمن الصّبا ... وانزع إذا قالوا أبي لا ينزع
فليأتينّ عليك يوما مرّة ... يبكي عليك مقنّعا لا تسمع
قالت عائشة: يا بنيّ، فاتق ذلك اليوم.
стр. 2198
هو وكثير
: حدّث أبو عبد الله محمد بن عرفة بواسط. قال: حدثني أحمد بن [محمد بن] يحيى عن الزبير بن بكار عن سليمان بن عباس السعدي عن السائب راوية كثير قال: قال لي كثير يوما: قم بنا إلى ابن أبي عتيق نتحدث عنده. قال: فجئناه، فوجدناه عنده ابن معاذ المغني، فلما رأى كثيرا، قال لابن أبي عتيق: ألا أغنيك بشعر كثيّر؟ [قال:
بلى] ، فاندفع يغني بشعره حيث يقول:
أبائنة سعدى؟ نعم ستبين! * كما انبتّ من حبل القرين قرين
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
كأنت لم تسمع ولم تر قبلها ... تفرّق أحباب لهنّ حنين
فأخلفن ميعادي وخن أمانتي ... وليس لمن خان الأمانة دين
فالتفت ابن أبي عتيق إلى كثيّر فقال: وللدّين صحبتهن يا بن أبي جمعة؟ ذلك والله أشبه بهن وأدعى للقلوب إليهن، وإنما يوصفن بالبخل والامتناع، وليس بالأمانة والوفاء؛ وابن قيس الرقيات أشعر منك حيث يقول:
حبّذا الادلال والغنج ... والتي في طرفها دعج «١»
والتي إن حدّثت كذبت ... والتي في ثغرها فلج «٢»
وخبّروني هل على رجل ... عاشق في قلبه حرج
فقال كثيّر: قم بنا من عند هذا! ثم نهض.
هو وابن جعفر
: وقال عبد الله بن جعفر لابن أبي عتيق، لو غنتك فلانة جاريتي صوتا ما أدركت ذكاتك! قال ابن أبي عتيق: قل لها تفعل وليس عليك إن مت ضمان! فأخذ بيده عبد الله بن جعفر وأدخله منزله، ثم أمر الجارية فخرجت، وقال لها: هات. فغنت:
стр. 2199
بهواك صيّرني العذول نكالا ... وجد السبيل إلى المقال فقالا
ونهيت نومي عن جفوني فانتهى ... وأمرت ليلي أن يطول فطالا
قال: فرمى بنفسه ابن أبي عتيق إلى الأرض وقال: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ
«١» .
هو وعبد الملك وابن جعفر
: أبو القاسم جعفر بن محمد قال: لما وصف عبد الله بن جعفر لعبد الملك بن مروان ابن أبي عتيق، وحدّثه عن إقلاله وكثرة عياله. أمره عبد الملك بن مروان أن يبعث به إليه. فأتاه ابن جعفر، فأعلمه بما دار بينه وبين عبد الملك. وبعثه إليه. فدخل ابن أبي عتيق على عبد الملك فوجده جالسا بين جاريتين قائمتين عليه، يميسان «٢» كغصني بان بيد كل جارية مروحة تروّح بها عليه، مكتوب بالذهب في المروحة الواحدة:
إنني أجلب الرّيا ... ح وبي يلعب الخجل
وحجاب إذا الحبيب ... ثنى الرأس للقبل
وغياث إذا النّد ... يم تغني أو ارتجل
وفي المروحة الأخرى:
أنا في الكفّ لطيفه ... مسكني قصر الخليفه
أنا لا أصلح إلا ... لظريف أو ظريفه
أو وصيف حسن القدّ ... شبيه بالوصيفه
قال ابن أبي عتيق: فلما نظرت إلى الجاريتين هوّنتا الدنيا عليّ، وأنستاني سوء حالي؛ قلت: إن كانتا من الإنس فما نساؤنا إلا من البهائم! فكلما كررت بصري فيهما تذكرت الجنة، فإذا تذكرت امرأتي- وكنت لها محبا- تذكرت النار! قال: فبدأ عبد الملك يتوجع إليّ بما حكى له ابن جعفر عني، ويخبرني بمالي عنده من جميل
стр. 2200
الرأي؛ فأكذبت له كلّ ما حكاه له ابن جعفر عني، ووصفت له نفسي بغاية الملاء والجدة؛ فامتلأ عبد الملك سرورا بما ذكرت له، وغما بتكذيب ابن جعفر؛ فلما عاد إليه ابن جعفر، عاتبه عبد الملك على ما حكاه عني وأخبره بما حلّيت به نفسي؛ فقال: كذب والله يا أمير المؤمنين، وإنّه أحوج أهل الحجاز إلى قليل فضلك، فضلا عن كثيره! ثم خرج عبد الله فلقيني، فقال: ما حملك أن كذّبتني عند أمير المؤمنين؟ قلت: أفكنت تراني تجلسني بين شمس وقمر، ثم أتفاقر عنده! لا والله ما رأيت ذلك لنفسي وإن رأيته لي! فلما أعلم بذلك عبد الله بن جعفر عبد الملك بن مروان، قال: فالجاريتان له! قال: فلما صارتا إليّ زرت عبد الله بن جعفر، فوجدته قد امتلأ فرحا، وهو يشرب، وبين يديه عس «١» فيه عسل ممزوج بمسك وكافور، فقال: مهيم! قلت: قد والله قبضت الجاريتين. قال: فاشرب. فتناولت العس فجرعت منه جرعة، فقال لي: زد؛ فأبيت عليه، فقال لجارية له عنده تغنيه: إن هذا قد حاز اليوم غزالتين من عند أمير المؤمنين؛ فخذي في نعتهما؛ فإنهما كما فلّكت «٢» صدورهما. فحركت الجارية العود ثم غنت:
عهدي بها في الحيّ قد جردت ... صفراء مثل المهرة الضامر
قد حجم الثّدي على نحرها ... في مشرق ذي بهجة ناضر
لو أسندت ميتا إلى صدرها ... قام ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميّت الناشر
قال: فلما سمعت الأبيات طربت، ثم تناولت العس فشربت عللا بعد نهل، ورفعت عقيرتي أغني:
سقوني وقالوا لا تغنّ ولو سقوا ... جبال حنين ما سقوني لغنّت
стр. 2201
هو وأبو السائب
: قال: وخرج أبو السائب وابن أبي عتيق يوما يتنزهان في بعض نواحي مكة فمال أبو السائب ليبول وعليه طويلته؛ فانصرف دونها، فقال له ابن أبي عتيق: ما فعلت طويلتك؟ قال: ذكرت قول كثيّر:
أرى الإزار على لبنى فأحسده ... إن الإزار على ما ضمّ محسود
فتصدقت بها على الشيطان الذي أجرى هذا البيت على لسانه! فأخذ ابن أبي عتيق طويلته فرمى بها، وقال: أتسبقني أنت إلى برّ الشيطان!
سليمان ومغن
: سمع سليمان بن عبد الملك مغنيا في عسكره، فقال: اطلبوه. فجاءوا به، فقال:
أعد عليّ ما تغنيت به. فغنى واحتفل- وكان سليمان أغير الناس- فقال لأصحابه:
كأنها والله جرجرة «١» الفحل في الشول، وما أحسب أنثى تسمع هذا إلا صبت! وأمر به فخصي.
الفرزدق والأحوص
: وقالوا: إن الفرزدق قدم المدينة، فنزل على الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح صاحب النبي ﷺ وهو الذي حمت لحمه الدبر «٢» ، فقال [له] الأحوص: ألا أسمعك غناء؟ قال: تغنّ. فغناه:
أتنسى إذ تودّعنا سليمى ... بعود بشامة سقي البشام
بنفسي من تجنّبه عزيز ... عليّ ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النّيام «٣»
قال الفرزدق: لمن هذا الشعر؟ قال: لجرير. ثم غناه:
стр. 2202
إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك ما يزال معينا
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فقال: لمن الشعر؟ فقال لجرير: ثم غناه:
أسري لخالدة الخيال ولا أرى ... شيئا ألذّ من الخيال الطارق
إنّ البليّة من يملّ حديثه ... فانقع فؤادك من حديث الوامق
فقال: لمن هذا الشعر؟ فقال: لجرير. قال: ما أحوجه مع عفافه إلى خنوثة شعري، وما أحوجني مع فسوقي إلى رقة شعره! وقال جرير: والله لولا ما شغلت به من هذه الكلاب، لشببت تشبيبا تحنّ منه العجوز إلى أيام شبابها، حنين الجمل إلى عطنه!
الأحوص ومعبد وعقيلة
: وقال الأحوص يوما لمعبد: امض بنا إلى عقيلة حتى نتحدث إليها ونسمع من غنائها وغناء جواريها. فمضيا، فألفيا على بابها معاذ الأنصاري وابن صياد؛ فاستأذنوا عليها، فأذنت لهم إلا الأحوص، فإنها قالت: نحن على الأحوص غضاب، فانصرف الأحوس وهو يلوم أصحابه على استبدادهم بها، وقال:
ضنّت عقيلة عنك اليوم بالزّاد ... وآثرت حاجة الثّاوي على الغادي «١»
قولا لمنزلهما: حيّيت من طلل ... وللعقيق: ألا حيّيت من واد «٢»
إنّي وهبت نصيبي من مودّتها ... لمعبد ومعاذ وابن صيّاد
قرشي ومغن في المسجد
: وجعل رجل يترنم في مسجد المدينة، ورجل من قريش يسمع؛ فأخذه بعض القوم فقالوا: يا عدوّ الله؛ أتغني في المسجد الحرام! وذهبوا به إلى صاحب الحكم، واتبعهم.
стр. 2203
القرشي فقال لصاحب الحكم: أصلحك الله، إنما كان يقرأ! فأطلق سبيله، فقال له القرشي: والله لولا أنك أحسنت في غنائك وأقمت دارات معبد لكنت عليك أشدّ من الأعوان.
دارات معبد
: والصوت المنسوب إلى دارات معبد، قول أعشى بكر:
هريرة ودّعها وإن لام لائم ... غداة غد أم أنت للبين واجم «١»
ويروى أن معبدا دخل على قتيبة بن مسلم والي خراسان وقد فتح خمس مدائن فجعل يفخر بها عند جلسائه؛ فقال له معبد: والله لقد صغت بعدك خمسة أصوات، إنها لأكثر من الخمس المدائن التي فتحت! والأصوات: الأول:
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل
والثاني:
هريرة ودّعها وإن لام لائم ... غداة غد أم أنت للبين واجم
والثالث:
ودّع لبابة قبل أن تترحّلا ... واسبل فإنّ سبيله أن تسبلا
والرّابع:
لعمري لئن شطت بغنمة دارها ... لقد كدت من وشك الفراق أبيح «٢»
والخامس:
تغذّ بي الشّهباء نحو ابن جعفر ... سواء عليها ليلها ونهارها «٣»
أصل الغناء ومعدنه
قال أبو المنذر بن هشام بن الكلبي: الغناء على ثلاثة أوجه: النصب، والسناد،
стр. 2204
والهزج؛ فأما النصب فغناء الركبان والقينات؛ وأما السناد فالثقيل الترجيع الكثير النغمات، وأما الهزج فالخفيف كله، وهو الذي يثير القلوب ويهيج الحليم.
وإنما كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى من بلاد العرب ظاهرا فاشيا وهي: المدينة، والطائف، وخيبر، ووادي القرى، ودومة الجندل، واليمامة؛ وهذه القرى مجامع أسواق العرب.
صانع العود
: وقيل إنّ أوّل من صنع العود: لامك بن قابيل بن آدم، وبكى به على ولده.
ويقال إنّ صانعه بطلميوس صاحب المويسيقي، وهو كتاب اللحون الثمانية.
أول من غنى
: وكان أول من غنى في العرب قينتان لعاد يقال لهما الجرادتان، ومن غنائهما.
ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعلّ الله يصبحنا غماما «١»
وإنما غنّتا بهذا اللحن حين حبس عنهما المطر؛ وكانت العرب تسمى القينة:
الكرينة، والعود: الكران؛ والمزهر أيضا هو العود، وهو البربط.
وكان أول من غنى في الإسلام الغناء الرقيق: طويس، وهو علّم ابن سريج، والدلال، ونئومة الضحى؛ وكان يكنى أبا عبد النعيم، ومن غنائه وهو أول صوت غنى به في الإسلام:
قد براني الشوق حتى ... كدت من شوقي أذوب
أخبار المغنين
أولهم: طويس، وكان في أيام عثمان ﵁.
стр. 2205
طويس وأبان
: حدّثنا جعفر بن محمد قال: لما ولى أبان بن عثمان بن عفان المدينة لمعاوية بن أبي سفيان، قعد في بهو له عظيم، واصطف له الناس، فجاء طويس المغني وقد خضب «١» يديه غمسا، واشتمل على دف له، وعليه ملاءة مصقولة؛ فسلّم ثم قال: بأبي وأمي يا أبان، الحمد لله الذي أرانيك أميرا على المدينة؛ إني نذرت لله فيك نذرا إن رأيتك أن أخضب يدي غمسا وأشتمل على دفي وآتي مجلس إمارتك وأغنيك صوتا! قال:
فقال: يا طويس، ليس هذا موضع ذاك. قال: بأبي أنت وأمي يا بن الطيّب أبحني.
قال: هات يا طويس. فحسر عن ذراعيه وألقى رداءه ومشى بين السماطين «٢» وغنى:
ما بال أهلك يا رباب ... خزرا كأنهم غضاب
قال: فصفق أبان بيديه، ثم قام عن مجلسه فاحتضنه وقبّل بين عينيه، وقال:
يلومونني على طويس! ثم قال له: من أسنّ، أنا أو أنت؟ قال: وعيشك لقد شهدت زفاف أمّك المباركة إلى أبيك الطيب! انظر إلى حذقه ورقة أدبه، كيف لم يقل: أمك الطيبة إلى أبيك المبارك.
هو وبكر وسعيد
: وعن الكلبي قال: خرج عمر بن عبد العزيز إلى الحج وهو والي المدينة، وخرج الناس معه؛ وكان فيمن خرج: بكر بن إسماعيل الأنصاري، وسعيد بن عبد الرحمن ابن حسان بن ثابت؛ فلما انصرفا راجعين مرّا بطويس المغني، فدعاهما إلى النزول عنده؛ فقال بكر بن إسماعيل: قد البعير إلى منزلك. فقال له سعيد بن عبد الرحمن:
أتنزل على هذا المخنّث؟ فقال: إنما هو منزل ساعة ثم نذهب. واحتمل طويس الكلام عن سعيد، فأتيا منزله، فإذا هو قد نظفه ونجّده، فأتاهما بفاكهة الشام
стр. 2206
فوضعها بين أيديهما، فقال له بكر بن إسماعيل، ما بقي منك يا طويس؟ قال: بقي كلّي يا أبا عمرو! قال: أفلا تسمعنا من بقاياك؟ قال: نعم. ثم دخل خيمته؛ فأخرج خريطة، وأخرج منها دبّا، ثم نقر وغنّى:
يا خليلي نابني سهدي ... لم تنم عيني ولم تكد
كيف تلحوني على رجل ... مؤنس تلتذّه كبدي «١»
مثل ضوء البدر صورته ... ليس بالزّمّيلة النكد «٢»
من بني آل المغيرة لا ... خامل نكس ولا جحد «٣»
نظرت عيني فلا نظرت ... بعده عين إلى أحد
ثم ضرب بالدف الأرض والتفت إلى سعيد بن عبد الرحمن فقال: يا أبا عثمان، أتدري من قائل هذا الشعر؟ قال: لا. قال: قالته خولة ابنة ثابت عمتك، في عمارة ابن الوليد بن المغيرة! ونهض، فقال له بكر: لو لم تقل ما قلته لم يسمعك ما أسمعك.
وبلغت القصة عمر بن عبد العزيز، فأرسل إليهما فسألهما، فأخبراه؛ فقال: واحدة بأخرى والبادي أظلم.
هو والنعمان بن بشير
: الأصمعي قال: حدّثني رجل من أهل المدينة، قال: كان طويس يتغنى في عرس رجل من الأنصار، فدخل النعمان بن بشير العرس، وطويس يتغنى:
أجدّ بعمرة عتبانها ... فتهجر أم شأننا شانها
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها «٤»
فقيل له: اسكت! اسكت لأنّ عمرة أمّ النعمان بن بشير؛ فقال النعمان: إنه لم يقل بأسا، إنما قال:
стр. 2207
وعمرة بن سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها
هو وابن شريج والدلال ونومة الضحى
: وكان مع طويس بالمدينة، ابن سريج، والدلال، ونومة الضحى؛ ومنه تعلّموا، ثم نجم بعد هؤلاء: سلم الخاسر، وكان في صحبة عبد الله بن عبد الله بن جعفر، وعنه أخذ معبد الغناء، ثم كان ابن أبي السمح الطائي، وكان يتيما في حجر عبد الله بن جعفر، وأخذ الغناء عن معبد، وكان لا يضرب بعود، وإنما يغني مرتجلا، فإذا غنى لمعبد صوتا حققه، ويقول: قال الشاعر فلان، مططه معبد، وخففته أنا. ومن غنائه.
نام صحبي ولم أنم ... لخيال بنا ألمّ
إنّ في القصر غادة ... كحلت مقلتي بدم
معبد والغريض
: وكان معبد والغريض بمكة، ولمعبد أكثر الصناعة الثقيلة.
ولما قدمت سكينة ابنة الحسين ﵉ مكة أتاها الغريض ومعبد فغنياها:
عوجي علينا ربّه الهودج ... إنك إلا تفعلي تحرجي «١»
قالت: والله ما لكما مثل إلّا الجدي الحارّ والبارد، لا ندري أيهما أطيب.
الغريض وختان
: قال إسحاق بن إبراهيم: شهد الغريض ختانا لبعض أهله، فقال له بعض القوم:
غنّ. فقال: هو ابن الزانية إن غنّى! قال له مولاه: فأنت والله ابن الزانية، فغنّ.
قال: أكذلك أنا عندك؟ قال: نعم. قال: أنت أعلم. فغن:
وما أنس م الأشياء لا أنس شادنا ... بمكة مكحولا أسيلا مدامعه
стр. 2208
تشرّب لون الرازقيّ بياضه ... أو الزعفران خالط المسك رادعه
فلوت الجنّ عنقه فمات. وقال غير إسحاق: بل غنى:
أمن مكتومة الطّلل ... يلوح كأنه خلل
لقد نزلوا قريبا من ... ك لو نفعوك إذ نزلوا
تحاولني لتقتلني ... وليس بعينها حول
ثم نجم ابن طنبورة، وأصله من اليمن، وكان أهزج الناس وأخفهم غناء؛ ومن غنائه:
وفتيان على شرف جميعا ... دلفت لهم بباطية هدور «١»
كأني لم أصد فيهم ببازي ... ولم أطعم بعرصتهم صقوري «٢»
فلا تشرب بلا لهو فإنّي ... رأيت الخيل تشرب بالصّفير
ابن طنبورة في مجلس شريف
: ويقال: إنه حضر مجلسا لرجل من الأشراف، إلى أن دخل عليهم صاحب المدينة، فقيل له: غنّ. فغنى:
ويلي من الحييّيه ... ويل ليه! ويل ليه
قد عشّش الحيّة في ... بييتيه بييتيه
فضحك صاحب المنزل ووصله.
ومنهم: حكم الوادي، وكان في صحبة الوليد بن يزيد ويغنى بشعره، ومن غنائه:
خفّ من دار جيرتي ... يا بن داود أنسها
قد دنا الصبح أو بدا ... وهي لم يقض لبسها «٣»
стр. 2209
فمتى تخرج العرو ... س لقد طال حبسها
خرجت بين نسوة ... أكرم الجنس جنسها
الغزيل
وكان بالشام أيام الوليد بن يزيد، مغنّ يقال له الغزيّل ويكنى أبا كامل، وفيه يقول الوليد بن يزيد:
من مبلغ عنّي أبا كامل ... أني إذا ما غاب كالهابل
ومن غنائه:
امدح الكأس ومن أعملها ... واهج قوما قتلونا بالعطش
إنما الكأس ربيع باكر ... فإذا ما لم نذقها لم نعش
مغنو الرشيد وزامره
وكان لهارون الرشيد جماعة من المغنين، ومنهم ابراهيم الموصلي وابن جامع السهمي، ومخارق؛ وطبقة اخرى دونهم، منهم زلزل، وعمرو الغزال، وعلّوية. وكان له زامر يقال له برصوما. وكان ابراهيم أشدّهم تصرفا في الغناء، وابن جامع احلالهم نغمة.
لرشيد وبرصوما
فقال الرشيد يوما لبرصوما: ما تقول في ابن جامع؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وما أقول في العسل الذي من حيثما ذقته فهو طيب؟ قال: فإبراهيم الموصلي؟ قال: هو بستان فيه جميع الثمار والرياحين. قال: فعمرو الغزال؟ قال: هو حسن الوجه يا امير المؤمنين.
ليوسف في المغنين
قال إسحاق: قلت ليوسف: من أحسن الناس غناء؟ قال: ابن محرز، قلت:
стр. 2210
وكيف ذلك؟ قال: إن شئت أجملت وإن فصلت. قلت: أجمل. قال: كان يغني كلّ إنسان بما يشتهي، كأنه خلق من قلب كل إنسان.
وكان إبراهيم اول من وقع الإقاع بالقضيب.
المغنون في بيت ابراهيم
وحدث يحيى بن محمد قال: بينا نحن على باب الرشيد ننتظر الإذن، اذ خرج الآذن فقال لنا: أمير المؤمنين يقرئكم السلام! قال: فانصرفنا، فقال لنا إبراهيم: تصيرون إلى منزلي! قال: فانصرفنا معه، قال: فدخلت دارا لم أر اشرف منها ولا أوسع، وإذا أنا بأفرشة خز مظهرة بالسنجاب، قال: فقعدنا، ثم دعا بقدح كبير فيه نبيذ، وقال:
اسقني بالكبير، إني كبير ... إنما يشرب الصغير صغير
ثم قال:
اسقني قهوة بكوب كبير ... ودع المأكلة للحمير
ثم شرب به، وأمر به فملىء وقال لنا: إن الخيل لا تشرب إلا بالصفير! ثم أمر بجوار فأحطن بالدار، فما شبهت أصواتهن إلا بأصوات طير في أجمة «١» يتجاوبن.
المأمون وإسحاق الموصلي
وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: لما أفضت الخلافة إلى المأمون، أقام عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الغناء، ثم كان أول من تغنى بحضرته أبو عيسى، ثم واظب على السماع، وسأل عني فجرّحني عنده بعض من حسدني فقال: ذلك رجل يتيه على الخلافة! فقال المأمون: ما أبقى هذا من التيه شيئا. وأمسك عن ذكري، وجفاني كلّ من كان يصلني، لما ظهر من سوء رأيه، فأضرّ ذلك بي، حتى جاءني يوما علّوية،
следующие страницы →