← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

ذلك فقال إنما اكرم ما أكرم الله، وأهين ما أهان الله. وشرد بعير له، فجعل بعيرين لمن دلّ عليه، فقيل له: أتجعل بعيرين في بعير؟ قال: إنكم لا تعرفون فرحة من وجد ضالته! وافترس الذئب له شاة، فقال لرجل: خلّصها من الذئب وخذها، فان فعلت فأنت والذئب واحد. وساوم رجل هبنقة «١» فقال: اشتريتها بستة، وهي خير من سبعة، وأعطيت فيها ثمانية، وإن أردتها بتسعة، وإلا فزن عشرة! وكان باقل الذي يضرب به المثل في العيّ، اشترى شاة بأحد عشر درهما فسئل: بكم اشتريت الشاة؟ ففتح يديه جميعا وأشار بأصابعه وأخرج لسانه، ليتّم العدد أحد عشر. الفرزدق والجرنفش ولما قرّب الفرزدق رأس بغلته من الماء، قال له الجرنفش: نحّ رأس بغلتك حلق الله شأفتك! قال: لماذا عافاك الله؟ قال لانك كذوب الحنجرة زاني الكمرة، فصاح الفرزدق: يا بني سدود. فاجتمعوا إليه، فقال: سوّدوا الجرنفش عليكم، فما رأيت فيكم أعقل منه. الجرنفش وهبنقة قال الأصمعي: سوبق بين الجرنفش وهبنقة، أيهما أجنّ وأحمق، فجاء جرنفش بحجارة خفاف من جص، وجاء هبنقة بحجارة ثقال وترس، فبدأ الجرنفش فقبض على حجر. ثم قال: درّي عقاب، بلبن وأشخاب! ثم رفع صوته وقال: الترس! فرمى الترس فأصابه، فانهزم هبنقة، فقيل له: لم انهزمت؟ فقال: إنه قال: الترس! ورمى الترس فلم يخطئه، فلو أنه قال العين ورماها أما كان يصيب عيني؟

стр. 2347

ابن المعتمر وامرأة وتبع داود بن المعتمر امرأة ظنّها من الفواسد، فقال لها: لولا ما رأيت عليك من سيما الخير ما تبعتك. فضحكت المرأة وقالت: إنما يعتصم مثلي من مثلك بسيما الخير. فأما إذا صارت سيما الخير من سيما الشر فالله المستعان. بينه وبين اخرى ووقع داود هذا بجارية، فلما أمعن في الفعل قال لها: أثيّب أم بكر؟ فقالت له: سل المجرّب. بين غزوان وأمه قالت ام غزوان الرقاشي لابنها، وهو يقرأ في المصحف: يا غزوان، لعلك تجد في هذا المصحف حمارا كان أبوك في الجاهلية فقده! فقال: يا أماه، بل اجد فيه وعدا حسنا ووعيدا شديدا. رجل من النوكى وشيخ في الحمام ونظر رجل من النوكى إلى شيخ في الحمام وعليه سرّة كأنها مدهن عاج، فقال له: يا شيخ، دعني اجعل ذكري في سرّتك! فقال له: يابن أخي، وأين يكون استك حينئذ؟ مجانين القصاص قال ابو دحية القاص: ليس فيّ خير ولا فيكم، فتبلّغوا بي حتى تجدوا خيرا مني. وقال في قصصه يوما: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا! قالوا: إن يوسف لم يأكله الذئب. قال: فهذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف.

стр. 2348

وقال ثمامة بن أشرس، سمعت قاصا ببغداد يقول: اللهم ارزقني الشهادة أنا وجميع المسلمين. ووقع الذباب على وجهه، فقال: ما لكم، كثّر الله بكم القبور. قال: ورأيت قاصا يحدّث الناس بقتل حمزة، فقال: ولما بقرت هند عن كبد حمزة واستخرجتها فعضتها ولاكتها ولم تزدردها، فقال النبي ﷺ : لو ازدردتها ما مستها النار! ثم رفع القاص يديه إلى السماء وقال: اللهم اطعمنا من كبد حمزة. باب نوكى الاشراف . ابن زيد مناة من النوكى المتقدمين: مالك بن زيد مناة بن تميم، لما دخل على امرأته ناجية مغضبا، فلما رأت ما به من الجهل والجفاء قالت: ضع شملتك. قال جسدي أحفظ لها! قالت: اخلع نعليك. قال: رجلاي أحق بهما! فلما رأت ذلك قامت وجلست إليه، فلما شم رائحة الطيّب وثب عليها. ابن لجيم ومن النوكى: عجل بن لجيم، قال أبو عبيدة: أرسل ابن لعجل بن لجيم فرسا في حلبة فجاء سابقا، فقال لابيه: كيف ترى أن أسمّيه يا أبت؟ قال: افقأ إحدى عينيه وسمّه الأعور. قال الشاعر: رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وأيّ عباد الله أنوك من عجل؟ أليس أبوهم عار عين جواده ... فأضحت به الامثال تضرب في الجهل؟ ومن بني عجل: دغة التي يضرب بها المثل في الحمق، وقد ذكرنا نسبها وخبرها في كتاب الامثال.

стр. 2349

عبيد الله بن مروان ومن نوكى الاشراف: عبيد الله بن مروان عم الوليد بن عبد الملك، بعث إلى الوليد قطيفة حمراء، وكتب إليه: إني قد بعثت إليك قطيفة حمراء. فكتب إليه: قد وصلت القطيفة وأنت والله يا عمّ أحمق أحمق. معاوية بن مروان ومنهم معاوية بن مروان، وقف على باب طحان، فرأى حمارا يدور بالرحا وفي عنقه جلجل، فقال للطحان؛ لم جعلت الجلجل في عنق الحمار؟ قال: ربما ادركتني سآمة أو نعاس، فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمت أنه وقف فصحت به فانبعث. قال: أفرأيت إن وقف وحرّك رأسه بالجلجل وقال هكذا وهكذا- وحرك رأسه-[فما علمك أنه واقف] ؟ فقال له: ومن لي بحمار يكون عقله مثل عقل الامير؟ وهو القائل وضاع له باز: أغلقوا أبواب المدينة لا يخرج البازي! وأقبل إليه قوم من جيرانه فقالوا: مات جارك أبو فلان، فمر له بكفن! فقال: ما عندنا اليوم شيء، ولكن عودوا إلينا إذا نبش. وأقبل إليه رجل أحمق منه، فقال له: تعيرنا أصلحك الله ثوبا نكفن فيه ميتا؟ قال: أخشى أنه ينجسه، فلا تلبسه إياه حتى يغسل ويطهر! عيينة بن حصن ومن النوكى الاشراف: عيينة بن حصن، دخل على عثمان بغير اذن، وكانت عنده ابنته، فقال له عثمان، ألا استأذنت! قال: ما ظننت ان هنا من احتاج ان استأذن عليه؛ قال: ادن فتعشّ. فقال: انا صائم. قال: تصوم الليل وتفطر النهار! وكان النبي ﷺ يسميه السفيه المطاع. أبان بن عثمان ومن حمقى قريش: ابان بن عثمان بن عفان، قال الشعبي: قدم أبان على معاوية

стр. 2350

فقال: يا أمير المؤمنين، زوّجني ابنتك. قال: يا ابن اخي، هما اثنتان: إحداهما عند ابن عامر، والاخرى عند اخيك عمرو. قال: كنت أظن ان لك ثالثة! قال: يا ابن اخي، تخطب إليّ ولا تدري لي بنت ام لا! رحم الله أباك. معاوية بن مروان أيضا ومرّ معاوية بن مروان بحقل له فلم ير فيها ما يعجبه؛ فقال: ما كذب من قال: كل حقل لا ترى است صاحبها لا تفلح أبدا، ثم نزل عن دابته وأحدث فيها ثم ركب. وهو الذي يقول لابي امرأته: ملأتني البارحة ابنتك دما! قال: إنها من نسوة يخبأن ذلك لازواجهن [وقال له أيضا يوما آخر: لقد نكحت ابنتك بعصبة ما رأت مثلها قط! قال] : لو كنت خصيا ما زوجناك، وعلى الذي غرّنا بك لعنة الله! أبو العاج وكان ابو العاج واليا بواسط، فأتاه صاحب شرطته بقوّادة، فقال: ما هذه؟ قال: قوادة؛ قال: وما تصنع؟ قال: تجمع بين الرجال والنساء! قال: وإنما جئتني بها لتعرّفها بداري؟ خلّ عنها لعنك الله ولعنها. الربيع العامري وكان الربيع العامري واليا باليمامة، فأتى بكلب قد عقر كلبا، فأقاده؛ فقال فيه الشاعر: شهدت بأنّ الله حقّ لقاؤه ... وأن الربيع العامريّ رقيع أقاد لنا كلبا بكلب فلم يدع ... دماء كلاب العامريّ تضيع وقال عوانة: استعمل معاوية رجلا من كلب، فذكر يوما المجوس وعنده النار،

стр. 2351

فقال: لعن الله المجوس ينكحون أمّاتهم، والله لو أعطيت مائة الف درهم ما نكحت أمي [فبلغ ذلك معاوية، فقال قبحه الله أترونه لو زادوا فعل، وعزله] . ثلاثة اخوة من بني عتاب وكان بالبصرة ثلاثة اخوة من بني عتاب بن أسيد، كان أحدهم يحج عن حمزة ويقول: استشهد قبل أن يحج! وكان الآخر يضحّي عن أبي بكر وعمر، ويقول أخطآ السّنة في ترك الأضحية، وكان الثالث يفطر أيام التشريق «١» عن عائشة، ويقول: غلطت رحمها الله صومها أيام التشريق. الرشيد ورجل من النوكى ولعب رجل من النوكى بين يدي الرشيد بالشطرنج، فلما رآه قد استجاد لعبه قال له: يا أمير المؤمنين، ولّني نهر بوق. فقال له: ويلك! أولّيك نصفه، اكتبوا عهده على بوق. قال: فولّني أرمينية. قال: إذا يبطىء على أمير المؤمنين خبرك. أهل العي والجهل المشبهون بالمجانين ابن أبي سود خطب وكيع بن أبي سود وهو والي خراسان، فقال في خطبته: إن الله خلق السموات والارض في ستة أشهر! فقالوا له: بل في ستة أيام! فقال: والله لقد قلتها وأنا أستقلها. عدي بن زياد وخطب عدي بن زياد الإيادي فقال في خطبته: أقول لكم ما قال العبد الصالح

стр. 2352

لقومه: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ «١» فقالوا له: إن هذا ليس من قول العبد الصالح، إنما هو من قول فرعون! فقال: من قاله فقد أحسن! ابن ورقاء وخطب عتاب بن ورقاء الرياحي فقال: أقول لكم كما قال الله في كتابه: كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذّيول والي باليمامة وخطب وال باليمامة فقال في خطبته: إن الله ﵎ لا يعاون عباده على المعاصي، وقد اهلك امة عظيمة على ناقة ما كانت تساوي مائتي درهم. فسمي مقوّم الناقة. ابن سنان وبكى حول ابن سنان أولاده وأهله حين ودّعوه وهو يريد مكة حاجا؛ فقال: لا تبكوا، فإني أرجو أن أضحّي عندكم! كردم السدوسي ودخل قوم دار كردم السدوسي فقالوا له: أين القبلة في دارك هذه؟ فقال: إنما سكنّاها منذ ستة أشهر. ودخل كردم السدوسي على رجل، فدعاه إلى الغذاء؛ فقال: قد أكلت. قال: وما أكلت؟ قال: قليل أرز فأكثرت منه! عناق وقيل لابي عبد الملك عناق: بأي شيء تزعمون أن أبا علي الاسواري أفضل من

стр. 2353

سلام أبي المنذر؟ قال: لانه لما مات سلام ابو المنذر مشى أبو عليّ في جنازته، فلما مات أبو عليّ لم يمش في جنازته! كردم ومرض كردم، فقال له عمه: أيّ شيء تشتهي؟ فقال: رأس كبشين! قال: لا يكون. قال: فرأسي كبش! قال: لا يكون: فقال: لست أشتهي شيئا. ابن طارق وقال مسعدة بن طارق الذرّاع: إنا لوقوف على حدود دار نقسمها، إذ أقبل عيص سيد بني تميم والمصلي على جنائزهم، ونحن في خصومة لنصلح بينهم؛ فقال: خبروني عن هذه الدار هل ضم بعضها إلى بعض أحد؟ ... فأنا منذ ستين سنة أفكّر في كلامه فما أدرك له معنى ولا مجازا. وأقبل كردوم السدوسي إلى قوم ليكسر لهم دورا، فوجد دارا منها فيها زنقة «١» فقال: ليست هذه الدار لكم. فقالوا: بلى، والله ما نازعنا أحد قط فيها. قال: فليست الزنقة لكم. قالوا: فكسر ما صح عندك أنه لنا ودع الزنقة. فكسر صحن الدار، فقال: عشرون في عشرين مائتان! قالوا: من هذا المعنى لم تكن الزنقة عندك لنا؛ عشرون في عشرين مائتان. فرضى وسئل آخر كان ينظر في الفرائض عن فريضة لم يعرفها، فالتمسها في كتابه فلم يجدها؛ فقال: لم يمت هذا الرجل بعد، ولو مات لوجدت فريضته في كتابي. وعزى قوما فقال: أجركم الله وأعظم أجوركم وأجركم، فقيل له في ذلك، فقال: مثل قول مروان بن الحكم: بارك الله فيكم وبارك لكم وبارك عليكم.

стр. 2354

أبو ادريس السمان وكان ابو إدريس السمان يكتب: فلا صحبك الله إلا بالعافية، ولا حيا وجهك إلا بالكرامة! رجل ووكيله العتبي قال: بعث رجل وكيله إلى رجل من الوجوه يقتضيه ما عليه، فرجع إليه مضروبا؛ فقال: ما لك ويلك؟ قال: سبك فسببته فضربني. قال: وبأي شيء سبني؟ قال: [قال:] : هن الحمار في حر امّ الذي أرسلك! قال له: دعني من افترائه عليّ؛ وأخبرني أنت كيف جعلت لاير الحمار من الحرمة ما لم تجعل لحر امي؟ هلا قلت: أير الحمار في هن أمّ من ارسلك! أبو نواس ووراق وقال أبو نواس: قلت لاحد الوراقين الذين يكتبون بباب البطوني: إيّما أسنّ أنت أم أخوك؟ قال: إذا جاء رمضان استوينا! المأمون وابن اشرس قال ثمامة بن أشرس للمأمون: مررت في غبّ مطر والارض ندية والسماء متغيمة والريح شمال، وإذا بشخص أصفر كأنه جرادة، وقد قعد على قارعة الطريق، وحجّام يحجمه على كاهله وأخدعيه بمحاجم كأنها قعاب «١» وقد مص دمه حتى كاد يستفرغه، فقلت: يا شيخ، لم تحتجم في هذا البرد؟ قال: لهذا الصّفار الذي بي. أبو عتاب وبره بأمه وقيل لابي عتاب: كيف برّك بأمّك؟ قال: والله ما قرعتها بسوط قط!

стр. 2355

النوكى من نساء الأشراف دغة العجلية، وجهيزة، وشولة، وذراعة، وسارية الليل، وريطة بنت كعب، وهي التي نقضت غزلها أنكاثا، وفيها يقال في المثل: خرقاء وجدت صوفا. وقال عمرو بن عثمان: شيعت القاضي عبد العزيز بن عبد المطّلب المخزومي قاضي مكة إلى منزله، وبباب المسجد حمقاء تصفق بيديها وتقول: أرّق عينيّ ضراط القاضي فقال لي: يا أبا حفص، أراها تعني قاضي مكة؟ من حكم المجانين وقد يأتي لهؤلاء المجانين كلام نادر محكم لا يسمع بمثله، كما قالوا: ربّ رمية من غير رام. قيل لدغة: أي بنيك أحب إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يفيق، والغائب حتى يرجع. ومن أخبار اهل العي المشبهين بالمجانين أبو طالب دخل أبو طالب صاحب الحنطة على هاشمية جارية حمدونة بنت الرشيد، ليشتري طعاما من طعامهم؛ فقال لها: قد رأيت متاعك وقلبته، قالت له: هلا قلت طعامك يا أبا طالب! قال: قد أدخلت يدي فيه فوجدته قد حمي وصار مثل الجيفة، قالت: يا أبا طالب، الست قد قلّبت الشعير فأعطنا به ما شئت وإن كان فاسدا.

стр. 2356

رجلان من النوكى وعبد لهما قال الأصمعي: كان بين رجلين من النّوكى عبد. فقام أحدهما يضربه، فقال له شريكه: ما تصنع؟ قال: أنا أضرب نصيبي منه! قال: وأنا أضرب حصتي فيه! وقام فضربه؛ فكان من رأى العبد أن سلح عليهما وقال: اقسما هذه على قدر الحصص. باكية على قبر ومرّ بعضهم بامرأة قاعدة على قبر وهي تبكي، فقال لها: ما هذا الميّت منك؟ قالت: زوجي! قال: وما كان عمله؟ قالت: كان يحفر القبور! قال: أبعده الله، أما علم أنه من حفر حفرة وقع فيها. ابن أشرس ورجل من النوكى وطلب رجل من النّوكى من ثمامة بن أشرس أن يسلفه مالا ويؤخّره به؛ قال: هاتان حاجتان، وأنا أقضي لك إحداهما. قال: رضيت. قال: أنا أؤخرك ما شئت ولا أسلفك. امرأة ابي رافع وصيرفي وكان ابو رافع مولى رسول الله ﷺ ؛ وآل أبي رافع من فضلاء أهل المدينة وخيارهم، مع بله فيهم وعيّ شديد؛ فمن ذلك: أن امرأة ابي رافع رأته في نومها بعد موته، فقال لها: أتعرفين فلانا الصيرفي؟ قالت له: نعم. قال: فإن لي عليه مائتي دينار. فلما انتبهت غدت إلى الصيرفي فأخبرته الخبر، وسألته عن المائتي دينار؛ فقال رحم الله أبا رافع، والله ما جرت بيني وبينه معاملة قط! فأقبلت إلى مسجد المدينة، فوجدت مشايخ من آل أبي رافع، كلهم مقبول القول، جائز الشهادة؛ فقصت عليهم الرؤيا، وأخبرتهم خبرها مع الصيرفي وإنكاره لما ادّعاه أبو رافع؛ قالوا: ما كان أبو رافع ليكذب في نوم ولا يقظة! قرّبي صاحبك إلى السلطان، ونحن نشهد لك عليه!

стр. 2357

فلما علم الصيرفي عزم القوم على الشهادة لها، وعلم أنهم إن شهدوا عليه لم يبرح حتى يؤدّيها: قال لهم: إن رأيتم أن تصلحوا بيني وبين هذه المرأة على ما ترونه فافعلوا. قالوا: نعم والصلح خير، ونعم الصلح الشطر؛ فأدّ إليها مائة دينار من المائتين! فقال لهم: أفعل، ولكن اكتبوا بيني وبينها كتابا يكون وثيقة لي. قالوا: وكيف تكون هذه الوثيقة؟ قال: تكتبون لي عليها انها قبضت مني مائة دينار صلحا على المائتي دينار التي ادّعاها ابو رافع عليّ في نومها، وأنها قد أبرأتني منها، وشرطت على نفسها ان لا ترى أبا رافع في نومها مرة اخرى، فيدعي عليّ بغير هذه المائتي دينار، فتجيء بفلان وفلان يشهدان عليّ لها! فلما سمعوا الوثيقة انتبه القوم لانفسهم، وقالوا: قبحك الله وقبح ما جئت به. عامر بن عبد الله ومنهم عامر بن عبد الله بن الزبير، أتي بعطائه وهو في المسجد، فقام ونسيه في موضعه؛ فلما أتى البيت ذكره، فقال: يا غلام، ائتني بعطائي الذي نسيت في المسجد! قال: وأين يوجد وقد دخل المسجد بعدك جماعة؟ وبقي أحد يأخذ ما ليس له!؟ وسرقت نعله مرة، فلم يلبس نعلا بعدها حتى مات، وقال: أكره أن أتخذ نعلا يجيء من يسرقها فيأثم! وفي هذا الضرب يقول أبو أيوب السختياني: من أصحابي من أرجو بركته ودعاءه ولا أقبل شهادته. عابد في بني اسرائيل قال الأصمعي: كان الشعبي يحدّث انه كان في بني إسرائيل عابد جاهل قد ترهّب في صومعته، وله حمار يرعى حول الصومعة؛ فاطّلع عليه من الصومعة فرآه يرعى، فرفع يده إلى السماء فقال: يا رب، لو كان لك حمار كنت أرعاه مع حماري وما كان

стр. 2358

يشق عليّ! فهمّ به نبي كان فيهم في ذلك الزمان، فأوحى الله إليه: دعه، فإنما أثيب كل إنسان على قدر عقله. ابن سيرين ومجنون هشام بن حسان قال: أقبل رجل إلى محمد بن سيرين فقال: ما تقول في رؤيا رأيتها! قال: وما رأيت؟ قال كنت أرى ان لي غنما، فكنت أعطي بها ثمانية دراهم، فأبيت من البيع ففتحت عيني فلم أر شيئا، فأغلقتها ومددت يدي؟ وقلت: هاتوا أربعة. فلم أعط شيئا فقال له ابن سيرين: لعل القوم اطلعوا على عيب في الغنم فكرهوها! قال: يمكن الذي ذكرت. شعراء المجانين منهم أبو ياسين الحاسب، وجعيفران، وجرنفش، وأبو حية النميري، وريسيموس، وصالح بن شرزاد الكاتب. وكان أبو حية أجنّ الناس وأشعر الناس، وهو القائل: ألا حيّ أطلال الرسوم البواليا ... لبسن البلى مما لبسن الّلياليا إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه أمر لا يملّ التّقاضيا وهو القائل أيضا: فلأبعثنّ مع الرّياح قصيدة ... منى مغلغلة إلى القعقاع ترد المنازل لا تزال غريبة ... في القوم بعد تمتّع وسماع وهو القائل أيضا: فأبدت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم وأما جعيفران الموسوس الشاعر، وهو من مجانين الكوفة، فإنه لقى رجلا فأعطاه درهما وقال له: قل شعرا على الجيم فقال:

стр. 2359

عادني الهمّ فاعتلج ... كلّ همّ إلى فرج سلّ عنك الهموم بال ... كأس والراح تنفرج وهو القائل: ما جعفر لأبيه ... ولا له بشبيه أضحى لقوم كثير ... فكلهم يدّعيه هذا يقول بنيّ ... وذا يخاصم فيه والأمّ تضحك منهم ... لعلمها بأبيه قال أبو الحسن: استأذن جعيفران على بعض الملوك، فأذن له، وحضر غذاؤه، فتغذى معه؛ فلما كان من الغد استأذن فحجبه، ثم أتاه في الثالثة فحجمه، فنادى بأعلى صوته: عليك إذن فإنا قد تغذينا ... لسنا نعود، وإن عدنا تعدّينا يا أكلة ذهبت أبقت حرارتها ... داء بقلبك ما صمنا وصلّينا! أبو وائل : العتبي قال: قال أبو وائل لأبي: إن فيّ حماقة، ولكن إن طلبت الشّعر وجدت عندي منه علما. قال: وهل تقول منه شيئا؟ قال: نعم، أقول أجود من قولك، وأنا الذي أقول: لو أنّ جومل كلّمتني بعد ما ... نسيت جوانحي البكاء وأقبر لحسبت ميّت أعظمي سيجيبها ... أو أنّ باليها الرّحيم سينشر «١» قال له أبي: أما الشعر فحسن، إلا أن اسم المرةأ قبيح. قال: الآن اسم المرأة جمل، ولكنني ملحته بحومل! فقال له: إن هذا من الحماقة التي بريء إلينا منها. قال العتبي: قال أبي وأنشدني أبو وائل:

стр. 2360

ما أوجع البين من غريب ... فكيف إن كان من حبيب «١» يكاد من شوقه فؤادي ... إذا تذكرته يموت فقال له أبي: إن هذا باء وهذا تاء. قال: لا تنقط أنت شيئا. قلت: يا هذا إن البيت الأول مخفوض وهذا مرفوع. قال: أنا أقول لا تنقط: وهو يشكل! ولما توفيت أم سليمان بن وهب الكاتب، أخي الحسن بن وهب، دخل عليه رجل من نوكى الكتاب يسمى صالح بن شيرزاد، بشعر يرثيها فيه، فأنشده: لأمّ سليمان علينا مصيبة ... مغلغلة مثل الحسام البواتر وكنت سراج البيت يا أمّ سالم ... فأمسى سراج البيت وسط المقابر فقال سليمان: ما نزل بأحد ما نزل بي: ماتت أمي، ورثيت بمثل هذا الشعر ونقل اسمي من سليمان إلى سالم! ومن قول صالح بن شيرزاد هذا: لا تعدلنّ دواء بالنساء فإن ... كان الضراك فذاك الآذر يطوس «٢» أبو الواسع ومجنون : ودخل بعض شعراء المجانين على أبي الواسع وحوله بنوه، فاستأذنه في الإنشاد فاستعفى، فلم يزل به حتى أذن له؛ فأنشده شعرا، فلما انتهى فيه إلى قوله: وكيف تنفى وأنت اليوم رأسهم ... وحولك الغرّ من أبنائك الصّيد «٣» قال له: ليتك تركتنا رأسا برأس.

стр. 2361

ابن سيار ومجنون : وقيل: وفد أعرابي من شعراء المجانين إلى نصر بن سيار بشعر تغزل فيه بمائة بيت، ومدحه ببيتين؛ فقال له: والله ما تركت قافية لطيفة ولا معنى إلا شغلت به نسيبك دون مدحك. قال: سأقول غير هذا. فغدا عليه بشعر يقول فيه: هل تعرف الدار لأمّ الغمر ... دع ذا وحبّر مدحة في نصر «١» فقال له نصر: لا ذا ولا ذاك. وقال بعض العلماء: ما شبّهت تأويل الرافضة في قبح مذهبهم إلا بتأويل رجل من مجانين أهل مكة للشعر؛ فإنه قال: ما سمعت بأكذب من بني تميم؛ زعموا أن قول القائل: بيت زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل «٢» ... زعموا أن هذه أسماء رجال منهم! قال بعض أهل الأدب: قلت له: وما عندك أنت فيه؟ قال: البيت بيت الله، وزرارة الحجر، ومجاشع زمزم جشعت بالماء، وأبو الفوارس هو أبو قبيس جبل مكة! قلت له: فنهشل؟ قال نهشل ... ؟ وفكر فيه ساعة، ثم قال: قد أصبته؛ وهو مصباح الكعبة طويل أسود؛ فذلك النهشل! من أخبار مجانين دير هزقل : قال المبرد محمد بن يزيد النحوي: خرجنا من بغداد نريد واسطا، فملنا إلى دير هزقل ننظر إلى المجانين، فإذا المجانين كلهم قد رأونا، ونظرنا إلى فتى منهم قد غسل ثوبه ونظفه وجلس ناحية عنهم؛ فقلنا: إن كان فهذا فوقفنا به، فسلمنا عليه فلم يردّ السلام؛ فقلنا له: ما تجد؟ فقال: الله يعلم أنني كمد ... لا أستطيع أبثّ ما أجد «٣»

стр. 2362

نفسان لي نفس تضمّنها ... بلد وأخرى حازها بلد وأرى المقيمة ليس ينفعها ... صبر وليس بفوقها جلد وأظنّ غائبتي كشاهدتي ... فكأنّها تجد الذي أجد فقلت له: أحسنت والله! فأومأ إلى شيء ليرمينا به، وقال: أمثلي يقال له أحسنت! قال: فولينا عنه هاربين، فقال: أسألكم بالله ألا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أحسنت قلتم لي أحسنت، وإن أسأت قلتم لي أسأت. قال: فرجعنا ووقفنا، وقلنا له: قل. فأنشأ يقول: لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم ... ورحّلوها وسارت بالدّمى الإبل «١» وقلّبت من خلال السّجف ناظرها ... ترنو إليّ ودمع العين منهمل «٢» وودّعت ببنان عقده عنم ... ناديت: لا حملت رجلاك يا جمل» ويلي من البين! ماذا حلّ بي وبها ... من نازل البين؟ حلّ البين وارتحلوا «٤» يا راحل العيس عرج كي أودّعهم ... يا راحل العيس في ترحالك الأجل «٥» إني على العهد لم أنقض مودّتهم ... يا ليت شعري بطول العهد ما فعلوا قال: فقلنا له: ماتوا! فصاح وقال: وأنا والله أموت: وتربع وتمدد فمات، فما برحنا حتى دفناه. وقال محمد بن يزيد المبرّد: دخلنا دير هزقل، فإذا بمجنون بيده حجر، وقد تفرّق الناس عنه، وهو يقول: يا معشر إخواني، اسمعوا مني. ثم أنشأ يقول: وذي نفس صاعد ... يئن بلا عائد يكرّ على جحفل ... ويضعف عن واحد «٦»

стр. 2363

وأنشد أبو العباس لمان الموسوس: له وجنات في بياض وحمرة ... فحافاتها بيض وأوساطها حمر رقاق يحول الماء فيها كأنها ... زجاج أريقت في جوانبها الخمر وقال محمد بن يزيد: أصابتنا سحابة جود، ثم أقلعت سريعا، فمر بي مان الموسوس فقال: لا تظنّ الذي جرى ... مطرا كان ممطرا إنما ذاك كلّه ... دمع عيني تحدّرا «١» وتوالت غيومها ... من همومي تفكّرا هكذا حال من يرى ... من حبيب تغيّرا وقف مان الموسوس على أبي دلف، فأنشده: كرات عينك في العدا ... تغنيك عن سلّ السّيوف فقال أبو دلف: والله ما مدحت قط بمثل هذا البيت! وأمر له بعشرة الآف درهم، فأبى أن يقبضها وقال: نقنع من هذا بنصف درهم في هريسة. ولمان الموسوس: من الظباء ظباء همّها السّخب ... وحليها الدّرّ والياقوت والذهب يا حسن ما سرقت عيني وما انتهبت ... والعين تسرق أحيانا وتنهب إذا يد سرقت فالحدّ يقطعها ... والحدّ في سرقة العينين لا يجب أبو الجهم ومبرسم : ومرّ عليّ بن الجهم بمبرسم قد اجتمع الناس عليه، وتحلّقوا حوله؛ فلما رآه المبرسم قصد نحوه، وأخذ بعنانه، ثم أنشأ يقول: لا تحلفنّ بمعشر ال ... همج الذين أراهم

стр. 2364

فوحقّ من أبلى بهم ... نفسي ومن عافاهم لو قيس موتاهم بهم ... كانوا هم موتاهم ثم نظر حوله فرأى جميل الهيئة حسن الوجه، فشق ثيابه وقال: هذا السعيد لديهم ... قد صار بي أشقاهم أبو فحمة قال أبو البحتري الشاعر: كان يبلغني أن ببغدا مجنونا يكنى أبا فحمة، له بديهة حسنة، فتعرضت له، فأتيح لي لقاؤه في بعض سكت بغداد؛ فقلت له: كيف أصبحت أبا فحمة؟ فأنشأ يقول: أصبحت منك على شفاجرف ... متعرّض لموارد التّلف «١» وأراك نحوي غير ملتفت ... متحرّفا عن غير منحرف يا من أطال بهجره كلفي ... أسفي عليك أشدّ من كلفي قال أبو البحتري: فأخرجت له قبصة نرجس كانت في كمّي فحيّيته بها، فجعل يشمها مليا، ثم أنشأ يقول: لمّا تزوجت الجنوب بهاطل ... جون هتون زبرج دلّاح «٢» أضحى يلقّحها بوسمي الصّبا ... فاستثقلت حملا بغير نكاح «٣» حتى إذا حان المخاض تفجّرت ... فأتت بولدان بلا أرواح حاك الربيع لها ثيابا وشّيت ... بيد النّدى وأنامل الأرواح من أصفر في أزهر قد زانه ... تبر على ورق من الأوضاح ركّبن في عمد الزّبرجد فاغتدى ... نحو الغزالة ناظرا بملاح

стр. 2365

من شعر ماني : قال الحسن بن هانيء: لقيت مانيا الموسوس، فأنشدني: شعر حيّ أتاك من لفظ ميت ... صار بين الحياة والموت وقفا قد برت جسمه الحوادث حتى ... كاد عن أعين البريّة يخفى لو تأمّلتني لتبصر شخصي ... لم تبيّن من المحاسن حرفا من شعر جعيفران : ثم مضيت فأتيت جعيفران الموسوس، وهو شيخ من بني هاشم أرتّ «١» اللسان، وعليه قيد من فضة، وفي عنقه غل من ذهب؛ فقال لي: من أين دببت يا حسن؟ قلت: من بيت مانويه. فقال: في حرام مانويه. فدعا بدواة وقرطاس، وقال لي: اكتب. ما غرّد الديك ليلا في دجنّته ... إلا حثثت إليك السير مجهودا «٢» ولا هدت كلّ عين لذّ راقدها ... بنومة في لذيذ العيش ممهودا إلا امتطيت الدّجا شوقا إليك ولو ... أصبحت في حلق الأقياد مصفودا «٣» أسعى مخاطرة بالنّفس يا أملي ... والليل مدّرع أثوابه السّودا فلم ترقّ ولم ترث لمكتئب ... زوّدته حركات القلب تزويدا هيهات لا غدر في جنّ ولا بشر ... من الخلائق إلا فيك موجودا من شعر عدرد : ثم قال: خرق رقعة مانويه. فخرقتها ثم مضيت، فلقيت عدرد المصاب وحوله الصبيان، وهو يلطم وجهه ويبكي، وينادي: أيها الناس، الفراق مرّ المذاق! فقلت له: أبا محمد، من أين أقبلت؟ قال: شيعت الحاج. قلت، وما الذي حملك على

стр. 2366

تشييعهم؟ فقال: لي فيهم سكن «١» . قلت: فهل قلت فيهم شيئا؟ قال: نعم. وأنشدني: هم رحلوا يوم الخميس عشيّة ... فودّعتهم لمّا استقلوا وودّعوا فلما تولّوا ولّت النفس معهم ... فقلت ارجعي قالت إلى أين أرجع؟ إلى جسد ما فيه لحم ولا دم ... وما هو إلا أعظم تتقعقع وعينان قد أعياهما كثرة الكبا ... وأذن عصت عذّالها ليس تسمع أديب ذاهب العقل : أبو بكر الوراق قال: حدّثني صديق لي؛ قال: رأيت رجلا من أهل الأدب قد ذهب عقله بالمحبة، وخلفه دابة له تدور معه، فاستوقفته وقلت له: يا فلان، ما حالك؟ وأين النعمة؟ قال: تغير قلبي فتغيرت النعمة! قلت: بم تغيّر؟ قال: بالحب! ثم بكى وأنشأ يقول: أرى التجمّل شيئا لست أحسنه ... وكيف أخفي الهوى والدّمع يعلنه «٢» أم كيف صبر محبّ قلبه دنف ... الهجر ينحله والشّوق يحزنه؟ «٣» وإنه حين لا وصل يساعفه ... يهوى السّلوّ، ولكن ليس يمكنه وكيف ينسى الهوى من أنت همّته ... وفترة اللحظ من عينيك تفتنه؟ فقلت: أحسنت والله! فقال: قف قليلا، فو الله لأطرحنّ في أذنيك أثقل من الرصاص وأخف على الفؤاد من ريش الحواصل! وأنشد: للحبّ نار على عيني مضرمة ... لم تبلغ النار منها عشر معشار الماء ينبع منها من محاجرها ... يا للرّجال لماء فاض من نار! ثم وقف وأنشد: أعاد الصّدود فأحيا العليلا ... وأبدى الجفاء فصبرا جميلا «٤»

стр. 2367

وردّ الكتاب ولم يقره ... لئلّا أردّ إليه الرسولا وأحسب نفسي على ما ترى ... ستلقى من الهجر همّا طويلا وأحسب قلبي على ما أرى ... سيذهب سنّي قليلا قليلا! ثم ترك يدي ومضى: وحكى أبو العباس المبرد قال: دخل عمرو بن مسعدة على المأمون وبين يديه جام «١» زجاج فيه سكر طبرزد وملح جريش؛ قال: فسلمت، فرد وعرض عليّ الأكل؛ فقلت: ما أريد شيئا، هنّأك الله يا أمير المؤمنين، فلقد باكرت بالغداء فإني بتّ جائعا. ثم أطرق ورفع رأسه وهو يقول: اعرض طعامك وابذله لمن دخلا ... واحلف على من أبى، واشكر لمن أكلا فلا تكن سابريّ العرض محتشما ... من القليل، فلست الدهر محتفلا «٢» ودعا برطل؛ ودخل رجل من أجلة الفقهاء، فمد يده إليه، فقال؛ والله يا أمير المؤمنين ما شربتها ناشئا، فلا تسقنيها شيخا! فردّ يده إلى عمرو بن مسعدة فأخذها منه، وقال: يا أمير المؤمنين، الله الله! إني عاهدت الله في الكعبة أن لا أشربها أبدا! ففكر طويلا؛ والكأس في يد عمرو بن مسعدة، حتى لقد ظن أنه سيأمر فيها؛ ثم قال: ردّا عليّ الكأس إنّكما ... لا تعلمان الكأس ما تجدي لو ذقتما ما ذقت ما امتزجت ... إلا بدمعكما من الوجد «٣» خوفتماني الله ربّكما ... وكخيفتيه رجاؤه عندي إن كنتما لا تشربان معي ... خوف العقاب شربتها وحدي! ابن أوس ومان في غلام : محمد بن يزيد الأسدي قال: حدّثني حبيب بن أوس قال: كنت في غرفة لي على

стр. 2368

شاطىء دجلة في وقت الخريف، فإذا بغلام كنت أعرفه بجمال، قد تجرد من ثيابه وألقى نفسه في الدجلة يسبح فيها، وقد احمرّ جلده من برد الماء؛ وإذا مان الموسوس يرمقه ببصره، فلما خرج من الماء قال: خمش الماء جلده الرطب حتى ... خلته لابسا غلالة خمر «١» قلت له: لعنك الله يا ماني! أبعد الجهاد والغزو تحبّ غلاما قد بات مؤخرا في الحانات؟ فقال لي: ليس مثلك يخاطب يا أحمق، وإنما يخاطب هذا وأشار إلى السماء، وقال: بكفّيك تقليب القلوب وإنني ... لفي ترح ممّا ألاقي فما ذنبي؟ خلقت وجوها كالمصابيح فتنة ... وقلت اهجر وها عزّ ذلك من خطب! «٢» فإما أبحت الصبّ ما قد خلقته ... وإما زجرت القلب عن لوعة الحب! أخذ هذا المعنى يزيد بن عثمان فقال: أيا ربّ تخلق ما تخلق ... وتنهي عبادك أن يعشقوا؟ إلهي، خلقت حسان الوجوه ... فأيّ عبادك لا يعشق وقال أبو بكر الموسوس في نصراني: أبصرت شخصك في نومي يعانقني ... كما تعانق لام الكاتب الألفا يا من إذا درس الإنجيل ظلّ له ... قلب الحنيف عن الإسلام منصرفا! وله فيه: زنّاره في خصره معقود ... كأنه من كبدي مقدود أخبار البخلاء بخل أهل مرو، ولأبن أشرس فيهم : أجمع الناس على بخل أهل مرو، ثم أهل خراسان.

стр. 2369

قال ثمامة بن أشرس: ما رأيت الديك قط في بلدة إلا وهو يدعو الدجاج ويثير الحب إليها ويلطف بها، إلا في مرو، فإني رأيته يأكل وحده، فعلمت أن لؤمهم في المآكل. ورأيت في مرو طفلا صغيرا في يده بيضة، فقلت له: أعطني هذه البيضة. فقال: ليس تسع يدك! فعلمت أن اللؤم والمنع فيهم بالطبع المركب والجبلّة «١» المفطورة. مروزي اشتكى سمالا : واشتكى رجل مروزيّ ضررا من سعال؛ فدلّوه على سويق اللوز، فاستثقل النفقة ورأى الصبر على الوجع أخف عليه؛ فلم يزل يماطل الأيام ويدافع الأوقات حتى أتيح له بعض الموفقين، فدله على ماء النخالة، وقال له: إنه يجلو الصدر. فأمر بالنخالة فطبخت له وشرب ماءها، فجلا صدره. ووجده بعضهم، فلما حضر غداؤه أمر به فرفع إلى العشاء وقال لأم عياله اطبخي لأهل بيتنا النخالة، فإني وجدت ماءها يعصم ويجلي الصدر فقالت له زوجته: قد جمع الله لك في هذا الدواء دواء وغذاء! لابن صبيح : وقال خاقان بن صبيح: دخلت على رجل ليلا من أهل خراسان فإذا هو قد أتي بمسرجة فيها فتيل رقيق، وقد ألقى في دهن المسرجة شيئا من ملح، وقد علق فيها عودا بخيط معقود إلى المسرجة، فإذا غشا المصباح أخرج به رأس الفتيل؛ فقلت: ما بال هذا العود مربوطا؟ فقال: هذا عود قد شرب الدهن، فإذا لم نحفظه وضاع احتجنا إلى غيره فلا نجده إلا عطشان، فإذا كان هذا دأبنا ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفايتنا ليلة.

стр. 2370

قال: فبينا أنا أتعجب وأسأل الله العافية، إذ دخل علينا شيخ من أهل مرو ونظر إلى العود فقال: أبا فلان، فررت من شيء ووقعت فيما هو شرّ منه؛ أما علمت أن الشمس والريح تأخذان من سائر الأشياء؟ أو ليس [قد] كان البارحة هذا العود عند إطفاء السراج أروى؛ وهو عند إسراجك الليلة أعطش؟ قد كنت أنا جاهلا مثلك زمانا، حتى وفقني الله إلى ما [هو] أرشد؛ اربط عافاك الله مكان العود إبرة كبيرة أو مسلة صغيرة؛ فإن الحديد أبقى، وهو مع ذلك غير نشاف؛ والعود والقصبة ربما تعلقت بهما العشرة من قطن الفتيلة فتشخص معها؛ وربما كان ذلك سببا لانطفائها! قال الخراساني: ألا وإنك لا تعلم أنك من المسرفين حتى تعمل بأعمال المصلحين. للجزامي : قال الأصمعي: قال لي أبو محمد الجزامي، واسمه عبد الله بن كاسب، ونحن في العسكر؛ إن للشيب سهكة «١» وبياض الشعر الأسود هو موته، كما أن سواده حياته، ألا ترى أن موضع دبرة الحمار الأسود لا ينبت فيها إلا شعر أبيض، والناس لا يرضون منا في هذا العسكر إلا بالعناق والمشامّة والطيب غال ممتنع الجانب، فلست أرى شيئا هو أحسن بنا من اتخاذ مشط صندل؛ فإن ريحه طيّبة، والشعر سريع القبول [منه] ؛ وأقل ما تصنع أن ما ينفي سهك الشيب؛ حتى يكون حال لا لنا ولا علينا. لابن أشرس : وكان ثمامة بن أشرس يقول: إياكم وأعداء الخبز أن تأتدموا بها، واعلموا أن أعدي عدوّ له المملوك، فلولا أن الله أعان عليه بالماء لأهلك الحرث والنسل! وكان يقول: كلوا الباقلاء بقشره، فإن الباقلاة تقول: من أكلني بقشري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشري فقد أكلته!

стр. 2371

من بخل هشام بن عبد الملك : ومن البخلاء هشام بن عبد الملك: قال خالد بن صفوان: دخلت على هشام فأطرفته وحدثته، فقال: سل حاجتك. فقلت: يا أمير المؤمنين، تزيد في عطائي عشرة دنانير. فأطرق حينا وقال: فيم؟ ولم؟ وبم؟ ألعبادة أحدثتها أم لبلاء حسن أبليته في أمير المؤمنين؟ ألا لا يا ابن صفوان، ولو كان لكثر السؤال ولم يحتمله بيت المال! فقلت: وفقك الله يا أمير المؤمنين وسدّد؛ فأنت والله كما قال أخو خزاعة: إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة قربى أو صديق توافقه منعت وبعض المنع حزم وقوّة ... ولم يستلبك المال إلا حقائقه قيل لخالد بن صفوان: ما حملك على تزيين البخل له؟ قال: أحببت أن يمنع غيري فيكثر من يلومه. وخرج هشام بن عبد الملك متنزها ومعه الأبرش الكلبي، فمر براهب في دير، فعدل إليه، فأدخله الراهب بستانا له، وجعل يجتني له أطايب الفاكهة؛ فقال له هشام: يا راهب؛ بعني بستانك! فسكت عنه الراهب، ثم أعاد عليه، فسكت عنه؛ فقال له: مالك لا تجيبني؟ فقال: وددت أن الناس كلهم ماتوا غيرك! قال: لماذا ويحك؟ قال: لعلك أن تشبع! فالتفت هشام إلى الأبرش فقال: أما سمعت ما قال هذا؟ قال: والله إن لقيك حرّ غيره. من بخل ابن الزبير : ومن البخلاء عبد الله بن الزبير، وكانت تكفيه أكلة لأيام، ويقول: إنما بطني شبر في شبر، فما عسى أن تكفيه أكلة. وقال فيه أبو وجرة مولى الزبير: لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقد ... أبقيت فضلا كبيرا للمساكين فإن تصبك من الأيام جائحة ... لم نبك منك على دنيا ولا دين

стр. 2372

ما زلت في سورة الأعراف تدرسها ... حتى فؤادي كمثل الخزّ في الّلين إنّ امرأ كنت مولاه فضيّعني ... يرجو الفلاح لعبد عين مغبون وابن الزبير هو الذي قال: أكلتم تمري وعصيتم أمري! فقال فيه الشاعر: رأيت أبا بكر، وربّك غالب ... على أمره، يبغي الخلافة بالتّمر! وأقبل إليه أعرابيّ فقال: أعطني وأقاتل عنك أهل الشام. فقال له: اذهب فقاتل، فإن أغنيت أعطيناك! قال: أراك تجعل روحي نقدا ودراهمك نسيئة! وأتاه أعرابي يسأله جملا، ويذكر أن ناقته نقبت «١» ؛ فقال؛ انعلها من النعال السبتية، واخصفها بهلب! قال له الأعرابي: إنما أتيتك مستوصلا ولم آتك مستوصفا؛ فلا حملت ناقة حملتني إليك! قال: إنّ وصاحبها. من بخل ابن الجهم : ومن رؤساء أهل البخل محمد بن الجهم، وهو الذي قال: وددت أن عشرة من الفقهاء، وعشرة من الشعراء، وعشرة من الخطباء، وعشرة من الأدباء- تواطئوا على ذمّي، واستهلوا بشتمي، حتى ينشر ذلك عنهم في الآفاق، حتى لا يمتدّ إليّ أمل آمل، ولا ينبسط نحوي رجاء راج. وقال له أصحابه: إنما نخشى أن نقعد عندك فوق مقدار شهوتك، فلو جعلت لنا علامة نعرف بها وقت استحسانك لقيامنا! قال: علامة ذلك أن أقول: يا غلام، هات الغداء. وذكر ثمامة بن أشرس محمد بن الجهم فقال: لم يطمع أحد قط في ماله إلا شغله عن الطمع في غيره، ولا شفع في صديق، ولا تكلم في حاجة محرم، إلا ليلقن المسئول حجّة المنع، ويفتح على السائل باب الحرمان!

стр. 2373

من بخل ابن أبي حفصة : ومن البخلاء اللئام مروان بن أبي حفصة الشاعر؛ قال أبو عبيدة عن ابن الجهم قال: أتيت اليمامة فنزلت على مروان بن أبي حفصة، فقدّم إليّ تمرا، وأرسل غلامه بفلس وسكرّجة يشتري زيتا، فأتى الغلام بالزيت، فقال له: خنتني وسرقتني! قال: وفيم كنت أخونك وأسرقك في فلس؟ قال: أخذت الفلس لنفسك واستوهبت الزيت. من بخل الصيرفي : ومن البخلاء: زبيدة بن حميد الصيرفي؛ استلف من بقال على بابه در همين وقيراطا، فمطله بها ستة أشهر، ثم قضاه در همين وثلاث حبات [شعير] ؛ فاغتاظ البقال وقال: سبحان الله! أنت صاحب مائة ألف دينار، وأنا يقال لا أملك مائة فلس، وإنما أعيش بكدي، واستقضي الحبة في بابك والحبتين؛ صاح على بابك حمال، [والمال لم يحضرك] ولا يحضر تلك الساعة وكيلك، فأعنتك وأسلفتك در همين وأربع شعيرات، فتقضيني بعد ستة أشهر در همين وثلاث شعيرات؟ فقال زبيدة: يا مجنون، أسلفتني في الصيف وقضيتك في الشتاء، وثلاث شعيرات شتوية أوزن من أربع صيفية؛ لأن هذه ندية وتلك يابسة، وما أشك أن معك بعد هذا كله فضلا! للأصمعي في بخيل : قال الأصمعي: كنت عند رجل من ألأم الناس وأبخلهم، وكان عنده لبن كثير، فسمع به رجل ظريف، فقال: الموت أو أشرب من لبنه! فأقبل مع صاحب له، حتى إذا كان بباب صاحب اللبن، تغاشى وتماوت، فقعد صاحبه عند رأسه يسترجع، فخرج إليه صاحب اللبن؛ فقال ما باله يا سيدي؟ قال: هذا سيد بني تميم، أتاه أمر الله ههنا. وكان قال لي: اسقني لبنا! قال صاحب اللبن: هذا هين موجود؛ ائتني يا غلام بعلبة من لبن. فأتاه به فأسنده صاحبه إلى صدره وسقاه، حتى أتى عليها، ثم

стр. 2374

تجشأ، فقال صاحبه لصاحب اللبن: أترى هذه الجشأة راحة الموت؟ قال: أماتك الله وإياه! ومن أمثال العرب في البخل قولهم: ما هو إلا أبنة «١» عصا أو عقدة رشاء «٢» ؛ لأن عقدة الرّشاء المبلول لا تكاد تنحل. قيل لمدنية: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم يردّه! قيل لها: فما الذل؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له! قيل لها: فما الشرف؟ قالت: اتخاذ المنن في رقاب الرجال. والعرب تقول لمن لم يظفر بحاجته وجاء خائبا: جاء فلان على غبيراء الظهر وجاء على حاجبه صوفة، وجاء بخفّي حنين. وقال أبو عطاء السندي، في يزيد بن عمرة بن هبيرة: ثلاث حكتهنّ لفرم قيس ... طلبت بها الأخوة والسّناء رجعن على حواجبهنّ صوف ... وعند الله أحتسب الجزاء طعام البخلاء لمروزي وزواره قال الأصمعي: كان المروزيّ يقول لزوّاره إذا أتوه: هل تغدّيتم اليوم؟ فإن قالوا: نعم. قال: والله لولا انكم تغديتم لاطعمتكم لونا ما أكلتم مثله، ولكن ذهب اول الطعام بشهوتكم! وإن قالوا: لا. قال: والله لولا انكم لم تتغدّوا لسقيتكم أقداحا من نبيذ الزبيب ما شربتم مثله! فلا يصير في أيديهم منه شيء من نجل ثمامة وكان ثمامة إذا دخل عليه اصحابه وقد تعشّوا عنده قال لهم: كيف كان

стр. 2375

مبيتكم ومنامكم؟ فإن قال احدهم إنه نام ليلته في هدوء وسكون، قال: النفس إذا اخذت قوتها أطمأنت! وإذا قال احدهم إنه لم ينم ليلته قال: إنه من افراط الكظّة «١» والإسراف في البطنة! ثم يقول: كيف كان شربكم للماء؟ فإن قال أحدهم: كثيرا. قال: التراب الكثير لا يبله إلا الماء الكثير وإن قال: قليلا. قال: ما تركت للماء مدخلا! وكان إذا اطعم اصحابه استلقى على قفاه ثم يتلو قوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً «٢» . ودخل عليه رجل وبين يديه طبق فراريج، فغطى الطبق بذيله، وأدخل رأسه في جيبه، وقال للرجل الداخل: ادخل في البيت الآخر حتى أفرغ من بخوري. أبو جعفر وشوي لابي جعفر الهاشمي دجاج ففقد فخذا من دجاجة، فأمر فنودي في منزله: من هذا الذي تعاطى فعقر! والله لا أخبز في التنور شهرا أو تردّ! فقال ابنه الاكبر: يا أبت، لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. سهل بن هارون وقال دعبل الشاعر: كنا يوما عند سهل بن هرون، فأطلنا الحديث حتى أضرّ به الجوع، فدعا بغذائه، فإذا بصحفة عدمليّة «٣» فيها مرق لحم ديك قد هرم، لا تحز فيه السكين، ولا تؤثر فيه الضرس [فأخذ قطعة خبز فقلب بها جميع ما في الصحفة، ففقد الرأس، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه إلى الغلام، وقال: أين الرأس؟ قال: رميت به. قال: لم؟ قال: لم أظنك تأكله ولا تسأل عنه. قال: ولأي شيء ظننت ذلك؟ فو الله إني لا بغض من يرمي برجله فضلا عن رأسه، والرأس رئيس الاعضاء،

стр. 2376

وفيه الحواس الخمس، ومنه يصيح الديك! وفيه العين التي يضرب بها المثل في الصفاء، فيقال: شراب مثل عين الديك؛ ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم ير قط عظم أهش من عظم رأسه، فإن كان بلغ من جهلك أن لا تأكله فعندنا من يأكله، انظر أين هو؟ قال: والله ما أدري أين رميته. قال: لكني والله أدري، رميت به في بطنك! زياد بن عبد الله وأهدى رجل من قريش لزياد بن عبيد الله وهو على المدينة طعاما فثقل عليه ذلك، فقال: اجمعوا المساكين وأطعموهم إياه! فجمعوا، وكشف عن الطعام، فإذا طعام له بال، فندم على الإرسال للمساكين، وقال للغلام: انطلق إلى هؤلاء المساكين وقل لهم: إنكم تجتمعون في المسجد فتفسون فيه فتؤذون الناس! لا اعلم انه اجتمع فيه منكم اثنان! عبد الله بن يحيى وقال: دخلت على عبد الله بن يحيى بن خالد بن أمية، وقوم يأكلون عنده، فمدّ يده إلى رغيف من الخوان فرفعه، وجعل يرطله «١» بيد ويقول: يزعمون أن خبزي صغير، فمن هذا الزاني ابن الزانية الذي يأكل نصف رغيف منه. قال: ودخلت عليه يوما والمائدة موضوعة، والقوم يأكلون، وقد رفع بعضهم يده، فممدت يدي لآكل، فقال: اجهز على الجرحى، ولا تتعرض للاصحاء! يقول: تعرّض للدجاجة التي قد نيل منها، والفرخ المأخوذ منه؛ فأما الصحيح فلا تتعرض له. هذا معناه في الجرحى [والاصحاء] .

стр. 2377

لجمين في بخيل وسأل يحيى بن خالد ابا الحارث جمّين عن طعام رجل، فقال: أما مائدته فمقبّبة، وأما صحافه فمخروطة من حب الخردل، وبين الرغيف والرغيف فترة نبي. قال: فمن يحضرها؟ قال: الكرام الكاتبون. قال: فمن يأكل معه؟ قال: الذباب. قال له يحيى: وأرى ثوبك مخرقا، أفلا يكسوك ثوبا وأنت في صحبته؟ قال: جعلت فداك، والله لو ملك بيتا من بغداد إلى الكوفة مملوءا إبرا، وفي كل ابرة منها خيط، وجاءه يعقوب يسأله إبرة منها يخيط بها قميص يوسف ابنه الذي قدّ من دبر، ومعه جبريل وميكائيل يضمنان عنده، لم يفعل. لابن مسلمة أخذ هذا المعنى محمد بن مسلمة، فقال يهجو ابن الاغلب: لو أنّ قصرك يا ابن أغلب كلّه ... إبر يضيق بهن رب المنزل وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ... ليخيط قدّ قميصه لم تفعل! «١» وقيل لجمّين: أتغذيت عند فلان! قال: لا، ولكنني مررت به يتغذى! قيل: فكيف علمت أنه يتغذى؟ قال رأيت غلمانه ببابه في أيديهم قسى البندق يرمون الذباب في الهواء! وقال أبو الحارث جمّين: دخلت على فلان، فوضع بين أيدينا مائدة- كنا أشوق إلى الطعام إذ رفعت منا إليه إذ وضعت-! اعرابي على مائدة هشام وحضر اعرابي سفرة هشام بن عبد الملك، فبينا هو يأكل إذ تعلقت شعرة في لقمة الاعرابي، فقال له هشام: عندك شعرة في لقمنك يا اعرابي! قال: وإنك لتلاحظنني

стр. 2378

ملاحظة من يرى الشعرة في لقمتي! والله لا اكلت عندك أبدا! وخرج وهو يقول: وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الاكيل على عمد وقال آخر: ولو عليك اتّكالي في الغداء إذا ... لكنت أوّل مقتول من الجوع يقول عند دعاء الضّيف مبتدئا ... صوت ضعيف وداع غير مسموع المغيرة وبخله قال المدائني: كان للمغيرة بن عبد الله الثقفي وهو والي الكوفة، جدي يوضع على مائدته بعد الطعام، لا يمسه هو ولا احد ممن يحضر، فحضر مائدته أعرابيّ، فبسط يده، وأسرع في الأكل، فقال: يا اعرابي، إنك لتأكل الجدي بحرد «١» كأنّ أمه نطحتك، فقال له الاعرابي: أصلحك الله، وانت تشفق عليه كأنّ أمّه أرضعتك! ثم بسط الاعرابي يده إلى بيضة بين يده، فقال: خذها فإنها بيضة العقر! فلم يحضر طعامه بعد ذلك. أشعب ووالي المدينة ودخل أشعب على والي المدينة، فحضر طعامه، وكان له جدي على مائدته يتحاماه كل من حضر، فبدر إليه أشعب فمزقه، فقال له: يا أشعب، إن اهل السجن ليس لهم إمام يصلى بهم، فإن رأيت ان تكون لهم إماما تصلي بهم، فإن في ذلك أجرا! فقال: والله ما احبّ هذا الأجر، ولكن زوجتي طالق إن أكلت لحم جدي عندك حتى ألقى الله! الكندي قال عمرو بن ميمون: تغدّيت يوما عند الكندي، فدخل عليه رجل كان جارا وصديقا له، فلم يعرض عليه الطعام، ونحن نأكل، فاستحيت أنا منه، فقلت: سبحان

стр. 2379

الله، لو دنوت فأصبت معنا! قال: قد والله فعلت. قال الكندي: ما بعد الله شيء! قال: فكنفه والله كتافا لو بسط يده لأكل بعده لكان كافرا! قال: ومررت ببعض طرق الكوفة، فإذا أنا برجل يخاصم جارا له، فقلت: ما بالكما؟ فقال احدهما: إن صديقا لي زارني واشتهى عليّ رأسا، فاشتريته له وتغدينا. فأخذت عظمامه فوضعتها عند باب داري اتجمل بها عند جيراني، فجاء هذا وأخذها ووضعها على باب داره، يوهم الناس أنه هو الذي أكل الرأس. بخيل وولده قال رجل من البخلاء لولده: اشتروا لي لحما، فاشتروا له، وأمر بطبخه حتى تهرّأ، فأكل منه حتى انتهت نفسه [ولم يبق إلا العظم] ، وشرعت إليه عيون ولده، فقال: ما أنا مطعمه أحدا منكم إلا من أحسن صفة أكله! فقال الاكبر: أتعرّقه «١» يا أبت، حتى لا أدع للذرّة فيه مقيلا! قال: لست بصاحبه! فقال الاوسط: أتعرّقه يا أبت حتى لا يدرى ألعامه هو أم لعام أول! قال: لست بصاحبه! فقال الاصغر: أتعرّقه يا أبت، ثم أدقه دقا، وأسفه سفا؟ قال: أنت صاحبه، وهو لك دونهم. الثوري وقال عمرو بن بحر الجاحظ: كان ابو عبد الرحمن الثوري يعجبه الرءوس ويصفها، وكان يسمّي الرأس عرسا لما فيه من الالوان الطيبة، وربما سماه الكامل والجامع؛ ويقول: الرأس شيء واحد، وهو ذو الوان عجيبة وطعوم مختلفة، والرأس فيه الدماغ، وطعمه مفرد، وفيه العينان، وطمعمهما مفرد، والشحمة التي بين أصل الاذن ومؤخر العين، وطعمها مفرد، على أن هذه الشحمة خاصة أطيب من المخ، وأرطب من الزبد، وأدسم من السلاء؛ وفي الرأس اللسان، وطعمه مفرد، والخيشوم، والغضروف، ولحم الخدين، وكل شيء من هذه طعمه مفرد؛ والرأس سيد البدن،

стр. 2380

والدماغ هو معدن العقل، وحاسة الحواس وبه قوام البدن، وفيه يقول الشاعر: إذا نزعوا رأسي، وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري ... لاعرابي في الرأس وقيل لاعرابي: اتحسن أن تأكل الرأس؟ قال: نعم؛ أعض العينين، وأفك لحييه، وأنقي خديه، وأرمي بالدماع إلى من هو أحق مني، وكانوا يكرهون أكل الدماغ، ولذا يقول قائلهم. ولا أبتغي المخّ الذي في الجماجم نصيحة ابي عبد الرحمن لابنه وكان أبو عبد الرحمن يجلس مع ابنه يوم الرأس ويقول له: إياك ونهم الصبيان وبغر» السباع، واخلاق النوائح، ونهش الاعراب، وكل ما بين يديك، فإنما حظك منه ما قابلك، واعلم أنه إذا كان في الطعام شيء ظريف، من لقمة كريمة، او مضغة شهية، فانما ذلك للشيخ المعظم، والصبي المدلل، ولست بواحد منهما، وقد قالوا. مدمن اللحم كمد من الخمر؛ أي بنيّ، لا تخضم خضم البراذين، ولا تدمن الأكل إدمان النعاج، ولا تلقم لقم الجمال، ولا تنهش نهش السباع، وعوّد نفسك الأثرة «٢» ، ومجاهدة الهوى والشهوة؛ فإن الله جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة، واحذر سرعة الكظة وسرف البطنة، فقد قال بعض الحكماء: إذا كنت نهما فعدّ نفسك من الزّمنى؛ واعلم أن الشّبع داعية البشم، والبشم داعية السقم، والسقم داعية الموت. ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة؛ لانه قاتل نفسه، وقاتل نفسه الأم من قاتل غيره أي بني، والله ما أدى حق الركوع والسجود ذو كظة ولا خشع لله ذو بطنة، والصوم صحة؛ والوجبات عيش الصالحين أي بني، لأمر ما طالت أعمار الرهبان، وصحت

стр. 2381

أبدان الاعراب؛ لله درّ الحارث بن كلدة حيث زعم أن الدواء هو الأزم «١» ، وان الداء كله هو من فضول الطعام؛ فكيف لا ترغب في شيء يجمع لك صحة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح الدين والدنيا، والقرب من عيش الملائكة؟ أي بنيّ، ما صار الضبّ أطول شيء عمرا إلا أنه يتبلّغ بالنسيم؛ وما زعم الرسول أن الصوم وجاء «٢» إلا انه جعله حاجزا دون الشهوات: فافهم تأديب الله وتأديب الرسول؛ أي بني، قد بلغت تسعين عاما ما نغض لي سنّ، ولا انتشر لي عصب، ولا عرفت وكف انف، ولا سيلان عين، ولا سلس بول؛ وما لذلك علة إلا التخفف من الزاد؛ فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فلا أبعد الله غيرك. ابو الاسود الدؤلي ومن البخلاء: أبو الأسود الدؤلي: وقفت عليه امرأة وهو في فسطاط وبين يديه طبق تمر، فقالت: السلام عليك! قال ابو الاسود: كلمة مقبولة. ووقف عليه اعرابي، وهو يأكل فقال الاعرابي: أدخل؟ قال وراءك أوسع لك! قال: الرمضاء احرقت رجلي! قال: بل عليهما تبردان! قال أتأذن لي ان آكل معك؟ قال: سيأتيك ما قدّر لك! قال: تالله ما رأيت رجلا الأم منك. قال: بلى قد رأيت إلا انك نسيت! ثم اقبل ابو الاسود يأكل، حتى [إذا] لم يبق في الطبق الا تميرات يسيرة نبذها له، فوقعت تمرة منها، فأخذها الاعرابي ومسحها بكسائه، فقال ابو الاسود. يا هذا، إن الذي تمسحها به أقذر من الذي تمسحها له. قال: كرهت ان ادعها للشيطان! قال: لا والله، ولا لجبريل وميكائيل ما كنت لتدعها. الأصمعي قال: مرّ رجل بأبي الاسود الدؤلي وهو يقول: من يعشّي الجائع؟ فقال ابو الاسود: عليّ به، فأتاه بعشاء كثير. وقال: كل حتى تشبع! فلما اكل ذهب ليخرج؛ قال: أين تريد؟ قال: أريد اهلي. قال: لا ادعك تؤذي المسلمين الليلة

стр. 2382

بسؤالك! اطرحوه في الادهم «١» ! فبات عنده مكبولا حتى اصبح! ابن ابي حفصة وضيف قال الهيثم بن عدي: نزل بابن أبي حفصة ضيف باليمامة، فأخلى له المنزل ثم هرب عنه، مخافة ان يلزمه قراه تلك الليلة؛ فخرج الضيف فاشترى ما يحتاجه، ثم رجع وكتب إليه. يأيّها الخارج من بيته ... وهاربا من شدّة الخوف ضيفك قد جاء بزاد له ... فارجع تكن ضيفا على الضّيف! وقال آخر: بتّ ضيفا لهشام ... في شرابي وطعامي وسراجي الكوكب الدّ ... رّيّ في داج الظلام «٢» لا حراما أجد الخ ... بز ولا غير الحرام! وله: بت ضيفا لهشام ... فشكا الجوع! عدمته! وبكى- لا صنع الله ... له- حتى رحمته وكان شيخ من البخلاء يأتي ابن المقفع، فيلحّ عليه أن يتغدّى عنده في منزله، فيمطله ابن المقفع، فيقول: أتراني أتكلف لك شيئا؟ لا والله، لا أقدم لك إلا ما عندي، فلا تتثاقل عليّ! فلم يزل به حتى أجابه، وأتى به إلى منزله، فإذا ليس عنده إلا كسر يابسة وملح جريش، فقدمه له؛ ووقف سائل بالباب، فقال له: بورك فيك! فألح في السؤال، فقال: والله لئن خرجت إليك لأدقّنّ ساقيك! فقال ابن المقفع للسائل: أرح نفسك وانج والله لو علمت من صدق وعيده ما علمت أنا من صدق وعده ما وقفت ساعة ولا راجعته كلمة.

стр. 2383

وانتقل رجل من البخلاء إلى دار فابتاعها، فلما حلها وقف سائل، فقال له: صنع الله لك! ثم وقف ثان، فقال له مثل ذلك، ثم وقف ثالث، فقال له مثل ذلك؛ فقال لابنته: ما أكثر السؤال في هذا المكان! فقالت له: يا أبت، ما تمسكت لهم بهذا القول فما تبالي كثروا ام قلوا؟ الأصمعي: تقول العرب: ما علمتك إلا برما قرونا. البرم: الذي يأكل مع اصحابه ولا يجعل لهم شيئا، والقرون: الذي يأكل تمرتين تمرتين. حميد الارقط وألأم اللئام وأبخل البخلاء حميد الارقط، الذي يقال له هجّاء الاضياف؛ وهو القائل في ضيف نزل به وآكله: ما بين لقمته الاولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور «١» وله: تجهّر- كفّاه ويحدر حلقه ... إلى الزّور ما ضمّت عليه الأنامل أتانا وما سواه سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل فما زال عنه اللّقم حتى كأنه ... من العيّ لما ان تكلم باقل وله في الاضياف: لا مرحبا بوجوه القوم إذ دخلوا ... دسم العمائم تحكيها الشياطين باتوا وجلّة تمر حلّ بينهم ... كأنّ أيديهم فيها السكاكين فأصبحوا والنوى عالي معرّسهم ... وليس كلّ النّوى تلقى المساكين «٢» ما قالت الشعراء في طعام البخلاء فمن اهجى ما قيل في طعام البخلاء قول جرير في بني تغلب:

стр. 2384

والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا وقوله فيهم: قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار «١» قوم إذا استنبح الاضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولي على النار وقال الراعي: اللاقطين النّوى تحت الشياه كما ... نحت كرادم دهم في مخاليها «٢» فأين هؤلاء من قول الآخر: أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغدّى رفعت ستوره ولآخر: أبو نوح، أتيت إليه يوما ... فغدّاني برائحة الطعام وجاء بلحم لا شيء سمين ... فقدّمه على طبق الكلام فلمّا أن رفعت يدي سقاني ... كئوسا حشوها ريح المدام فكنت كمن سقى ظمآن آلا ... وكنت كمن تغدّى في المنام «٣» ولآخر: تراهم خشية الاضياف خرسا ... يصلّون الصلاة بلا أذان ولحماد بن جعفر: حديث أبي الصلت ذو خبرة ... بما يصلح المعدة الفاسده تخوّف تخمة إخوانه ... فعوّدهم أكلة واحده ولآخر:

стр. 2385

أتانا بخبز له حامض ... كمثل الدراهم في رقّته إذا ما تنفّس حول الخوان ... تطاير في البيت من خفّته فنحن كظوم له كلنا ... نردّ التنفس من خشيته فيكلمه اللّحظ من رقّة ... ويأكله الوهم من قلّته نزل رجل من العرب ببخيل، فقدّم إليه جرادا، فعافه وأمر برفعه، وقال: لحا الله بيتا ضمّني بعد هجعة ... إليه دجوجي من الليل مظلم فأبصرت شيخا قاعدا بفنائه ... هو العير إلا أنه يتكلم أتانا ببرقان الدّبى في إنائه ... ولم يك برقان الدّبى لي مطعم فقلت له غيّب إناءك واعتزل ... فهذا وهذا لا أبا لك مسلم ضاف القطامي الشاعر في ليلة ريح ممطرة عجوزا من محارب، فلم تقره شيئا؛ فرحل عنها وقال: تضيّفت في برد وريح تلفّني ... وفي طرمساء غير ذات كواكب إلى حيزبون توقد النار بعدما ... تلفّعت الظّلماء من كلّ جانب تصلى بها برد العشاء ولم تكن ... تخال وميض النار يبدو لراكب فما راعها إلا بغام مطيّتي ... تريح بمحسور من الصوت لاغب «١» فجنّت جنونا من دلاث مناخة ... ومن رجل عاري الأشاجع شاحب «٢» سرى في جليد الليل حتى كأنما ... تخرّم بالأطراف شوك العقارب «٣» تقول وقد قرّبت كوري وناقتي ... إليك فلا تذعر عليّ ركائبي فسلّمت والتسليم ليس يسرّها ... ولكنه حق على كلّ جانب «٤» فردّت سلاما كارها ثم أعرضت ... كما انحاشت الأفعى مخافة ضارب فلما تنازعنا الحديث سألتها ... من الحيّ؟ قالت: معشر من محارب
следующие страницы →