← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

أبدان الاعراب؛ لله درّ الحارث بن كلدة حيث زعم أن الدواء هو الأزم «١» ، وان الداء كله هو من فضول الطعام؛ فكيف لا ترغب في شيء يجمع لك صحة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح الدين والدنيا، والقرب من عيش الملائكة؟ أي بنيّ، ما صار الضبّ أطول شيء عمرا إلا أنه يتبلّغ بالنسيم؛ وما زعم الرسول أن الصوم وجاء «٢» إلا انه جعله حاجزا دون الشهوات: فافهم تأديب الله وتأديب الرسول؛ أي بني، قد بلغت تسعين عاما ما نغض لي سنّ، ولا انتشر لي عصب، ولا عرفت وكف انف، ولا سيلان عين، ولا سلس بول؛ وما لذلك علة إلا التخفف من الزاد؛ فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فلا أبعد الله غيرك. ابو الاسود الدؤلي ومن البخلاء: أبو الأسود الدؤلي: وقفت عليه امرأة وهو في فسطاط وبين يديه طبق تمر، فقالت: السلام عليك! قال ابو الاسود: كلمة مقبولة. ووقف عليه اعرابي، وهو يأكل فقال الاعرابي: أدخل؟ قال وراءك أوسع لك! قال: الرمضاء احرقت رجلي! قال: بل عليهما تبردان! قال أتأذن لي ان آكل معك؟ قال: سيأتيك ما قدّر لك! قال: تالله ما رأيت رجلا الأم منك. قال: بلى قد رأيت إلا انك نسيت! ثم اقبل ابو الاسود يأكل، حتى [إذا] لم يبق في الطبق الا تميرات يسيرة نبذها له، فوقعت تمرة منها، فأخذها الاعرابي ومسحها بكسائه، فقال ابو الاسود. يا هذا، إن الذي تمسحها به أقذر من الذي تمسحها له. قال: كرهت ان ادعها للشيطان! قال: لا والله، ولا لجبريل وميكائيل ما كنت لتدعها. الأصمعي قال: مرّ رجل بأبي الاسود الدؤلي وهو يقول: من يعشّي الجائع؟ فقال ابو الاسود: عليّ به، فأتاه بعشاء كثير. وقال: كل حتى تشبع! فلما اكل ذهب ليخرج؛ قال: أين تريد؟ قال: أريد اهلي. قال: لا ادعك تؤذي المسلمين الليلة

стр. 2382

بسؤالك! اطرحوه في الادهم «١» ! فبات عنده مكبولا حتى اصبح! ابن ابي حفصة وضيف قال الهيثم بن عدي: نزل بابن أبي حفصة ضيف باليمامة، فأخلى له المنزل ثم هرب عنه، مخافة ان يلزمه قراه تلك الليلة؛ فخرج الضيف فاشترى ما يحتاجه، ثم رجع وكتب إليه. يأيّها الخارج من بيته ... وهاربا من شدّة الخوف ضيفك قد جاء بزاد له ... فارجع تكن ضيفا على الضّيف! وقال آخر: بتّ ضيفا لهشام ... في شرابي وطعامي وسراجي الكوكب الدّ ... رّيّ في داج الظلام «٢» لا حراما أجد الخ ... بز ولا غير الحرام! وله: بت ضيفا لهشام ... فشكا الجوع! عدمته! وبكى- لا صنع الله ... له- حتى رحمته وكان شيخ من البخلاء يأتي ابن المقفع، فيلحّ عليه أن يتغدّى عنده في منزله، فيمطله ابن المقفع، فيقول: أتراني أتكلف لك شيئا؟ لا والله، لا أقدم لك إلا ما عندي، فلا تتثاقل عليّ! فلم يزل به حتى أجابه، وأتى به إلى منزله، فإذا ليس عنده إلا كسر يابسة وملح جريش، فقدمه له؛ ووقف سائل بالباب، فقال له: بورك فيك! فألح في السؤال، فقال: والله لئن خرجت إليك لأدقّنّ ساقيك! فقال ابن المقفع للسائل: أرح نفسك وانج والله لو علمت من صدق وعيده ما علمت أنا من صدق وعده ما وقفت ساعة ولا راجعته كلمة.

стр. 2383

وانتقل رجل من البخلاء إلى دار فابتاعها، فلما حلها وقف سائل، فقال له: صنع الله لك! ثم وقف ثان، فقال له مثل ذلك، ثم وقف ثالث، فقال له مثل ذلك؛ فقال لابنته: ما أكثر السؤال في هذا المكان! فقالت له: يا أبت، ما تمسكت لهم بهذا القول فما تبالي كثروا ام قلوا؟ الأصمعي: تقول العرب: ما علمتك إلا برما قرونا. البرم: الذي يأكل مع اصحابه ولا يجعل لهم شيئا، والقرون: الذي يأكل تمرتين تمرتين. حميد الارقط وألأم اللئام وأبخل البخلاء حميد الارقط، الذي يقال له هجّاء الاضياف؛ وهو القائل في ضيف نزل به وآكله: ما بين لقمته الاولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور «١» وله: تجهّر- كفّاه ويحدر حلقه ... إلى الزّور ما ضمّت عليه الأنامل أتانا وما سواه سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل فما زال عنه اللّقم حتى كأنه ... من العيّ لما ان تكلم باقل وله في الاضياف: لا مرحبا بوجوه القوم إذ دخلوا ... دسم العمائم تحكيها الشياطين باتوا وجلّة تمر حلّ بينهم ... كأنّ أيديهم فيها السكاكين فأصبحوا والنوى عالي معرّسهم ... وليس كلّ النّوى تلقى المساكين «٢» ما قالت الشعراء في طعام البخلاء فمن اهجى ما قيل في طعام البخلاء قول جرير في بني تغلب:

стр. 2384

والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا وقوله فيهم: قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار «١» قوم إذا استنبح الاضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولي على النار وقال الراعي: اللاقطين النّوى تحت الشياه كما ... نحت كرادم دهم في مخاليها «٢» فأين هؤلاء من قول الآخر: أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغدّى رفعت ستوره ولآخر: أبو نوح، أتيت إليه يوما ... فغدّاني برائحة الطعام وجاء بلحم لا شيء سمين ... فقدّمه على طبق الكلام فلمّا أن رفعت يدي سقاني ... كئوسا حشوها ريح المدام فكنت كمن سقى ظمآن آلا ... وكنت كمن تغدّى في المنام «٣» ولآخر: تراهم خشية الاضياف خرسا ... يصلّون الصلاة بلا أذان ولحماد بن جعفر: حديث أبي الصلت ذو خبرة ... بما يصلح المعدة الفاسده تخوّف تخمة إخوانه ... فعوّدهم أكلة واحده ولآخر:

стр. 2385

أتانا بخبز له حامض ... كمثل الدراهم في رقّته إذا ما تنفّس حول الخوان ... تطاير في البيت من خفّته فنحن كظوم له كلنا ... نردّ التنفس من خشيته فيكلمه اللّحظ من رقّة ... ويأكله الوهم من قلّته نزل رجل من العرب ببخيل، فقدّم إليه جرادا، فعافه وأمر برفعه، وقال: لحا الله بيتا ضمّني بعد هجعة ... إليه دجوجي من الليل مظلم فأبصرت شيخا قاعدا بفنائه ... هو العير إلا أنه يتكلم أتانا ببرقان الدّبى في إنائه ... ولم يك برقان الدّبى لي مطعم فقلت له غيّب إناءك واعتزل ... فهذا وهذا لا أبا لك مسلم ضاف القطامي الشاعر في ليلة ريح ممطرة عجوزا من محارب، فلم تقره شيئا؛ فرحل عنها وقال: تضيّفت في برد وريح تلفّني ... وفي طرمساء غير ذات كواكب إلى حيزبون توقد النار بعدما ... تلفّعت الظّلماء من كلّ جانب تصلى بها برد العشاء ولم تكن ... تخال وميض النار يبدو لراكب فما راعها إلا بغام مطيّتي ... تريح بمحسور من الصوت لاغب «١» فجنّت جنونا من دلاث مناخة ... ومن رجل عاري الأشاجع شاحب «٢» سرى في جليد الليل حتى كأنما ... تخرّم بالأطراف شوك العقارب «٣» تقول وقد قرّبت كوري وناقتي ... إليك فلا تذعر عليّ ركائبي فسلّمت والتسليم ليس يسرّها ... ولكنه حق على كلّ جانب «٤» فردّت سلاما كارها ثم أعرضت ... كما انحاشت الأفعى مخافة ضارب فلما تنازعنا الحديث سألتها ... من الحيّ؟ قالت: معشر من محارب

стр. 2386

من المشتوين القدّ في كلّ شتوة ... وإن كان عام الناس ليس بناصب فلما بدا حرمانها الضيف لم يكن ... عليّ مبيت السّوء ضربة لازب وقمت إلى مهريّة قد تعوّدت ... يداها ورجلاها حثيث المواكب ألا إنها نيران قيس إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب وقال الخليل بن أحمد: كفّاه لم تخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه فكف عن الخير مقبوضة ... كما نقصت مائة سبعه وكفّ ثلاثة آلافها ... وتسع مئات لها شرعه وقال غيره: وجيرة لا ترى في الناس مثلهم ... إذا يكون لهم عيد وإفطار إن يوقدوا يوسعونا من دخانهم ... وليس يبلغنا ما تنضج النار وقال احمد بن نعيم السلمي في بني حسان: إذا احتفلوا للضيف لهوج قدرهم ... جراديم أشباه النّخاعة تبلع «١» تبلّ جيار الضيف حتى تردّه ... وتصبح من عين استه تتطلّع ويقريك من أكرهته من سوادهم ... قرى الحيّ أو أدنى لجوع وأبشع عظاما وأرواثا وبعرا وإن يكن ... لدى القوم نار يشتوي لك ضفدع ولآخر: فبتنا كأنهم بينهم أهل مأتم ... على ميّت مستودع بطن ملحد يحدّث بعض بعضنا بمصابه ... ويأمر بعض بعضنا بالتجلّد! «٢» ولآخر: ذهب الكرام فلا كرام ... وبقي الغطاريف اللّئام

стр. 2387

من لا يقيل ولا يني ... ل، ولا يشمّ له طعام ولآخر: صدّق أليّته إن قال مجتهدا ... لا والرغيف، فذاك البرّ من قسمه فإن هممت به فافتك بخبزته ... فإنّ موقعها من لحمه ودمه قد كان يعجبني لو أنّ غيرته ... على جرادته كانت على حرمه ولآخر: إنّ هذا الفتى يصون رغيفا ... ما إليه لناظر من سبيل هو في سفرتين من أدم الطّا ... ئف في سلتين في منديل في جراب في جوف تابوت موسى ... والمفاتيح عند ميكائيل وقال ابو نواس في فضل الرقاشي: رأيت قدور الناس سودا من الطّلا ... وقدر الرّقاشييّن زهراء كالبدر يضيق بحيزوم البعوضة صدرها ... ويخرج ما فيها على قلم الظّفر إذا ما تنادوا للرّحيل سعى بها ... أمامهم الحوليّ من ولد الذرّ وقال في إسماعيل الكاتب: خبز إسماعيل كالوش ... ي إذا ما انشقّ يرفا «١» عجبا من أثر الصن ... عة فيه كيف يخفى إن رقاءك هذا ... ألطف الأمّة كفا فإذا قابل بالنّص ... ف من الجردق نصفا «٢» أحكم الصّنعة حتى ... ما يرى مغرز إشفى ولآخر: ارفع يمينك من طعامه ... إن كنت ترغب في كلامه

стр. 2388

سيان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عطافه ولآخر: رأيت الخبز عزّ لديك حتى ... حسبت الخبز في جوف السحاب وما روّحتنا لتذبّ عنّا ... ولكن خفت مرزئة الذّباب ولآخر: يحذر- أن تتخم إخوانه ... إنّ أذى التخمة محذور ويشتهي أن يؤجروا عنده ... بالصّوم والصائم مأجور ومن قولنا في نحوه: لا يفطر الصائم من أكله ... لكنه صوم لمن أفطرا في وجهه من لؤمه شاهد ... يكفى به الشاهد أن يخبرا لم يعرف المعروف أفعاله ... قطّ كما لم ينكر المنكرا وقال آخر: خليليّ من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إن الكريم معين ولا تبخلا بخل ابن فرعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين كأن عبيد الله لم يلق ماجدا ... ولم يدر أنّ المكرمات تكون فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا ... وفي كل معروف عليك يمين إذا جئته في حاجة سدّ بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين باب من اخبار البخلاء بين بخيلين الرياشي قال: صاحب رجل رجلا من البخلاء، فقال له: احملني! فقال: ما كنت لا نزل واحملك! قال. ما انت بحاتم حيث يقول:

стр. 2389

انخها فأردفها، فإن حملتكما ... فذاك؛ وإن كان العقاب فعاقب «١» قال: ما فيها محمل، ولابي طاقة على المشي. وقد قال شاعرهم حاتم: أماويّ إمّا مانع فمبيّن ... وإما عطاء لا ينهنه الزجر «٢» وقال كثير عزة: مهين تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما «٣» سأل عبد الرحمن بن حسان بن ثابت من بعض الولاة حاجة، فلم يقضها، فتشفع إليه برجل فقضاها؛ فقال: ذممت ولم تحمد، وأدركت حاجتي ... تولّى سواكم أجرها واصطناعها أبى لك كسب المجد رأي مقصّر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها إذا هي حثته على الخير مرّة ... عصاها، وإن همّت بشرّ أطاعها احتاج ابو الاسود الدؤلي مرة، فبعث إلى جار له موسر يستسلفه، وكان حسن الظن به، فاعتل عليه ورده؛ فقال: لا تشعرنّ النّفس يأسا فإنما ... يعيش بجدّ حازم وبليد ولا تطمعن في مال جار لقربه ... فكلّ قريب لا ينال بعيد وكتب إلى آخر يستسلفه، فكتب إليه: المؤنة كثيرة، والفائدة قليلة، والمال مكذوب عليه. فكتب إليه ابو الاسود: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت صادقا فجعلك الله كاذبا! وقال بعض الشعراء في بخيل:

стр. 2390

ميّت مات وهو في كنف العي ... ش مقيم في مظلّ عيش ظليل في عداد الموتى، وفي عامر الدّن ... يا أبو جعفر أخي وخليلي لم يمت ميتة الحياة ولكن ... مات عن كلّ صالح وجميل ولآخر: فأمّا قراه كله فلنفسه ... ومال يزيد كلّه ليزيد «١» ولآخر: له يومان: يوم ندى، ويوم ... يسلّ السيف فيه من القراب «٢» فأمّا جوده فعلى النّصارى ... وأمّا بأسه فعلى الكلاب ولآخر: قدحت بأظفاري، وأعملت معولي ... فصادفت جلمودا من الصّخر أملسا «٣» تجهّم لمّا قمت في وجه حاجتي ... وأطرق حتى قلت: قد مات أو عسى فأجمعت أن أنعاه لمّا رأيته ... يفوق فواق الموت حتى تنفّسا وأنشد أبو جعفر البغدادي للجولديّ: جاء بدينارين لي صالح ... أصلحه الله وأخزاهما أدناهما تحمله ذرّة ... وتلعب الريح بأقواهما بل لو وزنّا لك ظلّيهما ... ثم عمدنا فوزّنّاهما لكان لا كانا ولا أفلحا ... عليهما يرجح ظلّاهما ولحماد عجرد: أورق بخيرك تؤمل للجزيل، فما ... ترجى الثّمار إذا لم يروق العود وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود إنّ الكريم ترى في الناس عفّته ... حتى يقال غنيّ وهو مجهود «٤»

стр. 2391

وأنشد: جاد ابن موسى من دنانيره ... لنا بدينارين إسرارا كلاهما في الكفّ من خفّة ... لو نفخا من فرسخ طارا قلت، وقلبي لهما منكر: ... أدّهما للخبر قسطارا «١» فكان هذا عنده بهرجا ... وكان هذا عنده بارا ثم وزنّا واحدا منهما ... كان له القسطار مختارا فكان في كفّة ميزانه ... ينقص قيراطا ودينارا باب ما قيل في البخلاء سمع رجل أبا العتاهية ينشد: فارمي بطرفك حيث شئ ... ت فلن ترى إلّا بخيلا فقال له: بخّلت الناس كلّهم! قال: فأرني واحدا سمحا! وقال ابن أبي حازم: وقالوا لو مدحت فتى كريما! فقلت وأين لي بفتى كريم؟ بلوت ومرّ بي خمسون عاما ... وحسبك بالمجرّب من عليم فلا أحد يعدّ ليوم خير ... ولا أحد يعود على عديم ولآخر: لمّا رآنا فرّ بوابه ... وارتدّ من غير يد بابه كلب له من بغضه حاجب ... يحجبه إن غاب حجّابه ومن قولنا: جعل الله رزق كلّ عدوّ ... لي بكفّ لبعض من لا أسمّي كفّ من لا يهزّ عطفيه يوما ... لمديح، ولا ينال بدمّ يتلقّى الرجاء منه بوجه ... رائح الخدّ والجبين بسمّ

стр. 2392

جئته زائرا، فما زال يشكو ... لي حتى حسبته سيدمّي ألف الّلوم فيه من كلّ طرف ... معرقا فيه بين خال وعمّ قد نهاني النّصيح عنه مرارا ... بأبي أنت من نصيح وأمّي ومن قولنا: يراعة غرّني منها وميض سنا ... حتى مددت إليه الكفّ مقتبسا «١» فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا «٢» كأنما صيغ من بخل ومن كذب ... فكان ذاك له روحا وذا نفسا كلب يهرّ إذا ما جاء زائره ... حتى إذا جاء مهدي تحفة نبسا «٣» ومن قولنا: صحيفة طابعها الّلوم ... عنوانها بالبخل مختوم أهداكها والخلف في طيّها ... والمطل والتّسويف واللوم من وجهه نحس، ومن قربه ... رجس، ومن عرفانه شوم لا تهتضم إن كنت ضيفا له ... فخبزه في الجوف هاضوم «٤» تكلمه الألحاظ من رقّة ... فهو بلحظ العين مكلوم لا تأتدم شيئا على أكله ... فإنه بالجوع مأدوم «٥» احتجاج البخلاء الأصمعي قال: قال أبو الأسود الدؤلي: لو أطعمنا المساكين أموالنا لكنا أسوأ حالا منهم!

стр. 2393

وقال لبنيه: لا تطيعوا المساكين في أموالكم، فإنهم لا يقنعون منكم حتى يروكم مثلهم! وقال لهم أيضا: لا تجاودوا الله، فإنه لو شاء أن يغني الناس كلهم لفعل، ولكنه علم أن قوما لا يصلحهم الغنى ولا يصلح لهم إلا الفقر، وقوما لا يصلحهم الفقر ولا يصلح لهم إلا الغنى! وقال سهل بن هارون: لو قسمت في الناس مائة ألف لكان الأكثر لائمي. ونحوه قول ابن الجهم: منع الجميع أرضى للجميع. كندي وتغلبي : وقال رجل من تغلب: أتيت رجلا من كندة أسأله، فقال: يا أخا بني تغلب إني لن أصلك حتى أحرم من هو أقرب إليّ منك، وإني والله لو مكنت من داري لنقضوها طوبة طوبة، والله يا أخا بني تغلب ما بقي بيدي من مالي وأهلي وعرضي إلا ما منعته من الناس. وقال آخر: من أعطى من الفضول قصّر عن الحقوق. ابن هارون وسائل : وقال رجل لسهل بن هارون: هبني ما لا مرزئة عليك فيه، قال: وما ذاك يا ابن أخي؟ قال: درهم واحد! قال: يا ابن أخي لقد هوّنت الدرهم وهو طائع الله في أرضه الذي لا يعصى، والدرهم ويحك عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف دية المسلم! ألا ترى يا ابن أخي إلى أين انتهاء الدرهم الذي هوّنته؟ وهل بيوت المال إلا درهم على درهم. من وصية لقمان لابنه : وروي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بنيّ، أوصيك باثنتين ما تزال بخير ما

стр. 2394

تمسكت بهما: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك. وقال أبو الأسود: إمساكك ما بيدك، خير من طلبك ما بيد غيرك. وأنشد في المعنى: يلومونني في البخل جهلا وضلّة ... وللبخل خير من سؤال بخيل ونظيره قول المتلمس: وحبس المال خير من نفاد ... وضرب في البلاد بغير زاد وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد وقيل لخالد بن صفوان: مالك لا تنفق فإن مالك عريض؟ قال: الدهر أعرض منه! قيل له: كأنك تؤمل أن تعيش الدهر كله! قال: لا، ولكن أخاف أن لا أموت في أوله! الجاحظ والخزامي : وقال الجاحظ للحزامي: أترضى أن يقال لك بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم؛ لأنه لا يقال لي بخيل إلا وأنا ذو مال، فسلّم لي المال وسمّني بأي اسم شئت! فقال: جمع الله لاسم السخاء المال والحمد، وجمع لاسم البخل المال والذم. قال: بينهما فرق عجيب وبون بعيد: إن في قولهم بخيل، سببا لمكث المال؛ وفي قولهم سخي، سببا لخروج المال عن ملكي؛ واسم البخيل فيه حفظ وذمّ، واسم السخي فيه تضييع وحمد، والمال ناض نافع، ومكرم لأهله، والحمد ريح وسخرية، ومسمعة وطرمذة» ؛ وما أقل غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه، وعري ظهره، وضاع عياله، وشمت به عدوه! وقال محمد بن الجهم: من شأن من استغنى عنك أن لا يقيم عليك، ومن احتاج

стр. 2395

إليك أن لا يزول عنك؛ فمن حبك لصديقك وضنك بمودته أن لا تبذل له ما يغنيه عنك، وأن تتلطف له فيما يحوجه إليك وقد قيل في مثل هذا: أجع كلبك يتبعك، وسمّنه يأكلك؛ فمن أغنى صديقه فقد أعانه على الغدر، وقطع أسبابه من الشكر؛ والمعين على الغدر شريك الغادر، كما أن مزيّن الفجور شريك الفاجر. من وصية الأسدي لبنيه : وقال يزيد بن عمر الأسدي لبنيه: يا بنيّ، تعلموا الردّ؛ فإنه أسدّ من العطاء ولأن تعلم بنو تميم أن عند أحدكم مائة ألف درهم، أعظم له في أعينهم من أن يقسمها عليهم؛ ولأن يقال لأحدكم بخيل وهو غني، خير له من أن يقال سخيّ وهو فقير. وقال الحزامي: يقولون: ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك؛ فما ظنك إن كان أقصر مني، أليس يتخيّل في قميصي؟ وإن كان أطول مني، أليس يصير آية للسابلين، فمن أسوأ أثرا على صديقه ممن جعله ضحكة؟ فما ينبغي لي أن أكسوه حتى أعلم أنه فيه مثلي؛ ومتى يتفق هذا؟ أبو نواس وفقيه : وقال أبو نواس: كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد، رجل من أهل خراسان، وكان من فقهائهم وعقلائهم، وكان يأكل وحده، فقلت له: لم تأكل وحدك؟ فقال: ليس عليّ في هذا مسألة؛ إنما المسألة على من أكل مع الجماعة لأنه يتكلف، وأكلي وحدي هو الأصل، وأكلي مع الجماعة تكلّف ما ليس عليّ. ووقع درهم بيد سليمان بن مزاحم، فجعل يقلبه ويقول. في شق: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ وفي شق آخر: قل هو الله أحد؛ ما ينبغي لهذا أن يكون إلا تعويذة ورقية! ورمي به في الصندوق. وكان أبو عيسى بخيلا، وكان إذا وقع الدرهم بيده طنّه «١» بظفره وقال: يا درهم

стр. 2396

كم من مدينة دخلتها؟ وأيد دوّختها؟ فالآن استقرّ بك القرار، واطمأنت بك الدار! ثم رمى به في الصندوق. ابن أشرس وسائل : وقال رجل لثمامة بن أشرس: إن لي إليك حاجة ... قال: وأنا لي إليك حاجة! قال: وما حاجتك إليّ؟ قال: لا أذكرها حتى تضمن قضاءها! قال: قد فعلت. قال: فإن حاجتي لك أن لا تسألني حاجة! فانصرف الرجل عنه. وكان ثمامة يقول: ما بال أحدكم إذا قال له الرجل اسقني، أتى بإناء على قدر اليد أو أصغر، وإذا قال أطعمني، أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة، والطعام والشراب أخوان! أما إنه لولا رخص الماء وغلاء الخبز ما كلبوا على الخبز وزهدوا في الماء؛ الناس أرغب شيء في المأكول إذا كثر ثمنه، أو كان قليلا في منبته؛ ألا ترى الباقلا الأخضر أطيب من الكمثري، والباذنجان أطيب من الكمأة «١» ؛ ولكن أهل التحصيل والنظر قليل، وإنما يشتهون قدر الثمن! وكان يقول: إياكم وأعداء الخبز أن تأتدموا بها، وأعدى عدو له المالح، فلولا أن الله أعان عليه بالماء لأهلك الحرث والنسل. وكان يقول: كلوا الباقلا بقشره، فإن الباقلّا يقول: من أكلني بقشري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشري فقد أكلته؛ فما حاجتكم أن تصيروا طعاما لطعامكم؟ ابن هبيرة وعقيلي : الأصمعي قال قد جاء رجل من بني عقيل إلى عمر بن هبيرة، فمتّ إليه بقرابة وسأله أن يعطيه، فلم يعطه شيئا؛ ثم عاد إليه بعد أيام فقال: أنا العقيلي الذي سألتك

стр. 2397

منذ أيام! فقال له ابن هبيرة: وأنا الفزاري الذي منعك منذ أيام! فقال معذرة إليك، إني سألتك وأنا أظنك يزيد بن هبيرة المحاربي! قال: ذلك ألأم لك عندي، وأهون بك عليّ؛ نشأ في قومك مثلي فلم تعرفه، ومات مثل يزيد ولم تعلم به! يا حرسيّ، اسفع «١» بيده! ومن أشعار البخلاء التي يتمثلون بها: وزهّدني في كلّ خير صنعته ... إلى الناس ما جرّبت من قلة الشكر ولآخر: ارقع قميصك ما اهتديت لجيبه ... فإذا أضلّك جيبه فاستبدل ولابن هرمة: قد يدرك الشّرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع ومن أمثالهم في البخل وخلف الوعد قولهم: تختلف الأقوال إذا اختلفت الإخوان؛ وقولهم: كلام الليل يمحوه النهار وقولهم: بروق الصيف كاذبة الوعود رسالة سهل بن هارون في البخل بسم الله الرحمن الرحيم، أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلمكم الخير وجعلكم من أهله؛ قال الأحنف بن قيس: يا معشر بني تميم، لا تسرعوا إلى الفتنة فإن أسرع الناس إلى القتال أقلهم حياء من الفرار. وقد كانوا يقولون: إذا أردت أن ترى العيوب جمة فتأمل عيّابا، فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب، ومن

стр. 2398

أعيب العيب أن تعيب ما ليس بعيب، وقبيح أن تنهي مرشدا وأن تغري بمشفق. وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم، وإصلاح فاسدكم، وإبقاء النعمة عليكم، ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم؛ وقد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما اخترناه لكم، ولأنفسنا قبلكم وشهرنا به في الآفاق دونكم؛ ثم نقول في ذلك ما قال العبد الصالح لقومه: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ «١» ؛ فما كان أحقنا بكم في حرمتنا بكم أن ترعوا حقّ قصدنا بذلك إليكم على ما رعيناه من واجب حقكم، فلا العذر المبسوط بلغتم ولا بواجب الحرمة قمتم، ولو كان ذكر العيوب برّا وفخرا لرأينا في أنفسنا عن ذلك شغلا. عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي العجين، فهو أطيب لطمعه، وأزيد في ريعه؛ وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: أملكوا «٢» العجين، فإنه أحد الريعين. وعبتموني حين ختمت على سدّ عظيم «٣» ، وفيه شيء ثمين من فاكهة رطبة نفيسة؛ ومن رطبة غريبة، على عبد نهم، وصبيّ جشع، وأمة لكعاء، وزوجة مضيعة؛ وليس من أصل الأدب، ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادة القادة، ولا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير المركوب- التابع والمتبوع، والسيد والمسود؛ كما لا تستوي مواضعهم في المجالس، ومواقع أسمائهم في العنوان؛ ومن شاء أطعم كلبه الدجاج السمين، وعلف حماره السمسم المقشّر! فعبتموني بالختم، وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق، وعلى كيس فارغ،

стр. 2399

وقال: طينة خير من ظنّة، فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، وعبتم من ختم على شيء! وعبتموني أن قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج، ليجتمع مع التأدم باللحم طيب المرق؛ وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا طبخ أحدكم لحما فليزد من الماء، فمن لم يصب لحما أصاب مرقا» . وعبتموني بخصف «١» النعل، وبتصدير القميص، وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى وأقوى وأشبه بالنّسك، وأن الترقيع من الحزم، والتفرّق مع التضييع؛ والاجتماع مع الحفظ. وقد كان رسول الله ﷺ يخصف نعله، ويرقع ثوبه؛ ويلعق أصابعه، ويقول: «لو أهدي إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت» . وقال ﵊: «من لم يستحي من الحلال خفّت مئونته، وقل كبره» ؛ وقالت الحكماء: لا جديد لمن لم يلبس الخلق. وبعث زياد رجلا يرتاد له محدّثا، واشترط عليه أن يكون عاقلا، فأتاه به موافقا، فقال له: أكنت به ذا معرفة؟ قال: لا، ولكنني رأيته في يوم قائظ يلبس خلقا ويلبس الناس جديدا؛ فتفرّست فيه العقل والأدب، وقد علمت أن الخلق في موضعه مثل الجديد في موضعه؛ وقد جعل الله لكل شيء قدرا وسما به موضعا؛ كما جعل لك زمان رجالا، ولكل مقام مقالا؛ وقد أحيا الله بالسم، وأمات بالدواء، وأغصّ بالماء؛ وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكسبين، كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين؛ وقد جبر الأحنف بن قيس يد عنز، وأمر مالك بن أنس بفرسك النعل؛ وقال عمر بن الخطاب: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة؛ ولبس سالم بن عبد الله بجلد أضحية «٢» ؛ وقال رجل لبعض الحكماء: أريد أن أهدي إليك دجاجة. فقال: إن كان لا بد فاجعلها بيوضا. وعبتموني حين قلت: من لم يعرف مواضع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواضع الاقتصاد في الممتنع الغالي؛ فلقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ الكفاية وأشفّ

стр. 2400

من الكفاية؛ فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء، وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء «١» ، وجدت في الأعضاء فضلا على الماء؛ فعلمت أن لو كنت سلكت الاقتصاد في أوائله لخرج آخره على كفاية أوّله، ولكان نصيب [العضو] الأول كنصيب الآخر؛ فعبتموني بذاك وشنعتم عليّ؛ وقد قال الحسن وذكر السّرف: أما إنه ليكون في الماء والكلأ؛ فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلأ. وعبتموني أن قلت: لا يغترّنّ أحدكم بطول عمره، وتقوّس ظهره، ورقة عظمه، ووهن قوته، وأن يرى نحوه أكثر ذريته؛ فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده، وتحويله إلى ملك غيره، وإلى تحكيم السرف فيه، وتسليط الشهوات عليه؛ فلعله أن يكون معمرا؛ وهو لا يدري، وممدودا له في السنّ وهو لا يشعر؛ ولعله أن يرزق الولد على اليأس، أو يحدث عليه من آفات الدهر ما لا يخطر على بال ولا يدركه عقل، فيستردّه ممن لا يردّه، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه؛ أصعب ما كان عليه الطلب، وأقبح ما كان به أن يطلب؛ فعبتموني بذلك وقد قال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. وعبتموني بأن قلت بأن السرف والتبذير إلى مال المواريث وأموال الملوك [أسرع] وأن الحفظ للمال المكتسب، والغنى المجتلب، وإلى ما يعرض فيه لذهاب الدين، واهتضام العرض، ونصب البدن، واهتمام القلب- أسرع؛ ومن لم يحسب نفقته لم يحسب دخله، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع الأصل، ومن لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر، وطاب نفسا بالذل. وعبتموني بأن قلت: إن كسب الحلال يضمن الإنفاق في الحلال، وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث، وأن الطيب يدعو إلى الطيب، وأن الإنفاق في الهوى حجاز دون الحقوق؛ فعبتم عليّ هذا القول؛ وقد قال معاوية: لم أر تبذيرا قط إلا وإلى جنبه تضييع. وقد قال الحسن: إن أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله، فانظروا

стр. 2401

فيما ذا ينفقه، فإن الخبيث إنما ينفق في السرف. وقلت لكم بالشفقة عليكم وحسن النظر مني لكم: أنتم في دار الآفات، والجوائح غير مأمونات؛ فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع إلى بقيّة، فاحذروا النقم واختلاف الأمكنة؛ فإن البلية لا تجري في الجميع إلا بموت الجميع؛ و [قد] قال عمر بن الخطاب ﵁ في العبد والأمة والشاة والبعير: فرّقوا بين المنايا واجعلوا الرأس رأسين. وقال ابن سيرين [لبعض البحريّين] : كيف تصنعون بأموالكم؟ قالوا: نفرّقها في السفن، فإن عطب بعض سلم بعض، ولولا أن السلامة أكثر؛ ما حملنا أموالنا في البحر. قال ابن سيرين: تحسبها خرقاء وهي صناع. وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم: إن للغنى لسكرا، وللمال لنزوة؛ فمن لم يحفظ الغنى من سكره فقد أضاعه، ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله؛ فعبتموني بذلك؛ وقد قال زيد بن جبلة: ليس أحد أقصر عقلا من غنيّ أمن الفقر. وسكر الغنى أكثر من سكر الخمر. وقال الشاعر في يحيى بن خالد بن برمك: وهوب تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما «١» وعبتموني حين زعمت أني أقدّم المال على العلم؛ لأن المال به يفاد العلم، وبه تقوم النفس قبل أن يعرف فضل العلم فهو أصل، والأصل أحق بالتفضيل من الفرع؛ فقلتم: كيف هذا؟ وقد قيل لرئيس الحكماء: آلأغنياء أفضل أم العلماء؟ قال: العلماء، قيل له: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: ذلك لمعرفة العلماء بفضل المال، وجهل الأغنياء بحقّ العلم؛ فقلت: حالهما هي القاضية بينهما، وكيف يستوي شيء حاجة العامة إليه، وشيء يغنى فيه بعضهم عن بعض؛ وكان النبي ﷺ يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدجاج؛ وقال أبو

стр. 2402

بكر ﵁: إني لأبغض أهل بيت ينفقون نفقة الأيام في اليوم الواحد، وكان أبو الأسود الدؤلي يقول لولده: إذا بسط الله لك الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض. وعبتموني حين قلت: [إن] فضل الغني على القوت إنما هو كفضل الآلة تكون في البيت، إن احتيج إليها استعملت، وإن استغنى عنها كانت عدّة، وقد قال الحضين بن المنذر: وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء! قيل له: فما كنت تصنع به؟ قال: لكثرة من كان يخدمني عليه، لأن المال مخدوم؛ وقد قال بعض الحكماء: عليك بطلب الغنى، فلو لم يكن [لك] فيه إلا أنه عزّ في قلبك، وذلّ في قلب عدوّك، لكان الحظ فيه جسيما، والنفع فيه عظيما. ولسنا ندع سيرة الأنبياء، وتعليم الخلفاء، وتأديب الحكماء لأصحاب اللهو؛ ولستم عليّ تردّون، ولا رأيي تفنّدون، فقدّموا النظر قبل العزم، وادّكروا ما عليكم قبل أن تدركوا ما لكم، والسلام عليكم. ومن اللؤم: التطفيل، وهو التعرّض للطعام من غير أن يدعى إليه. أخبار الطفيليين طفيل العرائس : أولهم طفيل العرائس، وإليه نسب الطفيليون. وقال لأصحابه: إذا دخل أحدكم عرسا فلا يتلفّت تلفت المريب، وليتخير المجالس؛ وإن كان العرس كثير الزحام فليمض ولا ينظر في عيون الناس، ليظنّ أهل المرأة أنه من أهل الرجل؛ ويظن أهل الرجل أنه من أهل المرأة؛ فإن كان البواب غليظا وقاحا فتبدأ به وتأمره وتنهاه، من غير أن تعنف عليه، ولكن بين النصيحة والإدلال. قال: يقول الطفيليون: ليس في الأرض عود أكرم من ثلاثة أعواد: عصا موسى، وخشب منبر الخليفة، وخوان الطعام.

стр. 2403

أبو العرقين : وكان أبو العرقين الطفيلي قد نقش في خاتمه: «اللؤم شؤم» ، فقيل له: هذا رأس التطفيل! طفيلي بالبصرة : أحمد بن علي الحاسب قال: مرّ طفيليّ بسكة النخع بالبصرة على قوم وعندهم وليمة، فاقتحم عليهم وأخذ مجلسه مع من دعي، فأنكره صاحب المجلس فقالوا له: لو تأنيت أو وقفت حتى يؤذن لك أو يبعث إليك! قال: إنما اتّخذت البيوت ليدخل فيها، ووضعت الموائد ليؤكل عليها، وما وجهت بهدية فأتوقّع الدعوة، والحشمة قطيعة، وطرحها صلة؛ وقد جاء في الأثر: صل من قطعك، وأعط من حرمك؛ وأنشد: كلّ يوم أدور في عرصة الدا ... ر أشمّ القتار شمّ الذّباب «١» فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخان أو دعوة لصحاب لم أعرّج دون التقحّم لا أر ... هب طعنا أو لكزة البواب مستهينا بمن دخلت عليهم ... غير مستأذن ولا هيّاب فتراني ألفّ بالرغم منهم ... كلّ ما قدموه لفّ العقاب «٢» ومنهم أشعب الطماع ؛ قيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: لم أنظر إلى اثنين يتسارّان إلا ظننتهما يأمران لي بشيء! وفيه يقال: «أطمع من أشعب» . أشعب الطماع : وقف أشعب إلى رجل يعمل طبقا، فقال له: أسألك بالله ألا ما زدت في سعته طوقا أو طوقين! فقال له: وما معناك في ذلك؟ قال: لعلّ يهدى إليّ فيه شيء!

стр. 2404

ساوم أشعب رجلا في قوس عربية، فسأله دينارا فقال له: والله لو أنها إذا رمي بها طائر في جوّ السماء وقع مشويا بين رغيفين، ما أعطيتك بها دينارا! وبينا قوم جلوس عند رجل من أهل المدينة يأكلون عنده حيتانا، إذ استأذن عليهم أشعب؛ فقال أحدهم: إن من شأن أشعب البسط إلى أجل الطعام فاجعلوا كبار هذه الحيتان في قصعة بناحية، ويأكل معنا الصغار. ففعلوا وأذن له، فقالوا له: كيف رأيك في الحيتان؟ فقال: والله إن لي عليها لحردا شديدا وحنقا، لأن أبي مات في البحر وأكلته الحيتان! قالوا له: فدونك خذ بثأر أبيك! فجلس ومد يده إلى حوت منها صغير، ثم وضعه عند أذنه- وقد نظر إلى القصعة التي فيها الحيتان في زاوية المجلس- فقال: أتدرون ما يقول لي هذا الحوت؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: إنه لم يحضر موت أبي ولم يدركه؛ لأن سنه يصغر عن ذلك، ولكن قال لي: عليك بتلك الكبار التي في زاوية البيت، فهي أدركت أباك وأكلته! أمير وطفيلي وكان رجل من لامراء يستظرف طفيليا يحضر طعامه وشرابه، وكان الطفيلي اكولا شروبا، فلما رأى الامير كثرة أكله وشربه اطرحه وجفاه، فكتب إليه الطفيلي: قد قلّ أكلي وقلّ شربي ... وصرت من بابة الامير «١» فليدع بي وهو في أمان ... أن أشّرب الراح بالكبير طفيلي في صنيع وأقبل طفيلي إلى صنيع «٢» ، فوجد بابا قد أرتج ولا سبيل إلى الوصول؛ فسأل عن صاحب الصنيع إن كان له ولد غائب او شريك في سفر؟ فأخبر عنه أن له ولد بلد كذا، فأخذ رقا أبيض وطواه وطبع عليه، ثم أقبل متدلّلا فقعقع الباب قعقعة

стр. 2405

شديدة واستفتح، وذكر أنه رسول من عند ولد الرجل؛ ففتح له الباب، وتلقاه الرجل فرحا فقال: كيف فارقت ولدي؟ قال: له بأحسن حال، وما أقدر ان اكلمك من الجوع! فأمر بالطعام فقدم إليه، وجعل يأكل؛ ثم قال له الرجل: ما كتب كتابا معك؟ قال: نعم. ودفع إليه الكتاب، فوجد الطين طريا، فقال له: ارى الطين طريا! قال: نعم وأريدك انه من الكدّ ما كتب فيه شيئا! فقال: أطفيلي انت؟ قال: نعم أصلحك الله! قال: كل لا هنأك الله! اشعب على ثريدة وقيل لا شعب: ما تقول في ثرده مغمور بالزبد مشققة باللحم؟ قال فأضرب كم؟ قيل له: بل تأكلها من غير ضرب. قال: هذا ما لا يكون، ولكن كم الضرب فأتقدم على بصيرة! وقيل لمزبّد المديني، وقد أكل طعاما كظّه: قيء نقا «١» ولحم جدي! امرأتي طالق لو وجدتهما قيئا لأكلتهما! وقيل لطفيلي: ما أبغض الطعام اليك؟ قال: القريض «٢» . قيل له: ولم ذا؟ قال: لانه يؤخر إلى يوم آخر. طفيلي وكتبة ومر طفيلي بقوم من الكتبة في مشربة لهم، فسلم ثم وضع يده يأكل معهم؛ قالوا: أعرفت فينا احدا؟ قال: نعم، عرفت هذا. وأشار إلى الطعام! فقالوا: قولوا بنا فيه شعرا: فقال الأول: لم أر مثل سرطه ومطّه «٣»

стр. 2406

وقال الثاني: ولفّه دجاجه ببطه وقال الثالث: كأنّ جالينوس تحت إبطه فقال الاثنان للثالث: أما الذي وصفناه من فعله فمفهوم، فما يصنع جالينوس تحت إبطه؟ قال: يلقمه الجوارش كلما خاف عليه التخمة؛ تهضم بها طعامه! الجماز وطفيلي ومرّ طفيلي على جماز؛ فقال له ما تأكل؟ قال: [قيء] كلب في قحف خنزير! ودخل طفيلي على قوم يأكلون فقال: ما تأكلون؟ فقالوا من بغضه: سمّا! فأدخل يده وقال: الحياة حرام بعدكم! ومرّ طفيلي على قوم كانوا يأكلون وقد أغلقوا الباب دونه، فتسوّر عليهم من الجدار وقال: منعتموني من الارض فجئتكم من السماء! وقيل لطفيلي: كم اثنان في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة. وقيل لآخر: كم كان اصحاب النبي ﷺ يوم بدر؟ قال: كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر درهما. طفيلي وزنادقة حملوا للمأمون قال محمد بن احمد الكوفي: حدثنا الحسين بن عبد الرحمن عن أبيه قال: أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة سمّوا له بالبصرة؛ فجمعوا، وأبصرهم طفيلي، فقال: ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع! فانسلّ فدخل وسطهم، ومضى بهم المتوكلون حتى انتهوا بهم إلى زورق قد أعدّ لهم، فدخلوا الزورق، فقال الطفيلي: هي نزهة! فدخل معهم، فلم يكن بأسرع من أن قيّدوا وقيّد معهم الطفيلي، ثم سير بهم إلى بغداد، فأدخلوا على المأمون، فجعل يدعو بأسمائهم رجلا رجلا، فيأمر بضرب رقابهم، حتى

стр. 2407

وصل إلى الطفيلي وقد استوفى العدّة، فقال للموكلين: ما هذا؟ قالوا والله ما ندري، غير أنا وجدناه مع القوم، فجئنا به. فقال له المأمون: ما قصتك ويلك؟ قال: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق إن كان يعرف من احوالهم شيئا، ولا مما يدينون الله به؛ إنما انا رجل طفيلي رأيتهم مجتمعين فظننتهم ذاهبين لدعوة! فضحك المأمون وقال: يؤدّب! وكان ابراهيم بن المهدي قائما على رأس المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي ذنبه، واحدّثك عن حديث عجيب عن نفسي. قال: قل يا ابراهيم، قال: خرجت يا أمير المؤمنين من عندك يوما؛ فطفت في سكك بغداد متطرّبا، فانتهيت إلى موضع، فشممت روائح أبازير قدور قد فاح طيبها، فتاقت نفسي إليها وإلى طيب ريحها، فوقفت على خياط فقلت: لمن هذه الدار؟ قال: لرجل من التجار من البزازين. قلت: ما اسمه؟ قال: فلان ابن فلان. فنظرت إلى الدار، فإذا بشباك فيها مطلّ، فنظرت إلى كف قد خرجت من الشباك قابضة على عضد ومعصم، فشغلني يا أمير المؤمنين حسن الكفّ والمعصم عن رائحة القدور، وبقيت باهتا ساعة؛ ثم أدركني ذهني، فقلت للخياط: أهو ممن يشرب؟ قال: نعم، وأحسب ان عنده اليوم دعوة، وليس ينادمه إلا تجار عمل مستورون. فبينا أنا كذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب، فقال الخياط: هؤلاء منادموه. فقلت: ما اسماهما وما كنا هما؟ قال: فلان وفلان. فحركت دابتي وداخلتهما، وقلت: جعلت فداكما، قد استبطأكما ابو غلان أعزه الله. وسايرتهما حتى بلغا الباب، فأدخلاني وقدّماني، فدخلنا؛ فلما رآني صاحب المنزل لم يشك أني منهما بسبيل، أو قادم قدمت عليهما من موضع؛ فرحّب بي، وأجلست في أفضل المواضع؛ فجيء بالمائدة وعليها خبز نظيف، وأتينا بتلك الالوان، فكان طعمها أطيب من ريحها؛ فقلت في نفسي: هذه الالوان قد أكلتها، وبقي الكف والمعصم، كيف اصل إلى صاحبتهما؟ ثم رفع الطعام، وجاءونا بوضوء، فتوضأنا وصرنا إلى بيت المنادمة، فإذا أشكل بيت يا أمير المؤمنين، وجعل صاحب المنزل يلطف بي ويميل عليّ بالحديث. وجعلوا لا يشكون أن ذلك منه على معرفة متقدمة؛ حتى إذا شربنا أقداحا، خرجت علينا جارية كأنها بان،

стр. 2408

تنثني كالخيزران فأقبلت فسلمت غير خجلة، وثنيت لها وسادة فجلست، وأتى بالعود فوضع في حجرها فجسته، فاستبنت في جسّها حذقها، ثم اندفعت تغني: توهّمها طرفي فأصبح خدّها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر وصافحها كفّي فآلم كفّها ... فمن مسّ كفي في أناملها عقر فجعلت يا أمير المؤمنين بلابلي تطرب لحسن شعرها، ثم اندفعت تغني: أشرت إليها: هل عرفت مدّتي؟ ... فردّت بطرف العين: إني على العهد فحدت عن الإظهار عمدا لسرّها ... وحادت عن الإظهار أيضا على عمد فصحت: يا سلام! وجاءني من الطرب ما لا املك نفسي معه؛ ثم اندفعت فغنت الثالث: أليس عجيبا أن بيتا يضمّني ... وإياك لا نخلو ولا نتكلم؟ سوى أعين تشكو الهوى بجفونها ... وتقطيع أنفاس على النار تضرم إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكف يسلّم فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها ومعرفتها بالغناء، وإصابتها لمعنى الشعر، وأنها لم تخرج عن الفنّ الذي ابتدأت به؛ فقلت: بقي عليك يا جارية! فضربت بعودها الارض وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء! فندمت على ما كان مني، ورأيت القوم كأنهم تغيروا لي؛ فقلت: أما عندكم عود غير هذا؟ قالوا: بلى. فأتيت بعود، فأصلحت من شأنه، ثم غنيت: ما للمنازل لا يجبن حزينا ... أصممن أم قدم المدى فبلينا راحوا العشيّة روحة منكورة ... إن متن متنا أو حيين حيينا

стр. 2409

فما أتممته حتى قامت الجارية فأكبّت على رجلي تقبلها، وقالت: معذرة إليك! فو الله ما سمعت أحدا يغني هذا الصوت غناءك! وقام مولاها وأهل المجلس ففعلوا كفعلها، وطرب القوم والله واستحثوا الشراب، فشربوا بالكاسات والطاسات؛ ثم اندفعت أغني: أبى الله أن تمشي ولا تذكرينني ... وقد سفحت عيناي من ذكرك الدّما فردّي مصاب القلب أنت قتلته ... ولا تتركيه ذاحل العقل مغرما إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني وتبذل علقما «١» إلى الله أشكو انها مداريّة ... وإني لها بالودّ ما عشت مكرما فطرب القوم حتى خرجوا من عقولهم، فأمسكت عنهم ساعة حتى تراجعوا ثم اندفعت أغني الثالث: هذا محبّك مطويّ على كمده ... حرّى مدامعه تجري على جسده «٢» له يد تسأل الرحمن راحته ... مما جنى، ويد أخرى على كبده فجعلت الجارية تصيح: هذا الغناء والله يا سيدي لا ما كنا فيه! وسكر القوم، وكان صاحب المنزل حسن الشرب صحيح العقل، فأمر غلمانه أن يخرجوهم ويحفظوهم إلى منازلهم، وخلوت معه؛ فلما شربنا اقداحا قال: يا هذا! ذهب ما مضى من أيامي ضياعا إذ كنت لا اعرفك؛ فمن انت يا مولاي؟ ولم يزل يلحّ حتى أخبرته الخبر، فقام وقبّل رأسي وقال: وأنا اعجب يا سيدي أن يكون هذا الادب إلا لمثلك، وأنّى لي أن اجالس الخلفاء ولا اشعر؟ ثم سألني عن قصتي فأخبرته، حتى بلغت خبر الكف والمعصم؛ فقال للجارية: قومي فقولي لفلانة تنزل ...

стр. 2410

ثم لم يزل ينزل جواريه واحدة بعد اخرى، وأنظر إلى كفها ومعصمها وأقول: ليست هي! حتى قال: والله ما بقي غير زوجتي واختي، والله لا نزلنّهما إليك. فعجبت من كرمه وسعة صدره، فقلت: جعلت فداءك، أبدأ بالاخت قبل الزوجة فعساها هي. فبرزت، فلما رأيت كفّها ومعصمها قلت: هي هذه! فأمر غلمانه فمضوا إلى عشرة مشايخ من جلة جيرانه، فأقبلوا بهم؛ وأمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، فقال للمشايخ: هذه اختي فلانة، أشهدكم اني قد زوجتها من سيدي إبراهيم بن المهدي، وامهرتها عنه عشرين ألفا! فرضيت النكاح، فدفع إليها بالبدرة، وفرق الاخرى على المشايخ، وقال لهم: انصرفوا. ثم قال: يا سيدي امهد لك بعض البيوت فتنام مع اهلك! فاحتشمني «١» ما رأيت من كرمه، فقلت: بل احضر عمارية وأحملها إلى منزلي. قال: ما شئت. فأحضرت عمارية وحملتها إلى منزلي؛ فو الله يا أمير المؤمنين، لقد أتبعها من الجهاز ما ضاق عنه بعض بيوتنا؛ فأولدتها هذا القائم على رأس أمير المؤمنين. فعجب المأمون من كرم الرجل، وأطلق الطفيليّ وأجازه، وألحق الرجل في أهل خاصته. طفيلي وقوم يتغدون ومرّ طفيليّ بقوم يتغدّون، فقال: سلام عليكم معشر اللئام! فقالوا: لا والله، بل كرام. فثنى رجله وجلس، وقال: اللهم اجعلهم من الصادقين واجعلني من الكاذبين! الفضل بن يحيى وطفيلي ودخل طفيليّ من اهل المدينة على الفضل بن يحيى وبيده تفاحة، فألقاها إليه وقال: حيّاك الله يا مدني، أتأكل التحيات؟ قال: أي والله، والزاكيات الطيبات كنت آكلها!

стр. 2411

ابراهيم الموصلي وطفيلي وقال ابراهيم الموصلي في طفيلي كان يصحبه: نعم النّديم نديم لا يكلّفني ... ذبح الدّجاج ولا ذبح الفراريج يكفيه لونان من كشك ومن عدس ... وإن يشاء فزيتون بطسّوج «١» وقال طفيليّ في نفسه: نحن قوم إذا دعينا أجبنا ... ومتى تنس يدعنا التّطفيل ونقل: علّنا دعينا فغبنا ... وأتانا فلم يجدنا الرسول! وقال آخر وأتى طعاما لم يدع إليه، فقيل له: من دعاك؟ فأنشأ: دعوت نفسي حين لم تدعني ... فالحمد لي لا لك في الدعوة وكان ذا أحسن من موعد ... مخلفه يدعو إلى الجفوه ودخل طفيليّ في صنيع رجل من القبط، فقال له: من أرسل إليك؟ فأنشأ: أزوركم لا أكافيكم بجفوتكم ... إنّ المحبّ إذا ما لم يزر زارا فقال القبطي: زرزارا! ليس ندري من هو؟ اخرج من بيتي! طفيلي وزنادقة ونظر رجل من الطفيليين إلى قوم من الزنادقة يسار بهم إلى القتل: فرأى لهم هيئة حسنة وثيابا نقية، فظنهم يدعون إلى وليمة، فتلطف حتى دخل في لفيفهم وصار واحدا منهم، فلما بلغ صاحب الشرطة قال: أصلحك الله، لست والله منهم، وإنما أنا طفيلي ظننتهم يدعون إلى صنيع فدخلت في جملتهم! فقال: ليس هذا ما ينجيك مني، اضربوا عنقه! فقال: أصلحك الله، إن كنت ولا بدّ فاعلا فأمر السياف ان يضرب بطني بالسيف، فإنه هو الذي ورّطني هذه الورطة! فضحك صاحب الشرطة، وكشف عنه، فأخبروه أنه طفيلي معروف، فخلّى سبيله.

стр. 2412

وقال طفيلي: ألا ليت خبزا تسربل رائبا ... وخيلا من البرنيّ فرسانها الزّبد فأطلب فيما بينهنّ شهادة ... بموت كريم لا يشقّ له الحد وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة يطارحها الغناء، فلما أراد الخروج إلى مكة قال لها: ناوليني هذا الخاتم الذي في أصبعك لا ذكرك به! قالت: إنه ذهب، وأخاف ان تذهب؛ ولكن خذ هذا العود، لعلك تعود. شيخ وحدث اصطحب شيخ وحدث من الاعراب، فكان لهما قرص في كل يوم، وكان الشيخ متخلع الاضراس بطيء الأكل، فكان الحدث يبطش بالقرص ثم يقعد يشتكي العشق، ويتضور الشيخ جوعا، وكان اسم الحدث جعفرا، فقال الشيخ فيه: لقد رابني من جعفر أن جعفرا ... يطيش بقرصي ثم يبكي على جمل فقلت له مسّك الحبّ لم تبت ... سمينا وأنساك الهوى شدّة الأكل وقال الحدث: إذا كان في بطني طعام ذكرتها ... وإن جعت يوما لم تكن لي على ذكر ويزداد حبّي إن شبعت تجدّدا ... وإن جعت غابت عن فؤادي وعن فكري أشعب وجارية وكان أشعب يختلف إلى جارية في المدينة، ويظهر لها التعاشق، إلى ان سألته سلفة نصف درهم، فانقطع عنها، وكان إذا لقيها في طريق سلك طريقا أخرى، فصنعت له نشوقا وأقبلت به إليه، فقال لها: ما هذا؟ قالت: نشوق «١» عملته لك لهذا الفزع الذي بك! فقال: اشربيه انت للطمع [الذي بك] ؛ فلو انقطع طمعك انقطع فزعي! وأنشأ يقول:

стр. 2413

أخلفي ما شئت وعدي ... وامنحيني كلّ صدّ قد سلا بعدك قلبي ... فاعشقي من شئت بعدي إنّي آليت لا أع ... شق من يعشق نقد نقدي! لأشعب في الغناء وقيل لاشعب: ما احسن الغناء؟ قال: نشيش «١» المقلى! قيل له. فما اطيب الزمان؟ قال: إذا كان عندك ما تنفق! وكان أشعب يغني: ألا أخبرت أخبارا ... أتت في زمن الشّدة: وكان الحبّ في القلب ... فصار الحبّ في المعده وقال آخر في طفيلي من اهل الكوفة: زرعنا، فلما تمّم الله زرعنا ... وأوفى عليه منجل بحصاد بلينا بكفيّ حليف مجاعة ... أضرّ بزرع من دبى وجراد وقال هشام اخو ذي الرّمة لرجل اراد سفرا: إن لكل رفقة كلبا يشركهم في فضلة الزاد، فإن استطعت ان لا تكون كلب الرفاق فافعل. أبو نواس وشطار وخرج ابو نواس متنزها مع شطار من اصحابه، فنزلوا روضة ووضعوا شرابا، فمر بهم طفيليّ، فتطارح عليهم؛ فقال له أبو نواس. ما اسمك؟ قال: ابو الخير. فرحب به وقعد معهم؛ ثم مرت بهم جارية فسلمت، فردّ عليها، وقال لها: ما اسمك؟ قالت: زانة. قال ابو نواس لاصحابه: اسرقوا الياء من ابو الخير، فأعطوها زانة، فتكون زانية، ويكون ابو الخير ابا الخر كما هو ففعلوا.........

стр. 2414

الجاحظ وغيره من صنيع : الجاحظ قال: دعا أبو عبيد الله الواسطي إلى صنيع، فدعاني، فدعوت أبا الفلوسكيّ، فلما كان من الغد صبح الفلوسكي الجاحظ فقال له: أما تذهب بنا هناك يا أبا عثمان؟ قال: نعم. قال فذهبنا حتى أتينا دار صاحب الصنيع، ولم يكن علينا كسوة رائعة ولا تحتنا دواب فتدخل تجاهنا، فوجدنا البواب ذا غلظ وجفاء، فمنعنا، فانحدرنا في جانب الإيوان ننتظر احد يعلم أبا عبد الله الواسطي بنا؛ فلما أخبر خرج إلينا يتلقانا، فتقدمني الفلوسكي وتقدمه حتى أتى صدر المجلس؛ فقعد فيه؛ ثم قال لي: ههنا عندنا يا أبا عثمان! فلما خلونا ثلاثتنا قلت للفلوسكي: كيف تسمي العرب من أمالت إلي أنفسها؟ قال الفلوسكي: تسميه ضيفا. فقال له الجاحظ: وكيف تسمي من أماله الضيف؟ قال: تسميه ضيفنا. قال الجاحظ: وكيف تسمي من أماله الضيفن؟ قال: ما لمثل هذا عند العرب تسمية. قال الجاحظ: فقلت: قد رضيت أن تكون في منزلة من التطفيل لم تجد لها العرب اسما، ثم تتحكم تحكّم صاحب البيت. باب من أخبار المحارفين منهم أبو الشمقمق الشاعر، وكان أديبا ظريفا ومحارفا «١» ، وكان صعلوكا متبرما بالناس، وقد لزم بيته في أطمار مسحوقة، وكان إذا استفتح عليه أحد بابه، خرج فينظر من فروج الباب، فإن أعجبه الواقف فتح له وإلا سكت عنه؛ فأقبل إليه يوما بعض إخوانه الملطفين له، فدخل عليه فلما رأى سوء حاله قال له: أبشر أبا الشمقمق، فإنا روينا في بعض الحديث: «إن العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة» . فقال: إن صح والله هذا الحديث كنت أنا في ذلك اليوم بزّازا «٢» ! ثم أنشأ يقول: أنا في حال تعالى الله ... ربّي أيّ حال ليس لي شيء إذا قي ... ل لمن ذا قلت ذا لي

стр. 2415

ولقد أهزلت حتى ... محت الشمس خيالي ولقد أفلست حتى ... حلّ أكلي لعيالي وله: أتراني أرى من الدهر يوما ... لي فيه مطية غير رجلي؟ كلما كنت في جميع فقالوا ... قرّبوا للرّحيل، قرّبت نعلي! حيثما كنت لا أخلّف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي! وقال ابو الشمقمق أيضا: [لو] قد رأيت سريري كنت ترحمني ... الله يعلم مالي فيه تلبيس والله يعلم مالي فيه شائبة ... إلا الحصيرة والأطمار والدّيس «١» وقال أيضا: برزت من المنازل والقباب ... فلم يعسر على احد حجابي فمنزلي الفضاء، وسقف بيتي ... سماء الله أو قطع السّحاب فأنت إذا أردت دخلت بيتي ... عليّ مسلما من غير باب لأني لم اجد مصراع باب ... يكون من السحاب إلى التراب ولا انشقّ الثّرى عن عود نحت ... أؤمّل أن أشاريه ببابي ولا خفت الإباق على عبيدي ... ولا خفت الهلاك على دوابي «٢» ولا حاسبت يوما قهرمانا ... محاسبة فأغلط في حسابي وفي ذا راحة وفراغ بال ... فدأب الدّهر ذا أبدا ودابي وقال أيضا: لو ركبت البحار صارت فجاجا ... لا ترى في متونها أمواجا فلو أنّي وضعت ياقوتة حمراء ... في راحتي لصارت زجاجا

стр. 2416

ولو انّي وردت عذبا فراتا ... عاد لا شكّ فيه ملحا أجاجا فإلى الله أشتكي وإلى الفضل ... فقد أصبحت بزاتي دجاجا وقال عمر بن الهدير: وقفت، فلا أدري إلى أين أذهب ... وأيّ أموري بالعزيمة أركب عجبت لأقدار عليّ تتابعت ... بنحس فأفنى طول دهري التعجّب ولما التمست الرّزق فانحلّ حبله ... ولم يصف لي من بحره العذب مشرب خطبت إلى الإعدام إحدى بناته ... لدقع الغنى إيّاي إذ جئت ومشجب «١» فأولدتها الحزن النّقي، فما له ... على الارض غيري والد حين ينسب فلو تهت في البيداء والليل مسبل ... عليّ دياجيه لما لاح كوكب ولو خفت شرا فاستترت بظلمة ... لأقبل ضوء الشمس من حيث تغرب ولو جاد إنسان عليّ بدرهم ... لرحت إلى رحلي وفي الكف عقرب «٢» ولو يمطر الناس الدنانير لم يكن ... بشيء سوى الحصباء رأسي يحصب ولو لمست كفّاي عقدا منظّما ... من الدّرّ أضحى وهو ودع مثقّب «٣» وإن يقترف ذنبا ببرقة مذنب ... فإنّ برأسي ذلك الذنب يعصب «٤» وإن أر خيرا في المنام فنازح ... وإن أر شرّا فهو مني مقرّب ولم أغد في أمر أريد نجاحه ... فقابلني إلا غراب وأرنب أمامي من الحرمان جيش عرمرم ... ومنه ورائي جحفل حين أركب! وقال آخر: ليس إغلاقي لبابي أنّ لي ... فيه ما أخشى عليه السّرقا إنما اغلقته كي لا يرى ... سوء حالي من يمرّ الطرقا منزل أوطنه الفقر فلو ... يدخل السارق فيه سرقا!

стр. 2417

وقال الحسن بن هانىء في هذا المعنى: الحمد لله ليس لي نشب ... فخفّ ظهري وقلّ زوّاري» من نظرت عينه إلي فقد ... أحاط علما بما حوت داري جمري في البيت كامن وعلى ... مدرجة الرائحين أسراري وقال بعض المحارفين: لزمتني حرفة ما تنقضي ... أبدا حتى أوارى في الجدث كلزوم الطوق إلا أنها ... تسجد الدهر والطوق يرث «٢»

стр. 2418

كتاب الزبرجدة الثانية في بيان طبائع الانسان وسائر الحيوان قال أحمد بن محمد بن عبد ربه ﵀: قد مضى قولنا في المتنبئين، والممرورين والبخلاء، والطفيليين. ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في طبائع الإنسان وسائر الحيوان، وتفاضل البلدان، والنعمة والسرور؛ إذ لم يكن مدار الدنيا إلا عليها، ولا قوام الأبدان إلا بها؛ وإذ هي نمو الفراسة، وتركيب الغريزة، واختلاف الهمم، وطيب الشيم وتفاضل الطعوم. وقد تكلم الناس في النعمة والسرور، على تباين أحوالهم، واختلاف هممهم وتفاوت عقولهم، وما يجانس كل رجل منهم في طبعه، ويؤلفه في نفسه، ويميل إليه في وهمه؛ وإنما اختلف الناس في هذا المذهب لاختلاف أنفسهم، فمنهم من نفسه غضبية، فإنما همه منافسة الأكفاء، ومغالبة الأقران، ومكاثرة العشيرة ومنهم من نفسه ملكية، فإنما همه اليقين في العلوم، وإدراك الحقائق، والنظر في العواقب؛ ومنهم من نفسه بهيمية، فإنما همه طلب الراحة، وانهماك النفس على الشهوة من الطعام والشراب والنكاح؛ وعلى هذه الطبيعة البهيمية قسمت الفرس دهرها كلّه، فقالوا: يوم المطر للشرب، ويوم الريح للنوم، ويوم الدجن للصيد، ويوم الصحو للجلوس. وهي أغلب الطبائع على الإنسان، لأخذها بمجامع هواه، وإيثار الراحة وقلة العمل، فمنه قولهم: الرأي نائم والهوى يقظان؛ وقولهم: الهوى إله معبود؛ وقولهم: ربيع القلب ما اشتهى، وقولهم: لا عيش كطيب النفس.

стр. 2419

النفس الملكية قيل لضرار بن عمرو: ما السرور؟ قال: إقامة الحجة وإدحاض الشبهة. وقيل لآخر: ما السرور؟ قال: إحياء السنة وإماتة البدعة. وقيل لآخر: ما السرور؟ قال: إدراك الحقيقة، واستنباط الدقيقة. وقال الحجاج بن يوسف لخريم الناعم: ما النعمة؟ قال: الأمن، فإني رأيت الخائف لا ينتفع بعيش. قال له زدني. قال: فالصحة فأني رأيت المريض لا ينتفع بعيش. قال له: زدني. قال له: الغنى، فإني رأيت الفقير لا ينتفع [بعيش] . قال له: زدني. قال: فالشباب، فإني رأيت الشيخ لا ينتفع بعيش. قال له: زدني، قال: ما أجد مزيدا. وقيل لأعرابي: ما السرور؟ قال: الأمن والعافية. النفس الغضبية قيل لحضين بن المنذر: ما السرور؟ قال لواء منشور، والجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير. وقيل للحسن بن سهل: ما السرور؟ قال: توقيع جائز، وأمر نافذ. وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟ قال: رفع الأولياء، ووضع الأعداء، وطول البقاء، مع الصحة والنماء. وقيل لزياد: ما السرور؟ قال: من طال عمره، ورأى في عدوه ما يسرّه. وقيل لأبي مسلم صاحب الدعوة: ما السرور؟ قال: ركوب الهمالجة «١» ، وقتل الجبابرة. وقيل له: ما اللذة؟ قال إقبال الزمان، وعز السلطان.

стр. 2420

النفس البهيمية قيل لامريء القيس: ما السرور؟ قال: بيضاء رعبوبة «١» ، بالطّيب مشبوبة، باللحم مكروبة «٢» . وكان مفتونا بالنساء. وقيل لأعشى بكر: ما السرور؟ قال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية. وكان مغرما بالشراب. وقيل لطرفة: ما السرور؟ فقال: مطعم هنيّ، ومشرب رويّ، وملبس دفيّ، ومركب وطيّ. وكان يؤثر الخفض والدعة. وقال طرفة: فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وربّك لم أحفل متى قام عوّدي فمنهنّ سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد «٣» وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضا في الطّخية المتورّد «٤» وتقصير يوم الدّجن، والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء الممدّد وسمع هذه الأبيات عمر بن عبد العزيز ﵁، فقال: وأنا والله لولا ثلاث لم أحفل متى قام عودي، لولا أن أعدل في الرعية، وأقسم بالسوية، وأنفر في السرية. وقال عبد الله بن نهيك: فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وربّك لم أحفل متى قام رامس فمنهنّ سبق العاذلات بشربة ... كأن أخاها مطلع الشمس ناعس ومنهنّ تقريط الجواد عنانه ... إذا ابتدر الشخص الكميّ الفوارس
следующие страницы →