Полный текст (2 664 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
الاطّلاء. قال: نعم. قال: فأقل طلاءك «١» يقلّ جماعك.
قال محمد: قال لي ابن ناجية: وأنا كما تراني شيخ كبير، قد أتى عليّ ثمانون سنة، إذا أحببت الوطء اطّليت في كل خمس عشرة ليلة.
الهدايا
كتب سعيد» بن حميد إلى بعض أهل السلطان في يوم النيروز:
«لألها السيد الشريف، عشت أطوال الأعمار بزيادة من العمر موصولة بقرائنها من الشكر، لا ينقضي حق نعمة حتى يجدد لك أخرى، ولا يمرّ بك يوم إلا كان مقصرا عما بعده، موفيا عما قبله. إني تصفحت أحوال الأتباع الذين تجب عليهم الهدايا إلى السادة [في مثل هذا اليوم] ، فالتمست التأسّي بهم في الإهداء، وإن قصرت بي الحال عن الواجب، [فرأيت] أني إن أهديت نفسي فهو ملك لك، لاحظ فيها لغيرك؛ ورميت بطرفي إلى كرائم مالي، فوجدتها منك، فكنت إن أهديت منها شيئا كالمهدي مالك إليك؛ وفزعت إلى مودتي فوجدتها خالصة لك قديمة غير مستحدثة، فرأيتني إن جعلتها هديتي لم أجدد لهذا اليوم الجديد برّا ولا لطفا؛ ولم أميز منزلة من الشكر بمنزلة من نعمتك، إلا كان الشكر مقصرا عن الحق، والنعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة؛ فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك، والإقرار بما يجب لك برّا أتوصل به إليك؛ وقلت في ذلك:
إن أهد مالا فهو واهبه ... وهو الحقيق عليه بالشكر
أو أهد شكري فهو مرتهن ... بجميل فعلك آخر الدهر
والشمس تستغني إذا طلعت ... أن تستضيء بسنّة البدر «٢»
стр. 2487
وكتب بعض الكتاب إلى بعض الملوك:
النفس لك، والمال منك، والرجاء موقوف عليك، والأمل مصروف نحوك؛ فما عسى أن أهدي إليك في هذا اليوم، وهو يوم سهلت فيه العادة، سبيل الهدايا للسادة؛ وكرهت أن نخيله من سنته، فنكون من المقصرين؛ أو أن ندعى أن في وسعنا ما يفي بحقك علينا، فنكون من الكاذبين؛ فاقتصرنا على هدية تقتضي بعض الحق، وتنفي بعض الجفوة وتقوم عندك مقام أجمل البر؛ ولا زلت أيها الأمير دائم السرور والغبطة، في أتم أحوال العافية، وأعلى منازل الكرامة، تمرّ بك الأعياد الصالحة والأيام المفرحة، فتخلقها وأنت جديد تستقبل أمثالها، فتلقاك ببهائها وجمالها؛ وقد بعثت الرسول بالسكّر لطيبه وحلاوته، وتركت السفرجل لفأله، والدرهم لبغائه على كل من ملكه (١) ؛ ولا زلت حلو المذاق على أوليائك، مرّا على أعدائك، متقدّما عند خلفاء الله الذين تليق بهم خدمتك، وتحسن أفنيتهم بمثلك.
وقد جمعنا في هذه القصيدة ثناء ومسرّة واعتذارا وتهنئة وهي:
عاط في المهرجان كأسا شمولا ... وأطعني ولا تطيعن عذولا
فهو يوم قد كان آباؤك الغ ... رّ يحلّونه محلّا جليلا
إن للصيف دولة قد تقضّت ... وأراك الشتاء وجها جميلا
وتجلّت لك الرياض عن النّو ... ر فكانت عن كل شيء بديلا
فتمتع باللهو، لا زلت جذلا ... ن وطرف الزمان عنك كليلا
لم أجد لي هديّة حين حصّل ... ت كثيرا ملكته وقليلا
يعدل الشكر والثناء، وإن لم ... يك شكري لما أتيت عديلا
فجعلت الذي أطيق من الشك ... ر ما عجزت عنه دليلا
يا لها من هديّة تقنع المه ... دى إليه ولا تعنّي الرسولا
وكتب بعض الشعراء إلى بعض أهل السلطان في المهرجان:
стр. 2488
هذه أيام جرت فيها العادة، بإلطاف العبيد للسادة، وإن كانت البضاعة تقصّر عما تبلغه الهمة، فكرهت أن أهدي فلا أبلغ مقدار الواجب: فجعلت هديتي هذه الأبيات، وهي:
ولمّا أن رأيت ذوي التصابي ... تباروا في هدايا المهرجان
جعلت هدّيتي ردّا مقيما ... على مرّ الحوادث والزمان
وعبدا حين تكرمه ذليلا ... ولكن لا يقرّ على الهوان «١»
يزيدك حين تعطيه خضوعا ... ويرضى من نوالك بالأماني! «٢»
وأهدى أبو العتاهية إلى بعض الملوك نعلا وكتب معها:
نعل بعثت بها لتلبسها ... رجل بها تسعى إلى المجد
لو كان يصلح أن أشرّكها ... خدّي جعلت شراكها خدّي «٣»
وأهدى عليّ بن الجهم كلبا، وكتب:
استوص خيرا به، فإن له ... عندي يدا لا أزال أحمدها
يدلّ ضيفي عليّ في غسق اللي ... ل إذا النار نام موقدها
أهدى أحمد بن يوسف ملحا مطيّبا إلى إبراهيم بن المهدي، وكتب إليه:
الثقة بك سهّلت السبيل إليك، فأهديت هدية من لا يحتشم، إلى من لا يغتنم.
وأهدى إبراهيم بن المهدي إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي جراب ملح وجراب أشنان «٤» ، وكتب إليه:
لولا أن القلة قصّرت عن بلوغ الهمة لأتعبت السابقين إلى برّك، ولكن البضاعة قعدت بالهمة، وكرهت أن تطوى صحيفة البر، وليس لي فيها ذكر؛ فبعت بالمبتدإ به
стр. 2489
ليمنه وبركته، والمختوم به لطيبه ونظافته؛ وأمّا ما سوى ذلك فالمعبّر عنا فيه كتاب الله تعالى إذ يقول: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ...
«١» إلى آخر الآية.
وكتب إبراهيم بن المهدي إلى صديق له:
لو كانت التحفة على حسب ما يوجبه حقّك، لأجحف بنا أدنى حقوقك؛ ولكنه على قدر ما يخرج الوحشة ويوجب الأنس، وقد بعثت بكذا وكذا.
وكتب رجل إلى المتوكل على الله وقد أهدى إليه قارورة من دهن الأترج:
إن الهدية يا أمير المؤمنين، إذا كانت من الصغير إلى الكبير فكلما لطفت ودقت كانت أبهى وأحسن، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلّت كانت أنفع وأوقع؛ وأرجو أن لا تكون قصرت بي همة أصارتني إليك، ولا أخرّني رشاد دلني عليك، وأقول:
ما قصّرت همة بلغت بها ... بابك يا ذا الندى وذا الكرم
حسبي بودّيك إن ظفرت به ... ذخرا وعزّا يا واحد الأمم
أهدى حبيب بن أوس الطائي إلى الحسن بن وهب قلما، وكتب معه إليه هذه الأبيات:
قد بعثنا إليك أكرمك الله ... بشيء فكن له ذا قبول
لا تقسه إلى ندا كفّك الغمر ... ولا نيلك الكثير الجزيل
فاستجز قلّة الهديّة مني ... فقليل المقلّ غير قليل
ومن قولنا في هذا المعنى وقد أهديت سلة عنب ومعها:
أهديت بيضا وسودا في تلوّنها ... كأنّها من بنات الروم والحبش
عذراء تؤكل أحيانا وتشرب أح ... سيانا فتعصم من جوع ومن عطش
стр. 2490
وأهديت حوتين وكتبت معهما:
أهديت أزرق مقرونا بزرقاء ... كالماء لم يغذها شيء سوى الماء
ذكاتها الأخذ، ما تنفكّ طاهرة ... بالبرّ والبحر أمواتا كأحياء «١»
وأهديت طبق ورد ومعه:
ورياحين أهديها لريحانة المنى ... جنتها يد التّخجيل من حمرة الخدّ
وورد به حيّيت غرّة ماجد ... شمائله أذكى نسيما من الورد»
ووشي ربيع مشرق اللون ناضر ... يلوح عليه ثوب وشي من الحمد
بعثت بها زهراء من فوق زهرة ... كتركيب معشوقين خدّا على خدّ
وكتبت على كأس:
اشرب على منظر أنيق ... وامزج بريق الحبيب ريقي
واحلل وشاح الكعاب رفقا ... واحذر على خصرها الرقيق
وقل لمن لام في التّصابي ... إليك! خلّى عن الطريق
وأنشد أحمد بن أبي طاهر في هذا المعنى:
ما ترى في هديّة من فقير ... حيل ما بينه وبين اليسار
ترك المال والهدايا إلى النا ... س، وأهدى غرائب الأشعار
محكمات كأنها قطع الرو ... ض تحلّت أنواره بالبهار «٣»
وأنشد ابن يزيد المهلبي في المعتمد.
سيبقى فيك ما يهدي لساني ... إذا فنيت هدايا المهرجان
قصائد تملأ الآفاق مما ... أحلّ الله من سحر البيان
وقال آخر:
جعلت فداك، للنيروز حق ... لكان جميعه لك مسترقا
стр. 2491
وأهديت الثناء بنظم شعر ... وكنت لذاك منى مستحقا
لأن هدية الألطاف تفنى ... وإن هدية الأشعار تبقى «١»
وقال حبيب:
فو الله لا أنفكّ أهدي شواردا ... إليك يحمّلن الثناء المنخّلا
ألذّ من السلوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوقا وأيسر محملا «٢»
وقال مروان بن أبي حفصة:
بدولة جعفر حمد الزمان ... لنا بك كلّ يوم مهرجان
جعلت هديتي لك فيه وشيا ... وخير الوشي ما نسج اللسان
وقال أحمد بن أبي طاهر:
من سنّة الأملاك فيما مضى ... من سالف الدهر وإقباله
هدية العبد إلى ربّه ... في جدّة الدهر وأحواله
فقلت ما أهدى إلى سيدي؟ ... حالي وما خوّلت من حاله
إن أهد نفسي فهي من نفسه ... أو أهد ما لي فهو من ماله
فليس إلا الحمد والشكر وال ... مدح الذي يبقى لأمثاله
وقال الحمدوني وأهدى إليه سعيد بن حميد أضحيّة مهزولة:
لسعيد شويهة ... نالها الضرّ والعجف «٣»
فتغنّت وأبصرت ... رجلا حاملا علف:
«بأبي من بكفّه ... برء دائي من الدّنف» «٤»
فأتاها مطمّعا ... فأتته لتعتلف
ثم ولّى فأقبلت ... تتغنّى من الأسف:
стр. 2492
«ليته لم يكن وقف ... عذّب القلب وانصرف»
وقال الحمدوني: كتبت إلى الحسن بن إبراهيم، وكان كل سنة يبعث إليّ بأضحية، فتأخرت عني سنة، فكتبت إليه:
سيّدي أعرض عني ... وتناسى الودّ مني
مرّ بي أضحى وأضحى ... أخلفاني فيه ظني
لا يراني فيهما أه ... لا لظلف ولقرن
فتعذّيت بيأس ... ثم ضحّيت بجني
واصطبحت الراح يوما ... ثم أنشدت أغني «١»
لا لجرم صدّ عني ... صدّ عني بالتجنّي
من جارية للمأمون
: أهدت جارية من جواري المأمون تفاحة له، وكتبت إليه:
إني يا أمير المؤمنين لما رأيت تنافس الرعية في الهدايا إليك، وتواتر ألطافهم عليك، فكرت في هدية تخف مؤونتها، وتهون كلفتها، ويعظم خطرها، ويجلّ موقعها؛ فلم أجد ما يجتمع فيه هذا النعت، ويكمل فيه هذا الوصف، إلا التفاح؛ فأهديت إليك منها واحدة في العدد، كثيرة في التصرّف؛ وأحببت يا أمير المؤمنين أن أعرب لك عن فضلها، وأكشف لك عن محاسنها، وأشرح لك لطيف معانيها، وما قالت الأطباء فيها، وتفنّن الشعراء في أوصافها، حتى ترمقها بعين الجلالة، وتلحظها بمقلة الصيانة؛ فقد قال أبوك الرشيد ﵁: أحسن الفاكهة التفاح، اجتمع فيه الصفرة الدّرّية، والحمرة الخمرية، والشّقرة الذهبية، وبياض الفضة، ولون التبر؛ يلذ بها من الحواس: العين ببهجتها، والأنف بريحها، والفم بطعمها. وقال أرسطاطاليس الفيلسوف عند حضوره الوفاة، واجتمع إليه تلاميذه: التمسوا لي تفاحة أعتصم
стр. 2493
بريحها، وأقضى وطري من النظر إليها. وقال إبراهيم بن هانىء: ما علّل المريض المبتلى، ولا سكنت حرارة الثكلى «١» ، ولا ردّت شهوة الحبلى، ولا جمعت فكرة الحيران، ولا سكنت حنقة الغضبان، ولا تحيّت الفتيان في بيوت القيان، بمثل التفاح. والتفاحة يا أمير المؤمنين، إن حملتها لم تؤذك، وإن رميت بها لم تؤلمك؛ وقد اجتمع فيها ألوان قوس قرح، من الخضرة والحمرة والصفرة؛ وقال فيها الشاعر:
حمرة التّفاح مع خضرته ... أقرب الأشياء من قوس قزح
فعلى التفاح فاشرب قهوة ... وآسقنيها بنشاط وفرح
ثم غنّي لكي تطربني ... طرفك الفتّان قلبي قد جرح
فإذا وصلت إليك يا أمير المؤمنين، فتناولها بيمينك، واصرف إليها بغيتك، وتأمل حسنها بطرفك، ولا تخدشها بظفرك، ولا تبعدها عن عينك، ولا تبذلها لخدمك؛ فإذا طال لبثها عندك، ومقامها بين يديك، وخفت أن يرميها الدهر بسهمه، ويقصدها بصرفه، فتذهب بهجتها، وتحيل نضرتها، فكأنها:
هنيئا مريئا غير داء مخامر
والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
للعباس الهمداني
: وكتب العباس الهمداني إلى المأمون في يوم نيروز:
أهدى لك الناس المرا ... كب والوصائف والذّهب «٢»
وهدّيتي حلو القصا ... ئد والمدائح والخطب
فاسلم سلمت على الزما ... ن من الحوادث والعطب
فقال المأمون: احملوا إليه كلّ ما أهدي لنا في هذا اليوم!
стр. 2494
تمّ الجزء السابع ويليه إن شاء الله الجزء الثامن، وهو الأخير وأوله: كتاب الفريدة الثانية في الطعام والشراب
стр. 2495
الجزء الثامن
كتاب الفريدة الثانية في الطعام والشراب
قال الفقيه أبو عمر بن محمد بن عبد ربه: قد مضى في بيان طبائع الإنسان وسائر الحيوان والنتف.
ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الطعام والشراب اللذين بهما تنمو الفراسة وهما قوام الأبدان، وعليهما بقاء الأرواح.
قال المسيح ﵊ في الماء: هذا أبي. وفي الخبز: هذا أمي. يريد أنهما يغذيان الأبدان كما يغذيهما الأبوان.
وهذا الكتاب جزآن: جزء في الطعام، وجزء في الشراب.
فالذي في الطعام منهما متقصّ جميع ما يتم ويتصرف به أغذية الطعام من المنافع والمضار، وتعاهد الأبدان بما يصلحها من ذلك في أقواته وضروب حالاته، واختلاف الأغذية مع اختلاف الأزمنة بما لا يخلي المعدة وما لا يكظّها، فقد جعل الله لكل شيء قدرا.
والذي في الشراب منهما مشتمل على صنوف الأشربة، وما اختلف الناس فيه في الأنبذة «١» ، ومحمود ذلك ومذمومه، فإنا نجد النبيذ قد أجازه قوم صالحون، وقد وضعنا لكل شيء من ذلك بابا فيحتاط كل رجل لنفسه بمبلغ تحصيله، ومنتهى نظره؛ فإن الرائد لا يكذب أهله.
стр. 2496
أطعمة العرب
الوشيقة من اللحم: وهو أن يغلى إغلاءة ثم يرفع، يقال منه: وشقت أشق وشقا.
قال الحسن بن هانىء:
حتى رفعنا قدرنا بضرامها ... واللّحم بين موذّم وموشّق «١»
والصفيف مثله، ويقال هو القديد، يقال: صففته أصفه صفّا.
والربيكة: شيء يطبخ من برّ وتمر، ويقال منه: ربكته أربكه ربكا.
والبسيسة: كلّ شيء خلطته بغيره، مثل السويق بالأقط، ثم تلته بالسمن أو بالزيت؛ أو مثل الشعير بالنوى للإبل، ويقال: بسسته أبسّه بسّا.
والعبيثة (بالعين غير معجمة) طعم يطبخ ويجعل فيه جراد؛ وهو الغثيمة أيضا.
والبغيث والغليث: الطعام المخلوط بالشعير؛ فإذا كان فيه الزّؤان فهو المغلوث.
والبكيلة، والبكالة جميعا: وهي الدقيق يخلط بالسويق ثم يبل بماء أو سمن أو زيت، يقال: بكلته أبكله بكلا.
والفريقة: شيء يعمل من اللبن.
فإذا قطعت اللحم صغارا قلت: كتّفته تكتيفا.
أبو زيد قال: إذا جعلت اللحم على الجمر قلت: حسحسته، وهو أن تقشر عنه الرماد بعد أن يخرج من الجمر؛ فإذا أدخلته النار ولم تبالغ في طبخه قلت: ضهّبته وهو مضهّب.
والمضيرة: سميت بذلك لأنها طبخت باللبن الماضر، وهو الحامض. والهريسة، لانها تهرس. والعصيدة «٢» ، لأنها تعصد. واللفيتة لأنها تلفت.
стр. 2497
والفالوذ- وهو السرطراط، ومن أسماء الفالوذ أيضا: السريط- لأنه يسترط، مثل يزدرد؛ ويقال: لا تكن حلوا فتسترط «١» ، ولا مرّا فتعقي. يقال: أعقى الشيء:
اشتدت مرارته.
الرغيدة: اللبن الحليب يغلى ثم يذرّ عليه الدقيق حتى يختلط فيلعق لعقا.
الحريرة: الحساء من الدسم والدقيق.
والسخينة: حساء كانت تعمله قريش في الجاهلية فسميت به، قال حسان:
زعمت سخينة أن ستغلب ربّها ... وليغلبن مغالب الغلّاب
والعكيس: الدقيق يصب عليه الماء ثم يشرب. قال منظور الأسدي:
ولما سقيناها العكيس تمذّحت ... خواصرها وازداد رشحا وريدها «٢»
أسماء الطعام
الوليمة: طعام العرس. والنّقيعة: طعام الإملاك «٣» . والإعذار: طعام الختان والخرس: طعام الولادة. والعقيقة: طعام سابع الولادة. والنقيعة: طعام يصنع عند قدوم الرجل من سفره، ويقال: أنقعت إنقاعا. والوكيرة: طعام يصنع عند البناء يبنيه الرجل في داره. والمأدبة: كل طعام يصنع لدعوة، يقال: آدبت أودب إيدابا، وأدبت أدبا، قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
الآدب: صاحب المأدبة. والجفلى: دعوة العامة. والنّقرى: دعوة الخاصة.
والسّلفة: طعام يعلل به قبل الغداء.
والقفيّ: الطعام الذي يكرم به الرجل يقال منه: قفوته فأنا أقفوه قفوا؛ والقفاوة:
ما يرفع من المرق للإنسان، قال الشاعر:
стр. 2498
ونقفي وليد الحيّ إن كان جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع «١»
صفة الطعام وفضله
قال النبي ﷺ : «أكرموا الخبز، فإن الله سخر له السموات والأرض، وكلوا سقط «٢» المائدة» .
وقال الحسن البصري: ليس في الطعام سرف. وتلا قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا
«٣» .
وقال الاصمعي: الكبادات أربع: العصيدة، والهريسة، والحيس، والسّميذ.
أبو حاتم: والسويق طعام المسافر، والعجلان، والمريض، والنفساء، وطعام من لا يشتهي الطعام.
أبو خالد عن الأصمعي قال: قال أبو صوارة: الأرز الأبيض بالسمن المسلي والسكر الطّبرزذ «٤» ، ليس من طعام أهل الدنيا! وقال مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أكل الخبيص يزيد في الدماغ.
وقال الحسن لفرقد: بلغني أنك لا تأكل الفالوذج. قال: يا أبا سعد، أخاف أن لا أؤدي شكره! قال: يا لكع! وهل تؤدي شكر الماء البارد في الصيف والحار في الشتاء؟ أما سمعت قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
«٥» .
стр. 2499
وسمع الحسن رجلا يعيب الفالوذج، فقال: لباب البرّ بلعاب النحل بخالص السمن؛ ما عاب هذا مسلم! وقال رجل في مجلس الأحنف: ما شيء أبغض إليّ من الزبد والكمأة «١» . فقال الاحنف: ربّ ملوم لا ذنب له.
وقيل لشريح القاضي: أيهما أطيب. اللوزينق أو الجوزينق؟ فقال: لا أحكم على غائب.
ولد لعبد الرحمن بن أبي ليلى مولود فصنع الأجبصة، ودعا الناس، وفيهم مساور الورّاق، فلما أكلوا قال مساور الورّاق:
من لم يدسّم بالثريد سبالنا ... بعد الخبيص فلا هناه الفارس
الرقاشي قال: أخبرنا أبو هفان أن رقبة بن مصقلة طرح نفسه بقرب حماد الراوية في المسجد، فقال له حماد: مالك؟ قال صريع فالوذج. قال له حماد: عند من؟ فطالما كنت صريع سمك مملوح خبيث! قال: عند من حكم في الفرقة وفصل في الجماعة قال: وما أكلت عنده؟ قال: أتانا بالأبيض المنضود، والملوز المعقود، والذليل الرعديد، والماضي المودود.
طعام عبد الأعلى
محمد بن سلام الجمحي قال: قال بلال بن أبي بردة وهو أمير على البصرة للجارود ابن أبي سبرة الهذلي: أتحضر طعام هذا الشيخ؟ يعني عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر؟
قال: نعم. قال: فصفه لي. قال: نأتيه فنجده متصبّحا «٢» - يعني نائما- فنجلس حتى يستيقظ، فيأذن لنا فنساقطه الحديث؛ فإن حدثناه أحسن الاستماع، وإن حدثنا أحسن الحديث؛ ثم يدعو بمائدته، وقد تقدّم إلى جواريه وأمهات أولاده أن لا تلطفه واحدة
стр. 2500
منهن إلا إذا وضعت مائدته؛ ثم يقبل خبازه فيمثل بين يديه، فيقول: ما عندك اليوم؟ فيقول: عندي كذا، عندي كذا ... فيعدد كل ما عنده، ويصفه؛ يريد بذلك أن يحبس كلّ رجل نفسه وشهوته على ما يريد من الطعام، وتقبل الألطاف من ههنا وههنا، وتوضع على المائدة؛ ثم يؤتى بثريدة شهباء من الفلفل، رقطاء من الحمص، ذات حفافين من العراق «١» ؛ فنأكل معه، حتى إذا ظن أن القوم قد كادوا يمتلئون، جثا على ركبتيه ثم استأنف الأكل معهم. فقال [ابن] أبي بردة: للَّه درّ عبد الأعلى، ما أربط جأشه على وقع الأضراس.
وحضر أعرابيّ طعام عبد الأعلى، فلما وقف الخباز بين يديه ووصف ما عنده قال:
أصلحك الله، أتأمر غلامك يسقيني ماء، فقد شبعت من وصف هذا الخباز! وقال له عبد الأعلى يوما: ما تقول يا أعرابي، لو أمرت الطباخ فعمل لون كذا، ولون كذا؟ قال: أصلحك الله، لو كانت هذه الصفة في القرآن لكانت موضع سجود.
الفرزدق وابن الحصين
أبو عبيدة قال: مر الفرزدق بيحيى [بن الحصين] بن المنذر الرقاشي فقال له: هل لك أبا فراس في جدي رضيع، ونبيذ من شراب الزبيب؟ قال: وهل يأبى هذا إلا ابن المراغة «٢» .
وقال الأحوص لجرير لما قدم المدينة. ماذا ترى أن نعدّ لك؟ قال: شواء وطلاء «٣» وغناء. قال: قد أعدّ لك.
وقال مساور الورّاق في وصف الطعام:
آسمع بنعتي للملوك ولا تكن ... فيما سمعت كميّت الأحياء
إنّ الملوك لهم طعام طيب ... يستأثرون به على الفقراء
стр. 2501
إني نعتّ لذيذ عيشي كلّه ... والعيش ليس لذيذه بسواء
ثم اختصصت من اللذيذ وعيشه ... صفة الطعام لشهوة الحلواء
فبدأت بالعسل الشديد بياضه ... شهد تباكره بماء سماء
إني سمعت لقول ربك فيهما ... فجمعت بين مبارك وشفاء
أيام أنت هناك بين عصابة ... حضروا ليوم تنعّم أكفاء
لا ينطقون إذا جلست إليهم ... فيما يكون بلفظة عوراء «١»
متنسمين رياح كلّ هبوبة ... بين النخيل بغرفة فيحاء «٢»
فقعدت ثم دعوت لي بمبذرق ... متشمّر يسعى بغير رداء «٣»
قد لفّ كمّيه على عضلاته ... قلص القميص مشمّر سعّاء
فأتى بخبز كالملاء منقّط ... فبناه فوق أخاون الشّيزاء «٤»
حتى ملاها ثم ترجم عندها ... بالفارسيّة داعيا بوحاء «٥»
فإذا القصاع من الخلنج لديهم ... تبدو جوانبها مع الوصفاء
ارفع وضع وهنا وهاك وههنا ... قصف الملوك ونهمة القرّاء
يؤتون ثمّ بلون كلّ طريفة ... قد خالفته موائد الخلفاء
من كلّ فرنيّ وجدي راضع ... ودجاجة مربوبة عشواء
ومصوص درّاج كثير طيّب ... ونواهض يؤتّى بهنّ شواء «٦»
وثريدة ملمومة قد سقّفت ... من فوقها بأطايب الأعضاء
وتزيّنت بتوابل معلومة ... وخبيّصات كالجمان نقاء
هذا الثّريد وما سواه تعلّل ... ذهب الثريد بنهمتي وهوائي
ولقد كلفت بنعت جدي راضع ... قد صنته شهرين بين رعاء
стр. 2502
قد نال من لبن كثير طيّب ... حتى تفتّق من رضاع الشّاء
من كلّ أحمر لا يقر إذا ارتوى ... من بين رقص دائم ونزاء «١»
متعكّن الجنبين صاف لونه ... عبل القوائم من غذاء رخاء
فإذا مرضت فداوني بلحومها ... إني وجدت لحومهنّ دوائي
ودع الطبيب ولا تثق بدوائه ... ما حالفتك رواضع الأجداء
إنّ الطبيب إذا حباك بشربة ... تركتك بين مخافة ورجاء
وإذا تنطع في دواء صديقه ... لم يعد ما في جونة الرّقّاء»
نعت الطبيب هليلجا وبليلجا ... ونعتّ غيرهما من الأدواء «٣»
رطب المشان مجزّعا يؤتى بها ... والرازقيّ فما هما بسواء «٤»
وبنانيا زرقا كأنّ بطونها ... قطع الثّلوج نقيّة الأمعاء «٥»
ليست بآكلة الحشيش ولا التي ... يبتاعها الخنّاق في الظلماء
باب آداب الأكل والطعام
قال النبي ﷺ : «الأكل في السوق دناءة» .
وقال ﷺ : «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ويشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» .
وقال ﷺ : «سمّوا إذا أكلتم، واحمدوا إذا فرغتم» . وكان يلعق أصابعه بعد الطعام.
وقال ﷺ : «الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعد الطعام ينفي اللمم» «٦» .
ومن الأدب في الوضوء أن يبدأ صاحب البيت فيغسل يده قبل الطعام ويتقدم أصحابه الى الطعام.
стр. 2503
وقال النبي ﷺ : «طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة» .
وقال ﷺ : «أملكوا «١» العجين فإنه أحد الرّيعين» «٢» .
وكان فرقد يقول لأصحابه: إذا أكلتم فشدّوا الأزر على أوساطكم، وصغّروا اللقم، وشدّدوا المضغ، ومصوا الماء [مصّا] ، ولا يحل أحدكم إزاره فيتسع معاه، وليأكل كلّ واحد من بين يديه.
وقالوا: كان ابن هبيرة يباكر الغداء؛ فسئل عن ذلك، فقال: إن فيه ثلاث خصال: أما الواحدة فإنه ينشف المرّة، والثانية أنه يطيّب النكهة والثالثة: أنه يعين على المروءة: قيل: وكيف يعين على المروءة؟ قال: إذا خرجت من بيتي وقد تغديت لم أتطلع إلى طعام أحد من الناس.
البطنة وقولهم فيها
قالوا: البطنة تذهب الفطنة.
وقال مسلمة بن عبد الملك لملك الروم: ما تعدّون الأحمق فيكم؟ قال الذي يملأ بطنه من كل ما وجد.
وحضر أبو بكرة سفرة معاوية، ومعه ولده عبد الرحمن، فرآه يلتقم لقما شديدا؛ فلما كان بالعشي راح إليه أبو بكرة، فقال له معاوية: ما فعل آبنك التلقامة «٣» ؟ قال:
اعتل، قال: مثله لا يعدم العلة.
ورأى أبو الأسود الدؤلي رجلا يلقم لقما منكرا، فقال [له] : كيف اسمك؟
قال: لقمان. قال: صدق الذي سماك! ورأى أعرابيّ رجلا سمينا، فقال له: أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك!
стр. 2504
وقعد أعرابي على مائدة المغيرة، فجعل ينهش ويتعرّق، فقال المغيرة: يا غلام ناوله سكينا، قال ا لاعرابي: كل امرىء سكينه «١» في رأسه.
لأعرابي
قال أعرابيّ: كنت أشتهى ثريدة دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمص، ذات حفافين [من اللحم، لها جناحان] من العراق: فأضرب فيها كما يضرب وليّ السوء في مال اليتيم! وقال أعرابي:
ألا ليت لي خبزا تسربل رائبا ... وخيلا من البرني فرسانها الزّبد «٢»
فأطلب فيما بينهنّ شهادة ... بموت كريم لا يعدّ له لحد
واصطحب شيخ وحدثّ من الأعراب في سفر، وكان لهما قرص في كل يوم وكان الشيخ مخلع الأضراس، وكان الحدث يبطش بالقرص ويقعد يشكو العشق، والشيخ يتضوّر جوعا؛ وكان الحدث يسمى جعفرا، فقال الشيخ فيه:
لقد رابنى من جعفر أنّ جعفرا ... يطيش بقرصي ثمّ يبكي على جمل
فقلت له لو مسّك الحبّ لم تبت ... بطينا ونسّاك الهوى شدّة الأكل
الأصمعي قال: تقول العرب في الرجل الأكول: إنه برم قرون.
البرم: الذي يأكل مع الجماعة ولا يجعل شيئا. والقرون: الذي يأكل تمرتين تمرتين ويأكل أصحابه تمرة تمرة. وقد نهى النبي ﷺ عن القران.
وكان عبد الله بن الزبير: إذا قدم التمر إلى أصحابه [قال] : قال عبد الله بن عمر:
إياكم والقران، فإن النبي ﷺ نهى عنه.
وقيل لميسرة الأكول: كم تأكل كلّ يوم؟ قال: من مالي أو من مالي غيري؟ قيل
стр. 2505
له: من مالك. قال مكّوك «١» . قيل: فمن مال غيرك؟ قال: اخبزوا واطرحوا! وقال رجل من العراق في قينة حفص الكاتب:
قيينة حفص ويلها ... فيها خصال عشره
أوّلها أنّ لها ... وجها قبيح المنظره
ودارها في وهدة ... أوسع منها القنطره
تأكل في قعدتها ... ثورا وتخرى بقره
قال تأبّط شرا: ما أحببت شيئا قطّ حبي ثلاثة: أكل اللحم، وركوب اللحم، وحكّ اللحم باللحم.
وقال أبو اليقظان: كان هلال بن الأسعر التميمي أكولا، فيزعمون أنه أكل فصيلا وأكلت امرأته فصيلا؛ فلما أراد أن يجامعها لم يصل إليها، فقالت له: وكيف تصل إليّ وبيني وبينك بعيران! وكان الواثق، واسمه هارون بن محمد بن هارون، أكولا، وكان مفتونا بحب الباذنجان، وكان يأكل في أكلة واحدة أربعين باذنجانة؛ فأوصى إليه أبوه، وكان وليّ عهده: ويلك! متى رأيت خليفة أعمى؟ فقال للرسول: أعلم أمير المؤمنين أني تصدقت بعينيّ جميعا على الباذنجان!
نهم سليمان بن عبد الملك
وكان سليمان بن عبد الملك من الأكلة، حدث عنه العتبي عن أبيه عن الشمرد وكيل عمرو بن العاص قال: لما قدم سليمان الطائف، دخل هو وعمر بن عبد العزيز وأيوب ابنه بستانا لعمرو بن العاص، فجال فيه ساعة، ثم قال: ناهيكم بما لكم هذا مالا! ثم ألقى صدره على غصن، وقال: ويلك يا شمردل ما عندك شيء تطعمني؟ قال: بلى، إن عندي جديا كانت تغدو عليه بقرة وتروح أخرى. قال: عجل به. فأتيته به كأنه عكة سمن، فأكله وما دعا عمر ولا ابنه، حتى إذا بقي الفخذ قال: هلم أبا حفص.
стр. 2506
قال: إني صائم. فأتى عليه، ثم قال: ويلك يا شمردل! ما عندك شيء تطعمني؟ قال:
بلى والله، عندي خمس دجاجات هنديات كأنهنّ رئلان «١» النعام. قال: فأتيته بهن، فكأن يأخذ برجلي الدجاجة فيلقى عظامها نقية، حتى أتى عليهن؛ ثم قال: يا شمردل، ما عندك شيء تطعمني؟ قلت: بلى واللَّه، إن عندي حريرة «٢» كأنها قراضة الذهب.
فقال: عجل بها. فأتيته بعسّ يشيب فيه الرأس، فجعل يلاقيها بيده ويشرب؛ فلما فرغ تجشّأ، فكأنما صاح في جب، ثم قال: يا غلام، أفرغت من غذائي؟ قال: نعم قال: وما هو؟ قال: ثمانون قدرا. قال: ائتني بها قدرا قدرا. قال: فأكثر ما أكل من كل قدر ثلاث لقم، وأقلّ ما أكل لقمة؛ ثم مسح يده واستلقى على فراشه، ثم أذن للناس ووضعت المائدة وقعد فأكل مع الناس، فما أنكرت من أكله شيئا.
نهم مزرد
وقال الأصمعي: كنت يوما عند هارون الرشيد، فقدمت إليه فالوذجة، فقال: يا أصمعي، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: حدثني بحديث مزرّد أخي الشماخ. قلت:
نعم يا أمير المؤمنين، إن مزردا كان رجلا جشعا نهما، وكانت أمه تؤثر عيالها بالزاد عليه؛ وكان ذلك مما يضرّ به ويحفظه؛ فذهبت يوما في بعض حقوق أهلها، وخلفت مزردا في بيتها ورحلها، فدخل الخيمة، فأخذ صاعين من دقيق، وصاعا من عجوة، وصاعا من سمن؛ فضرب بعضه ببعض فأكله، ثم أنشأ يقول:
ولما مضت أمّي تزور عيالها ... أغرت على العكم الذي كان يمنع «٣»
خلطت بصاعي حنطة صاع عجوة ... إلى صاع سمن فوقه يتريّع
ودبّلت أمثال الأثافي كأنها ... رءوس رخال قطّعت لا تجمّع «٤»
وقلت لبطني: أبشر اليوم إنه ... حمى أمّنا مما تفيد وتجمع
стр. 2507
فإن كنت مصفورا فهذا دواؤه ... وإن كنت غرثانا فذا يوم تشبع «١»
قال: فاستضحك هارون حتى أمسك بطنه واستلقى على ظهره، ثم قعد فمدّ يده وقال: خذ، فذا يوم تشبع يا أصمعي! وقال حميد الأرقط- وهو الذي هجا الأضياف- يصف أكل الضيف:
ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور
وقال أيضا:
تجهّز كفّاه ويحدر حلقه ... إلى الزّور ما ضمّت عليه الانامل
أتانا وما ساواه سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتى كأنه ... من العيّ لمّا أن تكلّم باقل
وقال:
لا أبغض الضيف ما بي جلّ مأكله ... إلا تنفّجه حولي إذا قعدا «٢»
ما زال ينفخ جنبيه وحبوته ... حتى أقول لعلّ الضيف قد ولدا «٣»
وقال:
لا مرحبا بوجوه القوم إذ نزلوا ... دسم العمائم تحكيها الشياطين
ألقيت جلّتنا شطرين بينهم ... كأن أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنّوى عالى معرّسهم ... وليس كلّ النوى تلقي المساكين «٤»
موت سليمان بن عبد الملك:
أبو الحسن المدائني قال: أقبل نصراني إلى سليمان بن عبد الملك، وهو بدابق، بسلّين، أحدهما مملوء بيضا، والآخر مملوء تينا، فقال: اقشروا. فجعل يأكل بيضة وتينة حتى فرغ من السلين؛ ثم أتوه بقصعة مملوءة مخّا بسكر؛ فأكله، فأتخم ومرض فمات.
стр. 2508
عيب الحمية:
والأكلة كلهم يعيبون الحمية، ويقولون، الحمية إحدى العلتين.
وقالوا: من احتمى فهو على يقين من المكروه وهو في شك من العافية! وقالوا: الحمية للصحيح ضارّة وللعليل نافعة.
الحمية وقولهم فيها
قيل لبقراط: مالك تقل الأكل جدا؟
قال: إني إنما آكل لأحيا، وغيري يحيا ليأكل! وأجمعت الأطباء على أن رأس الداء كلّه إدخال الطعام على الطعام.
وقالوا: احذروا إدخال اللحم على اللحم؛ فإنه ربما قتل السباع في القفر.
وأكثر العلل كلها إنما يتولد من فضول الطعام.
والحمية مأخوذة عن النبي ﷺ : رأى صهيبا يأكل تمرا وبه رمد، فقال «أتأكل تمرا وأنت أرمد؟» .
ودخل على عليّ ﵁ وهو عليل، وبيده عنقود عنب، فنزعه من يده.
وقال ﵊: «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يطعمهم ويسقيهم» .
وقيل للحارث بن كلدة طبيب العرب: ما أفضل الدواء؟
قال: الأزم «١» .
يريد قلة الأكل، ومنه قيل للحمية: الأزمة، وللكثير أزمات.
وقيل لآخر: ما أفضل الدواء؟
قال: أن ترفع يدك عن الطعام وأنت تشتهيه.
أبو الأشهب عن أبي الحسن قال: قيل لسمرة بن جندب: إن ابنك إذا أكل طعاما كظّه «٢» حتى كاد أن يقتله.
قال: لو مات ما صليت عليه!
стр. 2509
عبد الملك ومدعو إلى غدائه:
ودعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى الغداء، فقال. ما فيّ فضل يا أمير المؤمنين.
قال: لا خير في الرجل يأكل حتى لا يكون فيه فضل! فقال: يا أمير المؤمنين، عندي مستزاد، ولكن أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحها أمير المؤمنين.
وقال الأحنف بن قيس: جنّبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، فإني أبغض الرجل يكون وصّافا لبطنه وفرجه.
وقيل لبعض الحكماء: أي الطعام أطيب؟
قال: الجوع؛ ما ألقيت إليه من شيء قبله.
وقال رجل من أهل الشام لرجل من أهل المدينة: عجبت منكم أن فقهاءكم أظرف من فقهائنا، ومجانينكم أظرف من مجانيننا! قال: أو تدري من أين ذلك؟
قال: لا أدري.
قال: من الجوع، ألا ترى أن العود إنما صفا صوته لما خلا جوفه!
الثوري في ابنه:
وقال الجاحظ: كان أبو عثمان الثوري يجلس ابنه معه ويقول له: إياك يا بنيّ ونهم الصبيان، وأخلاق النوائح، ونهش الأعراب؛ وكل مما يليك، واعلم أنه إذا كان في الطعام لقمة كريمة، أو مضغة شهيّة، أو شيء مستطرف، فإنما ذلك للشيخ المعظّم، أو للصبي المدلّل، ولست بواحد منهما، وقد قالوا: مد من اللحم كمد من الخمر.
أي بنيّ، عوّد نفسك الأثرة، ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش السباع، ولا تخضم خضم البراذين، ولا تدمن الأكل إدمان النعاج، ولا تلقم لقم الجمال؛ فإن الله جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة، واحذر سرعة الكظة، وسرف البطنة؛ فقد قال بعض الحكماء: إذا كنت نهما فعدّ نفسك من الزّمنى؛ واعلم أن الشّبع داعية البشم «١» ، والبشم داعية السقم، والسقم داعية الموت؛ ومن مات هذه الميتة فقد مات
стр. 2510
ميتة لئيمة، لأنه قاتل نفسه، وقاتل نفسه ألأم من قاتل غيره.
أي بنيّ، والله ما أدّى حقّ الركوع والسجود ذو كظة، ولا خشع للَّه ذو بطنة، والصوم مصحّة، والوجبات «١» عيش الصالحين.
أي بنيّ، لأمر ما طالت أعمار الهند، وصحت أبدان العرب؛ وللَّه درّ الحارث بن كلدة إذ زعم أن الدواء هو الأزم، فالداء كله من فضول الطعام؛ فكيف لا ترغب في شيء يجمع لك صحة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح الدين والدنيا، والقرب من عيش الملائكة! أي بني، لم صار الضب أطول عمرا؟ إلا لأنه يتبلغ بالنسيم؛ ولم قال الرسول ﵊: إن الصوم وجاء «٢» ؟ إلا لأنه جعله حجابا دون الشهوات؛ فافهم تأديب الله ، وتأديب رسوله ﵊.
أي بني، قد بلغت تسعين عاما ما نغضت لي سنّ، ولا انتشر لي عصب، ولا عرفت ذنين «٣» أنف، ولا سيلان عين، ولا سلس بول؛ ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد؛ فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فلا أبعد الله غيرك!
سياسة الأبدان بما يصلحها
الحجاج وطبييه:
قال الحجاج بن يوسف للباذون طبيبه: صف لي صفة آخذ بها في نفسي ولا أعدوها.
قال له: لا تتزوّج من النساء إلا شابة. ولا تأكل من اللحم إلا فتيّا، ولا تأكله حتى تنعم طبخه، ولا تشرب دواء إلا من علة، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، ولا تأكل طعاما إلا أجدت مضغه، وكل ما أحببت من الطعام واشرب عليه، فإذا
стр. 2511
شربت فلا تأكل ولا تحبس الغائط ولا البول، وإذا أكلت بالنهار فنم، وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة.
وسئل يهود خيبر: بم صححتم على وباء خيبر؟
قالوا: بأكل الثوم، وشرب الخمر، وسكنى اليفاع «١» ، وتجنّب بطون الأودية والخروج من خيبر عند طلوع النجم «٢» وعند سقوطه.
وقال قيصر لقس بن ساعدة: صف لي مقدار الأطعمة؛ فقال: الإمساك عن غاية الإكثار، والبقيا على البدن عند الشهوة. قال: فما أفضل الحكمة؟ قال: معرفة الإنسان قدره. قال: فما أفضل العقل؟ قال: وقوف الإنسان عند علمه.
عبد الملك وأبو الزعيزعة:
وسأل عبد الملك بن مروان أبا المفوز: هل أتخمت قط؟ قال: لا. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنّا إذا طبخنا أنضجنا، وإذا مضغنا دققنا، ولا نكظّ المعدة ولا نخليها.
وقيل لبزرجمهر: أي وقت فيه الطعام أصلح؟ قال: أما لمن قدر فإذا جاع، و [أما] لمن لم يقدر فإذا وجد! وقال: أربع تهدم العمر وربما قتلن: الحمّام على البطنة. والمجامعة على الامتلاء، وأكل القديد الجافّ، وشرب الماء البارد على الريق.
وقال إبراهيم النظام: ثلاثة أشياء تفسد العقل: طول النظر في المرآة، والاستغراق في الضحك، ودوام النظر في البحر.
هارون والأطباء:
الأصمعي قال: جمع هارون من الأطباء أربعة: عراقيا، وروميا، وهنديا، ويونانيا؛ فقال: ليصف لي كلّ واحد منكم الدواء الذي لا داء معه. فقال العراقي:
стр. 2512
الدواء الذي لا داء معه حبّ الرشاد الأبيض. وقال الهندي: الهليلج الأسود. وقال الرومي: الماء الحارّ، وقال اليوناني وكان أطبّهم: حب الرشاد الأبيض يولد الرطوبة، والماء الحارّ يرخي المعدة، والهليلج الأسود يرق المعدة؛ ولكن الدواء الذي لا داء معه: أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه.
تدبير الصحة
ثم نذكر بعد هذا من وصف الطعام وحالاته، وما يدخل على الناس من ضروب آفاته، بابا في تدبير الصحة الذي لا تقوم الأبدان إلا به، ولا تنمّى النفوس إلا عليه.
وقد قال الشافعي: العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان؛ ولم نجد بدّا- إذ كانت جملة هذه المطاعم التي بها نمو الغراسة «١» ، وعليها مدار الأغذية تضرّ في حالة وتنفع في أخرى- من ذكر ما ينفع منها ومقدار نفعه، وما يضرّ منها ومبلغ ضرّه؛ وأن نحكم على كل ضرب منها بالأغلب عليه من طبائعه.
وقلما نجد شيئا ينفع في حالة إلا وهو ضار في الأخرى؛ ألا ترى أن الغيث الذي جعله الله رحمة لخلقه، وحياة لأرضه، قد يكون منه السيول المهلكة، والخراب المخيف؟ وأن الرياح التي سخرها الله مبشرات بين يدي رحمته، قد أهلك بها قوما وانتقم من قوم؟ وفي هذا المعنى قال حبيب الطائي:
ولم تر نفعا عند من ليس ضائرا ... ولم تر ضرّا عند من ليس ينفع
قال خالد بن صفوان [يوما] لخادمه: أطعمنا جبنا، فإنه يشهّي الطعام، ويهيج المعدة، وهو حمض العرب. قال: ما عندنا منه شيء. فقال: لا بأس عليك، فإنه يقدح «٢» الأسنان، ويشد البطن.
ولما كانت أبدان الناس دائبة التحلل، لما فيها من الحرارة الغريزية من داخل، وحرارة الهواء المحيط بها من خارج- احتاجت إلى أن يخلف عليها ما تحلل، واضطرت لذلك إلى الأطعمة والأشربة، وجعلت فيها قوة الشهوة ليعلم بها وقت
стр. 2513
الحاجة منها إليها، ومقدار ما يتناول منها، والنوع الذي يحتاج إليه؛ ولأنه لا يخلف الشيء الذي يتحلل ولا يقوم مقامه إلا مثله، وليس تستطيع القوة التي تحيل الطعام والشراب في بدن الإنسان أن تحيل إلا ما شاكل البدن وقاربه؛ فإذا كان هذا هكذا فلا بد لمن أراد حفظ الصحة أن يقصد لوجهين: أحدهما أن يدخل على البدن الأغذية الموافقة لما يتحلل منه، والأخرى أن ينفي عنه ما يتولد فيه من فضول الأغذية.
ما يصلح لكل طبيعة من الأغذية
وينبغي لك أن تعرف اختلاف طبائع الأبدان وحالاتها، لتعرف بذلك موافقة كلّ نوع من الأطعمة لكل صنف من الناس؛ وذلك أن الأغذية مختلفة؛ منها معتدلة، كالتي يتولد منها الدم الخالص النقيّ؛ ومنها غير معتدلة، كالتي يتولد منها البلغم والمرّة الصفراء والسوداء والرياح الغليظة؛ ومنها لطيفة ومنها غليظة؛ ومنها ما يتولد عنه كيموس «١» لزج وكيموس غير لزج؛ ومنها ما له خاصة منفعة أو مضرة في بعض الأعضاء دون بعض.
وكذلك الأبدان أيضا، منها معتدل مستول عليه في طبيعته الدم الخالص النقي، ومنها غير معتدل يغلب عليه البلغم أو إحدى المرّتين، ومنها متخلخل سريع التحلل، ومنها مستحصف «٢» عسر التحلل، ومنها ما يكون في بعض أعضائها دون بعض؛ فقد يجب متى كان المستولي على البدن الدم النقي أن تكون أغذيته قصدا في قدرها، معتدلة في طبائعها؛ ومتى كان الغالب عليه البلغم، فيجب أن تكون مسخنة، أو يغتذي بما يزيد في الحرارة ويقمع في الرطوبة؛ ومتى كان الغالب عليه المرّة السوداء فينبغي له أن يغتذي بالأغذية الحارة الرطبة؛ ومتى كان الغالب عليه المرة الصفراء فيغتذي بالأغذية الباردة الرطبة، ومتى كان بدنه مستحصفا «٣» ، عسر التحلل فينبغي أن يغتذي بأغذية يسيرة لطيفة جافة، ومتى كان متخلخلا فينبغي له أن يغتذي بأغذية لزجة، لكثرة ما يتحلل من البدن.
стр. 2514
فهذا التدبير ينبغي أن يلتزم، ما لم يكن في بعض أعضاء البدن ألم، فينبغي أن يستعمل النظر في الأغذية الموافقة للعضو الألم؛ لأنا ربما اضطررنا إلى استعمال ما يوافق العضو الألم، وإن كان مخالفا لسائر البدن؛ كما أنه لو كانت الكبد باردة ضيقة المجاري، احتجنا إلى استعمال الأغذية اللطيفة وتجنّب الأغذية الغليظة، وإن كان سائر البدن غير محتاج إليها لضعف أو نحافة؛ لئلا تحدث الغليظة في الكبد سددا؛ وربما كانت الكبد حارة، فتحذر الأغذية الحلوة وإن احتاج إليها [البدن] لسرعة استحالتها إلى المرة الصفراء، وربما كانت المعدة ضعيفة، فتحتاج إلى ما يقوّيها من الأغذية؛ وربما كان يولد الطعام فيها بلغما، فتحتاج إلى ما يجلوه ويقطعه؛ وربما كان يتولد فيها المرة الصفراء سريعا، فتحتاج إلى ما يقمع الصفراء وإلى تجنّب الأشياء المولدة لها؛ وربما كان الطعام يبقى على رأس المعدة طافيا، فيستعمل الأغذية الغليظة الراسبة، ليثقل بثقلها إلى أسفل المعدة؛ وتأمره بحركة يسيرة بعد الطعام، لينحط الطعام عن رأس المعدة. وربما كان فضل الطعام بطيء الانحدار عن المعدة والأمعاء، فتحتاج إلى ما يحدره ويلين البطن؛ وربما كان رأس المعدة حارا قابلا للحار، فيتجنب الأغذية الحارة وإن احتاج إليها سائر البدن.
الحركة والنوم مع الطعام
وينبغي ألا تقتصر على ما ذكرنا دون النظر في مقدار الحركة قبل الطعام، والنوم بعده؛ فمتى كانت الحركة قبل الطعام كثيرة غذيناه بأغذية غليظة لزجة إلى اليبس مما هي بطيئة التحلل، ولم نأمره بالحمية لقلة الحاجة إليها، ومتى لم تكن قبل الطعام حركة، أو كانت يسيرة، فينبغي أن لا يقتصر على الحمية بقلة الطعام ولطافته، دون أن يستعين على تخفيف ما يتولد في البدن من الفضول باستفراغ الأدوية المسهلة، وبالحمّام، وبإخراج الدم؛ ومتى كانت الحركة كافية استعملنا الأغذية المعتدلة في كثرتها، وقدر لطافتها وغلظها؛ ومتى كان النوم بعد الطعام كثيرا احتجنا إلى استعمال أغذية كثيرة غزيرة بالغذاء، لطول الليل وكثرة النوم؛ ومتى كان النوم قليلا احتجنا إلى الطعام الخفيف اللطيف، كالذي يغتذى به في الصيف، لقصر الليل وقلة النوم.
стр. 2515
تقدير الطعام وما يقدم منه وما يؤخر
ويجب في الطعام أن يقدر فيه أربعة أنحاء:
أولها: ملاءمة الطعام لبدن المغتذي به في الوقت الذي يغتذي به فيه، كما ذكرنا أيضا أنه متى كان الغالب على البدن الحرارة احتاج إلى الأغذية الباردة، ومتى كان الغالب عليه البرد احتاج إلى الأغذية الحارة، ومتى كان معتدلا احتاج إلى الأغذية المعتدلة المشاكلة له.
والنحو الثاني: تقدير الطعام، بأن يكون على مقدار قوة الهضم، لأنه وإن كان في نفسه محمودا، وكان ملائما للبدن، وكان أكثر من قدر احتمال قوة الهضم، ولم يستحكم هضمه، تولد منه غذاء رديء.
والنحو الثالث: تقديم ما ينبغي أن يقدّم من الطعام، وتأخير ما ينبغي أن يؤخر منه؛ ومثل ذلك أنه ربما جمع الإنسان في أكلة واحدة طعاما يلين البطن وطعاما يحبسه، فإن هو قدم الملين وأتبعه الآخر، سهل انحدار الطعام منه: ومتى قدم الطعام الحابس وأتبعه الملين، لم ينحدر وفسدا جميعا. وذلك أن الملين حال فيما بينه وبين نزول الطعام الحابس، فبقي في المعدة بعد انهضامه، ففسد به الطعام الآخر. ومتى كان الطعام الملين قبل الحابس انحدر الملين بعد انهضامه، وسهل الطريق لانحدار الحابس. وكذلك أيضا لو جمع أحد في أكلة واحدة طعاما سريع الانهضام وآخر بطيء الانهضام، فينبغي له أن يقدّم البطيء الانهضام ويتبعه السريع الانهضام، ليصير البطيء الانهضام في قعر المعدة. لأن قعر المعدة أسخن، وهو أقوى على الهضم، لكثرة ما فيه من أجزاء اللحم المخالطة له، وأعلى المعدة عصبي بارد لطيف ضعيف الهضم، ولذلك إذا طفا الطعام على رأس المعدة لم ينهضم.
والنحو الرابع: أن يتناول الطعام الثاني بعد انحدار الأول وقد قدّم قبله حركة كافية وأتبعه بنوم كاف، استمراءه؛ ومن أخذ الطعام وقد بقي في معدته أو أمعائه بقية من الطعام الأول غير منهضمة، فسد الطعام الثاني ببقية الأوّل.
стр. 2516
باب الحركة والنوم مع الطعام
ومن أكل الطعام بعد حركة كافية وأخذه على حاجة من البدن إليه، وافى الطعام الحركة الغريزية قد اشتعلت. ومن تناول طعاما من غير حركة وأخذه مع غير حاجة من البدن إليه، وافى الطعام الحركة الغريزية خامدة بمنزلة النار الكامنة في الزناد.
ومن أتبع الطعام بنوم، بطنت الحرارة الغريزية فيه فاجتمعت في باطن البدن فهضمت طعامه. ومن أتبع الطعام بحركة، انحدر عن معدته غير منهضم وانبث في العروق غير مستحكم، فأحدث سددا وعللا في الكبد والكلى وسائر الأعضاء.
وربما كانت الأطعمة لضعف المعدة تطفو فيها وتصير في أعلاها، فلا تأمره بالنوم حتى ينحدر الطعام عن المعدة بعض الانحدار ويصير في قعر المعدة. وربما أمرنا بحركة يسيرة كما ذكرنا آنفا، لانحدار الطعام عن المعدة بعض الانحدار.
وإن أكثر الشراب منع الطعام من الانهضام، لأنه يحول فيما بين جرم»
المعدة وبين الطعام، وإذا لم تلق المعدة الطعام لم تحله إلى مشاكلة البدن وموافقته، فيبقى فيها غير منهضم. فيجب لذلك على من أخذ الطعام أن يتناول معه من الشراب ما يسكن به حرّ العطش ويصبر على قدر احتماله من العطش، ويصبر حتى ينهضم، ثم يتناول بعد ذلك من الشراب ما أحب، فإنه بعد ذلك يعين على انحدار الطعام وترقيقه لتنفيذه في المجاري الدّقاق.
ويجب أيضا أن يكون أخذه للطعام في وقت حركة الشهوة؛ وذلك أنه إذا تحركت الشهوة ولم يبادر بأخذ الطعام، اجتذبت المعدة من فضول البدن ما إذا صار في المعدة أبطل الشهوة، وأفسد الطعام إذا خالطه.
الأوقات التي يصلح فيها الطعام
أجود الأوقات كلها للطعام الأوقات الباردة. لجمعها الحرارة في باطن البدن فأما الأوقات الحارة فينبغي أن يجتنب أخذ الطعام فيها، لأن حرارة الهواء تجذب الحرارة
стр. 2517
الباطنة الغريزية إلى ظاهر البدن ويخلو منها باطنه، فتضعف الحرارة في باطنه عن هضمه. فلذلك كانت القدماء تفضل العشاء على الغداء لما يلحق العشاء من اجتماع الحرارة على باطن البدن، لبرد الليل والنوم، ولأن الحرارة في النوم تبطيء، ويسخن باطن البدن ويبرد ظاهره. واليقظة على خلاف ذلك، لأن الحرارة تنتشر في ظاهر البدن وتضعف في باطنه. والذي يحتاج إلى كثرة الغذاء من الناس من كان الغالب على بدنه الحرارة، وكانت معدته لحرارتها سريعة الانهضام، وكانت كبده لحرارتها سريعة التوليد للمرة الصفراء؛ فلذلك يحتاج إلى الأطعمة الغليظة البطيئة الانهضام ويستمرئها، ويستمريء لحم البقر ولا يستمريء لحم الدجاج وما أشبهه من الأطعمة الخفيفة.
ولا يصلح شيء من هذه إلا في وقت تحرّك الشهوة، فإنه أفضل وقت يؤخذ فيه الطعام؛ وللعادة في هذا حظ عظيم. ألا ترى أنه من اعتاد الغداء فتركه واقتصر على العشاء عظم ضرر ذلك عليه؟ ومن كانت عادته أكلة واحدة فجعلها أكلتين لم يستمريء طعامه، ومن كانت عادته أن يجعل طعامه في وقت من الأوقات فنقله إلى غير ذلك الوقت أضر ذلك به، وإن كان قد نقله إلى وقت محمود؛ فيجب لذلك أن يتبع العادة إذا تقادمت فطالت، وإن كانت ليست بصواب، إذا لم يجد شيئا اضطره إلى نقله؛ لأن العادة طبيعة ثانية كما ذكر الحكيم أبقراط، فإن حدث شيء يدعوه إلى الانتقال عنها فأوفق الأمور في ذلك أن ينقل عنها قليلا قليلا.
وللشهوة أيضا في استمراء الطعام أعظم الحظ؛ لأنها دليل على الموافقة والملاءمة، فمتى كان طعامان متساويان في الجودة، وكانت شهوة المحتاج إليهما إلى أحدهما أميل، رأينا إيثار المشتهي على الآخر، لأنه أوفق للطبيعة، وأسهل عليها في الاستمراء. ومتى كان أحدهما أجود من الآخر، وكانت شهوة المحتاج إليهما أميل إلى أردئهما. اخترناه على الأجود إذا لم نخف منه ضررا لكثير ما ينال منه من المنفعة، لقبول المعدة له واستمرائها إياه.
فقد بان أنه يحتاج في حال الأغذية وجودة تخير الأطعمة إلى معرفة اختلاف الطبائع وحالاتها؛ فقد بينت اختلاف طبائع الأبدان وحالاتها، وما يجب على كل
стр. 2518
واحدة منها من أنواع الأطعمة والأشربة؛ وبقي أن نبين اختلاف قوى الأطعمة والأشربة. وأن أصف أنواع الأغذية وأسمّى ما في كل صنف منها إن شاء الله تعالى.
الأطعمة اللطيفة
هي التي يتولد منها دم لطيف، فمنها لباب خبز الحنطة، والحب المقشور، ولحم الفراريج، ولحم الدّراج «١» والطّهيوج «٢» والحجل، وفراخ الحجل، وأجنحة الطيور، وما لان لحمه من صغار السمك ولم تكن فيه لزوجة، والقرع، والماش «٣» ؛ وما أشبه.
وهذا الجنس من الأطعمة نافع لمن ليست له حركة وكانت الحرارة الغريزية في بدنه ضعيفة ولم يأمن أن يتولد في بدنه كيموس غليظ، أو يتولد في كبده أو طحاله سدد، أو في كلاه، أو في صدره، أو في دماغه، أو في شيء من مفاصله من البلغم.
الاطعمة اللطيفة في نفسها الملطفة لغيرها
هي التي يكون ما يتولد منها لطيفا، ويلطّف ما يلقاه من الكيموس اللزج الغليظ في البدن.
وهذا الجنس من الأطعمة أربعة أصناف: صنف منها حلو لطيف لما فيه من قوة الجلاء، مثل: ماء الشعير، والبطيخ، والتين اليابس، والجوز، والعسل والفستق وما يعمل منه من الناطف.
وهذا الجنس من منفعته من جنس الأول من الأطعمة اللطيفة، إلا أنه أبلغ في تلطيف البدن.
والصنف الثاني حار، حرّيف، كالحرف، والثوم، والكراث، والكرفس
стр. 2519
والكرنب، والصّعتر، والنعنع، والرازيانج، والشرب الأصفر اللطيف العتيق الحار.
وهذا كله نافع لمن احتاج إلى فتح السدد التي في الكبد، والطحال، والصدر والدماغ، وتقطيع البلغم وترقيقه.
ولا ينبغي لأحد أن يكثر استعماله، لأنه يرقق الدم أولا ويصيره مائيا، فيقل لذلك غذاء البدن ويضعف، ثم إنه يسخن البدن سخونة مفرطة، فيصير أكثره مرة صفراء، ثم إنه بعد ذلك إذا تمادى مستعمله في استعماله حلل لطيف الدم وترك غليظه، فصار أكثره مرة سوداء، وربما تولد من ذلك حجارة في الكلى؛ ومضرة هذا الصنف أشد ما تكون على من كانت المرة الصفراء غالبة عليه.
والصنف الثالث: يذهب ويلطف بملوحته، كالمري «١» وما لان لحمه وقل شحمه من السمك إذا ملح، والسلق، وماء الجبن، وكلّ ما جعل فيه من الأطعمة الملح، والمري، البورق.
ومنافع هذا الصنف ومضاره قريبة من منافع الأشياء الحريفة ومضارّها، إلا أن هذا الصنف في تنقية المعدة والأمعاء وتليين الطبيعة أبلغ.
والصنف الرابع: يقطع ويلطف بحموضته، كالخل، والسكنجبين، وحماض «٢» الأترجّ، وماء الرمان الحاض، وكل ما يتخذ بها من الأطعمة.
وهذا الصنف نافع لمن كانت معدته وسائر بدنه حارا إذا تولد فيه بلغم من غلظ ما يتناول من الأغذية ومن كثرتها.
الاطعمة الغليظة في نفسها الملطفة لغيرها
منها: البصل، والجزر، والفجل، والسلجم «٣» ، وما أشبه ذلك.
فهذه الأطعمة في نفسها غليظة وتلطّف ما تلقى من الشيء الغليظ بما فيها من الحدّة
стр. 2520
والحرافة؛ وهي تولد كيموسا غليظا، ومتى ما طبخ شيء منها أو شوي ذهب عنه قوة الحرافة والتقطيع، وبقي جرمه غليظا رديئا؛ وقد يتناول للمنفعة بتقطيع هذه الأطعمة وتلطيفها، ويسلم من غلظ جرمها، على إحدى ثلاث جهات: إما أن تطبخ فتلطف، كالذي يفعل بالبصل؛ وإما أن تعصر أو تطبخ ثم يستعمل ماؤها؛ وإما أن تؤكل نيئة فتقطع البلغم، كالذي يفعل بهما جميعا.
الاطعمة الغليظة
الغالب على الأطعمة الغليظة كلها اليبس واللزوجة؛ فمنها شيء يكون اليبس واللزوجة من طبعه، ومنها ما يكتسب اليبس من غيره.
فالذي يكون اليبس من طبعه. العدس، ولحم الأرانب، والبلوط، والشاه بلوط، والكمأة، والباقلي المقلوّ؛ هذه كلها غليظة، لأن اليبس في طبائعها.
وأما الذي يكتسب اليبس من غيره، فالكبود «١» ، والبيض المسلوق، والمشوي وما قلي، واللبن المطبوخ طبخا كثيرا، والضروع، وعصير العنب المطبوخ، لا سيما إن كان العصير غليظا؛ فهذه كلها غليظة، لأن الحرارة بالطبخ أحدثت لها يبسا وانعقادا.
وأما لحوم الإبل، ولحوم التيوس، ولحوم البقر، والكروش، والأمعاء، فإنها غليظة بصلابتها؛ وكذلك الترمس، وثمر الصنوبر، والسلجم «٢» ، واللوبيا، وما خبز على الفرن؛ فإن ظاهره غليظ، لما أحدثت به النار من اليبس، وباطنه غليظ، لما فيه من اللزوجة؛ وكذلك كل ما لم يجد عجنه أو خبزه أو إنضاجه من خبز التنور، وكل ما خبز على الطابق بدهن أو غيره، والفطير، والشهد، واللبن، والأدمغة؛ فإنها كلها غليظة، للزوجة فيها طبيعية.
وأما الفالوذج فإنه غليظ للزوجته والانعقاد الحادث له من الطبخ.
стр. 2521
وأما الباذنجان فإنه غليظ لليبس وللّزوجة في طبعه.
وأما الخبز فإنه غليظ لاجتماع الحالات الثلاث فيه.
فأما السمك الصلب اللزج فإنه غليظ لاجتماع الصلابة واللزوجة فيه.
وأما الآذان والشّفاه وأطراف العضو، فإنها تولد كيموسا لزجا ليس بالغليظ وقد تولد ما يعرض من الأغذية الباردة عن هضمها وتلطيفها، كالذي يعرض من أكل الفاكهة قبل نضجها، ومن أكل الخيار والقثاء، وشحم الأترج واللبن الحامض.
فهذه الأطعمة الغليظة كلها إن صادفت بدنا حارا كثير التعب قليل الطعام كثير النوم بعيد الطعام انهضمت وغذت البدن غذاء كثيرا نافعا، وقوّته تقوية كثيرة.
وأحمد ما تستعمل هذه الأغذية في الشتاء، لاجتماع الحرارة في باطن البدن وطول النوم؛ ومتى أحس أحد في نومه نقصانا بيّنا وأكلها من يجد الحرارة في بدنه قليلة ولا سيما في معدته، ومن تعبه قليل ونومه بعد الطعام قليل- لم يستحكم انهضامها، وتولد منها في البدن كيموس غليظ حار يابس، يتولد منه سدة في الكبد والطحال؛ فلذلك ينبغي لمن أكل طعاما غليظا من غير حاجة إليه لعلة أو شهوة أن يقلّ منه ولا يعوّده، ولا يدمنه.
وما كان من الأطعمة الغليظة له مع غلظه لزوجة، فهو أغذاها للبدن؛ فإن لم ينهضم فهو أكثرها توليدا للسدد.
الأطعمة المتوسطة بين اللطيفة والغليظة
تصلح لمن كان بدنه معتدلا صحيحا، ولم يكن تعبه كثيرا؛ وأجود الأغذية له المتوسطة، لأنها لا تنهكه ولا تضعفه كاللطيفة، ولا تولد خاما «١» ولا سددا كالغليظة.
стр. 2522
وهي كل ما أحكم صنعه من الخبز، ولحوم البقر، والدجاج، والجداء، والحولية من المعز.
وأما لحوم الخرفان والضأن كلها فرطبة لزجة.
وأما لحم فراخ الحمام والقطا فهو يولد دما سخنا وأغلظ من الدم المعتدل.
وأما فراخ الوراشين «١» فإنها مثل فراخ الحمام والقطا «٢» والإوز، فأجنحتها معتدلة وسائر البدن كثير الفضول.
وكل ما كثرت حركته من الطير وكان مرعاه في موضع جيد الغذاء صافي الهواء، كان أجود غذاء وألطف؛ وكل ما كان على خلاف ذلك فهو أردأ غذاء وأوسخ.
وكل ما لم يستحكم نضجه من البيض، وخاصة ما ألقي على الماء الحار وأخذ من قبل أن يشتد، فهو معتدل.
وكل ما كان من لحم السمك ليس بصلب ولا كثير اللزوجة، والزهومة «٣» ، وما كان مرعاه نقيا من الأوساخ والحمأة، فهو معتدل جيّد الغذاء.
ومن الفواكه التين والعنب إذا استحكم نضجهما على الشجر وأسرعت الانحدار إلى الجوف، كان ما يتولد منها معتدلا، فإن لم تسرع الانحدار فلا خير فيها.
ومن البقول الهندبا، والخس، والهليون.
ومن الأشربة كلها ما كان لونه ياقوتيا صافيا ولم يكن عتيقا جدا.
الأطعمة الحارّة
يحتاج إليها من كان الغالب عليه البرودة، في الأوقات والبلاد الباردين؛ وينبغي أن يتجنبها من كان حارّ البدن، وفي الأوقات الحارّة والبلاد الحارة.
стр. 2523
منها: الحنطة المطبوخة، والخبز المتخذ من الحنطة، والحمص، والحلبة، والسمسم، والشهدانج، والعنب الحلو، والكرفس، والجرجير، والفجل، والسلجم، والخردل، والثوم، والبصل، والكراث، والخمر العتيق.
وأسخن الأشربة الحارّة العتيق الأصفر.
الأطعمة الباردة
ينبغي أن يستعملها من كان حارّ البدن، وفي الأوقات الحارّة والبلد الحارّ.
وهي: الشعير وما يتخذ منه، والجاورس، والدّخن، والقرع، والبطيخ، والخيار، والقثاء، والإجاص، والخوخ، والجمار، وما بين الحموضة والعفوصة «١» ، من العنب، والزبيب، والطلع «٢» ، والبلح، والخس، والهندبا، والبقلة الحمقاء، والخشخاش، والتفاح، والكمثري، والرمان.
فما كان من الرمان عفصا فهو بارد غليظ، وما كان حامضا فهو بارد لطيف.
فأما الخل فهو بارد لطيف، وهو ضارّ بالعصب.
وما كان أيضا من الشراب عفصا فهو أقل حرارة، وما كان من ذلك حديثا غليظا فهو بارد.
الأطعمة اليابسة
يحتاج إلى الأطعمة اليابسة من كان الغالب على بدنه الرطوبة، وفي الأوقات الرطبة والبلد الرطب.
منها العدس، والكرنب، والسويق، وكل ما يشوى ويطبخ ويقلى، وكل ما أكثر فيه السّذاب والمري والخل والإبزار والخردل، ولحم المسنّ من جميع الحيوان.
стр. 2524
الأطعمة الرطبة
يحتاج إلى الأطعمة الرطبة من أفرط عليه اليبس، وفي الأوقات اليابسة والبلاد اليابسة.
وهي: الشعير، والقرع، والبطيخ، والقثّاء، والخيار، والجوز الرطب، والعنب، والنبق، والإجاص، والتوت، والجمار، والخس، والبقلة اليمانية، والقطف «١» ، والباقلي «٢» الرطب، والحمص الرطب، واللوبيا الرطبة وكل ما يطبخ بالماء ويسلق به وتقل فيه الإبزار والخل والمري والسذاب، وجميع لحوم صغار الحيوان.
الأطعمة القليلة الفضول
أجنحة الطيور، وأكارع المواشي ورقابها، ما يربى في البر «٣» من الحيوان في المواضع الجافة.
الأطعمة الكثيرة الفضول
منها لحم الأوز خلا الأجنحة، والأكباد كلها من جميع الحيوان، والنخاع، والدماغ، والطيور التي في الفيافي والآجام، والحمص الطري، والباقلي الطري، ولحم الضأن، ولحم المراضع من كل الحيوان، ولحم كل ساكن غير سريع النهوض، وما كان من السمك على ما ذكرنا صلبا لزجا.
الأطعمة التي غذاؤها كثير
كل ما غلظ من الأطعمة إذا انهضم غذى كثيرا، وكل ما كان له فضول كان غذاؤه كثيرا.
стр. 2525
وقد يحتاج إلى الأطعمة الكثيرة الغذاء من احتاج إلى أن يأخذ طعاما قليلا يغذّي غذاء كثيرا، كالناقة والمسافر، وكالذي يثقل معدته الكثير من الطعام وبدنه يحتاج إلى غذاء كثير.
فمن ذلك لحم البقر، والأدمغة، والأفئدة، وحواصل الطير كلها، والسمك الغليظ اللوح، والسميذ، والباقلي، والحمص، واللوبيا، والترمس، والعدس، والتمر، والبلّوط، والشاة بلّوط «١» ، والسّلجم، تغذو غذاء كثيرا لغلظها- واللبن الحليب، والشراب الأحمر. وغذاء اللبن كله أغلظه وأرقه، أقلّ غذاء.
وأغلظ اللبن لبن البقر ولبن النعاج، وأرقه لبن الاتن «٢» وألبان الّلقاح، وألبان الماعز متوسطة بين ذلك.
وأغذى الأشربة النبيذ الأحمر الغليظ الحلو، ثم الغليظ الأسود الحلو، ثم الغليظ الأبيض الحلو، ثم من بعد هذه الأشربة العفصة الغليظة الحلوة وكل ما مال إلى الحمرة والحلاوة كان أغذى، والأبيض أقلها غذاء.
الأطعمة التي غذاؤها قليل
كل ما كان من الأطعمة لطيفا كان غذاؤه قليلا، وكل ما أفرط فيه اليبس أو الرطوبة، أو كثرة الفضل، قل غذاؤه، كالأكارع، والكروش، والمصارين، والشحم، والآذان، والرئة، ولحم الطير كله، وما ملح من الحيوان- قليل الغذاء لليبس الذي فيه- وكذلك الزيتون، والفستق، والجوز، واللوز، والبندق، والغبيرا «٣» ، والزّعرور «٤» ، والخرّوب، والبطم «٥» ، والكمثري العفص، والزبيب العفص؛ فإنما قلّ غذاؤهما للعفوصة.
следующие страницы →