← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

فوضعها بين أيديهما، فقال له بكر بن إسماعيل، ما بقي منك يا طويس؟ قال: بقي كلّي يا أبا عمرو! قال: أفلا تسمعنا من بقاياك؟ قال: نعم. ثم دخل خيمته؛ فأخرج خريطة، وأخرج منها دبّا، ثم نقر وغنّى: يا خليلي نابني سهدي ... لم تنم عيني ولم تكد كيف تلحوني على رجل ... مؤنس تلتذّه كبدي «١» مثل ضوء البدر صورته ... ليس بالزّمّيلة النكد «٢» من بني آل المغيرة لا ... خامل نكس ولا جحد «٣» نظرت عيني فلا نظرت ... بعده عين إلى أحد ثم ضرب بالدف الأرض والتفت إلى سعيد بن عبد الرحمن فقال: يا أبا عثمان، أتدري من قائل هذا الشعر؟ قال: لا. قال: قالته خولة ابنة ثابت عمتك، في عمارة ابن الوليد بن المغيرة! ونهض، فقال له بكر: لو لم تقل ما قلته لم يسمعك ما أسمعك. وبلغت القصة عمر بن عبد العزيز، فأرسل إليهما فسألهما، فأخبراه؛ فقال: واحدة بأخرى والبادي أظلم. هو والنعمان بن بشير : الأصمعي قال: حدّثني رجل من أهل المدينة، قال: كان طويس يتغنى في عرس رجل من الأنصار، فدخل النعمان بن بشير العرس، وطويس يتغنى: أجدّ بعمرة عتبانها ... فتهجر أم شأننا شانها وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها «٤» فقيل له: اسكت! اسكت لأنّ عمرة أمّ النعمان بن بشير؛ فقال النعمان: إنه لم يقل بأسا، إنما قال:

стр. 2207

وعمرة بن سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها هو وابن شريج والدلال ونومة الضحى : وكان مع طويس بالمدينة، ابن سريج، والدلال، ونومة الضحى؛ ومنه تعلّموا، ثم نجم بعد هؤلاء: سلم الخاسر، وكان في صحبة عبد الله بن عبد الله بن جعفر، وعنه أخذ معبد الغناء، ثم كان ابن أبي السمح الطائي، وكان يتيما في حجر عبد الله بن جعفر، وأخذ الغناء عن معبد، وكان لا يضرب بعود، وإنما يغني مرتجلا، فإذا غنى لمعبد صوتا حققه، ويقول: قال الشاعر فلان، مططه معبد، وخففته أنا. ومن غنائه. نام صحبي ولم أنم ... لخيال بنا ألمّ إنّ في القصر غادة ... كحلت مقلتي بدم معبد والغريض : وكان معبد والغريض بمكة، ولمعبد أكثر الصناعة الثقيلة. ولما قدمت سكينة ابنة الحسين ﵉ مكة أتاها الغريض ومعبد فغنياها: عوجي علينا ربّه الهودج ... إنك إلا تفعلي تحرجي «١» قالت: والله ما لكما مثل إلّا الجدي الحارّ والبارد، لا ندري أيهما أطيب. الغريض وختان : قال إسحاق بن إبراهيم: شهد الغريض ختانا لبعض أهله، فقال له بعض القوم: غنّ. فقال: هو ابن الزانية إن غنّى! قال له مولاه: فأنت والله ابن الزانية، فغنّ. قال: أكذلك أنا عندك؟ قال: نعم. قال: أنت أعلم. فغن: وما أنس م الأشياء لا أنس شادنا ... بمكة مكحولا أسيلا مدامعه

стр. 2208

تشرّب لون الرازقيّ بياضه ... أو الزعفران خالط المسك رادعه فلوت الجنّ عنقه فمات. وقال غير إسحاق: بل غنى: أمن مكتومة الطّلل ... يلوح كأنه خلل لقد نزلوا قريبا من ... ك لو نفعوك إذ نزلوا تحاولني لتقتلني ... وليس بعينها حول ثم نجم ابن طنبورة، وأصله من اليمن، وكان أهزج الناس وأخفهم غناء؛ ومن غنائه: وفتيان على شرف جميعا ... دلفت لهم بباطية هدور «١» كأني لم أصد فيهم ببازي ... ولم أطعم بعرصتهم صقوري «٢» فلا تشرب بلا لهو فإنّي ... رأيت الخيل تشرب بالصّفير ابن طنبورة في مجلس شريف : ويقال: إنه حضر مجلسا لرجل من الأشراف، إلى أن دخل عليهم صاحب المدينة، فقيل له: غنّ. فغنى: ويلي من الحييّيه ... ويل ليه! ويل ليه قد عشّش الحيّة في ... بييتيه بييتيه فضحك صاحب المنزل ووصله. ومنهم: حكم الوادي، وكان في صحبة الوليد بن يزيد ويغنى بشعره، ومن غنائه: خفّ من دار جيرتي ... يا بن داود أنسها قد دنا الصبح أو بدا ... وهي لم يقض لبسها «٣»

стр. 2209

فمتى تخرج العرو ... س لقد طال حبسها خرجت بين نسوة ... أكرم الجنس جنسها الغزيل وكان بالشام أيام الوليد بن يزيد، مغنّ يقال له الغزيّل ويكنى أبا كامل، وفيه يقول الوليد بن يزيد: من مبلغ عنّي أبا كامل ... أني إذا ما غاب كالهابل ومن غنائه: امدح الكأس ومن أعملها ... واهج قوما قتلونا بالعطش إنما الكأس ربيع باكر ... فإذا ما لم نذقها لم نعش مغنو الرشيد وزامره وكان لهارون الرشيد جماعة من المغنين، ومنهم ابراهيم الموصلي وابن جامع السهمي، ومخارق؛ وطبقة اخرى دونهم، منهم زلزل، وعمرو الغزال، وعلّوية. وكان له زامر يقال له برصوما. وكان ابراهيم أشدّهم تصرفا في الغناء، وابن جامع احلالهم نغمة. لرشيد وبرصوما فقال الرشيد يوما لبرصوما: ما تقول في ابن جامع؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وما أقول في العسل الذي من حيثما ذقته فهو طيب؟ قال: فإبراهيم الموصلي؟ قال: هو بستان فيه جميع الثمار والرياحين. قال: فعمرو الغزال؟ قال: هو حسن الوجه يا امير المؤمنين. ليوسف في المغنين قال إسحاق: قلت ليوسف: من أحسن الناس غناء؟ قال: ابن محرز، قلت:

стр. 2210

وكيف ذلك؟ قال: إن شئت أجملت وإن فصلت. قلت: أجمل. قال: كان يغني كلّ إنسان بما يشتهي، كأنه خلق من قلب كل إنسان. وكان إبراهيم اول من وقع الإقاع بالقضيب. المغنون في بيت ابراهيم وحدث يحيى بن محمد قال: بينا نحن على باب الرشيد ننتظر الإذن، اذ خرج الآذن فقال لنا: أمير المؤمنين يقرئكم السلام! قال: فانصرفنا، فقال لنا إبراهيم: تصيرون إلى منزلي! قال: فانصرفنا معه، قال: فدخلت دارا لم أر اشرف منها ولا أوسع، وإذا أنا بأفرشة خز مظهرة بالسنجاب، قال: فقعدنا، ثم دعا بقدح كبير فيه نبيذ، وقال: اسقني بالكبير، إني كبير ... إنما يشرب الصغير صغير ثم قال: اسقني قهوة بكوب كبير ... ودع المأكلة للحمير ثم شرب به، وأمر به فملىء وقال لنا: إن الخيل لا تشرب إلا بالصفير! ثم أمر بجوار فأحطن بالدار، فما شبهت أصواتهن إلا بأصوات طير في أجمة «١» يتجاوبن. المأمون وإسحاق الموصلي وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: لما أفضت الخلافة إلى المأمون، أقام عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الغناء، ثم كان أول من تغنى بحضرته أبو عيسى، ثم واظب على السماع، وسأل عني فجرّحني عنده بعض من حسدني فقال: ذلك رجل يتيه على الخلافة! فقال المأمون: ما أبقى هذا من التيه شيئا. وأمسك عن ذكري، وجفاني كلّ من كان يصلني، لما ظهر من سوء رأيه، فأضرّ ذلك بي، حتى جاءني يوما علّوية،

стр. 2211

فقال لي: أتأذن لى اليوم في ذكرك، فإنّي اليوم عنده؟ فقلت: لا، ولكن غنّه بهذا الشعر، فإنه سيبعثه على أن يسألك من أين هذا؟ فينفتح لك ما تريد، ويكون الجواب أسهل عليك من الابتداء. فمضى علوية؛ فلما استقر به المجلس غناه الشعر الذي أمرته به، وهو: يا مشرع الماء قد سدّت مسالكه ... أما إليك سبيل غير مسدود» لحائم حار حتى لا حياة له ... مشرّد عن طريق الماء مطرود فلما سمعه المأمون قال: ويلك! لمن هذا؟ قال: يا سيدي، لعبد من عبيدك جفوته واطرحته! قال: إسحاق! قلت: نعم. قال: ليحضر الساعة. قال إسحاق: فجاءني الرسول، فسرت إليه؛ فلما دخلت قال: ادن. فدنوت؛ فرفع يديه مادّهما؛ فاتكأت عليه؛ فاحتضنني بيديه؛ وأظهر من اكرامي وبرّي ما لو اظهره صديق لي مواس لسرّني. الرشيد وعبثر قال: وحدثني يوسف بن عمر المدني قال: حدثني الحارث بن عبيد الله قال: سمعت إسحاق الموصلي يقول: حضر مسامرة الرشيد ليلة عبثر المغني، وكان فصيحا متأدبا، وكان مع ذلك يغني الشّعر بصوت حسن، فتذاكروا رقة شعر المدنيين، فأنشد بعض جلسائه أبياتا لابن الدمينة حيث يقول: وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدّعا وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا فأعجب الرشيد برقة الابيات، فقال له عبثر: يا أمير المؤمنين؛ إن هذا الشعر مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، حتى رق وصفا، فصار أصفى من الهواء، ولكن

стр. 2212

إن شاء أمير المؤمنين أنشدته ما هو أرق من هذا وأحلى، وأصلب وأقوى، لرجل من أهل البادية. قال: فإني أشاء. قال: وأترنم به يا أمير المؤمنين قال: وذلك لك. فغنى لجرير: إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا راحوا العشيّة روحة مذكورة ... إن حرن حرنا أو هدين هدينا فرموا بهنّ سواهما عرض الفلا ... إن متن متنا أو حيين حيينا قال: صدقت يا عبثرة! وخلع عليه واجازه. زرياب وكان لابراهيم الموصلي عبد أسود يقال له زرياب، وكان مطبوعا على الغناء علمه ابراهيم؛ وكان ربما حضر به مجلس الرشيد يغني فيه، ثم إنه انتقل إلى القيروان، إلى بني الاغلب، فدخل على زيادة الله بن الاغلب، فغناه بأبيات عنترة الفوارس، حيث يقول: فان تك أمّي غرابية ... من أبناء حام بها عبتني فإني لطيف ببيض الظّبا ... وسمر العوالي إذا جئتني ولولا فرارك يوم الوغى ... لقدتك في الحرب أوقدتني فغضب زيادة الله، فأمر بصفع قفاه واخراجه، وقال له: إن وجدت في شيء من بلدي بعد ثلاثة ايام ضربت عنقك! فجاز البحر إلى الاندلس، فكان عند الامير عبد الرحمن بن الحكم. قند وكان في المدينة في الصدر الاول مغنّ يقال له قند، وهو مولى سعد بن أبي وقاص، وكانت عائشة ام المؤمنين ﵂ تستظرفه، فضربه سعد، فحلفت

стр. 2213

عائشة لا تكلمه حتى يرضى عنه قند، فدخل عليه سعد وهو وجع من ضربه، فاسترضاه، فرضي عنه، وكلمته عائشة. هو ومروان بن الحكم وكان معاوية يعقب بين مروان بن الحكم وسعيد بن العاص على المدينة: يستعمل هذا سنة وهذا سنة؛ وكانت في مروان شدة وغلظة، وفي سعيد لين عريكة وحلم وصفح؛ فلقي مروان بن الحكم قندا المغني، وهو معزول عن المدينة وبيده عكازة؛ فلما رآه قال: قل لقند يشيّع الاظعانا ... ربّما سرّ عيننا وكفانا قال له قند: لا إله إلا الله، ما اسمجك واليا ومعزولا. ابن عائشة والحسن وروي ابن الكلبي عن أبيه قال: كان ابن عائشة من احسن الناس غناء، وأنبههم فيه، وأضيقهم خلقا، إذا قيل له غنّ، يقول: أو لمثلي يقال هذا؟ عليّ عتق رقبة إن غنيت يومي هذا! فإن غنى وقيل له احسنت، قال: لمثلي يقال أحسنت؟ عليّ عتق رقبة إن غنيت سائر يومي هذا. فلما كان في بعض الايام سال وادي العقيق، فجاء بالعجب، فلم يبق بالمدينة مخبّأة ولا شابة ولا شاب ولا كهل إلا خرج يبصره، وكان فيمن خرج ابن عائشة المغني، وهو معتجر «١» بفضل ردائه؛ فنظر إليه الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب ﵈ وكان فيمن خرج إلى العقيق- وبين يديه أسودان كأنهما ساريتان «٢» يمشيان بين يديه أمام دابته؛ فقال لهما: أنتما حرّان لوجه الله إن تفعلا ما آمركما به ولم أقطعكما إربا إربا؛ اذهبا إلى ذلك الرجل المعتجر بفضل ردائه، فخذا بضبعيه «٣» فإن فعل ما آمره به وإلا فاقذفا به في العقيق! قال: فمضيا

стр. 2214

والحسن يقفوهما، فلم يشعر ابن عائشة إلا وهما آخذان بضبعيه؛ فقال: من هذا؟ فقال له الحسن: أنا هذا يا بن عائشة! قال: لبيك وسعديك، وبأبي أنت وأمي! قال: اسمع مني ما أقول، واعلم انك مأسور في أيديهما وهما حرّان [وقد أقسمت] إن لم تغنّ مائة صوت أن يطرحاك في العقيق وهما حرّان، وإن لم يفعلا ذلك لأقطعنّ أيديهما! فصاح ابن عائشة: واويلاه! وأعظم مصيبتاه! قال دع من صياحك وخذ فيما ينفعنا. قال: اقترح وأقم من يحصي! وأقبل يغني، فترك الناس العقيق وأقبلوا عليه، فلما تمت أصواته مائة، كبّر الناس بلسان واحد تكبيرة واحدة ارتجت لها أقطار المدينة، وقالوا للحسن: صلّى الله على جدّك حيا وميتا؛ فما اجتمع لاهل المدينة؛ وقالوا للحسن: صلى الله على جدّك حيا وميتا؛ فما اجتمع لاهل المدينة سرور قط إلا بكم أهل البيت! فقال الحسن إنما فعلت هذا بك يابن عائشة لاخلاقك الشّكسة! قال له ابن عائشة: والله ما مرت عليّ مصيبة أعظم منها، لقد بلغت اطراف أعضائي. فكان بعد ذلك إذا قيل له: ما أشدّ ما مر عليك؟ قال: يوم العقيق. ابن المهدي وكان ابراهيم بن المهدي- وهو الذي يقال له ابن شكلة- داهيا عاقلا عالما بأيام الناس شاعرا مفلقا، وكان يصوغ فيجيد. مخالفته على المأمون ويروى عن ابراهيم انه قد كان خالف على المأمون ودعا إلى نفسه، فظفر به المأمون فعفا عنه، وقال: لما ظفر به المأمون: ذهبت من الدّنيا كما ذهبت مني ... هوى الدهر بي عنها وأهوى بها عني فإن أبك نفسي أبك نفسا عزيزة ... وإن أحتبسها أحتبسها على ضنّ «١» هو والمأمون فلما فتحت له أبواب الرضا من المأمون، غنى بهما بين يديه؛ فقال له المأمون:

стр. 2215

أحسنت والله يا أمير المؤمنين! فقام ابراهيم رهبة من ذلك، وقال: قتلتني والله يا امير المؤمنين! لا والله إن جلست حتى تسمّيني باسمي. قال: اجلس يا ابراهيم. فكان بعد ذلك آثر الناس عند المأمون: ينادمه ويسامره ويغنّيه. قصة يرويها للمأمون فحدثه يوما فقال: بينا انا مع أبيك يا أمير المؤمنين بطريقة مكة، إذ تخلفت عن الرفقة وانفردت وحدي، وعطشت وجعلت اطلب الرفقة، فأتيت إلى بئر، فإذا حبشي نائم عندها، فقلت له: يا نائم، قم فاسقني! فقال: إن كنت عطشان فانزل واستق لنفسك. فخطر صوت ببالي، فترنمت به وهو: كفّناني إن متّ في درع أروى ... واسقياني من بئر عروة ماء «١» فلما سمع قام نشيطا مسرورا، وقال: والله هذه بئر عروة، وهذا قبره! فعجبت يا امير المؤمنين لما خطر ببالي في ذلك الموضع، ثم قال: أسقيك على أن تغنّيني؟ قلت: نعم، فلم أزل أغنيه وهو يجبذ «٢» الحبل، حتى سقاني وأروى دابّتي، ثم قال: أدلك على موضع العسكر على أن تغنّيني؟ قلت: نعم. فلم يزل يعدو بين يدي وأنا اغنيه حتى أشرفنا على العسكر، فانصرف؛ وأتيت الرشيد فحدثته بذلك، فضحك. ثم رجعنا من حجّنا، فإذا هو قد تلقاني وأنا عديل الرشيد، فلما رآني قال: مغنّ والله! قيل له: أتقول هذا لاخي أمير المؤمنين؟ قال اي لعمر الله، لقد غناني! وأهدى إليّ أقطا «٣» وتمرا، فأمرت له بصلة وكسوة، وأمر له الرشيد بكسوة أيضا. فضحك المأمون، وقال: غنّي الصوت. فغنيته فافتتن به، فكان لا يقترح عليّ غيره. وكان مخارق وعلّوية قد حرّفا القديم كله وصيّرا فيه نغما فارسية؛ فإذا أتاهما الحجازي بالغناء الاول الثقيل، قالا: يحتاج غناؤك إلى فصاده! واسم علوية: يوسف مولى لبني امية.

стр. 2216

وكان زلزل أضرب الناس للوتر، لم يكن قبله ولا بعده مثله، ولم يكن يغني، وإنما كان يضرب على ابراهيم وابن جامع وبرصوما. ومن غنائه في المأمون: ألا إنما المأمون للناس عصمة ... مميّزة بين الضلالة والرّشد رأى الله عبد الله خير عباده ... فملّكه، والله أعلم بالعبد القيني وبعض المغنين على باب يزيد حدث سعيد بن محمد العجلي عن الاصمعي قال: كان أبو الطمحان القيني، وهو حنظلة بن الشرقي شاعرا مجيدا، وكان مع ذلك فاسقا، وكان قد انتجع يزيد بن عبد الملك، فطلب الإذن عليه أياما فلم يصل، فقال لبعض المغنين: ألا أعطيك بيتين من شعري تغني بهما أمير المؤمنين، فإن سألك من قائلهما فأخبره أني بالباب، وما رزقني الله منه فهو بيني وبينك! قال: هات. فأعطاه هذين البيتين: يكاد الغمام الغرّ يرعد إن رأى ... محيّا ابن مروان وينهل بارقه يظلّ فتيت المسك في رونق الضّحى ... تسيل به أصداغه ومفارقه «١» قال: فغني بهما في وقت أريحيّته، فطرب لهما طربا شديدا، وقال: لله در قائلهما! من هو؟ قال: ابو الطمحان القيني، وهو بالباب يا أمير المؤمنين. قال: وما قصة الدير؟ قال: قيل لابي الطمحان: ما أيسر ذنوبك؟ قال ليلة الدير! قيل له: وما ليلة الدير؟ قال: نزلت ذات ليلة بدير نصرانية، فأكلت عندها طفيشلا «٢» بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها، ومضيت؛ فضحك يزيد وأمر له بألفي درهم، وقال: لا يدخل علينا! فأخذها أبو الطمحان وانسلّ بها، وخيّب المغنّي.

стр. 2217

المسدود وزنين ودبيس أبو جعفر البغدادي قال: حدثني عبد الله بن محمد كاتب بغا عن أبي عكرمة قال: خرجت يوما إلى المسجد الجامع ومعي قرطاس لا كتب فيه بعض ما استفيده من العلماء، فمررت بباب أبي عيسى بن المتوكل فإذا ببابه المسدود، وكان من احذق الناس بالغناء، فقال: أين تريد يا أبا عكرمة؟ قلت إلى المسجد الجامع، لعلي أستفيد فيه حكمة أكتبها. فقال: أدخل بنا على أبي عيسى. قال: فقلت: مثل أبي عيسى في قدره وجلالته يدخل عليه بغير إذن! قال: فقال للحاجب: اعلم الامير بمكان أبي عكرمة. قال: فما لبث إلا ساعة حتى خرج الغلمان يحملوني حملا؛ فدخلت إلى دار لا والله ما رأيت احسن منها بناء، ولا اظرف فرشا، ولا صباحة وجوه؛ فحين دخلنا نظرت إلى أبي عيسى، فلما أبصرني قال لي: ما يعيش من يحتشم! اجلس، فجلست، فقال: ما هذا القرطاس بيدك؟ قلت: يا سيدي حملته لاستفيد فيه شيئا، وأرجو أن أدرك حاجتي في هذا المجلس. فمكثنا حينا، ثم أتينا بطعام ما رأيت أكثر منه ولا احسن، فأكلنا؛ وحانت مني التفاتة، فإذا أنا بزنين ودبيس؛ وهما من أحذق الناس بالغناء، قال: فقلت: هذا مجلس قد جمع الله فيه كلّ شيء مليح. قال: ورفع الطعام وجيء بالشراب؛ وقامت جارية تسقينا شرابا ما رأيت أحسن منه، في كل كأس لا أقدر على وصفها؛ فقلت: أعزك الله، ما أشبه بقول ابراهيم بن المهدي يصف جارية بيدها خمر: حمراء صافية في جوف صافية ... يسعى بها نحونا خود من الحور «١» حسناء تحمل حسناوين في يدها ... صاف من الرّاح في صافي القوارير «٢» وقد جلس المسدود وزنين ودبيس، ولم يكن في ذلك الزمان أحذق من هؤلاء الثلاثة بالغناء؛ فابتدأ المسدود فغنّى: لما استقلّ بأرداف تجاذبه ... واخضرّ فوق حجاب الدرّ شاربه «٣»

стр. 2218

وتمّ في الحسن والتامت محاسنه ... ومازجت بدعا فيها غرائبه وأشرق الورد في نسرين وجنته ... واهتزّ أعلاه وارتجّت حقائبه «١» كلمته بجفون غير ناطقه ... فكان من ردّه ما قال حاجبه ثم سكت، فغنى زنين: الحبّ حلو أمرّته عواقبه ... وصاحب الحبّ صبّ القلب ذائبه «٢» أستودع الله من بالطّرف ودّعني ... يوم الفراق ودمع العين ساكبه ثم انصرفت وداعي الشوق يهتف بي ... ارفق بقلبك قد عزّت مطالبه وقال: وعاتبته دهرا فلما رأيته ... إذا ازداد ذلا جانبي عز جانبه عقدت له في الصدر منّي مودّة ... وخلّيت عنه مبهما لا أعاتبه ثم سكت، فغنى دبيس: بدر من الإنس حفّته كواكبه ... قد لاح عارضه واخضرّ شاربه إن يوعد الوعد يوما فهو مخلفه ... أو ينطق القول يوما فهو كاذبه عاطيته كدم الاوداج صافية ... فقام يشدو وقد مالت جوانبه «٣» قال أبو عكرمة: فعجبت أنهم غنّوا بلحن واحد وقافية واحدة. قال أبو عيسى: يعجبك من هذا شيء يا أبا عكرمة؟ فقلت: يا سيدي المنى دون هذا. ثم إن القوم غنّوا على هذا إلى انقضاء المجلس: إذا ابتدأ المسدود تبعه الرجلان بمثل ما غنى؛ فكان مما غنى المسدود: يا دير حنّة من ذات الأكيراح ... من يصح عنك فإني لست بالصّاحي «٤»

стр. 2219

يعتاده كل محفيّ مفارقه ... من الدّهان عليه سحق أمساح ما يدلفون إلى ماء بآنية ... إلّا اغترافا من الغدران بالرّاح ثم سكت فغنى زنين: دع البساتين من آس وتفّاح ... واعدل هديت إلى ذات الأكيراح واعدل إلى فتية ذابت لحومهم ... من العبادة إلّا نضو أشياح وخمرة عتّقت في دنّها حقبا ... كأنها دمعة في جفن سيّاح «١» ثم سكت فغنى دبيس: لا تحفلنّ بقول اللائم اللّاحي ... واشرب على الورد من مشمولة الراح كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها ... أغناك لألاؤها عن كلّ مصباح ما زلت أسقي نديمي ثم ألثمه ... والليل ملتحف في ثوب سيّاح فقام يشدو وقد مالت سوالفه ... يا دير حنّة من ذات الأكيراح ثم ابتدأ المسدود فغنى: باحورار العين والدّعج ... واحمرار الخدّ في الضّرج «٢» وبتفّاح الخدود وما ... ضمّ من مسك ومن أرج كن رقيق القلب إنك من ... قتل من يهواك في حرج ثم سكت وغنى زنين: كسرويّ التّيه معتدل ... هاشميّ الدّلّ والغنج وله صدغان قد عطفا ... ببياض الخدّ كالسّبح «٣» وإذا ما افتر مبتسما ... أطلق الاسرى من المهج ما لما بي من من فرج ... لا ابتلاني الله بالفرج

стр. 2220

ثم سكت وغنى دبيس: تعمل الأجفان بالدّعج ... عمل الصهباء بالمهج بأبي ظبي كلفت به ... واضح الخدّين والفلج مرّ بي في زيّ ذي خنث ... بين ذات الضّال من أمج «١» قلت قلبي قد فتكت به ... قال ما في الدّين من حرج ثم سكت وغنى المسدود: ما يبالي اليوم ما صنعا ... من بقلبي يبدع البدعا كنت ذا نسك وذا ورع ... فتركت النّسك والورعا كم زجرت القلب عنك فلم ... يضغ لي بوما ولا نزعا لا تدعني للهوى غرضا ... إنّ ورد الموت قد شرعا ثم سكت وغنى دبيس: اسقني كأسا مصرّدة ... إنّ الليل قد طلعا «٢» قد شربت الحبّ شرب فتى ... لم يدع في كأسه جرعا ثم ابتدأ أيضا دبيس فغنى: يقولون في البستان للعين لذة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسن «٣» إذا شئت أن تلقي المحاسن كلّها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن فغضب المسدود لما قطع عليه دبيس، وقال: غن على غير هذه القافية واللحن، ثم نرجع إلى حالنا الاولى: فقال ابو عكرمة: قد أصبت. فابتدأ المسدود فغنى: أدعوك من قلبي إذا لم أرك ... يا غاية الطرف إذا أبصرك قضى لك الله فسبحان من ... أحلك القلب ومن قدّرك لست بناسيك على حالة ... يا ليت ما يذكرني ذكّرك

стр. 2221

صيّرني الله على ما أرى ... منك من الهجر ما صبّرك قال: فقال زنين: وأنا فلابد أن أسلك سبيلكما. قال أبو عكرمة: ثم التفت إلي فقال: ما ترى؟ فقلت. أحسنت والله. فابتدأ يغني: يا هائم القلب عاص من عذلك ... ما نلت ممن هويته أملك دعاك داعي الهوى بخدعته ... حتى إذا ما أحببته خذلك فاحتل لداء الهوى وسطوته ... إنك إن لم تداوه قتلك ثم ابتدأ المسدود يغني: شققت جيبي عليك شقا ... وما لجيبي أردت شقا أردت قلبي فصادفته ... يداي بالجيب قد توقى مالك رقّي أبيت عتقي ... لولاك ما كنت مسترقا ثم سكت وغنى زنين: قد ذبت شوقا ومتّ عشقا ... يا زفرات المحبّ رفقا ثكلت نفسي وزرت رمسي ... إن كنت للهجر مستحقا ثم سكت وغنى دبيس: ظمئت شوقا وبحر عشقي ... يفيض عذبا ولست أسقي أنا الذي صرت من غرامي ... على فراش السّقام ملقى فمن زفير ومن شهيق ... ومن دموع تجود سبقا ثم ابتدأ المسدود فغنى: ماذا على نجل العيون لو أنهم ... أوموا إليك فسلموا أو عرّجوا «١» أمنوا مقاساة الهموم وأيقنوا ... أنّ المحبّ إلى الاحبّة يدلج

стр. 2222

ثم سكت وغنى دبيس: هيّا فقد بدأ الصّباح الأبلج ... والشمس والبدر في خدّيك والضّرج «١» الدر ثغرك لولا ان ذا برد ... والحبر صدغك لولا ان ذا سبج انضجت قلبي ولو أن الورى لقيت ... قلوبهم منك ما لاقيت ما لهجوا «٢» ثم سكت وابتدأ المسدود فغنى: يا صاحب المقل المراض ... انظر إليّ بعين راض إن تجفني متعمّدا ... لتذيقني جرع الحياض «٣» فلطالما امكنتني ... منك المراشف عن تراض «٤» ثم سكت وغنى زنين: هائم مدنف من الإعراض ... لا سبيل له إلى الإغماض موثق النوم مطلق الدمع ما يعر ... ف ملجا من الحتوف القواضي ما يرى جسمه سوى لحظات ... أمرضته من العيون المراض كن ساخطا واظهر بأنّك راض ... لا تبدين تكرّه الإعراض وانظر إليّ بمقلة غضبانة ... إن كنت لم تنظر بمقلة راض وارحم جفونا ما تجفّ من البكا ... في ليلة مسلوبة الإغماض واحكم فديتك بين جسمي والهوى ... فالحكم منك على الجوارح ماض ثم ابتدأ المسدود فغنى: يا ذا الذي حال عن العهد ... ومن يراني منه بالصدّ «٥» بسمرة الخال وما قد حوى ... من حمرة في سالف الخد

стр. 2223

إلا تعطفت على عاشق ... منفرد بالبثّ والوجد «١» ثم سكت وغنى زنين: أظلّ بكتمان الهوى وكأنما ... ألاقي الذي لاقاه غيري من الوجد وعيب عليّ الشّوق والوجد والبكا ... ولا أنا بالشكوى أنفّس من جهدي ثم سكت وغنى دبيس: تهزّأت بي لما خلوت من الوجد ... ولم ترث لي لا كان عندك ما عندي وعيب عليّ الشوق والوجد والبكا ... وأنت الذي أجريت دمعي على خدّي صددت بلا جرم إليك أتيته ... أكان عجيبا لو صددت عن الصدّ «٢» ألا إنّني عبد لطرفك خاضع ... وطرفك مولى لا يرق على عبد ثم غنى المسدود: أقمت ببلدة ورحلت عنها ... كلانا عند صاحبه غريب أقلّ الناس في الدنيا نصيبا ... محبّ قد نأى عنه الحبيب «٣» ثم سكت وغنى زنين: ويقنعني ممن أحبّ كتابه ... ويمنعنيه، إنه لبخيل كفى حزنا أن لا أطيق وداعكم ... وقد حان منّي يا ظلوم رحيلي ثم سكت وغنى دبيس: يا واحد الحسن الذي لحظاته ... تدعو النّفوس إلى الهوى فتجيب من وجهه القمر المنير وحسنه ... غصن نضير مشرق وكثيب» ألناظريك على العيون رقيبة ... أم هل لطرفك في القلوب نصيب ثم ابتدأ المسدود فغنى:

стр. 2224

قلق لم يزل وصبر يزول ... ورضا لم يطل وسخط يطول لم تسل دمعتي عليّ من الرّحمة حتى رأيت نفسي تسيل جال في جسمي السّقام فجسمي ... مدنف ليس فيه روح تجول «١» ينقضي للقتيل حول فينسى ... وأنا فيك كلّ يوم قتيل ثم سكت وغنى زنين: ليس إلى تركك من حيلة ... ولا إلى الصبر لقلبي سبيل فكيفما شئت فكن سيدي ... فإنّ وجدي بك وجد طويل إن كنت أزمعت على هجرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل قال أبو عكرمة: فأقبل أبو عيسى على المسدود فقال له غنّ صوتا. فغنى: يا لجّة الدمع هل للدّمع مرجوع ... أم الكرى من جفون العين ممنوع «٢» ما حيلتي وفؤادي هائم أبدا ... بعقرب الصّدغ من مولاى ملسوع لا والذي تلفت نفسي بفرقته ... فالقلب من حرّق الهجران مصدوع ما أرّق العين إلا حبّ مبتدع ... ثوب الجمال على خدّيه مخلوع قال أبو عكرمة: فو الله الذي لا إله إلا هو، لقد حضرت من المجالس ما لا أحصي، فما رأيت مثل ذلك اليوم. ثم إن أبا عيسى أمر لكل واحد بجائزة وانصرفنا، ولولا أن أبا عيسى قطعهم ما انقطعوا. من سمع صوتا فوافقه معناه فاستخفه الطرب حكي عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن أبيه قال: دخلت على هارون الرشيد فلما رأيته قد أخذ في حديث الجواري وغلبتهنّ على الرجال، غنيته بأبيات التي يقول فيها:

стр. 2225

ملك الثّلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكلّ مكان مالي تطاوعني البريّة كلّها ... وأطيعهنّ وهنّ في عصياني ما ذاك إلا أنّ سلطان الهوى ... وبه قوين أعزّ من سلطاني فارتاح وطرب، وأمر لي بعشرة آلاف درهم. الموصلي والأمين : وغنى إبراهيم الموصلي محمد بن زبيدة الأمين بقول الحسن بن هانيء فيه: رشأ لولا ملاحته ... خلت الدّنيا من الفتن «١» كلّ يوم يسترقّ له ... حسنه عبدا بلا ثمن يا أمين الله عش أبدا ... دم على الأيام والزمن أنت تبقى والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن سنّ للناس القرى فقروا ... فكأنّ البخل لم يكن قال: فاستخفه الطرب حتى قام من مجلسه وأكبّ على إبراهيم يقبّل رأسه؛ فقام إبراهيم من مجلسه يقبل أسفل رجليه وما وطئتنا من البساط؛ فأمر له بثلاثة آلاف درهم؛ فقال إبراهيم: يا سيدي، قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم! فقال الأمين: وهل ذلك إلا خراج بعض الكور؟ «٢» . جرير والشعراء : الرياشي عن الأصمعي؛ قال: قدم جرير المدينة، فأتاه الشعراء وغيرهم، وأتاه أشعب فيهم، فسلموا عليه وحادثوه ساعة وخرجوا، وبقي أشعب. فقال له جرير: أراك قبيحا، وأراك لئيم الحسب؛ ففيم قعودك وقد خرج الناس؟ فقال له: أصلحك الله، إنّه لم يدخل عليك اليوم أحد أنفع لك مني! قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني آخذ

стр. 2226

رقيق شعرك فأزيّنه بحسن صوتي. فقال له جرير: فقل. فاندفع يغنيه: يا أخت ناجية السّلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذّل «١» لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل قال: فاستخف جرير الطرب لغنائه بشعره، حتى زحف إليه واعتنقه وقبّل بين عينيه، وسأله عن حوائجه فقضاها له. المسور وامرأ : الزبير بن بكار قال: كان المسور بن مخرمة ذا مال كثير، فأسرع فيه على إخوانه، فذهب فسأل امرأته- وكانت موسرة- فمنعته وبخلت عليه؛ فخرج يريد بعض خلفاء بني أمية منتجعا، فلما كان ببعض الطريق نزل ماء يقال له بلا كث، فقال له غلامه: كيف يقال لهذا الماء؟ قال: يقال له بلا كث، فقال [مغنّيا] : بينما نحن من بلا كث بالقا ... ع سراعا والعيس تهوي هويّا خطرت خطرة على القلب من ذكر ... راك وهنا فما استطعت مضيّا قلت لبّيك إذ دعاني لك الشّو ... ق، وللحاديين كرّا المطيّا فقال: هن بدن «٢» إن لم تكرها رواجع. قال له: قد أشرفن على أمير المؤمنين قال: هن بدن إن لم تكرها رواجع! فانصرف، ودخل المصلى ليلا، فوجد رجال قريش حلقا يتحدثون، فقالوا له: زاد خير! فقال: زاد خير. حتى انتهى إلى داره، فقالت له امرأته: زاد خير! فأنشدها الأبيات، قالت: كل ما أملك في سبيل الله، إن لم أشاطرك مالي! فشاطرته مالها. عمر الوادي : وروى أبو العباس قال: حدثت أن عمر الوادي قال: أقبلت من مكة أريد

стр. 2227

المدينة، فجعلت أسير في صمد «١» من الأرض، فسمعت غناء من الهواء لم أسمع مثله فقلت: والله لأتوصّلنّ إليه. فإذا هو عبد أسود، فقلت له: أعد ما سمعت. فقال: والله لو كان عندي قرى أقريك ما فعلت، ولكن أجعله قراك؛ فإني والله ربما غنيت بهذا الصوت وأنا جائع فأشبع، وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط وربما غنيته وأنا عطشان فأروى! ثم ابتدأ فغنى: وكنت متى ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها من الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو يعيدها «٢» قال عمر: فحفظته منه، ثم تغنيت به على الحالات التي وصف، فإذا هو كما ذكره. خالد صامة : وتحدث الزبيريون عن خالد صامة بأنه كان من أحسن الناس ضربا بعود. قال: قدمت على الوليد بن يزيد في مجلس ناهيك به مجلسا، فألفيته على سريره، وبين يديه معبد، ومالك بن أبي السمح، وابن عائشة، وأبو كامل غزيّل الدمشقي وكانوا يغنّون، حتى بلغت النوبة إليّ، فغنيته: سرى همّي وهمّ المرء يسري ... وغاب النّجم إلا قيد فتر «٣» لهمّ ما أزال له قرينا ... كأنّ القلب أودع حرّ جمر على بكر أخي، فارقت بكرا ... وأيّ العيش يصلح بعد بكر فقال: أعد يا صام. ففعلت، فقال لي: من يقول هذا الشعر؟ قلت: يقوله عروة ابن أذينة يرثي أخاه بكرا. قال الوليد: وأي عيش يصلح بعد بكر! والله لقد حجّر واسعا، هذا والله العيش الذي نحن فيه، يصلح على رغم أنفه.

стр. 2228

سكينة : وقد قيل: إن سكينة بنت الحسين غنيت بهذا الشعر، فقالت: ومن بكر هذا! هو ذاك الأشتر الذي كان يأتينا؟ لقد طاب كلّ شيء بعده حتى الخبز والزيت! الرشيد وإسحاق الموصلي : وعن عبد الصمد بن المعذّل قال: سمعت إسحاق الموصلي يتحدث، قال: حججت مع الرشيد، فلما نزلت المدينة آخيت رجلا كانت له مروءة ومعرفة وأدب، وكان يغنّي، فإنّي ذات ليلة في منزلي إذا أنا بصوته يستأذن عليّ، فظننت أمرا قد حدث ففزع فيه إليّ، فأسرعت نحو الباب فقلت: ما جاء بك؟ قال: دعاني صديق إلى طعام عتيد، ومجلس شراب قد التقى طرفاه، وشواء رشراش «١» ، وحديث ممتع، وغناء مشبع؛ فأجبته وأقمت معه إلى هذا الوقت، فأخذت مني حميا الكأس مأخذها، ثم غنيت بقول نصيب: بزينب ألمم قبل أن يرحل الرّكب ... وقل إن تملينا فما ملك القلب فكدت أطير طربا، ثم وجدت في الطرب تنغيصا إذا لم يكن معي من يفهم هذا كما فهمته؛ ففزعت «٢» إليك لأصفت لك هذه الحال ثم أرجع إلى صاحبي! وضرب بغلته مولّيا فقلت: قف أكلمك. فقال: ما بي إلى الوقوف إليك من حاجة. معاوية وزيد وسائب خاثر : وحدث أن معاوية بن أبي سفيان استمع على يزيد ذات ليلة، فسمع عنده غناء أعجبه؛ فلما أصبح قال له: من كان ملهيك البارحة؟ قال: سائل خاثر. قال: فأكثر له من العطاء.

стр. 2229

عثمان بن حيان وابن أبي عتيق في تحريم الغناء : وكان ابن أبي عتيق من نبلاء قريش وظرفائهم؛ فمن ظريف أخباره: أن عثمان بن حيان المرّي لما دخل المدينة واليا عليها، اجتمع إليه الأشراف من قريش والأنصار، فقالوا له: إنك لا تعمل عملا أحرى ولا أولى من تحريم الغناء والرثاء. ففعل، وأجّلهم ثلاثا؛ فقدم ابن أبي عتيق في الليلة الثالثة، وكان غائبا، فحط رحله بباب سلّامة الزرقاء، وقال: بدأت بك قبل أن أصير إلى منزلي! قالت: أو ما تدري ما حدث بعدك؟ وأخبرته الخبر؛ فقال: أقيمي إلى السّحر حتى ألقاه. فلقيه، فأخبره أنه إنما أقدمه حبّ التسليم عليه، وقال له: إن أفضل ما عملت تحريم الغناء والرثاء. فقال: إن أهلك أشاروا عليّ بذلك. فقال: إنهم وفّقوا ووفّقت، ولكني رسول امرأة إليك تقول: قد كانت هذه صناعتي فتبت إلى الله منها، وأنا أسألك أيها الأمير أن لا تحول بينها وبين محاورة قبر النبي ﷺ ! فقال عثمان: إذا أدعها. فقال: إذا لا تدعك الناس؛ ولكن تدعو بها فتنظر إليها، فإن كان يجوز تركها تركتها. قال: فادع بها. فأمر ابن أبي عتيق فتنقّبت وأخذت سبحة «١» في يدها، وصارت إليه، فحدّثته عن مآثر آبائه، ففكه بها فقال ابن أبي عتيق: أريد أن أسمع الأمير قراءتها. ففعلت؛ فحركه حداؤها. ثم قال له ابن أبي عتيق: فكيف لو سمعتها في صناعتها التي تركتها! فقال له: قل لها فلتغنّ. فغنت: شددّت خصاص البيت لما دخلته ... بكلّ بنان واضح وجبين «٢» فنزل عثمان عن سريرة ثم جلس بين يديها، وقال: لا والله ما مثلك يخرج عن المدينة! فقال ابن أبي عتيق: يقول الناس: أذن لسلّامة ومنع غيرها! فقال له: قد أذنت لهم جميعا! وذكر لابن أبي عتيق أن المخنثين خصوا، وأنه خصي فلان فيهم- لواحد منهم

стр. 2230

كان يعرفه-، فقال ابن أبي عتيق: إنا لله! لئن خصي لقد كان يحسن: لمن ربع بذات الجي ... ش أمسى دراسا خلقا ثم استقبل ابن أبي عتيق القبلة، فلما كبّر سلّم، ثم قال لأصحابه: أما إنه كان يحسن خفيفه، فأما ثقيله فلا. ثم كبّر. سليمان ومغن في عسكره : وكان سليمان بن عبد الملك مفرط الغيرة، فسمع مغنيا في عسكره، فقال: اطلبوه! فجاءوا به، فقال له: أعد ما تغنّيت به. فأعاد واحتفل، فقال لأصحابه: والله لكأنها جرجرة الفحل في الشول، وما أحسب أنثى تسمع هذا إلا صبت إليه! ثم أمر به فخصي. ابن هشام ورجل صالح : وقال أبو العباس محمد بن يزيد النحوي: روي لنا أن رجلا من الصالحين كان عند إبراهيم بن هشام، فانشده إبراهيم قول الشاعر: ... إذا أنت فينا لمن ينهاك عاصية ... وإذ أجرّ إليكم سادرا رسني «١» فقام الرجل فرمى بشقّ ردائه وأقبل يسحبه حتى خرج من المجلس، ثم رجع إلى موضعه فجلس؛ فقال له إبراهيم: ما بالك؟ قال: إني كنت سمعت هذا الشعر فاستحسنته، فآليت أن لا أسمعه إلا جررت ردائي كما جر هذا الرجل رسنه! شاعر ومغن : ووقف رجل من الشعراء على رجل من المغنّين فأنشده: إني أتيت إليك من أهلي ... في حاجة يسعى لها مثلي لا أبتغي شيئا لديك سوى ... «حيّ الحمول بجانب الرّمل»

стр. 2231

قال له: انزل! دهمان المغني : مرّ دهمان المغني بقوم وعليه رداء يثربي، فقالوا له: بكم أخذت الرداء؟ فقال: ب ألا إنّ جيراننا ودّعوا أشعب وهاشمى : وحدّثني أبو العباس أحمد بن بكر ببغداد قال: حدثني إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: كان يقال قديما: إذا قسا عليك قلب القرشي من تهامة، فغنّه بشعر عمر بن أبي ربيعة وغناء ابن سريج. وكذا فعل أشعب برجل من أهل مكة من بني هاشم، وكان أشعب قد انتجع أهل مكة من المدينة. قال أشعب: فلما دخلت عليه غنيته بغناء أهل المدينة وأهل العقيق، فلم ينجع ذلك فيه ولم يحرّك من طربه ولا أريحيّته؛ فلما عيل صبري غنيته بغناء ابن سريج المكي وقول ابن أبي ربيعة القرشي: نظرت إليها بالمحصّب من منى ... ولي نظر لولا التحرّج عارم فقلت أشمس أم مصابيح راهب ... بدت لك تحت السجف أم أنت حالم «١» بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم قال: فحرّكت والله من طربه، وكان الذي أردت؛ ثم غنيته لابن أبي ربيعة القرشي أيضا. ولولا أن يقول لنا قريش ... مقال الناصح الأدنى الشفيق لقلت إذ التقينا قبليني ... وإن كنا بقارعة الطريق فقال: أحسن والله! هكذا يطيب التلقّي، لا بالخوف والتوقّي! قال: فلما رأيته قد

стр. 2232

طرب للصوتين ولم يندّ لي بشيء، قلت: هو الثالث وإلا فعليه السلام. قال: فغنيته الثالث من غناء ابن سريج قول عمر بن أبي ربيعة، ويقال إنها لجميل: ما زلت أمتحن الدّساكر دونها ... حتى ولجت على خفيّ المولج «١» فوضعت كفّي عند مقطع خصرها ... فتنفّست نفسا ولم تتلهّج قالت: وحقّ أخي وحرمة والدي ... لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج فخرجت خيفة قولها فتبسّمت ... فعلمت أن يمينها لم تحرج فرشفت فاها آخذا بقرونها ... رشف النزيف ببرد ماء الحشرج فصاح الهاشمي: أوّه! أحسن والله وأحسنت! وأمر لي بألف درهم وثلاثين حلة وخلعة كانت عليه. وغنى ابن سريج رجلا من بني هاشم بقول جرير: بعثن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأسهم أعداء وهنّ صديق وما ذقت طعم العيش منذ نأيتم ... وما ساغ لي بين الجوانح ريق قال: فخطف من ثوبه ذراعا، وقال: هذا والله العقيان في نحور القيان! مديني وجارية تغني : قال: وصحب شيخ من أهل المدينة شابّا في سفينة ومعهم جارية تغني، فقال له: إن معنا جارية تغني، ونحن نجلّك؛ فإذا أذنت لنا فعلنا. قال: فأنا أعتزل وافعلوا ما شئتم. فتنحّى وغنت الجارية: حتى إذا الصّبح بدا ضوؤه ... وغابت الجوزاء والمرزم «٢» أقبلت والوطء خفيّ كما ... ينساب من مكمنه الأرقم «٣» فرمى الناسك بنفسه في الفرات وجعل يخبط بيديه ويقول: أنا الأرقم! فأخرجوه

стр. 2233

وقالوا: ما صنعت؟ فقال: والله إني أعلم من تأويله ما لا تعلمون! قاضي مكة ومغنية : وقال أحمد بن جعفر: حضر قاضي مكة مأدبة لرجل من الأشراف، فلما انقضى الطعام اندفعت جارية تغني: إلى خالد حتى أنخنا بخالد ... فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمّل «١» فلم يدر القاضي ما يصنع من الطرب، حتى أخذ نعليه، ثم جثى على ركبتيه وقال: اهدوني فإني بدنة. هاشمي ومغن : كان رجل من الهاشميين يحب السماع؛ فبعث إلى رجل من المغنين فاقترح عليه صوتا كان كلفا به، فغناه إياه، فطرب الهاشمي وشق ثوبا كان عليه، ثم قال للمغني: افعل بنفسك مثل ما فعلت بنفسي! قال: أصلحك الله، إنك تجد خلفا من ثوبك، وإني لا أجد خلفا من ثوبي قال: أنا أخلف لك. قال: فأفعل وتفعل؟ قال: أخرجتنا من حد الطرب إلى حد السّوم. من قرع قلبه صوت فمات منه أو أشرف يزيد ومغنية : حدث أبو القاسم إسماعيل بن عبد الله المأمون في طريق الحج من العراق إلى مكة، قال: حدثني أبي، قال: كانت بالمدينة قينة من أحسن الناس وجها وأكملهم عقلا وأفضلهم أدبا، قرأت القرآن وروت الأشعار وتعلمت العربية؛ فوقعت عند يزيد بن عبد الملك، فأخذت بمجامع قلبه، فقال لها ذات يوم: ويحك! أما لك قرابة أو أحد يحسن أن أصطنعه أو أسدي إليه معروفا؟ قالت: يا أمير المؤمنين، أما قرابة فلا،

стр. 2234

ولكنّ بالمدينة ثلاثة نفر كانوا أصدقاء لمولاتي، كنت أحبّ أن ينالهم من خير ما صرت إليه! فكتب إلى عامله بالمدينة في أشخاصهم، وأن يعطي كل رجل منهم عشرة آلاف درهم، وأن يعجل بسراحهم إليه؛ ففعل عامل المدينة ذلك؛ فلما وصلوا إلى باب يزيد استؤذن لهم، فأذن لهم وأكرمهم وسألهم [عن] حوائجهم؛ فأما الاثنان فذكرا حوائجهما فقضاها لهما وأما الثالث فسأله عن حاجته؛ فقال: يا أمير المؤمنين، مالي حاجة! قال: ويحك! ولم؟ ألست أقدر على حوائجك؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن حاجتي لا أحسبك تقضيها! قال: ويحك! فسلني، فإنك لا تسألني حاجة أقدر عليها إلا قضيتها. قال: ولي الأمان يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم وكرامة، قال: إن رأيت أن تأمر جاريتك فلانة التي أكرمتنا لها أن تغنّيني ثلاثة أصوات أشرب عليها ثلاثة أرطال، فافعل، قال: فتغير وجه يزيد. وقام من مجلسه، فدخل على الجارية فأعلمها؛ قالت: وما عليك يا أمير المؤمنين؟ أفعل ذلك. فلما كان من الغد أمر بالفتى فأحضر، وأمر بثلاثة كراسي من ذهب فألقيت؛ فقعد يزيد على أحدها، وقعدت الجارية على الآخر، وقعد الفتى على الثالث؛ ثم دعا بطعام فتغدّوا جميعا، ثم دعا بصنوف الرياحين والطيب فوضعت ثم أمر بثلاثة أرطال فملئت؛ ثم قال للفتى: قل ما بدا لك وسل حاجتك. قال: تأمرها تغني: لا أستطيع سلّوا عن مودّتها ... أو يصنع الحبّ بي فوق الذي صنعا أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدني ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا فامرها فغنّت، فشرب يزيد وشرب الفتى، ثم شربت الجارية؛ ثم أمر بالأرطال فملئت، ثم قال للفتى: سل حاجتك. قال: تأمرها تغني: تخيّرت من نعمان عود أراكة ... لهند، ولكن من يبلّغه هندا؟ ألا عرّجا بي بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا قال: فغنت بهما، وشرب يزيد ثم الفتى ثم الجارية؛ ثم أمر بالأرطال فملئت؛ ثم قال للفتى: سل حاجتك. قال: يا أمير المؤمنين مرها تغني: منّا الوصال ومنكم الهجر ... حتى يفرّق بيننا الدهر

стр. 2235

والله ما أسلوكم أبدا ... ما لاح نجم أو بدا فجر قال: فلم تأت على آخر الأبيات حتى خرّ الفتى مغشيا عليه؛ فقال يزيد للجارية: انظري ما حاله! فقامت إليه فحرّكته، فإذا هو ميت! فقال لها: ابكيه! قالت لا أبكيه يا أمير المؤمنين وأنت حيّ! قال لها: ابكية، فو الله لو عاش ما انصرف إلا بك! فبكته، وأمر بالفتى فأحسن جهازه ودفنه. عبد الملك وابن جعفر في الغناء : قال: وحدّث أبو يوسف بالمدينة قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر الجذامي عن أبيه، أنّ عبد الله بن جعفر وفد على عبد الملك بن مروان، فأقام عنده حينا؛ فبينا هو ذات ليلة في سمره، إذ تذاكروا الغناء؛ فقال عبد الملك: قبح الله الغناء! ما أوضعه للمروءة، وأجرحه للعرض، وأهدمه للشّرف، وأذهبه للبهاء! وعبد الله ساكت، وإنما عرّض بعبد الله، وأعانه عليه من حضر من أصحابه- فقال عبد الملك: مالك أبا جعفر لا تتكلم؟ قال: ما أقول ولحمي يتمزع وعرضي يتمزق؟ قال: أما إني نبّئت أنك تغني! قال: أجل يا أمير المؤمنين، قال: أفّ لك وتفّ! قال: لا أفّ ولا تفّ، فقد تأتي أنت بما هو أعظم من ذلك، قال: وما هو؟ قال: يأتيك الأعرابي الجافي، يقول الزّور؛ ويقذف المحصنات؛ فتأمر له بألف دينار، وأشتري أنا الجارية الحسناء من مالي، فأختار لها من الشعر أجوده، ومن الكلام أحسنه، ثم تردّده عليّ بصوت حسن؛ فهل بذلك بأس؟ قال: لا بأس، ولكن أخبرني عن هذه الأغاني ما تصنع؟ قال: نعم، اشتريت جارية باثني عشر ألف درهم مطبوعة، فكان بديح وطويس يأتيانها فيطرحان عليها أغانيهما، فعلقت منهما حتى غلبت عليهما؛ فوصفت ليزيد بن معاوية، فكتب إليّ: إمّا أهديتها إليّ، وإمّا بعتها بحكمك. فكتبت إليه: إنها لا تخرج عن ملكي ببيع ولا هبة! فبذل لي فيها ما كنت أحسب أنّ نفسه لا تسخو به، فأبيت عليه. فبينما هي عندي على تلك الحال، إذ ذكرت لي عجوز من عجائزنا أنّ فتى من

стр. 2236

أهل المدينة سمع غناءها فعلقها وشغف بها، وأنه يجيء في كل ليلة مستترا يقف بالباب حتى يسمع غناءها ثم ينصرف؛ فراعيت مجيئه، فإذا الفتى قد أقبل مقنّع الرأس، فأشرفت عليه وقد قعد مستخفيا، فلم أدع بها تلك الليلة، وجعلت أتأمّل موضعه، فبات مكانه الذي هو فيه؛ فلما انشق الفجر اطلعت عليه، فإذا هو في موضعه، فدعوت قيّمة الجواري فقلت لها: انطلقي الساعة فزيّني هذه الجارية وأعجلي بها إليّ. فلما جاءت بها نزلت وفتحت الباب وحرّكته، فانتبه مذعورا؛ فقلت له: لا بأس عليك! خذ بيد هذه الجارية فهي لك، وإن هممت ببيعها فردّها إليّ! فدهش وأخذه الخبل ولبط به «١» ؛ فدنوت من أذنه! فقلت: ويحك! قد أظفرك ببغيتك، فقم فانطلق بها إلى منزلك! فإذا الفتى قد فارق الدنيا، فلم أر شيئا قط أعجب منه! قال عبد الملك: وأنا والله ما سمعت شيئا قط أعجب من هذا ولولا أنك عاينته ما صدّقت به؛ فما صنعت بالجارية؟ قال: تركتها عندي، وكنت إذا ذكرت الفتى لم أجد لها مكانا من قلبي، وكرهت أن أوجّه بها إلى يزيد فيبلغه حالها فيحقد عليّ، فما زالت تلك حالها حتى ماتت! طريفة وأيوب المغني : ووقف رجل يقال له طريفة على أيوب المغني فقال: إني قصدت إليك من أهلي ... في حاجة يسعى لها مثلي لا أبتغي شيئا لديك سوى ... «حيّ الحمول بجانب الرّمل» فقال له: انزل، فلك ما طلبت، فنزل، فأخرج عوده ثم غناه بقول امريء القيس: حيّ الحمول بجانب الرمل ... إذ لا يلائم شكلها شكلي فلبط «٢» بطريفة، فإذا هو في الأرض منجدل، فلما أفاق قام يمسح التراب عن

стр. 2237

وجهه؛ فقيل له: ويحك! ما كانت قصتك؟ قال: ارتفع والله من رجلي شيء حارّ، وهبط من رأسي شيء بارد، فالتقيا وتصادما؛ فوقعت لا أدري ما كانت حالي. أخبار عنان وغيرها من القيان حدّث محمد بن زكريا الغلابي بالبصرة قال: حدثنا ابراهيم بن عمر قال: كان الرشيد قد استعرض عنان جارية الناطفي ليشتريها، وقال لها: أنا والله أحبّك! ثم أمسك عن شرائها؛ فجلس ليلة مع سمّاره، فغناه بعض من حضر من المغنين بأبيات جرير حيث يقول: إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا «١» قال: فطرب الرشيد لها طربا شديدا، وأعجب بالابيات، وقال لجلسائه: هل منكم أحد يجيز هذه الابيات بمثلهنّ، وله هذه البدرة؟ - وبين يديه بدرة من دنانير- قال: فلم يصنعوا شيئا؛ فقال خادم على رأسه: أنا لك بها يا أمير المؤمنين. قال: شأنك. فاحتمل البدرة؛ ثم أتى الناطفيّ فقال له: استأذن لي على عنان. فأذنت له، فدخل وأخبرها الخبر؛ فقالت: ويحك! وما الابيات؟ فأنشدها إياها، فقالت له: اكتب: هيّجت بالقول الذي قد قلته ... داء بقلبي ما يزال كمينا قد أينعت ثمراته في طينها ... وسقين من ماء الهوى فروينا كذب الذين تقوّلوا يا سيدي ... إنّ القلوب إذا هوين هوينا فقالت له: دونك الابيات. فدفع إليها البدرة ورجع إلى هارون، فقال: ويحك! من قالها؟ قال: عنان جارية الناطفي. فقال: خلعت الخلافة من عنقي إن باتت إلا عندي! قال: فبعث إلى مولاها فاشتراها منه بثلاثين ألفا، وباتت بقية تلك الليلة عنده! وقال الاصمعي: ما رأيت الرشيد مبتذّلا قط إلا مرة، كتبت إليه عنان جارية الناطفى رقعة فيها:

стр. 2238

كنت في ظلّ نعمة بهواكا ... آمنا لا أخاف جفاكا فسعى بيننا الوشاة فأقرر ... ت عيون الوشاة بي فهناكا ولعمري لغير ذا كان أولى ... بك في الحق يا جعلت فداكا قال: فأخذ الرقعة بيده وعنده ابو جعفر الشطرنجي، فقال: أيكم يشير إلى المعنى الذي في نفسي فيقول فيه شعرا وله عشرة آلاف درهم؟ فظننت أنه وقع بقلبه أمر عنان، فبدر ابو جعفر: مجلس ينسب السرور إليه ... لمحبّ ريحانه ذكراكا فقال: يا غلام، بدرة! قال الاصمعي: وقلت: لم ينلك الرجاء أن تحضريني ... وتجافت أمنيّتي عن سواكا قال: أحسنت والله يا أصمعي، لها ولك بهذا البيت عشرون ألفا. قال جرير: كلما دارت الزجاجة والكأ ... س أعارته صبوة فبكاكا فقال: أنا أشعركم حيث أقول: قد تمنيت ان يغشّين ... الله نعاسا لعلّ عيني تراكا قلنا له: صدقت والله يا أمير المؤمنين. الباهلي في امر عنان وقال بكر بن حماد الباهلي: لما انتهى إليّ خبر عنان، وأنها ذكرت لهارون وقيل إنها من أشعر الناس، خرجت معترضا لها؛ فما راعني إلا الناطفي مولاها قد ضرب على عضدي، فقال لي: هل لك فيما سنح من طعام وشراب ومجالسة عنان؟ فقلت: ما بعد عنان مطلب! ومضينا حتى أتينا منزله، فعقل دابته ثم دخل فقال: هذا بكر شاعر باهلة يريد مجالستك اليوم. فقالت: والله، إني كسلانة! فحمل عليها بالسوط؛ ثم قال

стр. 2239

لي: ادخل. فدخلت ودمعها يتحدّر كالجمان في خدها، فطمعت بها؛ فقلت: هذي عنان أسبلت دمعها ... كالدرّ إذ ينسل من خيطه ثم قلت: أجيزي. فقالت: فليت من يضربها ظالما ... تجفّ كفّاه على سوطه فقلت لها: إن لي حاجة. فقالت: هاتها، فمن سببك أوذينا! قلت لها: بيت وجدته على ظهر كتابي، لم أقرضه ولم أقدر على إجازته. قالت: قل: فأنشدتها: فما زال يشكو الحبّ حتى حسبنه ... تنفّس من أحشائه فتكلما قال: فأطرقت ساعة ثم أنشدت: ويبكي فأبكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكي دمعا بكيت له دما! قلت لها: فما عندك في اجازة هذا البيت: بديع حسن بديع صدّ ... جعلت خدّي له ملاذا فأطرقت ساعة ثم قالت: فعاتبوه فعنّفوه ... فأوعدوه، فكان ماذا ... ؟ أبو نواس وعنان وجلس أبو نواس إلى عنان، فقالت: كيف علمك بالعروض وتقطيع الشعر يا حسن؟ قال: جيد. قالت تقطع هذا البيت: أكلت الخردل الشا ... ميّ في صفحة خبّاز فلما ذهب يقطّعه ضحكت به وأضحكت، فأمسك عنها وأخذ في ضروب من الاحاديث؛ ثم عاد سائلا لها، فقال: كيف علمك بالعروض؟ قالت: حسن يا حسن فقال: قطعي هذا البيت: حوّلوا عنّا كنيستكم ... يا بني حمّالة الحطب

стр. 2240

فلما ذهبت تقطّعه ضحك أبو نواس، فقالت: قبحك الله! ما برحت حتى أخذت بثأرك! المأمون وسوسن المغني وجارية حدّث أبو عبد الله بن عبد البر المدني قال: حدثني إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: كان للمأمون جماعة من المغنين، وفيهم مغنّ يسمى سوسنا، عليه وسم جمال قال: فبينما هو عنده يغني إذ تطلعت جارية من جواريه فنظرت إليه فعلقته، فكانت إذا حضر سوسن تسوّي عودها وتغني: ما مررنا بالسّوسن الغضّ إلا ... كان دمعي لمقلتي نديما حبّذا أنت والمسمّى به أنت وإن كنت منه أذكى نسيما فإذا غاب سوسن أمسكت عن هذا الصوت وأخذت في غيره؛ فلم تزل تفعل ذلك حتى فطن المأمون، فدعا بها ودعا بالسيف والنّطع «١» ؛ ثم قال: اصدقيني أمرك قالت: يا أمير المؤمنين، ينفعني عندك الصدق؟ قال لها: إن شاء الله! قالت: يا أمير المؤمنين، اطلعت من وراء الستارة فرأيته فعلقته، فأمسك المأمون عن عقوبتها، وأرسل إلى المغني فوهبها له وقال لا يربنا!. قال أبو الحسن: وكان الواثق إذا شرب وسكر رقد في موضعه الذي سكر فيه، ومن سكر من ندمائه ترك ولم يخرج؛ فشرب يوما فسكر ورقد، وانقلب أصحابه، إلا مغنيا أظهر التراقد، وبقيت معه مغنية للواثق؛ فلما خلا المجلس وقع المغني في سحاءة «٢» ودفعها إليها: إني رأيتك في المنام كأنني ... مترشّف من ريق فيك البارد وكأنّ كفّك في يدي وكأنما ... بتنا جميعا في فراش واحد ثم انتبهت ومنكباك كلاهما ... في راحتيّ وتحت خدّك ساعدي «٣»

стр. 2241

فأجابته: خيرا رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله منّي برغم الحاسد وتبيت بين خلاخلي ودمالجي ... وتجول بين مراسلي ومجاسدي «١» فنكون أنعم عاشقين تعاطيا ... ملح الحديث بلا مخافة راصد فلما مدت يدها لترمي إليه بالسحاءة، رفع الواثق رأسه فأخذ السحاءة من يدها، وقال لهما: ما هذه؟ فحلفا له أنه لم يجر بينهما قبل هذا كلام ولا كتاب ولا رسول غير اللحظ، إلا ان العشق قد خامرهما. فأعتقها وزوّجها منه، فلما أشهد له وتم النكاح، أقامها الواثق إلى بيت من بعض البيوت، فوقع بها ثم خرج فقال له: أردت أن تكشّخني «٢» فيها وهي خادمتي، فقد كشختك فيها وهي زوجتك!. يزيد ومسلمة في حبابة : قال: ولما كلف يزيد بحبابة واشتغل بها وأضاع الرعية، دخل عليه مسلمة أخوه فقال: يا أمير المؤمنين، تركت الظهور للعامّة، والشهود للجمعة، واحتجبت مع هذه الأمّة! فارعوي قليلا وظهر للناس؛ فأوصت حبابة إلى الاحوص أن يقول أبياتا يهوّن فيها على يزيد ما قال مسلمة؛ فقال وغنّت بها حبابة: ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا ... فقد منع المحزون أن يتجلدا إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجر- من يابس الصخر جلمدا هل العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنّان وفنّدا فلما سمعها ضرب بجربّانه «٣» الارض وقال: صدقت صدقت؛ على مسلمة لعنة الله! ثم عاد إلى سيرته الاولى.

стр. 2242

يزيد بعد موت حبابة : وحدث ابن الغاز قال: حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثنا الهيثم بن أبي بكر قال: كان يزيد بن عبد الملك كلفا بحبابة كلفا شديدا، فلما توفيت أكب عليها أياما يترشفها ويتشممها؛؛ ثم انتنت، فقام عنها وأمر بجهازها؛ ثم خرج بين يدي نعشها؛ حتى إذا بلغ القبر نزل فيه؛ حتى إذا فرغ من دفنها وانصرف لصق إليه مسلمة اخوه يعزيه ويؤنسه؛ فلما أكثر عليه قال: قاتل الله ابن أبي جمعة حيث يقول: فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد وكلّ خليل زارني فهو قاتل ... من اجلك: هذه هامة اليوم أو غد «١» قال: وطعن في جنازتها، فدفنّاه إلى سبعة عشر يوما. المعتصم وجارية وذكر المعتصم جارية كانت غلبت عليه وهو بمصر، ولم يكن خرج بها معه؛ فدعا مغنيا له فقال له: ويحك! اني ذكرت جارية، فأقلقني الشوق إليها؛ فهات صوتا يشبه ما ذكرت لك. فأطرق مليا ثم غنى: وددت من الشوق المبرّح أنني ... أعار جناحي طائر فأطير فما لنعيم لست فيه بشاشة ... وما لسرور لست فيه سرور وإنّ امرأ في بلدة نصف قلبه ... ونصف بأخرى غيرها لصبور فقال: واد ما عدوت ما في نفسي! وأمر له بجائزة، ورحل من ساعته، فلما بلغ الفرما قال: غريب في قرى مصر ... يقاسي الهمّ والسّدما «٢» لليلك كان بالميدا ... ن اقصر منه بالفرما

стр. 2243

وقال المأمون في قينة له: لها في لحظها لحظات حتف ... تميت بها وتحيي من تريد فإن غضبت رأيت الناس قتلي ... وإن ضحكت فأرواح تعود وتسبي العالمين بمقلتيها ... كأنّ العالمين لها عبيد وأنشد البحتري في قينة له: أمازحها فتغضب ثم ترضى ... وفعل جمالها حسن جميل فإن تغضب فأحسن ذات دلّ ... وإن ترضى فليس لها عديل وقال المعتز في قينة له: فأمسيت في ليلين للشّعر والدّجا ... وشمسين من كأس ووجه حبيب وقال هارون الرشيد في قينة له ﵀: تبدي صدودا وتخفي تحته مقة ... فالنّفس راضية والطرف غضبان «١» يا من وضعت له خدّي فذلله ... وليس فوقي سوى الرحمن سلطان وقال ابراهيم الشيباني: القينة لا تخلص محبة لأحد، ولا تؤتى إلا من باب طمع. وقال علي بن الجهم: قلت لقينة: هل تعلمين وراء الحبّ منزلة ... تدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني» فقالت: تأتي من باب الذهب، وأنشدت: اجعل شفيعك منقوشا تقدّمه ... فلم يزل مذنبا من ليس بالدّاني «٣» أشعب وقينة وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة فجلس عندها يوما يطارحها الغناء؛ فلما أراد الخروج قال لها: نوّليني خاتمك أذكرك به. قالت: إنه ذهب، وأخاف ان تذهب؛

стр. 2244

ولكن هذ خذ العود، لعلك تعود! وناولته عودا من الأرض!. وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة يكلف بها وينقطع إذا نظرها، فطلبت منه أن يسلفها دراهم، فانقطع عنها وتجنب دارها، فعلمت له دواء ولقيته به؛ فقال لها: ما هذا؟ قالت: دواء عملته لك تشربه لهذا الفزع الذي بك! قال: اشربيه أنت للطمع، فان انقطع طمعك انقطع فزعي. وأنشأ يقول: أنا والله أهواك ... ولكن ليس لي نفقه فإمّا كنت تهويني ... فقد حلّت لي الصّدقه أبو الحارث وقينة وقعد أبو الحارث جمّيز إلى قينة بالمدينة صدر نهاره، فجعلت تحدّثه ولا تذكر الطعام؛ فلما طال ذلك به قال: مالي لا أسمع للطعام ذكرا؟ قالت: سبحان الله! أما تستحي؟ أما في وجهي ما يشغلك عن هذا؟ فقال لها: جعلت فداك، لو أن جميلا وبثينة قعدا ساعة واحدة لا يأكلان، لبصق كل واحد منهما في وجه صاحبه وافترقا!. أبو نواس وقينة وقال الشيباني: كانت بالعراق قينة، وكان أبو نواس يختلف إليها، فتظهر له أنها لا تحب غيره؛ وكان كلما جاءها وجد عندها فتى يجلس عندها ويتحدث إليها؛ فقال فيها: ومظهرة لخلق الله ودّا ... وتلقى بالتّحيّة والسّلام أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزّحام فيامن ليس يكفيها صديق ... ولا خمسون ألفا كلّ عام أراك بقيّة من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام

стр. 2245

ابو نواس وقيان وقال الشيباني حضر أبو نواس مجلسا فيه قيان؛ فقلن له: ليتنا بناتك. قال: نعم، ونحن على المجوسية. وقال العتبي: حضرت قينة مجلسا، فتغنت فأجادت، فقام إليها شيخ من القوم فجلس بين يديها، وقال: كل مملوك لي حرّ، وكل امرأة لي طالق، لو كانت الدنيا لي كلها صررا في كمي لقطعتها لك؛ فأما إذا لم يكن فجعل الله كل حسنة لي لك، وكلّ سيئة عليك عليّ. قالت: جزاك الله خيرا، فو الله ما يقوم الوالد لولده بما قمت به لنا. فقام شيخ آخر وقعد بين يديها وقال لها: كل مملوك لي حر، وكل امرأة لي طالق، إن كان وهب لك شيئا ولا حمل عنك ثقلا؛ لانه ماله حسنة يهبها لك، ولا عليك سيئة يحملها عنك؛ فلأيّ شيء تحمدينه؟. حدّث احمد بن عمر المكي قال: سمعت إسحاق بن ابراهيم الموصلي يقول: كان بالمدينة رجل جعفري، من ولد جعفر بن أبي طالب، وكان يحب الغناء، وكان بالمدينة قينة يقال لها بصيص، وكان الجعفري يتعشّقها، فقال يوما لإخوانه: قوموا معي إلى هذه الجارية حتى نكاشفها، فقد والله أيتمت ولدي، وأرملت نسائي، وأخربت ضيعتي. فقاموا معه، حتى إذا جاءوا إلى بابها دقّه، فخرجت إليه، فإذا هي أملح الناس دلّا وشكلا، فقال لها: يا جارية، أتغنّين: وكنت أحبكم فسلوت عنكم ... عليكم في دياركم السلام فاستحيت وخجلت وبكت وقالت: يا جارية، هاتي عودي؛ والله ما أحسن هذا ولكن أحسن غيره. فغنت: تحمل اهلها منها فبانوا ... على آثار من ذهب العفاء قال: فاستحيا والله صاحبنا حتى تصبب عرقا، ثم قال لها: يا سيدتي، أفتحسنين أن تغني: وأخضع للعتبى إذا كنت ظالما ... وإن ظلموا كنت الذي أتفضل
следующие страницы →