Полный текст (2 664 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
يغلق رهنه ولا تخفر ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به، وعسى أن يكون نائيا عن داره، فيصاب، فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما خفر من جواره؛ وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله.
وأما قولك أيها الملك: يئدون أولادهم، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج.
أما قولك: إنّ أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها، فما تركوا ما دونها إلا احتقارا له، فعمدوا إلى أجلّها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم مع أنها أكثر البهائم شحوما، وأطيبها لحوما، وأرقّها ألبانا، وأقلها غائلة، وأحلاها مضغة، وإنه لا شيء من الّلحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه.
وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضا، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم؛ فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفا وتخوّفت نهوض عدوها إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون لهم بأزمّتهم: وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطف «١» بالعسف.
وأما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى جدّ الملك وليّها الذي أتاه عند غلبة الحبش له على ملك متّسق؛ وأمر مجتمع؛ فأتاه مسلوبا طريدا مستصرخا، وقد تقاصر عن إيوائه، وصغر في عينه ما شيّد من بنائه. ولولا ما وتر «٢» به من يليه من العرب لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان ويغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار.
قال: فعجب كسرى لما أجابه النعمان به؛ وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة
стр. 282
في أهل إقليمك ولما هو أفضل. ثم كساه من كسوته، وسرّحه إلى موضعه من الحيرة.
فلمّا قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفيّ وحاجب بن زرارة التميميّين، وإلى الحارث ابن عباد وقيس بن مسعود البكريّين، وإلى خالد بن جعفر، وعلقمة بن معد يكرب الزّبيدي، والحرث بن ظالم المرّي؛ فلما قدموا عليه في الخورنق، قال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات تخوّفت أن يكون لها غور، وأن يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولا «١» كبعض طماطمته «٢» في تأديتهم الخراج إليه، كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله.
فاقتصّ عليهم مقالات كسرى وما ردّ عليه؛ فقالوا: أيها الملك، وفّقك الله، ما أحسن ما رددت، وأبلغ ما حججته به؛ فمرنا بأمرك، وادعنا إلى ما شئت.
قال: إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانكم وما يتخوّف من ناحيتكم، وليس شيء أحبّ إليّ مما سدّد الله به أمركم، وأصلح به شأنكم، وأدام به عزّكم؛ والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره، ليعلم أنّ العرب الرهط وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره، ليعلم أنّ العرب على غير ما ظن أو حدّثته نفسه؛ ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه، فإنه ملك عظيم السلطان، كثير الأعوان مترف معجب بنفسه، ولا تنخزلوا «٣» له انخزال الخاضع الذليل، وليكن أمر بين ذلك، تظهر به وثاقة حلومكم، وفضل منزلتكم، وعظمة أخطاركم؛ وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي، لسنيّ حاله، ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها؛ فإنما دعاني إلى التّقدمة بينكم علمي بميل كل رجل منكم على التقدم قبل صاحبه؛ فلا يكوننّ ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعنا؛ فإنه ملك مترف، وقادر مسلّط.
стр. 283
ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائق حلل الملوك، كل رجل منهم حلّة، وعمّمه عمامة، وختّمه بياقوتة؛ وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية وفرس نجيبة، وكتب معهم كتابا:
أما بعد، فإن الملك ألقى إليّ من أمر العرب ما قد علم، وأجبته بما قد فهم بما أحببت أن يكون منه على علم، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها، وحمت ما يليها بفضل قوّتها، تبلغها في شيء من الأمور التي يتعزّز بها ذو والحزم والقوة والتدبير والمكيدة. وقد أوفدت أيها الملك رهطا من العرب؛ لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم؛ فليسمع الملك، وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم، وليكرمني بإكرامهم وتعجيل سراحهم، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم.
فخرج القوم في أهبهتم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن، فدفعوا إليه كتاب النعمان، فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم. فلما أن كان بعد ذلك بأيام، أمر مرازبته «١» ووجوه أهل مملكته، فحضروا وجلسوا على كراسيّ عن يمينه وشماله؛ ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وضعهم النعمان بها في كتابه؛ وأقام التّرجمان ليؤدي إليه كلامهم، ثم أذن لهم في الكلام.
فقام أكثم بن صيفيّ فقال: إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمّها نفعا، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها.
الصدق منجاة، والكذب مهواة، والشرّ لجاجة «٢» ، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطيء. آفة الرأي الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور الصبر. حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة. إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي.
من فسدت بطانته كان كالغاصّ بالماء. شر البلاد بلاد لا أمير بها. شر الملوك من
стр. 284
خافه البريء. المرء يعجز لا المحالة. أفضل الأولاد البررة. وخير الأعوان من لم يراء «١» بالنصيحة. أحقّ الجنود بالنصر من حسنت سريرته. يكفيك من الزاد ما بلّغك المحلّ. حسبك من شرّ سماعة. الصمت حكم وقليل فاعله. البلاغة الإيجاز. من شّدد نفر، ومن تراخى تألف.
فتعجب كسرى من أكثم، ثم قال: ويحك يا أكثم! ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك في غير موضعه.
قال أكثم: الصدق ينبيء عنك لا الوعيد.
قال كسرى: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى.
قال أكثم: ربّ قول أنفذ من صول.
ثم قام حاجب بن زرارة التميمي، فقال ورى زندك، وعلت يدك، وهيب سلطانك. إن العرب أمة قد غلظت أكبادها، واستحصدت مرّتها «٢» ، ومنعت درّتها «٣» ؛ وهي لك وامقة «٤» ما تألفتها، مسترسلة ما لا ينتها، سامعة ما سامحتها، وهي العلقم مرارة، والصاب غضاضة، والعسل حلاوة، والماء الزلال سلاسة. نحن وفودها إليك، وألسنتها لديك؛ ذمّتنا محفوظة، وأحسابنا ممنوعة، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة؛ إن نؤب لك حامدين خيرا فلك بذلك عموم محمدتنا، وإن نذم لم نخص بالذمّ دونها.
قال كسرى: يا حاجب، ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها.
قال حاجب: بل زئير الأسد بصولتها.
قال كسرى: وذلك.
стр. 285
ثم قام الحارث بن عباد البكري فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظّها، وعلوّ ثنائها. من طال رشاؤه كثر متحه «١» ، ومن ذهب ماله قلّ منحه. تناقل الأقاويل يعرّف اللّب؛ وهذا مقام سيوجف «٢» بما ينطق فيه الرّكّب، وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب؛ ونحن جيرانك الأدنون، وأعوانك المعينون، خيولنا جمّة، وجيوشنا فخمة، إن استنجدتنا فغير ربض «٣» ، وإن استطرقتنا فغير جهض»
، وإن طلبتنا فغير غمض، لا ننثني لذعر، ولا نتنكّر لدهر، رماحنا طوال، وأعمارنا قصار.
قال كسرى: أنفس عزيزة، وأمة والله ضعيفة.
قال الحارث: أيها الملك، وأنى يكون لضعيف عزّة، أو لصغير مرّة؟
قال كسرى: لو قصر عمرك لم تستول على لسانك نفسك.
قال الحارث: أيها الملك، إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغرّرا بنفسه على الموت، فهي منية استقبلها، وحياة استدبرها؛ والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدما، وأحبسها وهي تصرّف بهم، حتى إذا جاشت نارها، وسعرت لظاها، وكشفت عن ساقها، جعلت مقادها رمحى، وبرقها سيفي، ورعدها زئيري، ولم أقصّر عن خوض خضاخضها «٥» ، حتى أنغمس في غمرات لججها، وأكون فلكا لفرساني إلى بحبوحة كبشها، فأستمطرها دما، وأترك حماتها جزر السباع وكلّ نسر قشعم «٦» .
ثم قال كسرى لمن حضره من العرب: أكذلك هو؟
стр. 286
قالوا: فعاله أنطق من لسانه.
قال كسرى: ما رأيت كاليوم وفدا أحشد، ولا شهودا أوفد.
ثم قام عمرو بن الشريد السّلمي فقال: أيها الملك نعم بالك، ودام في السرور حالك؛ إنّ عاقبة الكلام متدبّرة، وأشكال الأمور معتبرة، وفي كثير ثقلة، وفي قليل بلغة، وفي الملوك سورة العزّ «١» ، وهذا منطق له ما بعده، شرف فيه من شرف، وخمل فيه من خمل، لم نأت لضيمك، ولم نفد لسخطك، ولم نتعرّض لرفدك. إنّ في أموالنا مرتقدا، وعلى عزنا معتمدا؛ إن أورينا نارا أثقبنا، وإن أود «٢» دهر بنا اعتدلنا، إلا أنّا مع هذا لجوارك حافظون، ولمن رامك مكافحون، حتى يحمد الصّدر، ويستطاب الخبر.
قال كسرى: ما يقوم قصد منطقك بإفراطك، ولا مدحك بذمّك.
قال عمرو: كفى بقليل قصدي هاديا، وبأيسر إفراطي مخبرا، ولم يلم من عزفت «٣» نفسه عما يعلم، ورضي من القصد بما بلغ.
قال كسرى: ما كل ما يعرف المرء ينطق به. اجلس.
ثم قام خالد بن جعفر الكلابيّ فقال: أحضر الله الملك إسعادا، وأرشده إرشادا؛ إنّ لكل منطق فرصة، ولكل حاجة غصة، وعيّ المنطق أشدّ من عيّ السكوت، وعثار القول أنكى من عثار الوعث «٤» ، وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوى، وغصة المنطق بما لا نهوى غير مستساغة، وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعني أنني له مطيق أحبّ إليّ من تكلّفي ما أتخوّف ويتخوفّ مني. وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان، وهو لك من خير الأعوان، ونعم حامل المعروف والإحسان. أنفسنا بالطاعة لك باخعة «٥» ، ورقابنا بالنصيحة خاضعة، وأيدينا لك بالوفاء رهينة.
стр. 287
قال له كسرى: نطقت بعقل، وسموت بفضل، وعلوت بنبل.
ثم قام علقمة بن علاثة العامريّ فقال: أنهحت لك سبل الرشاد، وخضعت لك رقاب العباد: إن للأقاويل مناهج، وللآراء موالج، وللعويص مخارج؛ وخير القول أصدقه، وأفضل الطلب أنجحه. إنّا وإن كانت المحبّة أحضرتنا، والوفادة قرّبنا، فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب «١» عنك، بل لو قست كلّ رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا، لوجدت له في آبائه دنيا أندادا وأكفاء، كلهم إلى الفضل منسوب، وبالشرف والسودد موصوف، وبالرأي الفاضل والأدب النافذ معروف، يحمى حماه، ويروى نداماه، ويذود أعداه؛ لا تخمد ناره، ولا يحترز منه جاره. أيها الملك، من يبل العرب يعرف فضلهم؛ فاصطنع العرب، فإنها الجبال الرواسي عزّا، والبحور الزواخر طميّا «٢» ، والنجوم الزواهر شرفا، والحصى عددا؛ فإن تعرف لهم فضلهم يعزوّك، وإن تستصرخهم لا يخذلوك.
قال كسرى- وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه: حسبك، أبلغت وأحسنت.
ثم قام قيس بن الشّيباني فقال: أطاب الله بك المراشد، وجنّبك المصائب، ووقاك مكروه الشّصائب «٣» ؛ ما أحقّنا إذ أتيناك بإسماعك ما لا يحنق صدرك، ولا يزرع لنا حقدا في قلبك؛ لم نقدم أيها الملك لمساماة، ولم ننتسب لمعاداة، ولكن لتعلم أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أنّا في المنطق غير محجمين، وفي اليأس غير مقصرين؛ إن جورينا فغير مسبوقين، وإن سومينا فغير مغلوبين.
قال كسرى: غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين. وهو يعرّض به في تركه الوفاء بضمانه السّواد «٤» .
стр. 288
قال قيس: أيا الملك، ما كنت في ذلك إلا كواف غدر به، أو كخافر «١» أخفر بذمته.
قال كسرى: ما يكون لضعيف ضمان، ولا لذليل خفارة.
قال قيس: أيها الملك، ما أنا فيما خفر من ذمتي، أحقّ بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك، وانتهك من حرمتك.
قال كسرى: ذلك، لأن من ائتمن الخانة، واستنجد الأثمة، ناله من الخطأ ما نالني، وليس كلّ الناس سواء؛ كيف رأيت حاجب بن زرارة لم يحكم قواه فيبرم، ويعهد فيوفى، ويعد فينجز؟
قال: وما أحقّه بذلك وما رأيته إلا لي.
قال كسرى: القوم يزل فأفضلها أشدّها.
ثم قام عامر بن الطّفيل العامريّ فقال: كثر فنون المنطق، وليس القول أعمى من حندس «٢» الظّلماء، وإنما الفخر في الفعال، والعزّ في النجدة؛ والسّودد مطاوعة القدرة. وما أعلمك بقدرنا، وأبصرك بفضلنا؛ وبالحري «٣» إن أدالت الأيام، وثابت الأحلام، أن تحدث لنا أمورا لها أعلام.
قال كسرى: وما تلك الأعلام؟
قال: مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر، على أمر يذكر.
قال كسرى: وما الأمر الذي يذكر؟
قال: مالي علم بأكثر مما خبّرني به مخبر.
стр. 289
قال كسرى: متى تكاهنت يا بن الطّفيل؟
قال: لست بكاهن، ولكني بالرمح طاعن.
قال كسرى: فإن أتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع؟
قال: ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي، وما أذهب عيني عيث «١» ولكن مطاوعة العيث.
ثم قام عمرو بن معد يكرب الزّبيدي فقال: إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه فبلاغ المنطق الصواب، وملاك النّجعة الارتياد، وغفو الرأي خير من استكراه الفكرة، وتوقّف الخبرة خير من اعتساف الحيرة، فاجتبذ «٢» طاعتنا بلفظك، واكتظم «٣» بادرتنا بحلمك، وألن لنا كنفك «٤» يسلس لك قيادنا، فإنّا أناس لم يوقس «٥» صفاتنا قراع مناقير من أراد لنا قضما، ولكن منعنا حمانا من كل من رام لنا هضما.
ثم قام الحارث بن ظالم المرّي فقال: إنّ من آفة المنطق الكذب، ومن لؤم الأخلاق الملق «٦» ، ومن خطل الرأي خفة الملك المسلّط، فإن أعلمناك أن مواجهتنا لك عن ائتلاف، وانقيادنا لك عن تصاف، ما أنت لقبول ذلك منا بخليق، ولا للاعتماد عليه بحقيق، ولكن الوفاء بالعهود، وإحكام ولث العقود، والأمر بيننا وبينك معتدل، ما لم يأت من قبلك ميل أو زلل.
قال كسرى: من أنت؟
قال: الحارث بن ظالم.
قال: إن في أسماء آبائك لدليلا على قلة وفائك، وأن تكون أولى بالغدر، وأقرب من الوزر.
стр. 290
قال الحارث: إنّ في الحق مغضبة، والسّرو التغافل «١»
، ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة، فلتشبه أفعالك مجلسك.
قال كسرى: هذا فتى القوم.
ثم قال كسرى: قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم، وتفنّن فيه متكلّموكم ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقّف أودكم، ولم يحكم أمركم، وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة، فنطقتم بما استولى على ألسنتكم، وغلب على طباعكم، لم أجز لكم كثيرا مما تكلمتم به. وإني لأكره أن أجبّه «٢»
وفودي أو أحنق صدورهم، والذي أحبّ هو إصلاح مدبركم، وتألف شواذّكم، والإعذار إلى الله فيما بيني وبينكم؛ وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب. وصفحت عما كان فيه من خلل؛ فانصرفوا إلى ملككم فأحسنوا مؤازرته والتزموا طاعته، واردعوا سفهاءكم وأقيموا أودهم، وأحسنوا أدبهم، فإن في ذلك صلاح العامّة.
وفود حاجب بن زرارة على كسرى
العتبي عن أبيه: أن حاجب بن زرارة وفد على كسرى لما منع تميما من ريف العراق، فاستأذن عليه، فأوصل إليه فقال: أسيّد العرب أنت؟ قال: لا. قال: فسيّد مضر؟ قال: لا. قال: فسيّد بني أبيك أنت؟ قال: لا. ثم أذن له فدخل عليه. قال:
من أنت؟ قال: سيد العرب! قال: أليس قد أوصلت إليك: أسيّد العرب أنت؟
فقلت: لا، حتى اقتصرت بك على بني أبيك، فقلت: لا؟ قال له: أيها الملك، لم أكن كذلك حتى دخلت عليك، فلما دخلت عليك صرت سيد العرب. قال كسرى:
زه «٣»
! املئوا فاه درّا. ثم قال: إنكم معشر العرب غدر، فإن أذنت لكم أفسدتم البلاد، وأغرتم على العباد، وأذيتموني. قال حاجب: فإني ضامن للملك ألّا يفعلوا.
стр. 291
قال: فمن لي بأن تفي أنت؟ قال: أرهنك قوسي. فلما جاء بها ضحك من حوله وقالوا: لهذه العصا يفي! قال كسرى: ما كان ليسلمها لشيء أبدا. فقبصها منه، وأذن لهم أن يدخلوا الريف.
ومات حاجب بن زرارة، فارتحل عطارد بن حاجب إلى كسرى يطلب قوس أبيه؛ فقال له: ما أنت الذي رهنتها! قال: أجل. قال: فما فعل؟ قال. هلك، وهو أبي، وقد وفى له قومه ووفى هو للملك. فردّها عليه وكساه حلة.
فلما وفد إلى النبي ﷺ عطارد بن حاجب، وهو رئيس تميم، وأسلم على يديه، أهداها للنبي ﷺ ، فلم يقبلها؛ فباعها من رجل من اليهود بأربعة آلاف درهم.
ثم إن مضر أتت النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هلك قومك وأكلتهم الضّبع.
يريدون الجوع- والعرب يسمّون السّنة الضّبع والذئب. قال جرير:
من ساقه السنة الحصّاء والذّيب «١»
فدعا لهم النبي ﷺ فأحيوا، وقد كان دعا عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف.
وفود أبي سفيان إلى كسرى
الأصمعي قال: حدثنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن بكر المرّي، قال: قال أبو سفيان: أهديت لكسرى خيلا وأدما، فقبل الخيل وردّ الأدم، وأدخلت عليه فكأنّ وجهه وجهان من عظمه، فألقى إليّ مخدّة كانت عنده، فقلت: واجوعاه! أهذه حظّى من كسري بن هرمز؟ قال: فخرجت من عنده، فما أمرّ على أحد من حشمه إلا أعظمها، حتى دفعت إلى خازن له: فأخذها وأعطاني ثمانمائة إناء من فضة وذهب.
قال الأصمعي؛ فحدثت بهذا الحديث النّوشجان الفارسي، فقال: كانت وظيفة المخدّة ألفا، إلا أن الخازن اقتطع منها مائتين.
стр. 292
وفود حسان بن ثابت على النعمان بن المنذر
قال: وفد حسان بن ثابت على النعمان بن المنذر، قال: فلقيت رجلا ببعض الطريق، فقال لي: أين تريد؟ قلت: هذا الملك. قال: فإنك إذا جئته متروك شهرا، ثم تترك شهرا آخر، ثم عسى أن يأذن لك؛ فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه خيرا، وإن رأيت أبا أمامة النابغة فاظعن «١»
؛ فإنه لا شيء لك! قال:
فقدمت عليه، ففعل بي ما قال، ثم خلوت به وأصبت مالا كثيرا ونادمته فبينما أنا معه إذا رجل يرتجز حول القبة ويقول:
أنام أم يسمع ربّ القبّه ... يا أوهب الناس لعنس صلبه «٢»
ضرّابة بالمشفر الأذبّه ... ذات هيات في يديها جذبه «٣»
فقال النعمان: أبو أمامة، ائذنوا له فدخل فحيّاه وشرب معه، ووردت النّعم السود. ولم يكن لأحد من العرب بعير أسود غيره ولا يفتحل أحد فحلا أسود.
فاستأذنه النابغة في الإنشاد، فأذن له، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
فأمر له بمائة ناقة من الإبل السّود برعاتها؛ فما حسدت أحدا قط حسدي له في شعره وجزيل عطائه.
وفود قريش على سيف بن ذي يزن بعد قتله الحبشة
نعيم بن حمّاد قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثّوري، قال: قال ابن عباس: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة، وذلك بعد مولد النبي ﷺ ، أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها تهنئه وتمدحه وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه،
стр. 293
فأتاه وفد قريش، فيهم: عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وأسد بن عبد العزّى، وعبد الله بن جدعان، فقدموا عليه وهو في قصر له يقال له غمدان، وله يقول أبو الصلت، والد أمية ابن أبي الصلت:
لم يدرك الثأر أمثال ابن ذي يزن ... لجّج في البحر للأعداء أحوالا «١»
أتى هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده القول الذي قالا «٢»
ثم انثنى نحو كسرى بعد تاسعة ... من السّنين لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم ... إنك عمري لقد أسرعت إرقالا «٣»
من مثل كسرى وبهرام الجنود له ... ومثل وهرز يوم الجيش إذ جالا
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن رأينا لهم في الناس أمثالا
صيدا جحاجحة، بيضا خصارمة ... أسدا تربّب في الغابات أشبالا «٤»
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... غادرت أوجههم في الأرض أفلالا»
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
ثم اطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا «٦»
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا «٧»
فطلبوا الإذن عليه، فأذن لهم، فدخلوا، فوجدوه متضمّخا بالعنبر، يلمع وبيص المسك في مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران قد ائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، وسيفه بين يديه، والملوك عن يمينه وشماله، وأبناء الملوك والمقاول.
فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام، فقال له: قل. فقال: إنّ الله تعالى أيها
стр. 294
الملك أحلّك محلا رفيعا صعبا منيعا، باذخا «١»
شامخا؛ وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزّت جرثومته «٢»
، ونبل أصله، وبسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن؛ فأنت أبيت الّلعن رأس العرب، وربيعها الذي به تخصب، وملكها الذي به تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي إليه يلجأ العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف، ولن يهلك من أنت خلفه، ولن يخمل من أنت سلفه. نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمّته وسدنة «٣»
بيته، أشخصنا إليك الذي أنهجك لكشف الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفود المرزئة.
قال: من أنت أيها المتكلم.
قال: أنا عبد المطلب بن هاشم.
قال: ابن أختنا؟ قال: نعم. فأدناه وقرّبه؛ ثم أقبل عليه وعلى القوم وقال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا «٤»
، يعطي عطاء جزلا.
فذهبت مثلا.
وكان أول ما تكلم به قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم فأهل الشرف والنباهة أنتم، ولكم القربى ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم.
قال: ثم استنهضوا إلى دار الضيافة والوفود، وأجريت عليهم الأنزال. فأقاموا ببابه شهرا لا يصلون إليه ولا يأذن لهم في الانصراف. ثم انتبه إليهم انتباهة، فدعا بعبد المطلب من بينهم، فخلا به وأدنى مجلسه، وقال: يا عبد المطلب، إني مفوّض إليك من سرّ علمي أمرا غيرك كان لم أبح له به، ولكنّني رأيتك موضعه فأطلعتك عليه؛ فليكن مصونا حتى يأذن الله فيه؛ فإنّ الله بالغ أمره: إني أجد في العلم المخزون؛ والكتاب المكنون الذي ادخرناه لأنفسنا، واحتجبناه دون غيرنا، خبرا
стр. 295
عظيما، وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس كافة، ولرهطك عامة، ولنفسك خاصة.
قال عبد المطلب: مثلك أيها الملك من برّ وسرّ وبشّر، ما هو؟ فداك أهل الوبر، زمرا بعد زمر.
قال ابن ذي يزن: إذا ولد مولود بتهامة، بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، إلى يوم القيامة.
قال عبد المطلب: أبيت اللعن، لقد أبت بخير ما آب به أحد؛ فلولا إجلال الملك لسألته أن يزيدني في البشارة ما أزداد به سرورا.
قال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جدّه وعمه؛ قد وجدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منّا أنصارا، يعزّ بهم أولياءه، ويذلّ بهم أعداءه، ويفتتح كرائم الأرض، ويضرب بهم الناس عن عرض «١»
؛ يخمد النّيران، ويكسر الأوثان، ويعبد الرحمن، قوله حكم وفصل؛ وأمره حزم وعدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.
فقال عبد المطلب: طال عمرك، ودام ملكك، وعلا جدّك، وعز فخرك؛ فهل الملك يسرّني بأن يوضح فيه بعض الإيضاح؟
فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الطّنب، والعلامات والنّصب، إنك يا عبد المطلب، لجدّه من غير كذب. فخرّ عبد المطلب ساجدا.
قال ابن ذي يزن: ارفع رأسك؛ ثلج صدرك، وعلا أمرك؛ فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك؟
قال عبد المطلب: أيها الملك، كان لي ابن كنت له محبا، وعليه حدبا مشفقا،
стр. 296
فزوجته كريمة من كرائم قومه، يقال لها آمنة بنت وهب بن عبد مناف، فجاءت بغلام بين كتفيه شامة، فيه كلّ ما ذكرت من علامة؛ مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمّه.
قال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت، فاحفظ ابنك واحذر عليه اليهود؛ فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم سبيلا، اطو ما ذكرت لك، دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تدخلهم النّفاسة، من أن تكون لكم الرّياسة، فيبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون وأبناؤهم. ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه، لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مهاجره؛ فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن يثرب دار هجرته، وبيت نصرته؛ ولولا أني أتوقّى عليه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعلنت على حداثة سنّه أمره، وأوطأت أقدام العرب عقبه؛ ولكني صارف إليك ذلك عن غير تقصير مني بمن معك.
ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد، وعشر إماء سود، وخمسة أرطال فضة، وحلّتين من حلل اليمن، وكرش «١»
مملوءة عنبرا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فأنبئني بما يكون من أمره.
فما حال الحول حنى مات ابن ذي يزن، فكان عبد المطلب بن هشام يقول: يا معشر قريش، لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فإنه إلى نفاد، ولكن يغبطني بما يبقى لي ذكره وفخره العقبي. فإذا قالوا له: وما ذاك؟ قال: سيظهر بعد حين.
وفود عبد المسيح على سطيح
جرير بن حازم عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما كان ليلة ولد النبي ﷺ ، ارتجّ إيوان كسرى، فسقطت منه أربع عشرة شرفة؛ فعظم ذلك على أهل مملكته،
стр. 297
فما كان أوشك أن كتب إليه صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة، وكتب إليه صاحب السّماوة يخبره أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة، وكتب إليه صاحب طبريّة أن الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبرية؛ وكتب إليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيران خمدت تلك الليلة، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة.
فلما تواترت الكتب أبرز سريره وظهر لأهل مملكته، فأخبرهم الخبر؛ فقال الموبذان «١»
: أيها الملك، إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتني. قال له: وما رأيت؟ قال:
رأيت إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد اقتحمت دجلة، وانتشرت في بلادنا. قال:
رأيت عظيما، فما عندك في تأويلها؟ قال: ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء، أرسل إلى عاملك بالحيرة، يوجّه إليك رجلا من علمائهم، فإنهم أصحاب علم بالحدثان.
فبعث إليه عبد المسيح بن نفيلة الغساني: فلما قدم عليه أخبره كسري الخبر. فقال له:
أيها الملك. والله ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء ولكن جهّزني إلى خال لي بالشام، يقال له سطيح، قال: جهّزوه. فلما قدم على سطيح وجده قد احتضر؛ فناداه فلم يجبه، وكلمه فلم يردّ عليه، فقال عبد المسيح:
أصمّ أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاصل الخطّة أعيت من ومن «٢»
أتاك شيخ الحيّ من آل سنن ... أبيض فضفاض الرّداء والبدن
رسول قيل العجم يهوي للوثن ... لا يرهب الوعد ولا ريب الزّمن «٣»
فرفع إليه رأسه، وقال: عبد المسيح، على جمل مشيح، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح؛ بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموابذان؛ رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا. قد اقتحمت في الواد، وانتشرت في البلاد يا عبد المسيح، إذا ظهرت التّلاوة، وفاض وادي السّماوة، وغاضت بحيرة ساوة وظهر صاحب الهراوة، وخمدت نار فارس، فليست بابل للفرس مقاما، ولا الشام
стр. 298
لسطيح شاما. يملك منهم ملوك وملكات، عدد سقوط الشّرفات، وكل ما هو آت آت. ثم قال:
إن كان ملك بني ساسان أفرطهم ... فإنّ ذا الدّهر أطوار دهارير «١»
منهم بنو الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور
فربّما أصبحوا منهم بمنزلة ... يهاب صولهم الأسد المهاصير «٢»
حثّوا المطيّ وجدّوا في رحالهم ... فما يقوم لهم سرح ولا كور «٣»
والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقلّ فمحقور ومهجور
والخير والشرّ مقرونان في قرن ... فالخير متّبع والشرّ محذور «٤»
ثم أتى كسرى فأخبره، فغمه ذلك. ثم تعزّى فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا يدور الزمان. فهلكوا كلهم في أربعين سنة.
وفود همدان على النبي ﷺ
قدم مالك بن نمط في وفد همدان على رسول الله ﷺ ، فلقوه مقبلا من تبوك، فقال مالك بن نمط: يا رسول الله نصيّة «٥»
من همدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام وشاكر، عهدهم لا ينقض، عن سنّة ماحل «٦»
ولا سوداء عنقفير «٧»
، ما أقامت لعلع، وما جرى اليعفور بصلّع «٨» .
стр. 299
فكتب إليهم النبي ﷺ : هذا كتاب من محمد رسول الله إلى مخلاف خارف، وأهل جناب الهضب، وجفاف الرمل، مع وفدها ذي المشعار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه، أن لهم فراعها ووهاطها وعزازها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عفاها، لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثّلب «١»
والناب والفصيل والفارض الداجن والكبش الحوري؛ وعليهم الصّالغ «٢» والقارح.
وفود النخع على النبي ﷺ
قدم أبو عمرو النّخعي على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت في طريقي هذه رؤيا، رأيت أتانا تركتها في الحيّ ولدت جديا أسفع أحوى «٣» . فقال رسول الله ﷺ : هل لك من أمة تركتها مصرّة «٤» حملا؟ قال: نعم، تركت أمة لي أظنها قد حملت؟ قال: فقد ولدت غلاما وهو ابنك. قال: فما باله أسفع أحوى؟ قال:
ادن منّي. فدنا منه؛ فقال: هل بك برص تكتمه؟ قال نعم، والذي بعثك بالحق ما رآه مخلوق ولا علم به. قال: فهو ذلك. قال: ورأيت النّعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان. قال: ذلك ملك العرب عاد إلى أفضل زيّه وبهجته. قال:
ورأيت عجوزا شمطاء تخرج من الأرض قال: تلك بقيّه الدنيا. قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظى! بصير وأعمى! أطعموني! آكلكم آكلكم! أهلككم ومالكم. فقال النبي ﷺ :
تلك فتنة في آخر الزمان. قال: وما الفتنة يا رسول الله؟ قال: يقتل الناس إمامهم ثم
стр. 300
يشتجرون «١» اشتجار أطباق الرأس- وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه- يحسب المسيء أنه محسن، ودم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء.
وفود كلب على النبي ﷺ
قدم قطن بن حارثة العليمي في وفد كلب على النبي ﷺ ، فذكر كلاما، فكتب له رسول الله ﷺ كتابا نسخته:
هذا كتاب من محمد رسول الله لعمائر كلب وأحلافها، ومن ظأره «٢» الإسلام من غيرها، مع قطن بن حارثة العليمي، بإقامة الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة لحقها، في شدة عقدها، ووفاء عهدها، بمحضر شهود من المسلمين: سعد بن عبادة، وعبد الله ابن أنيس، ودحية بن خليفة الكلبي، عليهم في الهمولة الراعية البساط الظّؤار «٣» ، في كلّ خمسين ناقة غير ذات عوار «٤» ، والحمولة المائرة لهم لاغية، وفي الشّويّ الوريّ «٥» مسنّة حامل أو حائل، وفيما سفى الجدول من العين المعين العشر من ثمرها مما أخرجت أرصها، وفي العذى «٦» شطره بقيمة الأمين، فلا تزاد عليهم وظيفة ولا يفرّق. يشهد الله تعالى على ذلك ورسوله.
وكتب ثابت بن قيس بن شمّاس.
وفود ثقيف على النبي ﷺ
وفدت ثقيف على النبي ﷺ ، فكتب لهم كتابا حين أسلموا: أن لهم ذمة الله، وأن واديهم حرام، عضاهه «٧» وصيده وظلم فيه، وأن ما كان لهم من دين إلى أجل فبلغ
стр. 301
أجله فإنه لياط «١» مبرّأ من الله ورسوله، وأن ما كان لهم من دين ومن رهن وراء عكاظ، فإنه يقضى إلى رأسه ويلاط بعكاظ ولا يؤخّر.
وفود مذحج على النبي ﷺ
وفد ظبيان بن حدّاد في سراة مذحج على النبي ﷺ ، فقال بعد السلام على رسول الله ﷺ ، والثناء على الله بما هو أهله.
الحمد لله الذي صدع الأرض بالنبات، وفتق السماء بالرّجع»
. ثم قال: نحن قوم من سراة مذحج من يحابر بن مالك. ثم قال: فتوقّلت «٣» بنا القلاص؛ من أعالى الحوف ورءوس الهضاب، ترفعها عرر «٤» الرّبا وتخفضها بطنان الرقاق، وتلحقها دياجي الدّجى. ثم قال: وسروات الطائف كانت لبني مهلائيل بن قينان: غرسوا وديانه وذلّلوا خشانه، ورعوا قربانه. ثم ذكر نوحا حين خرج من السفينة بمن معه، قال فكان أكثر بنيه بناتا. وأسرعهم نباتا، عاد وثمود، فرماهم الله بالدّمالق «٥» ، وأهلكهم بالصواعق. ثم قال: وكانت بنو هانيء من ثمود تسكن الطائف، وهم الذين خطّوا مشاربها، وأتّوا جداولها، وأحيوا غراسها، ورفعوا عريشها. ثم قال: وإن حمير ملكوا معاقل الأرض وقرارها، وكهول الناس وأغمارها، ورءوس الملوك وغرارها، فكان لهم البيضاء والسوداء، وفارس الحمراء، والجزية الصفراء؛ فبطروا النّعم، واستحقوا النّقم، فضرب الله بعضهم ببعض. ثم قال: وإن قبائل من الأزد نزلوا على عهد عمرو بن عامر، ففتحوا فيها الشرائع، وبنوا فيها المصانع، واتخذوا الدسائع «٦» ؛ ثم ترامت مذحج بأسنّتها، وتنزّت بأعنّتها: فغلب العزيز أذلها، وقتل
стр. 302
الكثير أقلّها. ثم قال: وكان بنو عمرو بن جذيمة يخبطون عضيدها «١» ، ويأكلون حصيدها، ويرشّحون خضيدها «٢» .
فقال رسول الله ﷺ . إنّ نعيم الدنيا أقلّ وأصغر عند الله من خرء بعيضة، ولو عدلت عند الله جناح ذباب لم يكن لكافر منها خلاق، ولا لمسلم منها لحاق.
وفود لقيط بن عامر بن المنتفق على النبي ﷺ
وفد لقيط بن عامر بن المنتفق على النبي ﷺ ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق.
قال لقيط: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا المدينة لانسلاخ رجب، فأتينا رسول الله ﷺ ، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبا، فقال: أيها الناس، ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام، لتسمعوا الآن، ألا فهل من امريء قد بعثه قومه؟ - فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله ﷺ ألا، ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه ضالّ، ألا وإني مسئول هل بلّغت، ألا اسمعوا ألا اجلسوا.
فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره، قلت: يا رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله وهزّ رأسه، وعلم أني أبتغي سقطه؛ فقال: ضنّ ربّك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله- وأشار بيده- قلت: وما هي؟ قال: علم المنيّة، قد علم متى منيّة أحدكم ولا تعلمونه؛ وعلم ما في غد وما أنت طاعم غدا، ولا تعلمه، وعلم المنيّ حين يكون في الرّحم، قد علمه ولا
стр. 303
تعلمونه؛ وعلم الغيث، يشرف عليكم آزلين مسنتين «١» فيظلّ يضحك، قد علم أن عونكم قريب.
قال لقيط: قالت: لن نعدم من رب يضحك خيرا.
وعلم يوم الساعة. قلت: يا رسول الله، إني سائلك عن حاجتي فلا تعجلني.
قال: سل عما شئت.
قال: قلت: يا رسول الله، علّمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم؛ فإنا من قبيل لا يصدّقون تصديقنا أحدا؛ من مذحج التي تدنو إلينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها.
قال رسول الله ﷺ : تلبثون ما لبثتم، ثم يتوفّى نبيّكم ثم تلبثون حتى تبعث الصيحة، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات، والملائكة الذين عند ربك؛ فيصبح ربّك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد، فيرسل ربّك السماء بهضب «٢» من عند العرش، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل، ولا مدفن ميّت، إلا شقّت القبر عنه حتى تخلقه من قبل رأسه فيستوي جالسا، ثم يقول ربك: مهيم «٣» - لما كان فيه- فيقول: يا رب، أمس! اليوم! والعهده بالحياة يحسبه حديث عهد بأهله.
فقلت: يا رسول الله، كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح والبلى والسباع؟
قال: أنبئك بمثل ذلك في إلّ «٤» الله، أشرفت على الأرض وهي مدرة «٥» يابسة فقلت: لا تحيا هذه أبدا، ثم ارسل ربّك عليها السماء فلم تلبث إلا أياما حتى أشرفت
стр. 304
عليها وهي شربة واحدة «١» ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأصواء- قال ابن إسحاق: الأصواء أعلام القبور- ومن مصارعكم، فتنظرون إليه وينظر إليكم.
قال: قلت: يا رسول الله، وكيف، نحن ملء الأرض وهو شخص واحد ننظر إليه وينظر إلينا؟
قال: أنبئك بمثل ذلك في إلّ الله: الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وتروه من أن تروهما ويرياكم، لا تضارون في رؤيتهما.
قال: قلت: يا رسول الله، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟
قال: تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا يخفي عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء، فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطيء وجه أحدكم منها قطرة. فأما المسلم فتدع وجهه مثل الرّيطة «٢» البيضاء، وأما الكافر فتخطمه «٣» بمثل الحمم «٤» الأسود. ثم ينصرف نبيّكم ويتفرق على أثره الصالحون. قال: فتسلكون جسرا من النار، فيطأ أحدكم الجمر يقول: حس! يقول ربك: أو إنّه؟ فتطّلعون على حوض الرسول لا يظمأ والله ناهله، فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلا وضع عليها قدح يطهره من الطّوف «٥» والبول والأذى، وتحبس الشمس والقمر ولا ترون منهما واحدا.
قال: قلت: يا رسول الله، فبم نبصر يومئذ؟
стр. 305
قال: بمثل بصرك ساعتك هذه؛ وذلك قبل طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال.
قال: قلت: يا رسول الله، فبم نجزى من سيّئاتنا وحسناتنا؟
قال: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، إلا أن يعفو.
قال: قلت: يا رسول الله، فلما الجنة وما النار؟
قال: لعمر إلهك إنّ للنار لسبعة أبواب، ما منها بابان إلّا يسير الراكب بينهما سبعين عاما. وإن للجنة لثمانية أبواب، ما منها بابان إلّا يسير الراكب بينهما سبعين عاما.
قال: قلت: يا رسول الله، فعلام نطّلع من الجنة؟
قال: على أنها من عسل مصفّى، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه، وأزواج مطهّرة.
قال: قلت: يا رسول الله، أو لنا فيها أزواج؟ أو منهن صالحات؟
قال: الصالحات للصالحين، تلذّون بهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذذن بكم، غير أن لا توالد.
قال لقيط: قلت: أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه، فلم يجبه النبي ﷺ .
قال: قلت: يا رسول الله، علام أبايعك؟ قال: فبسط إليّ يده وقال: على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزيال الشّرك «١» ، وألّا تشرك بالله إلها غيره.
قال: فقلت: وإنّ لنا ما بين المشرق والمغرب؟.
فقبض ﷺ يده وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه.
قال: قلت نحلّ منها حيث شئنا، ولا يجزي عن امرىء إلا نفسه؟ فبسط إليّ يده
стр. 306
وقال: ذلك لك: حلّ حيث شئت، ولا يجزي عنك إلا نفسك. قال: فانصرفنا عنه.
وفود قيلة على النبي ﷺ
خرجت قيلة بنت مخرمة التميمية تبغي الصّحبة إلى رسول الله ﷺ ، وكان عمّ بناتها، وهو أثوب بن أزهر، قد انتزع منها بناتها، فبكت جويرية منهن حديباء قد أخذتها الفرصة «١» ، عليها سبيّج من صوف، فرحمتها فذهبت بها. فبينما هما ترتكان «٢» الجمل إذ انتفخت منه الأرنب؛ فقالت الحديباء: الفصية. والله لا يزال كعبك أعلى من كعب أثوب. ثم سنح الثعلب، فسمّته اسما غير الثعلب نسيه ناقل الحديث. ثم قالت فيه مثل ما قالت في الأرنب، فبينما هما ترتكان الجمل إذ برك الجمل وأخذته رعدة. فقالت الحديباء: أخذتك والأمانة إخذة أثوب. قالت قيلة:
فقلت لها: فما أصنع، ويحك! قالت: قلّبي ثيابك ظهورها لبطونها، وادّحرجي ظهرك لبطنك، وقلّبي أحلاس «٣» جملك. ثم خلعت سبيّجها فقلبته، ثم ادحرجت ظهرها لبطنها، فلما فعلت ما أمرتني به انتفض الجمل، ثم قام فنأج «٤» وبال، فقالت: أعيدي عليه أداتك. ففعلت، ثم خرجنا نرتك، فإذا أثوب يسعى وراءنا بالسيف صلتا، فوألنا إلى حواء ضخم فداراه، حتى ألقى الجمل إلى رواقه الأوسط، وكان جملا ذلولا، واقتحمت داخله وأدركني بالسيف، فأصابت ظبته طائفة من قرون رأسيه؛ ثم قال: ألقي إليّ ابنة أخي يادفار «٥» . فألقيتها إليه. فجعلها على منكبه وذهب بها.
وكنت أعلم به من أهل البيت، وخرجت إلى أخت لي ناكح في بني شيبان أبتغي الصحبة إلى رسول الله ﷺ . فينما أنا عندها تحسب أني نائمة، إذ جاء زوجها من السامر، فقال لها: وأبيك لقد وجدت لقيلة صاحب صدق. قالت أختي: من هو؟
стр. 307
قال: حريث بن حسّان الشّيباني، وافد بكر بن وائل عاويا ذا صياح. فقالت أختي:
الويل لي، لا تخبرها فتتبع أخا بكر بن وائل بين سمع الأرض وبصرها، ليس معها أحد من قومها. قال: لا ذكرته.
قالت: وسمعت ما قالا: فغدون إلى جملي فشددت عليه، ثم نشدت عنه فوجدته غير بعيد. فسألته الصّحبة فقال: نعم وكرامة، وركابه مناخة عنده.
قالت: فسرت معه صاحب صدق؛ حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو يصلي بالناس صلاة الغداة: قد أقيمت حين شق الفجر، والنجوم شابكة في السماء، والرجال لا تكاد تعارف من ظلمة الليل؛ فصففت مع الرجال؛ وأنا امرأة قريبة عهد بجاهلية؛ فقال الرجل الذي يليني من الصف: امرأة أنت أم رجل؟ فقلت: لا بل امرأة. فقال:
إنك كدت تفتنيني، فصلّي في النساء وراءك. فإذا صفّ من نساء قد حدث عند الحجرات لم أكن رأيته إذ دخلت؛ فكنت فيهن؛ حتى إذا طلعت الشمس دنوت؛ فجعلت إذا رأيت رجلا ذا رواء وذا قشر «١» طمح إليه بصري لأرى رسول الله فوق الناس، حتى جاء رجل؛ فقال: السلام عليك يا رسول الله. فقال: وعليك السلام ورحمة الله. وعليه تعني النبي ﷺ أسمال ملّيتين، كانتا مزعفرتين وقد نفضتا؛ ومعه عسيّب نخلة مقشوّ «٢» غير خوصتين من أعلاه: وهو قاعد القرفصاء. فلما رأيت رسول الله ﷺ متخشّعا في الجلسة أرعدت من الفرق، فقال جليسه: يا رسول الله، أرعدت المسكينة. فقال رسول الله، ولم ينظر إلي وأنا عند ظهره: يا مسكينة، عليك السكينة.
قالت: فلما قالها ﷺ أذهب الله ما كان دخل في قلبي من الرعب.
وتقدّم صاحبي أول رجل فبايعه على الإسلام عليه وعلى قومه، ثم قال: يا رسول الله، اكتب بيننا وبين تميم كتابا بالدّهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلا مسافر أو مجاوز.
стр. 308
قال: يا غلام، اكتب له بالدّهناء.
قالت: فلما رأيته أمر بأن يكتب له؛ شخص بي. وهي وطني وداري؛ فقلت: يا رسول الله؛ إنه لم يسألك السويّة من الأرض إذ سألك؛ إنما هذه الدهناء مقيّد الجمل ومرعى الغنم؛ ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك. فقال: أمسك يا غلام، صدقت المسكينة المسلم أخو المسلم، يسعهما الماء والشجر. ويتعاونان على الفتّان «١» .
فلما رأى حريث أن قد حيل دون كتابه، قال كنت أنا وأنت كما قال في المثل:
حتفها تحمل ضأن بأظلافها! فقلت: أما والله ما علمت إن كنت لدليلا في الظلماء، جوادا لدى الرّحل، عفيفا عن الرفيقة حتى قدمنا على رسول الله ﷺ ولكن لا تلمني أن أسأل حظي إذ سألت حظّك. قال: وأيّ حظ لك في الدهناء لا أبالك.
قلت مقّيد جملي تريده لجمل امرأتك! فقال: لا جرم إني أشهد رسول الله أني لك أخ ما حييت؛ إذ أثنيت عليّ عنده. فقلت: أمّا إذ بدأتها فلن أضيعها.
فقال رسول الله ﷺ : أيلام ابن هذه أن يفصل الخطة، وينتصر من وراء الحجزة. فبكيت ثم قلت: فقد والله ولدته يا رسول الله حراما، فقاتل معك يوم الرّبذة، ثم ذهب يمتري من خيبر، فأصابته حمّاها فمات فقال: لو لم تكوني مسكينة لجررناك على وجهك. أيغلب أحيدكم على أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا، فإذا حال بينه وبينه من هو أولى به استرجع ثم قال: ربّ آسني لما أمضيت، وأعنّي على ما أبقيت. فو الذي نفس محمد بيده إنّ أحدكم ليبكي فيستعبر له صويحبه؛ فيا عباد الله لا تعذّبوا إخوانكم ثم كتب لها في قطعة أدم أحمر: لقيلة والنسوة من بنات قيلة يظلمن حقّا، ولا يكرهن على منكح، وكل مؤمن مسلم لهن نصير أحسنّ ولا تسئن.
стр. 309
كتاب رسول الله ﷺ لأكيدر دومة
من محمد رسول الله ﷺ لأكيدر دومة، حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها:
إن لنا الضاحية من الضّحل والبور والمعامي وأغفال الأرض والحلقة والسّلاح والحافر والحصن، ولكم الضّامنة من النخل والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم «١» ، ولا يحظر عليكم النبات. تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق، ولكم به الصدق والوفاء. شهد الله ومن حضر من المسلمين.
كتابه ﷺ لوائل بن حجر الحضرمي
من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة «٢» والارواع المشابيب «٣» من أهل حضر موت بإقامة الصلاة، وايتاء الزكاة: في التيعة «٤» شاة، لا مقوّرة الألياط ولا ضناك، وانطوا الشّبجة «٥» والتيمة لصاحبها، وفي السيّوب الخمس؛ لا خلاط، ولا وراط،
стр. 310
ولا شناق، ولا شغار «١» ، ومن أجبى فقد أربى «٢» ، وكل مسكر حرام.
حديث جرير بن عبد الله البجلي
قدم جرير بن عبد الله البجليّ على رسول الله ﷺ : فسأله عن منزله ببيشة، فقال سهل ودكداك «٣» ، وسلم وأراك، وحمّض وعلاك، إلى نخلة ونخلة، ماؤها ينبوع، وجنابها مريع، وشتاؤها ربيع.
فقال رسول الله ﷺ : إنّ خير الماء الشّبم «٤» ، وخير المال الغنم، وخير المرعى الأراك، والسلّم إذا أخلف كان لجينا، وإذا أسقط كان درينا «٥» ، وإذا أكل كان لبينا.
وفي كلامه ﵇: إن الله خلق الأرض السّفلى من الزبد الجفاء والماء والكباء.
حديث عياش بن أبي ربيعة
بعث رسول الله ﷺ عيّاش بن أبي ربيعة إلى بني عبد كلال وقال له: خذ كتابي بيمينك وادفعه بيمينك في أيمانهم، فهم قائلون لك اقرأ. فاقرأ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ
«٦» . فإذا فرغت منها فقل: آمن محمد وأنا أول المؤمنين. فلن تأتيك حجة إلا وقد دحضت ولا كتاب زخرف إلا وذهب
стр. 311
نوره ومحّ «١» لونه، وهم قارئون، فإذا رطنوا فقد ترجموا. فقل: حسن، آمنت بالله وما أنزل من كتاب الله. فإذا أسلموا فسلهم فضبهم الثلاثة التي إذا تخصّروا بها سجد لهم، وهي الأثل قضيب ملمع ببياض، وقضيب ذو عجر كأنه من خيزران، والأسود البهيم، كأنه من ساسم «٢» . ثم اخرج بها فحرّقها في سوقهم.
حديث راشد بن عبد ربه السلمي
عبد الله بن الحكم الواسطيّ عن بعض أشياخ أهل الشام، قال: قال استعمل رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب على نجران، فولّاه الصلاة والحرب، ووجّه راشد بن عبد ربه أميرا على القضاء والمظالم. قال راشد بن عبد ربه:
ضحا القلب عن سلمى وأقصر شأوه ... وردّت عليه ما نفته تماضر
وحكّمه شيب القذال عن الصبا ... وللشّيب عن بعض الغواية زاجر
فأقصر جهلي اليوم وارتدّ باطلي ... عن الجهل لما ابيض منّي الغدائر
على أنه قد هاجه بعد صحوة ... بمعرض ذي الآجام عيس بواكر
ولما دنت من جانب الغوط أخصبت ... وحلّت ولا قاها سليم وعامر
وخبّرها الرّكبان أن ليس بينها ... وبين قرى بصرى ونجران كافر
فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر «٣»
وفود نابغة بني جعدة على النبي ﷺ
وفد أبو ليلى نابغة بني جعدة على النبي ﷺ ، فأنشده شعره الذي يقول فيه:
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا
стр. 312
قال له النبي ﷺ : إلى أين أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة. قال النبي ﷺ : إن شاء الله.
فلما انتهى إلى قوله:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
قال له النبي ﷺ : لا يفضض الله فاك! فعاش مائة وثلاثين سنة لم تنفضّ له سنّ، وبقي حتى وفد على عبد الله بن الزبير في أيامه بمكة وامتدحه، فقال له: يا أبا ليلى، إنّ أدنى وسائلك عندنا الشعر، لك في مال الله حقّان: حق برؤيتك رسول الله ﷺ ، وحقّ بشركتك أهل الإسلام في فيئهم. ثم أحسن صلته وأجازه.
وفود طهفة بن أبي زهير النهدي على رسول الله ﷺ
لما قدمت وفود العرب على النبي ﷺ ، قام طهفة ابن أبي زهير، فقال: يا رسول الله، أتيناك من غوري تهامة بإكوار الميس «١» ، ترمى بنا العيس، نستحلب الصبيّر، ونستخلب الخبير؛ ونستعضد البرير، ونستخيل الرّهام «٢» ، ونستخيل الجهام «٣» ، من أرض غائلة النّطاء، «٤» ، غليظة الوطاء، قد نشف المدهن «٥» ويبس الجعثن «٦» ، وسقط الأملوج «٧» ، ومات العسلوج «٨» ؛ وهلك الهديّ، ومات الودي «٩» ، برئنا يا رسول الله من الوثن والعنن «١٠» ، وما يحدث الزمن؛ لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام، ما طمى
стр. 313
البحر، وقام تعار؛ ولنا نعم همّل أغفال، ما تبضّ ببلال؛ ووقير «١» كثير الرّسل، قليل الرّسل، أصابتها سنيّة حمراء مؤزلة «٢» . ليس بها علل ولا نهل.
فقال رسول الله ﷺ : اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها «٣» ، وابعث راعيها في الدّثر «٤» ، بيانع الثمر، وافجر له الثّمد «٥» ، وبارك له في المال والولد، من أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا. لكم يا بني نهد، ودائع الشّرك، ووضائع الملك، لا تلطط «٦» في الزكاة، ولا تلحد في الحياة، ولا تثاقل عن الصلاة.
وكتب معه كتابا إلى بني نهد: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد، السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم الفارض «٧» والفريش، وذو العنّان الرّكوب والفلو الضبيس «٨» ، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس درّكم، ما لم تضمروا الإمآق «٩» ، وتأكلوا الرّباق «١٠» . من أقر بما في هذا الكتاب فله من رسول الله ﷺ الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى عليه فعليه الرّبوة.
وفود جبلة بن الأيهم على عمر بن الخطاب ﵁
العجلي قال: حدّثني أبو الحسن عليّ بن أحمد بن عمرو بن الأجدع الكوفي؟؟؟
قال: حدّثني إبراهيم بن عليّ مولى بني هاشم، قال: حدّثنا ثقات شيوخنا أن؟؟؟ بن
стр. 314
الأيهم بن أبي شمر الغسّاني لما أراد أن يسلم كتب إلى عمر بن الخطاب من الشام يعلمه بذلك ويستأذنه في القدوم عليه. فسرّ بذلك عمر والمسلمون، فكتب إليه أن اقدم ولك مالنا وعليك ما علينا، فخرج جبلة في خمسمائة فارس من عكّ وجفنة، فلما دنا من المدينة ألبسهم ثياب الوشي المنسوج بالذهب والفضة، ولبس يومئذ جبلة تاجه وفيه قرط مارية، وهي جدّته فلم يبق يومئذ بالمدينة أحدّ إلا خرج ينظر اليه، حتى النساء والصبيان، وفرح المسلمون بقدومه وإسلامه، حتى حضر الموسم من عامه ذلك مع عمر ابن الخطاب؛ فبينا هو يطوف بالبيت إذ وطيء على إزاره رجل من بني فزارة فحلّه، فالتفت إليه جبلة مغضبا. فلطمه فهشم أنفه، فاستعدى عليه الفزاري عمر بن الخطاب. فبعث إليه فقال: ما دعاك يا جبلة إلى أن لطمت أخاك هذا الفزاري فهشمت أنفه؟
فقال: إنّه وطيء إزاري فحلّه، ولولا حرمة هذا البيت لأخذت الذي فيه عيناه.
فقال له عمر: أمّا أنت فقد أقررت. إمّا أن ترضيه وإلا أقدته «١» منك قال: أتقيده مني وأنا ملك وهو سوقة؟ قال: يا جبلة، إنه قد جمعك وإيّاه الإسلام، فما تفضله بشيء إلا [بالتّقى] بالعافية. قال: والله لقد رجوت أن أكون في الإسلام أعزّ مني في الجاهلية. قال عمر: دع عنك ذلك. قال: إذن أتنصّر. قال: إن تنصّرت ضربت عنقك. قال: واجتمع قوم جبلة وبنو فزارة فكادت تكون فتنة، فقال جبلة: أخّرني إلى غد يا أمير المؤمنين. قال: ذلك لك.
فلما كان جنح الليل خرج جبلة وأصحابه، فلم يئن «٢» حتى دخل القسطنطينية على هرقل، فتنصّر وأقام عنده، وأعظم هرقل قدوم جبلة، وسر بذلك وأقطعه الأموال والأرضين والرّباع.
ثم بعث عمر بن الخطاب رسولا إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، فأجابه إلى المصالحة على غير الإسلام، فلما أراد أن يكتب جواب عمر قال للرسول: ألقيت ابن عمك هذا
стр. 315
الذي ببلدنا- يعني جبلة- الذي أتانا راغبا في ديننا؟ قال: ما لقيته.
قال: القه، ثم ائتني أعطك جواب كتابك.
وذهب الرسول إلى باب جبلة، فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب هرقل.
قال الرسول: فلم أزل أتلطف في الإذن حتى أذن لي، فدخلت عليه، فرأيت رجلا أصهب اللحية ذا سبال؛ وكان عهدي به أسمر أسود اللحية والرأس. فنظرت إليه فأنكرته، فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب «١» فذرّها في لحيته حتى عاد أصهب، وهو قاعد على سرير من قوارير، قوائمه أربعة أسود من ذهب، فلما عرفني رفعني معه في السرير، فجعل يسائلني عن المسلمين، فذكرت خيرا، وقلت: قد أضعفوا أضعافا على ما تعرف. فقال: كيف تركت عمر بن الخطاب؟ قلت: بخير. فرأيت الغم قد تبيّن فيه لما ذكرت له من سلامة عمر. قال: فانحدرت عن السرير. فقال: لم تأبى الكرامة التي أكرمناك بها؟ قلت: إنّ رسول الله ﷺ نهى عن هذا.
قال: نعم، ﷺ ، ولكن نقّ قلبك من الدّنس ولا تبال علام قعدت. فلما سمعته يقول: ﷺ طمعت فيه، فقلت له: ويحك يا جبلة! ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضله؟ قال: أبعد ما كان مني؟
قلت: نعم، قد فعل رجل من بني فزارة أكثر مما فعلت: ارتد عن الإسلام وضرب وجوه المسلمين بالسيف، ثم رجع إلى الإسلام وقبل ذلك منه وخلّفته بالمدينة مسلما.
قال: ذرني من هذا؛ إن كنت تضمن لي أن يزوّجني عمر ابنته ويولّيني الأمر بعده رجعت إلى الإسلام. قلت: ضمنت لك التزويج ولم أضمن لك الإمرة.
قال: فأومأ إلى خادم بين يديه، فذهب مسرعا، فإذا خدم قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام، فوضعت، ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضة، وقال لي:
стр. 316
كل، فقبضت يدي. وقلت: إن رسول الله ﷺ نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة. فقال نعم ﷺ ، ولكن نقّ قلبك وكل فيما أحببت. قال: فأكل في الذهب والفضة وأكلت في الخليج «١» ؛ فلما رفع الطعام جيء بطساس الفضة وأباريق الذهب، وأومأ إلى خادم بين يديه، فمرّ مسرعا، فسمعت حسّا، فالتفتّ، فإذا خدم معهنّ الكراسي مرصّعة بالجواهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره، ثم سمعت حسّا، فإذا عشر جوار قد أقبلن مطمومات الشعر «٢» متكسرات في الحلى عليهن ثياب الديباج، فلم أر وجوها قط أحسن منهن، فأقعدهنّ على الكراسيّ عن يمينه؛ ثم سمعت حسّا، فإذا عشر جوار أخرى، فأجلسهن على الكراسيّ عن يساره؛ ثم سمعت حسّا، فإذا جارية كأنها الشمس حسنا؛ وعلى رأسها تاج، على ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه، وفي يدها اليمنى جام «٣» فيها مسك وعنبر، وفي يدها اليسرى جامة فيها ماء ورد، فأومأت إلى الطائر أو قال: فصفرت بالطائر، فوقع في جام ماء الورد فاضطرب فيه، ثم أومأت إليه أو قال: فصفرت به، فطار حتى نزل على صليب في تاج جبلة؛ فلم يزل يرفرف حتى نفض ما في ريشه عليه. وضحك جبلة من شدّة السرور حتى بدت أنيابه؛ ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه، فقال: بالله أطربنني؛ فاندفعن يتغنين يخفقن بعيدانهن ويقلن:
لله درّ عصابة نادمتهم ... يوما بجلّق في الزمان الأوّل
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل «٤»
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل
بيض الوجوه أعفّة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
قال: فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا. قال:
стр. 317
قائله حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ .
ثم التفت إلى الجواري اللاتي عن يساره، فقال: بالله أبكيننا. فاندفعن يتغنين ويخفقن بعيدانهن ويقلن:
لمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك فالخمان «١»
ذاك مغنى لآل جفنة في الدّه ... ر محلا لحادث الأزمان
قد أراني هناك دهرا مكينا ... عند ذي التاج مقعدي ومكاني
ودنا الفصح فالولائد ينظم ... ن سراعا أكلّة المرجان
لم يعلّلن بالمغافر والصّم ... غ ولا نقف حنظل الشّريان «٢»
قال: فبكى حتى جعلت الدموع تسيل على لحيته؛ ثم قال: أتدري من قائل هذا؟
قلت: لا أدري. قال: حسان بن ثابت. ثم أنشأ يقول:
تنصّرت الأشراف من عار لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنّفني منها لجاج ونخوة ... وبعت لها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى الأمر الذي قال لي عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر
ثم سألني عن حسان: أحيّ هو؟ قلت: نعم، تركته حيّا. فأمر لي بكسوة ومال ونوق موقرة براّ. ثم قال لي: إن وجدته حيّا فادفع إليه الهدية واقرئه سلامي، وإن وجدته ميتا فادفعها إلى أهله وانحر الجمال على قبره.
فلما قدمت على عمر أخبرته خبر جبلة وما دعوته إليه من الإسلام والشرط الذي شرطه وأني ضمنت له التزويج ولم أضمن له الإمرة، فقال: هلا ضمنت له الإمرة؛ فإذا أفاء الله به إلى الإسلام قضى عليه بحكمه .
стр. 318
ثم ذكرت له الهدية التي أهداها إلى حسّان بن ثابت، فبعث إليه وقد كفّ بصره، فأتي به وقائد يقوده، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين، إني لأجد رياح آل جفنة عندك! قال: نعم. هذا رجل أقبل من عنده. قال: هات يا بن أخي إنه كريم من كرام مدحتهم في الجاهلية فحلف ألّا بلقى أحدا يعرفني إلا أهدى إليّ معه شيئا. فدفعت إليه الهدية. المال والثياب، وأخبرته بما كان أمر به في الإبل إن وجد ميتا. فقال:
وددت أني كنت ميتا فنحرت على قبري.
قال الزبير: وانصرف حسان وهو يقول:
إنّ ابن جفنة من بقيّة معشر ... لم تغذهم آباؤهم باللوم
لم ينسني بالشّام إذ هو ربّها ... ملكا ولا متنصرا بالرّوم
يعطي الجزيل ولا يراه عنده ... إلا كبعض عطيّة المذموم
فقال له رجل كان في مجلس عمر: أتذكر ملوكا كفرة أبادهم الله وأفناهم؟ قال:
ممن الرجل؟ قال: مزني. قال: أما والله لولا سوابق قومك مع رسول الله ﷺ لطوّقتك طوق الحمامة.
قال: ثم جهزني عمر إلى قيصر وأمرني أن أضمن لجبلة ما اشترط به.
قلما قدمت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته، فعلمت أن الشقاء غلب عليه في أمّ الكتاب.
وفود الأحنف على عمر بن الخطاب ﵁
المدائني قال: قدم الأحنف بن قيس التميمي على عمر بن الخطاب ﵁، في أهل البصرة وأهل الكوفة، فتكلموا عنده في أنفسهم وما ينوب كلّ واحد منهم، وتكلم الأحنف فقال:
يا أمير المؤمنين، إن مفاتيح الخير بيد الله، وقد أتتك وفود أهل العراق، وإنّ
стр. 319
إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية، والملوك الجبابرة، ومنازل كسرى وقيصر وبني الأصفر «١» ، فهم من المياه العذبة والجنان المخصبة في مثل حولاء السّلى وحدقة البعير «٢» ، تأتيهم ثمارهم غضّة لم تتغيّر؛ وإنا نزلنا أرضا نشاشة طرف في فلاة وطرف في ملح أجاج، جانب منها منابت القصب، وجانب سبخة نشّاشة لا يجف ترابها، ولا ينبت مرعاها، تأتينا منافعها في مثل مريء النعامة، يخرج الرجل الضعيف منّا يستعذب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة بمثل ذلك ترنّق «٣» ولدها ترنيق العنز، تخاف عليه العدوّ والسبع، فإلا ترفع خسيستنا. وتنعش ركيستنا «٤» ، وتجبر فاقتنا، وتزيد في عيالنا عيالا، وفي رجالنا رجالا، وتصفّر درهمنا، وتكبّر قفيزنا، وتأمر لنا بحفر نهر نستعذب به الماء هلكنا.
قال عمر: هذا والله السيد! هذا والله السيد! قال الأحنف: فما زلت أسمعها بعدها.
فأراد زيد بن جبلة أن يضع منه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس هناك، وأمّه باهليّة.
قال عمر: هو خير منك إن كان صادقا. يريد: إن كانت له نيّة.
فقال الأحنف:
أنا ابن الباهليّة أرضعتني ... بثدي لا أجدّ ولا وخيم «٥»
أغضّ على القذى أجفان عيني ... إذا شرّ السّفيه إلى الحليم «٦»
قال فرجع الوفد واحتبس الأحنف عنده حولا وأشهرا، ثم قال: إن رسول الله
стр. 320
صلّى الله عليه وسلّم حذّرنا كل منافق صنع اللسان، وإني خفتك فاحتبستك، فلم يبلغني عنك إلا خير؛ رأيت لك جولا «١» ومعقولا؛ فارجع إلى منزلك واتق الله ربك. وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يحتفر لهم نهرا.
وفود الأحنف وعمرو بن الأهتم على عمر بن الخطاب ﵁
العتبي عن أبيه قال: وفد الأحنف وعمرو بن الأهتم على عمر بن الخطاب ﵁، فأراد أن يقرع بينهما في الرياسة، فلما اجتمعت بنو تميم، قال الأحنف:
ثوى قدح عن قومه طالما ثوى ... فلمّا أتاهم قال قوموا تناجزوا
فقال عمرو بن الأهتم: إنا كنّا وأنتم في دار جاهليّة فكان الفضل فيها لمن جهل، فسفكنا دماءكم، وسبينا نساءكم، وإنّا اليوم في دار الإسلام والفضل فيها لمن حلم؛ فغفر الله لنا ولك.
قال: فغلب يومئذ عمرو بن الأهتم على الأحنف ووقعت القرعة لآل الأهتم فقال عمرو بن الأهتم:
لمّا دعتني للرّياسة منقر ... لدى مجلس أضحى به النّجم باديا
شددت لها أزري وقد كنت قبلها ... لأمثالها ممّا أشدّ إزاريا
وعمرو بن الأهتم: هو الذي تكلم بين يدي رسول الله ﷺ ، وسأله عن الزبرقان، فقال عمرو: مطاع في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره.
فقال الزبرقان: والله يا رسول الله إنه ليعلم مني أكثر مما قال، ولكن حسدني.
قال: أما والله يا رسول الله، إنه لزمر «٢» المروءة، ضيّق العطن «٣» ؛ أحمق الوالد
следующие страницы →