Полный текст (2 664 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فلما دخلت على معاوية قال: مرحبا وأهلا، قدمت خير مقدم قدمه وافد! كيف حالك؟
قالت: بخير يا أمير المؤمنين، أدام الله لك النعمة.
قال: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: ربيبة بيت أو طفلا ممهدا.
قال: بذلك أمرناهم، أتدرين فيم بعثت إليك؟ قالت: أنى لي بعلم ما لم أعلم. قال:
ألست الراكبة الجمل الأحمر، والواقفة بين الصفّين يوم صفين تحضّين على القتال وتوقدين الحرب؟ فما حملك على ذلك؟
قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس، وبتر الذنب، ولم يعد ما ذهب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر.
قال لها معاوية: صدقت، أتحفظين كلامك يومئذ؟
قالت: لا والله لا أحفظه، ولقد أنسيته.
قال: لكني أحفظه، لله أبوك حين تقولين: أيها الناس، ارعووا وارجعوا، إنكم قد أصبحتم في فتنة غشّتكم «١» جلابيب الظّلم، وجارت بكم عن قصد المحجّة، فيالها فتنة عمياء، صمّاء بكماء، لا تسمع لناعقها، ولا تنساق لقائدها، إن المصباح لا يضيء في الشمس، ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه. أيها الناس، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار على الغصص، فكأن قد اندمل شعب الشّتات «٢» ، والتأمت كلمة العدل، ودمغ الحقّ باطله؛ فلا يجهلنّ أحد فيقول: كيف العدل وأنّى؟ ليقض الله أمرا كان مفعولا. ألا وإنّ خضاب النساء الحنّاء، وخضاب الرجال الدماء، ولهذا اليوم ما بعده:
والصبر خير في الأمور عواقبا
стр. 352
إيها في الحرب قدما غير ناكصين «١» ولا متشاكسين.
ثم قال لها: والله يا زرقاء لقد شركت عليا في كل دم سفكه.
قالت: أحسن الله بشارتك، وأدام سلامتك؛ فمثلك بشّر بخير وسرّ جليسه.
قال أو يسرّك ذلك؟ قالت: نعم والله، لقد سررت بالخبر فأنّي لي بتصديق الفعل.
فضحك معاوية وقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته.
اذكري حاجتك.
قالت يا أمير المؤمنين، آليت على نفسي ألّا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا، ومثلك أعطى عن غير مسألة، وجاد عن غير طلبة.
قال: صدقت! وأمر لها وللذين جاءوا معها بجوائز وكسا.
وفود أم سنان بنت خيثمة على معاوية ﵀
سعيد بن حذافة قال: حبس مروان بن الحكم هو والي المدينة غلاما من بني ليث في جناية جناها، فأتته جدة الغلام أمّ أبيه، وهي أم سنان بنت خيثمة بن خرشة المذحجية، فكلّمته في الغلام فأغلظ لها مروان. فخرجت إلى معاوية، فدخلت عليه فانتسبت فعرفها، فقال لها: مرحبا يا بنة خيثمة، ما أقدمك أرضنا وقد عهدتك تشتميننا وتحضّين علينا عدوّنا؟ قالت: إن لبنى عبد مناف أخلاقا طاهرة وأعلاما ظاهرة وأحلاما وافرة، لا يجهلون بعد علم، ولا يسفهون بعد حلم، ولا ينتقمون بعد عفو، وإن أولى الناس بالتباع ما سنّ آباؤهم لأنت. قال: صدقت! نحن كذلك، فكيف قولك:
عزب الرّقاد فمقلتي لا ترقد ... والليل يصدر بالهموم ويورد
يا آل مذحج لا مقام فشمّروا ... إنّ العدوّ لآل أحمد يقصد
стр. 353
هذا عليّ كالهلال تحفّه ... وسط السّماء من الكواكب أسعد
خير الخلائق وابن عمّ محمّد ... إن يهدكم بالنّور منه تهتدوا
ما زال مذ شهد الحروب مظفّرا ... والنّصر فوق لوائه ما يفقد
قالت: كان ذلك يا أمير المؤمنين، وأرجو أن تكون لنا خلفا بعده فقال رجل من جلسائه: كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة:
إمّا هلكت أبا الحسين فلم تزل ... بالحقّ تعرف هاديا مهديّا-
فاذهب عليك صلاة ربّك ما دعت ... فوق الغصون حمامة قمريّا
قد كنت بعد محمّد خلفا كما ... أوصى إليك بنا فكنت وفيّا
فاليوم لا خلف يؤمّل بعده ... هيهات نأمل بعده إنسيّا
قالت: يا أمير المؤمنين، لسان نطق، وقول صدق؛ ولئن تحقق فيك ما ظننّا فحظك الأوفر. والله ورّثك الشّنآن «١» في قلوب المسلمين إلّا هؤلاء. فأدحض «٢» مقالتهم، وأبعد منزلتهم، فإنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربا، ومن المؤمنين حبا.
قال: وإنك لتقولين ذلك؟ قالت سبحان الله! والله ما مثلك مدح بباطل. ولا اعتذر إليه بكذب؛ وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا. كان والله عليّ أحبّ إلينا منك، وأنت أحبّ إلينا من غيرك. قال: ممن؟ قالت: من مروان بن الحكم وسعيد ابن العاص. قال: وبم استحققت ذلك عندك؟ قالت: بسعة حلمك وكريم عفوك.
قال: فإنهما يطمعان في ذلك. قالت: هما والله من الرأي على ما كنت عليه لعثمان بن عفان ﵀. قال: والله لقد قاربت، فما حاجتك؟
قالت: يا أمير المؤمنين، إن مروان تبنّك «٣» بالمدينة تبنّك من لا يريد منها البراح، لا يحكم بعدل، ولا يقضي بسنّة، يتتبع عثرات المسلمين، ويكشف عورات المؤمنين، حبس ابن ابني، فأتيته، فقال كيت وكيت فألقمته أخشن من الحجر،
стр. 354
وألعقته أمرّ من الصّاب ثم رجعت إلى نفسي باللائمة، وقلت: لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه؟ فأتيتك يا أمير المؤمنين، لتكون في أمري ناظرا، وعليه معديا.
قال: صدقت! لا أسألك عن ذنبه والقيام بحجته. اكتبوا لها باطلاقه.
قالت: يا أمير المؤمنين؛ وأنّى لي بالرجعة وقد نفد زادي، وكلّت راحلتي؟ فأمر لها براحلة وخمسة آلاف درهم.
وفود عكرشة بنت الأطرش على معاوية رحمه الله تعالى
أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: دخلت عكرشة بنت الأطرش بن رواحة على معاوية متوكّئة على عكاز لها، فسلّمت عليه بالخلافة ثم جلست؛ فقال لها معاوية: الآن يا عكرشة صرت عندك أمير المؤمنين؟ قالت: نعم، إذ لا عليّ حيّ قال: ألست المقلّدة حمائل السيوف بصفّين، وأنت واقفة بين الصّفين تقولين: أيها الناس، عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إن الجنة لا يرحل عنها من أوطنها، ولا يهرم من سكنها، ولا يموت من دخلها؛ فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها، ولا تنصرم همومها، وكونوا قوما مستبصرين في دينهم مستظهرين بالصبر على طلب حقهم؛ إن معاوية دلف «١» إليكم بعجم العرب غلف «٢» القلوب، لا يفقهون الإيمان ولا يدرون ما الحكمة؛ دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبّوه، فالله الله عباد الله في دين الله؛ إياكم والتواكل، فإن ذلك ينقض عرى الإسلام، ويطفيء نور الحق هذه بدر الصغرى، والعقبة الأخرى. يا معشر المهاجرين والأنصار، امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم، فكأني بكم غدا ولقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة تصقع «٣» صقع البقر، وتروث روث العتاق.
стр. 355
فكأني أراك على عصاك هذه وقد انكفأ عليك العسكران يقولون: هذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة. فإن كدت لتقتلين أهل الشام لولا قدر الله، وكان أمر الله قدرا مقدورا، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
«١» وإن اللبيب إذا كره أمرا لا يحب إعادته، قال: صدقت، فاذكري حاجتك. قالت: إنه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فتردّ على فقرائنا؛ وإنّا قد فقدنا ذلك، فما يجبر لنا كسير؛ ولا ينعش لنا فقير؛ فإن كان ذلك عن رأيك فمثلك تنبّه من الغفلة وراجع التوبة، وإن كان عن غير رأيك فما مثلك استعان بالخونة ولا استعمل الظّلمة.
قال معاوية: يا هذه، إنه ينوبنا من أمور رعيّتنا أمور تنبثق، وبحور تنفهق «٢» .
قالت: يا سبحان الله. والله ما فرض الله لنا حقا فجعل فيه ضررا على غيرنا، وهو علام الغيوب.
قال معاوية: يا أهل العراق، نبّهكم عليّ بن أبي طالب فلم تطاقوا! ثم أمر بردّ صدقاتهم فيهم وإنصافهم.
قصة درامية الحجونية مع معاوية رحمه الله تعالى
سهل بن أبي سهل التميمي عن أبيه قال: حج معاوية، فسأله عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون، يقال له دارمية الحجونية؛ وكانت سوداء كثيرة اللحم، فأخبر بسلامتها؛ فبعث إليها فجيء بها؛ فقال: ما حالك يا بنة حام؟ فقالت: لست لحام إن عبتني؛ أنا امرأة من بني كنانة. قال: صدقت. أتدرين لم بعثت إليك؟
قالت: لا يعلم الغيب إلا الله. قال: بعثت إليك لأسألك: علام أحببت علياّ وأبغضتني؛ وواليته وعاديتني؟ قالت: أو تعفني. قال: لا أعفيك. قالت: أما إذ أبيت، فإني أحببت عليّا على عدله في الرعية، وقسمه بالسويّة؛ وأبغضتك على قتال
стр. 356
من هو أولى منك بالأمر، وطلبتك ما ليس لك بحق. وواليت عليّا على ما عقد له رسول الله ﷺ من الولاء، وحبّه المساكين. وإعظامه لأهل الدين. وعاديتك على سفكك الدماء، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى.
قال: فلذلك انتفح بطنك، وعظم ثدياك، وربت عجيزتك «١» ، قالت: يا هذا، بهند والله كان يضرب المثل في ذلك لا بي. قال معاوية: يا هذه اربعي «٢» ، فإنا لم نقل إلا خيرا؛ إنه إذا انتفخ بطن المرأة تمّ خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروّى رضيعها. وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها. فرجعت وسكنت. قال لها: ويا هذه، هل رأيت عليا؟ قالت: إي والله. قال: فيكيف رأيته؟ قال: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك. قال: فهل سمعت كلامه؟ قالت:
نعم والله، فكان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت صدأ الطّست. قال:
صدقت! فهل لك من حاجة؟ قالت: أو تفعل إذا سألتك؟ قال: نعم. قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها. قال: تصنعين بها ماذا؟
قالت: أغذو بألبانها الصّغار، وأستحيي بها الكبار، وأكتسب بها المكارم، وأصلح بها بين العشائر.
قال: فإن أعطيتك ذلك فهل أحلّ عندك محل علي بن أبي طالب؟
قالت: ماء ولا كصدّاء «٣» ، ومرعى ولا كالسّعدان «٤» ، وفتى ولا كمالك، يا سبحان الله، أو دونه؟ فأنشأ معاوية يقول:
إذا لم أعد بالحلم منّي عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمّل للحلم
خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد ... جزاك على حرب العداوة بالسلم-
ثم قال: أما والله لو كان عليّ حيا ما أعطاك منها شيئا.
قالت: لا والله، ولا وبرة واحدة من مال المسلمين.
стр. 357
وفود أم الخير بنت حريش على معاوية
عبيد الله بن عمر الغساني عن الشعبي، قال: كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أمّ الخير بنت الحريش بن سراقة البارقي برحلها، وأعلمه أنه مجازيه بالخير خيرا وبالشر شراّ بقولها فيه، فلما ورد عليه كتابه ركب إليها فأقرأها كتابه؛ فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة، ولا معتّلة بكذب، ولقد كنت أحبّ لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري.
فلما شيّعها وأراد مفارقتها قال لها: يا أم الخير، إن أمير المؤمنين كتب إليّ أنه مجازيني بالخير خيرا وبالشر شرا؛ فمالي عندك؟ قالت: يا هذا لا يطمعنك برّك بي أن أسرك بباطل. ولا تؤيسك معرفتي بك أن أقول فيك غير الحق.
فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية. فأنزلها مع الحرم؛ ثم أدخلها في اليوم الرابع وعنده جلساؤه؛ فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فقال لها: وعليك السلام يا أم الخير، بحقّ ما دعوتني بهذا الاسم. قالت: يا أمير المؤمنين، مه، فإن بديهة السلطان مدحضة لما يحب علمه، ولكلّ أجل كتاب. قال:
صدقت! فكيف حالك يا خالة؟ وكيف كنت في مسيرك؟ قالت: لم أزل يا أمير المؤمنين في خير وعافية حتى صرت إليك؛ فأنا في مجلس أنيق، عند ملك رفيق. قال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم. قالت: يا أمير المؤمنين، يعيذك الله من دحض المقال وما تردي عاقبته. قال: ليس هذا أردنا. أخبرينا كيف كان كلامك إذ قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن زوّرته «١» قبل، ولا روّيته بعد؛ وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة؛ فإن أحببت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت. فالتفت معاوية إلى جلسائه فقال: أبكم يحفظ كلامها؟ فقال رجل منهم: أنا أحفظ بعض كلامها يا أمير المؤمنين. قال: هات. قال: كأني بها وعليها برد زبيديّ كثيف بين النسيج، وهي على جمل أرمك «٢» وقد أحيط حولها، وبيدها سوط منتشر الضفيرة، وهي كالفحل يهدر في شقشقته «٣» ، تقول:
стр. 358
يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم، إنّ زلزلة السّاعة شيء عظيم! إن الله قد أوضح لكم الحق، وأبان الدليل، وبين السبيل، ورفع العلم، ولم يدعكم في عماء مدلهمة: فأين تريدون رحمكم الله؟ أفرارا عن أمير المؤمنين، أو فرارا من الزحف، أم رغبة عن الإسلام، أم ارتدادا عن الحق؟ أما سمعتم الله جل ثناؤه يقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
«١» .
ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرعبة، وبيدك يا ربّ أزمّة القلوب، فاجمع اللهم بها الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى، واردد الحق إلى أهله. هلمّوا رحمكم الله إلى الإمام العادل والرضيّ التقيّ، والصديق الأكبر؛ إنها إحن بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية وثب بها واثب حين الغفلة، ليدرك ثارات بني عبد شمس.
ثم قالت: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ
«٢» . صبرا يا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثبات من دينكم؛ فكأني بكم غدا ولقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة، فرّت من قسورة «٣» ، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى وباعوا البصيرة بالعمى وعما قليل ليصبحنّ نادمين، حتى تحلّ بهم الندامة فيطلبون الإقالة، ولات حين مناص. إنه من ضلّ والله عن الحق وقع في الباطل. ألا إن أولياء الله استصغروا عمر الدنيا فرفضوها، واستطابوا الآخرة فسعوا لها فالله الله أيها الناس، قبل أن تبطل الحقوق، وتعطّل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان؛ فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عم رسول الله ﷺ وصهره وأبي سبطيه، خلق من طينته، وتقرّع من نبعته «٤» ، وخصّه بسرّه، وجعله باب مدينته، وأعلم بحبه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين؛ ها هو ذا مفلق الهام، ومكسّر الأصنام؛ صلى
стр. 359
والناس مشركون، وأطاع والناس كارهون، فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وهزم الأحزاب، وقتل الله به أهل خيبر، وفرّق به جمع هوازن؛ فيالها من وقائع زرعت في قلوب نفاقا، وردّة وشقاقا، وزادت المؤمنين إيمانا، وقد اجتهدت في القول؛ وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله.
فقال معاوية: يا أم الخير، ما أردت بهذا الكلام الا قتلي، ولو قتلتك ما حرجت في ذلك.
قالت: والله ما يسوءني أن يجري قتلي علي يدي من يسعدني الله بشقائه.
قال:: هيهات يا كثيرة الفضول. ما تقولين في عثمان بن عفان ﵀؟
قالت: وما عسيت أن أقول في عثمان، استخلفه الناس وهم به راضون، وقتلوه وهم له كارهون.
قال معاوية: يا أم الخير؛ هذا أصلك الذي تبنين «١» .
قالت: لكن الله يشهد وكفى بالله شهيدا؛ ما أردت بعثمان نقصا، ولكن كان سابقا إلى الخير، وإنه لرفيع الدرجة غدا.
قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة؟
اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لم يحذر، وقد وعده رسول الله ﷺ الجنة.
قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: وما أقول في ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريّه، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وقد كان سبّاقا إلى كل مكرمة في الإسلام، وأنا أسألك بحق الله يا معاوية، فإنّ قريشا تحدّثت أنك أحلمها: أن تسعني بفضل حلمك، وأن تعفيني من هذه المسائل، وتسألني عما شئت من غيرها.
قال نعم ونعمة عين، قد أعفيتك منها. ثم أمر لها بجائزة رفيعة وردّها مكرمة.
стр. 360
وفود أروى بنت عبد المطلب علي معاوية ﵀
العباس بن بكار قال: حدّثني عبد الله بن سليمان المدني وأبو بكر الهذلي، أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب دخلت على معاوية وهي عجوز كبيرة؛ فلما رآها معاوية قال: مرحبا بك وأهلا يا عمة، فكيف كنت بعدنا؟
فقالت: يا بن أخي، لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسمّيت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، من غير دين كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام، بعد أن كفرتم برسول الله ﷺ ، فأتعس الله منكم الجدود «١» ، وأضرع «٢» منكم الخدود، وردّ الحقّ إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا، ونبينا ﷺ هو المنصور، فولّيتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول الله ﷺ ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر؛ فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب ﵀ بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنة وغايتكم النار.
فقال لها عمرو بن العاص: كفى أيتها العجوز الضالة، وأقصري عن قولك مع ذهاب عقلك، إذ لا تجوز شهادتك وحدك.
فقالت له وأنت يا بن النباغة «٣» تتكلم! وأمك كانت أشهر امرأة تغنى بمكة، وآخذهن لأجرة! اربع على طلعك، واعن بشأن نفسك؛ فو الله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها؛ ولقد ادعاك خمسة نفر من قريش، [كلهم يزعم أنه أبوك] فسئلت أمك عنهم، فقالت: كلهم أتاني، فانظروا أشبههم به فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به.
стр. 361
فقال مروان: كفى أيتها العجوز، وأقصدي لما جئت له. فقالت: وأنت أيضا يا بن الزرقاء تتكلم! ثم التفتت إلى معاوية فقالت: والله ما جرّأ عليّ هؤلاء غيرك، وإن أمك القائلة في قتل حمزة:
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان لي عن عتبة من صبر ... فشكر وحشيّ على دهري
حتى ترمّ أعظمي في قبري «١»
فأجابتها بنت عمي وهي تقول:
خزيت في بدر وبعد بدر ... يا بنة جبّار عظيم الكفر
فقال: معاوية عفا الله عما سلف يا عمة! هات حاجتك.
قالت: مالي إليك حاجة، وخرجت عنه.
تم الجزء الأوّل بعون الله وتوفيقه ويليه- إن شاء الله تعالى- الجزء الثاني وأوّله: «كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك»
стр. 362
الجزء الثانى
كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك
فرش كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربّه:
قد مضى قولنا في الوفود والوافدات، ومقاماتهم بين يدي نبي الله ﵌، وبين يدي الخلفاء والملوك. ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه وتأييده وتسديده في مخاطبة الملوك، والتزلّف إليهم بسحر البيان، الذي يمازج الرّوح لطافة، ويجري مع النفس رقّة. والكلام الرقيق مصايد القلوب، وإن منه لما يستعطف المستشيط «١» غيظا، والمندمل حقدا، حتى يطفىء جمرة غيظه، ويسل «٢» دفائن حقده.
وإن منه لما يستميل قلب اللئيم، ويأخذ بسمع الكريم وبصره. وقد جعله الله تعالى بينه وبين خلقه وسيلة نافعة. وشافعا مقبولا؛ قال ﵎: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
«٣» .
وسنذكر في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى من تخلّص من أنشوطة الهلاك، وتفلّت من حبائل المنيّة، بحسن التنصّل، ولطيف التّوصّل، ولين الجواب، ورقيق الاستعتاب؛ حتى عادت سيئاته حسنات، وعيض بالثواب بدلا من العقاب وحفظ هذا الباب أوجب على الإنسان من حفظ عرضه، وألزم له من قوام بدنه.
стр. 363
البيان
كنه البيان:
كلّ شيء كشف لك قناع المعنى الخفي حتى يتأدّى إلى الفهم ويتقبّله العقل، فذلك البيان الذي ذكره الله في كتابه، ومنّ به على عباده؛ فقال تعالى:
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ
«١» .
وسئل النبي ﷺ : فيم الجمال؟ فقال «في اللسان» . يريد البيان.
وقال ﷺ : «إنّ من البيان لسحرا» .
وقالت العرب: أنفذ من الرّميّة كلمة فصيحة.
وقال الراجز:
لقد خشيت أن تكون ساحرا ... راوية مرّا ومرّا شاعرا «٢»
وقال سهل بن هارون: العقل رائد الروح؛ والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم.
وقالوا: البيان بصر والعيّ عمى، كما أنّ العلم بصر والجهل عمى؛ والبيان من نتاج العلم. والعيّ من نتاج الجهل.
وقالوا: ليس لمنقوص البيان بهاء. ولو حكّ بيافوخه «٣» عنان السماء.
وقال صاحب المنطق: حدّ الإنسان: الحيّ الناطق المبين.
وقال: الروح عماد البدن، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم.
تبجيل الملوك وتعظيمهم
قال النبيّ ﷺ : «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» .
стр. 364
وقالت العلماء: لا يؤمّ ذو سلطان في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.
وقال زياد بن أبيه: لا يسلّم على قادم بين يدي أمير المؤمنين.
وقال يحيى بن خالد بن برمك: مساءلة الملوك عن حالها من سجيّة النّوكى «١» ؛ فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير؟ فقل: صبّح الله الأمير بالنعمة والكرامة.
وإذا كان عليلا فأردت أن تسأله عن حاله، فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة؛ فإن الملوك لا تسأل ولا تشمّت ولا تكيّف. وأنشد:
إن الملوك لا يخاطبونا ... ولا إذا ملّوا يعاتبونا
وفي المقال لا ينازعونا ... وفي العطاس لا يشمّتونا
وفي الخطاب لا يكيّفونا ... يثنى عليهم ويبجّلونا
فافهم وصاتي لا تكن مجنونا
ابن صبيح والفضل بن يحى في علته
: اعتلّ الفضل بن يحيى، فكان إسماعيل بن صبيح الكاتب إذا أتاه عائدا لم يزد على السلام عليه والدّعاء له، ويخفّف في الجلوس، ثم يلقى حاجبه فيسأله عن حاله ومأكله ومشربه ونومه. وكان غيره يطيل الجلوس. فلما أفاق من علّته قال: ما عادني في علّتي هذه إلا إسماعيل بن صبيح.
بين معاوية وأصحابه
: وقال أصحاب معاوية له: إنّا ربما جلسنا عندك فوق مقدار شهوتك، فنريد أن تجعل لنا علامة نعرف بها ذلك فقال: علامة ذلك أن أقول: إذا شئتم وقيل ذلك ليزيد، فقال: إذا قلت: على بركة الله.
وقيل ذلك لعبد الملك بن مروان، فقال: إذا وضعت الخيزرانة في يدي.
стр. 365
في خدمة الملوك
: ومن تمام خدمة الملوك أن يقرّب الخادم إليه نعليه ولا يدعه يمشي إليهما، ويجعل النعل اليمنى مقابلة الرجل اليمنى، واليسرى مقابلة اليسرى، وإذا رأى متّكأ يحتاج إلى إصلاح أصلحه قبل أن يؤمر؛ فلا ينتظر في ذلك أمره؛ ويتفقّد الدواة قبل أن يأمره، وينفض عنها الغبار إذا قرّبها إليه. وإن رأى بين يديه قرطاسا قد تباعد عنه قرّبه ووضعه بين يديه على كسره.
الحجاج والشعبي:
ودخل الشعبي على الحجاج، فقال له: كم عطاءك؟ قال: ألفين. قال: ويحك! كم عطاؤك؟ قال: ألفان. قال: فلم لحنت فيما لا يلحن فيه مثلك؟ قال: لحن الأمير فلحنت، وأعرب الأمير فأعربت؛ ولم أكن ليلحن الأمير فأعرب أنا عليه، فأكون كالمقرّع «١» له بلحنه، والمستطيل عليه بفضل القول قبله! فأعجبه ذلك منه ووهبه مالا.
قبلة اليد
عبد الرحمن بن أبي ليلى عند عبد الله بن عمر، قال: كنا نقبّل يد النبي ﷺ .
ومن حديث وكيع بن سفيان، قال: قبّل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب.
ومن حديث الشّعبي قال: لقي النبي ﵊ جعفر بن أبي طالب فالتزمه وقبّل ما بين عينيه.
قال إياس بن دغفل: رأيت أبا نضرة يقبّل خدّ الحسين.
الشيباني عن أبي الحسن عن مصعب قال: رأيت رجلا دخل على عليّ بن الحسين في المسجد فقبّل يده ووضعها على عينيه؛ فلم ينهه.
стр. 366
العتبي قال: دخل رجل على عبد الملك بن مروان فقبّل يده، وقال: يدك يا أمير المؤمنين أحقّ يد بالتقبيل، لعلوّها في المكارم، وطهرها من المآثم؛ وأنك تقلّ التّثريب «١» ، وتصفح عن الذنوب؛ فمن أراد بك سوءا جعله الله حصيد سيفك، وطريد خوفك.
بين المنصور وأبي بكر الهجري:
الأصمعي قال: دخل أبو بكر الهجريّ على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، نغض «٢» فمي، وأنتم أهل البيت بركة، فلو أذنت فقبلت رأسك، لعل الله يمسك عليّ ما بقي من أسناني. قال: اختر بينها وبين الجائزة. فقال: يا أمير المؤمنين، أيسر عليّ من ذهاب الجائزة ألّا تبقى في فمي حاكّة. فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
بين سليمان وجعفر بن يحيى:
ودخل جعفر بن يحيى في زيّ العامة وكتمان النباهة على سليمان صاحب بيت الحكمة، ومعه ثمامة بن أشرس، فقال ثمامة: هذا أبو الفضل. فنهض إليه سليمان فقبّل يده وقال له: بأبي أنت، ما دعاك إلى أن تحمّل عبدك هذه المنّة التي لا أقوم بشكرها، ولا أقدر أن أكافيء عليها.
عبد الله بن عباس وزيد بن ثابت:
الشّعبي قال: ركب زيد بن ثابت، فأخذ عبد الله بن عبّاس بركابه، فقال له: لا تفعل يا بن عمّ رسول الله ﷺ . قال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. قال له زيد:
أرني يدك. فأخرج إليه يده، فأخذها وقبّلها، وقال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ أن نفعل بأهل بيت نبيّنا.
стр. 367
أنواع القبل:
وقالوا قبلة الإمام في اليد، وقبلة الأب في الرأس، وقبلة الأخ في الخدّ، وقبلة الأخت في الصدر، وقبلة الزوجة في الفم.
من كره من الملوك تقبيل اليد
هشام ورجل قبل يده:
العتبي قال: دخل رجل على هشام بن عبد الملك فقبّل يده، فقال أفّ له، إن العرب قبّلت الأيدي إلا هلوعا «١» ، ولا فعلته العجم إلا خضوعا.
واستأذن رجل المأمون في تقبيل يده، فقال له: إنّ قبلة اليد من المسلم ذلّة، ومن الذّمّيّ خديعة؛ ولا حاجة بك أن تذلّ، ولا بنا أن نخدع.
بين المهدي وأبي دلامة في مثله:
واستأذن أبو دلامة الشاعر المهديّ في تقبيل يده، فقال: أمّا هذه فدعها قال: ما منعت عيالي شيئا أيسر فقدا عليهم من هذه.
حسن التوقيع في مخاطبة الملوك
قال هارون الرشيد لمعن بن زائدة: كيف زمانك يا معن؟ قال: يا أمير المؤمنين، أنت الزمان؛ فإن صلحت صلح الزمان، وإن فسدت فسد الزمان.
بين الرشيد وابن سلم في مثله:
وهذا نظير قول سعيد بن سلم، وقد قال له أمير المؤمنين الرشيد: من بيت قيس في الجاهلية؟ قال: يا أمير المؤمنين، بنو فزارة. قال: فمن بيتهم في الإسلام؟ قال: يا أمير المؤمنين، الشريف من شرّفتموه. قال: صدقت! أنت وقومك.
стр. 368
ودخل معن بن زائدة على أبي جعفر، فقال له كبرت يا معن. قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. قال: وإنك لجلد! قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين. قال: وإنّ فيك لبقيّة. قال هي لك يا أمير المؤمنين. قال: أي الدولتين أحب إليك أو أبغض، أدولتنا أم دولة بني أمية؟ قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين، إن زاد برك على برهم كانت دولتك أحبّ إليّ، وإن زاد برهم على برك كانت دولتهم أحبّ إليّ. قال: صدقت.
قال هارون الرشيد لعبد الملك بن صالح، أهذا منزلك؟ قال: هو لأمير المؤمنين ولي به. قال: كيف ماؤه؟ قال: أطيب ماء. قال: فكيف هواؤه؟ قال: أصحّ هواء.
قال أبو جعفر المنصور لجرير بن يزيد: إني أردتك لأمر. قال: يا أمير المؤمنين قد أعدّ الله لك مني قلبا معقودا بطاعتك، ورأيا موصولا بنصيحتك، وسيفا مشهورا على عدوّك؛ فإذا شئت فقل.
وقال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي ابنك عبد الله. قال: يا أمير المؤمنين إن مدحته عبته، وإن ذممته اغتبته، ولكنه قدح «١» في كفّ مثقّف ليوم نضال في خدمة أمير المؤمنين.
وأمر بعض الخلفاء رجلا بأمر؛ فقال: أنا أطوع لك من الرّداء، وأذلّ لك من الحذاء.
وقال آخر: أنا أطوع لك من يدك، وأذلّ لك من نعلك.
وهذا قاله الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك الزيات.
وقال المنصور لمسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم؟ قال: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
«٢» . قال: حسبك أبا أمية.
وقال المأمون ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخلفاء في ربيعة! قال: بلى، ولكنّ منابرهم الجذوع.
стр. 369
وقال المنصور لإسحاق بن مسلم: أفرطت في وفائك لبني أمية. قال: يا أمير المؤمنين، إنه من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى.
الرشيد وابن صالح:
وقال هارون لعبد الملك بن صالح: صف لي منبج. قال: رقيقة الهواء، لينة الوطاء. قال: فصف لي منزلك بها. قال: دون منازل أهلي، وفوق منازل أهلها. قال:
ولم وقدرك فوق أقدارهم؟ قال: ذلك خلق أمير المؤمنين أتأسّى به، وأقفو أثره، وأحذو مثاله.
المأمون وغلام في الديوان:
ودخل المأمون يوما بيت الديوان، فرأى غلاما جميلا على أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام؟ قال: أنا الناشيء في دولتك، والمتقلّب في نعمتك، والمؤمّل لخدمتك، الحسن بن رجاء. قال المأمون: بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول؛ ارفعوا هذا الغلام فوق مرتبته.
المتوكل وابن الجهم في رأس إسحاق بن اسماعيل:
علي بن يحيى قال: إني عند المتوكل حين دخل عليه الرسول برأس إسحاق بن إسماعيل، فقام علي بن الجهم يخطر «١» بين يدي المتوكل ويقول:
أهلا وسهلا بك من رسول ... جئت بما يشفي من الغليل
برأس إسحق بن إسماعيل
فقال المتوكل: قوموا التقطوا هذا الجوهر لئلا يضيع.
ودخل عقّال بن شبّة على أبي عبيد الله كاتب المهدي، فقال: يا بن عقّال، لم أرك منذ اليوم! قال: والله إني لألقاك بشوق، وأغيب عنك بتوق «٢» .
стр. 370
وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن رباح- وكان أسود-: يا نصيب هل لك فيما يثمر المحادثة؟ يريد المنادمة. فقال: أصلح الله الامير، اللون مرمّد، والشعر مفلفل، ولم أقعد إليك بكريم عنصر، ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني؛ فإن رأيت ألّا تفرق بينهما فافعل.
ولما ودّع المأمون الحسن بن سهل عند مخرجه من مدينة السلام، قال له: يا أبا محمد، ألك حاجة تعهد إليّ فيها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أن تحفظ عليّ من قلبك ما لا أستعين على حفظه إلا بك.
وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة للمأمون: لو لم أشكر الله إلا على حسن ما أبلاني في أمير المؤمنين من قصده إليّ بحديثه، وإشارته إليّ بطرفه، لكان ذلك من أعظم ما توجبه النّعمة، وتفرضه الصنيعة. قال المأمون: ذلك والله لأن الأمير يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدثت، وحسن الفهم إذا حدّثت، ما لا يجده عند غيرك.
مدح الملوك والتزلف إليهم
في سير العجم أن أردشير بن يزدجرد لما استوثق له أمره، جمع الناس فخطبهم خطبة حضّهم فيها على الألفة والطاعة، وحذّرهم المعصية ومفارقة الجماعة، وصنّف لهم الناس أربعة أصناف، فخروا له سجّدا، وتكلم متكلّمهم، فقال: لا زلت أيها الملك محبوّا من الله بعز النصر، ودرك الأمل «١» ، ودوام العافية، وتمام النّعمة، وحسن المزيد؛ ولا زلت تتابع لديك المكرمات، وتشفع إليك الذّمامات، حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها، ولا تنقطع زهرتها، في دار القرار التي أعدّها الله لنظرائك من أهل الزّلفى عنده، والحظوة لديه، ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر، زائدين زيادة البحور والأنهار، حتى تستوى أقطار الأرض كلها في علوّك عليها، ونفاذ أمرك فيها؛ فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمّنا عموم ضياء الصبح،
стр. 371
ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتصل بأنفسنا اتصال النسيم: فأصبحت قد جمع الله بك الأيادي بعد افتراقها، وألف بين القلوب بعد تباغضها، وأذهب عنا الإحن والحسائك «١» بعد توقّد نيرانها، بفضلك الذي لا يدرك بوصف، ولا يحدّ بنعت.
فقال أردشير: طوبي للممدوح إذا كان للمدح مستحقّا، وللداعي إذا كان للإجابة أهلا.
دخل حسّان بن ثابت على الحارث الجفنيّ فقال: أنعم صباحا أيها الملك، السماء غطاؤك، والأرض وطاؤك ووالدي ووالدتي فداؤك. أنّى يناوئك المنذر «٢» ؟ فو الله لقذالك أحسن من وجهه، ولأمّك أحسن من أبيه، ولظلّك خير من شخصه، ولصمتك أبلغ من كلامه، ولشمالك خير من يمينه. ثم أنشأ يقول:
ونبّئت أنّ أبا منذر ... يساميك للحدث الأكبر
قذالك أحسن من وجهه ... وأمّك خير من المنذر
ويسرى يديك إذا أعسرت كيمنى يديه فلا تمتر «٣» ودخل خالد بن عبد الله القسريّ على عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة، فقال:
يا أمير المؤمنين، من تكون الخلافة قد زانته فأنت قد زنتها، ومن تكون شرّفته فأنت قد شرفتها، وأنت كما قال الشاعر:
وإذا الدّرّ زان حسن وجوه ... كان للدّرّ حسن وجهك زينا
فقال عمر بن عبد العزيز ﵀: أعطي صاحبكم مقولا ولم يعط معقولا.
المأمون ومادح له عند دخوله بغداد:
ذكر ابن أبي طاهر قال: دخل المأمون بغداد، فتلقاه وجوه أهلها، فقال له رجل
стр. 372
منهم: يا أمير المؤمنين، بارك الله لك في مقدمك، وزاد في نعمتك، وشكرك عن رعيّتك، تقدّمت من قبلك، وأتبعت من بعدك، وآيست أن يعاين مثلك أما فيما مضى فلا نعرفه، وأما فيما بقى فلا نرجوه؛ فنحن جميعا ندعو لك، ونثني عليك.
خصب لنا جنابك، وعذب شرابك. وحسنت نظرتك، وكرمت مقدرتك. جبرت الفقير «١» ، وفككت الأسير، فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الأول:
ما زلت في البذل للنوال وإطلاق لعان بجرمه علق «٢»
حتى تمنى البراء أنهم ... عندك أسرى في القيد والحلق
بين خالد القسري وبعضهم في مثله:
ودخل رجل على خالد بن عبد الله القسري فقال: أيها الأمير، إنك لتبذل ما جلّ، وتجبر ما اعتلّ، وتكثر ما قل، ففضلك بديع، ورأيك جميع.
وقال رجل للحسن بن سهل: لقد صرت لا أستكثر كثيرك ولا أستقلّ قليلك! قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك أكثر من كثيرك، وأنّ قليلك أكثر من قليل غيرك.
وقال خالد بن صفوان لوال دخل عليه: قدمت فأعطيت كلّا بقسطه من نظرك ومجلسك، وصلاتك وعداتك، حتى كأنك من كل أحد، أو كأنك لست من أحد! وقال الرشيد لبعض الشعراء: هل أحدثت فينا شيئا؟ قال: يا أمير المؤمنين، المديح كله دون قدرك، والشعر فيك فوق قدري، ولكني أستحسن قول العتّابي:
ماذا عسى مادح يثني عليك وقد ... ناداك في الوحي تقديس وتطهير
فتّ الممادح إلا أنّ ألسننا ... مستنطقات بما تخفي الضّمايير
لابن صفوان في مدح رجل:
مدح خالد بن صفوان رجلا فقال: قريع المنطق، جزل الألفاظ، عربيّ اللسان،
стр. 373
قليل الحركات، حسن الإشارات، حلو الشمائل، كثير الطّلاوة، صموتا قئولا، يهنأ الجرب، ويداوي الدّبر «١» ، ويقلّ المحزّ، ويطبّق المفصل. لم يكن بالزّمر «٢» في مروءته، ولا بالهذر «٣» في منطقه، متبوعا غير تابع.
كأنه علم في رأسه نار «٤»
الرشيد وسهل بن هارون:
دخل سهل بن هارون على الرشيد، فوجده يضاحك ابنه المأمون، فقال: اللهم زده من الخيرات، وابسط له في البركات، حتى يكون كلّ يوم من أيامه موفيا على أمسه، مقصّرا عن غده. فقال له الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أحسنه وأجوده، ومن الحديث أصحّه وأبلغه، ومن البيان أفصحه وأوضحه، إذا رام أن يقول لم يعجزه؟ قال سهل: يا أمير المؤمنين، ما ظننت أحدا تقدّمني سبقني إلى هذا المعنى. فقال: بل أعشى همدان حيث يقول:
وجدتك أمس خير بني لؤيّ ... وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غدا تزيد الخير ضعفا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس
المأمون وسهل ابن هارون:
وكان المأمون قد استثقل سهل بن هارون، فدخل عليه يوما والناس عنده على منازلهم، فتكلم المأمون بكلام ذهب فيه كل مذهب، فلما فرغ أقبل سهل بن هارون على ذلك الجمع فقال: مالكم تسمعون ولا تعون، وتفهمون ولا تعجبون، وتعجبون ولا تصفون؟ أما والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير مثل ما قالت وفعلت بنو مروان في الدهر الطويل، عربكم كعجمهم، وعجمهم كعرب بني تميم؛ ولكن كيف يشعر بالدواء من لا يعرف الداء؟ قال: فرجع له المأمون إلى رأيه الأول.
стр. 374
الحجاج وزياد العتكي:
وكان الحجاج بن يوسف يستثقل زياد بن عمرو العتكيّ، فلما أثنى الوفد على الحجاج عند عبد الملك بن مروان، قال زياد: يا أمير المؤمنين، إنّ الحجاج سيفك الذي لا ينبو «١» ، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم.
فلم يكن بعد ذلك عند الحجاج أحد أخفّ ولا أحبّ إليه منه.
لابن شيبة في صالح بن المنصور:
حدّث الشّيباني قال: أقام المنصور صالحا ابنه فتكلم في أمر فأحسن؛ فقال شبيب ابن شيبة: تالله ما رأيت كاليوم أبين بيانا، ولا أعرب لسانا، ولا أربط جأشا، ولا أبلّ ريقا، ولا أحسن طريقا. وحق لمن كان المنصور أباه، والمهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير:
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا «٢»
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدّما من صالح سبقا
لابن شيبة في الخلافة:
وخرج شبيب بن شيبة من دار الخلافة يوما، فقيل له: كيف رأيت الناس؟ قال:
رأيت الداخل راجيا، والخارج راضيا.
لبعض الخلفاء في ابن شيبة:
وقيل لبعض الخلفاء: إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ويستعدّ له، فلو أمرته يصعد المنبر فجأة لافتضح. قال: فأمر رسولا فأخذ بيده فصعده المنبر: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: ألا إن لأمير المؤمنين أشباها أربعة: فمنها الأسد الخادر «٣» ، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر؛ فأما الأسد الخادر
стр. 375
فأشبه منه صولته ومضاءه، وأما البحر الزاخر فأشبه منه جوده وعطاءه، وأما القمر الباهر فأشبه منه نوره وضياءه، وأما الربيع الناضر فأشبه منه حسنه وبهاءه. ثم نزل.
بين عبد الملك وذي حاجة:
قال عبد الملك بن مروان لرجل دخل عليه: تكلم بحاجتك. قال: يا أمير المؤمنين، بهر «١» الدرجة وهيبة الخلافة يمنعاني من ذلك. قال: فعلى رسلك، فإنا لا نحبّ مدح المشاهدة، ولا تزكية اللقاء. قال: يا أمير المؤمنين، لست أمدحك، ولكن أحمد الله على النعمة فيك. قال: حسبك فقد أبلغت.
ودخل رجل على المنصور، فقال له: تكلّم بحاجتك. فقال: يبقيك الله يا أمير المؤمنين. قال: تكلّم بحاجتك، فإنك لا تقدر على هذا المقام كل حين. قال والله يا أمير المؤمنين، ما أستقصر أجلك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك؛ وإنّ عطاءك لشرف، وإن سؤالك لزين، وما لامريء بذل وجهه إليك نقص ولا شين. قال:
فأحسن جائزته وأكرمه.
بين المأمون والعماني:
حدّث إبراهيم بن السّندي قال: دخل العمانيّ على المأمون، وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج، فقال له: إيّاك أن تنشدني إلّا وعليك عمامة عظيمة الكور «٢» وخفان رائقان. قال: فغدا عليه في زي الأعراب فأنشده، ثم دنا فقبّل يده وقال: قد والله يا أمير المؤمنين أنشدت يزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ورأيت وجوههما، وقبّلت أيديهما، وأخذت جوائزهما؛ وأنشدت مروان وقبّلت يده وأخذت جائزته، وأنشدت المنصور ورأيت وجهه وقبّلت يده وأخذت جائزته، وأنشدت المهديّ ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته، إلى كثير من أشباه الخلفاء، وكبراء الأمراء والسادة الرؤساء، فلا والله يا أمير المؤمنين ما رأيت فيهم أبهى منظرا، ولا أحسن وجها، ولا
стр. 376
أنعم كفّا، ولا أندى راحة «١» منك يا أمير المؤمنين. قال: فأعظم له الجائزة على شعره، وأضعف له على كلامه وأقبل عليه بوجهه وبشره، فبسطه حتى تمنى جميع من حضره أنهم قاموا مقامه.
عمر بن عبد العزيز ووفد العراق ومحمد القرظي:
حدّث العتبي عن سفيان بن عيينة قال: قدم على عمر بن عبد العزيز ناس من أهل العراق، فنظر إلى شاب منهم يتحوّش «٢» للكلام، فقال: أكبروا أكبروا. فقال:
يا أمير المؤمنين، إنه ليس بالسنّ، ولو كان الأمر كله بالسنّ لكان في المسلمين من هو أسنّ منك. فقال عمر: صدقت رحمك الله، تكلم. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّا لم نأتك رغبة ولا رهبة؛ أما الرغبة فقد دخلت علينا منازلنا وقدمت علينا بلادنا؛ وأما الرهبة فقد أمننا الله بعدلك من جورك. قال: فما أنتم؟ قال: وفد الشكر. قال: فنظر محمد بن كعب القرظي إلى وجه عمر يتهلل، فقال: يا أمير المؤمنين؛ لا يغلبنّ جهل القوم بك معرفتك بنفسك؛ فإن ناسا خدعهم الثناء وغرّهم شكر الناس فهلكوا، وأنا أعيذك بالله أن تكون منهم. فألقى عمر رأسه على صدره.
التنصل والاعتذار
قال النبي ﷺ : «من لم يقبل من متنصّل «٣» عذرا، صادقا كان أو كاذبا، لم يرد عليّ الحوض» .
وقال: «المعترف بالذنب كمن لا ذنب له. وقال: الاعتراف يهدم الاقتراف» «٤» .
وقال الشاعر:
إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائبا ... إليك فلم تغفر له فلك الذّنب
стр. 377
واعتذر رجل إلى إبراهيم بن المهدي. فقال: عذرتك غير معتذر، إن المعاذير يشوبها الكذب.
واعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى، فقال: قد أغناك الله بالعذر عن الاعتذار، وأغنانا بحسن النية عن سوء الظن.
وقال إبراهيم الموصلي: سمعت جعفر بن يحيى يعتذر إلى رجل من تأخر حاجة ضمنها له، وهو يقول: أحتجّ إليك بغالب القضاء، وأعتذر إليك بصادق النّيّة.
وقال رجل لبعض الملوك: أنا من لا يحاجّك عن نفسه، ولا يغالطك في جرمه، ولا يلتمس رضاك إلا من جهة عفوك، ولا يستعطفك إلا بالإقرار بالذنب، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالزّلّة.
وقال الحسن بن وهب:
ما أحسن العفو من القادر ... لا سيّما عن غير ذي ناصر
إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فما له غيرك من غافر
أعوذ بالود الذي بيننا ... أن يفسد الأوّل بالآخر
وكتب الحسن بن وهب إلى محمد بن عبد الملك الزيات:
أبا جعفر، ما أحسن العفو كلّه ... ولا سيّما عن قائل ليس لي عذر
وقال آخر:
اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن برّ عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من أرضاك ظاهره ... وقد أجلّك من يعصيك مستترا
خير الخليطين من أغضى لصاحبه ... ولو أراد انتصارا منه لانتصرا «١»
وقالت الحكماء: ليس من العدل سرعة العذل «٢» .
وقال الأحنف بن قيس: ربّ ملوم لا ذنب له.
стр. 378
وقال آخر:
لعلّ له عذرا وأنت تلوم
وقال حبيب:
البرّ بي منك وطّي العذر عندك لي ... فيما أتاك فلم تقبل ولم تلم
وقام علمك بي فاحتجّ عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متّهم
وقال آخر:
إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه ... وكلّ امريء لا يقبل العذر مذنب
ومن قولنا في هذا المعنى:
عذيري من طول البكا لوعة الأسى ... وليس لمن لا يقبل العذر من عذر
وقال آخر:
فهبني مسيئا كالّذي قلت ظالما ... فعفو جميل كي يكون لك الفضل
فإن لم أكن للعفو عندك للّذي ... أتيت بهه أهلا فأنت له أهل
ومن الناس من لا يرى الاعتذار، ويقول: إياك وما يعتذر منه.
وقالوا: ما اعتذر مذنب إلا ازداد ذنبا.
وقال الشاعر محمود الوراق:
إذا كان وجه العذر ليس ببيّن ... فإنّ اطّراح العذر خير من العذر
بين عبد الملك وابن شهاب الزهري:
قال ابن شهاب الزهري: دخلت على عبد الملك بن مروان في رجال من أهل المدينة، فرآني أحدثهم سنا؛ فقال لي: من أنت؟ فانتسبت له. فقال: لقد كان أبوك وعمك نعّاقين «١» في فتنة ابن الأشعث. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ مثلك إذا عفا لم
стр. 379
يعدّد، وإذا صفح لم يثرّب. فأعجبه ذلك، وقال: أين نشأت؟ قلت: بالمدينة. قال:
عند من طلبت؟ قلت: سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، وقبيصة بن ذؤيب.
قال: فأين أنت من عروة بن الزبير، فإنه بحر لا تكدّره الدّلاء. فلما انصرفت من عنده لم أبارح عروة بن الزبير حتى مات.
بين محمد بن سليمان وابن السماك:
ودخل ابن السماك على محمد بن سليمان بن علي، فرآه معرضا عنه، فقال: مالي أرى الأمير كالعاتب عليّ؟ قال: ذلك لشيء بلغني عنك كرهته. قال: إذا لا أبالي.
قال: ولم؟ قال: لأنه إذا كان ذنبا غفرته، وإن كان باطلا لم تقبله.
بين المنصور وجرير بن عبد الله:
دخل جرير بن عبد الله على أبي جعفر المنصور، وكان واجدا عليه، فقال له:
تكلم بحجّتك. فقال: لو كان لي ذنب تكلّمت بعذري، ولكن عفو أمير المؤمنين أحبّ إليّ من براءتي.
الهادي ومذنب:
وأتي موسى الهادي برجل، فجعل يقرعه بذنوبه. فقال: يا أمير المؤمنين، إن اعتذاري مما تقرّعني به ردّ عليك، وإقراري به يلزمني ذنبا لم أجنه، ولكن أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
بين المأمون وابن الفارسي:
سعي بعبد الملك بن الفارسي إلى المأمون، فقال له المأمون: إن العدل من عدّله أبو العباس، وقد كان وصفك بما وصف به، ثم أتتني الأخبار بخلاف ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الذي بلغك عني تحميل عليّ، ولو كان كذلك لقلت: نعم، كما بلغك. فأخذت بحظّي من الله في الصدق، واتكلت على فضل أمير المؤمنين في سعة عفوه. قال: صدقت.
стр. 380
المأمون وابن يوسف في حكاية ضده:
محمد بن القاسم الهاشمي أبو العيناء، قال: كان أحمد بن يوسف الكاتب قد تولى صدقات البصرة، فجار فيها وظلم، فكثر الشاكي له والداعي عليه، ووافى باب أمير المؤمنين زهاء خمسين رجلا من جلة البصريين: فعزله المأمون، وجلس لهم مجلسا خاصا وأقام أحمد بن يوسف لمناظرتهم، فكان مما حفظ من كلامه أن قال:
يا أمير المؤمنين، لو أن أحدا ممن ولي الصدقات سلم من الناس لسلم رسول الله ﷺ ، قال الله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ
«١» .
فأعجب المأمون جوابه. واستجزل مقاله، وخلّى سبيله، محمد بن القاسم الهاشمي أبو العيناء قال: قال لي أبو عبد الله أحمد بن أبي داود:
دخلت على الواثق، فقال لي: ما زال قوم في ثلبك ونقصك! فقلت: يا أمير المؤمنين، لكلّ امريء منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولّى كبره منهم له عذاب عظيم، والله وليّ جزائه، وعقاب أمير المؤمنين من ورائه، وما ذل من كنت ناصره، ولا ضاع من كنت حافظه، فماذا قلت لهم يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت أبا عبد الله.
وسعى إليّ بعيب عزّة معشر ... جعل الإله خدودهنّ نعالها
قال أبو العيناء: قلت لأحمد بن أبي داود: إن قوما تظافروا عليّ! قال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
«٢» قلت: إنهم عدد وأنا واحد! قال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً
«٣» قلت: إن للقوم مكرا! قال: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«٤» .
قال أبو العيناء: فحدّثت بهذا الحديث أحمد بن يوسف الكاتب، فقال: ما يرى ابن أبي داود إلا أنّ القرآن أنزل عليه.
стр. 381
بين قتيبة بن مسلم ونهار بن توسعة:
قال: وهجا نهار بن توسعة قتيبة بن مسلم، وكان ولي خراسان بعد يزيد بن المهلّب، فقال:
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها ... وكلّ باب من الخيرات مفتوح
فبدّلت بعده قردا نطوف به ... كأنما وجهه بالخلّ منضوح «١»
فطلبه فهرب منه، ثم دخل عليه بكتاب أمّه؛ فقال: ويحك! بأي وجه تلقاني؟
قال: بالوجه الذي ألقى به ربّي، وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك. فقرّبه ووصله وأحسن إليه.
المنصور وابن فضالة:
وأقبل المنصور يوما راكبا والفرج بن فضالة جالس عند باب الذّهب، فقام الناس إليه ولم يقم. فاستشاط المنصور غيظا وغضبا، ودعا به فقال: ما منعك من القيام مع الناس حين رأيتني؟ قال: خفت أن يسألني الله تعالى: لم فعلت؟ ويسألك عنه: لم رضيت؟ وقد كرهه رسول الله ﷺ فسكن غضبه وقرّبه وقضى حوائجه.
المأمون وابن أكثم:
يحيى بن أكثم، قال: إني عند المأمون يوما، حتى أتي برجل ترعد فرائصه «٢» ، فلما مثل بين يديه قال له المأمون: كفرت نعمتي ولم تشكر معروفي! قال: يا أمير المؤمنين، وأين يقع شكري في جنب ما أنعم الله بك عليّ؟ فنظر إليّ وقال متمثّلا:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لكثرة مال أو علوّ مكان
لما ندب الله العباد لشكره ... فقال اشكروا لي أيها الثّقلان «٣»
стр. 382
ثم التفت إلى الرجل فقال له: هلّا قلت كما قال أصرم بن حميد:
رشحت حمدي حتى إنّني رجل ... كلّي بكلّ ثناء فيك مشتغل
خوّلت شكري ما خوّلت من نعم ... فخرّ شكري لما خوّلتني خول «١»
الاستعطاف والاعتراف
بين المهدي وابن داود:
لما سخط المهدي على يعقوب بن داود، قال له: يا يعقوب، قال: لبيك يا أمير المؤمنين تلبية مكروب لموجدتك. قال: ألم أرفع من قدرك إذ كنت وضيعا، وأبعد من ذكرك إذ كنت خاملا، وألبسك من نعمتي ما لم أجد لك بها يدين من الشكر؛ فكيف رأيت الله أظهر عليك وردّ إليك منك؟ قال: إن كان ذلك بعلمك يا أمير المؤمنين فتصديق معترف منيب، وإن كان مما استخرجته دفائن الباغين فعائد بفضلك. فقال: والله لولا الحنث «٢» في دمك بما تقدّم لك، لألبستك منه قميصا لا تشدّ عليه زرّا. ثم أمر به إلى الحبس، فتولّى وهو يقول: الوفاء يا أمير المؤمنين كرم، والمودّة رحم، وأنت بهما جدير.
أخذت الشعراء معنى قوله «ألبستك منه قميصا لا يشدّ عليه زرّا» فقال معلّى الطائي:
طوّقته بحسام طوق داهية ... ما يستطيع عليه شدّ أزرار
وقال حبيب:
طوّقته بالحسام طوق ردي ... أغناه عن مسّ طوقه بيده
وقال:
طوّقته بالحسام منصلتا ... آخر طوق يكون في عنقه
стр. 383
ليزيد بن مزيد أمام الرشيد:
ولما رضي الرشيد عن يزيد بن مزيد أذن له بالدخول عليه فلما مثل بين يديه قال:
الحمد لله الذي سهّل لي سبيل الكرامة بلقائك، وردّ عليّ النعمة بوجه الرضا منك؛ وجزاك الله يا أمير المؤمنين في حال سخطك جزاء المحسنين المرغبين «١» وفي حال رضاك جزاء المنعمين المتطولّين؛ فقد جعلك الله وله الحمد تثبت تحرّجا عند الغضب، وتمتنّ تطوّلا «٢» بالنعم، وتستبقي المعروف عند الصنائع تفضلا بالعفو.
المأمون وإبراهيم بن المهدي:
لما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي، وهو الذي يقال له ابن شكلة، أمر بإدخاله عليه. فلما مثل بين يديه قال: وليّ الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، [والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له الاعتذار في الأمل هجمت به الأناة على التلف] «٣» ؛ وقد جعل الله كلّ ذنب دون عفوك، فإن صفحت فبكرمك، وإن أخذت فبحقّك.
قال المأمون: إني شاورت أبا إسحاق والعبّاس في قتلك، فأشارا عليّ به.
قال: أما أن يكونا قد نصحاك في عظم قدر الملك ولما جرت عليه عادة السياسة، فقد فعلا؛ ولكنك أبيت أن تستجلب النصر إلا من حيث عوّدك الله. ثم استعبر باكيا.
قال له المأمون: ما يبكيك.
قال: جذلا، إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته. ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنه وإن كان جرمي يبلغ سفك دمي، فحلم أمير المؤمنين وتفضّله يبلغاني عفوه، ولي بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحرمة الأب بعد الأب.
стр. 384
قال المأمون: لو لم يكن في حقّ نسبك ما يبلغ الصفح عن زلّتك، لبلّغك إليه حسن توصلك ولطف تنصّلك.
فكان تصويب إبراهيم لرأي أبي إسحق والعباس ألطف في طلب الرضا ودفع المكروه عن نفسه من تخطئتهما.
المأمون وإسحاق بن العباس:
وقال المأمون لإسحاق بن العباس: لا تحسبني أغفلت إجلابك مع ابن المهلّب وتأييدك لرأيه وإيقادك لناره.
قال: يا أمير المؤمنين، والله لإجرام قريش إلى رسول الله ﷺ أعظم من جرمي إليك، ولرحمي أمسّ من أرحامهم، وقد قال كما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
«١» وأنت يا أمير المؤمنين أحقّ وارث لهذه المنة وممتثل بها.
قال: هيهات. تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، وجرمك جرم في إسلامك وفي دار خلافتك.
قال: يا أمير المؤمنين، فو الله للمسلم أحقّ بإقالة العثرة وغفران الزّلة من الكافر، هذا كتاب الله بيني وبينك. يقول الله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
«٢» فهي للناس يا أمير المؤمنين سنّة دخل فيها المسلم والكافر، والشريف والمشروف.
قال: صدقت. اجلس. وريت بك زنادي «٣» ، فلا قدح ناري من الغابرين «٤» من أهلك أمثالك.
стр. 385
العتبي عن أبيه قال: قبض مروان بن محمد بن معاوية بن عمر بن عتبة ما له بالفرسان «١» فقال: إني قد وجدت قطيعة عمك لأبيك «إني أقطعتك بستاني» .
والبستان لا يكون إلا عامرا، وأنا مسلم إليك الغامر «٢» وقابض منك العامر. فقال:
يا أمير المؤمنين، إن سلفك الصالح لو شهدوا مجلسنا هذا كانوا شهودا على ما ادعيته، وشفعاء فيما طلبته، يسألونك بإحسانك إليّ مكافأة إحسان سلفي إليهم فشفع فينا الأموات، وأحفظ منا القرابات، واجعل مجلسك هذا مجلسا يلزم من بعدنا شكره. قال: لا والله، إلا أن أجعلها طعمة مني لك، لا قطيعة من عمك لأبيك.
قال: قد قبلت ذلك. ففعل.
عبد الملك وابن عتبة وخالد بن يزيد:
العتبي قال: أمر عبد الملك بن مروان بقطع أرزاق آل أبي سفيان وجوائزهم لموجدة وجدها على خالد بن يزيد بن معاوية. فدخل عليه عمرو بن عتبة. فقال: يا أمير المؤمنين. إن أدنى حقّك متعب. وبعضه فادح لنا، ولنا مع حقك علينا حق عليك، بإكرام سلفنا لسلفك. فانظر إلينا بالعين التي نظروا بها إليهم، وضعنا بحيث وضعتنا الرّحم منك.
قال عبد الملك: إنما يستحق عطيتي من استعطاها، فأما من ظن أنه يكتفي بنفسه فسنكله إلى نفسه. ثم أمر له بعطيّة.
وبلغ ذلك خالدا فقال: أبالحرمان يهدّدني؟ يد الله فوق يده باسطة، وعطاء الله دونه مبذول. فأما عمرو فقد أعطى من نفسه أكثر مما أخذ لها.
سليمان بن علي وابن عتبة إمام المسودة:
العتبي قال: حدثنا طارق بن المبارك، عن عمرو بن عتبة، قال: جاءت دولة
стр. 386
المسوّدة وأنا حديث السنّ كثير العيال متفرّق المال، فجعلت لا أنزل قبيلة من قبائل العرب إلا شهرت فيها. فلما رأيت أمري لا يكتتم، أتيت سليمان بن علي فاستأذنت عليه قرب المغرب، فأذن لي وهو لا يعرفني؛ فلما صرت إليه قلت: أصلحك الله! لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك؛ فإما قبلتني غانما، وإما رددتني سالما.
قال: ومن أنت؟ فانتسبت له؛ فعرفني. وقال: مرحبا، اقعد فتكلم غانما سالما.
قلت: أصلحك الله! إن الحرم التي أنت أقرب الناس إليهن معنا، وأولى الناس بهن بعدنا، قد خفن بخوفنا، ومن خاف خيف عليه. قال: فاعتمد سليمان على يديه وسالت دموعه على خديه، ثم قال: يا ابن أخي، يحقن الله دمك، ويستر حرمك، ويسلم مالك إن شاء الله؛ ولو أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت. فلم أزل في جوار سليمان آمنا.
وكتب سليمان إلى أبي العباس أمير المؤمنين: أما بعد. يا أمير المؤمنين، فإنا إنما حاربنا بني أمية على عقوقهم ولم نحاربهم على أرحامهم، وقد دفت إليّ منهم دافّة «١» لم يشهروا سلاحا، ولم يكثروا جمعا، وقد أحسن الله إليك فأحسن. فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب لهم أمانا ويأمر بإنفاذه إليّ فليفعل.
فكتب لهم كتابا منشورا وأنفذه إلى سليمان بن علي، في كل من لجأ إليه من بني أمية، فكان يسميه أبو مسلم: كهف الأبّاق «٢» .
الرشيد وعبد الملك بن صالح:
دخل عبد الملك بن صالح يوما على الرشيد، فلم يلبث في مجلسه أن التفت الرشيد فقال متمثّلا:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
стр. 387
ثم قال: أما والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع «١» ، وعارضها قد لمع «٢» ، وكأني بالوعيد قد وقع، فأقلع عن براجم «٣» بلا معاصم، وجماجم بلا غلاصم «٤» ، فمهلا مهلا؛ فبي والله يسهل لكم الوعر، ويصفو لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور مقاليد أزمّتها، فالتدارك التدارك قبل حلول داهية، خبوط باليد لبوط بالرّجل.
قال عبد الملك: أفذّا «٥» ما تكلمت أم توءما يا أمير المؤمنين؟ قال: بل فذّا.
قال: اتق الله في ذي رحمك وفي رعيتّك التي استرعاك الله، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب؛ فقد محضت لك النصيحة وأديت لك الطاعة، وشددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم «٦» ، وتركت عدوّك سبيلا تتعاوره «٧» الأقدام، فالله الله في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن وصلته؛ إنّ الكتاب لنميمة واش وبغي باغ؛ ينهش اللحم، ويلغ «٨» في الدم، فكم ليل تمام فيك كابدته، ومقام ضيق فرّجته، وكنت كما قال الشاعر أخو بني كلاب:
ومقام ضيّق فرّجته ... بلساني ومقامي وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل
فرضي عنه ورحّب به، وقال وريت بك زنادي.
الرشيد وعبد الملك بن صالح:
والتفت الرشيد يوما إلى عبد الملك بن صالح فقال: أكفرا بالنعمة، وغدرا بالإمام؟
стр. 388
قال: لقد بؤت إذا بأعباء الندم، وسعيت في استجلاب النّقم؛ وما ذلك يا أمير المؤمنين، إلا بغي باغ نافسني فيك بقديم الولاية، وحقّ القرابة، يا أمير المؤمنين، إنك خليفة الله ورسوله ﷺ في أمته، وأمينه على رعيته، لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة؛ ولها عليك التثبّت في حادثها، والعدل في حكمها.
فقال له هارون: تضع لي من لسانك، وترفع عليّ من جنانك بحيث يحفظ الله لي عليك! هذا قمامة كاتبك يخبرني بفعلك.
فقال عبد الملك: أحقا يا قمامة؟
قال: نعم لقد أردت ختل «١» أمير المؤمنين والغدر به.
فقال عبد الملك: كيف لا يكذب عليّ من خلفي من بهتني «٢» في وجهي؟
قال الرشيد: هذا ابنك شاهد عليك.
قال: يا أمير المؤمنين، هو بين مأمور أو عاق؛ فإن كان مأمورا فمعذور، وإن كان عاقّا فما أخاف من عقوقه أكثر.
وقال له الرشيد يوما وكان معتلا عليه: أتبقّون بالرّقّة؟ قال: نعم، ونبرغث! قال: يا بن الفاعلة! ما حملك على أن سألتك عن مسألة فرددت عليّ في مسألتين؟ وأمر به إلى الحبس؛ فلم يزل في حبسه حتى أطلقه الأمين.
لعبد الملك بن صالح بعد خروجه من السجن:
إبراهيم بن السّندي قال: سمعت عبد الملك بن صالح يقول بعد إخراج المخلوع له من الحبس، وذكر الرشيد وفعله به، فقال: والله إن الملك لشيء ما نويته ولا تمنّيته، ولا نصبت له ولا أردته، ولو أردته لكان إليّ أسرع من الماء إلى الحدور «٣» ، ومن النار إلى يبس العرفج «٤» ؛ وإني لمأخوذ بما لم أجن، ومسئول عما لم أعرف، ولكن حين رآني للملك قمينا «٥» ، وللخلافة خطيرا، ورأى لي يدا تنالها إذا مدّت،
стр. 389
وتبلغها إذا بسطت، ونفسا تكمل لخصالها، وتستحقها بفعالها- وإن كنت لم أجن تلك الخصال، ولم أصطنع تلك الفعال، ولم أترشّح لها في السر، ولا أشرت إليها في الجهر- ورآها تحنّ إليّ حنين الوالدة الوالهة، وتميل ميل الهلوك؛ وخاف أن ترغب إلى خير مرغب، وتنزع إلى أخصب منزع، عاقبني عقاب من سهر في طلبها، وجهد في التماسها، فإن كان إنما حسبني أني أصلح لها وتصلح لي، وأليق بها وتليق بي، فليس ذلك بذنب جنيته فأتوب منه، ولا تطاولت له فأحطّ نفسي عنه؛ وإن زعم أنه لا صرف لعقابه، ولا نجاة من عذابه، إلا أن أخرج له من حدّ العلم والحلم والحزم؛ فكما لا يستطيع المضياع أن يكون مصلحا، كذلك لا يستطيع العاقل أن يكون جاهلا.
وسواء عليه أعاقبني على علمي وحلمي، أم عاقبني على نسبي وسني، وسواء عليه عاقبني على جمالي أو عاقبني على محبة الناس لي. ولو أردتها لأعجلته عن التفكير، وشغلته عن التدبير، ولما كان فيها من الخطب إلا اليسير.
ابن مسلم حين بلغه غضب الخليفة على رجاء:
إبراهيم بن السّندي قال: كنت أساير سعد بن سلم، حتى قيل له: إن أمير المؤمنين قد غضب على رجاء بن أبي الضحّاك وأمر بأخذ ماله، فارتاع بذلك وجزع، فقيل له: ما يروعك منه؟ فو الله ما جعل الله بينكما نسبا ولا سببا. فقال: بلى، النّعمة نسب بين أهلها، والطاعة سبب مؤكّد بين الأولياء.
وبعث بعض الملوك إلى رجل وجد عليه: فقال لما مثل بين يديه: أيها الأمير، إن الغضب شيطان فاستعذ بالله منه؛ وإنما خلق العفو للمذنب، والتجاوز للمسيء، فلا تضق عما وسع الرعيّة من حلمك وعفوك. فعفا عنه وأطلق سبيله.
ولما اتهم قتيبة بن مسلم أبا مجلز على بعض الأمر، قال: أصلح الله الأمير، وأستغفر الرب، أسأل العافية! قال: قد عفونا عنك.
وأرسل بعض الملوك في رجل أراد عقوبته، فلما مثل بين يديه قال: أسألك بالذي
стр. 390
أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك؛ وهو على عقابك أقدر منك على عقابي، إلا نظرت في أمري نظر من برئى أحبّ إليه من سقمي، وبراءتي أحبّ إليه من جرمي.
وقال خالد بن عبد الله لسليمان بن عبد الملك حين وجد عليه: يا أمير المؤمنين، إن القدرة تذهب الحفيظة؛ وأنت تجلّ عن العقوبة ونحن مقرّون بالذنب؛ فإن تعف عنّي فأهل ذلك أنت، وإن تعاقبني فأهل ذلك أنا.
وأمر معاوية بن أبي سفيان بعقوبة روح بن زنباع، فقال له: أنشدك الله يا أمير المؤمنين ألا تضع مني خسيسة أنت رفعتها، أو تنقض منّي مريرة أنت أبرمتها «١» ، أو تشمت بي عدوّا أنت وقمته «٢» ، إلّا أتى حلمك وصفحك على خطئي وجهلي. فقال معاوية: خلّيا عنه، إذا أراد الله أمرا يسّره.
وجد عبد الملك بن مروان على رجل فجفاه واطّرحه، ثم دعا به ليسأله عن شيء، فرآه شاحبا ناحلا؛ فقال له: مذ متى اعتللت؟ فقال:
ما مسّني سقم ولكنّني ... جفوت نفسي إذ جفاني الأمير
وآليت ألا أرضى عنها حتى يرضى عني أمير المؤمنين. فأعاده إلى نفسه.
وقعد الحسن بن سهل لنعيم بن حازم، فأقبل إليه حافيا حاسرا وهو يقول: ذنبي أعظم من السماء، ذنبي أعظم من الأرض. فقال له الحسن: على رسلك أيها الرجل، لا بأس عليك، قد تقدمت لك طاعة، وحدثت لك توبة، وليس للذنب بينهما موضع، ولئن وجد موضعا فما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.
المأمون وهاشمي أذنب:
أذنب رجل من بني هاشم ذنبا إلى المأمون، فعاتبه فيه. فقال: يا أمير المؤمنين، من حمل مثل دالّتي، ولبس ثوب حرمتي، ومتّ «٣» بمثل قرابتي، اغتفر له فوق زلّتي.
следующие страницы →