← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

كل، فقبضت يدي. وقلت: إن رسول الله ﷺ نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة. فقال نعم ﷺ ، ولكن نقّ قلبك وكل فيما أحببت. قال: فأكل في الذهب والفضة وأكلت في الخليج «١» ؛ فلما رفع الطعام جيء بطساس الفضة وأباريق الذهب، وأومأ إلى خادم بين يديه، فمرّ مسرعا، فسمعت حسّا، فالتفتّ، فإذا خدم معهنّ الكراسي مرصّعة بالجواهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره، ثم سمعت حسّا، فإذا عشر جوار قد أقبلن مطمومات الشعر «٢» متكسرات في الحلى عليهن ثياب الديباج، فلم أر وجوها قط أحسن منهن، فأقعدهنّ على الكراسيّ عن يمينه؛ ثم سمعت حسّا، فإذا عشر جوار أخرى، فأجلسهن على الكراسيّ عن يساره؛ ثم سمعت حسّا، فإذا جارية كأنها الشمس حسنا؛ وعلى رأسها تاج، على ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه، وفي يدها اليمنى جام «٣» فيها مسك وعنبر، وفي يدها اليسرى جامة فيها ماء ورد، فأومأت إلى الطائر أو قال: فصفرت بالطائر، فوقع في جام ماء الورد فاضطرب فيه، ثم أومأت إليه أو قال: فصفرت به، فطار حتى نزل على صليب في تاج جبلة؛ فلم يزل يرفرف حتى نفض ما في ريشه عليه. وضحك جبلة من شدّة السرور حتى بدت أنيابه؛ ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه، فقال: بالله أطربنني؛ فاندفعن يتغنين يخفقن بعيدانهن ويقلن: لله درّ عصابة نادمتهم ... يوما بجلّق في الزمان الأوّل يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل «٤» أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل بيض الوجوه أعفّة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل قال: فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا. قال:

стр. 317

قائله حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ . ثم التفت إلى الجواري اللاتي عن يساره، فقال: بالله أبكيننا. فاندفعن يتغنين ويخفقن بعيدانهن ويقلن: لمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك فالخمان «١» ذاك مغنى لآل جفنة في الدّه ... ر محلا لحادث الأزمان قد أراني هناك دهرا مكينا ... عند ذي التاج مقعدي ومكاني ودنا الفصح فالولائد ينظم ... ن سراعا أكلّة المرجان لم يعلّلن بالمغافر والصّم ... غ ولا نقف حنظل الشّريان «٢» قال: فبكى حتى جعلت الدموع تسيل على لحيته؛ ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا أدري. قال: حسان بن ثابت. ثم أنشأ يقول: تنصّرت الأشراف من عار لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنّفني منها لجاج ونخوة ... وبعت لها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى الأمر الذي قال لي عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر ثم سألني عن حسان: أحيّ هو؟ قلت: نعم، تركته حيّا. فأمر لي بكسوة ومال ونوق موقرة براّ. ثم قال لي: إن وجدته حيّا فادفع إليه الهدية واقرئه سلامي، وإن وجدته ميتا فادفعها إلى أهله وانحر الجمال على قبره. فلما قدمت على عمر أخبرته خبر جبلة وما دعوته إليه من الإسلام والشرط الذي شرطه وأني ضمنت له التزويج ولم أضمن له الإمرة، فقال: هلا ضمنت له الإمرة؛ فإذا أفاء الله به إلى الإسلام قضى عليه بحكمه .

стр. 318

ثم ذكرت له الهدية التي أهداها إلى حسّان بن ثابت، فبعث إليه وقد كفّ بصره، فأتي به وقائد يقوده، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين، إني لأجد رياح آل جفنة عندك! قال: نعم. هذا رجل أقبل من عنده. قال: هات يا بن أخي إنه كريم من كرام مدحتهم في الجاهلية فحلف ألّا بلقى أحدا يعرفني إلا أهدى إليّ معه شيئا. فدفعت إليه الهدية. المال والثياب، وأخبرته بما كان أمر به في الإبل إن وجد ميتا. فقال: وددت أني كنت ميتا فنحرت على قبري. قال الزبير: وانصرف حسان وهو يقول: إنّ ابن جفنة من بقيّة معشر ... لم تغذهم آباؤهم باللوم لم ينسني بالشّام إذ هو ربّها ... ملكا ولا متنصرا بالرّوم يعطي الجزيل ولا يراه عنده ... إلا كبعض عطيّة المذموم فقال له رجل كان في مجلس عمر: أتذكر ملوكا كفرة أبادهم الله وأفناهم؟ قال: ممن الرجل؟ قال: مزني. قال: أما والله لولا سوابق قومك مع رسول الله ﷺ لطوّقتك طوق الحمامة. قال: ثم جهزني عمر إلى قيصر وأمرني أن أضمن لجبلة ما اشترط به. قلما قدمت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته، فعلمت أن الشقاء غلب عليه في أمّ الكتاب. وفود الأحنف على عمر بن الخطاب ﵁ المدائني قال: قدم الأحنف بن قيس التميمي على عمر بن الخطاب ﵁، في أهل البصرة وأهل الكوفة، فتكلموا عنده في أنفسهم وما ينوب كلّ واحد منهم، وتكلم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إن مفاتيح الخير بيد الله، وقد أتتك وفود أهل العراق، وإنّ

стр. 319

إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية، والملوك الجبابرة، ومنازل كسرى وقيصر وبني الأصفر «١» ، فهم من المياه العذبة والجنان المخصبة في مثل حولاء السّلى وحدقة البعير «٢» ، تأتيهم ثمارهم غضّة لم تتغيّر؛ وإنا نزلنا أرضا نشاشة طرف في فلاة وطرف في ملح أجاج، جانب منها منابت القصب، وجانب سبخة نشّاشة لا يجف ترابها، ولا ينبت مرعاها، تأتينا منافعها في مثل مريء النعامة، يخرج الرجل الضعيف منّا يستعذب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة بمثل ذلك ترنّق «٣» ولدها ترنيق العنز، تخاف عليه العدوّ والسبع، فإلا ترفع خسيستنا. وتنعش ركيستنا «٤» ، وتجبر فاقتنا، وتزيد في عيالنا عيالا، وفي رجالنا رجالا، وتصفّر درهمنا، وتكبّر قفيزنا، وتأمر لنا بحفر نهر نستعذب به الماء هلكنا. قال عمر: هذا والله السيد! هذا والله السيد! قال الأحنف: فما زلت أسمعها بعدها. فأراد زيد بن جبلة أن يضع منه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس هناك، وأمّه باهليّة. قال عمر: هو خير منك إن كان صادقا. يريد: إن كانت له نيّة. فقال الأحنف: أنا ابن الباهليّة أرضعتني ... بثدي لا أجدّ ولا وخيم «٥» أغضّ على القذى أجفان عيني ... إذا شرّ السّفيه إلى الحليم «٦» قال فرجع الوفد واحتبس الأحنف عنده حولا وأشهرا، ثم قال: إن رسول الله

стр. 320

صلّى الله عليه وسلّم حذّرنا كل منافق صنع اللسان، وإني خفتك فاحتبستك، فلم يبلغني عنك إلا خير؛ رأيت لك جولا «١» ومعقولا؛ فارجع إلى منزلك واتق الله ربك. وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يحتفر لهم نهرا. وفود الأحنف وعمرو بن الأهتم على عمر بن الخطاب ﵁ العتبي عن أبيه قال: وفد الأحنف وعمرو بن الأهتم على عمر بن الخطاب ﵁، فأراد أن يقرع بينهما في الرياسة، فلما اجتمعت بنو تميم، قال الأحنف: ثوى قدح عن قومه طالما ثوى ... فلمّا أتاهم قال قوموا تناجزوا فقال عمرو بن الأهتم: إنا كنّا وأنتم في دار جاهليّة فكان الفضل فيها لمن جهل، فسفكنا دماءكم، وسبينا نساءكم، وإنّا اليوم في دار الإسلام والفضل فيها لمن حلم؛ فغفر الله لنا ولك. قال: فغلب يومئذ عمرو بن الأهتم على الأحنف ووقعت القرعة لآل الأهتم فقال عمرو بن الأهتم: لمّا دعتني للرّياسة منقر ... لدى مجلس أضحى به النّجم باديا شددت لها أزري وقد كنت قبلها ... لأمثالها ممّا أشدّ إزاريا وعمرو بن الأهتم: هو الذي تكلم بين يدي رسول الله ﷺ ، وسأله عن الزبرقان، فقال عمرو: مطاع في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله إنه ليعلم مني أكثر مما قال، ولكن حسدني. قال: أما والله يا رسول الله، إنه لزمر «٢» المروءة، ضيّق العطن «٣» ؛ أحمق الوالد

стр. 321

لئيم الخال؛ والله ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى؛ رضيت عن بن عمي فقلت أحسن ما علمت ولم أكذب، وسخطت عليه فقلت أقبح ما علمت ولم أكذب. فقال رسول الله ﷺ : إنّ من البيان لسحرا. وفود عمرو بن معديكرب على عمر بن الخطاب ﵁ إذ أوفده سعد لما فتحت القادسيّة على يدي سعد بن أبي وقّاص، أبلى فيها عمرو بن معديكرب بلاء حسنا، فأوفده سعد على عمر بن الخطاب ﵁، وكتب إليه معه بالفتح وأثنى في الكتاب على عمرو؛ فلما قدم على عمر بن الخطاب سأله عن سعد، فقال: أعرابي في نمرته «١» ، أسد في تأمورته «٢» ، نبطي في جبايته، يقسم بالسويّة، ويعدل في القضية وينفل «٣» في السريّة؛ وينقل إلينا حقنا نقل الذّرة. فقال عمر: لشدّ ما تقارضتما الثناء. وكان عمر قد كتب إلى سعد يوم القادسيّة أن يعطي الناس على قدر ما معهم من القرآن؛ فقال سعد لعمرو بن معديكرب ما معك من القرآن؟ قال: ما معي شيء. قال: إن أمير المؤمنين كتب إليّ أن أعطي الناس على قدر ما معهم من القرآن. فقال عمرو: إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد ... قالت قريش ألا تلك المقادير نعطي السّويّة من طعن له نفذ ... ولا سويّة إذ تعطى الدنانير قال: فكتب سعد بأبياته إلى عمر، فكتب إليه أن يعطى على مقاماته في الحرب.

стр. 322

وفود أهل اليمامة على أبي بكر الصديق ﵁ وفد أهل اليمامة على أبي بكر الصديق ﵁، بعد إيقاع خالد وقتله مسليمة الكذاب، فقال لهم أبو بكر: ما كان يقول صاحبكم؟ قالوا: أعفنا يا خليفة رسول الله. قال: لا بد أن تقولوا. قالوا: كان يقول: يا ضفدع كم تنقّين. لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدّرين، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريش قوم لا يعدلون. فقال لهم أبو بكر: ويحكم! ما خرج هذا من إلّ ولا بر، فأين ذهب بكم؟ قال أبو عبيد؛ الإل: الله تعالى. والبر الرجل الصالح. وفود عمرو بن معديكرب على مجاشع بن مسعود وفد عمرو بن معديكرب الزّبيدي على مجاشع بن مسعود السّلمي- وكانت بين عمرو وبين سليم حروب في الجاهلية- فقدم عليه البصرة يسأله الصلة، فقال له: اذكر حاجتك. فقال له: حاجتي صلة مثلي. فأعطاه عشرة آلاف درهم، وفرسا من بنات الغبراء، وسيفا جرازا «١» ، ودرعا حصينة، وغلاما خبازا؛ فلما خرج من عنده. قال له أهل المجلس: كيف وجدت صاحبك؟ قال لله بنو سليم! ما أشد في الهيجاء لقاءها، وأكرم في الّلأواء «٢» عطاءها، وأثبت في المكرمات بناءها. والله يا بني سليم، لقد قاتلناكم في الجاهلية فما أجبنّاكم، ولقد هاجيناكم فما أفحمناكم، ولقد سألناكم فما أبخلناكم: فلله مسئولا نوالا ونائلا ... وصاحب هيج يوم هيج مجاشع

стр. 323

وفود الحسن بن علي ﵄ على معاوية ﵁ أبو بكر بن أبي شيبة قال: وفد الحسن بن علي ﵄ على معاوية بعد عام الجماعة، فقال له معاوية: والله لا حبونّك بجائزة ما أجزت بها أحدا قبلك ولا أجيز بها أحدا بعدك. فأمر له بمائة ألف. وفي بعض الحديث إن النبي ﷺ دخل على ابنته فاطمة، فوجد الحسن طفلا يلعب بين يديها، فقال لها: إن الله تعالى سيصلح على يدي ابنك هذا بين فئتين عظيمتين من المسلمين. وفود زيد بن منية على معاوية ﵀ العتبي قال: قدم زيد بن منية على معاوية من البصرة- وهو أخو يعلى ابن منية صاحب جمل عائشة، ومتولي تلك الحروب، ورأس أهل البصرة. وكان عتبة بن أبي سفيان قد تزوّج ابنة يعلي بن منية- فلما دخل على معاوية شكا إليه دينا لزمه. فقال: يا كعب، أعطه ثلاثين ألفا. فلما ولّى قال: وليوم الجمل ثلاثين ألفا أخرى. ثم قال له الحق بصهرك- يعني عتبة- فقدم عليه مصر، فقال: إنّي سرت إليك شهرين، أخوض فيهما المتالف، ألبس أردية الليل مرّة، وأخوض في لجج السراب أخرى، موقرا من حسن الظن بك، وهاربا من دهر قطم، ودين لزم، بعد غنى جدعنا به أنوف الحاسدين، فلم أجد إلا إليك مهربا وعليك معوّلا. فقال عتبة: مرحبا بك وأهلا؛ إن الدهر أعاركم غنى، وخلطكم بنا، ثم استردّ ما أمكنه أخذه، وقد أبقى لكم منّا ما لا ضيعة معه، وأنا واضع يدي ويدك بيد الله فأعطاه ستين ألفا، كما أعطاه معاوية ﵀.

стр. 324

وفود عبد العزيز بن زرارة على معاوية ﵀ العتبي عن أبيه قال: وفد عبد العزيز بن زرارة على معاوية وهو سيّد أهل الكوفة. فلما أذن له وقف بين يديه، وقال: يا أمير المؤمنين، لم أزل أهز ذوائب الرّحال إليك؛ إذ لم أجد معوّلا إلا عليك، امتطى الليل بعد النهار، وأسم المجاهل بالآثار، يقودني إليك أمل، وتسوقني بلوى، والمجتهد يعذر، وإذ بلغتك فقطني. فقال معاوية: احطط عن راحلتك رحلها. وخرج عبد العزيز بن زرارة مع يزيد بن معاوية إلى الصائفة، فهلك هناك؛ فكتب به يزيد بن معاوية إلى معاوية، فقال لزرارة: أتاني اليوم نعي سيد شباب العرب. قال زرارة: يا أمير المؤمنين، هو ابني أو ابنك. قال: بل ابنك. قال: للموت ما تلد الوالدة. أخذه سابق البربري فقال: وللموت تغذو الولدات سخالها ... كما لخراب الدهر تبنى المساكن وقال آخر: للموت يولد منّا كلّ مولود ... لا شيء يبقى ولا يفنى بموجود وفود عبد الله بن جعفر على يزيد بن معاوية المدائني قال: قدم عبد الله بن جعفر على يزيد بن معاوية، فقال له: كم كان عطاؤك؟ فقال له: ألف ألف. قال: قد أضعفناها لك. قال: فداك أبي وأمي وما قلتها لأحد قبلك! قال: أضعفناها لك ثانية. فقيل ليزيد: أتعطي رجلا واحدا أربعة آلاف ألف؟ فقال: ويحكم، إنما أعطيتها أهل المدينة أجمعين، فما يده فيها إلّا عارية. فلما كان في السنة الثانية قدم عبد الله بن جعفر، وقدم مولى له يقال له نافع،

стр. 325

كانت له منزلة من يزيد بن معاوية. قال نافع: فلما قدمنا عليه أمر لعبد الله بن جعفر بألف ألف، وقضى عنه ألف ألف، ثم نظر إليّ فتبسم، فقلت: هذه لتلك الليلة. وكنت سامرته ليلة في خلافة معاوية وأسمعته فيها، فذكرته بها وقدمت عليه هدايا من مصر كثيرة، فأمر بها لعبد الله بن جعفر؛ وكانت له مائة ناقة، فقلت لابن جعفر: لو سألته منها شيئا نحتلبه في طريقنا؟ ففعل، فأمر بصرفها كلها إليه. فلما أراد الوداع أرسل إليّ فدخلت عليه، فقال: ويلك! إنما أخّرتك لأتفرغ إليك، هات قول جميل. خليليّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي قال؛ فأسمعته، فقال: أحسنت والله؛ هات حاجتك! فما سألته شيئا إلا أعطانيه، فقال: إن يصلح الله هذا الأمر من قبل ابن الزبير تلقنا بالمدينة؛ فإن هذا لا يحسن إلا هناك. فمنع والله من ذلك شؤم ابن الزبير. وفود عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان قال بديح: وفد عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان، وكان زوّج ابنته أم كلثوم من الحجاج على ألفي ألف في السر وخمسمائة ألف في العلانية، وحملها إليه إلى العراق، فمكثت عنده ثمانية أشهر. قال بديح: فلما خرج عبد الله بن جعفر إلى عبد الملك بن مروان، خرجنا معه حتى دخلنا دمشق، فإنا لنحطّ رحالنا إذ جاءنا الوليد بن عبد الملك على بغلة وردة ومعه الناس، فقلنا: جاء إلى ابن جعفر ليحييه ويدعوه إلى منزله. فاستقبله ابن جعفر بالترحيب، فقال له: لكن أنت لا مرحبا بك ولا أهلا! فقال: مهلا يا بن أخي، فلست أهلا لهذه المقالة منك. قال: بلى، ولشرّ منها، قال: وفيم ذلك؟ قال: إنك عمدت إلى عقيلة نساء العرب، وسيدة بني عبد مناف، ففرشتها عبد ثقيف يتفخّذها. قال: وفي هذا عتب عليّ يا بن أخي؟ قال: وما أكثر من هذا؟ قال: والله إنّ أحق الناس أن لا يلومني في هذا لأنت وأبوك؛ إن كان من

стр. 326

البلكم من الولاة ليصلون رحمي، ويعرفون حقي، وإنك وأباك منعتماني ما عند كما حتى ركبني من الدّين ما والله لو أن عبدا مجدّعا حبشيّا أعطاني بها ما أعطاني عبد ثقيف لزوّجتها؛ فإنما فديت بها رقبتي من النار. قال: فما راجعه كلمة حتى عطف عنانه، ومضى حتى دخل على عبد الملك- وكان الوليد إذا غضب عرف ذلك في وجهه- فلما رآه عبد الملك قال: مالك أبا العباس؟ قال: إنك سلّطت عبد ثقيف وملّكته ورفعته حتى تفخّذ نساء عبد مناف، وأدركته الغيرة. فكتب عبد الملك إلى الحجّاج يعزم عليه ألّا يضع كتابه من يده حتى يطلّقها ... فما قطع الحجّاج عنها رزقا ولا كرامة يجريها عليها حتى خرجت من الدنيا. قال: وما زال واصلا لعبد الله بن جعفر حتى هلك. قال بديح: فما كان يأتي علينا هلال إلا وعندنا غير مقبلة من الحجاج، عليها لطف وكسوة وميرة، حتى لحق عبد الله بن جعفر بالله. ثم استأذن ابن جعفر على عبد الملك، فلما دخل عليه استقبله عبد الملك بالترحيب، ثم أخذ بيده فأجلسه معه على سريره، ثم سأله فألطف المسألة، حتى سألة عن مطعمه ومشربه. فلما انقضت مسألته، قال له يحيى بن الحكم: أمن خبثة كان وجهك يا أبا جعفر؟ قال: وما خبثة؟ قال: أرضك التي جئت منها. قال: سبحان الله، رسول الله ﷺ يسميها طيبة وتسميها خبثة؟ لقد اختلفتما في الدنيا وأظنكما في الآخرة مختلفين. فلما خرج من عنده هيّأ له ابن جعفر هدايا وألطافا. فقلت لبديح: ما قيمة ذلك؟ قال: قيمته مائة ألف. من وصفاء ووصائف وكسوة وحرير ولطف من لطف الحجاز. قال: فبعثني بها، فدخلت عليه وليس عنده أحد. فجعلت أعرض عليه شيئا شيئا. قال: فما رأيت مثل إعظامه لكل ما عرضت عليه من ذلك، وجعل يقول كلما أريته شيئا: عافى الله أبا جعفر! وما رأيت كاليوم، وما نريد أن يتكلف لنا شيئا من هذا، وإن كنا لمتذمّمين محتشمين. قال: فخرجت من عنده وأذن لأصحابه. والله لبينا أنا عند بن جعفر أحدّثه عن تعجب عبد الملك وإعظامه لما أهدى

стр. 327

إليه، إذا بفارس قد أقبل علينا، فقال أبا جعفر، إن أمير المؤمنين يقرأ السلام عليك، ويقول لك: جمعت له وخش رقيق الحجاز وأبّاقهم وحبست عنا فلانة، فابعث بها إلينا- وذلك أنه حين دخل عليه أصحابه جعل يحدّثهم عن هدايا ابن جعفر ويعظمها عندهم، فقال له يحيى بن الحكم: وماذا أهدى إليك ابن جعفر؟ جمع لك وخش رقيق الحجاز وأبّاقهم وحبس عنك فلانة. قال: ويلك، وما فلانة هذه؟ قال: ما لم يسمع واد أحد بمثلها قطّ جمالا وكمالا وخلقا وأدبا، لو أراد كرامتك بعث بها إليك. قال: وأين تراها. وأين تكون؟ قال: هي والله معه، وهي نفسه التي بين جنبيه- فلما قال الرسول ما قال، وكان ابن جعفر في أذنه بعض الوقر، إذا سمع ما يكره تصامّ، فأقبل عليه فقال: ما يقول يا بديح؟ قال: قلت: فإنّ أمير المؤمنين يقرأ السلام ويقول: إنه جاءني بريد من ثغر كذا يقول: إن الله نصر المسلمين وأعزهم. قال: اقرأ أمير المؤمنين السلام، وقل له: أعز الله نصرك، وكبت عدوك. فقال الرسول: يا أبا جعفر، إني لست أقول هذا. وأعاد مقالته الأولى. فسألني فصرفته إلى وجه آخر. فأقبل عليّ الرسول، فقال: يا ماصّ ... أبرسل أمير المؤمنين تهكّم، وعن أمير المؤمنين تجيب هذا الجواب؟ أما والله لأطلّنّ دمك. فانصرف، وأقبل عليّ بن جعفر فقال: من ترى صاحبنا؟ قال: صاحبك بالأمس. قال: أظنه! فما الرأي عندك؟ قلت: يا أبا جعفر، قد تكلّفت له ما تكلفت، فإن منعتها إياه جعلتها سببا لمنعك، ولو طلب أمير المؤمنين إحدى بناتك ما كنت أرى أن تمنعها إياه. قال: ادعها لي فلما أقبلت. رحّب بها ثم أجلسها إلى جنبه، ثم قال: أما والله ما كنت أظن أن يفرق بيني وبينك إلا الموت. قالت: وما ذاك؟ قال: إنه حدث أمر، وليس والله كائنا فيه إلا ما أحببت، جاء الدهر فيه بما جاء. قالت: وما هو؟ قال: إن أمير المؤمنين بعث يطلبك. فإن تهوى فذاك، وإلا والله لم يكن أبدا. قالت: ما شيء لك فيه هوى ولا أظنّ فيه فرجا عنك إلا فديته بنفسي، وأرسلت عينها بالبكاء. فقال لها: أما إذا فعلت فلا ترينّ مكروها: فمسحت عينيها، وأشار إليّ فقال: ويحك يا بديح استحثها قبل أن تتقدّم إليّ من القوم بادرة. قال: ودعا بأربع

стр. 328

وصائف ودعا من صاحب نفقته بخمسمائة دينار، ودعا مولاة له كانت تلي طيبه، فدحست لها ربعة عظيمة مملوءة طيبا، ثم قال: عجّلها ويلك. فخرجت أسوقها حتى انتهيت إلى الباب؛ وإذا الفارس قد بلّغ عني، فما تركني الحجّاب أن تمس رجلاي الأرض حتى أدخلت على عبد الملك وهو يتلظّى، فقال لي يا ماصّ، وكذا أنت المجيب عن أمير المؤمنين والمتهكم برسله؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إيذن لي أتكلم. قال: وما تقول يا كذا وكذا؟ قلت: إيذن لي جعلني الله فداك أتكلم. قال: تكلم. قلت: يا أمير المؤمنين، أنا أصغر شأنا، وأقل خطرا من أن يبلغ كلامي من أمير المؤمنين ما أرى، وهل أنا إلا عبد من عبيد أمير المؤمنين، نعم، قد قلت ما بلغك، وقد يعلم أمير المؤمنين إنّما نعيش في كنف هذا الشيخ، وأنّ الله لم يزل إليه محسنا، فجاءه من قبلك شيء ما أتاه قطّ مثله، إنما طلبت نفسه التي بين جنبيه، فأجبت بما بلغك لأسهّل الأمر عليه؛ ثم سألني فأخبرته واستشارني فأشرت عليه، وها هي ذه قد جئتك بها. قال: أدخلها ويلك! قال: فأدخلتها عليه وعنده مسلمة ابنه، غلام ما رأيت مثله ولا أجمل منه حين اخضرّ شاربه. فلما جلست وكلّمها أعجب بكلامها، فقال: لله أبوك، أمسكك لنفسي أحبّ إليك أم أهبك لهذا الغلام، فإنه ابن أمير المؤمنين، قالت: يا أمير المؤمنين، لست لك بحقيقة، وعسى أن يكون هذا الغلام لي وجها. قال: فقام من مكانه ما راجعها، فدخل، وأقبل عليها مسلمة فقال: يا لكاع «١» ، أعلى أمير المؤمنين تختارين؟ قالت: يا عدوّ نفسه إنما تلومني أن اخترتك؟ لعمر الله لقد قال رأي من اختارتك. قال: فضيّقت والله مجلسه. واطّلع علينا عبد الملك قد ادهن بدهن وارى الشيب، وعليه حلة تتلألأ كأنها الذهب، بيده مخصرة «٢» يخطر بها، فجلس مجلسه على سريره، ثم قال: إيها، لله أبوك، أمسكك لنفسي أحبّ لك أم أهبك لهذا الغلام؟ قالت: ومن أنت أصلحك الله؟ قال لها الخصيّ: هذا أمير المؤمنين! قالت: لست مختارة على أمير المؤمنين أحدا. قال: فأين

стр. 329

قولك آنفا؟ قالت: رأيت شيخا كبيرا، وأرى أمير المؤمنين أشبّ الناس وأجملهم، ولست مختارة عليه أحدا، قال: دونكها يا مسيلمة قال بديح، فنشرت عليه الكسوة والدنانير التي معي، وأريته الجواري والطّيب. قال: عافى الله ابن جعفر! أخشي ألا يكون لها عندنا نفقة وطيب وكسوة؟ فقلت: بلى، ولكنه أحبّ أن يكون معها ما تكتفي به حتى تستأنس. قال: فقبضها مسلمة، فلم تلبث عنده إلا يسيرا حتى هلكت. قال بديح: فو الله الذي ذهب بنفس مسلمة، ما جلست معه مجلسا ولا وقفت موقفا أنازعه فيه الحديث، إلا قال: ابغني مثل فلانة. فأقول: ابغني مثل ابن جعفر. قال: فقلت لبديح: ويلك! فما أجازه به؟ قال: قال حين دفع إليه حاجته ودينه: لأجيزنك جائزة لو نشر لي مروان من قبره ما زدته عليها. فأمر له بمائة ألف. وايم الله إني لا أحسبه أنفق في هديته ومسيره ذلك وجاريته التي كانت عدل نفسه مائتي ألف. وفود الشعبي على عبد الملك بن مروان كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: أن ابعث إليّ رجلا يصلح للدين والدنيا، أتخذه سميرا وجليسا وخليّا. فقال الحجاج: ما ماله إلا عامر الشّعبي. وبعث به إليه؛ فلما دخل عليه وجده قد كبا مهتما، فقال: ما بال أمير المؤمنين؟ قال ذكرت قول زهير «١» : كأنّي وقد جاوزت سبعين حجّة ... خلعت بها عني عذار لجامي رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برامي فلو أنني أرمى بنبل رأيتها ... ولكنّني أرمى بغير سهام على الراحتين تارة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهنّ قيامي «٢» قال له الشّعبي: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كما قال لبيد بن ربيعة، وقد بلغ سبعين حجة:

стр. 330

كأني وقد جاوزت سبعين حجة ... خلعت بها عن منكبيّ ردائيا خليفة الله ماذا تأمرنّ بنا ... لسنا إليكم ولا في دار منتظر ما زلت بعدك في همّ يؤرّقني ... قد طال في الحيّ إصعادي ومنحدري لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا باد على حضر إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر نال الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر هذى الأرامل قد قضّيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذّكر فقال: يا جرير، والله لقد وليت هذا الأمر وما أملك إلا ثلاثمائة، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطه المائة الباقية. فقال: والله يا أمير المؤمنين، إنها لأحبّ مال إليّ كسبته. ثم خرج، فقالوا له: ما وراءك؟ قال ما يسوءكم! خرجت من عند أمير يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض. ثم أنشأ يقول: رأيت رقى الشيطان لا تستفزّه ... وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا وفود الحجاج بابراهيم بن محمد بن طلحة على عبد الملك بن مروان عمران بن عبد العزيز قال: لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين بعد قتله ابن الزبير، استخلص إبراهيم بن محمد بن طلحة فقرّبه وعظّم منزلته. فلم تزل تلك حاله عنده حتى خرج إلى عبد الملك بن مروان، فخرج معه معادلا، لا يقصّر له في برّ ولا إعظام، حتى حضر به عبد الملك. فلما دخل عليه لم يبدأ بشيء بعد السلام إلا أن قال له: قدمت عليك أمير المؤمنين برجل الحجاز، لم أدع له بها نظيرا في الفضل والأدب والمروءة وحسن المذهب، مع قرابة الرحم، ووجوب الحق، وعظم قدر الأبوّة، وما بلوت منه في الطاعة والنصيحة وحسن الموازرة، وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة، وقد

стр. 331

أحضرته بابك ليسهل عليه إذنك، وتعرف له ما عرّفتك. فقال: أذكرتنا رحما قريبة وحقا واجبا، يا غلام، إيذن لإبراهيم بن محمد بن طلحة. فلما دخل عليه أدناه عبد الملك حتى أجلسه على فراشه، ثم قال له: يا بن طلحة، إنّ أبا محمد ذكّرنا ما لم نزل نعرفك به في الفضل والأدب والمروءة وحسن المذهب، مع قرابة الرحم ووجوب الحق وعظم قدر الأبوة، وما بلاه منك في الطاعة والنصيحة وحسن الموازرة، فلا تدعنّ حاجة في خاصة نفسك وعامّتك إلا ذكرتها. فقال: يا أمير المؤمنين، إن أول الحوائج، وأحقّ ما قدّم بين يدي الأمور، ما كان لله فيه رضا، ولحق نبيه ﷺ أداء، ولك فيه ولجماعة المسلمين نصيحة، وعندي نصيحة لا أجد بداّ من ذكرها، ولا أقدر على ذلك إلا وأنا خال، فأخلني يا أمير المؤمنين ترد عليك نصيحتي. قال: دون أبي محمد؟ قال: نعم، دون أبي محمد؟ قال عبد الملك للحجاج: قم. فلما خطرف «١» السّتر أقبل عليّ فقال: يا بن طلحة، قل نصيحتك. فقال: تالله يا أمير المؤمنين، لقد عمدت إلى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه وبعده من الحق وقربه من الباطل، فوليته الحرمين، وهما ما هما، وبهما ما بهما من المهاجرين والأنصار، والموالي الأخيار، يطؤهم بطغام «٢» أهل الشام، ورعاع لا روية لهم في إقامة حق ولا في إزاحة باطل، ويسومهم الخسف، ويحكم فيهم بغير السّنة بعد الذي كان من سفك دمائهم، وما انتهك من حرمهم؛ ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين الله زاهق، وفيما بينك وبين نبيك غدا إذا جاثاك «٣» للخصومة بين يدي الله في أمته. أما والله لا تنجو هنالك إلا بحجة. فاربع «٤» على نفسك أودع. فقال له عبد الملك: كذبت ومنت «٥» وظنّ بك الحجاج ما لم يجده فيك؛ وقد يظنّ الخير بغير أهله؛ قم فأنت الكاذب المائن. قال: فقمت وما أعرف طريقا. فلما خطرفت الستر لحقني لاحق فقال: احبسوا هذا، وقال للحجاج: ادخل. فدخل، فمكث مليّا من النهار لا أشك أنهما في أمري، ثم خرج

стр. 332

الآذن فقال: ادخل يا بن طلحة. فلما كشف لي الستر لقيني الحجاج وهو خارج وأنا داخل؛ فاعتنقني وقبّل ما بين يعينيّ، وقال: أمّا إذا جزى الله المتواخيين خيرا بفضل تواصلهما، فجزاك الله عني أفضل الجزاء؛ فو الله لئن سلمت لك لأرفعنّ ناظرك، ولأعلينّ كعبك، ولأتبعنّ الرجال غبار قدميك. قال: فقلت: يهزأ بي وحقّ الكعبة!. فلما وصلت إلى عبد الملك، أدناني حتى أدناني عن مجلسي الأول؛ ثم قال: يا بن طلحة، لعلّ أحدا شاركك في نصيحتك هذه! قلت: والله يا أمير المؤمنين، ما أعلم أحدا أنصع عندي يدا ولا أعظم معروفا من الحجّاج. ولو كنت محابيا أحدا لغرض دنيا لحابيته. ولكني آثرت الله ورسوله، وآثرتك والمؤمنين عليه. قال: قد علمت أنك لم ترد الدنيا، ولو أردتها لكانت لك في الحّجاج، ولكن أردت الله والدار الآخرة. وقد عزلته عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما، وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استقلالا لهما؛ وولّيته العراقين وما هنالك من الأمور التي لا يدحضها إلا مثله، وأعلمته أنك استدعيتني إلى ولايته عليهما استزادة له، لألزمه بذلك من حقّك ما يؤدّي إليك عني اجر نصيحتك. فاخرج معه فإنك غير ذامّ لصحبته فخرجت مع الحجاج وأكرمني أضعاف إكرامه. وفود رسول المهلب على الحجاج بقتل الأزارقة أبو الحسن المدائني قال: لما هزم المهلب بن أبي صفرة قطريّ بن الفجاءة صاحب الأزارقة، بعث إلى مالك بن بشير فقال له: إني موفدك إلى الحجاج فسر فإنما هو رجل مثلك. وبعث إليه بجائزة، فردّها وقال: إنما الجائزة بعد الاستحقاق. وتوجّه. فلما دخل على الحجّاج، قال له: ما اسمك؟ قال: مالك بن بشير. قال: ملك وبشارة. كيف تركت المهلّب؟ قال: أدرك ما أمّل وأمّن من خاف. قال: كيف هو بجنده؟ قال: والد رؤوف: قال: فكيف جنده له؟ قال: أولاد بررة. قال: كيف رضاهم

стр. 333

عنه؟ قال: وسعهم بالفضل وأقنعهم بالعدل. قال: فكيف تصنعون إذا لقيتم عدوّكم؟ قال: نلقاهم بحدنا فنطمع فيهم، ويلقونا بحدّهم فيطمعون فينا. قال: كذلك الحدّ إذا لقي الحدّ. قال: فما حال قطريّ؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه. قال: فما منعكم من اتّباعه؟ قال: رأينا المقام من ورائه خيرا من اتّباعه. قال: فأخبرني عن ولد المهلب. قال: أعباء القتال بالليل، حماة السّرح بالنهار. قال: أيّهم أفضل؟ قال: ذلك إلى أبيهم. قال: لتقولن. قال: هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها. قال: أقسمت عليك هل روّأت «١» في هذا الكلام؟ قال: ما أطلع الله على غيبه أحدا. فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله الكلام المطبوع لا الكلام المصنوع. وفود جرير على عبد الملك بن مروان لما مدح جرير بن الخطفي الحجّاج بن يوسف بشعره الذي يقول فيه: من سدّ مطّلع النّفاق عليكم ... أم من يصول كصولة الحجّاج وبشعره الذي يقول فيه: أم من يغار على النّساء حفيظة ... إذ لا يثقن بغيرة الأزواج «٢» وقوله: دعا الحجّاج مثل دعاء نوح ... فأسمع ذا المعارج فاستجابا قال له الحجاج: إن الطاقة تعجز عن المكافأة، ولكني موفدك على أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فسر إليه بكتابي هذا فسار إليه؛ ثم استأذنه في الإنشاد فأذن له، فقال: أتصحو أم فؤادك غير صاحي

стр. 334

قال له عبد الملك: بل فؤادك. فلما انتهى إلى قوله: تعزّت أمّ حزرة ثم قالت: ... رأيت الواردين ذوي امتياج «١» ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنّجاح سأشكر إن رددت إليّ ريشي ... وأثبتّ القوادم في جناحي «٢» ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح ارتاح عبد الملك، وكان متكئا فاستوى جالسا، وقال: من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو ليسكت! ثم قال له: يا جرير، أترى أم حزرة ترويها مائة ناقة؟؟؟ نعم كلب؟ قال: إذا لم تروها يا أمير المؤمنين فلا أرواها الله. فأمر له بمائة ناقة من نعم كلب. كلها سود الحدقة. فقال: يا أمير المؤمنين، إنها أبّاق «٣» ونحن مشايخ وليس بأحدنا فضل عن راحلته، فلو أمرت بالرّعاء. فأمر له بثمانية من الرعاء، وكانت بين يدي عبد الملك صحاف من فضة يقرعها بقضيب في يده، فقال له جرير: والمحلب يا أمير المؤمنين، وأشار إلى صحفة منها؛ فنبذها إليه بالقضيب، قال: خذها لا نفعتك! ففي ذلك يقول جرير. أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف «٤» وفود جرير عن أهل الحجاز على عمر بن عبد العزيز ﵁ قدم جرير بن الخطفي على عمر بن عبد العزيز ﵁، عن أهل الحجاز، فاستأذنه في الشعر، فقال: مالي وللشعر يا جرير؟ إني لفي شغل عنه! قال يا أمير المؤمنين، إنها رسالة عن أهل الحجاز. قال: فهاتها إذا. فقال:

стр. 335

كم من ضرير أمير المؤمنين لدى ... أهل الحجاز دهاه البؤس والضرر أصابت السّنة الشّهباء ما ملكت ... يمينه فحناه الجهد والكبر «١» ومن قطيع الحشا عاشت مخبّأة ... ما كانت الشمس تلقاها ولا القمر لما اجتلتها صروف الدهر كارهة ... قامت تنادي بأعلى الصوت: يا عمر! وفود دكين الراجز على عمر بن عبد العزيز ﵁ قال دكين بن رجاء الفقيمي الراجز: مدحت عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة، فأمر لي بخمس عشرة ناقة كرائم صعابا، فكرهت أن أرمي بها الفجاج فتنتشر عليّ، ولم تطب نفسي ببيعها، فقدمت علينا رفقة من مصر، فسألتهم الصّحبة، فقالوا: إن خرجت الليلة. فقلت: إني لم أودّع الأمير ولابدّ وداعه. قالوا: فإن الأمير لا يحجب عن طارق ليل. فاستأذنت عليه، فأذن لي وعنده شيخان لا أعرفهما. فقال لي: يا دكين، إن لي نفسا توّاقة، فإن أنا صرت إلى أكثر مما أنا فيه فبعين ما أرينّك. قلت له: أشهد لي بذلك أيها الأمير. قال: إني أشهد الله. قلت: ومن خلقه! قال: هذين الشيخين. قلت لأحدهما: من أنت يرحمك الله أعرفك؟ قال: سالم بن عبد الله. فقلت: لقد استسمنت الشاهد. وقلت للآخر: من أنت يرحمك الله؟ قال: أبو يحيى مولى الأمير. وكان مزاحم يكنى أبا يحيى. قال دكين: فخرجت بهن إلى بلدي، فرمى الله في أذنابهنّ بالبركة، حتى اتخذت منهنّ الضياع والرّباع والغلمان. فإني لبصحراء فلج «٢» ، إذا بريد يركض إلى الشام، فقلت له: هل من مغرّبة خبر؟ قال: مات سليمان بن عبد الملك. قلت: فمن القائم بعده؟ قال: عمر بن عبد العزيز. قال: فأنخت قلوصي فألقيت عليها أداتي وتوجهت عنده؛ فلقيت جريرا في الطريق

стр. 336

جائيا من عنده، فقلت: من أين أبا حزرة؟ قال: من عند أمير يعطي الفقراء ويمنع الشعراء قلت: فما ترى فإني خرجت إليه؟ قال: عوّل عليه في مال ابن السبيل كما فعلت. فانطلقت فوجدته قاعدا على كرسيّ في عرصة «١» داره، قد أحاط الناس به فلم أجد إليه سبيلا للوصول، فناديت بأعلى صوتي: يا عمر الخيرات والمكارم ... وعمر الدّسائع العظائم «٢» إني امرؤ من قطن بن دارم ... أطلب حاجي من أخي مكارم إذ ننتجي والليل غير نائم ... في ظلمة الليل وليلي عاتم عند أبي يحيى وعند سالم فقام أبو يحيى ففرّج لي، وقال: يا أمير المؤمنين، إن لهذا البدويّ عندي شهادة عليك. قال: أعرفها، ادّن مني يا دكين، أنا كما ذكرت لك أن لي نفسا توّاقة، وأن نفسي تاقت إلى أشرف منازل الدنيا، فلما أدركتها وجدتها تتوق إلى الآخرة؛ والله ما رزأت من أمور الناس شيئا فأعطيك منه، وما عندي إلا ألفا درهم، أعطيك أحدهما. فأمر لي بألف درهم. فو الله ما رأيت ألفا كانت أعظم بركة منها. وفود كثير والأحوص ونصيب على عمر بن عبد العزيز ﵁ حماد الراوية قال: قال لي كثير عزّة: ألا أخبرك عما دعاني إلى ترك الشعر؟ قلت: نعم. قال: شخصت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁، وكل واحد منا يدل عليه بسابقة وإخاء قديم، ونحن لا نشك أن سيشركنا في خلافته، فلما رفعت لنا أعلام خناصرة «٣» ، لقينا مسلمة بن عبد الملك، وهو يومئذ

стр. 337

فتى العرب، فسلّمنا فردّ، ثم قال: ما بلغكم أن إمامكم لا يقبل الشعر؟ قلنا: ما توضّح إلينا خبر حتى انتهينا إليك. ووجمنا وجمة عرف ذلك فينا. فقال: إن يك ذو دين بني مروان قد وليّ وخشيتم حرمانه، فإن ذا دنيانا قد بقي، ولكم عندي ما تحبون، وما ألبث حتى أرجع إليكم وأمنحكم ما أنتم أهله. فلما قدم كانت رحالنا عنده بأكرام منزول عليه؛ فأقمناه عنده أربعة أشهر يطلب لنا الإذن هو وغيره، فلا يؤذن لنا؛ إلى أن قلت في جمعة من تلك الجمع لو أني دنوت من عمر فسمعت كلامه فحفظته، كان ذلك رأيا. ففعلت، فكان مما حفظت من كلامه: «لكل سفر زاد لا محالة، فتزوّدوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله له من ثوابه أو عقابه، فترغبوا وترهبوا، ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوّكم في كلام كثير لا أحفظه، ثم قال: «أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي، فتخسر صفقتي، وتظهر عيلتي، وتبدو مسكنتي، في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق» ! ثم بكى حتى ظننت أنه قاض نحبه، وارتجّ المسجد وما حوله بالبكاء، وانصرفت إلى صاحبيّ فقلت لهما: خذا في شرج «١» من الشّعر غير ما كنا نقول لعمر وآبائه؛ فإن الرجل آخريّ وليس بدنيوي. إلى أن استأذن لنا مسلمة في يوم جمعة بعد ما أذن للعامة. فلما دخلت سلّمت ثم قلت: يا أمير المؤمنين، طال الثّواء وقلّت الفائدة، وتحدّث بجفائك إيانا وفود العرب. قال: يا كثيّر، إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ «٢» أفي واحد من هؤلاء أنت؟ قلت: بلى، ابن سبيل منقطع به، وأنا صاحبك. قال: ألست صاحب أبي سعيد؟ قلت: بلى، قال: ما أرى ضيف أبي سعيد منقطعا به. قلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الإنشاد؟ قال: نعم، ولا تقل ولا تقل إلا حقا. فقلت: وليت فلم تشتم علياّ ولم تخف ... برياّ ولم تقبل إشارة مجرم

стр. 338

وصدّقت بالفعل المقال مع الذي ... أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه ... من الأود الباقي ثقاف المقوّم «١» وقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... تراءى لك الدنيا بكفّ ومعصم «٢» وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظّم فأعرضت عنها مشمئزا كأنّما ... سقتك مدوفا من سمام وعلقم «٣» وقد كنت من أجبالها في ممنّع ... ومن بحرها في مزيد الموج مفعم وما زلت تواقا إلى كلّ غاية ... بلغت بها أعلى البناء المقوّم فلما أتاك الملك عفوا ولم يكن ... لطالب دنيا بعده من تقدّم تركت الذي يفنى وإن كان مونقا ... وآثرت ما يبقى برأي مصمّم وأضررت بالفاني وشمّرت للذي ... أمامك في يوم من الشرّ مظلم ومالك إذا كنت الخليفة مانع ... سوى الله من مال رغيب ولادم سما لك همّ في الفؤاد مؤرّق ... بلغت به أعلى المعالي بسلّم فما بين شرق الأرض والغرب كلّها ... مناد ينادي من فصيح وأعجم يقول أمير المؤمنين ظلمتني ... بأخذ لدينار ولا أخذ درهم ولا بسط كفّ لامريء غير مجرم ... ولا السّفك منه ظالما ملء محجم ولو يستطيع المسلمون لقسّموا ... لك الشّطر من أعمارهم غير ندّم فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم قال: فأقبل عليّ وقال: إنك مسئول عما قلت. ثم تقدّم الأحوص فاستأذنه في الإنشاد، فقال: قل، ولا تقل إلا حقّا. فقال: وما الشّعر إلا حكمة من مؤلّف ... بمنطق حقّ أو بمنطق باطل فلا تقبلن إلّا الذي وافق الرّضا ... ولا ترجعنّا ءالنّساء الأرامل رأيناك لم تعدل عن الحقّ ممنة ... ولا شأمة فعل الظّلوم المخاتل «٤»

стр. 339

ولكن أخذت الحقّ جهدك كلّه ... تقدّ مثال الصالحين الأوائل فقلنا ولم نكذب بما قد بدا لنا ... ومن ذا يردّ الحقّ من قول قائل ومن ذا يردّ السّهم بعد مضائه ... على فوقه إذ عار من نزع نابل «١» ولولا الذي قد عوّدتنا خلائف ... غطاريف كانوا كالّليوث البواسل لما وخدت شهرا برحلي شملّته ... تقدّ متان البيد بين الرّواحل «٢» ولكن رجونا منك مثل الذي به ... حبينا زمانا من ذويك الأوائل فإن لم يكن للشّعر عندك موضع ... وإن كان مثل الدّرّ في نظر قائل وكان مصيبا صادقا لا يعيبه ... سوى أنه يبنى بناء المنازل فإنّ لنا قربى ومحض مودّة ... وميراث آباء مشوا بالمناصل فذادوا عدوّ السلم عن عقر دارهم ... وأرسوا عمود الدين بعد التّمايل وقبلك ما أعطى الهنيدة جلّة ... على الشعر كعبا من سديس وبازل «٣» رسول الإله المستضاء بنوره ... ﵇ بالضّحى والأصائل فقال: إنك مسئول عما قلت. ثم تقدم نصيب فاستأذنه في الإنشاد؛ فلم يأذن له، وأمره بالغزو إلى دابق. فخرج إليها وهو محموم. وأمر لي بثلاثمائة، وللأحوص بمثلها، ولنصيب بمائة وخمسين. وفود الشعراء على عمر بن عبد العزيز ﵁ ابن الكلبي: لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁، وفدت إليه الشعراء كما كانت تفد إلى الخلفاء قبله؛ فأقاموا ببابه أياما لا يأذن لهم بالدخول، حتى قدم عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود على عمر بن عبد العزيز، وعليه عمامة قد أرخى طرفيها، وكانت له منه مكانة، فقال جرير:

стр. 340

يأيها الرّجل المرخي عمامته ... هذا زمانك إنّي قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أني لدي الباب كالمصفود في قرن «١» وحش المكانة من أهلي ومن ولدي ... نائي المحلّة عن داري وعن وطني قال: نعم أبا حزرة ونعمى عين. فلما دخل على عمر قال: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء ببابك؛ وأقوالهم باقية؛ وسنانهم مسنونة. قال: يا عون، مالي وللشعراء؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن النبي ﷺ قد مدح وأعطى، وفيه أسوة لكل مسلم. قال: ومن مدحه؟ قال: عباس بن مرداس؛ فكساه حلّة قطع بها لسانه. قال: وتروي قوله؟ قلت: نعم: رأيتك يا خير البريّة كلّها ... نشرت كتابا جاء بالحقّ معلما ونوّرت بالبرهان أمرا مدمّسا ... وأطفأت بالبرهان نارا مضرّما «٢» فمن مبلغ عنيّ النبيّ محمدا ... كلّ امريء يجزي بما قد تكلما تعالى علواّ فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما قال: صدقت؛ فمن بالباب منهم؟ قال: ابن عمك عمر بن أبي ربيعة. قال: لا قرّب الله قرابته، ولا حيّا وجهه! أليس هو القائل؟ ألا ليت أنّي يوم حانت منيّتي ... شممت الذي ما بين عينيك والفم وليت طهوري كان ريقك كله ... وليت حنوطي من مشاشك والدم «٣» ويا ليت سلّمى في القبور ضجيعتي ... هنالك أو في جنة أو جهنّم فليته والله تمنى لقاءها في الدنيا، ويعمل عملا صالحا. والله لا دخل عليّ أبدا فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: جميل بن معمر العذري. قال: هو الذي يقول: ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت ... يوافي لدى الموتى ضريحي ضريحها

стр. 341

فما أنا في طول الحياة براغب ... إذا قيل قد سوّى عليها صفيحها أظلّ نهاري لا أراها ويلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها اعزب به؛ فو الله لا دخل عليّ أبدا. فمن غير من ذكرت؟ قلت: كثير عزة. قال: هو الذي يقول: رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خرّوا لعزّة. راكعين سجودّا اعزب به. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: الأحوص الأنصاري. قال: أبعده الله ومحقه، أليس هو القائل وقد أفسد على رجل من أهل المدينة جارية هرب بها منه: الله بيني وبين سيدها ... يفرّ عني بها وأتّبع اعزب به. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: همام بن غالب الفرزدق. قال: أليس هو القائل يفخر بالزنا: هما دلّتاني من ثمانين قامة ... كما انقضّ باز أقتم الرّيش كاسره فلما استوت رجلاي في الارض قالتا ... أحيّ يرجّى أم قتيل نحاذره وأصبحت في القوم الجلوس وأصبحت ... مغلّقة دوني عليها دساكره «١» فقلت ارفعوا الأسباب لا يشعروا بنا ... وولّيت في أعقاب ليل أبادره اعزب به. فو الله لا دخل عليّ أبدا، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: الأخطل التغلبي. قال: أليس هو القائل: فلست بصائم عمري ... ولست بآكل لحم الأضاحي ولست بزاجر عنسا بكورا ... إلى بطحاء مكّة للنّجاح ولست بقائم كالعير يدعو ... قبيل الصبح جيّ على الفلاح ولكني سأشربها شمولا ... وأسجد عند منبلج الصباح

стр. 342

اعزب به. فو الله لا وطيء لي بساطا أبدا وهو كافر؛ فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: جرير بن الخطفي. قال: أليس هو القائل: لولا مراقبة اليعون أريننا ... مقل المها وسوالف الآرام «١» هل ينهينك أن قتلن مرقّشا ... أو ما فعلن بعروة بن حزام ذمّ المنازل بعد منزلة الّلوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزّيارة فارجعي بسلام فإن كان ولا بد فهذا. فأذن له؛ فخرجت إليه فقلت: ادخل أبا حزرة. فدخل وهو يقول: إنّ الذي بعث النبيّ محمدا ... جعل الخلافة في إمام عادل وسع الخلائق عدله ووفاؤه ... حتى ارعوى وأقام ميل المائل والله أنزل في القران فريضة ... لابن السبيل وللفقير العائل إني لأرجو منك خيرا عاجلا ... والنّفس مولعة بحبّ العاجل فلما مثل بين يديه قال: اتق الله يا جرير ولا تقل إلا حقا. فأنشأ يقول: كم باليمامة من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر ممن يعدّك تكفي فقد والده ... كالفرخ في العيشّ لم ينهض ولم يطر يدعوك دعوة ملهوف كأنّ به ... خبلا من الجنّ أو مساّ من النّشر «٢» خليفة الله ماذا تأمرنّ بنا ... لسنا إليكم ولا في دار منتظر ما زلت بعدك في هم يؤرّقني ... قد طال في الحيّ إصعادي ومنحدري لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا باد على حضر إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر نال الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذّكر

стр. 343

فقال: يا جرير، والله لقد وليت هذا الأمر وما أملك إلا ثلاثمائة، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أمر عبد الله، يا غلام أعطه المائة الباقية. فقال: والله يا أمير المؤمنين، إنها لأحبّ مال إليّ كسبته. ثم خرج، فقالوا له: ما وراءك؟ قال ما يسوءكم! خرجت من عند أمير يعطي الفقراء ويمنع. الشعراء، وإني عنه لراض. ثم أنشأ يقول: رأيت رقى الشيطان لا تستفزّه ... وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا «١» وفود نابغة بني جعدة على ابن الزبير رحمه الله تعالى الزبير بن بكار قاضي الحرمين، قال: أقحمت السّنة نابغة بني جعدة، فوفد إلى ابن الزّبير، فدخل عليه في المسجد الحرام، ثم أنشده: حكيت لنا الصّدّيق لمّا وليتنا ... وعثمان والفاروق فارتاح معدم وسوّيت بين الناس في الحقّ فاستووا ... فعاد صباحا حالك الّلون مظلم أتاك أبو ليلى يجوب به الدّجى ... دجى الليل جوّاب الفلاة عثمثم «٢» لتجبر منه جانبا زعزعت به ... صروف الليالي والزّمان المصمّم فقال له ابن الزبير: هوّن عليك أبا ليلى، فالشعر أدنى وسائلك عندنا؛ أما صفوة أموالنا فلآل الزبير، وأما عفوته «٣» فإن بني أسد وتيما تشغلها عنك، ولكن لك في مال الله سهمان: سهم برؤيتك رسول الله ﷺ ، وسهم بشركتك المسلمين في فيئهم. ثم أخذ بيده ودخل به دار النّعم، فأعطاه قلائص سبعا، وجملا رحيلا، وأوقر «٤» له

стр. 344

الركاب برّا وتمرا وثيابا. فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحبّ صرفا. فقال ابن الزبير: ويح أبي ليلى! لقد بلغ به الجهد. قال النابغة: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: ما ولّيت قريش فعدلت، واسترحمت فرحمت، وحدثت فصدقت، ووعدت خيرا فأنجزت، فأنا والنبيون فرّاط القاصفين. قال الزبير بن بكار: الفارط: الذي يتقدم إلى الماء يصلح الرّشاء والدّلاء والقاصف: الذي يتقدم لشراء الطعام. وفود أهل الكوفة على ابن الزبير رحمه الله تعالى قال: لما قتل مصعب بن الزبير المختار بن أبي عبيد، خرج حاجّا فقدم على أخيه عبد الله بن الزّبير بمكة ومعه وجوه أهل العراق، فقال له: يا أمير المؤمنين جئتك بوجوه أهل العراق، لم أدع لهم بها نظيرا، لتعطيهم من هذا المال. قال: جئتني بعبيد أهل العراق لأعطيهم مال الله. والله لا فعلت. فلما دخلوا عليه وأخذوا مجالسهم، قال لهم: يا أهل الكوفة، وددت والله أن لي بكم من أهل الشام صرف الدينار والدرهم، بل لكل عشرة رجلا. قال عبيد الله بن ظبيان: أتدري يا أمير المؤمنين ما مثلنا ومثلك فيما ذكرت؟ قال: وما ذلك؟ قال: فإن مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام كما قال أعشى بكر من وائل: علّقتها عرضا وعلّقت رجلا ... غيري وعلّق أخرى غيرها الرّجل «١» أحببناك نحن، وأحببت أنت أهل الشام، وأحبّ أهل الشام عبد الملك. ثم النصرف القوم من عنده خائبين. فكاتبوا عبد الملك بن مروان وغدروا بمصعب بن الزبير.

стр. 345

وفود رؤبة على أبي مسلم الأصمعي قال: حدّثنا رؤبة قال: قدمت على أبي مسلم صاحب الدعوة، فأنشدته، فناداني: يا رؤبة، فنوديت له من كل مكان: يا رؤبة! فأجبت: لبّيك إذ دعوتني لبّيكا ... أحمد ربّا ساقني إليكا الحمد والنّعمة في يديكا قال: بل في يدي الله . قلت: وأنت لما أنعمت حمدت. ثم استأذنت في الإنشاد فأذن لي، فأنشدته: ما زال يأتي الملك من أقطاره ... وعن يمينه وعن يساره مشمّرا لا يصطلي بناره ... حتى أقرّ الملك في قراره فقال: إنك أتيتنا وقد شفّ «١» المال واستنفضه الإنفاق، وقد امرنا لك بجائزة وهي تافهة يسيرة، ومنك العود وعلينا المعوّل، والدهر أطرق مستتبّ «٢» ، فلا تلق بجنبيك الأسدّة «٣» . قال: فقلت: الذي أفادني الأمير من كلامه أحبّ إليّ من الذي أفادني من ماله. وفود العتابي على المأمون الشّيباني قال: كان كلثوم العتابي أيام هارون الرشيد في ناحية المأمون، فلما خرج إلى خراسان شيّعه إلى قومس حتى وقف على سنداد كسرى، فلما حاول وداعه قال له المأمون: لا تدع زيارتنا إن كان لنا من هذا الأمر شيء. فلما أفضت الخلافة إلى المأمون وفد إليه العتابي زائرا، فحجب عنه، فتعرّض ليحيى بن أكثم فقال: أيها القاضي، إن رأيت أن تذكّر بي أمير المؤمنين. فقال له يحيى: ما أنا بالحاجب. قال

стр. 346

له: قد علمت، ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان. فدخل على المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، أجرني من العتابي ولسانه فلم يأذن له وشغل عنه، فلما رأى العتابي جفاءه قد تمادى. كتب إليه: ما على ذا كنا افترقنا بسندا ... د ولا هكذا رأينا الإخاء لم أكن أحسب الخلافة يزدا ... د بها ذو الصفاء إلا صفاء تضرب الناس بالمثقّفة السّم ... ر على غدرهم وتنسى الوفاء فلما قرأ أبياته دعا به، فلما دنا منه سلّم بالخلافة ووقف بين يديه، فقال: يا عتابي، بلغتنا وفاتك فغمّتنا، ثم انتهت إلينا وفادتك فسرّتنا. فقال: يا أمير المؤمنين، لو قسم هذا البرّ على أهل منى وعرفات لوسعهم؛ فإنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك! قال: سل حاجتك. قال: يدك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة فأحسن جائزته. وانصرف. وفود أبي عثمان المازني على الواثق أبو عثمان بكر بن محمد قال: وفدت على الواثق، فلما دخلت وسلمت قال: هل خلّيت وراءك أحدا يهمك أمره؟ قلت أخيّة لي ربّيتها فكأنها بنتي. قال: ليت شعري. ما قالت حين فارقتها؟ قال: أنشدتني قول الأعشى: تقول ابنتي يوم جدّ الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم أبانا، فلا رمت من عندنا ... فإنا نخاف بأن تخترم «١» أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منّا الرّحم «٢» قال: ليت شعري، ما قلت لها؟ قال: أنشدتها يا أمير المؤمنين قول جرير: ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنّجاح

стр. 347

قال: أتاك النجاح. وأمر له بعشرة آلاف درهم. ثم قال: حدّثني حديثا ترويه عن أبي مهديّة مستظرفا. قلت: يا أمير المؤمنين، حدّثني الأصمعي قال: قال لي أبو مهدية: بلغني أن الأعراب والأعزاب سواء في الهجاء. قلت: نعم. قال: فاقرأ: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً ولا تقرأ: الأعراب، ولا يغرّنك العزب وإن صام وصلى! فضحك الواثق حتى شغر برجله «١» ، وقال: لقد لقي أبو مهدية من العزبة شرا. وأمر لي بخمسمائة دينار. الوافدات على معاوية وفود سودة ابنة عمارة على معاوية عامر الشعبي قال: وفدت سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان، فاستأذنت عليه فأذن لها، فلما دخلت عليه سلّمت عليه، فقال لها: كيف أنت يا بنة الأشتر؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين. قال لها: أنت القائلة لأخيك: شمّر كفعل أبيك يا بن عمارة ... يوم الطّعان وملتقى الأقران وانصر عليّا والحسين ورهطه ... واقصد لهند وابنها بهوان إنّ الإمام أخا النبيّ محمد ... علم الهدى ومنارة الإيمان فقد الجيوش وسر أمام لوائه ... قدما بأبيض صارم وسنان قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس، وبتر الذنب؛ فدع عنك تذكار ما قد نسي. قال: هيهات، ليس مثل مقام أخيك ينسى. قالت: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ما كان أخي خفيّ المقام، ذليل المكان، ولكن كما قالت الخنساء: وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنّه علم في رأسه نار وبالله أسأل يا أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيته. قال: قد فعلت، فقولي حاجتك. قالت: يا أمير المؤمنين، إنك للناس سيد، ولأمورهم مقلّد، والله سائلك

стр. 348

عما افترض عليك من حقّنا، ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزّك، ويبسط سلطانك، فيحصدنا حصاد السّنبل، ويدوسنا دياس البقر، ويسومنا الخسيسة، ويسألنا الجليلة؛ هذا ابن أرطاة قدم بلادي، وقتل رجالي، وأخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة، فإما عزلته فشكرناك، وإما لا فعرفناك! فقال معاوية: إياي تهدّدين بقومك؟ والله لقد هممت أن أردّك إليه على قتب «١» أشرس فينفّذ حكمه فيك. فسكتت، ثم قالت: صلّى الإله على روح تضمّنه ... قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحقّ لا يبغي به ثمنا ... فصار بالحقّ والإيمان مقرونا قال: ومن ذلك؟ قالت: علّي بن أبي طالب رحمه الله تعالى. قال: ما أرى عليك منه أثرا! قالت: بلى، أتيته يوما في رجل ولاه صدقاتنا فكان بيننا وبينه ما بين الغثّ «٢» والسمين، فوجدته قائما يصلي، فانفتل من الصلاة ثم قال برأفة وتعطّف: ألك حاجة؟ فأخبرته خبر الرجل. فبكى، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: اللهم إني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا ترك حقّك. ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب فكتب فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* ... قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ... وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ «٣» . إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك حتى يأتي من يقبضه منك. والسلام. فعزله يا أمير المؤمنين. ما خزمه بخزام «٤» ، ولا ختمه بختام. فقال معاوية: اكتبوا لها بالإنصاف لها والعدل عليها. فقالت: ألي خاصّة أم لقومي عامة؟ قال: وما أنت وغيرك؟ قالت: هي والله إذا الفحشاء واللؤم، إن لم

стр. 349

يكن عدلا شاملا، وإلا يسعني ما يسع قومي. قال: هيهات! لمّظكم «١» ابن أبي طالب الجرأة على السلطان، فبطيئا ما تفطمون، وغركم قوله: فلو كنت بوّابا على باب جنّة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام وقوله: ناديت همدان والأبواب مغلقة ... ومثل همدان سنّى فتحة الباب «٢» كالهندوانيّ لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجّاب «٣» اكتبوا لها بحاجتها. وفود بكارة الهلالية على معاوية محمد بن عبد الله الخزاعي عن الشّعبي قال: استأذنت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان، فأذن لها، وهو يومئذ بالمدينة، فدخلت عليه، وكانت امرأة قد أسنّت وعشى «٤» بصرها وضعفت قوتها، ترعش بين خادمين لها؛ فسلّمت وجلست. فردّ عليها معاوية السلام، وقال: كيف أنت يا خالة؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين. قال: غيّرك الدهر! قالت. كذلك هو ذو غير، من عاش كبر ومن مات قبر. قال عمرو ابن العاص: هي والله القائلة يا أمير المؤمنين: يا زيد دونك فاستشر «٥» من دارنا ... سيفا حساما في التّراب دفينا قد كنت أذخره ليوم كريهة ... فاليوم أبرزه الزمان مصونا قال مروان: وهي والله القائلة يا أمير المؤمنين: أترى ابن هند للخلافة مالكا ... هيهات ذاك وإن أراد بعيد

стр. 350

منّتك نفسك في الخلاء ضلالة ... أغراك عمرو للشّقا وسعيد قال سعيد بن العاصي: هي والله القائلة: قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى ... فوق المنابر من أميّة خاطبا فالله أخّر مدّتي فتطاولت ... حتى رأيت من الزمان عجائبا في كلّ يوم للزمان خطيبهم ... بين الجميع لآل أحمد عائبا ثم سكتوا. فقالت: يا معاوية، كلامك أعشى بصري وقصّر حجّتي، أنا والله قائلة ما قالوا، وما خفي عليك مني أكثر. فضحك وقال: ليس يمنعنا ذلك من برّك. اذكري حاجتك قالت: أمّا الآن فلا. وفود الزرقاء على معاوية عبيد الله بن عمرو الغسّاني عن الشّعبي قال: حدّثني جماعة من بني أمية ممن كان يسمر مع معاوية قالوا: بينما معاوية ذات ليلة مع عمرو وسعيد وعتبة والوليد، إذ ذكروا الزرقاء ابنة عدي بن غالب بن قيس الهمدانية، وكانت شهدت مع قومها صفّين، فقال: أيّكم يحفظ كلامها؟ قال بعضهم: نحن نحفظه يا أمير المؤمنين. قال: فأشيروا عليّ في أمرها. فقال بعضهم: نشير عليك بقتلها. قال: بئس الرأي أشرتم به عليّ؛ أيحسن بمثلي أن يتحدّث عنه أنه قتل امرأة بعد ما ظفر بها. فكتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه مع ثقة من ذوي محارمها وعدّة من فرسان قومها، وأن يمهّد لها وطاء لينا، ويسترها بستر خصيف «١» ، ويوسّع لها في النفقة؛ فأرسل إليها عامله فأقرأها الكتاب، فقالت: إن كان أمير المؤمنين جعل الخيار إليّ فإني لا آتيه، وإن كان حتم فالطاعة أولى. فحملها وأحسن جهازها على ما أمر به.

стр. 351

فلما دخلت على معاوية قال: مرحبا وأهلا، قدمت خير مقدم قدمه وافد! كيف حالك؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، أدام الله لك النعمة. قال: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: ربيبة بيت أو طفلا ممهدا. قال: بذلك أمرناهم، أتدرين فيم بعثت إليك؟ قالت: أنى لي بعلم ما لم أعلم. قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر، والواقفة بين الصفّين يوم صفين تحضّين على القتال وتوقدين الحرب؟ فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس، وبتر الذنب، ولم يعد ما ذهب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر. قال لها معاوية: صدقت، أتحفظين كلامك يومئذ؟ قالت: لا والله لا أحفظه، ولقد أنسيته. قال: لكني أحفظه، لله أبوك حين تقولين: أيها الناس، ارعووا وارجعوا، إنكم قد أصبحتم في فتنة غشّتكم «١» جلابيب الظّلم، وجارت بكم عن قصد المحجّة، فيالها فتنة عمياء، صمّاء بكماء، لا تسمع لناعقها، ولا تنساق لقائدها، إن المصباح لا يضيء في الشمس، ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه. أيها الناس، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار على الغصص، فكأن قد اندمل شعب الشّتات «٢» ، والتأمت كلمة العدل، ودمغ الحقّ باطله؛ فلا يجهلنّ أحد فيقول: كيف العدل وأنّى؟ ليقض الله أمرا كان مفعولا. ألا وإنّ خضاب النساء الحنّاء، وخضاب الرجال الدماء، ولهذا اليوم ما بعده: والصبر خير في الأمور عواقبا

стр. 352

إيها في الحرب قدما غير ناكصين «١» ولا متشاكسين. ثم قال لها: والله يا زرقاء لقد شركت عليا في كل دم سفكه. قالت: أحسن الله بشارتك، وأدام سلامتك؛ فمثلك بشّر بخير وسرّ جليسه. قال أو يسرّك ذلك؟ قالت: نعم والله، لقد سررت بالخبر فأنّي لي بتصديق الفعل. فضحك معاوية وقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته. اذكري حاجتك. قالت يا أمير المؤمنين، آليت على نفسي ألّا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا، ومثلك أعطى عن غير مسألة، وجاد عن غير طلبة. قال: صدقت! وأمر لها وللذين جاءوا معها بجوائز وكسا. وفود أم سنان بنت خيثمة على معاوية ﵀ سعيد بن حذافة قال: حبس مروان بن الحكم هو والي المدينة غلاما من بني ليث في جناية جناها، فأتته جدة الغلام أمّ أبيه، وهي أم سنان بنت خيثمة بن خرشة المذحجية، فكلّمته في الغلام فأغلظ لها مروان. فخرجت إلى معاوية، فدخلت عليه فانتسبت فعرفها، فقال لها: مرحبا يا بنة خيثمة، ما أقدمك أرضنا وقد عهدتك تشتميننا وتحضّين علينا عدوّنا؟ قالت: إن لبنى عبد مناف أخلاقا طاهرة وأعلاما ظاهرة وأحلاما وافرة، لا يجهلون بعد علم، ولا يسفهون بعد حلم، ولا ينتقمون بعد عفو، وإن أولى الناس بالتباع ما سنّ آباؤهم لأنت. قال: صدقت! نحن كذلك، فكيف قولك: عزب الرّقاد فمقلتي لا ترقد ... والليل يصدر بالهموم ويورد يا آل مذحج لا مقام فشمّروا ... إنّ العدوّ لآل أحمد يقصد

стр. 353

هذا عليّ كالهلال تحفّه ... وسط السّماء من الكواكب أسعد خير الخلائق وابن عمّ محمّد ... إن يهدكم بالنّور منه تهتدوا ما زال مذ شهد الحروب مظفّرا ... والنّصر فوق لوائه ما يفقد قالت: كان ذلك يا أمير المؤمنين، وأرجو أن تكون لنا خلفا بعده فقال رجل من جلسائه: كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة: إمّا هلكت أبا الحسين فلم تزل ... بالحقّ تعرف هاديا مهديّا- فاذهب عليك صلاة ربّك ما دعت ... فوق الغصون حمامة قمريّا قد كنت بعد محمّد خلفا كما ... أوصى إليك بنا فكنت وفيّا فاليوم لا خلف يؤمّل بعده ... هيهات نأمل بعده إنسيّا قالت: يا أمير المؤمنين، لسان نطق، وقول صدق؛ ولئن تحقق فيك ما ظننّا فحظك الأوفر. والله ورّثك الشّنآن «١» في قلوب المسلمين إلّا هؤلاء. فأدحض «٢» مقالتهم، وأبعد منزلتهم، فإنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربا، ومن المؤمنين حبا. قال: وإنك لتقولين ذلك؟ قالت سبحان الله! والله ما مثلك مدح بباطل. ولا اعتذر إليه بكذب؛ وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا. كان والله عليّ أحبّ إلينا منك، وأنت أحبّ إلينا من غيرك. قال: ممن؟ قالت: من مروان بن الحكم وسعيد ابن العاص. قال: وبم استحققت ذلك عندك؟ قالت: بسعة حلمك وكريم عفوك. قال: فإنهما يطمعان في ذلك. قالت: هما والله من الرأي على ما كنت عليه لعثمان بن عفان ﵀. قال: والله لقد قاربت، فما حاجتك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، إن مروان تبنّك «٣» بالمدينة تبنّك من لا يريد منها البراح، لا يحكم بعدل، ولا يقضي بسنّة، يتتبع عثرات المسلمين، ويكشف عورات المؤمنين، حبس ابن ابني، فأتيته، فقال كيت وكيت فألقمته أخشن من الحجر،

стр. 354

وألعقته أمرّ من الصّاب ثم رجعت إلى نفسي باللائمة، وقلت: لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه؟ فأتيتك يا أمير المؤمنين، لتكون في أمري ناظرا، وعليه معديا. قال: صدقت! لا أسألك عن ذنبه والقيام بحجته. اكتبوا لها باطلاقه. قالت: يا أمير المؤمنين؛ وأنّى لي بالرجعة وقد نفد زادي، وكلّت راحلتي؟ فأمر لها براحلة وخمسة آلاف درهم. وفود عكرشة بنت الأطرش على معاوية رحمه الله تعالى أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: دخلت عكرشة بنت الأطرش بن رواحة على معاوية متوكّئة على عكاز لها، فسلّمت عليه بالخلافة ثم جلست؛ فقال لها معاوية: الآن يا عكرشة صرت عندك أمير المؤمنين؟ قالت: نعم، إذ لا عليّ حيّ قال: ألست المقلّدة حمائل السيوف بصفّين، وأنت واقفة بين الصّفين تقولين: أيها الناس، عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إن الجنة لا يرحل عنها من أوطنها، ولا يهرم من سكنها، ولا يموت من دخلها؛ فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها، ولا تنصرم همومها، وكونوا قوما مستبصرين في دينهم مستظهرين بالصبر على طلب حقهم؛ إن معاوية دلف «١» إليكم بعجم العرب غلف «٢» القلوب، لا يفقهون الإيمان ولا يدرون ما الحكمة؛ دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبّوه، فالله الله عباد الله في دين الله؛ إياكم والتواكل، فإن ذلك ينقض عرى الإسلام، ويطفيء نور الحق هذه بدر الصغرى، والعقبة الأخرى. يا معشر المهاجرين والأنصار، امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم، فكأني بكم غدا ولقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة تصقع «٣» صقع البقر، وتروث روث العتاق.

стр. 355

فكأني أراك على عصاك هذه وقد انكفأ عليك العسكران يقولون: هذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة. فإن كدت لتقتلين أهل الشام لولا قدر الله، وكان أمر الله قدرا مقدورا، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ «١» وإن اللبيب إذا كره أمرا لا يحب إعادته، قال: صدقت، فاذكري حاجتك. قالت: إنه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فتردّ على فقرائنا؛ وإنّا قد فقدنا ذلك، فما يجبر لنا كسير؛ ولا ينعش لنا فقير؛ فإن كان ذلك عن رأيك فمثلك تنبّه من الغفلة وراجع التوبة، وإن كان عن غير رأيك فما مثلك استعان بالخونة ولا استعمل الظّلمة. قال معاوية: يا هذه، إنه ينوبنا من أمور رعيّتنا أمور تنبثق، وبحور تنفهق «٢» . قالت: يا سبحان الله. والله ما فرض الله لنا حقا فجعل فيه ضررا على غيرنا، وهو علام الغيوب. قال معاوية: يا أهل العراق، نبّهكم عليّ بن أبي طالب فلم تطاقوا! ثم أمر بردّ صدقاتهم فيهم وإنصافهم. قصة درامية الحجونية مع معاوية رحمه الله تعالى سهل بن أبي سهل التميمي عن أبيه قال: حج معاوية، فسأله عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون، يقال له دارمية الحجونية؛ وكانت سوداء كثيرة اللحم، فأخبر بسلامتها؛ فبعث إليها فجيء بها؛ فقال: ما حالك يا بنة حام؟ فقالت: لست لحام إن عبتني؛ أنا امرأة من بني كنانة. قال: صدقت. أتدرين لم بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله. قال: بعثت إليك لأسألك: علام أحببت علياّ وأبغضتني؛ وواليته وعاديتني؟ قالت: أو تعفني. قال: لا أعفيك. قالت: أما إذ أبيت، فإني أحببت عليّا على عدله في الرعية، وقسمه بالسويّة؛ وأبغضتك على قتال
следующие страницы →