Полный текст (2 664 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
وأما الباذنجان فإنه غليظ لليبس وللّزوجة في طبعه.
وأما الخبز فإنه غليظ لاجتماع الحالات الثلاث فيه.
فأما السمك الصلب اللزج فإنه غليظ لاجتماع الصلابة واللزوجة فيه.
وأما الآذان والشّفاه وأطراف العضو، فإنها تولد كيموسا لزجا ليس بالغليظ وقد تولد ما يعرض من الأغذية الباردة عن هضمها وتلطيفها، كالذي يعرض من أكل الفاكهة قبل نضجها، ومن أكل الخيار والقثاء، وشحم الأترج واللبن الحامض.
فهذه الأطعمة الغليظة كلها إن صادفت بدنا حارا كثير التعب قليل الطعام كثير النوم بعيد الطعام انهضمت وغذت البدن غذاء كثيرا نافعا، وقوّته تقوية كثيرة.
وأحمد ما تستعمل هذه الأغذية في الشتاء، لاجتماع الحرارة في باطن البدن وطول النوم؛ ومتى أحس أحد في نومه نقصانا بيّنا وأكلها من يجد الحرارة في بدنه قليلة ولا سيما في معدته، ومن تعبه قليل ونومه بعد الطعام قليل- لم يستحكم انهضامها، وتولد منها في البدن كيموس غليظ حار يابس، يتولد منه سدة في الكبد والطحال؛ فلذلك ينبغي لمن أكل طعاما غليظا من غير حاجة إليه لعلة أو شهوة أن يقلّ منه ولا يعوّده، ولا يدمنه.
وما كان من الأطعمة الغليظة له مع غلظه لزوجة، فهو أغذاها للبدن؛ فإن لم ينهضم فهو أكثرها توليدا للسدد.
الأطعمة المتوسطة بين اللطيفة والغليظة
تصلح لمن كان بدنه معتدلا صحيحا، ولم يكن تعبه كثيرا؛ وأجود الأغذية له المتوسطة، لأنها لا تنهكه ولا تضعفه كاللطيفة، ولا تولد خاما «١» ولا سددا كالغليظة.
стр. 2522
وهي كل ما أحكم صنعه من الخبز، ولحوم البقر، والدجاج، والجداء، والحولية من المعز.
وأما لحوم الخرفان والضأن كلها فرطبة لزجة.
وأما لحم فراخ الحمام والقطا فهو يولد دما سخنا وأغلظ من الدم المعتدل.
وأما فراخ الوراشين «١» فإنها مثل فراخ الحمام والقطا «٢» والإوز، فأجنحتها معتدلة وسائر البدن كثير الفضول.
وكل ما كثرت حركته من الطير وكان مرعاه في موضع جيد الغذاء صافي الهواء، كان أجود غذاء وألطف؛ وكل ما كان على خلاف ذلك فهو أردأ غذاء وأوسخ.
وكل ما لم يستحكم نضجه من البيض، وخاصة ما ألقي على الماء الحار وأخذ من قبل أن يشتد، فهو معتدل.
وكل ما كان من لحم السمك ليس بصلب ولا كثير اللزوجة، والزهومة «٣» ، وما كان مرعاه نقيا من الأوساخ والحمأة، فهو معتدل جيّد الغذاء.
ومن الفواكه التين والعنب إذا استحكم نضجهما على الشجر وأسرعت الانحدار إلى الجوف، كان ما يتولد منها معتدلا، فإن لم تسرع الانحدار فلا خير فيها.
ومن البقول الهندبا، والخس، والهليون.
ومن الأشربة كلها ما كان لونه ياقوتيا صافيا ولم يكن عتيقا جدا.
الأطعمة الحارّة
يحتاج إليها من كان الغالب عليه البرودة، في الأوقات والبلاد الباردين؛ وينبغي أن يتجنبها من كان حارّ البدن، وفي الأوقات الحارّة والبلاد الحارة.
стр. 2523
منها: الحنطة المطبوخة، والخبز المتخذ من الحنطة، والحمص، والحلبة، والسمسم، والشهدانج، والعنب الحلو، والكرفس، والجرجير، والفجل، والسلجم، والخردل، والثوم، والبصل، والكراث، والخمر العتيق.
وأسخن الأشربة الحارّة العتيق الأصفر.
الأطعمة الباردة
ينبغي أن يستعملها من كان حارّ البدن، وفي الأوقات الحارّة والبلد الحارّ.
وهي: الشعير وما يتخذ منه، والجاورس، والدّخن، والقرع، والبطيخ، والخيار، والقثاء، والإجاص، والخوخ، والجمار، وما بين الحموضة والعفوصة «١» ، من العنب، والزبيب، والطلع «٢» ، والبلح، والخس، والهندبا، والبقلة الحمقاء، والخشخاش، والتفاح، والكمثري، والرمان.
فما كان من الرمان عفصا فهو بارد غليظ، وما كان حامضا فهو بارد لطيف.
فأما الخل فهو بارد لطيف، وهو ضارّ بالعصب.
وما كان أيضا من الشراب عفصا فهو أقل حرارة، وما كان من ذلك حديثا غليظا فهو بارد.
الأطعمة اليابسة
يحتاج إلى الأطعمة اليابسة من كان الغالب على بدنه الرطوبة، وفي الأوقات الرطبة والبلد الرطب.
منها العدس، والكرنب، والسويق، وكل ما يشوى ويطبخ ويقلى، وكل ما أكثر فيه السّذاب والمري والخل والإبزار والخردل، ولحم المسنّ من جميع الحيوان.
стр. 2524
الأطعمة الرطبة
يحتاج إلى الأطعمة الرطبة من أفرط عليه اليبس، وفي الأوقات اليابسة والبلاد اليابسة.
وهي: الشعير، والقرع، والبطيخ، والقثّاء، والخيار، والجوز الرطب، والعنب، والنبق، والإجاص، والتوت، والجمار، والخس، والبقلة اليمانية، والقطف «١» ، والباقلي «٢» الرطب، والحمص الرطب، واللوبيا الرطبة وكل ما يطبخ بالماء ويسلق به وتقل فيه الإبزار والخل والمري والسذاب، وجميع لحوم صغار الحيوان.
الأطعمة القليلة الفضول
أجنحة الطيور، وأكارع المواشي ورقابها، ما يربى في البر «٣» من الحيوان في المواضع الجافة.
الأطعمة الكثيرة الفضول
منها لحم الأوز خلا الأجنحة، والأكباد كلها من جميع الحيوان، والنخاع، والدماغ، والطيور التي في الفيافي والآجام، والحمص الطري، والباقلي الطري، ولحم الضأن، ولحم المراضع من كل الحيوان، ولحم كل ساكن غير سريع النهوض، وما كان من السمك على ما ذكرنا صلبا لزجا.
الأطعمة التي غذاؤها كثير
كل ما غلظ من الأطعمة إذا انهضم غذى كثيرا، وكل ما كان له فضول كان غذاؤه كثيرا.
стр. 2525
وقد يحتاج إلى الأطعمة الكثيرة الغذاء من احتاج إلى أن يأخذ طعاما قليلا يغذّي غذاء كثيرا، كالناقة والمسافر، وكالذي يثقل معدته الكثير من الطعام وبدنه يحتاج إلى غذاء كثير.
فمن ذلك لحم البقر، والأدمغة، والأفئدة، وحواصل الطير كلها، والسمك الغليظ اللوح، والسميذ، والباقلي، والحمص، واللوبيا، والترمس، والعدس، والتمر، والبلّوط، والشاة بلّوط «١» ، والسّلجم، تغذو غذاء كثيرا لغلظها- واللبن الحليب، والشراب الأحمر. وغذاء اللبن كله أغلظه وأرقه، أقلّ غذاء.
وأغلظ اللبن لبن البقر ولبن النعاج، وأرقه لبن الاتن «٢» وألبان الّلقاح، وألبان الماعز متوسطة بين ذلك.
وأغذى الأشربة النبيذ الأحمر الغليظ الحلو، ثم الغليظ الأسود الحلو، ثم الغليظ الأبيض الحلو، ثم من بعد هذه الأشربة العفصة الغليظة الحلوة وكل ما مال إلى الحمرة والحلاوة كان أغذى، والأبيض أقلها غذاء.
الأطعمة التي غذاؤها قليل
كل ما كان من الأطعمة لطيفا كان غذاؤه قليلا، وكل ما أفرط فيه اليبس أو الرطوبة، أو كثرة الفضل، قل غذاؤه، كالأكارع، والكروش، والمصارين، والشحم، والآذان، والرئة، ولحم الطير كله، وما ملح من الحيوان- قليل الغذاء لليبس الذي فيه- وكذلك الزيتون، والفستق، والجوز، واللوز، والبندق، والغبيرا «٣» ، والزّعرور «٤» ، والخرّوب، والبطم «٥» ، والكمثري العفص، والزبيب العفص؛ فإنما قلّ غذاؤهما للعفوصة.
стр. 2526
وأما السمك، والقرع، والرمان، والتوت، والإجاص، والمشمش، فإنما قل لكثرة رطوبتها؛ وغذاؤها غير باق سريع التحلل.
وأما خبز الشعير، والخشكار «١» . والباقلي الرطب؛ وجميع البقول، مثل الكرنب، والسلق، والحماض، والبقلة الحمقاء، والفجل، والخردل، والحرف، والجزر- فقليل الغذاء، لكثرة الفضل فيها.
وأما البصل، والثوم، والكراث؛ فإنها إذا أكلت نيئة لم تغذ، وإذا طبخت غذّت غذاء يسيرا.
وأما التين، والعنب، فإنهما بين ما قل غذاؤه وما كثر غذاؤه.
الأطعمة التي تولد كيموسا جيدا
كل ما كان معتدلا من الأطعمة لم تفرط فيه قوّة ولم يجاوز القدر فيه، ولد دما خالصا نقيا صحيحا، وكل ما كان كذلك فهو موافق لجميع الأبدان وفي جميع الأوقات، وهو لجميع الأبدان المعتدلة في جميع الأوقات، وفي الأوقات المعتدلة أوفق؛ لأن ما تجاوز الاعتدال من الأبدان يحتاج من الأطعمة إلى ما فيه قوّة تجاوز الاعتدال؛ وكذلك الأبدان المعتدلة في الأوقات التي ليست بمعتدلة.
وفي الأطعمة ما هو غليظ وما هو لطيف وما هو بين ذلك، وأجودها لجميع الناس ما كان معتدلا منها، بين الغليظ واللطيف، وما هو بين ذلك.
وقد وصفنا الأطعمة الغليظة واللطيفة والمتوسطة. ومتى يصلح كل صنف منها؛ فبقي علينا أن نخبر بجملة الأطعمة المولدة الكيموس الجيّد، وقسمتها على ما قسمناها.
فمن ذلك خبز الحنطة النقي المحكم الصنعة إن كان من يومه، ولحم الدجاج،
стр. 2527
والجداء، وحولية الماعز، وما كان من السمك ليس بصلب ولا كثير اللزوجة، وما لم يكن له زهومة «١» ولم يكن له سمن كثير، وما كان مرعاه فيما ليس فيه أوساخ ولا حمأة ولم يكن سريع العفونة، وكل ما اشتد واستحكم نضجه من البيض، وكل شراب طيب الريح ياقوتي اللون ليست فيه حلاوة- كل ذلك يولد كيموسا «٢» معتدلا بين اللطيف والغليظ.
وأما الدراج «٣» ، والفراريج وأجنحة جميع الطير، وما صغر من السمك وكان مرعاه على ما وصفنا، وما ألقي عليه من السمك الملح فصار رخصا وذهبت لزوجته، وماء كشك الشعير، والشراب الطيب الرائحة الاحمر- فكل ذلك جيد الكيموس لطيف.
واما اللبن الحليب فإنه جيد الكيموس، إلا ان فيه غلظا؛ ولذلك ربما تجبن في المعدة؛ فلهذه العلة يخلط به العسل والملح، ويرق بالماء.
وأجود اللبن واعدله لبن الماعز؛ لانه ألطف من لبن الضأن والبقر، وأغلظ من لبن الأتن واللّقاح «٤» .
وينبغي للبن أن يؤخذ من حيوان صحيح شابّ جيد الغذاء.
ولا يحتلب في وقت ما يضع الحيوان، ولا بعد ذلك بزمان طويل لأن اللبن من الحيوان في وقت ما يضع غليظ، ثم يرق بعد ذلك قليلا قليلا حتى يصير مائيا، فلذلك كان أوّله وآخره رديئا.
وأجود ما يؤخذ من اللبن ساعة يحلب، قبل ان يغيره الهواء؛ لانه سريع الاستحالة.
стр. 2528
وأما الخشكار «١» من الخبز الرطب، وكل ما لم تحكم صنعته من الخبز السميذ، وخبز الفرن، ولحم العجل؛ ومن اجزاء الغنم الضرع والكبد والفؤاد، ومن الحبوب الباقلي، ومن الشراب ما كان طيب الرائحة حلوا- فكل ذلك يولد كيموسا غليظا جدّا.
الأطعمة التي تولد كيموسا «٢» رديئا
كل ما لم يكن معتدلا من الاغذية لم يولّد دما خالصا صافيا.
والأطعمة الرديئة الكيموس ثلاثة أصناف: منها ما يزيد في البلغم، ومنها ما يزيد في الصفراء، ومنها ما يزيد في السوداء.
وينبغي لجميع الناس ان يجتنبوا الإكثار منها وادمان استعمالها وإن كانوا لها مستمرئين؛ لأنها وإن لم يتبين لها ضرر في عاجل الامر، يجتمع منها في بدن مدمن استعمالها مع طول الزمان كيموس رديء، وكذا امراض رديئة، واولى الناس بتجنّب كل صنف من أصنافها من كان الغالب على بدنه ما يزيد فيه ذلك الصنف.
فأقول: إن كل ما يتخذ من الخبز من دقيق كثير النخالة، أو ما عتق من الحنطة- رديء الكيموس يزيد في السوداء.
ولحم الضأن كله يزيد في البلغم، ولحم الماعز المسن كله يزيد في السوداء، وأردؤه لحم التيوس. ولحم البقر والجزور والارانب والظباء والايايل «٣» - كل هذا يزيد في السوداء؛ وشرّ هذه اللحوم لحم الجزور، وبعده لحم التيوس، لا سيما ما لم يخص منها، وبعده لحم المسن من الضأن، وبعده لحم البقر؛ وكل ما خصي من هذه كان أجود غذاء.
стр. 2529
وأما لحوم الارانب والظباء والايايل، فهو دون جميع ما ذكرنا من الرداءة. ومن أعضاء الحيوان: الكلى، رديئة الكيموس، لزهومتها وما استفادت من رداءة البول.
والدماغ يزيد في البلغم، وكل البطون يزيد في البلغم، لكثرة الزلال فيها.
والبيض المطجّن «١» يولد غذاء غليظا فاسدا، وكذلك الجبن، ولا سيما ما عتق منها. والعدس يزيد في السوداء.
والدخن»
والجاورس يولدان دما غليظا.
وما صلب لحمه من السمك وغلبت عليه اللزوجة يولد البلغم، فإن ملح وعتق يولد السوداء.
والتين اليابس إن اكثر اكله ولد فضلا عفنا يكثر منه القمل.
والكمثري والتفاح إن اكلا غير نضجين ولدا كيموسا رديئا، وكذلك القثاء والخيار؛ فأما البطيخ والقرع فربما انهضما ولم يحدثا في البدن حدثا رديئا، وربما فسدا في المعدة فولّدا كيموسا رديئا، ولا سيما إن صادفا في المعدة فضلا رديئا؛ فلذلك تعرض الهيضة «٣» كثيرا من أكل البطيخ.
والبقول كلها رديئة الكيموس، لكثرة الفضل فيها وقلة الغذاء.
وأما البصل والثوم والكراث والفجل والجوز والسلجم، فرديئة لما فيها من الحرارة والحرافة، وربما زادت في الصفراء، وربما زادت في السوداء أيضا كما ذكرت آنفا، إلا انها إن طبخت وصب ماؤها وطبخت بماء ثان، ذهبت الحرافة والرداءة عنها.
والباذروج «٤» يسخّن الدم ويجففه تجفيفا شديدا.
стр. 2530
والكرنب «١» يولد السوداء، وكذلك جميع البقول الرديئة.
الاطعمة المتوسطة الكيموس
وهي بين ما يولد الكيموس الجيد وما يولد الكيموس الرديء. فمنها خبز الخشكار، ولحم الخصيان من المعز والضأن.
ومن الأعضاء: اللسان والامعاء والذنب.
ومن الفاكهة: العنب والبطيخ- والمعلق من العنب أجود- والتين، واليابس من الجوز، والشاه بلوط.
ومن البقول الخس، وبعده الهندبا، وبعده الخبازي، وبعده القطف والبقلة الحمقاء اليمانية، والحامض، وما لم يكن فيه حدّة كثيرة من الأصول.
الاطعمة السريعة الانهضام
إنما يسرع الانهضام لاحد وجهين: فالوجه الاول منها إذا كانت الاطعمة غير يابسة كالعدس، ولا صلبة كالترمس، ولا لزجة كالحنطة، ولا خشنة كالسمسم، ولا كريهة كالسذاب، ولا كثيرة الفضول كالأرز، ولا يغلب عليها برد شديد كاللبن الحامض، ولا حرّ شديد كالعسل.
والوجه الثاني لطبيعة البطن المستمرىء لها، وذلك لاحد وجهين: الاول موافقة الأغذية، ومشاكلة الأبدان الطبيعية، كالأطعمة التي يشتهيها ويلذها الإنسان؛ فقد تجد الناس يختلفون في شهواتهم، ويستمرىء كل واحد منهم ما شهوته إليه أميل، وإن كان الذي لا يشتهيه احمد من الذي يشتهيه. والوجه الثاني: لمزاج عارض يصادف من الاطعمة مضادة، كالذي ترى ان من غلب عليه الحر لعلة من العلل، كان للاطعمة الباردة أشد استمراء، لما يطفىء من حرارة البدن، ويعدل البدن؛ ومن غلب عليه البرد
стр. 2531
استمرأ الحارّ ولم يستمرىء البارد؛ ومن رطب بدنه كله أو معدته استمرأ الأطعمة الجافة ولم يستمرىء الرطبة؛ وم عرض له اليبس خلاف ذلك.
فقد بان بما ذكرناه ان الاطعمة اللطيفة والمتوسطة في نفسها سريعة الانهضام وقد يجوز ان تكون الاطعمة الغليظة أسرع انهضاما في بعض الابدان أيضا؛ فقشر الخبز المحكم، ولحم الدجاج، والفراريج، والدراج، والحجل، وكبود الاوز، واجنحتها- سريعة الهضم.
وفي الجملة الجناح من كل طائر أسرع انهضاما من سائره، وليس في الطير كلها أسرع انهضاما من المواشي؛ وكل ما كان من الحيوان يابسا فصغيره أسرع انهضاما؛، وكذلك لحم العجاجيل «١» أسرع من لحم البقر، ولحم الجدي الحولي اسرع انهضاما من لحم المسن من الماعز؛ وكل ما كان من الحيوان أرطب فكبيره من قبل أن يسن أسرع انهضاما من صغيره؛ الا ترى ان الحولي من الضأن اسرع انهضاما من الخروف؟ وكل ما كان مرعاه من المواضع اليابسة كان اسرع انهضاما مما مرعاه في المواضع الرطبة؛ وكل ما كان جرمه «٢» متخلخلا فهو أسرع انهضاما مما كان جرمه متلزّزا، ولذلك كان الجوز أسرع انهضاما من البندق، والبيض الحارّ أمرأ من البيض البارد، والشراب الحلو أمرأ من العفص «٣» .
الاطعمة البطيئة الانهضام
إنما يعسر الانهضام من الطبيعة في الطعام إذا كان يابسا، او صلبا، او لزجا، او متلزّزا «٤» ، او كثير الدسم، أو كثير الفضول، أو كريه الطعم، أو الحرافة فيه مفرطة، او البرد، او الحر، او مخالفا للمزاج الطبيعي إذا لم يشته.
стр. 2532
فلحم البقر، ولحم الإبل، والكروش، والامعاء، والاوز، والآذان من جميع الحيوان، والجبن، والبيض البارد- عسرة الانهضام، ليبسها وصلابتها.
وكذلك من الطير: الوراشين، والفواخت «١» ، والطواويس، والقوانص من جميع الطير- عسرة الانهضام.
ومن الحبوب: الارز، والتّرمس، والعدس، والدّخن، والجاورس، والبلّوط، والشاه بلّوط.
وأما لحم التيوس وأكارع البقر، فعسرة الانهضام لزهومتها «٢» وكراهتها.
وأما لحم الضأن، والكبود من جميع الحيوان، والاوز- فلكثرة الفضول فيها.
وأما الجبن الحامض فلبرده.
وأما الحنطة المصلوفة فللزوجتها وتلززها.
وأما الباقلاء واللوبياء فلكثرة النفخ فيها.
وأما السمسم فلكثرة دهنه.
وأما العنب والتين وسائر الفواكه إذا لم يستحكم نضجها، والاترج والباذورج «٣» ، والسلجم، والجوز، والشراب الحديث الغليظ- فلكثرة الفضول فيها.
الاطعمة الضارة للمعدة
السّلق رديء للمعدة، للذعه إياها ولما فيه من الحدة البورقية.
والباذورج والسلجم ما لم يستقص طبخهما، للذع فيهما.
стр. 2533
والبقلة اليمانية والقطف، للزوجتهما. فلذلك ينبغي ان يؤكلا بالخل، والمري.
والحلبة رديئة للمعدة للذعها إياها.
والسمسم رديء للمعدة، للزوجته وكثرة دهنه.
واللبن لسرعة استحالته في المعدة.
والعسل ما اكثر منه لذع المعدة وغثاها.
والبطيخ أيضا يغثي، إذا لم ينضج في المعدة ولد كيموسا رديئا: فينبغي بعد أكل البطيخ أن يأكل طعاما كثيرا جيد الكيموس.
والادمغة ايضا كلها رديئة للمعدة، فلذلك ينبغي أن تؤكل بالصعتر والفوذنج البرّي والخردل، والملح، وكذلك المخاخ.
والنبيذ الحديث الغليظ الاسود العفص يسرع الحموضة في المعدة ويغثي.
الاطعمة التي تفسد في المعدة
المشمش، والسمسم، والتوت، والبطيخ- إذا لم يسرع انحدارها عن المعدة وصادفت كيموسا رديئا أسرع إليها الفساد؛ فيجب ان تؤكل قبل الطعام والمعدة نقية ليسرع انحدارها عنها ويسهل الطريق لما يؤكل بعدها من الطعام، فإن أكلت بعد الطعام فسدت لبقائها في المعدة، وأفسدت سائر الطعام بفسادها، وربما بلغ الفساد بها إلى أن تصير بمنزلة السم القاتل.
الاطعمة التي لا يسرع إليها الفساد في المعدة
من كان يفسد طعامه في معدته، فأجود الاطعمة له ما كان غليظا بطيء الانحدار مثل لحم البقر وأكارعها، وما أشبه ذلك مما ذكرناه من الاطعمة الغليظة.
стр. 2534
الاطعمة الملينة المسهلة للبطن
كل ما كان من الاطعمة فيه حلاوة او حدّة او ملوحة أو لزوجة؛ فمن ذلك ماء العدس وماء الكرنب، يلينان الطبع، وجرمهما يمسك البطن؛ وكذلك مرقة الهرمة، وخبز الخشكار «١» مع العسل، وزيتون الماء إذا كان قبل الطعام مع مري- ليّن البطن؛ فإذا كان أيضا مع الطعام بلا مري، فإنه يقوي المعدة على دفع الطعام لعفوصته. وكذلك ما عمل بالخل منه- وكل طعام عفص فإنه دابغ للمعدة مقوّ لها- فأما اللبن وماء الجبن فيلينان البطن، ولا سيما إذا خلط بهما الملح.
ولحم الصغير من الحيوان، والسلق، والقطف، والبقلة اليمانية، والقرع، والبطيخ، والتين، والزبيب الحلو؛ والتوت الحلو، والجوز الرطب، والإجاص الرطب والسّكنجبين «٢» ، والنبيذ الحلو- ملين للبطن.
الاطعمة التي تحبس البطن
إذا كان الطعام ينحدر عن المعدة قبل انهضامه احتجنا إلى الاطعمة الممسكة الحابسة للبطن.
وكل ما غلب عليه من الاطعمة اليبس او العفوصة او الغلظ، كالسفرجل، والكمثري، وحب الآس، وثمر العوسج، وجرم «٣» العدس، والبلّوط، والشاه بلّوط، والنبيذ العفص- يمسك البطن، لعفوصته وقبضه.
والجاورس، والدخن، وسويق الشعير- تمسك البطن بيبوستها.
ولحم الارانب، والكرنب المطبوخ بعد صب مائه الاول عنه ثم يطبخ بماء ثان- فإنه يمسك البطن ليبسه.
стр. 2535
واللبن المطبوخ، والجبن- كلاهما يمسك البطن لغلظه؛ وذلك ان يطبخ اللبن حتى تفنى مائيتّه، ويبقى جرمه، وربما ولد سددا في الكبد وحجارة في الكلى.
وأما الاشياء الحامضة، كالتفاح الحامض، والرمان الحامض- فإن صادفت في المعدة كيموسا غليظا قطعته وحدرته ولينت البطن، وإن صادفت المعدة نقية امسكت البطن.
الاطعمة التي تولد السدد
اللبن الغليظ، والجبن- ربما احدثا سددا في الكبد وحجارة في الكلى لمن اكثر استعمالهما وكانت كلاه وكبده مستعدة لقبول الآفات.
وجميع الاطعمة الحلوة رديئة للكبد والطحال، فإذا اكل معها الفوذنج الجبلي والصعتر، والفلفل- فتح سدد الكبد، والطحال.
والرطب، والتمر، وجميع ما يتخذ من الحنطة سوى الخبز الجيد المضغة، والاشربة الحلوة أيضا- تولّد سددا في الكبد، وحجارة في الكلى، وتغلظ الطحال.
الاطعمة التي تجلو المعدة وتفتح السدد
ماء الكشك، كشك الشعير، يجلو المعدة ويفتح السدد.
والحلبة، والبطيخ، والزبيب الحلو، والبقلاء، والحمص الاسود- ينقي الكلى ويفتت الحجارة المتولدة فيها.
والكبر «١» بالخل، والعسل إذا اكل قبل الطعام- فإنه يجلو وينقي المعدة والامعاء، ويفتح السدد.
والسلق أيضا يجلو ويفتح السدد في الكبد، لا سيما إذا اكل بخردل.
стр. 2536
والبصل، والثوم، والكراث، والفجل- يقطع ويلطف الكيموس «١» الغليظ.
والتين، رطبه ويابسه، يجلو وينقي الكلى.
واللوز كله! ولا سيما المرّ منه- فإنه يجلو ويلطف ويفتح سدد الكبد والطحال، ويعين على نفث الرطوبة من الصدر والرئة.
والنبيذ اللطيف إذا كانت له حدة وحرافة- يصفي اللون، وينقي العروق من الكيموس الغليظ، وينتفع به من كان يجد في بدنه كيموسا غليظا باردا.
وأما النبيذ الرقيق فإنه يعين على نفث الرطوبة من الرئة، بتقويته الاعضاء وتلطيف ما فيها من الفضل الغليظة، وقد يفعل ذلك النبيذ الحلو.
الاطعمة التي تنفخ
الحمص، والباقلاء، ولا سيما إن طبخ بقشره، فإن طبخ مقشرا او مسحوقا كان أقل نفخا، وإن قلي أيضا كان أقل نفخا، وبعد هذه اللوبياء، والماش، والعدس، والشعير، إذا لم ينعم طبخها.
والنّعناع، والانجذان، والحلتيت «٢» ؛ والتين الرطب يولّد نفخا إلا انه ينحل سريعا لسرعة انحداره.
وما استحكم نضجه من التين والعنب كان أقل نفخا، ويابس التين اقل نفخا من رطبه.
стр. 2537
واللبن يولّد رياحا في المعدة.
والعسل إذا طبخ ونزعت رغوته قل نفخه.
والنبيذ الحلو العفص يولد نفخا.
ما يذهب النفخ من الاطعمة
كل طعام نافخ إذا احكمت صنعته وأجيد طبخه وإنضاجه قل نفخه، وكل ما قلي منه قل نفخه، وكل ما خلط به الابازير المحللة للرياح، كالكمون، والسذاب والانيسون، والكاشم «١» - يقل نفخه؛ والخل الممزوج بالعسل يلطف الرياح.
كتاب إسحاق بن عمران إلى بعض اخوانه
كتب إسحاق بن عمران المعروف بسمّ ساعة إلى رجل من اخوانه:
اعلمك- رحمك الله- ان الخام والبلغم يظهران على الدم والمرة بعد الاربعين سنة فيأكلانهما، وهما عدوا الجسد وهادماه، ولا ينبغي لمن خلف الاربعين سنة ان يحرك طبيعة من طبائعه غير الخام والبلغم، ويقوّي الدم جاهدا، غير أنه ينبغي له في كل سبع سنين ان يفجر من دمه شيئا، ومن المرة مثل ذلك، لقلة صبره على الطعام اللذيذ والمشروب الرويّ، فتعاهد اصلحك الله ذلك من نفسك، واعلم ان الصحة خير من المال والاهل والولد، ولا شيء بعد تقوى الله خير من العافية. ومما تأخذ به نفسك وتحفظ به صحتك، ان تلزم ما اكتب به إليك:
في شهر ينير «٢» : لا تأكل السلق، واشرب شرابا شديدا كل غداة.
стр. 2538
وفي شهر فبرير: لا تأكل السلق.
وفي مارس: لا تأكل الحلواء كلها وتشرب الأفسنتين «١» في الحلاوة.
وفي أبريل: لا تأكل شيئا من الاصول التي تنبت في الأرض، ولا الفجل.
وفي مايه: لا تأكل رأس شيء من الحيوان.
وفي يونيه: تشرب الماء البارد بعد ما تطبخه وتبرده على الريق.
وفي يوليه: تجنب الوطء.
وفي أغشت: لا تأكل الحيتان.
وفي سبتمبر: تشرب اللبن البقري.
وفي أكتوبر: لا تأكل الكراث نيئا ولا مطبوخا.
وفي نبنبر: لا تدخل الحمام.
وفي دجنبر: لا تأكل الارانب.
زعم علماء الطب ان في الجسد من الطبائع الاربع اثني عشر رطلا فللدم منها ستة أرطال، وللمرة والسوداء والبلغم ستة أرطال، فإن غلب الدم والطبائع تغير منه الوجه وورم، وخرج ذلك إلى الجذام؛ وإن غلبت تلك الطبائع الدم أنبتت المرّة.
قال: فإذا خاف الإنسان غلبة هذه الطبائع بعضها بعضا، فليعدل جسده بالاقتصاد وينقيه بالمشي. فإنه إن لم يفعل اعتراه ما وصفناه، إما جذام وإما مرة، نسأل الله العافية.
ولا بأس بعلاج الجسد في جميع الازمان إلا ايام السموم، إلا أن ينزل فيها مرض شديد لا بدّ من مداواته، او يظهر فيها موم «٢» ، أو ذات الجنب، فإنه ينبغي للطبيب أن يعانيه «٣» بفصاد او شيء خفيف، فإنها ايام ثقيلة، وهي [من] خمسة عشر يوما من تموز إلى النصف من آب، فذلك ثلاثون يوما لا يصلح فيها علاج- وكان
стр. 2539
بقراطيس يجعلها تسعة وأربعين يوما- يقطع الغرر والخطر في ايام القيظ، فإذا مضى لا يلول ثلاثة أيام طاب التداوي كله.
وأمر جالينوس في الربيع بالحجامة، والنورة، وأكل الحلاوة وشربها؛ ونهى عن القطانّي «١» ، واللبن الرائب، وعتيق الجبن، والمالح، والفاكهة اليابسة إلا ما كان مصلوقا....
وفي القيظ- وهو زمان المرة الحمراء- يأكل البارد الرطب على قدر قوّة الرجل في طبعه وسنه، وترك الجماع، وأكل الحوت الطري، والفاكهة الرطبة، والبقول؛ ولحم البقر والمعز؛ ومن القطاني العدس، ومن الاشربة المربب بالورد والسّكركة «٢» من الشعير، والسكر بالماء المطبوخ، وأكل الكزبرة الخضراء في الاطعمة، وأكل الخيار والبطيخ، ولزوم دهن الورد وماء الورد، ورش الماء وبسط البيت بورق الشجر، ومن الدواء السكر بالمصطكا، يسحقهما مثلا بمثل ويأخذهما على الريق قدر الدرهم أو اكثر قليلا ...
وفي زمان الخريف- وهو زمان السوداء، وهو أثقل الازمنة على اهل تلك الطبيعة- من الطعام والشراب بالحار الرطب، مثل الاحساء بالحلاوة، وأكل العسل وشربه؛ ونهى فيه عن الجماع، وأكل لحم المعز والبقر، وأمر بأكل صنوف حيوان البر والبحر، وحسو البيض، والدهن قبل الحمام، وإتيان النساء على غير شبع في آخر الليل وفي أول النهار، والتماس الولد على الريق من الرجل والمرأة فإن اولاد ذلك الزمان اشد وأقوى تركيبا، من غيرهم، كما قالت الحكماء.
الخمر المحرمة في الكتاب
اجمع الناس على ان الخمر المحرمة في الكتاب خمر العنب، وهي ما غلي وقذف
стр. 2540
الزبد من عصير العنب، من غير أن تمسه نار، ولا يزال خمرا حتى يصير خلا، وذلك إذا غلبت عليه الحموضة وفارقتها النشوة؛ لأن الخمر ليست محرّمة العين كما حرمت عين الخنزير، وإنما حرمت لعرض دخل لها، فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالا كما كانت قبل الغليان حلالا، وعينها في كل ذلك واحدة، وإنما انتقلت أعراضها من حلاوة إلى مرارة، ومن مرارة إلى حموضة، كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضة إلى حلاوة والعين قائمة، وكما ينتقل طعم الماء بطول المكث فيتغير طعمه وريحه والعين قائمة.
ونظير الخمر فيما يحل ويحرم بعرض: المسك الذي هو دم عبيط «١» حرام، ثم يجف ويجدد رائحة فيصير حلالا طيبا، فهذه الخمر بعينها المجمع على تحريمها؛ وأصحاب النبيذ إنما يدورون حولها ويتعللون أنهم يشربون ما دون المسكر، ولا لذة لهم دون موافقة المسكر كما قال الشاعر:
يدورون حول الشّيخ يلتمسونه ... بأشربة شتى هي الخمر تطلب
وقول القائل:
إياك أعني فاسمعي يا جاره
قيل للاحنف بن قيس: أي الشراب اطيب؟ فقال: الخمر. قيل له: وكيف علمت ذلك وأنت لم تشربها؟ قال: إني رأيت من أحلت له لا يتعدّاها، ومن حرمت عليه إنما يدور حولها! وقال ابن شبرمة:
ونبيذ الزّبيب، ما اشتدّ منه ... فهو للخمر والطّلاء نسيب «٢»
стр. 2541
وقال عبد اللَّه بن القعقاع:
أتانا بها صفراء يزعم أنّها ... زبيب، فصدقناه وهو كذوب
فهل هي إلا ساعة غاب نحسها ... أصلّي لربي بعدها وأتوب
وقال ابن شبرمة: أتانا الفرزدق، فقال: اسقوني. فقلنا: وما تريد أن نسقيك؟
قال: أقربه إلى الثمانين. يعني حدّ الخمر.
أنواع الشراب
وقال قيصر لقس بن ساعدة: أي الاشربة أفضل عاقبة في البدن؟ قال: ما صفا في العين، واشتدّ على اللسان، وطابت رائحته في الانف من شراب الكرم. قيل له:
فما تقول في مطبوخه؟ فقال: مرعى ولا كالسعدان. قيل له: فما تقول في نبيذ التمر؟ قال: ميت احيا فيه بعض المنعة، ولا يكاد يحيا من مات مرة. قيل له: فما تقول في العسل؟ قال: نعم شراب الشيخ ذي الابردة «١» والمعدة الفاسدة.
الوليد وابن شراعة
علي بن عياش قال: إني عند الوليد بن يزيد في خلافته، إذا أتي بابن شراعة من الكوفة، فو اللَّه ما سأله عن نفسه ولا سفره حتى قال له: يا ابن شرّاعة، إني واللَّه ما بعثت إليك لأسألك عن كتاب اللَّه ولا سنة رسوله. قال: فو اللَّه لو سألتني عنهما لا لفيتني فيهما حمارا! قال: وإنما أرسلت إليك لأسألك عن القهوة، قال: دهقانها «٢» الخبير، وطبيبها العليم! قال: فاخبرني عن الطعام؟ قال: ليس لصاحب الشراب على الطعام حكم، غير ان انفعه واشهاه أمرؤه. قال: فما تقول في الشراب؟ قال: ليسأل أمير المؤمنين عما بدا له. قال: فما تقول في الماء؟ قال: لا بد لي منه! والحمار شريكي فيه. قال: فما تقول في السّويق «٣» ؟ قال: شراب الحزين والمستعجل والمريض. قال:
стр. 2542
فما تقول في اللبن؟ قال: ما رأيته قط الا استحييت من أمي! من طول ما أرضعتني به قال: فنبيذ التمر؟ قال: سريع الامتلاء سريع الانفشاش. قال: فنبيذ الزبيب؟ قال:
جاموا به على الشراب. قال: ما تقول في الخمر؟ قال: أوّه! تلك صديقة روحي! قال: وانت واللَّه صديق روحي. [ثم] قال: وأيّ المجالس أحسن؟ قال: ما شرب الناس على وجه قط أحسن من السماء!
الرشيد والاصمعي
قال الاصمعي: دخلت على الرشيد وهو في الفرش. منغمس كما ولدته امه؛ فقال لي: يا أصمعي، من أين طرقت اليوم؟ قال: قلت: احتجمت. قال: وأي شيء اكلت عليها؟ قلت: سكباجة «١» وطباهجة «٢» . قال: رميتها بحجرها. [ثم] قال: هل تشرب؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين.
اسقني حتى تراني مائلا ... وترى عمران ديني قد خرب
قال: يا مسروق، أي شيء معك؟ قال: ألف دينار. قال: ادفعها إليه!.
آفات الخمر وخبائثها
أول ذلك انها تدهب العقل، وأفضل ما في الإنسان عقله، وتحسن القبيح وتقبح الحسن.
قال أبو نواس:
اسقني حتى تراني ... حسن عندي القبيح
وقال أيضا:
اسقني صرفا حميّا ... تترك الشيخ صبيا
стр. 2543
وتريه الغيّ رشدا ... وتريه الرّشد غيا!
وقال أيضا:
عتّقت في الدّنّ حولا ... فهي في رقة ديني «١»
وقال الناطق بالحق:
تركت النّبيذ وأصحابه ... وصرت خدينا لمن عابه»
شراب يضلّ سبيل الرشاد ... ويفتح للشّرّ أبوابه
وإنما قيل لمشارب الرجل: نديم، من الندامة؛ لان معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه؛ فقيل لمن شاربه: نادمه؛ لأنه فعل مثل ما فعله، فهو نديم له؛ كما يقال:
جالسه فهو جليس له؛ والمعاقر: المدمن، كأنه لزم عقر الشيء أي فناءه.
وقال ابو الاسود الدؤلي:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها
فإن لا تكنها او تكنه فإنّه ... أخوها غذته أمّه بلبانها «٣»
أصحاب الشراب
وقد شهر اصحاب الشراب بسوء العهد. وقلة الحفاظ، وأنهم صديقك ما استغنيت حتى تفتقر، وما عوفيت حتى تنكب. وما غلب دنانك حتى تنزف، وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك؛ قال الشاعر:
أرى كلّ قوم يحفظون حريمهم ... وليس لاصحاب النّبيذ حريم
إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم ... وكلّهم رثّ الحبال سئوم
إذا جئتهم حيّوك ألفا ورحّبوا ... وإن غبت عنهم ساعة فذميم
فهذا بياني لم أقل بجهالة ... ولكنّني بالفاسقين عليم
стр. 2544
وقال قصيّ بن كلاب لبنيه: اجتنبوا الخمر، فإنها تصلح الأبدان، وتفسد الاذهان.
وقيل لعدي بن حاتم: مالك لا تشرب الخمر؟ قال: لا أشرب ما يشرب عقلي! وقيل له: مالك لا تشرب النبيذ؟ قال: معاذ اللَّه أن أصبح حليم قومي وأمسي سفيههم! وقال يزيد بن الوليد: النشوة تحلّ الحبوة «١» .
وقيل لعثمان بن عفان ﵁: ما منعك من شرب الخمر في الجاهلية ولا حرج عليك فيها؟ قال: إني رأيتها تذهب العقل جملة، وما رأيت شيئا يذهب جملة ويعود جملة.
وقال أيضا: ما تغنّيت، ولا تفتّيت «٢» ، ولا شربت خمرا، ولا مسست فرجي بيدي، بعد أن خططت بها المفصّل «٣» .
عبد العزيز بن مروان ونصيب
وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن رباح: هل لك فيما يثمر المحادثة؟ يريد المنادمة. قال: أصلح اللَّه الامير، الشعر مفلفل، واللون مرمد، ولم أقعد إليك بكرم عنصر، ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت أن لا تفرّق بينهما فافعل! وربما ذهبت الكأس بالبيان، وغيرت الخلقة، فيعظم أنف الرجل ويحمّر ويترهّل.
وقال جرير في الأخطل:
стр. 2545
وشربت بعد أبي ظهير وابنه ... سكر الدّنان كأنّ انفّك دمل «١»
شبه بالدم في ورمه وحمرته.
وقال آخر في حماد الرواية:
نعم الفتى لو كان يعرف وجهه ... ويقيم وقت صلاته حمّاد
هدلت مشافره الدّنان، فأنفه ... مثل القدوم يسنّها الحدّاد
وابيض من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد
في أمية بن عبد اللَّه وعبد الملك
ودخل أمية بن عبد اللَّه [بن خالد] بن أسيد على عبد الملك بن مروان وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ فقال: قمت بالليل فأصاب الباب وجهي! فقال عبد الملك:
رأتني صريع الخمر يوما بسوئها ... وللشّاربيها المدمنيها مصارع
[قال] فقلت: لا آخذ اللَّه أمير المؤمنين بسوء ظنه! فقال! بل: آخذك اللَّه بسوء مصرعك!.
وقال حسان بن ثابت:
تقول شعثاء: لو صحوت عن ال ... كأس لا صبحت مثري العدد
أنسي حديث النّدمان في فلق الصّب ... ح وصوت المسامر الغرد
لا أحدس الحدس الجليس ولا ... يخشى نديمي إذا انتشيت يدي
وقال ابن الموصلي:
سلام على سير القلاص مع الرّكب ... ووصل الغواني والمدامة والشّرب «٢»
سلام امرىء لم تبق منه بقيّة ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
لعمري لئن نكبت عن منهل الصّبا ... لقد كنت ورّادا لمنهله العذب
стр. 2546
ليالي أمشي بين برديّ لاهيا ... أميس كغصن البانة الناعم الرّطب «١»
الحسن بن زيد وابراهيم بن هرمة
ويروى أن الحسن بن زيد لما ولي المدينة قال لابراهيم بن هرمة: لا تحسبني كمن باع لك دينه رجاء مدحك وخوف ذمّك، فقد رزقني اللَّه بولادة نبيّه الممادح وجنّبني القبائح، وإن من حقه عليّ أن لا أغضي على تقصير في حقّه وإني اقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنّك حدين: حدّ الخمر، وحدّ السكر؛ ولازيدنك لموضع حرمتك بي، فليكن تركك لها للَّه تعن عليه، ولا تجعله للناس فتوكل إليهم، فنهض ابن هرمة وقال:
نهاني ابن الرسول عن المدام ... وأدّبني بآداب الكرام
وقال لي اصطبر عنها ودعها ... لخوف اللَّه لا خوف الأنام
وكيف تصبّري عنها وحبّي ... لها حبّ تمكّن في عظامي
أرى طيب الحلال عليّ خبثا ... وطيب النفس في خبث الحرام
زياد وحارثة ابن بدر
وذكروا ان حارثة بن بدر الغداني كان فارس بني تميم، وكان قد غلب على زياد، وكان الشراب قد غلب عليه؛ فقيل لزياد: إن هذا قد غلب عليك، وهو رجل مستهتر بالشراب! فقال لهم: كيف اطّراحي لرجل ما راكبني قط فمست ركبتي ركبته، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت إليه عنقي، ولا سألته عن شيء قط إلا وجدت علمه عنده!.
فلما مات زياد جفاه ولده عبيد اللَّه بن زياد؛ قال له حارثة: أيها الامير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بحالي عند أبي المغيرة؟ فقال له عبيد اللَّه: إن أبا المغيرة قد برع بروعا لا يلحقه معه عيب؛ وأنا حدث، وإنما أنسب إلى من تغلب عليّ، وانت تديم
стр. 2547
الشراب، فدع النبيذ وكن أول داخل وآخر خارج. فقال حارثة: أنا لم أدعه للَّه، أفأدعه لك؟ قال: فاختر من عملي ما شئت. قال: ولني رامهرمز؛ فإنها أرض عذية «١» ، أو سرّق؛ فإن بها شرابا وصف لي عنها. فولاه إياها، فلما خرج شيعه الناس، وكتب إليه أنس بن أبي أنيس:
أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
ولا تحقرن يا حار شيئا تخونه ... فحظك من ملك العراقين سرّق
وبار تميما بالغنى إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق «٢»
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب ... يقول بما يهوى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... ولو قيل يوما حققوا لم يحقّقوا
وقّع حارثة في أسفل كتابه: لا بعد عنك الرشد.
حارثة بن بدر في حرب الازارقة
ولما خرجت الازارقة على اهل البصرة، لاقاهم حارثة بن بدر وتولى حربهم في أصحابه من فرسان بني يربوع، حتى أصيب في تلك الحروب. وقال فيه الشاعر:
فلولا ابن بدر للعراقين لم يقم ... لما قام فيه للعراقين إنسان
إذا قيل من حامي الحقيقة أو مأت ... إليه معد بالأكفّ وقحطان
وقال الشاعر:
شربنا من الذّاذيّ حتى كأننا ... ملوك لهم في كلّ ناحية وفر «٣»
فلما اعتلت شمس النهار رأيتنا ... تخلّى الغنى عنا وعاودنا الفقر
وكان أبو الهندي من ولد شبث بن ربعيّ الرياحي من بني يربوع وكان قد غلب
стр. 2548
عليه الشراب على كريم منصبه، حتى كاد يبطله، وكان قد ضاف «١» على راع يسمى سالما، فسقاه قدحا من لبن، فكرهه وقال:
سيغني أبا الهنديّ عن وطب سالم ... أبارق كالغزلان بيض نحورها
مفدّمة قزّا كأن رقابها ... رقاب كراك أفزعتها صقورها «٢»
فما ذرّ قرن الشمس حتى كأنما ... أرى قرية حولي تزلزل دورها
وكان عجيبا بالجواب، فجلس إليه رجل كان صلب أبوه في جناية، فجعل يعرّض له بالشراب، فقال ابو الهندي: احدهم يبصر القذى في عين أخيه ولا يبصر الجذع المعترض في است ابيه.
ولقيه نصر بن سيار والي خراسان وهو يميد سكرا، فقال له: أفسدت مروءتك وشرفك! قال لو لم أفسد مرؤتي لم تكن أنت والي خراسان!.
ومرض ابو الهندي، فلما وجد فقد الشراب جعل يبكي ويقول:
رضيع المدام فارق الراح روحه ... فظلّ عليها مستهلّ المدامع
أديرا عليّ الكأس إني فقدتها ... كما فقد المفطوم درّ المراضع
وكان يشرب مع قيس بن أبي الوليد الكناني، وكان أبو الوليد ناسكا؛ فاستعدى عليه وعلى ابنه، فهرب منه، وقال فيه ابو الهندي:
قل للسّريّ ابن هند ظلت تواعدنا ... ودارنا أصبحت من داركم صددا
أبا الوليد أما واللَّه لو عملت ... فيك الشّمول لما فارقتها أبدا «٣»
ولا نسيت حميّاها ولذّتها ... ولا عدلت بها مالا ولا ولدا «٤»
وشرب أبو الهندي في غرفة مع نديم له، فاطّلع منها فإذا بميّت يزفّ به على
стр. 2549
شرجع «١» ، فالتفت إلى صاحبه فقال:
اصبب على قلبك من بردها ... إني أرى الناس يموتونا
فكان هذا القول منه [أمارة] على [عدم] اتعاظه بالموت.
وقال عبد الرحمن بن ام الحكم:
وكأس ترى بين الأثافي وبينها ... قذى العين، قد نازعت أمّ أبان «٢»
ترى شاربيها حين يعبق ريحها ... يميلان أحيانا ويعتدلان
فما ظنّ ذا الواشي بأروع ماجد ... وعذراء خود حين يلتقيان ...
دعتني اخاها أمّ مرو ولم أكن ... اخاها ولم أرضع لها بلبان
دعتني اخاها بعد ما كان بيننا ... من الامر ما لا يفعل الاخوان
وقال:
لا هنيئا بما شربت مريئا ... ثم قم صاغرا وغير كريم
لا أحبّ النّديم يومض بالعي ... ن إذا ما انثنى لعرس النديم
المأمون وابن مسعدة
وقال ابو العباس المبرد: دخل عمرو بن مسعدة على المأمون، وبين يديه جام «٣» زجاج فيه سكر طبزذ وملح جريش؛ قال: فسلمت عليه، فردّ وعرض عليّ الاكل، فقلت: ما أريد شيئا هنأك اللَّه يا أمير المؤمنين، فلقد باكرت الغداء قال: بتّ جائعا؟ ثم أطرق ورفع رأسه وهو يقول:
اعرض طعامك وابذله لمن دخلا ... واعزم على من أبى واشكر لمن أكلا
ولا تكن سابريّ العرض محتشما ... من القليل فلست الدهر محتفلا «٤»
стр. 2550
ودعا برطل، ودخل شيخ من جلة الفقهاء فمدّ يده إليه، فقال: واللَّه يا امير المؤمنين ما شربتها ناشئا، فلا تسقنيها شيخا. فردّ يده إلى عمرو بن مسعدة، فأخذها منه وقال: يا امير المؤمنين، [اللَّه! اللَّه!] فإني عاهدت اللَّه في الكعبة ان لا أشربها أبدا! ففكر طويلا والكأس في يد عمرو بن مسعدة. فقال:
ردّا عليّ الكأس إنكما ... لا تعلمان الكأس ما تجدي
لو ذقتما ما ذقت ما امتزجت ... إلا بدمعكما من الوجد
خوّفتماني اللَّه ربّكما ... وكخيفتيه رجاؤه عندي
إن كنتما لا تشربان معي ... خوف العقاب شربتها وحدي
المأمون وابن أكثم وابن طاهر
شرب المأمون ويحيى بن أكثم وعبد اللَّه بن، فتغامز المأمون وعبد اللَّه على سكر ابن يحيى، فغمز الساقي، فأسكره، وكان بين أيديهم رزم «١» من ورد ورياحين، فأمر المأمون فشق له لحد في الورد والرياحين، وصيروه فيه، وعمل بيتين في شعر ودعا قينة، فجلست عند رأسه وحرّكت العود وغنت:
ناديته وهو حيّ لا حراك به ... مكفّن في ثياب من رياحين
فقلت قم، قال رجلي لا تطاوعني ... فقلت خذ، قال كفي لا تواتيني
فانتبه يحيى لرنة العود، وقال مجيبا لها:
يا سيّدي وأمير الناس كلّهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني
إني غفلت عن الساقي فصيرني ... كما تراني سليب العقل والدّين
لا أستطيع نهوضا قد وهى جسدي ... ولا أجيب المنادى حين يدعوني
فاختر لبغداد قاض إنني رجل ... الراح يقتلني والعود يحييني!
стр. 2551
وعود السكارى
حدثنا ابو جعفر البغدادي قال: كان بالجزيرة رجل يبيع نبيذا في ناجود «١» له وكان بيته من قصب، وكان يأتيه قوم يشربون عنده، فإذا عمل فيهم الشراب قال بعضهم لبعض: أما ترون بيت هذا النّبّاذ من قصب! فيقول بعضهم: عليّ الآجر! ويقول الآخر: علي الجصّ! ويقول الآخر: عليّ اجرة العامل! فإذا اصبحوا لم يعملوا شيئا. فلما طال ذلك على النبّاذ قال:
لنا بيت يهدم كلّ يوم ... ويصبح حين يصبح جذم خصّ «٢»
إذا ما دارت الاقداح قالوا ... غدا نبني بآجرّ وجصّ «٣»
وكيف يشيّد البنيان قوم ... يمرّون الشتاء بغير قمص!
حارثة بن بدر وزياد
ودخل حارثة بن بدر على زياد وبوجهه أثر فقال له: ما هذا؟ قال. ركبت فرسي الاشقر فصرعني. قال: أما إنك لو ركبت الاشهب ما صرعك.
أراد حارثة بالاشقر: النبيذ! وأراد زياد بالاشهب: اللبن.
وكان قيس بن عاصم يأتيه في جاهليته تاجر خمر، فيبتاع منه، ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفذ ما عنده؛ فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرا قبيحا، فجذب ابنته وتناول ثوبها، ورأى القمر فتكلم بشيء، ثم انتهب مال الخمار، وأنشأ يقول:
من تاجر فاجر جاء الاله به ... كأن لحيته أذناب أجمال
جاء الخبيث ببيسانية تركت ... صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال «٤»
فلما صحا أخبر بما صنع، وما قال، فآلى ان لا يذوق خمرا أبدا.
стр. 2552
وربما بلغت جناية الكأس إلى عقب الرجل ونجله؛ قال المأمون: يا نطف الخمار.
وترائع الظئور، وأشباه الخئولة.
وقال الشاعر:
لمّا رأيت الحظّ حظّ الجاهل ... ولم أر المغبون غير العاقل
رحلت عيسا من كروم بابل ... فبتّ من عقلي على مراحل! «١»
وقال آخر يصف السكر:
أقبلت من عند زياد كالخرف ... أجرّ رجلي بخطّ مختلف
كأنما يكتبان لام الف
وقال آخر يصف السكر:
شربنا شربة من ذات عرق ... بأطراف الزّجاج من العصير
وأخرى بالمروّح، ثم رحنا ... نرى العصفور أعظم من بعير
كأن الدّيك ديك بني تميم ... أمير المؤمنين على السرير
كأنّ دجاجهم في الدّار رقطا ... بنات الرّوم في قمص الحرير
فبتّ أرى الكواكب دانيات ... ينلن أنامل الرّجل القصير
أدافعهن بالكفّين عنّي ... وألثم لبّة القمر المنير «٢»
وقال الشاعر:
دع النبيذ تكن عدلا، وإن كثرت ... فيك العيوب، وقل ما شئت يحتمل
هو المشيد بأخبار الرجال؛ فما ... يخفى على الناس ما قالوا وما فعلوا
كم زلّة من كريم ظلّ يشهرها ... من دونها تستر الابواب والكلل
أضحت كنار على علياء موقدة ... ما يستسنّ لها سهل ولا جبل
والعقل عقل مصون لو يباع لقد ... ألفيت بياعه أضعاف ما سألوا
стр. 2553
فاعجب لقوم مناهم في عقولهم ... أن يذهبوها بعلّ بعده نهل «١»
قد عقدت بخمار الكأس ألسنهم ... عن الصواب ولم يصبح بها علل
وزرّرت بسنات النوم أعينهم ... كأنّ أحداقها حول وما حولوا
تخال رائحهم من بعد غدوتهم ... حبلى أضرّ بها في مشيها الحبل
فإن تكلّم لم يقصد لحاجته ... وإن مشى قلت مجنون به خبل
وقال:
أخو الشّراب ضائع الصلاة ... وضائع الحرمة والحاجات
وحاله من أقبح الحالات ... في نفسه والعرس والبنات
أفّ له، أف، إلى أفّات ... خمسة آلاف مؤلفات
من حدّ من الاشراف في الخمر وشهر بها
منهم يزيد بن معاوية، وكان يقال له: يزيد الخمور وبلغه أن مسور بن مخرمة يرميه بشرب الخمر، فكتب إلى عامله بالمدينة ان يجلد مسورا حدّ الخمر، ففعل؛ فقال مسور:
أيشربها صرفا بطين دنانها ... أبو خالد ويضرب الحدّ مسور؟ «٢»
وممن حدّ في الشراب: الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخو عثمان بن عفان لامه؛ شهد أهل الكوفة عليه انه صلى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران ثم التفت إليهم فقال: إن شئتم زدتكم! فجلده عليّ بن ابي طالب بين يدي عثمان وفيه يقول الحطيئة- وكان نديمه أبو زيد الطائي:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه ... أنّ الوليد أحقّ بالعذر
نادى وقد تمت صلاتهم ... ليزيدهم خيرا ولا يدري
стр. 2554
ليزيدهم خيرا، ولو قبلوا ... لجمعت بين الشّفع والوتر «١»
كبحوا عنانك إذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري!
ومنهم عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، شرب بمصر، فحدّه هناك عمرو بن العاص سرّا؛ فلما قدم على عمر جلده حدّا اخر علانية!.
ومنهم العباس [بن علي] بن عبد اللَّه بن عباس، كان ممن شهر بالشراب ومنادمة الاخطل، وفيه يقول الاخطل:
ولقد غدوت على التّجار بمنبج ... هرّت عواذله هرير الأكلب «٢»
لباس أردية الملوك يروقه ... من كلّ مرتقب عيون الرّبرب «٣»
ومنهم قدامة بن مظعون، من اصحاب رسول اللَّه ﷺ ، جلده عمر بن الخطاب بشهادة علقمة الخصي وغيره في الشراب.
ومنهم عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب المعروف بأبي شحمة، حدّه أبوه في الشراب وفي أمر أنكره عليه؛ [فمات تحت حدّه] !.
ومنهم عبد اللَّه بن عروة بن الزبير، حدّه هشام بن إسماعيل المخزومي في الشراب.
ومنهم عاصم بن عمر بن الخطاب، حدّه بعض ولاة المدينة في الشراب.
ومنهم عبد العزيز بن مروان، حده عمرو [بن سعيد] الأشدق.
وممن فضح بالشراب بلال بن أبي بردة الأشعري، وفيه يقول يحيى بن نوفل الحميري:
وأمّا بلال فذاك الذي ... يميل الشراب به حيث مالا
стр. 2555
يبيت يمصّ عتيق الشراب ... كمصّ الوليد يخاف الفصالا «١»
ويصبح مضطربا ناعسا ... تخال من السّكر فيه احولالا
ويمشي ضعيفا كمشي النزيف ... تخال به حين يمشي شكالا»
وممن شهر بالشراب عبد الرحمن بن عبد اللَّه الثقفي القاضي بالكوفة، وفضح بمنادمة سعد بن هبّار، وفيه يقول حارثة بن بدر:
نهاره في قضايا غير عادلة ... وليله في هوى سعد بن هبّار
ما يسمع الناس أصواتا لهم عرضت ... إلا دويّا، دويّ النحل في الغار
يدين أصحابه فيما يدينهم ... كأسا بكأس وتكرارا بتكرار
فأصبح الناس اطلاحا أضرّ بهم ... حث المطيّ وما كانوا بسفّار «٣»
ومنهم أبو محجن الثقفي، وكان مغرما بالشراب، وقد حده سعد بن أبي وقاص في الخمر مرارا، وشهد القادسية مع سعد، وأبلى فيها بلاء حسنا؛ وهو القائل:
إذا مت فادفّني إلى ظلّ كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة، فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
ثم حلف بالقادسية ألا يشرب خمرا أبدا، وأنشأ يقول:
إن كانت الخمر قد عزّت وقد منعت ... وحال من دونها الإسلام والحرج
فقد أباكرها صهباء صافية ... طورا، وأشربها صرفا وأمتزج «٤»
وقد تقوم على رأسي مغنّية ... فيها إذا رفعت من صوتها غنج
فتخفض الصوت أحيانا وترفعه ... كما يطنّ ذباب الرّوضة الهزج
ومنهم عبد الملك بن مروان، وكان يسمى حمامة المسجد، لاجتهاده في العبادة قبل
стр. 2556
الخلافة؛ فلما أفضت إليه الخلافة شرب الطّلاء «١» .
وقال له سعيد بن المسيب: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت بعدي الطلا؟ فقال:
إي واللَّه، وقتلت النفس!.
ومنهم الوليد بن يزيد، ذهب به الشراب كل مذهب حتى خلع وقتل؛ وهو القائل:
خذوا ملككم لا ثبّت اللَّه ملككم ... ثباتا يساوي ما حييت عقالا «٢»
دعوا لي سليمى والنّبيذ وقينة ... وكأسا، ألا حسبي بذلك مالا
أبالملك أرجو أن أخلّد فيكم؟ ... ألا ربّ ملك قد أزيل فزالا
وسقى قوم أعرابية مسكرا، فقالت: أيشرب نساؤكم مثل هذا؟ قالوا: نعم.
قالت: فما يدري أحدكم من أبوه!.
ومنهم إبراهيم بن هرمة، وكان مغرما بالشراب، وحدّه عليه جماعة من عمال المدينة، فلما الحوا عليه وضاق ذرعه بهم، دخل إلى المهدي بشعره الذي يقول فيه:
له لحظات عن خفافي سريرة ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل «٣»
لهم تربة بيضاء من آل هاشم ... إذا اسودّ من لؤم التراب القبائل
إذا ما أتى شيئا مضى كالذي أتى ... وإن قال: إني فاعل، فهو فاعل
فأعجب المهدي بشعره، وقال: سل حاجتك. قال: تأمر لي بكتاب إلى عامل المدينة أن لا يحدّني على شراب! فقال له: ويلك! كيف نأمر بذلك؟ لو سألتني عزل عامل المدينة وتوليتك مكانه لفعلت. قال: يا أمير المؤمنين لو عزلت عامل المدينة ووليتني مكانه أما كنت تعزلني أيضا وتولي غيري؟ قال: بلى قال: فكنت أرجع إلى سيرتي الاولى [فأحدّ] .. فقال المهدي لوزرائه: ما تقولون في حاجة ابن هرمة، وما
стр. 2557
عندكم [فيها] من التلطف؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه يطلب ما لا سبيل إليه.
إسقاط حدّ من حدود اللَّه، قال المهدي: إن عندي له حيلة، إذا أعيتكم حيلته؛ اكتبوا إلى عامل المدينة: من اتاك بابن هرمة سكران فاضرب ابن هرمة ثمانين واضرب الذي يأتيك به مائة! فكان ابن هرمة إذا مشى في أزقة المدينة، يقول: من يشترى مائة بثمانين ... ؟.
وكان بأمج رجل يقال له حميد، وكان مفتونا بالخمر، فهجاه ابن عم له:
حميد الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشّيبة الأصلع «١»
علاه المشيب على شربها ... وكان كريما- فما ينزع
ودخل حميد يوما على عمر بن عبد العزيز، فقال له: من أنت؟ قال: أنا حميد.
قال: حميد الذي....؟ قال: واللَّه يا أمير المؤمنين ما شربت مسكرا منذ عشرين سنة، فصدّقه بعض جلسائه؛ فقال له: إنما داعبناك.
الفرق بين الخمر والنبيذ
الخمر والنبيذ أول ذلك ان تحريم الخمر مجمع عليه لا اختلاف فيه بين اثنين من الائمة والعلماء، وتحريم النبيذ مختلف فيه بين الاكابر من اصحاب النبي ﷺ والتابعين، حتى لقد اضطر محمد بن سيرين مع علمه وورعه أن يسأل عبيدة السّلماني عن النبيذ، فقال له عبيدة: اختلف علينا فى النبيذ. وعبيدة ممن أدرك أبا بكر وعمر؛ فما ظنك بشيء اختلف فيه الناس وأصحاب النبي ﵊ متوافرون، فمن بين مطلق له ومحظر عليه، وكل واحد منهم مقيم الحجج لمذهبه والشواهد على قوله؟.
والنبيذ كل ما ينبذ في الدّبّاء «٢» والمزفّت فاشتد حتى يسكر كثيره، وما لم يشتد
стр. 2558
فلا يسمى نبيذا، كما أنه ما لم يعمل من عصير العنب حتى يشتد لا يسمى خمرا، كما قال الشاعر:
نبيذ إذا مرّ الذّباب بدنّه ... تقطّر أو خرّ الذباب وقيذا «١»
وقيل لسفيان الثوري وقد دعا بنبيذ فشرب منه ووضعه بين يديه: يا أبا عبد اللَّه، أتخشى الذباب أن يقع في النبيذ؟ قال: قبحه اللَّه إن لم يذبّ عن نفسه!.
وقال حفص بن غياث: كنت عند الاعمش وبين يديه نبيذ، فاستأذن عليه قوم من طلبة الحديث، فسترته، فقال لي: لم سترته؟ فكرهت أن أقول: لئلا يراه من يدخل، فقلت: كرهت أن يقع فيه الذباب. فقال لي: هيهات إنه أمنع من ذلك جانبا!.
ولو كان النبيذ هو الخمر التي حرمها اللَّه في كتابه، ما اختلف في تحريمه اثنان من الأمة.
حدث محمد بن وضّاح قال: سألت سحنونا، فقلت: ما تقول فيمن حلف بطلاق زوجته أن المطبوخ من عصير العنب هو الخمر التي حرمها اللَّه في كتابه؟ قال:
بانت «٢» زوجته منه.
وذكر ابن قتيبة في كتاب الاشربة ان اللَّه تعالى حرّم علينا الخمر بالكتاب، والمسكر بالسنة، فكان فيه فسحة؛ فما كان محرّما بالكتاب فلا يحل منه لا قليل ولا كثير، وما كان محرّما بالسّنة فإن فيه فسحة أو بعضه، كالقليل من الديباج والحرير يكون في الثوب، والحرير محرّم بالسنة؛ وكالتفريط في صلاة الوتر وركعتي الفجر، وهما سنة؛ فلا نقول إن تاركها كتارك الفرائض من الظهر والعصر.
وقد استأذن عبد الرحمن بن عوف رسول اللَّه ﷺ في لباس الحرير لبليّة كانت به.
стр. 2559
وأذن لعرفجة بن سعد- وكان أصيب أنفه يوم الكلاب- باتخاذ أنف من الذهب.
وقد جعل اللَّه فيما أحلّ عوضا مما حرّم، فحرّم الربا وأحل البيع، وحرم السفاح «١» وأحل النكاح، وحرم الديباج «٢» وأحل الوشي، وحرم الخمر وأحل النبيذ غير المسكر؛ والمسكر منه ما أسكرك.
مناقشة ابن قتيبة في قوله في الاشربة
قال في كتابه: فإن قال قائل: إن المنكر هي الشربة المسكرة، اكذبه النظر؛ لان القدح الاخير إنما أسكر بالاول، وكذلك اللقمة الاخيرة إنما اشبعت بالاولى. ومن قال السكر حرام، قال: فإنما ذلك مجاز من القول، وإنما يريد: ما يكون منه السكر حرام، وكذلك التخمة حرام.
وهذا الشاهد الذي استشهد به في تحريمه قليل ما أسكر كثيره، وتشبيهه ذلك بالتخمة- شاهد عليه لا شاهد له؛ لأن الناس مجمعون على أن قليل الطعام الذي تكون منه التخمة، حلال؛ وأن التخمة حرام؛ وكذلك ينبغي ان يكون قليل النبيذ الذي يسكر كثيره حلالا، وكثيره حراما، وأن الشربة الاخيرة المسكرة هي المحرّمة.
ومثل الاربعة أقداح التي يسكر منها القدح الرابع، مثل أربعة رجال اجتمعوا على رجل، فشجّه احدهم موضحة «٣» ، ثم شجه الثاني منقلة «٤» ، ثم شجه الثالث مأمومة «٥» ، ثم أقبل الرابع فأجهز عليه؛ فلا نقول إن الاول، هو قاتله، ولا الثاني، ولا الثالث، وإنما قتله الرابع الذي اجهز عليه وعليه القود «٦» .
стр. 2560
وذكر ابن قتيبة في كتابه: بعد ان ذكر اختلاف الناس في النبيذ وما أدلى به كل قوم من الحجة، فقال: وأعدل القول عندي ان تحريم الخمر بالكتاب، وتحريم النبيذ بالسنة. وكراهية ما تغيّر وخدّر من الاشربة تأديب ...
ثم زعم في هذا الكتاب بعينه أن الخمر نوعان: فنوع منهما أجمع على تحريمه:
وهو خمر العنب من غير ان تمسه نار، لا يحل منه لا قليل ولا كثير؛ ونوع آخر مختلف فيه، وهو نبيذ الزبيب إذا اشتد، ونبيذ التمر إذا صلب، ولا يسمى سكرا إلا نبيذ التمر خاصة.
وقال بعض الناس: نبيذ التمر حل وليس بخمر واحتجوا بقول عمر: فما انتزع بالماء فهو حلال، وما انتزع بغير الماء فهو حرام.
قال ابن قتيبة: وقال آخرون: هو خمر حرام كله. وهذا هو القول عندي؛ لأن تحريم الخمر نزل وجمهور الناس مختلفة، وكلها يقع عليها هذا الإسم في ذلك الوقت.
خمور البلاد
وذكر ان ابا موسى قال: خمر المدينة من البسر والتمر، وخمر اهل فارس من العنب، وخمر اهل اليمن من البتع، وهو نبيذ العسل؛ وخمر الحبشة السكركة وهي من الذرة؛ وخمر التمر يقال له: البتع، والفضيخ.
مم يصنع الخمر
وذكر ان عمر قال: الخمر من خمسة أشياء: من البر، والشعير، والتمر، والزبيب.
والعسل. والخمر ما خامر العقل. ولأهل اليمن أيضا شراب من الشعير يقال له المزر.
ويزعم ههنا ابن قتيبة ان هذه الاشربة كلها خمر، وقال: هذا هو القول عندي. وقد تقدم له في صدر الكتاب ان النبيذ لا يسمى نبيذا حتى يشتدّ ويسكر كثيره، كما أن
следующие страницы →