← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

الخلافة؛ فلما أفضت إليه الخلافة شرب الطّلاء «١» . وقال له سعيد بن المسيب: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت بعدي الطلا؟ فقال: إي واللَّه، وقتلت النفس!. ومنهم الوليد بن يزيد، ذهب به الشراب كل مذهب حتى خلع وقتل؛ وهو القائل: خذوا ملككم لا ثبّت اللَّه ملككم ... ثباتا يساوي ما حييت عقالا «٢» دعوا لي سليمى والنّبيذ وقينة ... وكأسا، ألا حسبي بذلك مالا أبالملك أرجو أن أخلّد فيكم؟ ... ألا ربّ ملك قد أزيل فزالا وسقى قوم أعرابية مسكرا، فقالت: أيشرب نساؤكم مثل هذا؟ قالوا: نعم. قالت: فما يدري أحدكم من أبوه!. ومنهم إبراهيم بن هرمة، وكان مغرما بالشراب، وحدّه عليه جماعة من عمال المدينة، فلما الحوا عليه وضاق ذرعه بهم، دخل إلى المهدي بشعره الذي يقول فيه: له لحظات عن خفافي سريرة ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل «٣» لهم تربة بيضاء من آل هاشم ... إذا اسودّ من لؤم التراب القبائل إذا ما أتى شيئا مضى كالذي أتى ... وإن قال: إني فاعل، فهو فاعل فأعجب المهدي بشعره، وقال: سل حاجتك. قال: تأمر لي بكتاب إلى عامل المدينة أن لا يحدّني على شراب! فقال له: ويلك! كيف نأمر بذلك؟ لو سألتني عزل عامل المدينة وتوليتك مكانه لفعلت. قال: يا أمير المؤمنين لو عزلت عامل المدينة ووليتني مكانه أما كنت تعزلني أيضا وتولي غيري؟ قال: بلى قال: فكنت أرجع إلى سيرتي الاولى [فأحدّ] .. فقال المهدي لوزرائه: ما تقولون في حاجة ابن هرمة، وما

стр. 2557

عندكم [فيها] من التلطف؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه يطلب ما لا سبيل إليه. إسقاط حدّ من حدود اللَّه، قال المهدي: إن عندي له حيلة، إذا أعيتكم حيلته؛ اكتبوا إلى عامل المدينة: من اتاك بابن هرمة سكران فاضرب ابن هرمة ثمانين واضرب الذي يأتيك به مائة! فكان ابن هرمة إذا مشى في أزقة المدينة، يقول: من يشترى مائة بثمانين ... ؟. وكان بأمج رجل يقال له حميد، وكان مفتونا بالخمر، فهجاه ابن عم له: حميد الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشّيبة الأصلع «١» علاه المشيب على شربها ... وكان كريما- فما ينزع ودخل حميد يوما على عمر بن عبد العزيز، فقال له: من أنت؟ قال: أنا حميد. قال: حميد الذي....؟ قال: واللَّه يا أمير المؤمنين ما شربت مسكرا منذ عشرين سنة، فصدّقه بعض جلسائه؛ فقال له: إنما داعبناك. الفرق بين الخمر والنبيذ الخمر والنبيذ أول ذلك ان تحريم الخمر مجمع عليه لا اختلاف فيه بين اثنين من الائمة والعلماء، وتحريم النبيذ مختلف فيه بين الاكابر من اصحاب النبي ﷺ والتابعين، حتى لقد اضطر محمد بن سيرين مع علمه وورعه أن يسأل عبيدة السّلماني عن النبيذ، فقال له عبيدة: اختلف علينا فى النبيذ. وعبيدة ممن أدرك أبا بكر وعمر؛ فما ظنك بشيء اختلف فيه الناس وأصحاب النبي ﵊ متوافرون، فمن بين مطلق له ومحظر عليه، وكل واحد منهم مقيم الحجج لمذهبه والشواهد على قوله؟. والنبيذ كل ما ينبذ في الدّبّاء «٢» والمزفّت فاشتد حتى يسكر كثيره، وما لم يشتد

стр. 2558

فلا يسمى نبيذا، كما أنه ما لم يعمل من عصير العنب حتى يشتد لا يسمى خمرا، كما قال الشاعر: نبيذ إذا مرّ الذّباب بدنّه ... تقطّر أو خرّ الذباب وقيذا «١» وقيل لسفيان الثوري وقد دعا بنبيذ فشرب منه ووضعه بين يديه: يا أبا عبد اللَّه، أتخشى الذباب أن يقع في النبيذ؟ قال: قبحه اللَّه إن لم يذبّ عن نفسه!. وقال حفص بن غياث: كنت عند الاعمش وبين يديه نبيذ، فاستأذن عليه قوم من طلبة الحديث، فسترته، فقال لي: لم سترته؟ فكرهت أن أقول: لئلا يراه من يدخل، فقلت: كرهت أن يقع فيه الذباب. فقال لي: هيهات إنه أمنع من ذلك جانبا!. ولو كان النبيذ هو الخمر التي حرمها اللَّه في كتابه، ما اختلف في تحريمه اثنان من الأمة. حدث محمد بن وضّاح قال: سألت سحنونا، فقلت: ما تقول فيمن حلف بطلاق زوجته أن المطبوخ من عصير العنب هو الخمر التي حرمها اللَّه في كتابه؟ قال: بانت «٢» زوجته منه. وذكر ابن قتيبة في كتاب الاشربة ان اللَّه تعالى حرّم علينا الخمر بالكتاب، والمسكر بالسنة، فكان فيه فسحة؛ فما كان محرّما بالكتاب فلا يحل منه لا قليل ولا كثير، وما كان محرّما بالسّنة فإن فيه فسحة أو بعضه، كالقليل من الديباج والحرير يكون في الثوب، والحرير محرّم بالسنة؛ وكالتفريط في صلاة الوتر وركعتي الفجر، وهما سنة؛ فلا نقول إن تاركها كتارك الفرائض من الظهر والعصر. وقد استأذن عبد الرحمن بن عوف رسول اللَّه ﷺ في لباس الحرير لبليّة كانت به.

стр. 2559

وأذن لعرفجة بن سعد- وكان أصيب أنفه يوم الكلاب- باتخاذ أنف من الذهب. وقد جعل اللَّه فيما أحلّ عوضا مما حرّم، فحرّم الربا وأحل البيع، وحرم السفاح «١» وأحل النكاح، وحرم الديباج «٢» وأحل الوشي، وحرم الخمر وأحل النبيذ غير المسكر؛ والمسكر منه ما أسكرك. مناقشة ابن قتيبة في قوله في الاشربة قال في كتابه: فإن قال قائل: إن المنكر هي الشربة المسكرة، اكذبه النظر؛ لان القدح الاخير إنما أسكر بالاول، وكذلك اللقمة الاخيرة إنما اشبعت بالاولى. ومن قال السكر حرام، قال: فإنما ذلك مجاز من القول، وإنما يريد: ما يكون منه السكر حرام، وكذلك التخمة حرام. وهذا الشاهد الذي استشهد به في تحريمه قليل ما أسكر كثيره، وتشبيهه ذلك بالتخمة- شاهد عليه لا شاهد له؛ لأن الناس مجمعون على أن قليل الطعام الذي تكون منه التخمة، حلال؛ وأن التخمة حرام؛ وكذلك ينبغي ان يكون قليل النبيذ الذي يسكر كثيره حلالا، وكثيره حراما، وأن الشربة الاخيرة المسكرة هي المحرّمة. ومثل الاربعة أقداح التي يسكر منها القدح الرابع، مثل أربعة رجال اجتمعوا على رجل، فشجّه احدهم موضحة «٣» ، ثم شجه الثاني منقلة «٤» ، ثم شجه الثالث مأمومة «٥» ، ثم أقبل الرابع فأجهز عليه؛ فلا نقول إن الاول، هو قاتله، ولا الثاني، ولا الثالث، وإنما قتله الرابع الذي اجهز عليه وعليه القود «٦» .

стр. 2560

وذكر ابن قتيبة في كتابه: بعد ان ذكر اختلاف الناس في النبيذ وما أدلى به كل قوم من الحجة، فقال: وأعدل القول عندي ان تحريم الخمر بالكتاب، وتحريم النبيذ بالسنة. وكراهية ما تغيّر وخدّر من الاشربة تأديب ... ثم زعم في هذا الكتاب بعينه أن الخمر نوعان: فنوع منهما أجمع على تحريمه: وهو خمر العنب من غير ان تمسه نار، لا يحل منه لا قليل ولا كثير؛ ونوع آخر مختلف فيه، وهو نبيذ الزبيب إذا اشتد، ونبيذ التمر إذا صلب، ولا يسمى سكرا إلا نبيذ التمر خاصة. وقال بعض الناس: نبيذ التمر حل وليس بخمر واحتجوا بقول عمر: فما انتزع بالماء فهو حلال، وما انتزع بغير الماء فهو حرام. قال ابن قتيبة: وقال آخرون: هو خمر حرام كله. وهذا هو القول عندي؛ لأن تحريم الخمر نزل وجمهور الناس مختلفة، وكلها يقع عليها هذا الإسم في ذلك الوقت. خمور البلاد وذكر ان ابا موسى قال: خمر المدينة من البسر والتمر، وخمر اهل فارس من العنب، وخمر اهل اليمن من البتع، وهو نبيذ العسل؛ وخمر الحبشة السكركة وهي من الذرة؛ وخمر التمر يقال له: البتع، والفضيخ. مم يصنع الخمر وذكر ان عمر قال: الخمر من خمسة أشياء: من البر، والشعير، والتمر، والزبيب. والعسل. والخمر ما خامر العقل. ولأهل اليمن أيضا شراب من الشعير يقال له المزر. ويزعم ههنا ابن قتيبة ان هذه الاشربة كلها خمر، وقال: هذا هو القول عندي. وقد تقدم له في صدر الكتاب ان النبيذ لا يسمى نبيذا حتى يشتدّ ويسكر كثيره، كما أن

стр. 2561

عصير العنب لا يسمى خمرا حتى يشتد. وان صدر هذه الامة والائمة في الدين لم يختلفوا في شيء كاختلافهم في النبيذ وكيفيته ... ثم قال فيما حكم بين الفريقين: أما الذين ذهبوا إلى تحريمه كلّه ولم يفرقوا بين الخمر وبين نبيذ التمر، وبين ما طبخ وبين ما أنقع، فإنهم غلوا في القول جدا، ونحلوا قوما من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وسلم البدريّين، وقوما من خيار التابعين، وائمة من السلف المتقدمين، شرب الخمر، وزيّنوا ذلك بأن قالوا: شربوها على التأويل وغلطوا في ذلك، فاتهموا نظرهم ونحلوهم الخطأ، وبرّءوا أنفسهم منه. فعجبت منه كيف يعيب هذا المذهب، ثم يتقلده، ويطعن على قائله ثم يقول به! إلا اني نظرت إلى كتابه، فرأيته قد طال جدا. فاحسبه أنسي في آخره ما ذهب اليه في أوله؛ والقول الاول من قوله هو المذهب الصحيح الذي تأنس إليه القلوب وتقبله العقول، لا قوله الآخر الذي غلط فيه!. احتجاج المحرمين لقليل النبيذ وكثيره ذهبوا اجمعون إلى ان ما اسكر كثيره من الشراب فقليله حرام كتحريم الخمر وقال بعضهم: بل هو الخمر بعينها، ولم يفرقوا بين ما طبخ وبين أنقع، وقضوا عليه كله أنه حرام؛ وذهبوا من الاثر إلى حديث رواه عبد اللَّه بن قتيبة عن محمد بن خالد ابن خداش عن ابيه عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ قال: «كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر» . وحديث رواه ابن قتيبة عن إسحاق بن راهويه عن المعتمر بن سليمان عن ميمون بن مهدي عن أبي عثمان الانصاري عن القاسم عن عائشة: ان النبي ﷺ قال: «كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فالحسوة منه حرام» .

стр. 2562

مكاييل العرب والفرق ستة عشر رطلا. وللعرب أربعة مكاييل مشهورة: أصغرها المدّ وهو رطل وثلث في قول الحجازيين، ورطلان في قول العراقيين. وكان النبي ﷺ يتوضأ بالمدّ. والصاع: وهو أربعة أمداد، خمسة أرطال وثلث في قول الحجازيين، وثمانية أرطال في قول العراقيين. وكان رسول اللَّه ﷺ يغتسل بالصاع. والقسط: وهو رطلان وثلثان في قول الناس جميعا. والفرق: وهو ستة عشر رطلا، ستة أقساط في قول الناس أجمعين. ... وذهبوا إلى حديث رواه ابن قتيبة عن محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: «كل شراب أسكر فهو حرام» . مع أشياء كهذا من الحديث، يطول الكتاب باستقصائها إلا أن هذه أغلظها في التحريم وأبعدها من حيلة المتأوّل. قالوا: والشاهد على ذلك من النظر، أن الخمر إنما حرّمت لإسكارها وجناياتها على شاربها، ولأنها رجس كما قال اللَّه. ثم ذكروا من جنايات الخمر ما قد ذكرناه في صدر كتابنا هذا من آفات الخمر وجناياتها، ثم قالوا: والعلة التي لها حرمت الخمر من الإسكار والصداع والصد عن ذكر اللَّه وعن الصلاة، قائمة بعينها في النبيذ كلّه المسكر، فسبيله سبيل الخمر، لا فرق بينهما في الدليل الواضح والقياس الصحيح؛ كما أن حديث النبي ﷺ في الفأرة إذا وقعت في السمن: أنه إن كان جامدا ألقيت وألقي ما حولها، وإن كان جاريا أريق السمن؛ فحملت العلماء الزيت ونحوه محمل السمن بالدليل الصحيح. وعلمت أن النبي ﷺ لم يقصد إلى السمن خاصة بنجس الفأرة، وإنما سئل عن الفأرة تقع في السمن فأفتى فيه، فقاس العلماء الزيت وغيره بالسمن ...

стр. 2563

.. وكما أمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار للتنقية من الأذى، فأجازوا كل ما أنقى من الخزف والخرق وغير ذلك، وحملوه محمل الأحجار الثلاثة، ولما حرمت الخمر بعلّة هي قائمة في النبيذ المسكر، حمل النبيذ محمل الخمر في التحريم. قالوا: ووجدناهم يقولون لمن غلب عليه غنث «١» النفس وصداع الرأس من الخمر: مخمور، وبه خمار، ويقال مثل ذلك في شارب النبيذ، ولا يقولون: منبوذ ولا به نباذ. والخمار مأخوذ من الخمر، كما يقال الكباد في وجع الكبد، والصدار في وجع الصدر. ... وذهبوا في تحريم النبيذ إلى حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : أنه نهى أن ينبذ في الدباء والمزفّت «٢» . ... وقالوا: لمن أجاز قليل ما أسكر كثيره: إنه ليس بين شارب المسكر وموافقة السكر حد ينتهى إليه ولا يوقف عنده، ولا يعلم شارب المسكر متى يسكر، كما لا يعلم الناس متى يرقد؛ وقد يشرب الرجل من الشراب المسكر قدحين وثلاثة أقداح ولا يسكر، ويشرب منه غيره قدحا واحدا فيسكر؛ لأنه قد يختلف طبع الرجل في نفسه، فيسكر مرة من القدحين، ويشرب مرة أخرى ثلاثة أقداح فلا يسكر. رسالة عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار في الأنبذة «أما بعد فإن الناس كان منهم في هذا الشراب المحرّم أمر ساءت فيه رعة «٣» كثير منهم، [وجمعوا مما يغشون به مما حرم اللَّه حراما كثيرا نهوا عنه] عند سفه أحلامهم، وذهاب عقولهم، فاستحلّ به الدم الحرام، والفرج الحرام؛ وأن رجالا

стр. 2564

منهم ممن يصيب ذلك الشراب يقولون: شربنا طلاء، فلا بأس علينا في شربه! ولعمري فيما قرّب مما حرّم اللَّه بأسا، وإن في الأشربة التي أحل اللَّه، ومن العسل والسويق، والنبيذ والتمر، لمندوحة عن الأشربة الحرام، غير أن كل ما كان من نبيذ العسل والتمر والزبيب فلا ينبذ إلا في أسقية الأدم التي لازفت فيها، ولا يشرب منها ما يسكر! فإنه بلغنا أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن شرب ما جعل في الجرار والدّباء والظروف المزفتة، وقال: «كل مسكر حرام» ؛ فاستغنوا بما أحلّ لكم عما حرّم عليكم؛ وقد أردت بالذي نهيت عنه من شرب الخمر وما ضارع الخمر من الطلاء، وما جعل في الدباء والجرار والظروف المزفتة، وكل مسكر- اتخاذ الحجة عليكم؛ فمن يطع منكم فهو خير له، ومن يخالف إلى ما نهى عنه نعاقبه على العلانية، ويكفينا اللَّه ما أسرّ، فإنه على كل شيء رقيب؛ ومن استخفى بذلك عنا فإن اللَّه أشد بأسا وأشد تنكيلا!» . احتجاج المحلين للنبيذ كله قال المحلّون لكل ما أسكر كثيره من النبيذ: إنما حرّمت الخمر بعينها، خمر العنب خاصة، بالكتاب، وهي معقولة مفهومة، لا يمتري «١» فيها أحد من المسلمين، وإنما حرمها اللَّه تعبّدا، لا لعلة الإسكار كما ذكرتم، ولا لأنها رجس كما زعمتم؛ ولو كان ذلك كذلك لما أحلها اللَّه للأنبياء المتقدمين، والأمم السالفين، ولا شربها نوح بعد خروجه من السفينة، ولا عيسى ليلة رفع، ولا شربها أصحاب محمد ﷺ في صدر الإسلام. وأما قولكم إنها رجس، فقد صدقتم في اللفظ وغلطتم في المعنى؛ إذا كنتم أردتم أنها منتنة؛ فإن الخمر ليست منتنة، ولا قذرة ولا وصفها أحد بنتن ولا قذر وإنما جعلها اللَّه رجسا بالتحريم، كما جعل الزنا فاحشة ومقتا «٢» ، أي معصية وإثما

стр. 2565

بالتحريم؛ وإنما هو جماع كجماع النكاح، وهو عن تراض وبذل، كما أن النكاح عن تراض وبذل؛ وقد يبذل في السفاح ما لا يبذل في النكاح؛ ولذلك سمّى اللَّه ﵎ المحرّمات كلها خبائث فقال تعالى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ «١» ؛ وسمى المحلّلات كلها طيبات، فقال: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ «٢» ؛ وسمى كل ما جاوز أمره أو قصر عنه سرفا، وإن اقتصد فيه. وقد ذكر الخمر فيما امتنّ به على عباده قبل تحريمها. فقال تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً «٣» . ولو أنها رجس على ما تأولتم ما جعلها اللَّه في جنته وسماها لذة للشاربين. وإن قلتم إن خمر الجنة ليست كخمر الدنيا، لأن اللَّه نفى عنها عيوب خمر الدنيا فقال تعالى: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ «٤» ، فكذلك قوله في فاكهة الجنة: لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ «٥» . فنفى عنها عيوب فواكه الدنيا، لأنها تأتي في وقت وتنقطع في وقت، ولأنها ممنوعة إلا بالثمن، ولها آفات كثيرة، وليس في فواكه الجنة آفة. وما سمعنا أحدا وصف الخمر إلا بضد ما ذكرتم، من طيب النسيم، وذكاء الرائحة. وقال الأخطل: كأنها المسك نهبى بين أرحلنا ... وقد تضوّع من ناجودها الجاري «٦» وقال آخر: فتنفّست في البيت إذ مزجت ... كتنفّس الرّيحان في الأنف وقال أبو نواس: نحن نخفيها فيأبى ... طيب ريح فتفوح

стр. 2566

.. وإنما قوله فيها رجس، كقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ «١» أي كفرا إلى كفرهم. وأما منافعها التي ذكرها اللَّه تعالى في قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما «٢» فإنها كثيرة لا تحصى: فمنها أنها تدرّ الدم، وتقوّي المعدة، وتصفي اللون، وتبعث النشاط، وتفتق اللسان، ما أخذ منها بقدر الحاجة ولم يجاوز المقدار، فإذا جاوز ذلك عاد نفعها ضررا. وقال ابن قتيبة في كتاب الأشربة: كانت بنو وائل تقول: الخمر حبيبة الروح، ولذلك اشتق لها اسم من الروح، فسميت راحا، وربما سميت روحا. وقال إبراهيم النظام: ما زلت آخذ روح الدّنّ في لطف ... وأستبيح دما من غير مذبوح «٣» حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والدّنّ مطّرح، جسم بلا روح وقد تسمى دما، لأنها تزيد في الدم؛ قال مسلم بن الوليد الأنصاري: مزجنا دما من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منّا الدم الدم قال ابن قتيبة: وحدّثني الرياشي أن عبيدا راوية الأعشى قال: سألت الأعشى عن قوله: وسلافة مما تعتّق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها «٤» فقال: شربتها حمراء، وبلتها بيضاء. يريد أن حمرتها صارت دما. ومن منافع الخمر أنها تزيد في القوّة، وتولد الحرارة، وتهيج الأنفة، وتسخّي البخيل، وتشجع الجبان.

стр. 2567

قال حسان بن ثابت: ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء «١» وقال طرفة: وإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كلّ أمون وطمرّ» ثم راحو عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هدّاب الأزر وقال مسلم بن الوليد: تصدّ بنفس الخمر عما يغمّه ... وتنطق بالمعروف ألسنة البخل «٣» وقال الحسن بن هانىء: إذا ما أتت دون الّلهاة من الفتى ... دعا همّه من صدره برحيل ومن تسخيتها للبخيل المجبول قول بعض المحدثين: كساني قميصا مرتين إذا انتشى ... وينزعه عني إذا كان صاحيا فلي فرحة في سكره بقميصه ... وفي الصحو روعات تشيب النواصيا «٤» فيا ليت حظّي من سروري وترحتي ... ومن جوده ألّا عليّ ولا ليا «٥» قالوا: ولولا أن اللَّه تعالى حرّم الخمر في كتابه لكانت سيدة الأشربة؛ وما ظنك بشراب الشربة الثانية منه أطيب من الأولى، والثالثة أطيب من الثانية، حتى يؤدّيك إلى أرفق الأشياء وهو النوم؛ وكل شراب سواها فالشربة الأولى أطيب من الثانية، والثانية أطيب من الثالثة، حتى تمله وتكرهه!

стр. 2568

وسقى قوم أعرابيا كئوسا، ثم قالوا: كيف تجدك؟ قال: أجدني أسرّ، وأجدكم تحبّبون إليّ. وقالوا: ما حرّم اللَّه شيئا إلا عوّضنا ما هو خير منه أو مثله، وقد جعل اللَّه النبيذ عوضا من الخمر، نأخذ منه ما يطيب النفس، ويصفي اللون، ويهضم الطعام، ولا نبلغ منه إلى ما يذهب العقل، ويصدع الرأس، ويغثي النفس، ويشرك الخمر في آفاتها وعظيم خبائثها. قالوا: وأما قولكم إن الخمر كلّ ما خمر، والنبيذ كله يخمّر فهو خمر، فإن الأسماء قد تتشاكل في بعض المعاني، فتسمى ببعضها لعلة فيها وهي في آخر، ولا يطلق ذلك الاسم على الآخر؛ ألا ترى أن اللبن قد يخمرونه بروبة تلقى فيه، ولا بسمى خمرا؟ وأن العجين قد يخمر فيسمى خميرا ولا يسمى خمرا؟ وأن نقيع التمر يسمى سكرا لإسكاره، ولا يسمى غيره من النبيذ سكرا وإن كان مسكرا؟ وهذا أكثر في كلام العرب من أن يحاط به؛ وقد رأيت اللبن يسكر إسكار كسكر النبيذ، ويقال: قوم ملبونون وقوم روبى، إذا شربوا الرائب فسكروا منه؛ وقال بشر بن أبي حازم: فأما تميم تميم بن مرّ ... فألفاهم القوم روبى نياما وأما قولكم: الرجل مخمور، وبه خمار، إذا أصابه صداع من الخمر؛ وقد يقال مثل ذلك لمن أصابه صداع من النبيذ، فيقال: به خمار، ولا يقال به نباذ؛ فإن حجتنا في ذلك أن الخمار إنما يكون مما أسكر من النبيذ، وذلك حرام، لا فرق بينه وبين الخمر عندنا، فيقال فيه: ما يقال في الخمر، وإنما كان شربة «١» النبيذ من أسلافنا يشربون منه اليسير على الغداء والعشاء، ومما لا يعرض منه خمار. وقد فرقت الشعراء بين النبيذ والخمر، فقال الأقيشر، وكان مغرما بالشراب: وصبهاء جرجانية لم يطف بها ... حنيف، ولم تنغر بها ساعة قدر «٢»

стр. 2569

أتاني بها يحيي وقد نمت نومة ... وقد غارت الشّعرى وقد خفق النّسر «١» فقلت اصطبحها أو لغيري فأهدها ... فما أنا بعد الشّيب ويلك والخمر! إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر فدعه ولا تنكر عليه الذي أتى ... وإن جرّ أرسان الحياة له الدهر فأعلمك أن الخمر هي التي لم تغل بها القدور. أدعياء النسك: وأما قول بعض الشعراء في شاربي النبيذ وما عابوهم به من قلة الوفاء ونقض العهد، فقد قالوا أقبح من ذلك في تارك النبيذ، قال حيص بيص: ألا لا يغرنك ذو سجدة ... يظلّ بها دائما يخدع [كأن بجبهته حيلة ... يسبّح طورا ويسترجع] وما للتّقى لزمت وجهه ... ولكن ليأتي مستودع ثلاثون ألفا حواها السّجود ... فليست إلى ربّها ترجع وردّ أخو الكأس ما عنده ... وما كنت في ردّه أطمع وقال آخر: أمّا النّبيذ فلا يذعرك شاربه ... واحفظ ثيابك ممن يشرب الماء قوم يورّون عما في نفوسهم ... حتى إذا استمكنوا كانوا هم الدّاء مشمّرين إلى أنصاف سوقهم ... هم الذّئاب وقد يدعون قرّاء وقال أعرابيّ: صلّى فأزعجني وصام فراعني ... نحّ القلوص عن المصلّي الصائم! وقال: شمّر ثيابك واستعدّ لقائل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم

стр. 2570

وامش الدبيب إذا مشيت لحاجة ... حتى تصيب وديعة ليتيم «١» وقال بعض الظرفاء: أظهروا واللَّه سمتا ... وعلى المنقوش داروا «٢» وله صلّوا وصاموا ... وله حجّوا وزاروا لو يرى فوق الثّريّا ... ولهم ريش لطاروا! فهؤلاء المراءون بأعمالهم، العاملون للناس والتاركون للناس، هم شرار الخلق وأراذل البرية. وقد فضل شربة النبيذ عليهم بإرسال الأنفس على السجية، وإظهار المروءة ولست أصف بهذا منهم إلا دينا، فليس في الناس صنف إلا ولهم حشو. ومن احتجاج المحلين للنبيذ ما رواه مالك بن أنس في موطئه من حديث أبي سعيد الخدري: أنه قدم من سفر فقدّم إليه لحم من لحوم الأضاحي، فقال: ألم يكن رسول اللَّه ﷺ نهاكم عن هذا بعد ثلاثة أيام؟ فقالوا: قد كان بعدك من رسول اللَّه ﷺ فيها أمر. فخرج إلى الناس فسألهم، فأخبروه أن رسول اللَّه قال: «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا وادّخروا وتصدقوا؛ وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الدباء والمزفّت، فانتبذوا وكل مسكر حرام؛ وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ولا تقولوا هجرا» . والحديثان صحيحان، رواهما مالك بن أنس وأثبتهما في موطئه، وإنما هو ناسخ ومنسوخ؛ وإنما كان نهيه أن ينتبذ في الدباء والمزفت، نهيا عن النبيذ الشديد؛ لأن الأشربة فيهما تشتد؛ ولا معنى للدباء والمزفت غير هذا. وقوله بعد هذا: «كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام» - إباحة لما كان حظر عليهم من النبيذ الشديد. وقوله ﷺ : «كل مسكر حرام» ، ينهاكم بذلك أن تشربوا حتى

стр. 2571

تسكروا، وإنما المسكر ما أسكرك، ولا يسمى القليل الذي لا يسكر مسكرا، ولو كان ما يسكر كثيره يسمى قليله مسكرا، ما أباح لنا منه شيئا: والدليل على ذلك أن النبي ﷺ شرب من سقاية العباس، فوجده شديدا، فقطب بين حاجبيه، ثم دعا بذنوب «١» من ماء زمزم فصب عليه، ثم قال: إذا اغتلمت «٢» أشربتكم فاكسروها بالماء. ولو كان حراما لأراقه، ولما صب عليه ماء ثم شربه. وقالوا في قول رسول اللَّه ﷺ : «كل مسكر خمر» : هو ما أسكر الفرق «٣» منه فملء الكف حرام؛ فإن هذا كله منسوخ، نسخه شربه للصّلب «٤» يوم حجة الوداع. قالوا: ومن الدليل على ذلك أنه كان ينهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر فوفدوا إليه بعد، فرآهم مصفرة ألوانهم، سيئة حالهم؛ فسألهم عن قصتهم، فأعلموه أنه كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم من ذلك؛ فأذن لهم في شربه. ... وأن ابن مسعود قال: شهدنا التحريم وشهدتم، وشهدنا التحليل وغبتم. وأنه كان يشرب الصّلب من النبيذ التمر، حتى كثرت الروايات به عنه وشهرت وأذيعت، وأتبعه عامة التابعين من الكوفيين وجعلوه أعظم حججهم، وقال في ذلك شاعرهم: من ذا يحرّم ماء المزن خالطه ... في جوف خابية ماء العناقيد؟ «٥» إني لأكره تشديد الرواة لنا ... فيه، ويعجبني قول ابن مسعود! وإنما أراد أنهم كانوا يعمدون إلى الرّب الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فيزيدون عليه من الماء قدر ما ذهب منه، ثم يتركونه حتى يغلي ويسكن جأشه، ثم يشربونه. وكان عمر يشرب على طعامه الصلب، ويقول: يقطع هذا اللحم في بطوننا. واحتجوا بحديث زيد بن أخزم عن أبي داود عن شعبة عن مسعر بن كدام عن ابن

стр. 2572

عون الثقفي عن عبد اللَّه بن شداد عن ابن عباس أنه قال: حرمت الخمر بعينها والسكر من كلّ شراب. وبحديث رواه عبد الرحمن بن سليمان عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي ﷺ طاف وهو شاك «١» على بعير ومعه محجن «٢» ، فلما مر بالحجر استلمه بالمحجن، حتى إذا انقضى طوافه نزل فصلى ركعتين ثم أتى السقاية «٣» فقال: اسقوني من هذا. فقال له العباس: ألا نسقيك مما يصنع في البيوت؟ قال: لا، ولكن اسقوني مما يشرب الناس. فأتي بقدح من نبيذ فذاقه، فقطّب، وقال: هلمّوا فصبّوا فيه الماء. ثم قال: زد فيه، مرة أو مرتين أو ثلاثا. ثم قال: إذا صنع أحد بكم هذا فاصنعوا به هكذا. والحديث رواه يحيى بن اليمان عن الثوري عن منصور بن خالد عن سعيد عن ابن مسعود الأنصاري: أنّ النبي ﷺ عطش وهو يطوف بالبيت، فأتي بنبيذ من السقاية، فشمّه، فقطب، ثم دعا بذنوب من ماء زمزم، فصبّ عليه ثم شربه، فقال له رجل: أحرام هذا يا رسول اللَّه؟ فقال: لا. وقال الشعبي: شرب أعرابي من إداوة عمر «٤» ، فانتشى، فحدّه عمر؛ وإنما حدّه للسكر لا للشراب. ودخل عمر بن الخطاب ﵁ على قوم يشربون ويوقدون في الأخصاص؛ فقال: نهيتكم عن معاقرة الشراب فعاقرتم، وعن الإيقاد في الأخصاص «٥» فأوقدتم. وهمّ بتأديبهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نهاك اللَّه عن التجسس فتجسست،

стр. 2573

ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت! فقال: هاتان بهاتين. وانصرف وهو يقول: كل الناس أفقه منك يا عمر! وإنما نهاهم عن المعاقرة وعن إدمان الشراب حتى يسكروا، ولم ينههم عن الشراب- وأصل المعاقرة من عقر الحوض، وهو مقام الشاربة- ولو كان عنده ما شربوا خمرا لحدّهم. وبلغه عن عامل له بميسان أنه قال: ألا أبلغ الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم «١» إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... وصنّاجة تشدو على كلّ منسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلّم «٢» لعلّ أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا في الجوسق المتهدّم فقال: إي واللَّه، إنه ليسوءني ذلك! فعزله وقال: واللَّه لا عمل لي عملا أبدا! وإنما أنكر عليه المدام، وشربه بالكبير، والصنج، والرقص، وشغله باللهو عما فوّض إليه من أمور الرعية، ولو كان ما شرب عنده خمرا لحدّه. مالك بن دينار والنبيذ محمد بن وضاح عن سعيد بن نصر عن يسار عن جعفر قال: سمعت مالك بن دينار، وسئل عن النبيذ: أحرام هو؟ فقال: انظر ثمن التمر من أين هو، ولا تسأل عن النبيذ أحلال هو أم حرام! وعوتب سعيد بن زيد في النبيذ، فقال: أما أنا فلا أدعه حتى يكون شرّ عملي. وقيل لمحمد بن واسع: أتشرب النبيذ؟

стр. 2574

فقال: نعم. فقيل: وكيف تشربه؟ فقال: عند غذائي وعشائي، وعند ظمئي. قيل: فما تركت منه؟ قال: التّكأة «١» ومحادثة الإخوان. وقال المأمون: اشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا سهل عليك فدعه. وإنما أراد أنه يسهل على شاربه إذا أخذ في الإسكار. وقيل لسعيد بن أسلم: أتشرب النبيذ؟ فقال: لا. قيل: ولم؟ قال: تركت كثيره للَّه، وقليله للناس! وكان سفيان الثوري يشرب النبيذ الصلب الذي تحمّر منه وجنتاه. واحتجوا من جهة النظر، أن الأشياء كلها حلال إلا ما حرّم اللَّه؛ قالوا: فلا نزيل نفس الحلال بالاختلاف ولو كان المحلّلون فرقة من الناس، فكيف وهم أكثر الفرق؟ وأهل الكوفة أجمعون على التحليل، لا يختلفون فيه، وتلوا قول اللَّه : قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ؟ «٢» . قول وكيع حدث إسحاق بن راهويه قال: سمعت وكيعا يقول: النبيذ أحلّ من الماء! وعابه بعض الناس في ذلك، وقالوا: كيف يكون أحلّ من الماء، وهو وإن كان حلالا فهو بمنزلة الماء؟

стр. 2575

وليس على وكيع في هذا الموضع عيب ولا يرجع عليه فيه كذب! لأن كلمته خرجت مخرج كلام العرب في مبالغتهم، كما يقولون، هو أشهر من الصبح، وأسرع من البرق، وأبعد من النجم، وأحلى من العسل، وأحرّ من النار. ابن إدريس الكوفي ولم يكن أحد من الكوفيين يحرّم النبيذ غير عبد اللَّه بن إدريس، وكان بذلك معيبا. وقيل لابن إدريس: من خيار أهل الكوفة؟ فقال: هؤلاء الذين يشربون النبيذ! قيل: وكيف وهم يشربون ما يحرم عندك؟ قال: ذلك مبلغهم من العلم. وكان ابن المبارك يكره شرب النبيذ ويخالف فيه رأي المشايخ وأهل البصرة. وقال أبو بكر بن عياش: [قلت له] : من أين جئت بهذا القول في كراهيتك النبيذ ومخالفتك أهل بلدك؟ قال: هو شيء اخترته لنفسي. قلت: فتعيب من شربه؟ قال: لا. قلت: أنت وما اخترت. وكان عبد اللَّه بن داود يقول: ما هو عندي وماء الفرات إلا سواء. وكان يقول: أكره إدارة القدح، وأكره نقبع الزبيب، وأكره المعتّق. قال: ومن أدار القدح لم تجر شهادته. وشهد رجل عند سوّار القاضي، فردّ شهادته لأنه كان يشرب النبيذ؛ فقال: أمّا الشراب فإني غير تاركه ... ولا شهادة لي ما عاش سوّار

стр. 2576

حدث شبابة قال: حدثني غسان بن أبي صباح الكوفي عن أبي سلمة يحيى بن دينار عن أبي المظهر الورّاق قال: بينما زيد بن عليّ في بعض أزقّة الكوفة: إذ مرّ به رجل من الشيعة، فدعاه إلى منزله، وأحضر طعاما؛ فتسامعت به الشيعة، فدخلوا عليه حتى غص المجلس بهم، فأكلوا معه، ثم استسقى، فقيل له: أيّ الشراب نسقيك يا بن رسول اللَّه؟ قال: أصلبه وأشدّه. فأتوه بعسّ من نبيذ، فشرب وأدار العس عليهم فشربوا؛ ثم قالوا: يا بن رسول اللَّه، لو حدثتنا في هذا النبيذ بحديث رويته عن أبيك عن جدّك؛ فإن العلماء يختلفون فيه! قال: نعم حدثني أبي عن جدي أنّ النبي ﷺ قال: لتركبنّ طبقة بني إسرائيل حذو القذّة «١» بالقذّة والنعل بالنعل. ألا وإنّ اللَّه ابتلى بني إسرائيل بنهر طالوت، أحل منه الغرفة والغرفتين وحرّم منه الريّ؛ وقد ابتلاكم بهذا النبيذ، أحلّ منه القليل وحرّم منه الكثير. وكان أهل الكوفة يسمون النبيذ: نهر طالوت؛ وقال فيه شاعرهم: اشرب على طرب من نهر طالوت ... حمراء صافية في لون ياقوت من كفّ ساحرة العينين شاطرة ... تربي على سحر هاروت وماروت «٢» لها تماويت ألحاظ إذا نظرت ... فنار قلبك من تلك التّماويت «٣» حديث الحارث بن كلدة طبيب العرب مع كسرى أنوشروان الفارسي روي أن الحارث بن كلدة الثقفي وفد على كسرى أنوشروان، فأذن له بالدخول،

стр. 2577

فانتصب بين يديه، فقال له كسرى: من أنت؟ قال: أنا الحارث بن كلدة. قال: أعربيّ؟ قال: نعم، من صميمها. قال: فما صناعتك؟ قال: طبيب. قال: وما تصنع العرب بالطبيب مع جهلها، وضعف عقولها، وقلة قبولها، وسوء غذائها، فقال: ذلك أجدر أيها الملك، إذا كانت بهذه الصفة، أن تحتاج إله ما يصلح جهلها، ويقيم عوجها، ويسوس أبدانها، ويعدل أمشاجها «١» ؛ [فإن العاقل يعرف ذلك من نفسه] . قال الملك: وكيف لها بأن نعرف ما تورده عليها، ولو عرفت الحق لم تنسب إلى الجهل. قال: الحارث: أيها الملك، إن اللَّه جل اسمه قسم العقول بين العباد كما قسم الأرزاق، وأخذ القوم نصيبهم؛ ففيهم ما في الناس من جاهل وعالم، وعاجز وحازم. قال الملك: فما الذي يحمد من أخلاقهم، ويحفظ من مذاهبهم؟ قال الحارث: لهم أنفس سخية، وقلوب جريّة، وعقول صحية مرضيّة، وأحساب نقية، يمرق الكلام من أفواههم مروق السهم العائر «٢» ، ألين من الماء، وأعذب من الهواء؛ يطعمون الطعام، ويضربون الهام، وعزّهم لا يرام، وجارهم لا يضام، ولا يروّع إذا نام؛ لا يقرّون بفضل أحد من الأقوام، ما خلا الملك الهمام، الذي لا يقاس به أحد من الأنام! قال: فاستوى كسرى جالسا. ثم التفت إلى من حوله فقال: أطرى قومه، فلولا أن تداركه عقله لذمّ قومه، غير أني أراه ذا عمى. ثم أذن له بالجلوس. فقال: كيف بصرك بالطب؟ قال: ناهيك! قال: فما أصل الطب؟ قال: ضبط الشفتين، والرفق باليدين. قال: أصبت، فما الداء الدويّ «٣» ؟ قال: إدخال الطعام على الطعام، هو الذي أفنى البرية، وقتل السباع في البريّة. قال: أصبت. فما الجمرة التي تلهّب منها الأدواء؟ قال: هي التخمة، إن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت. قال: فما تقول في إخراج الدم؟ قال: في نقصان الهلال، في يوم صحو لا غيم فيه، والنفس طيبة، والسرور حاضر. قال: فما تقول في الحمّام؟ قال: لا تدخل الحمام شعبان، ولا تغش

стр. 2578

أهلك سكران، ولا تنم بالليل عريان، وارفق بجسمك يكن أرجى لنسلك. قال: فما تقول في شرب الدواء؟ قال: اجتنب الدواء ما لزمتك الصحة، فإذا أحسست بحركة الداء فاحسمه بما يردعه؛ فإن البدن بمنزلة الأرض، إن أصلحتها عمرت، وإن فسدتها خربت. قال: فما تقول في الشراب؟ قال: أطيبه أهناه، وأرقّه أمراه؛ ولا تشرب صرفا يورثك صداعا، ويثير عليك من الداء أنواعا. قال: فأي اللّحمان أحمد؟ قال: الضأن الفتّي، أسمنه وأبذله، واجتنب أكل القديد والمالح، والمعز والبقر. قال: فما تقول في الفاكهة. قال: كلها في إقبال دولتها واتركها إذا أدبرت وولت وانقضى زمانها؛ وأفضل الفاكهة الرمان والأترجّ، وأفضل البقول الهندبا والخس، وأفضل الرياحين الورد والبنفسج. قال: فما تقول في شرب الماء؟ قال: هو حياة البدن، وبه قوته، وينفع ما شرب منه بقدر، وشربه بعد النوم ضرر. وأفضل المياه مياه الأنهار العظام، أبرده وأصفاه. قال: فما طعمه؟ قال: شيء لا يوصف و [هو] مشتق من الحياة. قال: فما لونه؟ قال: اشتبه على الأبصار لونه، يحكي لون كل شيء يكون فيه. قال: فأخبرني عن أصل الإنسان ما هو؟ قال: أصله من حيث يشرب الماء. يعني رأسه. قال: فما هو النور تبصر به الأشياء؟ قال: العين مركبة من [ثلاثة] أشياء، فالبياض شحمة، والسواد مائع، [والناظر ريح] . قال: فعلى كم طبع هذا البدن؟ قال: أربع طبائع: على المرة السوداء، وهي باردة يابسة؛ والمرة الصفراء، وهي حارة يابسة؛ والدم، وهو حار رطب؛ والبلغم، وهو بارد رطب قال: فلم لم يكن من طبع واحد؟ قال: لو خلق من شيء واحد لم ينحل ولم يمرض ولم يمت. قال: فمن طبعين ما حال الاقتصار عليهما؟ قال: لم يجز، لأنهما ضدان يقتتلان؛ ولذلك لم يجز من ثلاثة: موافقين ومخالف. قال: فأجمل إلي الحارّ والبارد في أحرف جامعة. قال: كل حلو حار وكل حامض بارد، وكل حرّيف حار، وكل مر معتدل، وفي المرّ حار وبارد. قال: فما أفضل ما عولج به المرة السوداء. قال: بكل حار لين. قال: فالمرة الصفراء؟ قال: كل بارد ليّن: فالبلغم؟ قال: كل حار يابس. قال: فالدم؟ قال: إخراجه إذا زاد، وتطفئته إذا سخن بالأشياء الباردة. قال: فالرياح؟ قال: بالحقن اللينة

стр. 2579

والأدهان الحارّة اللينة. قال: أفتأمر بالحقن؟ قال: نعم، قرأت في بعض الكتب أن الحقنة تنقي الجوف وتكسح الأدواء عنه؛ وعجبت لمن احتقن كيف يهرم أو يعدم الولد! وإن الجاهل كان الجاهل من أكل ما قد عرف مضرته، فيؤثر شهوته على راحة بدنه. قال: فما الحمية؟ قال: الاقتصاد في كل شيء، فإنه إذا أكل فوق المقدار ضيّق على الروح ساحته. قال: فما تقول في إتيان النساء؟ قال: كثرة غشيانهن رديء؛ [وإياك] وإتيان المرأة المولية «١» ، فإنها كالشن «٢» البالي، تسقم بدنك وتجذب قوّتك؛ ماؤها سم قاتل، ونفسها موت عاجل، تأخذ منك ولا تعطيك؛ وعليك بإتيان الشباب: فإن الشابة ماؤها عذب زلال، ومعانقتها غنج ودلال، فوها بارد، [وريقها عذب] ، وريحها طيب، ورحمها حرج «٣» تزيدك قوّة [إلى قوتك] ونشاطا [إلى نشاطك] . قال: فأي النساء القلب لها أبسط، والعين برؤيتها آنس؟ قال: إن أصبتها مديدة القامة عظيمة الهامة، واسعة الجبين، عريضة الصدر، مليحة النحر، ناهدة الثديين، لطيفة الخصر والقدمين، بيضاء فرعاء، جعدة غضة، تخالها في الظلمة بدرا زاهرا تبسم عن أقحوان باهر، وإن تكشف تكشف عن بيضة مكنونة، وإن تعانق تعانق ما هو ألين من الزبد، وأحلى من الشهد، وأبرد من القند» ، وأعظم من الفردوس والخلد، وأذكى ريحا من الياسمين والورد. قال: فاستضحك كسرى حتى اختلجت كتفاه. قال: فأي الأوقات [إتيانهن] أفضل؟ قال: عند إدبار الليل يكون الجوف أخلى، والنفس أشهى والرحم أدفى. قال: فأي الأوقات ألذ وأطرب؟ قال: نهارا، يزيدك النظر انتشارا! قال كسرى للَّه درك من عربيّ، لقد أعطيت علما، وخصصت به من بين الحمقى، وفطنة وفهما! ثم أمر بإعطائه وصلته، وقضى حوائجه. ابن أبي الحواري وصالح العباسي وحضر ابن أبي الحواري بالشام- وكان معروفا بالرقائق والزهد- مائدة صالح

стр. 2580

العباس مع فقهاء البلد، فحدثني البحتري عن عبادة، وكان ممن حضر المجلس أنه بعث إليه بقدح نبيذ فشربه، ثم بعث إليه بثان فامتنع من شربه! فأخذه الناس بألسنتهم، وقالوا: شربت المسكر على أخونة هؤلاء وصرت لهم حجة! قال: حسبكم! أردتم أن أكون ممن قال اللَّه تعالى: فيهم يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ «١» ! فكيف أدعه لكم وأشربه بعين اللَّه! بين قاض وشارب نبيذ وقال بعض القضاة لرجل كان يعذله: بلغني أنك تشرب المسكر! فقال: ما أشرب المسكر ولكني أشرب النبيذ الصلب. ألوان من التزهد فأين هؤلاء في ترك الرياء والتصنع، من رجل سرقت نعله فلم يشتر نعلا حتى مات، وعوتب في ذلك فقال: أخشى أن أشتري نعلا فيسرقها أحد فيأثم! وآخر لما نظر أهل عرفات قال: ما أظن اللَّه إلا قد غفر لهم لولا أني كنت فيهم! وآخر أمر له عمر بن الخطاب بكيس، فقال: آخذ الكيس والخيط؟ فقال عمر: دع الكيس! ورجل سأل ابن المبارك فقال إني قاسمت إخوتي، وبيننا مبرز غير مقسوم وفيّ بطر «٢» أفترى لي أن أدخله أكثر مما يدخله شركائي؟ وآخر قال: أفطرت البارحة على رغيف وزيتونة ونصف، أو زيتونة وثلث أو زيتونة وربع، أو ما علم اللَّه من زيتونة أخرى! فقال له بعض من حضر: أجلس يا فتى، إنه بلغنا أن من الورع ما يبغضه اللَّه، وأظنه ورعك هذا!

стр. 2581

الأعمش قال: أتاني عبد اللَّه بن سعيد بن أبي بكر فقال لي: ألا تعجب؟ جاءني رجل فقال: دلني على شيء إذا أكلته أمرضني، فقد استبطأت العلة وأحببت أن أعتل فأوجر! فقلت له: سل اللَّه العافية، واستدم النعمة، فإن من شكر على النعمة كمن صبر على البلية. فألح عليّ، فقلت له: كل السمك، واشرب نبيذ الزبيب، ونم في الشمس، واستمرض اللَّه يمرضك إن شاء اللَّه! هارون بن داود قال شرب رجل عند خمار نصراني، فأصبح ميتا؛ فاجتمع عليه الناس وقالوا للخمار: أنت قتلته! قال: لا واللَّه، ولكن قتله استعماله قوله: وأخرى تداويت منها بها

стр. 2582

كتاب اللؤلوءة الثانية في الفكاهات والملح قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، تغمده اللَّه برحمته: قد مضى قولنا في الطعام والشراب وما يتولد منهما، وينسب إليهما. ونحن قائلون بما ألّفناه في كتابنا هذا من الفكاهات والملح التي هي نزهة النفس، وربيع القلب، ومرتع السمع، ومجلب الراحة، ومعدن السرور. قال النبي ﷺ : «روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلّت عميت» . وقال علي بن أبي طالب رضوان اللَّه عليه: أجموا «١» هذه القلوب، والتمسوا لها طرف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان، والنفس مؤثرة للهوى، آخذة بالهوينى، جانحة إلى اللهو، أمارة بالسوء، مستوطنة للعجز، طالبة للراحة، نافرة عن العمل، فإن أكرهتها أنضيتها «٢» ، وإن أهملتها أرديتها. ودخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز على أبيه وهو ينام نومة الضحى فقال: يا أبت! أتنام وأصحاب الحوائج واقفون ببابك؟ قال: يا بنيّ، إن نفسي مطيتي، فإن أنضيتها قطعتها، ومن قطع المطيّ لم يبلغ الغاية!

стр. 2583

أخبار في الضحك وكان النبي ﷺ يضحك حتى تبدو نواجذه «١» . وكان محمد بن سيرين يضحك حتى يسيل لعابه. وقال ﷺ : «لا خير فيمن لا يطرب» . وقال: «كل كريم طروب» . وقال هشام بن عبد الملك: قد أكلت الحلو والحامض حتى ما أجد لواحد منها طعما، وشممت الطيّب حتى ما أجد له رائحة، وأتيت النساء حتى ما أبالي امرأة أتيت أم حائطا؛ فما وجدت شيئا ألذ من جليس يسقط بيني وبينه مئونة التحفظ. وقيل لعمرو بن العاص: ما ألذّ الأشياء؟ قال: ليخرج من هاهنا من الأحداث. فخرجوا، فقال: ألذّ الأشياء إسقاط المروءة! وقيل لمسلمة بن عبد الملك: ما ألذ الأشياء؟ فقال: هتك الحيا، واتّباع الهوى. وهذه المنزلة من أعمال النفس وهتك الحياة قبيحة، كما أن المنزلة الأخرى من الغلو في الدّين والتعسف في الهيبة قبيحة أيضا؛ وإنما المحمود منها التوسط، وأن يكون لهذا موضعه ولهذا موضعه. وقال مطوف بن عبد اللَّه لولده: يا بنيّ، إن الحسنة بين السيئتين- يريد بين المجاوزة والتقصير- وخير الأمور أوساطها، وشرّ السير الحقحقة «٢» . وقال النبي ﷺ : «أن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ «٣» لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . خبر بعض الحواريين وفي بعض الكتب المترجمة: ان يوحنا وشمعون كانا من الحواريّين، وكانا يوحنا

стр. 2584

لا يجلس مجلسا إلا ضحك وأضحك من حوله، وكان شمعون لا يجلس مجلسا إلا بكى وأبكى من حوله؛ فقال شمعون ليوحنا: ما أكثر ضحكك! كأنك قد فرغت من عملك! فقال له يوحنا: ما أكثر بكاءك! كأنك قد يئست من ربك! فأوحى اللَّه إلى المسيح: إن أحبّ السيرتين إليّ سيرة يوحنا. المسيح ويحيى بن زكريا وفي بعض الكتب أيضا: أن عيسى ابن مريم لقى يحيى بن زكريا عليهم الصلاة والسلام، فتبسم إليه يحيى، فقال له عيسى: إنك لتبسم تبسم آمن! فقال له يحيى: إنك لتعبس عبوس قانط! فأوحى اللَّه إلى عيسى: إن الذي يفعل يحيى أحبّ إليّ. وقال النبي ﷺ : يدخل نعيمان الجنة ضاحكا، لأنه كان يضحكني. وذلك أن النبي ﷺ دخل عليه وهو أرمد فوجده يأكل تمرا، فقال له: أتأكل تمرا وأنت أرمد؟ فقال: إنما آكل من الجانب الآخر! فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه. وكانت سويداء «١» لبعض الأنصار تختلف إلى عائشة فتلعب بين يديها وتضحكها، وربما دخل النبي ﷺ على عائشة فيجدها عندها فيضحكان جميعا؛ ثم إن النبي ﷺ فقدها، فقال: يا عائشة، ما فعلت السويداء قالت له: إنها مريضة! فجاءها النبي ﷺ يعودها، فوجدها في الموت! فقال لأهلها: إذا توفيت فآذنوني. فلما توفيت آذنوه، فشهدها وصلى عليها وقال: اللهم إنها حريصة على أن تضحكني، فأضحكها فرحا. الأصمعي وأبو عبيدة وقيل لأبي نواس: قد بعثوا إلى أبي عبيدة والأصمعي ليجمعوا بينهما. فقال: أما أبو عبيدة فإن خلوه وسفره قرأ عليهم أساطير الأولين والآخرين، وأما الأصمعي فبلبل في قفص يطربهم بصفيره.

стр. 2585

قال ابن إسحق: وقد طرب الصالحون وضحكوا ومزحوا. وإن مدحت العرب رجلا قالوا: هو ضحوك السن، بسّام الثنيات، هش إلى الضيف فإذا ذمّته قالوا: هو عبوس الوجه، جهم المحيّا، كريه المنظر، حامض الدجنة، كأنما وجهه بالخل منضوج، كأنما أسعط «١» خيشومه بالخردل. وكتب يحيى بن خالد إلى الفضل ابنه وهو بخراسان: يا بنيّ، لا تغفل نصيبك من الكسل! وهذا جزء جامع لكل ما قصدنا إليه من هذا المعنى، لأن بالكسل تكون الراحة، وبالراحة يكون مثاب «٢» النشاط، وبالنشاط يصفو الذهن، ويصدق الحس، ويكثر الصواب. قال الشاعر: إنما للنّاس منّا ... حسن خلق ومزاح ولنا ما كان فينا ... من فساد وصلاح ملح هشام بن عروة الهيثم بن عديّ قال: رأيت هشام بن عروة قد اجتمع إليه أصحاب الحديث يسألونه، فقال لهم: يا قوم، أما ما كان عندي من الحلال والحرام والسنّة فإني لا أستحلّ أن أمنعكموه، وأما ملحي فلا أعطيكموها ولا كرامة. باب من المفاكهات حديث عباس بن الأحنف حدث أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قال: حدثنا محمد بن عامر الحنفي، وكان من سادات بكر بن وائل، وأدركته شيخا كبيرا مملقا، وكان إذا أفاد على إملاقه «٣» شيئا

стр. 2586

جاد به، وقد كان قديما ولي شرطة البصرة، فحدثني هذا الحديث الذي أذكره، ووقع إليّ من غير ناحيته، ولا أذكر ما بينهما من الزيادة والنقصان، إلا أن معاني الحديث مجموعة فيما أذكر لك: ذكر أن فتيانا كانوا مجتمعين في نظام واحد، كلهم ابن نعمة، وكلهم قد شرد عن أهله وقنع بأصحابه، فذكر ذاكر منهم قال: كنا قد اكترينا «١» دارا شارعة على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس، وكنا نفلس أحيانا ونوسر أحيانا، على مقدار ما يمكن الواحد من أهله، وكنا لا ننكر أن تقع مئونتنا على واحد منا إذا أمكنه، ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء، فيقوم به أصحابه الدهر الأطول، وكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام ألينه، ودعونا الملهين والملهيات، وكان جلوسنا في أسفل الدار، فإذا عدمنا الطرب جلسنا في غرفة لنا نتمتع منها بالنظر إلى الناس؛ وكنا لا نخلّ بالنبيذ في عسر ولا يسر؛ فإنا لكذلك يوما إذا بفتى يستأذن علينا، فقلنا له: اصعد. فإذا رجل نظيف، حلو الوجه، سريّ الهيئة، ينيء رواؤه «٢» على أنه من أبناء النعم؛ فأقبل علينا فقال: إني سمعت مجتمعكم، وحسن منادمتكم! وصحة ألفتكم، حتى كأنكم أدرجتم جميعا فى قالب واحد: فأحببت أن أكون واحدا منكم فلا تحتشموا. قال: وصادف ذلك منا إقتارا من القوت؛ وكثرة من النبيذ، وقد كان قال لغلام له: أول ما يأذنون لي أن أكون كأحدهم، هات ما عندك. فغاب الغلام عنا غير كثير، ثم أتانا بسلّة خيزران، فيها طعام المطبخ، من جدي، ودجاج، وفراخ، ورقاق «٣» ، وأشنان، ومحلب «٤» ، وأخلة «٥» ؛ فأصبنا من ذلك، ثم أفضنا في شرابنا.

стр. 2587

وانبسط الرجل، فإذا هو أحلى خلق اللَّه إذا حدّث، وأحسنهم استماعا إذا حدّث، وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف؛ ثم أفضينا منه إلى أكرم مخالقة، وأجمل مساعدة؛ وكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه، فيظهر لنا أنه لا يحب غيره، ويرى ذلك في إشراق وجهه؛ فكنا نغني به عن حسن الغناء، ونتدارس أخباره وآدابه؛ فشغلنا ذلك عن تعرّف اسمه ونسبه، فلم يكن منا إلا تعرّف الكنية، فإنا سألناه عنها فقال: أبو الفضل. فقال لنا يوما بعد اتصال الأنس: ألا أخبركم بم عرفتكم؟ قلنا: إنا لنحب ذلك. قال: أحببت جارية في جواركم، وكانت سيدتها ذات حبائب «١» ؛ فكنت أجلس لها في الطريق ألتمس اجتيازها، فأراها؛ حتى أخلقّني الجلوس على الطريق ورأيت غرفتكم هذه، فسألت عن خبرها، فخبرت عن ائتلافكم وتمالئكم، ومساعدة بعضكم بعضا؛ فكان الدخول فيما أنتم فيه أسرّ عندي من الجارية. فسألناه عنها فخبرها، فقلنا له: نحن نختدعها حتى نظفرك بها! فقال: يا إخواني، إني واللَّه على ما ترون مني من شدة الشغف والكلف بها، ما قدّرت فيها حراما قط ولا تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمنّ اللَّه بثروة فأشتريها! فأقام معنا شهرين، ونحن على غاية الاغتباط بقربه، والسرور بصحبته، إلى أن اختلس منا، فنالنا بفراقه ثكل ممضّ، ولوعة مؤلمة، ولم نعرف له منزلا نلتمسه فيه؛ فكدر علينا من العيش ما كان طاب لنا به، وقبح عندنا ما كان حسن بقربه، وجعلنا لا نرى سرورا ولا غمّا إلا ما ذكرناه، لاتصال السرور بصحبته وحضوره، والغمّ بمفارقته؛ فكنا فيه كما قال الشاعر: يذكّرنيهم كلّ خير رأيته ... وشرّ، فما أنفك منهم على ذكر فغاب عنا زهاء عشرين يوما، فبينما نحن مجتازون يوما من الرصافة، إذا به قد طلع في موكب نبيل، وزيّ جليل، فلما بصر بنا انحط عن دابته وانحط غلمانه، ثم

стр. 2588

قال: يا إخواني، واللَّه ما هنأني عيش بعدكم، ولست أماطلكم بخبري حتى آتى المنزل، ولكن ميلوا بنا إلى المسجد. فملنا معه، فقال: أعرّفكم أولا بنفسي، أنا العباس بن الأحنف؛ وكان من خبري بعدكم أني خرجت إلى منزلي من عندكم؛ فإذا المسوّدة محيطة بي، فمضي بي إلى دار أمير المؤمنين، فصرت إلى يحيى بن خالد، فقال لي: ويحك يا عباس! إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء، لقرب مأخذك، وحسن تأتّيك! وإن الذي ندبتك له من شأنك؛ وقد عرفت خطرات الخلفاء، وإني أخبرك أنّ ماردة هي الغالبة على أمير المؤمنين اليوم، وأنه جرى بينهما عتب؛ فهي بدالة المعشوق تأبى أن تعتذر، وهو بعز الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك؛ وقد رمت الأمر من قبلها فأعياني، وهو أحرى أن تستعزّه «١» الصبابة؛ فقل شعرا يسهّل عليه هذه السبيل. فقضى كلامه. ثم دعاني إلى أمير المؤمنين، فصرت إليه وأعطيت قرطاسا ودواة، فاعتراني الزّمع «٢» وأذهب عني ما أريد الاستحثاث؛ فتعذرت عليّ كلّ عروض «٣» ، ونفرت عني كل قافية؛ ثم انفتح لي شيء، والرسل تعنتني؛ فجاءتني أربعة أبيات رضيتها، وقعت صحيحة المعنى، سهلة الألفاظ، ملائمة لما طلب مني؛ فقلت لأحد الرسل: أبلغ الوزير أني قلت أربعة أبيات، فإن كان بها مقنع ووجهت بها. فرجع إليّ الرسول بأن هاتها، ففي أقل منها مقنع. وفي ذهاب الرسول ورجوعه قلت بيتين من غير ذلك الرويّ، فكتبت الأبيات الأربعة في صدر الرقعة، وعقّبت بالبيتين، فقلت: العاشقان كلاهما متغضّب ... وكلاهما متوجّد متعتّب صدّت مغاضبة وصد مغاضبا ... وكلاهما مما يعالج متعب راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيّم قلما يتجنّب إنّ التجنّب إن تطاول منكما ... دبّ السّلّو له فعزّ المطلب ثم كتبت تحت ذلك:

стр. 2589

لا بدّ للعاشق من وقفة ... تكون بين الهجر والصرم «١» حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم ثم وجهت بالكتاب إلى يحيى بن خالد، فدفعه إلى الرشيد، فقال: واللَّه ما رأيت شعرا أشبه بما نحن فيه من هذا، واللَّه لكأني قصدت به! فقال له يحيى: وأنت واللَّه يا أمير المؤمنين المقصود به؛ هذا يقوله العباس [ابن الأحنف] في هذه القصة، فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قوله: راجع من يهوى على رغم استغرب «٢» ضاحكا حتى سمعت ضحكه، ثم قال: إي واللَّه، أراجع على رغم! يا غلام، هات نعلي. فنهض، وأذهله السرور عن أن يأمر لي بشيء؛ فدعاني يحيى وقال: إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة، وأذهل أمير المؤمنين السرور عن أن يأمر لك بشيء. قلت: لكن هذا الخبر ما وقع مني بغاية الموافقة! ثم جاء غلام فسارّه، فنهض وثبت مكاني ثم نهضت بنهوضه؛ فقال لي: يا عباس، أمسيت أنبل الناس! أتدري ما سارّني به هذا الرسول؟ قلت لا. قال: ذكر لي أن ماردة تلقّت أمير المؤمنين لما علمت بمجئيه، ثم قالت: يا أمير المؤمنين، كيف كان هذا؟ فناولها الشعر، وقال: هذا أتى بي إليك! قالت: فمن يقوله؟ قال: عباس بن الأحنف. قالت: فيم كوفىء؟ قال: ما فعلت شيئا بعد. قالت: إذا واللَّه لا أجلس حتى يكافأ! قال: فأمير المؤمنين قائم لقيامها وأنا قائم لقيام أمير المؤمنين، وهما يتناظران في صلتك، فهذا كله لك. قلت: ما لي من هذا إلا الصلة! فقال: هذا أحسن من شعرك. قال: فأمر لي أمير المؤمنين بمال كثير، وأمرت لي ماردة بمال دونه، وأمر لي الوزير بمال دون ما أمرت به! وحملت على ما ترون من الظّهر! ثم قال الوزير: من

стр. 2590

تمام اليد عندك أن لا تخرج من الدار حتى يؤهل لك هذا المال ضياعا. فاشتريت لي ضياع بعشرين ألف درهم، ودفع إليّ بقية المال. فهذا الخبر الذي عاقني عنكم، فهلموا حتى أقاسمكم الضيّاع، وأفرق فيكم المال قلنا له: هنأك اللَّه، فكل منا يرجع إلى نعمة من أبيه. فأقسم وأقسمنا فقال: [فتكونون] أسوتي فيه. فقلنا: أما هذه فنعم. قال: فامضوا بنا إلى الجارية حتى نشتريها. فمشينا إلى صاحبها، وكانت جارية جميلة حلوة، لا تحسن شيئا، أكثر ما فيها ظرف اللسان وتأدية الرسائل، وكانت تساوي على وجهها خمسين ومائة دينار؛ فلما رأى مولاها ميل المشتري استام بها خمسمائة، فأجبناه بالعجب فحط مائة، ثم قال العباس: يا فتيان، إني واللَّه أحتشم أن أقول بعد ما قلتم، ولكنها حاجة في نفسي، بها يتم سروري، فإن ساعدتم فعلت. قلنا له: قل قال هذه الجارية أنا أعاينها منذ دهر، وأريد إيثار نفسي بها؛ فأكره أن تنظر إليّ بعين من قد ماكس في ثمنها! دعوني أعطيه بها خمسمائة دينار كما سأل! قلنا له: وإنه قد حط مائتين. قال: وإن فعل. قال: فصادفت من مولاها رجلا حرّا، فأخذ ثلاثمائة وجهزها بالمائتين! فما زال إلينا محسنا حتى فرق الموت بيننا. حديث المجرّد قال إسحاق بن إبراهيم: قال لي ابن وهب الشاعر: واللَّه لأحدثنك حديثا ما سمعه مني أحد قط، وهو بأمانة أن يسمعه أحد منك ما دمت حيا. قلت: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها «١» قال: يا أبا محمد إنه حديث ما طنّ في أذنك أعجب منه! قلت: كم هذا التعقيد بالأمانة؟ آخذه على ما أحببت! قال: بينا أنا بسوق الكيل بمكة بعد أيام الموسم، إذ أنا بامرأة من نساء مكة، معها صبي يبكي، وهي تسكته فيأبى أن يسكت، فسفرت، فأخرجت من فيها كسرة

стр. 2591

درهم فدفعتها إلى الصبيّ فسكت؛ فإذا وجه رقيق كأنه كوكب درّي، وإذا شكل رطب ولسان فصيح؛ فلما رأتني أحدّ النظر إليها، قالت: اتبعني! فقلت: إن شريطتي الحلال! قالت: ارجع في حرامك! ومن يريديك على حرام؟ فخجلت، وغلبتني نفسي على رأيي، فتبعتها، فدخلت زقاق العطارين فصعدت درجة وقالت: اصعد! فصعدت، فقالت: أنا مشغولة وزوجي رجل من بني مخزوم، وأنا امرأة من زهرة! ولكن عندي حر ضيّق، عليه وجه أحسن من العافية، في مثل خلق ابن سريج، وترنم معبد، وتيه ابن عائشة؛ أجمع لك هذا كله في بدن واحد بأشقر سليم. قلت: وما أشقر سليم؟ قالت: بدينار واحد يومك وليلتك، فإذا قمت جعلت الدينار وظيفة وتزويجا صحيحا. قلت: فذلك لك إن اجتمع لي ما ذكرت. قال: فصفقت بيدها إلى جاريتها، فاستجابت لها، قالت: قولي لفلانة: البسي عليك ثيابك وعجّلي، وباللَّه لا تمسّي غمرا «١» ولا طيبا، فحسبك بدلالك وعطرك. قال: فإذا جارية أقبلت ما أحسب أن الشمس وقعت عليها، كأنها دمية، فسلمت وقعدت كالخجلة. فقالت: لها الأولى: إن هذا الذي ذكرته لك، وهو في هذه الهيئة التي ترين. قالت: حيّاه اللَّه وقرّب داره. قالت: وقد بذل لك من الصداق دينارا. فقالت: أي أمّ، أخبرتيه بشريطتي؟ قالت: لا واللَّه يا بنية، لقد نسيتها. ثم نظرت إليّ فغمزتني وقالت: أتدري ما شريطتها؟ قلت: لا. قالت: أقول لك بحضورها ما إخالها تكرهه، هي واللَّه أفتك من عمرو بن معد يكرب، وأشجع من ربيعة بن مكدّم، ولست بواصل إليها حتى تسكر وتغلب على عقلها، فإذا بلغت تلك الحال ففيها مطمع. قلت: ما أهون هذا وأسهله! قالت الجارية: وتركت شيئا آخر! قالت: نعم واللَّه، أعلم أنك لن تصل إليها حتى تتجرد لها، وتراك مجرّدا مقبلا ومدبرا. قلت: وهذا أيضا أفعله! قالت: هلمّ دينارك! فأخرجت دينارا فنبذته إليها؛ فصفقت صفقة أخرى، فأجابتها امرأة؛

стр. 2592

قالت: قولي لأبي الحسن وأبي الحسين: هلمّا الساعة! فقلت في نفسي: أبو الحسن وأبو الحسين، هو عليّ بن أبي طالب! قال: فإذا شيخان خاضبان نبيلان قد أقبلا، فصعدا، فقصت المرأة عليهما القصة، فخطب أحدهما وأجاب الآخر، وأقررت بالتزويج وأقرّت المرأة؛ فدعوا بالبركة ثم نهضا، فاستحييت أن أحمّل المرأة شيئا من المئونة، فأخرجت دينارا آخر فدفعته إليها، وقلت: اجعلي هذا لطيبك. قالت: يا أخي، لست ممن يمسّ طيبا لرجل، إنما أتطيّب لنفسي إذا خلوت. قلت: فاجعلي هذا لغدائنا اليوم. قالت: أما هذا فنعم. فنهضت الجارية، وأمرت بإصلاح ما يحتاج إليه، ثم عادت، وتغدّينا، وجاءت بأداة وقضيب، وقعدت تجاهي؛ ودعت بنبيذ فأعدّته، واندفعت تغني بصوت لم أسمع مثله قط، فإني ألفت القينات نحوا من ثلاثين سنة، ما سمعت مثل ترنّمها قط؛ فكدت أجنّ سرورا وطربا، فجعلت أريغ «١» أن تدنو مني فتأبى، إلى أن غنّت بشعر لم أعرفه، وهو: راحوا يصيدون الظّباء، وإنني ... لأرى تصيّدها عليّ حراما! أعزز عليّ بأن أروّع شبهها ... أو أن تذوق على يديّ حماما! فقلت: جعلت فداك! من يغنّي هذا؟ قالت: اشترك فيه جماعة، هو لمعبد، وتغنى به ابن سريج وابن عائشة ... فلما نعي إلينا النهار وجاءت المغرب، تغنّت بصوت لم أفهمه، للشقاء الذي كتب عليّ، فقالت: كأني بالمجرّد قد علته ... نعال القوم أو خشب السواري «٢» قلت: جعلت فداك! ما أفهم هذا البيت ولا أحسبه مما يتغنى به. قالت: أنا أوّل من تغنى به. قلت: فإنما وهو بيت عابر لا صاحب له؟ قالت: معه آخر ليس هذا وقته، هو آخر ما أتغنى به؟

стр. 2593

قال: وجعلت لا أنازعها في شيء إجلالا لها، فلما أمسينا وصلينا المغرب وجاءت العشاء الأخيرة، وضعت القضيب، فقمت فصليت العشاء وما أدري كم صليت، عجلة وشوقا؛ فلما صليت قلت: تأذنين جعلت فداك في الدنوّ منك؟ قالت: تجرّد! وأشارت إلى ثيابها كأنها تريد أن تتجرّد؛ فكدت أن أشق ثيابي عجلة للخروج منها؛ فتجرّدت وقمت بين يديها مكفّرا لها؛ قالت: امض الى زاوية البيت وأقبل وأدبر، حتى أراك مقبلا ومدبرا. قال: وإذا حصير في الغرفة، عليه طريق إلى زاوية البيت، فخطرت عليه، وإذا تحته خرق «١» إلى السوق، فإذا أنا في السوق قائما مجرّدا منعظا «٢» ! وإذا الشيخان الشاهدان قد أعدا لي نعالهما، وكمنا لي في ناحية، فلما هبطت عليهما بادرا إليّ فقطعا نعالهما «٣» على قفاي، واستعانا بأهل السوق؛ فضربت واللَّه يا أبا محمد حتى نسيت اسمي؛ فبينا أنا أضرب بنعال مخصوفة وأيد شديدة، إذا صوت يغنّي به من فوق البيت، وهو: ولو علم المجرّد ما أردنا ... لحاربنا المجرّد بالصحاري فقلت في نفسي: هذا واللَّه وقت هذا البيت! فنجوت إلى رحلي وما فيّ عظم صحيح؛ فسألت عنها فقيل لي: إنها امرأة من آل أبي لهب! فقلت: لعنها اللَّه ولعن الذي هي منه! يوم دارة جلجل قال الفرزدق: أصابنا بالبصرة ليلا مطر جود، فلما أصبحت ركبت بغلتي وسرت إلى المربد، فإذا أنا بآثار دواب وقد خرجت إلى ناحية البرية، فظننت أنهم قوم خرجوا للنزهة، وهم خلقاء أن يكون معهم سفرة، فاتبعت آثارهم حتى انتهيت إلى بغال عليهم رحائل موقوفة على غدير، فأسرعت إلى الغدير، فإذا فيه نسوة

стр. 2594

مستنقعات في الماء، فقلت: لم أر كاليوم قط، ولا يوم دارة جلجل. وانصرفت مستحييا. فنادينني: يا صاحب البغلة، ارجع نسألك عن شيء. فرجعت إليهنّ، فقعدن في الماء إلى حلوقهن، ثم قلن: باللَّه إلا ما أخبرتنا ما كان من حديث دارة جلجل. قلت: حدثني جدّي- أنا يومئذ غلام حافظ- أن امرأ القيس كان عاشقا لابنة عمه، ويقال لها عنيزة؛ وأنه طلبها زمانا فلم يصل إليها، حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل؛ وذلك أنّ الحيّ تحمّلوا، فتقدم الرجال، وتخلف النساء والخدم والثقل «١» ؛ فلما رأى ذلك امرؤ القيس، تخلف بعد ما سار مع رجال قومه غلوة، فكمن في غيابة من الأرض، حتى مرّ به النساء وفيهنّ عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا واغتسلنا في هذا الغدير فذهب عنا بعض الكلال. فنزلن في الغدير، ونحيّن العبيد، ثم تجرّدن فوقعن فيه، فأتاهنّ امرؤ القيس فأخذ ثيابهنّ، فجمعها وقعد عليها، وقال: واللَّه لا أعطي جارية منكنّ ثوبها ولو قعدت في الغدير يومها، حتى تخرج متجرّدة فتأخذ ثوبها! فأبين ذلك عليه، حتى تعالى النهار وخشين أن يقصرن عن المنزل الذي يردنه، فخرجن جميعا غير عنيزة؛ فناشدته اللَّه أن يطرح ثوبها، فأبى، فخرجت؛ فنظر إليها مقبلة ومدبرة. وأقبلن عليه فقلن له: إنك عذبتنا وحبستنا وأجعتنا! قال: فإن نحرت لكنّ ناقتي أتأكلن معي؟ قلن: نعم، فجرّد سيفه فعرقبها ونحرها، ثم كشطها، وجمع الخدم حطبا كثيرا، فأجّجن نارا عظيمة، فجعل يقطع أطايبها ويلقي على الجمر، ويأكلن ويأكل معهنّ، ويشرب من فضلة كانت معه ويسقيهنّ، وينبذ إلى العبيد من الكباب. فما أرادوا الرحيل قالت إحداهنّ: أنا أحمل طنفسته «٢» . وقالت الأخرى: أنا

стр. 2595

أحمل رحله وأنساعه» . فتقسّمن متاعه وزاده؛ وبقيت عنيزة لم تحمل له شيئا؛ فقال لها: يا بنت الكرام، لا بد أن تحمليني معك؛ فإني لا أطيق المشي، فحملته على غارب «٢» بعيرها، فكان يجنح إليها فيدخل رأسة في خدرها فيقبّلها، فإذا امتنعت مال حدجها «٣» ، فتقول: عقرت بعيري فانزل! ففي ذلك يقول: [ألا ربّ يوم لي من البيض صالح ... ولا سيّما يوم بدارة جلجل] ويوم عقرت للعذارى مطّيتي ... فيا عجبنا من رحلها المتحمّل فظلّ العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهدّاب الدّمقس المفتّل. تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل «٤» فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلّل وكان الفرزدق أروى الناس لأخبار امرىء القيس وأشعاره، وذلك أنّ امرأ القيس رأى من أبيه جفوة، فلحق بعمه شرحبيل بن الحارث، وكان مسترضعا في بني دارم فأقام فيهم، وهم رهط الفرزدق. خبر دعبل وصريع الغواني حدثنا أبو سويد بن أبي عتاهية عن دعبل بن علي الشاعر قال: بينا أنا ذات يوم بباب الكرخ وأنا سائر، وقد احتوى الفكر على قلبي في أبيات شعر قد نطق بها اللسان من غير اعتقاد جنان، فقلت: دموع عيني لها انبساط ... ونوم عيني به انقباض فإذا أنا بجارية فائقة الجمال حوراء الطرف، يقصر عن نعتها الوصف؛ لها وجه زاهر، ونور باهر، فهي كما قال الشاعر: كأنما أفرغت في قشر لؤلؤة ... في كل جارحة منها لها قمر
следующие страницы →