Полный текст (2 664 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
فأجابته:
خيرا رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله منّي برغم الحاسد
وتبيت بين خلاخلي ودمالجي ... وتجول بين مراسلي ومجاسدي «١»
فنكون أنعم عاشقين تعاطيا ... ملح الحديث بلا مخافة راصد
فلما مدت يدها لترمي إليه بالسحاءة، رفع الواثق رأسه فأخذ السحاءة من يدها، وقال لهما: ما هذه؟ فحلفا له أنه لم يجر بينهما قبل هذا كلام ولا كتاب ولا رسول غير اللحظ، إلا ان العشق قد خامرهما. فأعتقها وزوّجها منه، فلما أشهد له وتم النكاح، أقامها الواثق إلى بيت من بعض البيوت، فوقع بها ثم خرج فقال له: أردت أن تكشّخني «٢» فيها وهي خادمتي، فقد كشختك فيها وهي زوجتك!.
يزيد ومسلمة في حبابة
: قال: ولما كلف يزيد بحبابة واشتغل بها وأضاع الرعية، دخل عليه مسلمة أخوه فقال: يا أمير المؤمنين، تركت الظهور للعامّة، والشهود للجمعة، واحتجبت مع هذه الأمّة! فارعوي قليلا وظهر للناس؛ فأوصت حبابة إلى الاحوص أن يقول أبياتا يهوّن فيها على يزيد ما قال مسلمة؛ فقال وغنّت بها حبابة:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا ... فقد منع المحزون أن يتجلدا
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجر- من يابس الصخر جلمدا
هل العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنّان وفنّدا
فلما سمعها ضرب بجربّانه «٣» الارض وقال: صدقت صدقت؛ على مسلمة لعنة الله! ثم عاد إلى سيرته الاولى.
стр. 2242
يزيد بعد موت حبابة
: وحدث ابن الغاز قال: حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثنا الهيثم بن أبي بكر قال: كان يزيد بن عبد الملك كلفا بحبابة كلفا شديدا، فلما توفيت أكب عليها أياما يترشفها ويتشممها؛؛ ثم انتنت، فقام عنها وأمر بجهازها؛ ثم خرج بين يدي نعشها؛ حتى إذا بلغ القبر نزل فيه؛ حتى إذا فرغ من دفنها وانصرف لصق إليه مسلمة اخوه يعزيه ويؤنسه؛ فلما أكثر عليه قال: قاتل الله ابن أبي جمعة حيث يقول:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد
وكلّ خليل زارني فهو قاتل ... من اجلك: هذه هامة اليوم أو غد «١»
قال: وطعن في جنازتها، فدفنّاه إلى سبعة عشر يوما.
المعتصم وجارية
وذكر المعتصم جارية كانت غلبت عليه وهو بمصر، ولم يكن خرج بها معه؛ فدعا مغنيا له فقال له: ويحك! اني ذكرت جارية، فأقلقني الشوق إليها؛ فهات صوتا يشبه ما ذكرت لك. فأطرق مليا ثم غنى:
وددت من الشوق المبرّح أنني ... أعار جناحي طائر فأطير
فما لنعيم لست فيه بشاشة ... وما لسرور لست فيه سرور
وإنّ امرأ في بلدة نصف قلبه ... ونصف بأخرى غيرها لصبور
فقال: واد ما عدوت ما في نفسي! وأمر له بجائزة، ورحل من ساعته، فلما بلغ الفرما قال:
غريب في قرى مصر ... يقاسي الهمّ والسّدما «٢»
لليلك كان بالميدا ... ن اقصر منه بالفرما
стр. 2243
وقال المأمون في قينة له:
لها في لحظها لحظات حتف ... تميت بها وتحيي من تريد
فإن غضبت رأيت الناس قتلي ... وإن ضحكت فأرواح تعود
وتسبي العالمين بمقلتيها ... كأنّ العالمين لها عبيد
وأنشد البحتري في قينة له:
أمازحها فتغضب ثم ترضى ... وفعل جمالها حسن جميل
فإن تغضب فأحسن ذات دلّ ... وإن ترضى فليس لها عديل
وقال المعتز في قينة له:
فأمسيت في ليلين للشّعر والدّجا ... وشمسين من كأس ووجه حبيب
وقال هارون الرشيد في قينة له ﵀:
تبدي صدودا وتخفي تحته مقة ... فالنّفس راضية والطرف غضبان «١»
يا من وضعت له خدّي فذلله ... وليس فوقي سوى الرحمن سلطان
وقال ابراهيم الشيباني: القينة لا تخلص محبة لأحد، ولا تؤتى إلا من باب طمع.
وقال علي بن الجهم: قلت لقينة:
هل تعلمين وراء الحبّ منزلة ... تدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني»
فقالت: تأتي من باب الذهب، وأنشدت:
اجعل شفيعك منقوشا تقدّمه ... فلم يزل مذنبا من ليس بالدّاني «٣»
أشعب وقينة
وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة فجلس عندها يوما يطارحها الغناء؛ فلما أراد الخروج قال لها: نوّليني خاتمك أذكرك به. قالت: إنه ذهب، وأخاف ان تذهب؛
стр. 2244
ولكن هذ خذ العود، لعلك تعود! وناولته عودا من الأرض!.
وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة يكلف بها وينقطع إذا نظرها، فطلبت منه أن يسلفها دراهم، فانقطع عنها وتجنب دارها، فعلمت له دواء ولقيته به؛ فقال لها: ما هذا؟ قالت: دواء عملته لك تشربه لهذا الفزع الذي بك! قال: اشربيه أنت للطمع، فان انقطع طمعك انقطع فزعي. وأنشأ يقول:
أنا والله أهواك ... ولكن ليس لي نفقه
فإمّا كنت تهويني ... فقد حلّت لي الصّدقه
أبو الحارث وقينة
وقعد أبو الحارث جمّيز إلى قينة بالمدينة صدر نهاره، فجعلت تحدّثه ولا تذكر الطعام؛ فلما طال ذلك به قال: مالي لا أسمع للطعام ذكرا؟ قالت: سبحان الله! أما تستحي؟ أما في وجهي ما يشغلك عن هذا؟ فقال لها: جعلت فداك، لو أن جميلا وبثينة قعدا ساعة واحدة لا يأكلان، لبصق كل واحد منهما في وجه صاحبه وافترقا!.
أبو نواس وقينة
وقال الشيباني: كانت بالعراق قينة، وكان أبو نواس يختلف إليها، فتظهر له أنها لا تحب غيره؛ وكان كلما جاءها وجد عندها فتى يجلس عندها ويتحدث إليها؛ فقال فيها:
ومظهرة لخلق الله ودّا ... وتلقى بالتّحيّة والسّلام
أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزّحام
فيامن ليس يكفيها صديق ... ولا خمسون ألفا كلّ عام
أراك بقيّة من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام
стр. 2245
ابو نواس وقيان
وقال الشيباني حضر أبو نواس مجلسا فيه قيان؛ فقلن له: ليتنا بناتك. قال: نعم، ونحن على المجوسية.
وقال العتبي: حضرت قينة مجلسا، فتغنت فأجادت، فقام إليها شيخ من القوم فجلس بين يديها، وقال: كل مملوك لي حرّ، وكل امرأة لي طالق، لو كانت الدنيا لي كلها صررا في كمي لقطعتها لك؛ فأما إذا لم يكن فجعل الله كل حسنة لي لك، وكلّ سيئة عليك عليّ. قالت: جزاك الله خيرا، فو الله ما يقوم الوالد لولده بما قمت به لنا. فقام شيخ آخر وقعد بين يديها وقال لها: كل مملوك لي حر، وكل امرأة لي طالق، إن كان وهب لك شيئا ولا حمل عنك ثقلا؛ لانه ماله حسنة يهبها لك، ولا عليك سيئة يحملها عنك؛ فلأيّ شيء تحمدينه؟.
حدّث احمد بن عمر المكي قال: سمعت إسحاق بن ابراهيم الموصلي يقول: كان بالمدينة رجل جعفري، من ولد جعفر بن أبي طالب، وكان يحب الغناء، وكان بالمدينة قينة يقال لها بصيص، وكان الجعفري يتعشّقها، فقال يوما لإخوانه: قوموا معي إلى هذه الجارية حتى نكاشفها، فقد والله أيتمت ولدي، وأرملت نسائي، وأخربت ضيعتي. فقاموا معه، حتى إذا جاءوا إلى بابها دقّه، فخرجت إليه، فإذا هي أملح الناس دلّا وشكلا، فقال لها: يا جارية، أتغنّين:
وكنت أحبكم فسلوت عنكم ... عليكم في دياركم السلام
فاستحيت وخجلت وبكت وقالت: يا جارية، هاتي عودي؛ والله ما أحسن هذا ولكن أحسن غيره. فغنت:
تحمل اهلها منها فبانوا ... على آثار من ذهب العفاء
قال: فاستحيا والله صاحبنا حتى تصبب عرقا، ثم قال لها: يا سيدتي، أفتحسنين أن تغني:
وأخضع للعتبى إذا كنت ظالما ... وإن ظلموا كنت الذي أتفضل
стр. 2246
قالت: والله ما اعرف هذا ولكن غيره. فغنت:
فإن تقبلوا بالود أقبل بمثله ... وأنزلكم منا بأكرم منزل
قال: فدفع الباب ودخل، وأرسل غلامه يحمل إليه حوائجه؛ وقال: لعن الله الاهل والولد والضّيعة!.
خبر الذلفاء
قال أبو سويد: حدثني أبو زيد الاسدي قال: دخلت على سليمان بن عبد الملك بن مروان، وهو جالس على دكان مبلط بالرخام الاحمر، مفروش بالديباج «١» الأخضر، في وسط بستان ملتف، قد أثمر وأينع؛ واذا بإزاء كل شقّ من البستان ميدان ينبت الربيع قد ازهر وعلى رأسه وصائف. كلّ واحدة منهن احسن من صاحبتها؛ وقد غابت الشمس، فنضرت الخضرة، وأضعفت في حسنها الزهرة، وغنّت الاطيار فتجاوبت، وسفت الرياح على الاشجار فتمايلت؛ [وقد حلي البستان] بأنهار فيه قد شقّقت، ومياه قد تدفقت: فقلت: السلام عليك أيها الامير ورحمة الله وبركاته.
وكان مطرقا، فرفع رأسه وقال: أبا زيد! في مثل هذا الحين يصاب احد حيا؟
قلت: أصلح الله الامير، أو قد قامت القيامة بعد!.
قال: نعم، على أهل المحبة سرا والمراسلة بينهم خفية.
ثم أطرق مليا، ثم رفع رأسه فقال: أبا زيد، ما يطيب في يومنا هذا؟.
قلت: أعز الله الامير، قهوة صفراء، في زجاجة بيضاء، تناولها مقدودة هيفاء، مضمومة لفّاء [مكحولة] دعجاء، أشربها من كفها، وأمسح فمي بفمها!.
فأطرق سليمان مليا لا يحير جوابا، ينحدر من عينه عبرات بلا شهيق؛ فلما رأت
стр. 2247
الوصائف ذلك ننحين عنه؛ ثم رفع رأسه فقال: أبا زيد، حللت في يوم فيه انقضاء اجلك ومنتهى مدتك وتصرّم عمرك! والله لاضربن عنقك أو لتخبرني ما أثار هذه الصفة من قلبك.
قلت: نعم أصلح الله الامير؛ كنت جالسا عند باب اخيك سعيد بن عبد الملك، فإذا انا بجارية قد خرجت إلى باب القصر كالغزال انفلت من شبكة الصياد؛ عليها قميص اسكندراني يتبين منه بياض بدنها، وتدوير سرّتها، ونقش تكتها؛ وفي رجليها نعلان حمراوان، وقد أشرق بياض قدمها على حمرة نعليها؛ مضمومة بفرد ذؤابة تضرب الى حقويها وتسيل كالعثاكيل «١» على منكبيها، وطرّة «٢» قد أسبلت على مثنى جبينها، وصدغان قد زينا كأنهما نونان على وجنتيها، وحاجبان قد قوّسا على محجري عينيها، وعينان مملوءتان سحرا، وأنف كأنه قصبة درّ، وفم كأنه جرح يقطر دما؛ وهي تقول: عباد الله، من لي بدواء من لا يشتكي، وعلاج من لا ينتمي؟ طال الحجاب، وأيضا الجواب؛ فالفؤاد طائر، والقلب عازب، والنفس والهة، والفؤاد مختلس، والنوم محتبس؛ رحمة الله على قوم عاشوا تجلّدا، وماتوا تبلّدا؛ ولو كان إلى الصبر حيلة وإلى العزاء سبيل لكان أمرا جميلا!.
ثم أطرقت طويلا، ثم رفعت رأسها؛ فقلت: أيتها الجارية، إنسية أنت أم جنيّة؟
سمائية أم أرضية؟ فقد اعجبني ذكاء عقلك؛ وأذهلني حسن منطقك!.
فسترت وجهها بكمها كأنها لم ترني، ثم قالت: اعذر أيها المتكلم الاريب، فما أوحش الساعة بلا مساعد، والمقاساة لصبّ معاند! ثم انصرفت؛ فو الله- أصلح الله الامير- ما أكلت طيبا إلا غصصت به لذكرها، ولا رأيت حسنا إلا سمج في عيني لحسنها!.
قال سليمان: أبا زيد، كاد الجهل أن يستفزني، والصبا ان يعاودني، والحلم أن
стр. 2248
يعزب عني؛ لحسن ما رأيت، وشجو ما سمعت؛ تلك هي الذلفاء التي يقول فيها الشاعر:
إنما الذّلفاء ياقوتة ... أخرجت من كيس دهقان «١»
شراؤها على أخي ألف ألف درهم، وهي عاشقة لمن باعها، والله إني من لا يموت إلا بحزنها، ولا يدخل القبر إلا بغصّتها، وفي الصبر سلوة، وفي توقّع الموت نهية؛ قم أبا زيد فاكتم المفاوضة؛ يا غلام، ثقّله ببدرة. فأخذتها وانصرفت.
قال أبو زيد: فلما أفضت الخلافة إلى سليمان، صارت الذلفاء إليه، فأمر بفسطاط «٢» ، فأخرج على دهناء الغوطة، وضرب في روضة خضراء مونقة زهراء ذات حدائق بهجة، تحتها أنواع الزهر الغض، من بين أصفر فاقع، وأحمر ساطع، وأبيض ناصع؛ فهي كالثوب الحرمي وحواشي البرد الاتحميّ «٣» يثير منها مرّ الرياح نسيما يربي على رائحة العنبر، وفتيت المسك الاذفر، وكان له مغن ونديم وسمير، يقال له سنان، به يأنس، وإليه يسكن، فأمره ان يضرب فسطاطه بالقرب منه، وقد كانت الذلفاء خرجت مع سليمان إلى ذلك المتنزّه، فلم يزل سنان يومه ذلك عند سليمان، في اكمل سرور، وأتم حبور، إلى أن انصرف مع الليل الى فسطاطه، فنزل به جماعة من اخوانه، فقالوا له: قرانا أصلحك الله قال: وما قراكم؟ قالوا أكل وشرب وسمع.
قال: أما الأكل والشرب فمباحان لكم، وأما السماع فقد عرفتم شدة غيرة أمير المؤمنين ونهيه إياي عنه، إلا ما كان في مجلسه. قالوا: لا حاجة لنا بطعامك وشرابك وإن لم تسمعنا. قال: فاختاروا صوتا واحدا أغنيكموه. قالوا: غنّنا صوت كذا.
قال: فرفع عقيرته يتغنى بهذه الابيات:
محجوبة سمعت صوتي فأرّقها ... في آخر اليل لمّا ظلّها السحر
تثني على الخدّ منها من معصفرة ... والحلي باد على لبّاتها خضر «٤»
стр. 2249
في ليلة التّمّ لا يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أبهى أم القمر
لم يحجب الصّوت أجراس ولا غلق ... فدمعها لطروق الصّوت منحدر
لو خلّيت لمشت نحوي على قدم ... يكاد من لينه للمشي ينفطر
فسمعت الذلفاء صوت سنان، فخرجت إلى وسط الفسطاط تستمع؛ فجعلت لا تسمع شيئا من [حسن] خلق ولطافة قدّ، إلا الذي وافق المعنى؛ ومن نعت الليل واستماع الصوت؛ إلا رأت ذلك كله في نفسها ومهبها، فحرك ذلك ساكنا في قلبها، فهملت «١» عيناها، وعلا نشيجبها «٢» ، فانتبه سليمان فلم يجدها معه، فخرج إلى صحن الفسطاط فرآها على تلك الحال، فقال لها: ما هذا يا ذلفاء؟ فقالت:
ألا ربّ صوت رائع من مشوّة ... قبيح المحيّا واضع الأب والجدّ
يروعك منه صوته ولعلّه ... إلى أمة يعزى معا وإلى عبد
فقال سليمان: دعيني من هذا فو الله لقد خامر قلبك منه خامر! يا غلام، عليّ بسنان. فدعت الذلفاء خادما لها فقالت: إن سبقت رسول أمير المؤمنين إلى سنان، فحذّره ولك عشرة آلاف درهم وأنت حر لوجه الله تعالى! فخرج الرسول فسبق رسول سليمان؛ فلما أتي به قال: يا سنان، ألم أنهك عن مثل هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين حملني الثمل وأنا عبد أمير المؤمنين وغذيّ نعمته؛ فإن رأى امير المؤمنين أن لا يضيع حظّه من عبده فليفعل. قال: أما حظي منك فلن أضيعه، ولكن ويلك! أما علمت أن الرجل إذا تغنى أصغت المرأة إليه، وأن الحصان إذا صهل ودقت له الفرس، وأن الفحل إذا هدر صغت له الناقة، وأن التيس إذا نبّ «٣» استحرمت له الشاة؟ وإياك والعود إلى ما كان منك يطول غمّك.
أبو السمراء وامرأة بالمدينة
قال إسحاق: حدثني أبو السمراء قال: حججت فبدأت بالمدينة، فإني لمنصرف من
стр. 2250
قبر رسول الله ﷺ ، وإذا بامرأة بفناء المسجد تبيع من طرائف المدينة، وإذا هي في ناحية وحدها وعليها ثوبان خلقان، وإذا هي ترجّع بصوت خفي شجي، فالتفتّ فرأيتها فوقفت، فقالت: هل من حاجة؟ قلت تزيدين في السماع! قالت: وأنت قائم؟
لو قعدت! فقعدت كالخجل، فقالت: كيف علمك بالغناء؟ فقلت: علم لا أحمده، قالت: فعلام أنفخ بغير نار؟ ما منعك من معرفته؟ فو الله إنه لسحوري وفطوري! قلت: وكيف وضعته بهذا الموضع العالي؟ قالت: يا هذا، وهل له موضع يوضع به وهو في علوه في السماء الشاهقة؟ قلت: فكل هؤلاء النسوة اللاتي أرى على مثل رأيك وفي مثل حالك؟ قالت؟: فيهن وفيهن ... ، ولي بينهن قصة. قلت: ومان هي؟ قالت:
كنت أيام شبابي وأنا في مثل هذه الخلقة التي ترى من القبح والدمامة، وكنت أشتهي الجماع شهوة شديدة وكان زوجي شابا وضيئا، وكان لا ينتشر عليّ حتى أتحفه وأطيّبه وأسكره، فأضرّ ذلك بي؛ وكان قد علقته امرأة قصّار «١» تجاورني، فزاد ذلك في غمي؛ فشكوت إلى جارة لي ما أنا فيه، وغلبة امرأة القصار على زوجي؛ فقالت:
أدلّك على ما ينهضه عليك ويرد قلبه إليك! قلت: وابأبي أنت! إذا تكونين أعظم الخلق منة عليّ. قالت: اختلفي إلى مجمع مولى الزبير، فإنه حسن الغناء، فاعلقي من غنائه أصواتا عشرة، ثم غنيّ بها زوجك، فإنه سيجامعك بجوارحه كلها! قالت:
فالتطت بمجمعه، فلم أفارقه حتى رضيني حذاقة ومعرفة؛ فكنت إذا أقبل زوجي اضطجعت ورفعت عقيرتي «٢» ثم تغنيت، فإذا غنيت صوتا بت على نيّف، وإن غنيت صوتين بت على اثنين، وان غنيت ثلاثة فثلاثة.
فكنّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
قال: فضحكت والله حتى أمسكت على بطني، وقلت: يا هذه، ما أظن أنه خلق مثلك! قالت: اخفض من صوتك، قلت: ما كان أعظم منّة من المشورة قالت:
стр. 2251
حسبك بها منة، وحسبك بي شاكرة، قلت: ففي قلبك من تلك الشهوة شيء؟ قالت:
لذع في الفؤاد، وأما تلك الغلمة «١» التي كانت تنسيني الفريضة وتقطعني عن النافلة فقد ذهب تسعة أعشارها! فوقفت عليها وقلت: ألك حاجة إن أزم حالك؟ قالت:
لا، أنا في فائت من العيش! فلما نهضت لاقوم قالت: على رسلك، لا تنصرف خائبا! ثم ترنمت بصوت تخفيه من جارتها:
ولي كبد مقروحة، من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح
أبى الناس كلّ الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علّة بصحيح
ابن الجهم وقينة
: أبو بكر بن جامع عن الحسين بن موسى، قال: كتب علي بن الجهم إلى قينة كان يتعشقها:
خفي الله فيمن قد تبلت فؤاده ... وتيّمته دهرا كأنّ به سحرا «٢»
دعي الهجر لا أسمع به منك إنما ... سألتك أمرا ليس يعري لكم ظهرا
فكتبت إليه: صدقت، جعلت فداك؛ ليس يعرى لنا ظهرا، ولكنه يملأ لنا بطنا!
أبو بكر الكاتب وقينة ابن حماد
: وكان أبو بكر الكاتب مفتتنا بقينة محمد بن حماد، فأهدى إليها ممسكة، فقال فيها بعض الكتاب:
أهدى إليها قميصا ... ينيكها فيه غيره
فللسعادة حرها ... وللشّقاوة أيره
стр. 2252
هاشمي وقينتان ومضحك
: حدث أبو عبد الله بن عبد البر بمصر قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عدي قال: كان بالمدينة رجل من بني هاشم، وكان له قينتان، يقال لإحداهما رشا، وللأخرى جؤذر؛ وكان يحب الغناء، وكان بالمدينة مضحك لا يكاد يغيب عن مجلس أحد؛ فأرسل الهاشمي إليه ذات يوم ليضحك به، فلما أتاه قال: ما الفائدة فيك وفي لذتك ولا لذة لي؟ قال له: وما لذتك؟ قال: تحضر لي نبيذا، فإنه لا يطيب لي عيش إلا به. فأمر الهاشمي بإحضار نبيذ، وأمر أن يطرح فيه سكّر العشر، فلما شربه المضحك تحرك عليه بطنه؛ وتناوم الهاشمي وغمز جواريه عليه، فلما ضاق عليه الأمر واضطر إلى التبرّز قال في نفسه: ما أظن هاتين المغنيتين إلا يمانيتين. وأهل اليمن يسمون الكنف المراحيض فقال لهما: يا حبيبتي، أين المرحاض؟ قالت: إحداهما لصاحبتها: ما يقول: قالت يقول: غنياني:
رحضت فؤادي فخلّيتني ... أهيم من الحبّ في كلّ واد «١»
فاندفعتا تغنيانه؛ فقال في نفسه: ما أراهما فهمتا عني، أظنهما مكيّتين وأهل مكة يسمونها المخارج. قال: يا حبيبتي، أين المخرج؟ قالت إحداهما للأخرى: ما يقول؟
قالت: يقول غنياني:
خرجت بها من بطن مكّة بعد ما ... أصات المنادي للصلاة فأعلما «٢»
فاندفعتا تغنيانه؛ فقال في نفسه: لم يفهما والله عني، أظنهما شاميتين، وأهل الشام يسمونها المذاهب؛ فقال لهما: يا حبيبتي، أين المذهب؟ قالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول؟ قالت: يقول: غنياني:
ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقا كلّ هذا التّجنّب
فغنتاه الصوت؛ فقال في نفسه: لم يفهما عني، وما أظنهما إلا مدنيتين وأهل المدينة
стр. 2253
يسمونها بيت الخلاء؛ فقال لهما: يا حبيبتي، أين بيت الخلاء؟ قالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول؟ قالت: يسأل أن نغني:
خلّى على جوى الأحزان إذ ظعنا ... من بطن مكّة والتسهيد والحزنا «١»
قال: فغنتاه؛ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ما أحسب الفاسقتين إلا بصرتين وأهل البصرة يسمونها الحشوش؛ فقال لهما: أين الحشّ؟ فقالت إحداهما لصاحبتها ما يقول؟ قالت: يسأل أن نغنيه:
فلقد أوحش الجهيدان منها ... فمناها فالمنزل المعمور «٢»
فاندفعتا تغنيانه؛ فقال: ما أراهما إلا كوفيتين. وأهل الكوفة يسمونها الكنف.
قال: يا حبيبتي، أين الكنيف؟ قالت إحداهما لصاحبتها: يعيش سيدنا، هل رأيت أكثر اقتراحا من هذا الرجل؟ ما يقول؟ قالت: يسأل أن نغني.
تكنّفني الهوى طفلا ... فشيّبني وما اكتهلا
قال: فغلبه بطنه، وعلم أنهما تولعان به، والهاشمي يتقطع ضحكا؛ فقال لهما:
كذبتما يا زانيتان، ولكني أعلمكما ما هو. فرفع ثيابه فسلح عليهما، وانتبه الهاشمي فقال له: سبحان الله! أتسلح على وطائي؟ قال: الذي خرج من بطني أعزّ عليّ من وطائك؛ إن هاتين الزانيتين إنما حسبتا أني أسأل عن الحش للضراط، فأعلمتهما ما هو.
قولهم في العود
يزيد وعبيد الله في البربط
: قال يزيد بن عبد الملك يوما وذكر عنده البربط «٣» ، فقال: ليت شعري ما هو؟
فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنا أخبرك ما هو: هو محدوب
стр. 2254
الظهر، أرسح البطن، له أربعة أوتار إذا حرّكت لم يسمعها أحد إلا حرّك أعطافه وهزّ رأسه! مرّ إسحاق بن إبراهيم الموصلي برجل ينحت عودا. فقال: لمن ترهف هذا السيف؟
ومن قولنا في هذا المعنى:
يا مجلسا أينعت منه أزاهره ... ينسيك أوّله في الحسن آخره
لم يدر هل بات فيه ناعما جذلا ... أو بات في جنة الفردوس سامره «١»
فالعود يخفق مثناه ومثلثه ... والصّبح قد غرّرت فيه عصافره
وللحجارة أهزاج إذا نطقت ... أحيا بها الكبرة المحنيّ ناقره «٢»
وحنّ بينهما الكثبان عن نغم ... تبدي عن الصبّ ما تخفي ضمائره «٣»
كأنما العود فيما بيننا ملك ... يمشي الهوينا وتتلوه عساكره
كأنه إذ تمطّى وهي تتبعه ... كسرى بن هرمز تقفوه أساوره
ذاك المصون الذي لو كان مبتذلا ... ما كان يكسر بيت الشّعر كاسره
صوت رشيق وضرب لو يراجعه ... سجع القريض إذا ضلّت أساطره «٤»
لو كان زرياب حيّا ثم أسمعه ... لمات من حسد إذ لا يناظره
وقال بعض الكتّاب في العود:
وناطق بلسان لا ضمير له ... كأنه فخذ نيطت إلى قدم
يبدي ضمير سواه في الكلام كما ... يبدي ضمير سواه منطق الكلم
وقال الحمدوني فيه:
وسجّعت رجع صوت بين أربعة ... سرّ الضمائر فيما بينها علن
стр. 2255
فولّدت للنّدامى بين نغمتها ... وكفّها فرحا تفصيله حزن
فما تلعثم عنها لفظ مزهرها ... ولا تحير في ألحانها لحن
تهدي إلى كلّ حرّ من طبائعها ... بنانها نغما أثمارها فتن
وترتعي العين منها روض وجنتها ... طورا وتسرح في ألفاظها الأذن
وقال عكاشة بن الحصين:
من كفّ جارية كأن بنانها ... من فضة قد طرّفت عنّابا «١»
وكأنّ يمناها إذا ضربت بها ... تلقي على يدها الشمال حسابا
ومن قولنا في العود:
يا ربّ صوت يصوغه عصب ... نيطت بساق من فوقها قدم
جوفاء مضمومة أصابعها ... مسكّنات تحريكها نغم
أربعة جزّئت لأربعة ... أجزاؤها بالنّفوس تلتحم
أصغرها في القلوب أكبرها ... يبعث منها الشّفاء والسقم «٢»
إذ أرنّت بغمز لافظها ... قلت حمام يجيبهنّ حم
لها لسان بكفّ ضاربها ... يعرب عنها وما لهنّ فم
قولهم في المبرّدين في الغناء
قال أبو نواس:
قل لزهير إذا شدا وحدا ... أقلل أو اكثر فأنت مهذار
سخنت من شدّة البرودة حتى صرت عندي كأنك النار وقال أيضا:
لا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثلج بارد حار
стр. 2256
وقال أيضا:
قد نضجنا ونحن في الجيش طرّا ... أنضجتنا كواكب الجوزاء «١»
فأصيبوا لنا حسينا ففيه ... عوض من جليد برد الشتاء
لو يغنّي وفوه ملآن خمرا ... لم يضره من برد ذاك الغناء
وله:
وكان أبو المغلس إذ يغنّي ... يحاكي غاطسا في عين شمس
يميل بشدقه طورا وطورا ... كأنّ بشدقه ضربان ضرس
وقال دعبل:
ومغنّ إن تغنّى ... أورث الندمان همّا
أحسن الأقوام حالا ... فيه من كان أصمّا
وقال الحمدوني:
بينما نحن سالمون جميعا ... إذ أتانا ابن سالم مختالا
فتغنّى صوتا فكان خطاء ... ثم ثنّى أيضا فكان محالا
سالنا حاجة على ما تغنى ... فخلعنا على قفاه النّعالا!
ولعباس الخياط:
رأيت نصرا شاديا يضرب ... فقمت من مجلسنا أهرب
لأنه ينبح من عوده ... عليك من أوتاره أكلب
كأنما تسمع في حلقه ... دجاجة يخنقها ثعلب
ما عجبي منه ولكنني ... من الذي يسمعه أعجب
وقال آخر:
ومغنّ يخرى على جلسائه ... ضرب الله شدقه بغنائه
стр. 2257
وقال مؤمن في ربيع المغنى، وكان يتغنى وينقر في الدواة:
غناؤك يا ربيع أشدّ بردا ... إذا حمي الهجير من الصّقيع
ونقرك في الدّواة أشدّ منه ... فما يصبو إليك سوى رقيع
أغثنا في المصيف إذا تلظى ... ودعنا في الشّتاء وفي الربيع
باب من الرقائق
وقد جبل أكثر الناس على سوء الاختيار، وقلة التحصيل والنظر مع لؤم الغرائز، وضعف الهمم. وقلّ من يختار من الصنائع أرفعها، ويطلب من العلوم أنفعها. ولذلك كان أثقل الأشياء عليهم وأبغضها إليهم مئونة التحفظ، وأخفها عندهم وأسهلها عليهم إسقاط المروءة.
وقيل لبعضهم: ما أحلى الأشياء كلها؟ قال الارتكاس «١» .
وقيل لعبد الله بن جعفر: ما أطيب العيش؟ قال: هتك الحياء واتباع الهوى.
وقيل لعمرو بن العاص: ما أطيب العيش؟ قال: ليقم من هنا من الأحداث قال:
فلما قاموا، قال: [أطيب] العيش كله إسقاط المروءة.
وأي شيء أثقل على النفس من مجاهدة الهوى ومكابدة الشهوة؟ ومن ذلك كان سوء الاختيار أغلب على طبائع من حسن الاختيار.
المبرد وكتابه الروضة
: ألا ترى أن محمد بن يزيد النحوي- على علمه باللغة ومعرفته باللسان- وضع كتابا سماه بالروضة، وقصد فيه إلى أخبار الشعراء المحدثين، فلم يختر لكل شاعر إلا أبرد ما وجد له، حتى انتهى إلى الحسن بن هانيء- وقلما يأتي له بيت ضعيف، لرقة فطنته، وسبوطة بنيته، وعذوبة ألفاظه- فاستخرج له من البرد أبياتا ما سمعناه ولا رويناها، ولا ندري من أين وقع عليها، وهي:
стр. 2258
ألا لا يلمني في العقار «١» جليسي ... ولا يلحني في شربها بعنوس
تعشّقها قلبي فبغّض عشقها ... إليّ من الأشياء كلّ نفيس
وأين هذا الاختيار من اختيار عمرو بن بحر الجاحظ، حين اجتلب ذكره في كتاب الموالي، فقال: ومن الموالي الحسن بن هانيء، وهو من أقدر الناس على الشعر، وأطبعهم فيه؛ ومن قوله:
فجاء بها صفراء بكرا يزفّها ... إليّ عروسا ذات دلّ معتّق
فلما جلتها الكأس أبدت لناظري ... محاسن ليث بالجمال مطوّق
ومن قوله:
ساع بكأس إلى ناس على طرب ... كلاهما عجب في منظر عجب
قامت تريك وشمل الليل مجتمع ... صبحا تولّد بين الماء والعنب
كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء درّ على أرض من الذهب
وجلّ أشعاره في الخمريات بديعة لا نظير لها، فخطرفها كلها وتخطاها إلى التي جانسته في برده، فما أحسبه لحقه هذا الاسم «المبرّد» إلا لبرده؛ وقد تخيّر لأبي العتاهية أشعارا تقتل من بردها، وشنّفها «٢» وقرّطها «٣» بكلامه، فقال: ومن شعر أبي العتاهية المستظرف عند الظرفاء، المتخير عند الخلفاء، قوله:
يا قرّة العين كيف أمسيت ... أعزز علينا بما تشكّيت
وقوله:
آه من وجدي وكربي ... آه من لوعة حبي»
ما أشدّ الحبّ يا سبحانك اللهمّ ربّي!
стр. 2259
من سوء الاختيار
ونظير هذا من سوء الاختيار، ما تخيّره أهل الحذق بالغناء والصانعون للألحان من الشعر القديم والحديث؛ فإنهم تركوا منه الذي هو أرق من الماء، وأصفى من الهواء؛ وكلّ مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، وغنّوا بقول الشاعر:
فلا أنسى حياتي ما ... عبدت الله لي ربا
وقلت لها أنيليني ... فقالت تعرف الذّنبا! «١»
ولو تعلم ما بي لم ... تر الذنب ولا العتبا
وأقلّ ما كان يجب في هذا الشعر، أن يضرب قائله خمسمائة، وصانعه أربعمائة، والمغنّي به ثلاثمائة، والمصغي إليه مائتين! ومثله:
كأنها الشمس إذا ما بدت ... تلك التي قلبي لها يضرب
تلك سليماي إذا ما بدت ... ومن أنا في ودّها أرغب
كأنّ في النفس لها ساحرا ... ذاك الذي علمه المذهب
يعني المذهب الحبي ومثله:
يا خليلي، أنتما عللاني ... بين كرم مزهر وجنان
خبّراني أين حلت منايا ... يا عباد الله لا تكتماني
إنما حلت بواد خصيب ... ينبت الورس مع الزعفران «٢»
حلفا بالله لو وجداني ... غرقا في البحر ما أنقذاني
ومثله:
أبصرت سلمى من منى ... يوما فراجعت الصّبا
يا درّة البحر متى ... تشهد سوقا يشترى
ومثله:
يا معشر الناس هذا ... أمر وربّي شديد
لا تعنفي يا فلانه ... فإنّني لا أريد
стр. 2260
ومثله:
أرقت فأمسيت لا أرقد ... وقد شفني البيض والخوّد «١»
فصرت لظبي بني هاشم ... كأني مكتحل أرمد
أقلّب أمري لدى فكرتي ... وأهبط طورا فما أصعد
وأصعد طورا ولا علم لي ... على أنني قبلكم أرشد
ومثله:
ما أرجّي من حبيب ... ضنّ عني بالمداد «٢»
لو بكفّيه سحاب ... ما ارتوت منه بلادي
أنا في واد ويمسي ... هو لي في غير واد
ليته إذ لم يجد لي ... بالهوى ردّ فؤادي
ومثله:
ما لسلمى تجنّبت ... ما لها اليوم ما لها
إن تكن قد تغضّبت ... أصلح الله حالها
باب من رقائق الغناء
لإسحاق في شعر الراعي
: قال الزبير بن بكار: سألت إسحاق: هل تغني من شعر الراعي شيئا؟ قال: وأين أنت من قوله:
فلم أر مظلوما على حال عزّة ... أقلّ انتصارا باللسان وباليد
سوى ناظر ساج بعين مريضة ... جرت عبرة منها ففاضت بإثمد «٣»
стр. 2261
لابن الدمينة
: ومن شعر ابن الدمينة، وهو عبد الله بن عبيد الله، والدمينة أمّه، وهو من أرق شعراء المدينة بعد كثيّر عزة وقيس بن الخطيم:
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... له بهتة حتى يقال مريب
جرى السّيل فاستبكاني السّيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيّ غروب
وما ذاك إلّا أن تيقّنت أنه ... يمرّ بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا قبلكم فإذا انتهى ... إليكم تلقّى طيبكم فيطيب «١»
أيا ساكني شرقيّ دجلة كلّكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب!
ومن قول يزيد بن الطثرية، وغنى به ابن صياد المدني وغيره:
بنفسي من لو مرّ برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله
ومن هابني في كلّ شيء وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله
ومما يغني به من قول جرير:
أتذكر إذ تودّعنا سليمى ... بعود بشامة؟ سقي الشام!
بنفسي من تجنّبه عزيز ... عليّ ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النّيام
متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيّتها الخيام
ومما غنى به نومة الضحى:
يا موقد النار قد أعيت قوادحه ... اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس «٢»
ما أوحش الناس في عيني وأقبحهم ... إذا نظرت فلم أبصرك في الناس
ومما يغنّى به من شعر ذي الرّمة، وهو من أرق شعر يغنى به، قوله:
стр. 2262
لئن كانت الدنيا عليّ كما أرى ... تباريح من ذكراك فالموت أروح «١»
وأكثر ما كان يغني به معبد بشعر الأحوص، ومن جيد ما غنّى به له قوله:
كأنّي من تذكر أمّ حفص ... وحبل وصالها خلق رمام
صريع مدامة غلبت عليه ... تموت لها المفاصل والعظام
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السّلام
فإن يكن النكاح أحل شيء ... فإنّ نكاحها مطرا حرام
ومن شعر المتوكل بن عبد الله بن نهشل، وكان كوفيا في عصر معاوية، وهو القائل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... قفي قبل التّفرّق يا أماما
وردّي قبل بينكم السّلاما «٢» ... ترجّيها وقد شطت نواها
ومنّتك المنى عاما فعاما «٣» ... فلا وأبيك لا أنساك حتى
تحاوب هامتي في القبر هاما
ومما يغنّى به من شعر عدي بن الرقاع:
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها «٤»
ولقد أصبت من المعيشة لذّة ... ولقيت من شظف الخطوب شدادها «٥»
وعلمت حتى ما أسائل عالما ... عن حرف واحدة لكي أزدادها
стр. 2263
كتاب المرجانة الثانية في النساء وصفاتهنّ
قال ابو عمر احمد بن محمد بن عبد ربه ﵀: قد مضى قولنا في الغناء واختلاف الناس فيه.
ونحن قائلون بعون الله تعالى وتوفيقه في النساء وصفاتهن، وما يحمد ويذم من عشرتهن؛ إذ كان كله مقصورا على الحليلة الصالحة والزوجة الموافقة؛ والبلاء كله موكل بالقرينة السوء، التي لا تسكن النفس إلى كريم عشرتها، ولا تقرّ العين برؤيتها.
لعروة بن الزبير قال الاصمعي: حدثني ابن أبي الزناد عن عروة بن الزبير قال: ما رفع احد نفسه بعد الايمان بالله بمثل منكح صدق، ولا وضع أحد نفسه بعد الكفر بالله بمثل منكح سوء! ثم قال: لعن الله فلانة ألفت بني فلان بيضا طوالا، فقلبتهم سودا قصارا.
وفي حكمة سليمان بن داود ﵉: المرأة العاقلة تبني بيتها، والسفيهة تهدمه.
وقال: الجمال كاذب، والحسن مخلف؛ وإنما تستحق المدح المرأة الموافقة.
الرسول ﷺ وعكاف.
مكحول، عن عطية بن بشر، عن عكّاف بن وداعة الهلاليّ، أن رسول الله ﷺ قال له؛ يا عكاف، ألك امرأة؟ قال: لا! قال: فأنت إذا من إخوان الشياطين! إن
стр. 2264
كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت منا فانكح، فإن من سنّتنا النكاح.
وقالت عائشة: النكاح رقّ «١» ؛ فلينظر أحدكم عند من يرقّ كريمته «٢» .
وقال رسول الله ﷺ : أوصيكم بالنساء، فإنّهنّ عندكم عوان. يعني أسيرات.
قولهم في المناكح
صعصعة وابن الظرب
خطب صعصعة بن معاوية إلى عامر بن الظّرب حكيم العرب ابنته عمرة- وهي ام عامر بن صعصعة- فقال: يا صعصعة، إنك أتيتني تشتري من كبدي، فارحم ولدي، قبلتك أو رددتك، والحسيب «٣» كفء الحسيب، والزوج الصالح أب بعد أب، وقد أنكحتك خشية أن لا أجد مثلك؛ أفرّ من السرّ إلى العلانية.. يا معشر عدوان، خرجت بين أظهركم كريمتكم، من غير رغبة ولا رهبة، وأقسم لولا قسم الحظوظ على [قدر] الجدود ما ترك الأول للآخر ما يعيش به.
ابن حجر وابن محلم
العباس بن خالد السهمي قال: خطب عمرو بن حجر إلى عوف بن محلم الشيباني ابنته أمّ أياس، فقال: نعم، أزوّجكما، على أن أسمّي بنيها وأزوّج بناتها. فقال عمرو ابن حجر: اما بنونا فنسميهم بأسمائنا وأسماء آبائنا وعمومتنا، واما بناتنا فننكحهن أكفاءهن من الملوك، ولكني أصدقها عقارا في كندة، وامنحها حاجات قومها، لا تردّ لاحد منهم حاجة! فقبل ذلك منه أبوها، وأنكحه إياها؛ فلما كان بناؤه بها خلت بها أمها فقالت:
أي بنية، إنك فارقت بيتك الذي منه خرجت، وعشّك الذي فيه درجت، إلى
стр. 2265
رجل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبدا، واحفظي له خصالا عشرا تكن لك ذخرا: أما الاولى والثانية، فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة؛ وأما الثالثة والرابعة، فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح؛ وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتغيص النوم مغضبة؛ وأما السابعة والثامنة، فالاحتفاظ بماله، والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير؛ وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصنّ له أمرا، ولا تفشنّ له سرّا؛ فإنك إن خالفت أمره أو غرت صدره، وإن أفشيت سرّه لم تأمني غدره؛ ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مهتما، والكآبة بين يديه إذا كان فرحا.
فولدت له الحارث بن عمرو، جدّ امرىء القيس الشاعر.
زرارة ولقيط وابنة ذي الجدين
الشيباني قال: حدثنا بعض أصحابنا، ان زرارة بن عدس نظر إلى ابنه لقيط فقال: مالي أراك مختالا؟ كأنك جئتني بابنة ذي الجدّين أو مائة من هجائن «١» النعمان! فقال: والله لا يمسّ رأسي دهن حتى آتيك بهما أو أبلي عذرا! فانطلق حتى اتى ذا الجدين- وهو قيس بن مسعود الشيباني- فوجده جالسا في نادي قومه من شيبان، فخطب إليه ابنته علانية؛ فقال له: هلا ناجيتني؟ قال: ومن أنت؟ قال:
لقيط بن زرارة، قال: لا جرم، لا تبيتن فينا عزبا ولا محروما! فزوّجه وساق عنه المهر، وبنى بها من ليلته تلك.
ثم خرج إلى النعمان، فجاء بمائتين من هجائنه؛ وأقبل إلى أبيه وقد وفى نذره فبعث إليه قيس بن مسعود بابنته مع ولده بسطام بن قيس؛ فخرج لقيط يتلقاها في الطريق ومعه ابن عم له يقال له قراد، فقال لقيط:
стр. 2266
هاجت عليّ ديار الحيّ أشجانا ... واستقبلوا من نوى الجيران قربانا «١»
تامت فؤادك لم تقض التي وعدت ... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا
فانظر قراد وهل في نظرة جزع ... عرض الشقائق؛ هل بيّنت أظعانا
فيهنّ جارية نضح العبير بها ... تكسى ترائبها درّا ومرجانا
كيف اهتديت ولا نجم ولا علم ... وكنت عندي نئوم الليل وسنانا «٢»
ولما رحل بها بسطام بن قيس، قالت: مرّوا بي على أبي أودعه! فلما ودعته قال لها:
يا بنية، كوني له امة يكن لك عبدا وليكن أطيب طيبك الماء؛ ثم لا أذكرت ولا أيسرت؛ فإنك تلدين الأعداء، وتقرّبين البعداء! إن زوجك فارس من فرسان مضر، [وإنه يوشك أن يقتل او يموت] ؛ فإذا كان ذلك فلا تخمشي [عليه] وجها، ولا تحلقي شعرا.
فلما قتل لقيط تحملت إلى اهلها، ثم مالت إلى محلّة عبد الله بن دارم فقالت: نعم الأحماء كنتم يا بني دارم، وأنا أوصيكم بالغرائب خيرا، فلم أر مثل لقيط.
ثم لحقت بقومها، فتزوجها ابن عمّ لها، فكانت لا تسلو عن ذكر لقيط، فقال لها زوجها: اي يوم رأيت فيه لقيطا احسن في عينك؟ قالت: خرج يوما يصطاد، فطرد البقر فصرع منها، ثم أتاني مختضبا بالدماء، فضمني ضمة، ولثمني لثمة، فليتني مت ثمة! فخرج زوجها ففعل مثل ذلك، ثم أتاها، فضمها، ولثمها، ثم قال لها: من أحسن، أنا أم لقيط عندك؟ قالت: مرعى ولا كالسعدان.
قيس بن زهير والنمر
أبو الفضل عن بعض رجاله، قال: قدم قيس بن زهير- بعد ما قتل أهل الهباءة- على النمر بن قاسط، فقال:
стр. 2267
يا معشر النمر، نزعت إليكم غريبا حزينا، فانظروا لي امرأة اتزوّجها. قد أذلها الفقر، وأدّبها الغنى، لها حسب وجمال.
فزوّجوه على هيئة ما طلب، فقال: إني لا أقيم فيكم حتى أعلمكم اخلاقي: إني غيور فخور نفور؛ ولكني لا أغار حتى أرى، ولا أفخر حتى أفعل، ولا آنف حتى أظلم.
فأقام فيهم حتى ولد له غلام سماه خليفة، ثم بدا له ان يرتحل عنهم، فجمعهم ثم قال:
يا معشر النمر، إن لكم عليّ حقا، وأنا أريد أن أوصيكم، فآمركم بخصال، وأنهاكم عن خصال: عليكم بالاناة، فإن بها تنال الفرصة؛ وسوّدوا من لا تعابون بسؤدده؛ وعليكم بالوفاء، فإن به يعيش الناس؛ وباعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة؛ ومنع ما تريدون منعه قبل القسم؛ وإجارة الجار على الدهر؛ وتنفيس المنازل؛ [عن بيوت اليتامى، وخلط الضيف بالعيال] وأنهاكم عن الرهان، فإني به ثكلت مالكا. وأنهاكم عن البغي، فإنه صرع زهيرا. وعن السرف في الدماء، فإن يوم الهباءة أورثني الذلّ، ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق ولا تردّوا الأكفاء عن النساء فتحوجوهنّ إلى البلاء؛ فإن لم تجدوا الأكفاء فخير أزواجهن القبور؛ واعلموا اني اصبحت ظالما مظلوما: ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا، وظلمت بقتلي من لا ذنب له.
الفاكه وزوجته هند في ريبة
كان الفاكه بن المغيرة المخزومي أحد فتيان قريش، وكان قد تزوج هند ابنة عتبة، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه بلا اذن، فقال يوما في ذلك البيت وهند معه؛ ثم خرج عنها وتركها نائمة، فجاء بعض من كان يغشى البيت. فلما وجد المرأة نائمة ولّى عنها، فاستقبله الفاكه بن المغيرة، فدخل على هند وأنبهها، وقال: من هذا الخارج من عندك؟ قالت: والله ما انتبهت حتى أنبهتني، وما رأيت أحدا قط.
стр. 2268
قال: الحقي بأبيك! وخاض الناس في أمرها، فقال لها أبوها: يا بنية العار وإن كان كذبا، أبثيني شأنك، فإن كان الرجل صادقا دسست عليه من يقتله فيقطع عنك العار، وإن كان كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن. قالت: والله يا أبت إنه لكاذب! فخرج عتبة فقال: إنك رميت ابنتي بشيء عظيم، فإما أن تبيّن ما قلت، وإلا فحاكمني إلى بعض كهان اليمن. قال: ذلك لك. فخرج الفاكه في جماعة من رجال قريش، ونسوة من بني مخزوم. وخرج عتبة في رجال ونسوة من بني عبد مناف.
فلما شارفوا بلاد الكاهن تغيّر وجه هند، وكسف بالها. فقال لها أبوها: أي بنية، ألا كان هذا قبل ان يشتهر في الناس خروجنا؟ قالت: يا أبت، والله ما ذلك لمكروه قبلي، ولكنكم تأتون بشرا يخطيء ويصيب، ولعله ان يسمني بسمة تبقى على ألسنة العرب. فقال لها أبوها: صدقت. ولكني سأخبره لك فصفّر بفرسه، فلما أدلى «١» عمد إلى حبة بر فأدخلها في إحليله، ثم اوكى عليها وسار. فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونحر لهم، فقال له عتبة: إنا أتيناك في أمر، وقد خبأنا لك خبيئة، فما هي؟ قال: برّة في كمرة. قال: أريد أبين من هذا. قال: حبة برّ في إحليل مهر.
قال: صدقت. فانظر في أمر هؤلاء النسوة. فجعل يمسح رأس كل واحدة منهن، ويقول: قومي لشأنك! حتى إذا بلغ إلى هند مسح يده على رأسها، وقال: قومي غير رقحاء ولا زانية، وستدلين ملكا يسمى معاوية.
فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها، فنترت «٢» يده من يدها، وقالت [إليك عني!] والله لأحرصنّ أن يكون ذلك الولد من غيرك! فتزوجها أبو سفيان، فولدت له معاوية.
هند وزواجها من أبي سفيان
وذكروا ان هند بنت عتبة بن ربيعة قالت لابيها: يا أبت: إنك زوّجتني من هذا
стр. 2269
الرجل ولم تؤامرني في نفسي، فعرض لي معه ما عرض؛ فلا تزوّجني من احد حتى تعرض عليّ امره، وتبيّن لي خصاله، فخطبها سهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب. فدخل عليها أبوها وهو يقول:
أتاك سهيل وابن حرب وفيهما ... رضا لك يا هند الهنود ومقنع
وما منهما إلا يعاش بفضله ... وما منهما إلا يضرّ وينفع
وما منهما إلا كريم مرزّأ ... وما منهما إلا أغرّ سميدع «١»
فدونك فاختاري فأنت بصيرة ... ولا تخدعي إن المخادع يخدع
قالت: يا أبت، والله ما أصنع بهذا شيئا، ولكن فسّر لي أمرهما وبيّن لي خصالهما، حتى أختار لنفسي أشدّهما موافقة لي. فبدأ بذكر سهيل بن عمرو، فقال:
أما أحدهما ففي ثروة واسعة من العيش، إن تابعتيه تابعك، وإن ملت عنه حطّ إليك، تحكمن عليه في أهله وماله. واما الآخر فموسّع عليه، منظور إليه، في الحسب الحسيب، والرأي الأريب، مدره أرومته، وعزّ عشيرته. شديد الغيرة، كثير الظّهرة، لا ينام على ضعة، ولا يرفع عصاه عن أهله.
فقالت: يا أبت، الأوّل سيد مضياع للحرّة، فما عست ان تلين بعد إبائها، وتضيع تحت جناحه، إذا تابعها بعلها فأشرت، وخافها أهلها فأمنت، فساء عند ذلك حالها، وقبح عند ذلك دلالها، فإن جاءت بولد أحمقت، وإن أنجبت فعن خطأ ما أنجبت؛ فاطو ذكر هذا عني، ولا تسمّه عليّ بعد. وأما الآخر فبعل الفتاة الخريدة، الحرّة العفيفة، وإني للتي لا أريب له عشيرة فتعيره، ولا تصيّره بذعر فتضيره، وإني لأخلاق مثل هذا لموافقة، فزوّجنيه.
فزوجها من أبي سفيان، فولدت له معاوية، وقبله يزيد؛ فقال في ذلك سهيل بن عمرو:
نبّئت هندا تبّر الله سعيها ... تأبّت وقالت وصف أهوج مائق «٢»
стр. 2270
وما هوجي يا هند إلا سجيّة ... أجرّ لها ذيلي بحسن الخلائق
ولو شئت خادعت الفتى عن قلوصه ... ولاطمت بالبطحاء في كل شارق «١»
ولكنني أكرمت نفسي تكرّما ... ودافعت عنها الذّم عند الخلائق
وإني إذا ما حرّة ساء خلقها ... صبرت عليها صبر آخر عاشق
فإن هي قالت خلّ عني تركتها ... وأقلل بترك من حبيب مفارق
فإن سامحوني قلت أمري إليكم ... وإن أبعدوني كنت في رأس حالق
فلم تنكحي يا هند مثلي وإنّني ... لمن لم يمقني فاعلمي غير وامق «٢»
فبلغ أبا سفيان، فقال: والله لو أعلم شيئا يرضي أبا زيد سوى طلاق هند لفعلته! وألح سهيل في تنقيص أبي سفيان، فقال أبو سفيان:
رأيت سهيلا قد تفاوت شأوه ... وفرّط في العلياء كلّ عنان
وأصبح يسمو للمعالي وإنه ... لذو جفنة مغشية وقيان
وشرب كرام من لؤيّ بن غالب ... عراض المساعي عرضة الحدثان
ولكنّه يوما إذا الحرب شمّرت ... وأبرز فيها وجه كلّ حصان «٣»
تطأطأ فيها ما استطاع بنفسه ... وقنّع فيها رأسه ودعاني
فأكفيه ما لا يستطاع دفاعه ... وألقيت فيها كلكلي وجراني «٤»
سهيل وابن له
قال: وتزوج سهيل بن عمرو امرأة، فولدت له ولدا؛ فبينا هو سائر معه إذ نظر إلى رجل يركب ناقة ويقود شاة، فقال لأبيه: يا أبت، هذه ابنة هذه! يريد الشاة ابنة الناقة! فقال أبوه: يرحم الله هذا! يعني ما كان من فراستها فيه.
стр. 2271
الرسول ﷺ وأم هانىء
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: يا رسول الله، لو تزوجت أم هانيء بنت أبي طالب، فقد جعل الله لها قرابة، فتكون صهرا أيضا! فخطبها رسول الله ﷺ فقالت: والله أحبّ إليّ من سمعي وبصري ولكن حقه عظيم، وأنا موتمة «١» ؛ فإن قمت بحقه خفت أن أضيّع أيتامي، وإن قمت بأمرهم قصّرت عن حقه! فقال النبي ﷺ : خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناها على ولد في صفره وأرعاها على بعل في ذات يده، ولو علمت أن مريم ابنة عمران ركبت جملا لاستثنيتها.
زواج الرسول ﷺ من حفصة
ولما توفيت رقيّة بنت رسول الله ﷺ عن عثمان بن عفان، عرض عليه عمر ابنته حفصة؛ فسكت عنه عثمان- وقد كان بلغه أن رسول الله ﷺ يريد أن يزوّجه ابنته الاخرى- فشكا عمر إلى رسول الله ﷺ سكوت عثمان عنه؛ فقال له: سيزوّج الله ابنتك خيرا من عثمان، ويزوّج عثمان خيرا من ابنتك! فتزوج رسول الله ﷺ حفصة، وتزوّج عثمان ابنته.
خطبته ﷺ لخديجة
ولما خطب رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن عبد العزى، ذكرت ذلك لورقة بن نوفل- وهو ابن عمها- فقال: هو الفحل لا يقدع «٢» أنفه، تزوّجيه.
وخطب عمر بن الخطاب أمّ كلثوم بنت أبي بكر، وهي صغيرة، فأرسل [عمر] إلى عائشة، فقالت: الأمر إليك. فلما ذكرت ذلك عائشة لأم كلثوم، قالت: لا حاجة لي فيه! فقالت عائشة: أترغبين عن أمير المؤمنين؟ قالت: نعم إنه خشن العيش، شديد على النساء! فأرسلت عائشة إلى المغيرة بن شعبة فأخبرته فقال لها: أنا أكفيك! فأتى
стр. 2272
عمر فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني عنك أمر أعيذك بالله منه! قال: ما هو؟ قال:
بلغني أنك خطبت أمّ كلثوم بنت أبي بكر. قال: نعم، أفرغبت بها عني، أم رغبت بي عنها؟ قال: لا واحدة منهما، ولكنها حدثة نشأت تحت كنف خليفة رسول الله في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك وما نقدر أن نردّك عن خلق من أخلاقك؛ فكيف بها؟ إن خالفتك في شيء فسطوت بها كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك! فقال: كيف لي بعائشة وقد كلمتها؟ قال: أنا لك بها؛ وأدلك على خير لك منها، أمّ كلثوم بنت عليّ من فاطمة بنت رسول الله؛ تتعلق منها بسبب من رسول الله ﷺ .
علي وعمر في ام كلثوم
وكان علي قد عزل بناته لولد جعفر بن أبي طالب؛ فلقيه عمر فقال: يا أبا الحسن، أنكحني ابنتك ام كلثوم ابنة فاطمة بنت رسول الله ﷺ . قال: قد حبستها لابن جعفر! قال: إنه والله ما على الارض احد يرضيك من حسن صحبتها بما أرضيك به، فأنكحني يا ابا الحسن. قال: قد أنكحتكها يا أمير المؤمنين! فأقبل عمر فجلس في الروضة بين القبر والمنبر، واجتمع إليه المهاجرون والانصار؛ فقال: زفّوني! قالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ قال: بأمّ كلثوم. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيام إلا سببي ونسبي» ! وقد تقدمت لي صحبة، فأحببت أن يكون لي معها سبب.
فولدت له أمّ كلثوم زيد بن عمر، ورقية بنت عمر؛ وزيد بن عمر هو الذي لطم سمرة بن جندب عند معاوية إذا تنقّص عليا فيما يقال.
سلمان وعمر في ابنته
وخطب سلمان الفارسي إلى عمر ابنته، فوعده بها؛ فشق ذلك على عبد الله بن عمر، فلقي عمرو بن العاص فشكا ذلك إليه؛ فقال له: فأكفيكه! فلقي سلمان فقال
стр. 2273
له: هنيئا لك يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين يتواضع لله في تزويجك ابنته! فغضب سلمان وقال: لا، والله لا تزوجت إليه أبدا.
زواج بلال وأخيه
وخرج بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ مع أخيه، إلى قوم من بني ليث، يخطب إليهم لنفسه ولأخيه، فقال: أنا بلال وهذا أخي، كنا ضالّين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، وكنا فقيرين فأغنانا الله؛ فإن تزوّجونا فالحمد لله، وإن تردّونا فالمستعان الله! قالوا: نعم وكرامة! فزوجوهما.
زواج عثمان من نائلة
قالت تماضر امرأة عبد الرحمن بن عوف لعثمان بن عفان: هل لك في ابنة عم لي، بكر جميلة، ممتلئة الخلق، اسيلة الخد «١» ، أصيلة الرأي، تتزوجها؟ قال: نعم.
فذكرت له نائلة بنت الفرافصة الكلبية، فتزوجها وهي نصرانية، فتحنّفت وحملت إليه من بلاد كلب، فلما دخلت عليه قال لها: لعلك تكرهين ما ترين من شيبي؟
قالت: والله يا أمير المؤمنين، إني من نسوة أحب ازواجهن إليهن الكهل! قال: إني قد جزت الكهول، وأنا شيخ! قالت: أذهبت شبابك مع رسول الله ﷺ في خير ما ذهبت فيه الاعمار! قال: أتقومين إلينا ام نقوم إليك؟ قالت: ما قطعت إليك أرض السماوة وأريد أن أنثني إلى عرض البيت! وقامت إليه: فقال: لها: انزعي ثيابك.
فنزعتها؛ فقال: حلي مرطك «٢» . قالت: أنت وذاك.
قال أبو الحسن: فلم تزل نائلة عند عثمان حتى قتل؛ فلما دخل إليه وقته بيدها، فجذمت «٣» أناملها، فأرسل إليها معاوية بعد ذلك يخطبها، فأرسلت إليه: ما ترجو من امرأة جذماء!
стр. 2274
وقيل: إنها قالت لما قتل عثمان: إني رأيت الحزن يبلى كما يبلى الثوب، وقد خشيت أن يبلى حزن عثمان من قلبي! فدعت بفهر فهتمت فاها، وقالت: والله لاقعد أحد مني مقعد عثمان أبدا!.
فاطمة بنت الحسين بن علي وابن عمرو
وكانت فاطمة بنت الحسين بن علي عند حسن بن حسن بن علي، فلما احتضر قال لبعض اهله: كأني بعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان إذا سمع بموتي قد جاء يتهادى في ازار له مورد قد أسبله، فيقول: جئت أشهد ابن عمي، وليس يريد إلا النظر إلى فاطمة، فإذا جاء فلا يدخلنّ! قال: فو الله ما هو إلا أن أغمضوه، فجاء عبد الله بن عمرو في تلك الصفة التي وصفها، فمنع ساعة؛ فقال بعض القوم: لا يدخل: وقال بعضهم: افتحوا له، فإن مثله لا يردّ. ففتحوا له، ودخل؛ فلما صرنا إلى القبر قامت عليه فاطمة تبكي، ثم اطلعت إلى القبر فجعلت تصكّ وجهها بيديها حاسرة؛ قال: فدعا عبد الله بن عمرو وصيفا له فقال: انطلق إلى هذه المرأة وقل لها:
يقرئك ابن عمّك السلام، ويقول لك: كفّي عن وجهك؛ فإن لنا به حاجة! فلما بلغها الرسالة أرسلت يديها فأدخلتهما في كميها حتى انصرف الناس.
فتزوجها عبد الله بن عمرو بعد ذلك، فولدت له محمد بن عبد الله؛ وكان يسمى المذهب، لجماله؛ وكانت ولدت من حسن بن حسن، عبد الله بن حسن الذي حارب أبو جعفر ولديه إبراهيم ومحمدا ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن حتى قتلهما.
محمد بن عبد الله ابن عمرو
وعن سلمة بن محارب قال: ما رأيت قرشيا قط كان أكمل ولا اجمل من محمد بن عبد الله بن عمرو الذي ولدته فاطمة بنت الحسين.
وكانت له ابنة ولدها رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير: كانت امها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير وأم عروة أسماء
стр. 2275
بنت أبي بكر الصديق. وأم محمد فاطمة بنت الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وأم فاطمة بنت الحسين أمّ إسحق بنت طلحة بن عبيد الله، وأم عبد الله بن عمرو بن عثمان سودة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب.
شريح والشعبي في نساء تميم
: وعن الهيثم بن عدي الطائي قال: حدثنا مجالد عن الشعبي قال: قال لي شريح: يا شعبي، عليك بنساء بني تميم، فإني رأيت لهن عقولا، قال: وما رأيت من عقولهن؟
قال: أقبلت من جنازة طهرا، فمررت بدورهم فإذا أنا بعجوز على باب دار، والى جنبها جارية كأحسن ما رأيت من الجواري، فعدلت فاستسقيت وما بي عطش؛ فقالت: أي الشراب احب اليك؟ فقلت: ما تيسّر. قالت: ويحك يا جارية! ائتيه بلبن؛ فإني أظن الرجل غريبا! قلت: من هذه الجارية؟ قالت: هذه زينب ابنة جرير، إحدى نساء حنظلة. قلت: فارغة هي أم مشغولة؟ قالت: بل فارغة. قلت:
زوّجينيها. قالت: إن كنت لها كفئا- ولم تقل كفوا، وهي لغة تميم- فمضيت إلى المنزل فذهبت لاقيل، فامتنعت مني القائلة؛ فلما صليت الظهر أخذت بأيدي اخواني من القرّاء الاشراف: علقمة، والاسود، والمسيب، وموسى بن عرفطة؛ ومضيت أريد عمها، فاستقبل فقال: يا أبا أمية، حاجتك؟ قلت: زينب بنت أخيك. قال: ما بها رغبة عنك! فأنكحنيها، فلما صارت في حبالي ندمت، وقلت: أي شيء صنعت بنساء بني تميم؟ وذكرت غلظ قلوبهن، فقلت: أطلّقها! ثم قلت: لا، ولكن أضمها إليّ، فإن رأيت ما أحب وإلا كان ذلك. فلو رأيتني يا شعبي وقد أقبل نساؤهم يهدينها حتى أدخلت عليّ، فقلت: إن من السّنة إذا دخلت المرأة على زوجها أن يقوم فيصلي ركعتين فيسأل الله من خيرها ويعوذ به من شرها. فصليت وسلمت، فإذا هي من خلفي تصلي بصلاتي، فلما قضيت صلاتي أتتني جواريها، فأخذن ثيابي وألبسنني ملحفة قد صبغت في عكر العصفر.
فلما خلا البيت دنوت منها فمددت يدي إلى ناحيتها، فقالت: على رسلك أبا أمية! كما أنت! ثم قالت:
стр. 2276
الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأصلي على محمد وآله؛ اني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك، فبيّن لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأزدجر عنه ... وقالت: إنه قد كان لك في قومك منكح، وفي قومي مثل ذلك، ولكن إذا قضى الله امرا كان، وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله به: إمساك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
»
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك.
قال: فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخطبة في ذلك الموضع، فقلت:
الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأصلي على النبي وآله وأسلم، وبعد؛ فإنك قد قلت كلاما إن تثبتي عليه يكن ذلك حظّك، وإن تدعيه يكن حجة عليك؛ أحب كذا وأكره كذا، ونحن جميع فلا تفرقّي، وما رأيت من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها.
وقالت شيئا لم أذكره: كيف محبتك لزيارة الاهل؟ قلت: ما احب ان يملّني أصهاري! قالت: فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك آذن لهم، ومن تكرهه أكرهه؟ قلت: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء.
قال: فبتّ يا شعبي بأنعم ليلة، ومكثت معي حولا لا أرى إلا ما أحب، فلما كان رأس الحول جئت من مجلس القضاء، فإذا بعجوز تأمر وتنهى في الدار! فقلت:
من هذه؟ قالوا: فلانة ختنك «٢» . فسري عني ما كنت اجد، فلما جلست أقبلت العجوز فقالت: السلام عليك أبا أمية. قلت: وعليك السلام، من أنت؟ قالت: انا فلانة ختنك. قلت: قربك الله. قالت: كيف رأيت زوجتك؟ قلت خير زوجة.
فقال لي: أبا أمية، إن المرأة لا تكون أسوأ منها في حالتين: إذا ولدت غلاما، أو حظيت عند زوجها؛ فإن رابك ريب فعليك بالسوط؛ فو الله ما جاز الرجال في بيوتهم شرّا من المرأة المدللة. قلت: أما والله لقد أدّبت فأحسنت الادب، ورضت
стр. 2277
فأحسنت الرياضة. قالت: تحبّ ان يزورك ختانك؟ قلت! متى شاءوا. قال: فكانت تأتيني في رأس كل حول توصيني تلك الوصية.
فمكثت معي عشرين سنة لم أعتب عليها في شيء، الا مرة واحدة، وكنت لها ظالما: أخذ المؤذّن في الإقامة بعد ما صليت ركعتي الفجر، وكنت إمامى الحيّ، فإذا بعقرب تدب: فأخذت الإناء فأكفأته عليها؛ ثم قلت: يا زينب؛ لا تتحركي حتى آتي! فلو شهدتني يا شعبي وقد صليت ورجعت فإذا انا بالعقرب قد ضربتها، فدعوت بالسكت والملح؛ فجعلت امغث «١» أصبعها وأقرأ عليها بالحمد والمعوّذتين.
وكان لي جار من كندة يفزع امرأته ويضربها؛ فقلت في ذلك:
كنتم زعمتم أنها ظلمتكم ... كذبتم وبيت الله بل تظلمونها
فإن لا تعدّوا أمّها من نسائكم ... فإنّ أباها والد لن يشينها
وإنّ لها أعمام صدق وإخوة ... وشيخا إذا شئتم تأيّم دونها
قالت النوار: فإذا لا نشاء.
الفرزدق وأمة له
: وقال الفرزدق في امته الزنجية:
يا رب خود من بنات الزنج ... تنقل تنّورا شديد الوهج
أغير مثل القدح الخلنج ... يزداد طيبا بعد طول الهرج «٢»
يعلي الهذلي وطلحة الطلحات
وعن الهيثم بن عدي: عن ابن عياش قال: حدثنا يعلى الهذلي قال: كنت بسجستان مع طلحة الطلحات، فلم أر أحدا كان أسخى منه ولا أشرف نفسا؛ فكتب إليّ عمي من البصرة: إني قد كبرت، ومالي كثير، وأكره أن أوكله غيرك فأقدم أزوّجك ابنتي وأصنع بك ما أنت أهله.
стр. 2278
قال: فخرجت على بغلة لي تركية، فأتيت البصرة في ثلاثين يوما، ووافيته في صلاة العصر، فوجدته قاعدا على دكانه، فسلمت عليه، فقال لي من أنت؟ قلت له:
ابن اخيك يعلي، قال: وأين ثقلك «١» ؟ قلت: تعجلت إليك حين أتاني كتابك وطربت نحوكم. قال: يابن اخي، أتدري ما قالت العرب؟ قلت: لا. قال: قالت العرب: شر الفتيان المفلس الطروب! قال: فقمت إلى بغلتي فأعددت سرجي عليها، فما قال لي شيئا، ثم قال: إلى أين؟ قلت: إلى سجستان! قال: في كنف الله.
قال: فخرجت فبتّ في الجسر، ثم ذكرت أم طلحة، فانصرفت أسأل عنها حتى أتيت منزلها- وكان طلحة أبرّ الناس بها- فقلت: رسول طلحة، فقالت ائذنوا له.
فدخلت، فقالت: ويحك! كيف ابني؟ قلت: على احسن حال. قالت: فلله الحمد! وإذا بعجوز قد تحدرت، قالت: فما جاء بك؟ قلت: كيت وكيت. قالت: يا جارية.
ائتني بأربعة آلاف درهم! ثم قالت: ائت عمك فابتن بابنته، ولك عندنا ما تحب! قلت: لا والله لا أعود إليه أبدا، قالت: يا جارية ائتني ببغلة رحالتي. ثم قالت، راوح بين هذه وبغلتك حتى تأتي سجستان. قلت: اكتبي بالوصاة بي والحالة التي استقبلتها. فكتبت بوجعها التي كانت فيه، وبعافية الله إياها، وبالوصاة بي؛ فلم تدع شيئا. ثم دفعت حتى أتيت سجستان، فأتيت باب طلحة، وقلت للحاجب: رسول صفية بنت الحرث. وأنا عابس باسر، فدخل؛ فخرج طلحة متوشّحا، وخلفه وصيف يسعى بكرسي، فقمت بين يديه، فقال: ويلك! كيف أمي؟ قلت: بأحسن حالة. قال: انظر كيف تقول؟ قلت: هذا كتابها. قال: فعرف الشواهد والعلامات، قلت: اقرأ كتاب وصيتها. قال: ويحك! ألم تأتني بسلامتها؟ حسبك! فأمر لي بخمسين ألف درهم، وقال لحاجبه: اكتبه في خاصة أهلي، قال: فو الله ما أتى عليّ الحول حتى تم لي مائة ألف.
قال ابن عياش: فقلت له: هل لقيت عمك بعد ذلك؟ قال لا والله ولا ألقاه أبدا.
стр. 2279
السلاماني وقريب له
وعن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: اخبرني موسى السلاماني، مولى الحضرمي، وكان أيسر تاجر بالبصرة، قال: بينا أنا جالس إذ دخل عليّ غلام لي فقال: هذا رجل من أهل أمّك يستأذن عليك- وكانت أمه مولاة لعبد الرحمن بن عوف- فقلت: ائذن له. فدخل شاب حلو الوجه، يعرف في هيئته انه قرشي، في طمرين «١» . فقلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عبد الحميد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، خال رسول الله ﷺ . قلت: في الرحب والقرب. ثم قلت: يا غلام، برّه وأكرمه وألطفه، وأدخله الحمام، واكسه قميصا رقيقا، ومبطنا قوهيا، ورداء عمريا. وحذونا له نعلين حضرميين فلما نظر الشاب في عطفيه وأعجبته نفسه قال: يا هذا، ابغني أشرف أيّم بالبصرة أو أشرف بكربها! قلت: يابن أخي، معك مال؟ قال: أنا مال كما أنا! قلت: يابن أخي، كفّ عن هذا. قال: انظر ما أقوله لك! قلت: فإن أشرف ايّم بالبصرة هند ابنة أبي صفرة. أخت عشرة، وعمة عشرة، وحالها في قومها حالها. وأشرف بكر بالبصرة الملاة بنت زرارة بن اوفى الجرشي قاضي البصرة قال اخطبها علي. قلت: يا هذا، إن أباها قاضي البصرة! قال:
انطلق بنا إليه. فانطلقنا إلى المسجد فتقدم، فجلس الى القاضي، فقال له: من أنت يا بن أخي؟ قال له: عبد الحميد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف خال رسول الله ﷺ . قال مرحبا بك، ما حاجتك؟ قال: جئت خاطبا. قال: ومن ذكرت؟ قال:
الملاة ابنتك. قال: يا بن اخي، ما بها عنك رغبة. ولكنها امرأة يفتات عليها [في] أمرها، فاخطبها إلى نفسها. فقام إليّ، فقلت: ما صنعت؟ قال: قال كذا وكذا.
قلت: ارجع بنا ولا تخطبها. قال: اذهب بنا اليها. فدخلنا دار زرارة، فإذا دار فيها مقاصير، فاستأذنا على أمها، فلقيتنا بمثل كلام الشيخ، ثم قالت: وها هي في تلك الحجرة. قلت له: لا تأتها. قال: أليست بكرا؟ قلت: بلى. قال: ادخل بنا إليها.
فاستأذنا، فأذنت لنا، فوجدناها جالسة وعليها ثوب قوهي رقيق معصفر، تحته
стр. 2280
سراويل يرى منه بياض جسدها، ومرط قد جمعته على فخذيها، ومصحف على كرسي بين يديها. فأشرجت «١» المصحف ثم نحته، فسلمنا، فردّت، ثم رحبت بنا، ثم قالت: من أنت؟ قال: أنا عبد الحميد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري خال رسول الله ﷺ ! ومدّ بها صوته، قالت: يا هذا؛ إنما يمدّ هذا الصوت للساسانيين! قال موسى: فدخل بعضي في بعض! ثم قالت: ما حاجتك؟ قال: جئت خاطبا. قالت: ومن ذكرت؟ قال: ذكرتك! قالت: مرحبا بك يا أخا اهل الحجاز، ما الذي بيدك؟ قال: لنا سهمان بخيبر اعطاناهما رسول الله ﷺ ومدّ بها صوته- وعين بمصر، وعين باليمامة، ومال باليمن. قالت: يا هذا، كل هذا عنا غائب، ولكن ما الذي يحصل بأيدينا منك؟ فإني أظنك تريد أن تجعلني كشاة عكرمة، أتدري من عكرمة؟ قال: لا. قالت: عكرمة بن ربعي. فإنه كان نشأ بالسواد، ثم انتقل الى البصرة وقد تغذي باللبن. فقال لزوجته: اشتري لنا شاة نحتلبها وتصنعين لنا من لبنها شرابا وكامخا. ففعلت وكانت عندهم الشاة إلى ان استحرمت «٢» ، فقالت: يا جارية خذي بأذن الشاة وانطلقي بها إلى التيّاس. فانزي عليها! ففعلت فقال التياس: آخذ منك على المنزوة درهما! فانصرفت إلى سيدتها فأعلمتها. فقالت: إنما رأينا من يرحم ويعطي، وأما من يرحم ويأخذ فلم نره! ... ولكن يا أخا أهل المدينة، أردت أن تجعلني كشاة عكرمة. فلما خرجنا قلت له: ما كان أغناك عن هذا! قال: ما كنت أظن أن امرأة تجترىء على مثل هذا الكلام.
ابن علفة وعبد الملك
وعن الاصمعي قال: كان عقيل بن علّفة المري غيورا فخورا، وكان يصهر إليه خلفاء بني أمية، فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته لبعض ولده، فقال: جنبني هجناء ولدك.
следующие страницы →