Полный текст (2 664 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
المسوّدة وأنا حديث السنّ كثير العيال متفرّق المال، فجعلت لا أنزل قبيلة من قبائل العرب إلا شهرت فيها. فلما رأيت أمري لا يكتتم، أتيت سليمان بن علي فاستأذنت عليه قرب المغرب، فأذن لي وهو لا يعرفني؛ فلما صرت إليه قلت: أصلحك الله! لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك؛ فإما قبلتني غانما، وإما رددتني سالما.
قال: ومن أنت؟ فانتسبت له؛ فعرفني. وقال: مرحبا، اقعد فتكلم غانما سالما.
قلت: أصلحك الله! إن الحرم التي أنت أقرب الناس إليهن معنا، وأولى الناس بهن بعدنا، قد خفن بخوفنا، ومن خاف خيف عليه. قال: فاعتمد سليمان على يديه وسالت دموعه على خديه، ثم قال: يا ابن أخي، يحقن الله دمك، ويستر حرمك، ويسلم مالك إن شاء الله؛ ولو أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت. فلم أزل في جوار سليمان آمنا.
وكتب سليمان إلى أبي العباس أمير المؤمنين: أما بعد. يا أمير المؤمنين، فإنا إنما حاربنا بني أمية على عقوقهم ولم نحاربهم على أرحامهم، وقد دفت إليّ منهم دافّة «١» لم يشهروا سلاحا، ولم يكثروا جمعا، وقد أحسن الله إليك فأحسن. فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب لهم أمانا ويأمر بإنفاذه إليّ فليفعل.
فكتب لهم كتابا منشورا وأنفذه إلى سليمان بن علي، في كل من لجأ إليه من بني أمية، فكان يسميه أبو مسلم: كهف الأبّاق «٢» .
الرشيد وعبد الملك بن صالح:
دخل عبد الملك بن صالح يوما على الرشيد، فلم يلبث في مجلسه أن التفت الرشيد فقال متمثّلا:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
стр. 387
ثم قال: أما والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع «١» ، وعارضها قد لمع «٢» ، وكأني بالوعيد قد وقع، فأقلع عن براجم «٣» بلا معاصم، وجماجم بلا غلاصم «٤» ، فمهلا مهلا؛ فبي والله يسهل لكم الوعر، ويصفو لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور مقاليد أزمّتها، فالتدارك التدارك قبل حلول داهية، خبوط باليد لبوط بالرّجل.
قال عبد الملك: أفذّا «٥» ما تكلمت أم توءما يا أمير المؤمنين؟ قال: بل فذّا.
قال: اتق الله في ذي رحمك وفي رعيتّك التي استرعاك الله، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب؛ فقد محضت لك النصيحة وأديت لك الطاعة، وشددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم «٦» ، وتركت عدوّك سبيلا تتعاوره «٧» الأقدام، فالله الله في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن وصلته؛ إنّ الكتاب لنميمة واش وبغي باغ؛ ينهش اللحم، ويلغ «٨» في الدم، فكم ليل تمام فيك كابدته، ومقام ضيق فرّجته، وكنت كما قال الشاعر أخو بني كلاب:
ومقام ضيّق فرّجته ... بلساني ومقامي وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل
فرضي عنه ورحّب به، وقال وريت بك زنادي.
الرشيد وعبد الملك بن صالح:
والتفت الرشيد يوما إلى عبد الملك بن صالح فقال: أكفرا بالنعمة، وغدرا بالإمام؟
стр. 388
قال: لقد بؤت إذا بأعباء الندم، وسعيت في استجلاب النّقم؛ وما ذلك يا أمير المؤمنين، إلا بغي باغ نافسني فيك بقديم الولاية، وحقّ القرابة، يا أمير المؤمنين، إنك خليفة الله ورسوله ﷺ في أمته، وأمينه على رعيته، لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة؛ ولها عليك التثبّت في حادثها، والعدل في حكمها.
فقال له هارون: تضع لي من لسانك، وترفع عليّ من جنانك بحيث يحفظ الله لي عليك! هذا قمامة كاتبك يخبرني بفعلك.
فقال عبد الملك: أحقا يا قمامة؟
قال: نعم لقد أردت ختل «١» أمير المؤمنين والغدر به.
فقال عبد الملك: كيف لا يكذب عليّ من خلفي من بهتني «٢» في وجهي؟
قال الرشيد: هذا ابنك شاهد عليك.
قال: يا أمير المؤمنين، هو بين مأمور أو عاق؛ فإن كان مأمورا فمعذور، وإن كان عاقّا فما أخاف من عقوقه أكثر.
وقال له الرشيد يوما وكان معتلا عليه: أتبقّون بالرّقّة؟ قال: نعم، ونبرغث! قال: يا بن الفاعلة! ما حملك على أن سألتك عن مسألة فرددت عليّ في مسألتين؟ وأمر به إلى الحبس؛ فلم يزل في حبسه حتى أطلقه الأمين.
لعبد الملك بن صالح بعد خروجه من السجن:
إبراهيم بن السّندي قال: سمعت عبد الملك بن صالح يقول بعد إخراج المخلوع له من الحبس، وذكر الرشيد وفعله به، فقال: والله إن الملك لشيء ما نويته ولا تمنّيته، ولا نصبت له ولا أردته، ولو أردته لكان إليّ أسرع من الماء إلى الحدور «٣» ، ومن النار إلى يبس العرفج «٤» ؛ وإني لمأخوذ بما لم أجن، ومسئول عما لم أعرف، ولكن حين رآني للملك قمينا «٥» ، وللخلافة خطيرا، ورأى لي يدا تنالها إذا مدّت،
стр. 389
وتبلغها إذا بسطت، ونفسا تكمل لخصالها، وتستحقها بفعالها- وإن كنت لم أجن تلك الخصال، ولم أصطنع تلك الفعال، ولم أترشّح لها في السر، ولا أشرت إليها في الجهر- ورآها تحنّ إليّ حنين الوالدة الوالهة، وتميل ميل الهلوك؛ وخاف أن ترغب إلى خير مرغب، وتنزع إلى أخصب منزع، عاقبني عقاب من سهر في طلبها، وجهد في التماسها، فإن كان إنما حسبني أني أصلح لها وتصلح لي، وأليق بها وتليق بي، فليس ذلك بذنب جنيته فأتوب منه، ولا تطاولت له فأحطّ نفسي عنه؛ وإن زعم أنه لا صرف لعقابه، ولا نجاة من عذابه، إلا أن أخرج له من حدّ العلم والحلم والحزم؛ فكما لا يستطيع المضياع أن يكون مصلحا، كذلك لا يستطيع العاقل أن يكون جاهلا.
وسواء عليه أعاقبني على علمي وحلمي، أم عاقبني على نسبي وسني، وسواء عليه عاقبني على جمالي أو عاقبني على محبة الناس لي. ولو أردتها لأعجلته عن التفكير، وشغلته عن التدبير، ولما كان فيها من الخطب إلا اليسير.
ابن مسلم حين بلغه غضب الخليفة على رجاء:
إبراهيم بن السّندي قال: كنت أساير سعد بن سلم، حتى قيل له: إن أمير المؤمنين قد غضب على رجاء بن أبي الضحّاك وأمر بأخذ ماله، فارتاع بذلك وجزع، فقيل له: ما يروعك منه؟ فو الله ما جعل الله بينكما نسبا ولا سببا. فقال: بلى، النّعمة نسب بين أهلها، والطاعة سبب مؤكّد بين الأولياء.
وبعث بعض الملوك إلى رجل وجد عليه: فقال لما مثل بين يديه: أيها الأمير، إن الغضب شيطان فاستعذ بالله منه؛ وإنما خلق العفو للمذنب، والتجاوز للمسيء، فلا تضق عما وسع الرعيّة من حلمك وعفوك. فعفا عنه وأطلق سبيله.
ولما اتهم قتيبة بن مسلم أبا مجلز على بعض الأمر، قال: أصلح الله الأمير، وأستغفر الرب، أسأل العافية! قال: قد عفونا عنك.
وأرسل بعض الملوك في رجل أراد عقوبته، فلما مثل بين يديه قال: أسألك بالذي
стр. 390
أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك؛ وهو على عقابك أقدر منك على عقابي، إلا نظرت في أمري نظر من برئى أحبّ إليه من سقمي، وبراءتي أحبّ إليه من جرمي.
وقال خالد بن عبد الله لسليمان بن عبد الملك حين وجد عليه: يا أمير المؤمنين، إن القدرة تذهب الحفيظة؛ وأنت تجلّ عن العقوبة ونحن مقرّون بالذنب؛ فإن تعف عنّي فأهل ذلك أنت، وإن تعاقبني فأهل ذلك أنا.
وأمر معاوية بن أبي سفيان بعقوبة روح بن زنباع، فقال له: أنشدك الله يا أمير المؤمنين ألا تضع مني خسيسة أنت رفعتها، أو تنقض منّي مريرة أنت أبرمتها «١» ، أو تشمت بي عدوّا أنت وقمته «٢» ، إلّا أتى حلمك وصفحك على خطئي وجهلي. فقال معاوية: خلّيا عنه، إذا أراد الله أمرا يسّره.
وجد عبد الملك بن مروان على رجل فجفاه واطّرحه، ثم دعا به ليسأله عن شيء، فرآه شاحبا ناحلا؛ فقال له: مذ متى اعتللت؟ فقال:
ما مسّني سقم ولكنّني ... جفوت نفسي إذ جفاني الأمير
وآليت ألا أرضى عنها حتى يرضى عني أمير المؤمنين. فأعاده إلى نفسه.
وقعد الحسن بن سهل لنعيم بن حازم، فأقبل إليه حافيا حاسرا وهو يقول: ذنبي أعظم من السماء، ذنبي أعظم من الأرض. فقال له الحسن: على رسلك أيها الرجل، لا بأس عليك، قد تقدمت لك طاعة، وحدثت لك توبة، وليس للذنب بينهما موضع، ولئن وجد موضعا فما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.
المأمون وهاشمي أذنب:
أذنب رجل من بني هاشم ذنبا إلى المأمون، فعاتبه فيه. فقال: يا أمير المؤمنين، من حمل مثل دالّتي، ولبس ثوب حرمتي، ومتّ «٣» بمثل قرابتي، اغتفر له فوق زلّتي.
стр. 391
قال: صدقت يا بن عمي. وصفح عنه.
واعتذر رجل إلى المأمون من ذنب فقال له: إني وإن كانت زلتي قد أحاطت بحرمتي فإن فضلك محيط بها. وكرمك موقوف عليها.
أخذه صريع الغواني فقال:
إن كان ذنبي قد أحاط بحرمتي ... فأحط بذنبي عفوك المأمولا.
المنصور ويزيد ابن هبيرة:
ودخل يزيد بن عمر بن هبيرة على أبي جعف المنصور بعد ما كتب أمانه، فقال:
يا أمير المؤمنين، إنّ إمارتكم بكر ودولتكم جديدة، فأذيقوا الناس حلاوتها، وجنّبوهم مرارتها، تخفّ على قلوبهم طاعتكم، وتسرع إلى أنفسهم محبّتكم، وما زلت مستبطئا لهذه الدعوة. فلما قام قال أبو جعفر: عجبا من كل من يأمر بقتل هذا! ثم قتله بعد ذلك غدرا.
المنصور بعد هزيمة عبد الله بن علي:
الهيثم بن عدي قال: لما انهزم عبد الله بن علي من الشام، قدم على المنصور وفد منهم، فتكلموا عنده، ثم قام الحارث فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لسنا وفد مباهاة، وإنما نحن وفد توبة، ابتلينا بفتنة استخفّت كريمنا، واستفزّت حليمنا، ونحن بما قدّمنا معترفون، ومما سلف منا معتذرون. فإن تعاقبنا فقد أجرمنا وإن تعف عنا فطالما أحسنت إلى من أساء منا.
فقال المنصور للحرسيّ: هذا خطيبهم! وأمر بردّ ضياعه عليه بالغوطة.
لتميم بن جميل بين يدي المعتصم:
قال أحمد بن أبي دواد: ما رأينا رجلا نزل به الموت فما شغله ذلك ولا أذهله عما كان يحب أن يفعله، إلا تميم بن جميل؛ فإنه كان تغلّب على شاطيء الفرات؛ وأوفى
стр. 392
به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة، ودخل عليه، فلما مثل بين يديه، دعا بالنّطع والسيف، فأحضرا، فجعل تميم بن جميل ينظر إليها ولا يقول شيئا، وجعل المعتصم يصعّد النظر فيه ويصوّبه، وكان جسيما وسيما، ورأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره. فقال: يا تميم، إن كان لك عذر فأت به، أو حجة فأدل بها.
فقال: أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كلّ شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. يا أمير المؤمنين، إن الذنوب تخرس الالسنة، وتصدع الأفئدة، ولقد عظمت الجريرة وكبر الذنب، وساء الظنّ، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منك وأسرعهما إليك أولاهما بامتنانك، وأشبههما بخلائقك. ثم أنشأ يقول:
أرى الموت بين السّيف والنطع كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفّت
وأكبر ظنّي أنّك اليوم قاتلي ... وأيّ امريء ممّا قضى الله يفلت
ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت «١»
يعزّ على الأوس بن تغلب موقف ... يسلّ عليّ السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنّني ... لأعلم أنّ الموت شيء موقّت
ولكنّ خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا
فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة ... أذود الرّدى عنهم وإن متّ موّتوا
فكم قائل لا يبعد الله روحه ... وآخر جذلان يسرّ ويشمت
قال: فتبسم المعتصم وقال: كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل، اذهب، فقد غفرت لك الصبوة «٢» ، وتركتك للصبّية.
стр. 393
المهدي وأبو عبيد الله بعد قتل ابنه:
وحكي أن أمير المؤمنين المهدي قال لأبي عبيد الله لما قتل ابنه: إنه لو كان في صالح خدمتك وما تعرّفناه من طاعتك، وفاء يجب به الصفح عن ولدك، ما تجاوز أمير المؤمنين ذلك به إلى غيره؛ ولكنه نكص «١» على عقبيه وكفر بربّه. قال أبو عبيد الله: رضانا عن أنفسنا وسخطنا عليها موصول برضاك وسخطك، ونحن خدم نعمتك، تثيبنا على الإحسان فنشكر، وتعاقبنا على الإساءة فنصبر.
المنصور وجعفر ابن محمد:
أبو الحسن المدائني قال: لما حج المنصور مرّ بالمدينة، فقال للربيع الحاجب: عليّ بجعفر بن محمد، قتلني الله إن لم أقتله. فمطل «٢» به، ثم ألحّ عليه فحضر، فلما كشف الستر بينه وبينه ومثل بين يديه، همس جعفر بشفتيه، ثم تقرّب وسلّم، فقال: لا سلّم الله عليك يا عدوّ الله، تعمل عليّ الغوائل في ملكي؟ قتلني الله إن لم أقتلك. قال: يا أمير المؤمنين، إنّ سليمان صلّى الله على محمد وعليه، أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر؛ وأنت على إرث منهم، وأحقّ من تأسّى بهم. فنكس أبو جعفر رأسه مليا. وجعفر واقف، ثم رفع رأسه فقال: إليّ أبا عبد الله، فأنت القريب القرابة، وذو الرّحم الواشجة «٣» السليم الناحية، القليل الغائلة «٤» . ثم صافحه بيمينه، وعانقه بشماله، وأجلسه معه على فراشه وانحرف له عن بعضه، وأقبل عليه بوجهه يحادثه ويسائله. ثم قال: يا ربيع، عجّل لأبي عبد الله كسوته وجائزته وإذنه.
قال الربيع: فلما حال الستر بيني وبينه أمسكت بثوبه، فقال: ما أرانا يا ربيع إلا وقد حبسنا. فقلت: لا عليك! هذه منّي لا منه. فقال: هذه أيسر، سل حاجتك.
فقلت له: إني منذ ثلاث أدفع عنك وأداري عليك، ورأيتك إذ دخلت همست
стр. 394
بشفتيك، ثم رأيت الأمر انجلى عنك، وأنا خادم سلطان ولا غنى لي عنه، فأحبّ منك أن تعلّمنيه. قال: نعم، قلت: «اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بحفظك الذي لا يرام، ولا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمتها عليّ قلّ لك عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بليّة ابتليت بها قللّ عندها صبري فلم تخذلني، بك أدرأ «١» في نحره، وأستعيذ بخيرك من شرّه، فإنك على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم» .
سليمان بن عبد الملك ويزيد بن راشد:
المدائني قال: لما قام يزيد بن راشد خطيبا، وكان فيمن دعا إلى خلع سليمان بن عبد الملك والبيعة لعبد العزيز بن الوليد. فنذر سليمان قطع لسانه. فلما أفضت الخلافة إليه، دخل عليه يزيد بن راشد، فجلس على طرف البساط مفكرا، ثم قال: يا أمير المؤمنين، كن كنبيّ الله ﷺ : ابتلي فصبر، وأعطي فشكر، وقدر فغفر، قال: ومن أنت؟ قال: يزيد بن راشد. فعفا عنه.
الرشيد ورجل حبسه:
حبس الرشيد رجلا، فلما طال حبسه كتب إليه: إن كل يوم يمضي من نعيمك يمضي من بؤسي مثله، والأمد قريب والحكم لله، فأطلقه.
أسد القسري ودهقان يعذب:
ومر أسد بن عبد الله القسريّ وهو والي خراسان، بدار من دور الاستخراج، ودهقان «٢» يعذّب في حبسه، وحول أسد مساكين يستجدونه. فأمر لهم بدراهم تقسم فيهم. فقال الدهقان: يا أسد، إن كنت تعطي من يرحم فارحم من يظلم فإن السموات تنفرج لدعوة المظلوم. يا أسد، أحذر من ليس له ناصر إلا الله، واتق من
стр. 395
لا جنّة «١» له إلا الابتهال إلى الله. إن الظلم مصرعه وخيم، فلا يغترّ بإبطاء الغياث من ناصر متى شاء أن يجيب أجاب، وقد أملى لقوم ليزدادوا إثما. فأمر أسد بالكفّ عنه.
المأمون ورجل من خاصته:
عتب المأمون على رجل من خاصّته، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قديم الحرمة، وحديث التّوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة. فقال: صدقت. ورضي عنه.
ملك من ملوك فارس وصاحب مطبخه:
وكان ملك من ملوك فارس عظيم المملكة شديد النّقمة، وكان له صاحب مطبخ، فلما قرّب إليه طعامه صاحب المطبخ سقطت نقطة من الطعام على يديه، فزوى لها الملك وجهه؛ وعلم صاحب المطبخ أنه قاتله، فكفأ الصحفة على يديه. فقال الملك: عليّ به، فلما أتاه قال له: قد علمت أن سقوط النقطة أخطأت بها يدك، فما عذرك في الثانية؟ قال: استحييت للملك أن يقتل مثلي في سني وقديم حرمتي في نقطة، فأردت أن أعظم ذنبي ليحسن به قتلي، فقال له الملك: لئن كان لطف الاعتذار ينجيك من القتل ما هو بمنجيك من العقوبة، اجلدوه مائة جلدة وخلّوه.
المأمون ومحمد بن عبد الملك:
الشيباني قال: دخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبض ضياعهم، فقال: يا أمير المؤمنين، محمد بن عبد الملك بين يديك، ربيب دولتك، وسليل نعمتك؛ وغصن من أغصان دوحتك؛ أتأذن في الكلام؟ قال: نعم قال: نستمنح الله حياطة ديننا ودنيانا، ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك؛ ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا، وفي أثرك من آثارنا، ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا. هذا مقام العائذ بفضلك، الهارب إلى كنفك وظلّك، الفقير إلى رحمتك وعدلك. ثم تكلم في حاجته، فقضاها.
стр. 396
عبيد بن أيوب والحجاج:
وقال عبيد بن أيوب، وكان يطلبه الحجاج لجناية جناها، فهرب منه وكتب إليه:
أذقني طعم النوم أو سل حقيقة ... علي فإن قامت ففصّل بنانيا «١»
خلعت فؤادي فاستطار فأصبحت ... ترامى به البيد القفار تراميا «٢»
ولم يقل أحد في هذا المعنى أحسن من قول النابغة الذبياني للنّعمان بن المنذر:
أتاني أبيت اللّعن أنك لمتني ... وتلك التي تستكّ منها المسامع
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش من أنيابها السّمّ ناقع «٣»
أكلّفتني ذنب امريء وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع «٤»
فإنّك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
وقال فيه أيضا:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أي الرجال المهذّب؟ «٥»
فإن أك مظلوما فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتب فمثلك يعتب
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّي جناية ... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب «٦»
فإنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وقال ابن الطّثرية:
فهنّي امرءا إمّا بريئا علمته ... وإما مسيئا تاب منه وأعتبا
стр. 397
وكنت كذي داء تبغّى لدائه ... طبيبا فلمّا لم يجده تطبّبا
وقال الممزّق العبدي لعمرو بن هند:
تروح وتغدو ما يحلّ وضينها ... إليك ابن ماء المزن وابن محرّق «١»
أحقا أبيت الّلعن إنّ ابن مزننا ... على غير إجرام بريقي مشرّقي
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق
فأنت عميد الناس مهما تقل نقل ... ومهما تضع من باطل لا يلحّق
وتمثل بهذه الأبيات عثمان بن عفان في كتابه إلى علي بن أبي طالب يوم الدار.
لابن الزيات يستعطف المتوكل:
وكتب محمد بن عبد الملك الزيات، لما أحسّ بالموت وهو في حبس المتوكل، برقعة إلى المتوكل، فيها:
هي السبيل فمن يوم إلى يوم ... كأنّه ما تريك العين في النّوم
لا تعجلن رويدا إنّما دول ... دنيا تنقّل من قوم إلى قوم
إنّ المنايا وإنّ أصبحت ذا فرح ... تحوم حولك حوما أيّما حوم
فلما وصلت إلى المتوكل وقرأها أمر بإطلاقه، فوجدوه ميتا.
وقال عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة للمنصور، وقد أراد عقوبة رجل: يا أمير المؤمنين، إن الانتقام عدل، والتجاوز فضل، والمتفضّل قد جاوز حدّ المنصف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضي لنفسه أوكس «٢» النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجات.
أبو مسلم وبعض قواده:
جرى بين أبي مسلم صاحب الدعوة وقائد من قواده يقال لهم شهرام، كلام، فقال
стр. 398
له قائده كلمة فيها بعض الغلظ، ثم ندم على ما كان منه، فجعل يتضرع ويتنصّل إليه. فقال له أبو مسلم: لا عليك، لسان سبق، ووهم أخطأ، إنما الغضب شيطان، وإنما جرّأتك عليّ لطول احتمالي عنك، فإن كنت للذنب متعمّدا ففقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوبا فإن العذر يسعك، وقد عفونا على كل حال. فقال: أصلح الله الأمير، إنّ عفو مثلك لا يكون غرورا. قال: أجل. قال: فإنّ عظم الذنب لا يدع قلبي يسكن. وألح في الاعتذار. فقال له أبو مسلم: عجبا لك! إنك أسأت فأحسنت، فلما أحسنت أسيء.
المأمون وأبو دلف وقد رضي عنه:
دخل أبو دلف على المأمون، وقد كان عتب عليه ثم أقاله، فقال له وقد خلا مجلسه؛ قل أبا دلف، وما عسيت أن تقول وقد رضي عنك أمير المؤمنين وغفر لك ما فعلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين.
ليالي تدني منك بالبشر مجلسي ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرّة ... إليّ بها في سالف الدهر تنظر
قال المأمون: لك بها رجوعك الى المناصحة، وإقبالك على الطاعة. ثم عاد له إلى ما كان عليه.
بين المأمون وأبي دلف:
وقال له المأمون يوما: أنت الذي تقول:
إنّي امرؤ كسرويّ الفعال ... أصيف الجبال وأشتو العراقا
ما أراك قدّمت لحقّ طاعة، ولا قضيت واجب حرمة! قال له يا أمير المؤمنين إنما هي نعمتك ونحن فيها خدمك، وما هراقة دمي في طاعتك إلا بعض ما يجب لك.
ودخل أبو دلف على المأمون. فقال: أنت الذي يقول فيك ابن جبلة:
إنّما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره
стр. 399
فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدنيا على أثره
فقال: يا أمير المؤمنين، شهادة زور، وكذب شاعر، وملق مستجد «١» ؛ ولكني الذي يقول فيه أبن أخيه:
ذريني أجوب الأرض في طلب الغنى ... فما الكرخ بالدنيا ولا الناس قاسم
الكرخ: منزل أبي دلف. وكان اسمه قاسم بن عبد الله.
المنصور ومعن بن زائدة:
وقال المنصور لمعن بن زائدة: ما أظنّ ما قيل عنك من ظلمك أهل اليمن واعتسافك عليهم إلا حقا؟ قال: كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: بلغني عنك أنك أعطيت شاعرا لبيت قاله ألف دينار. وأنشده البيت، وهو:
معن بن زائدة الذي زيدت به ... فجرا إلى فجر بنو شيبان
قال: نعم يا أمير المؤمنين، قد أعطيته ألف دينار، ولكن على قوله:
ما زلت يوم الهاشميّة معلما ... بالسيف دون خليفة الرحمن
فمنعت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كلّ مهنّد وسنان
قال: فاستحيا المنصور وجعل ينكت «٢» بالمخصرة، ثم رفع رأسه وقال: اجلس أبا الوليد.
عبد الملك وأعرابي سرق:
أتي عبد الملك بن مروان بأعرابيّ سرق، فأمر بقطع يده، فأنشأ يقول:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مكانا يشينها
ولا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها
فأبى إلا قطعه؛ فقالت أمه: يا أمير المؤمنين، واحدي وكاسبي. قال: بئس
стр. 400
الكاسب كان لك، وهذا حدّ من حدود الله. قالت: يا أمير المؤمنين، اجعله من بعض ذنوبك التي تستغفر الله منها! فعفا عنه.
تذكير الملوك بذمام متقدم
المأمون وابن أشرس:
قال ثمامة بن أشرس للمأمون لما صارت إليه الخلافة: كان لي أملان: أمل لك وأمل بك، فأمّا أملي لك فقد بلغته، وأما أملي بك فلا أدري ما يكون منك فيه.
قال: يكون أفضل ما رجوت وأمّلت. فجعله من سمّاره وخاصّته.
يزيد بن عبد الملك والأبرش:
الأصمعي قال: لما مات يزيد بن عبد الملك وصارت الخلافة إلى هشام بن عبد الملك، خرّ أصحابه سجودا، إلا الأبرش الكلبي. فقال له: يا أبرش، ما منعك أن تسجد كما سجدوا؟ قال: يا أمير المؤمنين، لأنك ذهبت عنا وتركتنا: قال: فإن ذهبت بك معي؟ قال: أو تفعل يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: فالآن طاب السجود، ثم سجد.
أبو جعفر ورجل من إخوانه يهنئه بالخلافة:
ولما صارت الخلافة إلى ابي جعفر كتب إليه رجل من إخوانه:
إنّا بطانتك الألى ... كنا نكابد ما تكابد
ونرى فنعرف بالعدا ... وة والعباد لمن تباعد
ونبيت من شفق علي ... ك ربيئة والليل هاجد «١»
هذا أوان وفاء ما ... سبقت به منك المواعد
стр. 401
لحبيب:
فوقّع أبو جعفر على كل بيت منها: صدقت صدقت. ثم دعا به وألحقه في خاصته. وقال حبيب الشاعر في هذا المعنى:
وإنّ أولى الموالي أن تواسيه ... عند السرور لمن واساك في الحزن
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في الموطن الخشن
حسن التخلص من السلطان
العباس بن سهل وعثمان بن حيان:
أبو الحسن المدائني قال: كان العباس بن سهل والي المدينة لعبد الله بن الزبير، فلما بايع الناس عبد الملك بن مروان، ولّى عثمان بن حيّان المرّي وأمره بالغلظة على أهل الظنّة «١» . فعرض يوما بذكر الفتنة وأهلها، فقال له قائل: هذا العباس بن سهل على ما فيه، كان مع الزبير وعمل له. فقال عثمان بن حيّان: ويلي! والله لأقتلنّه.
قال العبّاس: فبلغني ذلك، فتغيّبت حتى أضرّ بي التغيّب، فأتيت ناسا من جلسائه فقلت لهم: مالي أخاف وقد أمّنني عبد الملك بن مروان؟ فقالوا: والله ما يذكرك إلا تغيّظ عليك، وقلّما كلّم على طعامه في ذنب إلا انبسط، فلو تنكّرت وحضرت عشاءه وكلمته.
قال: ففعلت، وقلت على طعامه، وقد أتي بجفنة ضخمة ذات ثريد ولحم: «والله لكأني أنظر إلى جفنة حيّان بن معبد، والناس يتكاوسون «٢» عليها، وهو يطوف في حاشيته يتفقّد مصالحها، يسحب أردية الخزّ، حتى إن الحسك ليتعلق به فما يميطه «٣» ، ثم يؤتى بجفنة تهادى بين أربعة ما يستقلّون بها إلا بمشقّة وعناء، وهذا بعد ما يفرغ الناس من الطعام ويتنّحون عنه، فيأتي الحاضر من أهله، والطاريء من أشراف
стр. 402
قومه، وما بأكثرهم من حاجة إلى الطعام، وما هو إلا الفخر بالدنوّ من مائدته والمشاركة ليده.
قال: هيه! أنت رأيت ذلك؟ قلت: أجل والله. قال لي: من أنت؟ قلت: وأنا آمن؟ قال: نعم. قلت: العباس بن سهل بن سعد الأنصاري. قال: مرحبا وأهلا، أهل الشرف والحق. قال: فلقد رأيتني بعد ذلك وما بالمدينة رجل أوجه مني عنده.
فقيل له بعد ذلك: أنت رأيت حيّان بن معبد يسحب أردية الخز ويتكاوس الناس على مائدته؟ فقال: والله لقد رأيته ونزلنا ذلك الماء وغشينا وعليه عباءة ذكوانيّة، فلقد جعلنا نذوده عن رحلنا مخافة أن يسرقه.
بين المختار وسراقة:
أبو حاتم قال: حدثنا أبو عبيدة قال: أخذ سراقة بن مرداس البارقي أسيرا يوم جبّالة السّبيع، فقدّم في الأسرى إلى المختار؛ فقال سراقة:
امنن عليّ اليوم يا خير معدّ ... وخير من لبّى وصلّى وسجد
فعفا عنه المختار وخلّى سبيله.
ثم خرج مع إسحاق بن الأشعث فأتي به المختار أسيرا. فقال له: ألم أعف عنك ثم خرج مع إسحاق بن الأشعث فأتي به المختار أسيرا. فقال له: ألم أعف عنك وأمن عليك؟ أما والله لأقتلنّك. قال: لا والله لا تفعل إن شاء الله. قال: ولم؟ قال:
لأنّ أبي أخبرني أنك تفتح الشام حتى تهدم مدينة دمشق حجرا حجرا وأنا معك، ثم أنشده:
ألا أبلغ أبا إسحاق أنّا ... حملنا حملة كانت علينا
خرجنا لا نرى الضّعفاء منّا ... وكان خروجنا بطرا وحينا «١»
تراهم في مصفّهم قليلا ... وهم مثل الدّبى لما التقينا «٢»
стр. 403
فأسجح إذ قدرت فلو قدرنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا «١»
تقبّل توبة منّي فإني ... سأشكر إن جعلت النّقد دينا
قال: فخلىّ سبيله.
ثم خرج إسحاق بن الأشعث ومعه سراقة، فأخذ أسيرا وأتي به المختار، فقال:
الحمد لله الذي أمكنني منك يا عدوّ الله. هذه ثالثة. فقال سراقة: أمّا والله ما هؤلاء الذين أخذوني! فأين هم ... لا أراهم؟ إنا لما التقينا رأينا قوما عليهم ثياب بيض، وتحتهم خيل بلق «٢» تطير بين السماء والأرض.
فقال المختار خلوا سبيله ليخبر الناس.
ثم دعا لقتاله فقال:
ألا من مبلغ المختار عنّي ... بأنّ البلق دهم مصمتات «٣»
أرى عينيّ ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالتّرّهات «٤»
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا ... عليّ قتالكم حتى الممات
معن بن زائدة وبعض الأسرى:
كان معن بن زائدة قد أمر بقتل جماعة من الأسرى، فقام إليه أصغر القوم فقال له: يا معن، أتقتل الأسرى عطاشا؟ فأمر لهم بالماء؛ فلما سقوا قال: يا معن: أتقتل ضيفانك؟ فأمر معن بإطلاقهم.
عمر بن الخطاب والهرمزان:
لما أتي عمر بن الخطاب بالهرمزان أسيرا، دعاه إلى الإسلام، فأبى عليه. فأمر
стр. 404
بقتله، فلما عرض عليه السيف قال: لو أمرت لي يا أمير المؤمنين بشربة من ماء، فهو خير من قتلي على الظمأ. فأمر له بها؛ فلما صار الإناء بيده قال: أنا آمن حتى أشرب؟
قال: نعم. فألقى الإناء من يده وقال: الوفاء يا أمير المؤمنين نور أبلج. قال: لك التوقّف حتى أنظر في أمرك، ارفعا عنه السيف. فلما رفع عنه قال: الآن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله. فقال له عمر: ويحك! أسلمت خير إسلام، فما أخّرك؟ قال: خشيت يا أمير المؤمنين أن يقال إن إسلامي إنما كان جزعا من الموت. فقال عمر: إن لفارس حلوما بها استحقّت ما كانت فيه من الملك. ثم كان عمر يشاوره بعد ذلك في إخراج الجيوش إلى أرض فارس ويعمل برأيه.
الحجاج وبعض من أسر مع ابن الأشعث:
لما أتي الحجاج بالأسرى الذين خرجوا مع ابن الأشعث، أمر بقتلهم؛ فقال رجل أصلح الله الأمير، إن لي حرمة. قال: وما هي؟ قال: ذكرت في عسكر ابن الأشعث فشتمت في أبويك، فعرضت دونهما؛ فقلت: لا والله ما في نسبه مطعن، فقولوا فيه ودعوا نسبه. قال ومن يعلم ما ذكرت؟ [قال] فالتفتّ إلى أقرب الأسرى إليّ فقلت: هذا يعلمه. قال له الحجاج: ما تقول فيما يقول؟ قال: صدق- أصلح الله الأمير- وبرّ. قال: خليا عن هذا لنصرته، وعن هذا لحفظ شهادته.
روح بن حاتم وبعض المتلصصين:
عمرو بن بحر الجاحظ قال: أتي روح بن حاتم برجل كان متلصّصا في طريق الرّقاق، فأمر بقتله؛ فقال: أصلح الله الأمير، لي عندك يد بيضاء. قال: وما هي؟
قال: إنك جئت يوما إلى مجمع موالينا بني نهشل والمجلس محتفل، فلم يتحفّز لك أحد فقمت من مكاني حتى جلست فيه، ولولا محض كرمك، وشرف قدرك.
ونباهة أوّليّتك، ما ذكّرتك هذه عند مثل هذا. قال ابن حاتم: صدق، وأمر بإطلاقه وولاه تلك الناحية وضمّنه إياها.
стр. 405
ولما ظفر المأمون بأبي دلف، وكان يقطع في الجبال، أمر بضرب عنقه؛ فقال: يا أمير المؤمنين دعني أركع ركعتين. قال: افعل. فركع وحبّر أبياتا، ثم وقف بين يديه فقال:
بع بي النّاس فإنّي ... خلف ممّن تبيع
واتّخذني لك درعا ... قلصت عنه الدّرّوع «١»
وارم بي كلّ عدوّ ... فأنا السّهم السّريع
فأطلقه وولّاه تلك الناحية، فأصلحها.
معاوية وأسير من أهل العراق:
أتي معاوية يوم صفّين بأسير من أهل العراق، فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك! قال: لا تقل ذلك يا معاوية، فإنها مصيبة! قال: وأي نعمة أعظم من أن أمكنني الله من رجل قتل جماعة من أصحابي في ساعة واحدة؟ اضرب عنقه يا غلام! فقال الأسير: اللهم اشهد أن معاوية لم يقتلني فيك، ولا لأنك ترضى بقتلي: وإنما يقتلني في الغلبة على حطام هذه الدنيا؛ فإن فعل فافعل به ما هو أهله، وإن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله.
قال له: ويحك! لقد سببت فأبلغت، ودعوت فأحسنت؛ خلّيا عنه.
مصعب بن الزبير ورجل من أصحاب المختار:
أمر مصعب بن الزبير برجل من أصحاب المختار أن تضرب عنقه، فقال أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطرافك وأقول: أي ربّ، سل هذا فيم قتلني؟ قال:
أطلقوه. قال: اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض. قال: أعطوه مائة ألف. قال
стр. 406
الأسير: بأبي أنت وأمي، أشهد أن لقيس الرّقيات منها خمسين ألفا. قال: ولم؟ قال:
لقوله فيك:
إنّما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظّلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروت يخشى ولا كبرياء
يتّقي الله في الأمور وقد أف ... صلح من همه الاتّقاء
فضحك مصعب وقال: أرى فيك موضعا للصنيعة. وأمر بلزومه وأحسن إليه؛ فلم يزل معه حتى قتل.
عبد الملك ورجل أمر بقتله:
أمر عبد الملك بقتل رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أعزّ ما تكون أحوج ما تكون إلى الله. فعفا عنه.
الحجاج وأسرى من الخوارج:
أتي الحجاج بأسرى من الخوارج، فأمر بضرب أعناقهم فقدم فيهم شاب فقال:
والله يا حجاج لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو. فقال: أفّ لهذه الجيف.
ما كان فيهم من يقول مثل هذا؟ وأمسك عن القتل.
وأتي الحجاج بأسرى، فأمر بقتلهم، فقال له رجل منهم: لا جزاك الله يا حجاج عن السّنّة خيرا؛ فإن الله تعالى يقول: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
«١» . فهذا قول الله في كتابه.
وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:
وما نقتل الأسرى ولكن نفكّهم ... إذا أثقل الأعناق حمل القلائد
فقال الحجاج: ويحكم! أعجزتم أن تخبروني بما أخبرني هذا المنافق؟ وأمسك عمن بقي.
стр. 407
الحجاج وحرورية:
الهيثم بن عدي قال: أتي الحجاج بحروريّة، فقال لأصحابه: ما تقولون في هذه؟
قالوا: اقتلها. أصلح الله الأمير، ونكّل بها غيرها! فتبسّمت الحرورية. فقال لها: لم تبسّمت؟ فقالت: لقد كان وزراء أخيك فرعون خير من وزرائك يا حجاج:
استشارهم في قتل موسى فقالوا: أرجه وأخاه، وهؤلاء يأمرونك بتعجيل قتلي، فضحك الحجاج وأمر بإطلاقها.
قال معاوية ليونس الثقفي: اتق الله؛ لأطيرنّك طيرة بطيئا وقوعها، قال: أليس بي وبك المرجع إلى الله؟ قال: نعم. قال: فأستغفر الله.
ودخل رجل من بني مخزوم على عبد الملك بن مروان، وكان زبيريا، فقال له عبد الملك: أليس الله قد ردّك على عقبيك؟ قال: ومن ردّ إليك يا أمير المؤمنين فقد ردّ على عقبيه، فسكت عبد الملك وعلم أنه أخطأ.
دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك؛ فقال له سليمان: على امريء أمّرك وجرّأك وسلّطك على الأمة لعنة الله، أتظن الحجاج استقرّ في قعر جهنم أم هو يهوي فيها؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج يأتي يوم القيامة بين أخيك وأبيك، فضعه من النار حيث شئت.
قال عبيد الله بن زياد لقيس بن عباد: ما تقول فيّ وفي الحسين؟ قال: أعفني عافاك الله. قال: لا بدّ أن تقول. قال: يجيء أبوه يوم القيامة فيشفع له، ويجيء أبوك فيشفع لك.
قال: قد علمت غشّك وخبثك، لئن فارقتني يوما لأضعنّ أكثرك شعرا بالأرض.
الحجاج وابن يعمر في الحسين:
الأصمعي قال: بعث الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال له: أنت الذي تقول إنّ
стр. 408
الحسين بن علي ابن عمّ رسول الله ﷺ ابن رسول الله؟ لتأتينّي بالمخرج مما قلت أو لأضربنّ عنقك! فقال له ابن يعمر: وإن جئت بالمخرج فأنا آمن؟ قال: نعم. قال:
اقرأ: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى
«١» فمن أبعد «٢» : عيسى من إبراهيم، أو الحسين من محمد ﷺ ؟
وإنما هو ابن بنته، فقال له الحجاج: والله لكأني ما قرأت هذه الآية قط، وولاه قضاء بلده، فلم يزل بها قاضيا حتى مات.
الحجاج وابن أبي ليلى:
أبو بكر ابن شيبة بإسناده قال: دخل عبد الرحمن بن أبي ليلى على الحجاج، فقال لجلسائه: إن أردتم أن تنظروا إلى رجل يسبّ أمير المؤمنين عثمان بن عفان فهذا عندكم، يعني عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: معاذ الله أيها الأمير أن أكون أسبّ أمير المؤمنين، إنه ليحجزني عن ذلك ثلاث آيات في كتاب الله: قال الله تعالى:
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
«٣» فكان عثمان منهم. ثم قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
«٤» فكان أبي منهم. ثم قال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
«٥» فكنت أنا منهم. فقال: صدقت.
стр. 409
الحجاج وعاصم بن أبي وائل:
أبو عوانة عن عاصم بن أبي وائل قال: بعث إليّ الحجاج فقال لي: ما اسمك؟
قلت: ما أرسل إليّ الأمير حتى عرف اسمي! قال: متى هبطت هذا البلد؟ قلت:
حين هبط أهله. قال: ما تقرأ من القرآن؟ قلت: أقرأ منه ما إذا تبعته كفاني. قال:
إني أريد أن أستعين بك في عملي. قلت: إن تستعين بي تستعن بكبير أخرق «١» ، ضعيف يخاف أعوان السوء؛ وإن تدعني فهو أحبّ إليّ، وإن تقحمني أتقحّم. قال:
إن لم أجد غيرك أقحمتك، وإن وجدت غيرك لم أقحمك. قلت؛ وأخرى أكرم الله الأمير: إني ما علمت الناس هابوا أميرا قط هيبتهم لك والله إني لأتعارّ «٢» من الليل فما يأتيني النوم من ذكرك حتى أصبح؛ هذا ولست لك على عمل. قال: هيه! كيف قلت؟ فأعدت عليه؛ فقال: إني والله لا أعلم على وجه الأرض خلقا هو أجرأ على دم مني، انصرف. قال: فقمت فعدلت عن الطريق كأني لا أبصر؛ فقال: أرشدوا الشيخ.
الحجاج وأسرى الجماجم:
لما أتي الحجاج بأسرى الجماجم، أتي فيهم بعامر الشّعبي، ومطرّف بن عبد الله الشّخّير وسعيد بن جبير، وكان الشعبي ومطرّف يريان التّقيّة، وكان سعيد بن جبير لا يراها، وكان قد تقدم كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج في أسرى الجماجم، أن يعرضهم على السيف. فمن أقرّ منهم بالكفر في خروجهم علينا فيخلّي سبيله، ومن زعم أنه مؤمن فيضرب عنقه. فقال الحجاج للشعبي: وأنت ممن ألّب علينا مع ابن الأشعث؟ اشهد على نفسك بالكفر. فقال: أصلح الله الأمير، نبا «٣» بنا المنزل، وأحزن بنا الجناب، واستحلسنا «٤» الخوف، واكتحلنا السهر، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء. قال: لله أبوك! لقد صدقت: ما بررتم بخروجكم علينا ولا قويتم، خلّوا سبيل الشيخ.
стр. 410
ثم قال للمطرّف: أتقر على نفسك بالكفر؟ قال: أصلح الله الأمير، إن من شق العصا، وسفك الدماء، ونكث البيعة، وفارق الجماعة، وأخاف المسلمين لجدير بالكفر. فخلّى سبيله.
ثم قال لسعيد بن جبير: أتقرّ على نفسك بالكفر؟ قال: ما كفرت منذ آمنت بالله. فضرب عنقه.
ثم استعرض الأسرى، فمن أقرّ بالكفر خلّى سبيله، ومن أبى قتله، حتى أتي بشيخ وشاب، فقال للشاب: أكافر أنت؟ قال: نعم، قال: لكن الشيخ لا يرضى بالكفر. فقال له الشيخ: أعن نفسي تخادعني يا حجاج؟ والله لو علمت أعظم من الكفر لقلته. فضحك الحجاج وخلّى سبيله.
فلما مات الحجاج وقام سليمان، قال الفرزدق:
لئن نفّر الحجّاج آل معتّب ... لقوا دولة كان العدوّ يدالها
لقد أصبح الأحياء منهم أذلة ... وموتاهم في النّار كلحا سبالها «١»
وكانوا يرون الدائرات بغيرهم ... فصار عليهم بالعذاب انفتالها
ألكني إلى من كان بالصّين أو رمى ... به الهند ألواح عليها جلالها «٢»
هلمّ إلى الإسلام والعدل عندنا ... فقدمات عن أهل العراق خبالها «٣»
سليمان بن عبد الملك وابن الرقاع:
لما ولي سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالأردن: اجمع يدي عديّ بن الرقاع إلى عنقه، وابعث به إليّ على قتب بلا وطاء، ووكّل به من ينخس به ففعل ذلك.
فلما انتهى إلى سليمان بن عبد الملك ألقى بين يده إلقاء لا روح فيه، فتركه حتى ارتدّ إليه روحه، ثم قال له: أنت أهل لما نزل بك. ألست القائل في الوليد:
стр. 411
معاذ ربّي أن نبقى ونفقده ... وأن نكون لراع بعده تبعا
قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما هكذا قلت، وإنما قلت:
معاذ ربّي أن نبقى ونفقدهم ... وأن نكون لراع بعدهم تبعا
فنظر إليه سليمان واستضحك، فأمر له بصلة وخلّى سبيله.
شريك والربيع بين يدي المهدي:
العتبي قال: كان بين شريك القاضي والربيع حاجب المهدي، معارضة؛ فكان الربيع يحمل عليه المهديّ فلا يلتفت إليه، حتى رأى المهديّ في منامه شريكا القاضي مصروفا وجهه عنه، فلما استيقظ من نومه دعا الربيع وقصّ عليه رؤياه. فقال: يا أمير المؤمنين، إن شريكا مخالف لك وإنه فاطميّ محض. قال المهدي: عليّ به؛ فلما دخل عليه قال له: يا شريك، بلغني أنك فاطميّ. قال له شريك: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تكون غير فاطمي، إلا أن تعني فاطمة بنت كسري. قال: ولكني أعني فاطمة بنت محمد ﷺ . قال: أفتلعنها يا أمير المؤمنين؟ قال: معاذ الله! قال: فماذا تقول فيمن يلعنها؟ قال: عليه لعنة الله. قال: فالعن هذا- يعني الربيع- فإنه يلعنها، فعليه لعنة الله. قال الربيع: لا والله يا أمير المؤمنين، ما ألعنها. قال له شريك: يا ماجن، فما ذكرك لسيدة نساء العالمين وابنة سيّد المرسلين في مجالس الرجال؟ قال المهدي: دعني من هذا، فإني رأيتك في منامي كأنّ وجهك مصروف عنّي وقفاك إليّ، وما ذلك إلا بخلافك عليّ، ورأيت في منامني كأني أقتل زنديقا. قال شريك:
إن رؤياك يا أمير المؤمنين ليست برؤيا يوسف الصّدّيق صلوات الله على محمد وعليه، وإن الدماء لا تستحل بالأحلام، وإنّ علامة الزندقة بيّنة. قال: وما هي؟ قال:
شرب الخمر، والرّشا في الحكم، ومهر البغيّ. قال: صدقت والله أبا عبد الله! أنت والله خير من الذي حملني عليك.
ودخل شريك القاضي على المهديّ، فقال له الربيع: خنت مال الله ومال أمير المؤمنين. قال: لو كان ذلك لأتاك سهمك.
стр. 412
الحجاج وجامع المحاربي:
العتبي قال: دخل جامع المحاربي على الحجاج- وكان جامع شيخا صالحا خطيبا لبيبا جريئا على السلطان وهو الذي قال للحجاج إذ بنى مدينة واسط بنيتها في غير بلدك، وتورثها غير ولدك- فجعل الحجاج يشكو سوء طاعة أهل العراق وقبح مذهبهم. فقال له جامع: أما إنه لو أحبّوك لأطاعوك، على أنهم ما شنئوك لنسبك، ولا لبلدك، ولا لذات نفسك؛ فدع عنك ما يبعدهم منك إلى ما يقرّبهم إليك، والتمس العافية ممن دونك، تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك. قال الحجاج: ما أرى أن أردّ بني الّلكيعة «١» إلى طاعتي إلا بالسيف. قال: أيها الأمير، إنّ السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار. قال الحجاج:
الخيار يومئذ لله. قال: أجل، ولكنك لا تدري لمن يجعله الله. فغضب وقال: يا هناه «٢» ، إنك من محارب. فقال جامع:
وللحرب سمّينا وكنّا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطّعن أحمرا
فقال الحجاج: والله لقد هممت بأن أخلع لسانك فأضرب به وجهك. قال جامع:
إن صدقناك أغضبناك، وإن غششناك أغضبنا الله فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله. قال: أجل، وسكن. وشغل الحجاج ببعض الأمر، فانسل جامع، فمرّ بين الصفوف من أهل الشام حتى جاوزها إلى صفوف العراق، فأبصر كبكبة «٣» فيها جماعة من بكر العراق، وقيس العراق. وتميم العراق، وأزد العراق؛ فلما رأوه اشرأبّوا «٤» إليه وقالوا له: ما عندك دفع الله عنك؟ قال: ويحكم! عمّوه بالخلع كما يعمكم بالعداوة، ودعوا التعادي ما عاداكم؛ فإذا ظفرتم تراجعتم وتعاديتم. أيها التميمي، هو أعدي لك من الأزديّ، أيها القيسيّ هو أعدى لك من التّغلبيّ. وهل ظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن بقي معه منكم.
وهرب جامع من فوره ذلك إلى الشام، واستجار بزفر بن الحارث فأجاره.
стр. 413
الرشيد ومسلم بن الوليد وابن أبي شيخ:
العتبي قال كان هارون الرشيد يقتل أولاد فاطمة وشيعتهم. وكان مسلم بن الوليد، صريع الغواني، قد رمي عنده بالتّشيّع، فأمر بطلبه، فهرب منه، ثم أمر بطلب أنس بن شيخ كاتب البرامكة فهرب منه، ثم وجد هو ومسلم بن الوليد عند قينة ببغداد فلما أتي بهما قيل له: يا أمير المؤمنين، قد أتي بالرجلين. قال: أيّ الرجلين؟ قيل: أنس بن أبي شيخ، ومسلم بن الوليد. فقال: الحمد لله الذي أظفرني بهما! يا غلام. أحضرهما. فلما دخلا عليه نظر إلى مسلم وقد تغيّر لونه؛ فرقّ له وقال:
إيه يا مسلم، أنت القائل:
أنس الهوى ببني عليّ والحشا ... وأراه يطمح عن بني العباس
قال: بل أنا الذي أقول يا أمير المؤمنين:
أنس الهوى ببني العمومة في الحشا ... مستوحشا من سائر الإيناس
وإذا تكاملت الفضائل كنتم ... أولى بذلك يا بني العباس
قال: فعجب هارون من سرعة بديهته، وقال له بعض جلسائه: استبقه يا أمير المؤمنين فإنه من أشعر الناس، وامتحنه فسترى منه عجبا. فقال له: قل شيئا في أنس. فقال: يا أمير المؤمنين، أفرخ روعي «١» ، أفرخ الله روعك يوم الحاجة إلى ذلك، فإني لم أدخل على خليفة قط. ثم أنشأ يقول:
تلمّظ السيف من شوق إلى أنس ... فالموت يلحظ والأقدار تنتظر «٢»
فليس يبلغ منه ما يؤمّله ... حتى يؤامر فيه رأيك القدر
أمضى من الموت يعفو عند قدرته ... وليس للموت عفو حين يقتدر
قال: فأجلسه هارون وراء ظهره، لئلا يرى ما همّ به، حتى إذا فرغ من قتل أنس قال له: أنشدني أشعر شعر لك. فكلما فرغ من قصيدة قال له زد؛ حتى قال له
стр. 414
أنشدني التي تقول فيها «الوحل» فإني رويتها وأنا صغير. فأنشده شعره الذي أوله:
أديرا عليّ الرّاح لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي «١»
حتى انهى إلى قوله:
إذا ما علت منا ذؤابة شارب ... تمشّت به مشي المقيّد في الوحل
فضحك هارون وقال: ويحك يا مسلم! أما رضيت أن قيدته حتى يمشي في الوحل! ثم أمر له بجائزة وخلّى سبيله.
بين كسري ويوشت بعد مقتل الفلهذ:
قال كسري ليوشت المغني- وقد قتل الفلهذ تلميذه-: كنت أستريح منك إليه ومنه إليك، فأذهب حسدك ونغل «٢» صدرك شطر تمتّعي، وأمر أن يطرح تحت أرجل الفيلة. فقال: أيها الملك، إذا كنت أنا قد أذهبت شطر تمتّعك وأذهبت أنت الشطر الآخر، أليس جنايتك على نفسك مثل جنايتي عليك؟ قال كسري: دعوه؛ فما دلّه على هذا الكلام إلا ما جعل له من طول المدة.
الرشيد ويعقوب ابن صالح:
يعقوب بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، قال: دخلت يوما على الرشيد أمير المؤمنين وهو متغيّظ متّربّد «٣» ، فندمت على دخولي عليه، وقد كنت أفهم غضبه في وجهه، فسلّمت فلم يردّ؛ فقلت: داهية نآد «٤» . ثم أومأ إليّ فجلست. فالتفت إليّ وقال: لله عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فلقد نطق بالحكمة حيث يقول:
يا أيّها الزّاجري عن شيمتي سفها ... عمدا عصيت مقام الزاجر النّاهي
стр. 415
أقصر فإنك من قوم أرومتهم ... في اللؤم فافخر بهم ما شئت أو باهي
يزين الشّعر أفواها إذا نطقت ... بالشّعر يوما وقد يزري بأفواه
قد يرزق المرء لا من فضل حيلته ... ويصرف الرّزق عن ذي الحيلة الدّاهي
لقد عجبت لقوم لا أصول لهم ... أثروا وليسوا وإن أثروا بأشباه
ما نالني من غنى يوما ولا عدم ... إلّا وقولي عليه «الحمد لله»
فقلت: يا أمير المؤمنين، ومن ذا الذي بلغت عليه المقدرة أن يسامي مثلك أو يدانيه؟ قال: لعله من بني أبيك وأمك.
توسط مسلمة بين هشام والكميت:
كان الكميت بن زيد يمدح بني هاشم ويعرّض ببني أمية، فطلبه هشام فهرب منه عشرين سنة، لا يستقرّ به القرار من خوف هشام، وكان مسلمة بن عبد الملك له على هشام حاجة في كلّ يوم يقضيها له ولا يردّه فيها. فلما خرج مسلمة بن عبد الملك يوما إلى بعض صيوده، أتى الناس يسلّمون عليه، وأتاه الكميت بن زيد فيمن أتى، فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
قف بالدّيار وقوف زائر ... وتأنّ إنّك غير صاغر
حتى انتهى إلى قوله:
يا مسلم بن أبي الولي ... د لميّت إن شئت ناشر «١»
علقت حبالي من حبا ... لك ذمّة الجار المجاور
فالآن صرت إلى أمّي ... ة والأمور إلى المصاير
والآن كنت به المصي ... ب كمهتد بالأمس حائر
فقال مسلمة: سبحان الله! من هذا الهندكيّ الجلحاب «٢» ، الذي أقبل من
стр. 416
أخريات الناس فبدأ بالسلام، ثم أما بعد، ثم الشعر؟ قيل له: هذا الكميت ابن زيد.
فأعجب به لفصاحته وبلاغته. فسأله مسلمة عن خبره وما كان فيه طول عيبته. فذكر له سخط أمير المؤمنين عليه؛ فضمن له مسلمة أمانه، وتوجه به حتى أدخله على هشام، وهشام لا يعرفه. فقال الكميت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، الحمد لله- قال هشام: نعم، الحمد لله، يا هذا- قال الكميت: مبتديء الحمد ومبتدعه، الذي خص بالحمد نفسه، وأمر به ملائكته، وجعله فاتحة كتابه، ومنتهى شكره، وكلام أهل جنته؛ أحمده حمد من علم يقينا، وأبصر مستبينا؛ وأشهد له بما شهد به لنفسه قائما بالقسط، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده العربيّ، ورسوله الأميّ، أرسله والناس في هبوات «١» حيرة، ومدلهمّات ظلمة، عند استمرار أبهة الضلال، فبلّغ عن الله ما أمر به، ونصح لامته، وجاهد في سبيله، وعبد ربّه حتى أتاه اليقين، ﷺ .
«ثم إني يا أمير المؤمنين تهت في حيرة، وحرت في سكرة، ادلأمّ «٢» بي خطرها، وأهاب بي داعيها، وأجابني غاويها؛ فاقطوطيت «٣» إلى الضلالة، وتسكّعت في الظّلمة والجهالة، حائرا عن الحق، قائلا بغير صدق. فهذا مقام العائذ، ومنطق التائب، ومبصر الهدى بعد قول العمى، ثم يا أمير المؤمنين، كم من عاثر أقلتم عثرته، ومجترم عفوتم عن جرمه.
فقال له هشام وأيقن أنه الكميت: ويحك! من سنّ لك الغواية وأهاب بك في العماية؟
قال: «الذي أخرج أبي آدم من الجنة فنسي ولم يجد له عزما. وأمير المؤمنين كريح رحمة أثارت سحابا متفرّقا، فلفقت بعضه إلى بعض حتى التحم فاستحكم، وهدر
стр. 417
رعده، وتلألأ برقه؛ فنزل الأرض فرويت واخضلّت واخضرت وأسقيت، فروي ظمآتها، وامتلأ عطشانها. فكذلك نعدّك أنت يا أمير المؤمنين أضاء الله بك الظلمة الداجية بعد العموس «١» فيها، وحقن بك دماء قوم أشعر خوفك قلوبهم، فهم يبكون لما يعلمون من حزمك وبصيرتك، وقد علموا أنك الحرب وابن الحرب، إذا احمرّت الحدق، وعضّت المغافر بالهام «٢» . عزّ بأسك، واستربط جأشك، مسعار هتّاف، وكافّ بصير بالأعداء، مغري الخيل بالنّكراء، مستغن برأيه عن رأي ذوي الألباب، برأي أريب، وحلم مصيب. فأطال الله لأمير المؤمنين البقاء، وتمّم عليه النعماء. ودفع به الأعداء.
فرضي عنه هشام وأمر له بجائزة.
خلاص ابن هبيرة من خالد القسري:
العتبي قال: لما أتي بابن هبيرة إلى خالد بن عبد الله القسري وهو والي العراق، أتي به مغلولا مقيّدا في مدرعة. فلما صار بين يدي خالد ألقته الرجال إلى الأرض، فقال: أيها الأمير، إن القوم الذين أنعموا عليك بهذه النعمة قد أنعموا بها على من قبلك، فأنشدك الله أن تستنّ فيّ بسنّة يستنّ بها فيك من بعدك، فأمر به إلى الحبس.
فأمر ابن هبيرة غلمانه فحفروا له تحت الأرض سردابا حتى خرج الحفر تحت سريره، ثم خرج منه ليلا وقد أعدّت له أفراس يداولها، حتى، أتى مسلمة بن عبد الملك، فاستجار به فأجاره، واستوهبه مسلمة من هشام بن عبد الملك، فوهبه إياه.
فلما قدم خالد بن عبد الله القسريّ على هشام، وجد عنده ابن هبيرة، فقال له:
إباق العبد أبقت «٣» . قال له: حين نمت نومة الأمة. فقلل الفرزدق في ذلك:
لمّا رأيت الأرض قد سدّ ظهرها ... فلم يبق إلا بطنها لك مخرجا
стр. 418
دعوت الّذي ناداه يونس بعدما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرّجا
فأصبحت تحت الأرض قد سرت ليلة ... وما سار سار مثلها حين أدلجا «١»
خرجت ولم تمنن عليك شفاعة ... سوى حثّك التّقريب من آل أعجوجا
ودخل الناس على ابن هبيرة بعد ما أمّنه هشام بن عبد الملك يهنئونه ويحمدون له رأيه، فقال متمثلا:
من يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما
ثم قال لهم: ما كان قولكم لو عرض لي أو أدركت في طريقي؟
ومثل هذا قول القطامي:
والنّاس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي ولأمّ المخطيء الهبل «٢»
لخصي مسلمة عن خلاص ابن هبيرة:
عبد الله بن سوّار قال: قال لي الربيع الحاجب: أتحب أن تسمع حديث ابن هبيرة مع مسلمة؟ قلت: نعم. قال: فأرسل لخصيّ كان لمسلمة يقوم على وضوئه فجاءه.
فقال: حدّثنا حديث ابن هبيرة مع مسلمة. قال: كان مسلمة بن عبد الملك يقوم من الليل فيتوضّأ ويتنفّل حتى يصبح، فدخل على أمير المؤمنين؛ فإني لأصبّ الماء على يديه من آخر الليل وهو يتوضأ؛ إذ صاح صائح من وراء الرّواق: أنا بالله وبالأمير.
فقال مسلمة: صوت ابن هبيرة! اخرج إليه. فخرجت إليه ورجعت فأخبرته. فقال:
أدخله. فدخل فإذا رجل يميد نعاسا، فقال: أنا بالله وبالأمير. قال: أنا بالله وأنت بالله. ثم قال: أنا بالله وبالأمير. قال: أنا بالله وأنت بالله. حتى قالها ثلاثا ثم قال: أنا بالله. فسكت عنه ثم قال لي: انطلق به فوضّئه وليصلّ، ثم اعرض عليه أحبّ الطعام إليه فأته به، وافرش له في تلك الصّفّة- لصفّة بين يدي بيوت النساء- ولا توقظه حتى يقوم متى قام. فانطلقت به فتوضأ وصلّى، وعرضت عليه الطعام فقال: شربة
стр. 419
سويق «١» ، فشرب. وفرشت له فنام. وجئت إلى مسلمة فأعلمته. فغدا إلى هشام فجلس عنده، حتى إذا حان قيامه قال: يا أمير المؤمنين، لي حاجة. قال: قضيت، إلا أن تكون في ابن هبيرة. قال: رضيت يا أمير المؤمنين. ثم قام منصرفا؛ حتى إذا كاد أن يخرج من الإيوان. رجع فقال: يا أمير المؤمنين ما عوّدتني أن تستثني في حاجة من حوائجي؛ وإني أكره أن يتحدّث الناس أنك أحدثت عليّ الاستثناء. قال: لا أستثني عليك. قال: فهو ابن هبيرة فعفا عنه.
فضيلة العفو الترغيب
المأمون وصاحب وضوئه:
كان للمأمون خادم، وهو صاحب وضوئه. فبينما هو يصب الماء على يديه إذ سقط الإناء من يده، فاغتاظ المأمون عليه. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول:
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
«٢» . قال: قد كظمت غيظي عنك. قال: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
«٣» . قال: قد عفوت عنك. قال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
«٤» . قال: اذهب فأنت حر.
ابن حيوة وعمر ابن عبد العزيز في رجل عوقب:
أمر عمر بن عبد العزيز بعقوبة رجل، فقال له رجاء بن حيوة يا أمير المؤمنين، إن الله قد فعل ما تحبّ من الظّفر؛ فافعل ما يحبّه من العفو.
عبد الله بن علي وعبد الله بن حسن في قتل بني أمية:
الأصمعي قال: عزم عبد الله بن عليّ على قتل بني أمية بالحجاز. فقال له عبد الله ابن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، ﵃: إذا أسرعت بالقتل في أكفائك فمن تباهي بسلطانك؟ فاعف يعف الله عنك.
стр. 420
ابن خريم والمهدي:
دخل ابن خريم على المهدي، وقد عتب على بعض أهل الشام وأراد أن يغزيهم جيشا، فقال يا أمير المؤمنين، عليك بالعفو عن الذنب، والتجاوز عن المسيء، فلأن تطيعك العرب طاعة محبّة، خير لك من أن تطيعك طاعة خوف.
المهدي وابن السّماك في رجل أمر بضرب عنقه:
أمر المهدي بضرب عنق رجل، فقام إليه ابن السماك فقال: إن هذا الرجل لا يجب عليه ضرب العنق. قال: فما يجب عليه؟ قال: تعفو عنه، فإن كان من أجر كان لك دوني، وإن كان من وزر كان عليّ دونك. فخلّى سبيله.
الشعبي وابن هبيرة في محبوسين:
كلّم الشعبيّ ابن هبيرة في قوم حبسهم فقال: إن كنت حبستهم بباطل فالحقّ يطلقهم، وإن كنت حبستهم بحقّ فالعفو يسعهم.
أبو سفيان وحيّان من قريش بينهما دماء:
العتبي قال: وقعت دماء بين حيّين من قريش، فأقبل أبو سفيان؛ فما بقي أحد واضع رأيه إلا رفعه. فقال: يا معشر قريش، هل لكم في الحق أو فيما هو أفضل من الحق؟ قالوا: وهل شيء أفضل من الحق؟ قال: نعم، العفو. فتهادن القوم واصطلحوا.
وقال هزيم بن أبي طحمة ليزيد بن عاتكة بعد ظفره بيزيد بن المهلب: ما ظلم أحد ظلمك، ولا نصر نصرك؛ فهل لك في الثالثة نقلها؟ قال: وما هي؟ قال: ولا عفا عفوك.
стр. 421
أبو جعفر وابن فضالة في رجل معاقب:
وقال المبارك بن فضالة: كنت عند أبي جعفر جالسا في السّماط، إذ أمر برجل أن يقتل؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة مناد بين يدي الله: ألا من كانت له عند الله يد فليتقدّم فلا يتقدم إلا من عفا عن مذنب.
فأمر بإطلاقه.
وقال الأحنف بن قيس: أحقّ الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة.
وقال النبي ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب.
وتقول العرب في أمثالها: ملكت فأسجح. وارحم ترحم. وكما تدين تدان. ومن بر يوما برّ به.
بعد الهمة وشرف النفس
دخل نافع بن جبير بن مطعم على الوليد، وعليه كساء غليظ، وخفّان جاسيان «١» ، فسلّم وجلس، فلم يعرفه الوليد؛ فقال لخادم بين يديه: سلّ هذا الشيخ من هو. فسأله، فقال له: اعزب «٢» . فعاد إلى الوليد فأخبره. فقال: عد إليه واسأله، فعاد اليه، فقال له مثل ذلك. فضحك الوليد وقال له: من أنت؟ قال: نافع بن جبير ابن مطعم.
وقال زياد بن ظبيان لابنه عبيد الله: ألا أوصي بك الأمير زيادا؟ قال: يا أبت، إذا لم يكن للحيّ إلا وصية المّيت فالحيّ هو الميّت.
وقال معاوية لعمرو بن سعيد: الى من أوصي بك أبوك؟ قال: إن أبي أوصى إليّ ولم يوص بي! قال وبم أوصى إليك؟ قال: ألّا يفقد إخوانه منه إلا وجهه.
وقال مالك بن مسمع لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما في كنانني سهم أنا به أوثق مني بك. قال: وإني لفي كنانتك: أما والله لئن كنت فيها قائما لأطولنّها ولئن كنت فيها قاعدا لأخرقنّها. قال: كثّر الله مثلك في العشيرة. قال: لقد سألت الله شططا.
стр. 422
وقال يزيد بن المهلّب: ما رأيت أشرف نفسا من الفرزدق، هجاني ملكا ومدحني سوقة.
وقدم عبيد الله بن زياد بن ظبيان على عتّاب بن ورقاء الرّياحي وهو والي خراسان، فأعطاه عشرين ألفا؛ فقال له: والله ما أحسنت فأحمدك، ولا أسأت فألومك؛ وإنك لأقرب البعداء، وأحبّ البغضاء.
وعبيد الله بن زياد بن ظبيان هذا هو القائل: والله ما ندمت على شيء قط ندمي على عبد الملك بن مروان، إذ أتيته برأس مصعب بن الزبير فخرّ لله ساجدا ألّا أكون قد ضربت عنقه فأكون قد قتلت ملكين من ملوك العرب في يوم واحد.
من همة ابن علفة:
ومن أشرف الناس همة عقيل بن علّفة المرّيّ؛ وكان أعرابيا يسكن البادية وكان يصهر إليه الخلفاء، وخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته لأحد أولاده فقال له جنّبني هجناء «١» ولدك.
عمر بن عبد العزيز وعقيل بن علفة:
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل من بني أمية كان له أخوال في بني مرة. قبح الله شبها غلب عليك من بني مرة. فبلغ ذلك عقيل بن علّفة، فأقبل إليه فقال له قبل أن يبتدئه بالسلام: بلغني يا أمير المؤمنين أنك غضبت على رجل من بني عمك له أخوال في بني مرة، فقلت: قبح الله شبها غلب عليك من بني مرة! وأنا أقول: قبح الله ألأم الطّرفين، ثم انصرف.
فقال عمر بن عبد العزيز: من رأى أعجب من هذا الشيخ الذي أقبل من البادية ليست له حاجة إلا شتمنا ثم انصرف؟ فقال له رجل من بني مرة: والله يا أمير المؤمنين ما شتمك، وما شتم إلا نفسه، نحن والله ألأم الطرفين.
стр. 423
من غيرة عقيل:
أبو حاتم السّجستاني عن محمد بن العتبي بن عبد الله، قال: سمعت أبي يحدّث عن أبي عمرو المرّي، قال: بنو عقيل بن علّفة بن مرة بن غطفان يتنقّلون وينتجعون الغيث فسمع عقيل بن علّفة بنتا له ضحكت فشهقت في آخر ضحكها! فاخترط السيف وحمل عليها وهو يقول:
فرقت إنّي رجل فروق ... لضحكة آخرها شهيق
وقال عقيل:
إني وإن سيق إليّ المهر ... ألف وعبدان وذود عشر «١»
أحبّ أصهاري إليّ القبر
وقال الأصمعي: كان عقيل بن علّفة المريّ رجلا غيورا؛ وكان يصهر إليه الخلفاء، وإذا خرج يمتار «٢» خرج بابنته الجرباء معه، قال: فنزلوا ديرا من ديرة الشام، يقال له دير سعد، فلما ارتحلوا قال عقيل:
قضت وطرا من دير سعد وطالما ... على عرض ناطحنه بالجماجم
ثم قال لابنه: يا عملس أجز. فقال:
فأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم «٣»
ثم قال لابنته: يا جرباء أجيزي. فقالت:
كأنّ الكرى أسقاهم صرخدية ... عقارا تمشّى في المطا والقوائم «٤»
قال: وما يدريك أنت ما نعت الخمر؟ فأخذ السيف وهوى نحوها؛ فاستعانت بأخيها عملس، فحال بينه وبينها، قال: فأراد أن يضربه، قال: فرماه [عملس]
стр. 424
بسهم فاختلّ «١» فخذيه فبرك، ومضوا وتركوه، حتى إذا بلغوا أدنى ماء للأعراب، قالوا لهم: إنا أسقطنا جزورا فأدركوها وخذوا معكم الماء. ففعلوا، فإذا عقيل بارك وهو يقول:
إنّ بنّي زمّلوني بالدّم ... شنشنة أعرفها من أخزم
من يلق أبطال الرجال يكلم
والشنشنة الطبيعة. وأخزم فحل معروف. وهذا مثل للعرب.
الأوس والخزرج:
ومن أعزّ الناس نفسا وأشرفهم همما: الأنصار، وهم الأوس والخزرج ابنا قيلة، لم يؤدّوا إتاوة قطّ في الجاهلية إلى أحد من الملوك، وكتب إليهم تبّع يدعوهم إلى طاعته ويتوعّدهم إن لم يفعلوا؛ فكتبوا إليه:
العبد تبّع كم يروم قتالنا ... ومكانه بالمنزل المتذلّل
إنّا أناس لا ينام بأرضنا ... عض الرسول ببظر أمّ المرسل
فغزاهم تبّع أبو كرب، فكانوا يقاتلونه نهارا ويخرجون إليه القرى ليلا، فتذمّم من قتالهم ورحل عنهم.
ودخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك، فقال له: من أنت؟ وتجهّم له كأنه لا يعرفه. فقال له الفرزدق: وما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: أنا من قوم منهم أوفى العرب، وأسود العرب، وأجود العرب، وأحلم العرب، وأفرس العرب، وأشعر العرب. قال: والله لتبيننّ ما قلت أو لأوجعن ظهرك ولأهدمن دارك.
قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ أما أوفى العرب فحاجب بن زرارة الذي رهن قوسه عن جميع العرب فوفى بها، وأما أسود العرب فقيس بن عاصم الذي وفد على رسول
стр. 425
الله ﷺ فبسط له رداءه وقال: هذا سيّد الوبر. وأما أحلم العرب فعتّاب بن ورقاء الرّياحي. وأما أفرس العرب فالحريش بن هلال السّعديّ، وأما أشعر العرب فهأنذا بين يديك يا أمير المؤمنين.
فاغتّم سليمان مما سمع من فخره ولم ينكره، وقال ارجع على عقبيك، فما لك عندنا شيء من خير. فرجع الفرزدق وقال:
أتيناك لا من حاجة عرضت لنا ... إليك، ولا من قلّة في مجاشع
وقال الفرزدق في الفخر:
بنو دارم قومي ترى حجزاتهم ... عتاقا حواشيها رقاقا نعالها «١»
يجرّون هدّاب اليمان كأنّهم ... سيوف جلا الأطباعّ عنها صقالها «٢»
وقال الأحوص في الفخر؛ وهو أفخر بيت قالته العرب:
ما من مصيبة نكبة أرمى بها ... إلا تشرّفني وترفع شاني
وإذا سألت عن الكرام وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكلّ مكان
بردا محرق وعامر بن أحيمر:
وقال أبو عبيدة: اجتمعت وفود العرب عند النّعمان بن المنذر، فأخرج إليهم بردى محرق. وقال: ليقم أعزّ العرب قبيلة فليلبسهما. فقام عامر بن أحيمر السّعدي فأتزر بأحدهما وارتدى بالآخر؛ فقال له النعمان: بم أنت أعزّ العرب؟ فقال: العز والعدد من العرب في معدّ، ثم في نزار، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة؛ فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني. فسكت الناس.
ثم قال النعمان: هذه حالك في قومك، فكيف أنت في نفسك وأهل بيتك؟ قال:
أنا أبو عشرة، وخال عشرة، وعم عشرة؛ وأما أنا في نفسي فهذا شاهدي. ثم وضع
следующие страницы →