Полный текст (2 664 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أبو جعفر وابن فضالة في رجل معاقب:
وقال المبارك بن فضالة: كنت عند أبي جعفر جالسا في السّماط، إذ أمر برجل أن يقتل؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة مناد بين يدي الله: ألا من كانت له عند الله يد فليتقدّم فلا يتقدم إلا من عفا عن مذنب.
فأمر بإطلاقه.
وقال الأحنف بن قيس: أحقّ الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة.
وقال النبي ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب.
وتقول العرب في أمثالها: ملكت فأسجح. وارحم ترحم. وكما تدين تدان. ومن بر يوما برّ به.
بعد الهمة وشرف النفس
دخل نافع بن جبير بن مطعم على الوليد، وعليه كساء غليظ، وخفّان جاسيان «١» ، فسلّم وجلس، فلم يعرفه الوليد؛ فقال لخادم بين يديه: سلّ هذا الشيخ من هو. فسأله، فقال له: اعزب «٢» . فعاد إلى الوليد فأخبره. فقال: عد إليه واسأله، فعاد اليه، فقال له مثل ذلك. فضحك الوليد وقال له: من أنت؟ قال: نافع بن جبير ابن مطعم.
وقال زياد بن ظبيان لابنه عبيد الله: ألا أوصي بك الأمير زيادا؟ قال: يا أبت، إذا لم يكن للحيّ إلا وصية المّيت فالحيّ هو الميّت.
وقال معاوية لعمرو بن سعيد: الى من أوصي بك أبوك؟ قال: إن أبي أوصى إليّ ولم يوص بي! قال وبم أوصى إليك؟ قال: ألّا يفقد إخوانه منه إلا وجهه.
وقال مالك بن مسمع لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما في كنانني سهم أنا به أوثق مني بك. قال: وإني لفي كنانتك: أما والله لئن كنت فيها قائما لأطولنّها ولئن كنت فيها قاعدا لأخرقنّها. قال: كثّر الله مثلك في العشيرة. قال: لقد سألت الله شططا.
стр. 422
وقال يزيد بن المهلّب: ما رأيت أشرف نفسا من الفرزدق، هجاني ملكا ومدحني سوقة.
وقدم عبيد الله بن زياد بن ظبيان على عتّاب بن ورقاء الرّياحي وهو والي خراسان، فأعطاه عشرين ألفا؛ فقال له: والله ما أحسنت فأحمدك، ولا أسأت فألومك؛ وإنك لأقرب البعداء، وأحبّ البغضاء.
وعبيد الله بن زياد بن ظبيان هذا هو القائل: والله ما ندمت على شيء قط ندمي على عبد الملك بن مروان، إذ أتيته برأس مصعب بن الزبير فخرّ لله ساجدا ألّا أكون قد ضربت عنقه فأكون قد قتلت ملكين من ملوك العرب في يوم واحد.
من همة ابن علفة:
ومن أشرف الناس همة عقيل بن علّفة المرّيّ؛ وكان أعرابيا يسكن البادية وكان يصهر إليه الخلفاء، وخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته لأحد أولاده فقال له جنّبني هجناء «١» ولدك.
عمر بن عبد العزيز وعقيل بن علفة:
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل من بني أمية كان له أخوال في بني مرة. قبح الله شبها غلب عليك من بني مرة. فبلغ ذلك عقيل بن علّفة، فأقبل إليه فقال له قبل أن يبتدئه بالسلام: بلغني يا أمير المؤمنين أنك غضبت على رجل من بني عمك له أخوال في بني مرة، فقلت: قبح الله شبها غلب عليك من بني مرة! وأنا أقول: قبح الله ألأم الطّرفين، ثم انصرف.
فقال عمر بن عبد العزيز: من رأى أعجب من هذا الشيخ الذي أقبل من البادية ليست له حاجة إلا شتمنا ثم انصرف؟ فقال له رجل من بني مرة: والله يا أمير المؤمنين ما شتمك، وما شتم إلا نفسه، نحن والله ألأم الطرفين.
стр. 423
من غيرة عقيل:
أبو حاتم السّجستاني عن محمد بن العتبي بن عبد الله، قال: سمعت أبي يحدّث عن أبي عمرو المرّي، قال: بنو عقيل بن علّفة بن مرة بن غطفان يتنقّلون وينتجعون الغيث فسمع عقيل بن علّفة بنتا له ضحكت فشهقت في آخر ضحكها! فاخترط السيف وحمل عليها وهو يقول:
فرقت إنّي رجل فروق ... لضحكة آخرها شهيق
وقال عقيل:
إني وإن سيق إليّ المهر ... ألف وعبدان وذود عشر «١»
أحبّ أصهاري إليّ القبر
وقال الأصمعي: كان عقيل بن علّفة المريّ رجلا غيورا؛ وكان يصهر إليه الخلفاء، وإذا خرج يمتار «٢» خرج بابنته الجرباء معه، قال: فنزلوا ديرا من ديرة الشام، يقال له دير سعد، فلما ارتحلوا قال عقيل:
قضت وطرا من دير سعد وطالما ... على عرض ناطحنه بالجماجم
ثم قال لابنه: يا عملس أجز. فقال:
فأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم «٣»
ثم قال لابنته: يا جرباء أجيزي. فقالت:
كأنّ الكرى أسقاهم صرخدية ... عقارا تمشّى في المطا والقوائم «٤»
قال: وما يدريك أنت ما نعت الخمر؟ فأخذ السيف وهوى نحوها؛ فاستعانت بأخيها عملس، فحال بينه وبينها، قال: فأراد أن يضربه، قال: فرماه [عملس]
стр. 424
بسهم فاختلّ «١» فخذيه فبرك، ومضوا وتركوه، حتى إذا بلغوا أدنى ماء للأعراب، قالوا لهم: إنا أسقطنا جزورا فأدركوها وخذوا معكم الماء. ففعلوا، فإذا عقيل بارك وهو يقول:
إنّ بنّي زمّلوني بالدّم ... شنشنة أعرفها من أخزم
من يلق أبطال الرجال يكلم
والشنشنة الطبيعة. وأخزم فحل معروف. وهذا مثل للعرب.
الأوس والخزرج:
ومن أعزّ الناس نفسا وأشرفهم همما: الأنصار، وهم الأوس والخزرج ابنا قيلة، لم يؤدّوا إتاوة قطّ في الجاهلية إلى أحد من الملوك، وكتب إليهم تبّع يدعوهم إلى طاعته ويتوعّدهم إن لم يفعلوا؛ فكتبوا إليه:
العبد تبّع كم يروم قتالنا ... ومكانه بالمنزل المتذلّل
إنّا أناس لا ينام بأرضنا ... عض الرسول ببظر أمّ المرسل
فغزاهم تبّع أبو كرب، فكانوا يقاتلونه نهارا ويخرجون إليه القرى ليلا، فتذمّم من قتالهم ورحل عنهم.
ودخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك، فقال له: من أنت؟ وتجهّم له كأنه لا يعرفه. فقال له الفرزدق: وما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: أنا من قوم منهم أوفى العرب، وأسود العرب، وأجود العرب، وأحلم العرب، وأفرس العرب، وأشعر العرب. قال: والله لتبيننّ ما قلت أو لأوجعن ظهرك ولأهدمن دارك.
قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ أما أوفى العرب فحاجب بن زرارة الذي رهن قوسه عن جميع العرب فوفى بها، وأما أسود العرب فقيس بن عاصم الذي وفد على رسول
стр. 425
الله ﷺ فبسط له رداءه وقال: هذا سيّد الوبر. وأما أحلم العرب فعتّاب بن ورقاء الرّياحي. وأما أفرس العرب فالحريش بن هلال السّعديّ، وأما أشعر العرب فهأنذا بين يديك يا أمير المؤمنين.
فاغتّم سليمان مما سمع من فخره ولم ينكره، وقال ارجع على عقبيك، فما لك عندنا شيء من خير. فرجع الفرزدق وقال:
أتيناك لا من حاجة عرضت لنا ... إليك، ولا من قلّة في مجاشع
وقال الفرزدق في الفخر:
بنو دارم قومي ترى حجزاتهم ... عتاقا حواشيها رقاقا نعالها «١»
يجرّون هدّاب اليمان كأنّهم ... سيوف جلا الأطباعّ عنها صقالها «٢»
وقال الأحوص في الفخر؛ وهو أفخر بيت قالته العرب:
ما من مصيبة نكبة أرمى بها ... إلا تشرّفني وترفع شاني
وإذا سألت عن الكرام وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكلّ مكان
بردا محرق وعامر بن أحيمر:
وقال أبو عبيدة: اجتمعت وفود العرب عند النّعمان بن المنذر، فأخرج إليهم بردى محرق. وقال: ليقم أعزّ العرب قبيلة فليلبسهما. فقام عامر بن أحيمر السّعدي فأتزر بأحدهما وارتدى بالآخر؛ فقال له النعمان: بم أنت أعزّ العرب؟ فقال: العز والعدد من العرب في معدّ، ثم في نزار، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة؛ فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني. فسكت الناس.
ثم قال النعمان: هذه حالك في قومك، فكيف أنت في نفسك وأهل بيتك؟ قال:
أنا أبو عشرة، وخال عشرة، وعم عشرة؛ وأما أنا في نفسي فهذا شاهدي. ثم وضع
стр. 426
قدمه في الأرض ثم قال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل. فلم يقم إليه أحد.
فذهب بالبردين. ففيه يقول الفرزدق:
فما ثمّ في سعد ولا آل مالك ... غلام إذا ما سيل لم يتبهدل
لهم وهب النّعمان بردي محرّق ... بمجد معدّ والعديد المحصّل
بيت سعد مناة وشعر أوس فيهم:
وفي أهل هذا البيت من سعد بن زيد مناة، كانت الإفاضة في الجاهلية. ومنهم بنو صفوان الذين يقول فيهم أوس بن مغراء السّعديّ:
ولا يريمون في التّعريف موقفهم ... حتى يقال أجيزوا آل صفوانا
ما تطلع الشمس إلّا عند أوّلنا ... ولا تغيّب إلّا عند أخرانا
وقال الفرزدق في مثل هذا المعنى:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
لهنيدة في الفخر:
وكانت هنيدة بنت صعصعة عمة الفرزدق تقول: من جاءت من نساء العرب بأربعة كأربعتي يحلّ لها أن تضع خمارها عندهم، فصرمتي «١» لها: أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع بن حابس، وزوجي الزّبرقان بن بدر! فسمّيت ذات الخمار.
وممن شرفت نفسه وبعدت همته، طاهر بن الحسين الخراساني، وذلك أنه لما قتل محمد بن زبيدة، وخاف المأمون أن يغدر به، امتنع عليه بخراسان ولم يظهر خلعه.
وقال دعبل بن علي الخزاعي يفتخر بقتل طاهر بن الحسين محمدا، لأنه كان مولى خزاعة، ويقال إنه خزاعي:
стр. 427
أيسومني المأمون خطّة عاجز ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد!
يوفي على رأس الخلائق مثل ما ... توفي الجبال على رءوس الفدفد «١»
إنّي من القوم الذين هم هم ... قتلوا أخاك وشرّفوك بمقعد
رفعوا محلّك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد «٢»
وقال طاهر بن الحسين:
غضبت على الدّنيا فأنهبت ما حوت ... وأعتبتها منّي بإحدى المتالف «٣»
قتلت أمير المؤمنين وإنّما ... بقيت عناء بعده للخلائف
وأصبحت في دار مقيما كما ترى ... كأنّي فيها من ملوك الطوائف
وقد بقيت في أمّ رأسي فتكة ... فإمّا لرشد أو لرأي مخالف
فأجابه محمد بن يزيد بن مسلمة:
عتبت على الدّنيا فلا كنت راضيا ... فلا أعتبت إلّا بإحدى المتالف
فمن أنت أو ما أنت يا فقع قرقر ... إذا أنت منّا لم تعلّق بكانف «٤»
فنحن بأيدينا هرقنا دماءنا ... كثول تهادى الموت عند التزاحف «٥»
ستلعم ما تجني عليك وما جنت ... يداك فلا تفخر بقتل الخلائف
وقد بقيت في أم رأسك فتكة ... سنخرجها منه بأسمر راعف
وقال عبد الله بن طاهر:
مدمن الإغضاء موصول ... ومديم العتب مملول
ومدين البيض في تعب ... وغريم البيض ممطول
وأخو الوجهين حيث رمى ... بهواه فهو مدخول «٦»
стр. 428
أقصري عما طمحت له ... ففراغي عنك مشغول
سائلي عمّن تسائلني ... قد يردّ الخير مسئول
أنا من تعرف نسبته ... سلفي الغرّ البهاليل «١»
سل بهم تنبيك نجدتهم ... مشرفيّات مصاقيل «٢»
كلّ عضب مشرب علقا ... وغرار الحدّ مفلول «٣»
مصعب جدّي نقيب بني ... هاشم والأمر مجبول
وحسين رأس دعوتهم ... بعده، والحقّ مقبول
وأبي من لا كفاء له ... من يسامى مجده قولوا
صاحب الرأي الذي حصلت ... رأيه للقوم المحاصيل
حلّ منهم بالذّرا شرفا ... دونه عزّ وتبجيل
تفصح الأنباء عنه إذا ... أسكت الأنباء مجهول
سل به الجبار يوم غدا ... حوله الجرد الأبابيل «٤»
إذ علت مفرقه يده ... نوطها أبيض مصقول «٥»
أبطن المخلوع كلكله ... وحواليه المقاويل «٦»
فثوى والتّرب مصرعه ... غال عنه ملكه غول
قاد جيشا نحو بابله ... ضاق عنه العرض والطّول
وهبوا لله أنفسهم ... لا معازيل ولا ميل «٧»
ملك تجتاح صولته ... ونداه الدهر مبذول
نزعت منه تمائمه ... وهو مرهوب ومأمول «٨»
وتره يسعى إليه به ... ودم يجنيه مطلول «٩»
стр. 429
فأجابه محمد بن يزيد بن مسلمة، وكان من أصحابه وآثرهم عنده، ثم اعتذر إليه وزعم أنه لم يدعه إلى إجابته إلا قوله:
من يسامي مجده قولوا
فأمر له بمائة ألف وزاده أثرة ومنزلة:
لا يرعك القال والقيل ... كلّ ما بلّغت تضليل
ما هوى لي كنت أعرفه ... بهوى غيرك موصول
أيخون العهد ذو ثقة ... لا يخون العهد متبول «١»
حمّلتني كلّ لائمة ... كلّ ما حمّلت محمول
واحكمي ماشئت واحتكمي ... فحرامي لك تحليل
أين لي عنك إلى بدل ... لا بديل منك مقبول
ما لداري منك مقفرة ... وضميري منك مأهول
وبدت يوم الوداع لنا ... غادة كالشمس عطبول «٢»
تتعاطى شدّ مئزرها ... ونطاق الخصر محلول
شملنا إذ ذاك مجتمع ... وجناح البين مشكول «٣»
ثم ولّت كي تودّعنا ... كحلها بالدمع مغسول
أيّها البادي بطيّته ... ما لأغلاطك تحصيل
قد تأوّلت على جهة ... ولنا ويحك تأويل
إنّ دلّيلاك يوم غدا ... بك في الحين لضلّيل
قاتل المخلوع مقتول ... ودم القاتل مطلول
قد يخون الرّمح عامله ... وسنان الرّمح مصقول
وينال الوتر طالبه ... بعد ما تسلوا المثاكيل «٤»
стр. 430
يا أخا المخلوع طلت يدا ... لم يكن في باعها طول
وبنعماه الذي كفرت ... جالت الخيل الأبابيل
وبراع غير ذي شفق ... فعلت تلك الأفاعيل
يا بن بنت النار موقدها ... ما لحاذيه سراويل
من حسين من أبوه ومن ... مصعب غالتهم غول
إنّ خير القول أصدقه ... حين تصطتكّ الأقاويل «١»
مراسلات الملوك
العتبي عن أبيه، قال: أهدي ملك اليمن عشر جزائر إلى مكة، وأمر أن ينحرها أعزّ قرشيّ؛ فقدمت وأبو سفيان عروس بهند بنت عتبة، فقالت له: أيها الرجل، لا يشغلنّك النساء عن هذه المكرمة التي لعلها أن تفوتك. فقال لها: يا هذه، دعي زوجك وما يختاره لنفسه! والله ما نحرها غيري إلا نحرته! فكانت في عقلها حتى خرج أبو سفيان في اليوم السابع فنحرها.
بين قيصر ومعاوية:
زهير عن أبي الجويرية الجرميّ، قال: كتب قيصر إلى معاوية: أخبرني عمن لا قبلة له، وعمّن لا أب له، وعمن لا عشيرة له، وعمن سار به قبره، وعن ثلاثة أشياء لم تخلق في رحم، وعن شيء، ونصف شيء، ولا شيء؛ وابعث إليّ في هذه القارورة ببزر كلّ شيء.
فبعث معاوية بالكتاب والقارورة إلى ابن عباس، فقال: أمّا من لا قبلة له فالكعبة. وأما من لا أب له فعيسى. وأما من لا عشيرة له فآدم. وأما من سار به قبره فيونس. وأما ثلاثة أشياء لم تخلق في رحم، فكبش إبراهيم، وناقة ثمود، وحيّة موسى. وأما شيء، فالرجل له عقل يعمل بعقله؛ وأما نصف شيء، فالرجل ليس له
стр. 431
عقل ويعمل برأي ذوي العقول، وأما لا شيء، فالذي ليس له عقل يعمل به ولا يستعين بعقل غيره. وملأ القارورة ماء وقال: هذا بزر كلّ شيء.
فبعث به إلى معاوية، فبعث به معاوية إلى قيصر؛ فلما وصل إليه الكتاب والقارورة، قال: ما خرج هذا إلا من أهل بيت النبوّة.
من ملك الهند إلى عمر بن عبد العزيز:
نعيم بن حماد قال: بعث ملك الهند إلى عمر بن عبد العزيز كتابا فيه:
من ملك الأملاك الذي هو ابن ألف ملك، والذي تحته ابنة ألف ملك، والذي في مربطه ألف فيل، والذي له نهران ينبتان العود والألوّة والجوز والكافور، والذي يوجد ريحه على مسيرة اثني عشر ميلا، إلى ملك العرب الذي لا يشرك بالله شيئا.
أما بعد، فإني قد بعثت إليك بهدية، وما هي بهدية ولكنّها تحية؛ قد أحببت أن تبعث إليّ رجلا يعلّمني ويفهمني الإسلام. والسلام.
يعني بالهدية: الكتاب.
بين ملك الروم والوليد في هدم كنيسة دمشق:
الرياشي قال: لما هدم الوليد كنيسة دمشق، كتب إليه ملك الروم:
إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كان صوابا فقد أخطأ أبوك، وإن كان خطأ فما عذرك.
فكتب إليه: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ، فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
«١» .
стр. 432
وكتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان: أكلت لحم الجمل الذي هرب عليه أبوك من المدينة. لأغزينّك جنودا مائة ألف ومائة ألف.
فكتب عبد الملك إلى الحجاج أن يبعث إلى عبد الله بن الحسن ويتوعده ويكتب إليه بما يقول. ففعل، فقال عبد الله بن الحسن: «إن لله لوحا محفوظا يلحظه كل يوم ثلاثمائة لحظة، ليس منها لحظة إلا يحيي فيها ويميت ويعز ويذلّ ويفعل ما يشاء، وإني لأرجو أن يكفينيك منها بلحظة واحدة!» فكتب به الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، وكتب به عبد الملك إلى ملك الروم.
فلما قرأه قال: ما خرج هذا إلا من كلام النبوة.
بعث ملك الهند إلى هارون الرشيد بسيوف قلعيّة، وكلاب سيورية، وثياب من ثياب الهند.
فلما أتته الرسل بالهدية أمر الأتراك فصفّوا صفين ولبسوا الحديد حتى لا يرى منهم إلا الحدق، وأذن للرّسل فدخلوا عليه، فقال لهم: ما جئتم به؟ قالوا: هذه أشرف كسوة بلدنا. فأمر هارون القطّاع بأن يقطع منها جلالا وبراقع كثيرة لخيله فصلّب الرّسل على وجوههم، وتذمّموا ونكسوا رءوسهم. ثم قال لهم الحاجب: ما عندكم غير هذا؟ قالوا له: هذه سيوف قلعية لا نظير لها. فدعا هارون بالصّمصامة سيف عمرو بن معد يكرب، فقطعت به السيوف بين يديه سيفا سيفا كما يقطّ الفجل، من غير أن تنثني له شفرة، ثم عرض عليهم حدّ السيف فإذا لا فلّ فيه؛ فصلّب القوم على وجوههم.
ثم قال لهم: ما عندكم غير هذا؟ قالوا: هذه كلاب سيورية لا يلقاها سبع إلا عقرته. فقال لهم هارون: فإن عندي سبعا، فإن عقرته فهي كما ذكرتم. ثم أمر بالأسد فأخرج إليهم، فلما نظروا إليه هالهم، وقالوا: ليس عندنا مثل هذا السّبع في بلدنا! قال لهم هارون: هذه سباع بلدنا. قالوا فنرسلها عليه. وكانت الأكلب ثلاثة، فأرسلت عليه فمزّقته، فأعجب بها هارون، وقال لهم، تمنّوا في هذه الكلاب ما شئتم
стр. 433
من طرائف بلدنا. قالوا ما نتمنى إلا السيف الذي قطعت به سيوفنا. قال لهم: هذا مما لا يجوز في ديننا أن نهاديكم بالسلاح، ولولا ذلك ما بخلنا به عليكم، ولكن تمنوا غير ذلك ما شئتم. قالوا: ما نتمنى إلا به. قال: لا سبيل إليه. ثم أمر لهم بتحف كثيرة، وأحسن جائزتهم.
بين المأمون وطاهر بن الحسين:
أبو جعفر البغدادي قال: لما انقبض طاهر بن الحسين بخراسان عن المأمون وأخذ حذره، أدّب له المأمون وصيفا بأحسن الآداب، وعلّمه فنون العلم، ثم أهداه إليه مع ألطاف كثيرة من طرائف العراق وقد واطأه على أن يسمّه، وأعطاه سمّ ساعة، ووعده على ذلك بأموال كثيرة؛ فلما انتهى إلى خراسان وأوصل إلى طاهر الهدية، قبل الهدية وأمر بإنزال الوصيف في دار، وأجرى عليه ما يحتاج إليه من التوسعة في النّزالة، وتركه أشهرا. فلما برم «١» الوصيف بمكانه، كتب إليه:
يا سيدي، إن كنت تقبلني فاقبلني، وإلا فردّني إلى أمير المؤمنين.
فأرسل إليه وأوصله إلى نفسه. فلما انتهى إلى باب المجلس الذي كان فيه، أمره بالوقوف عند باب المجلس، وقد جلس على لبد أبيض وقرّع رأسه وبين يديه مصحف منشور، وسيف مسلول. فقال: قد قبلنا ما بعث به أمير المؤمنين غيرك، فإنا لا نقبلك، وقد صرفناك إلى أمير المؤمنين. وليس عندي جواب أكتبه إلا ما ترى من حالي. فأبلغ أمير المؤمنين السلام وأعلمه بالحال التي رأيتني فيها.
فلما قدم الوصيف على المأمون وكلمه بما كان من أمره ووصف له الحالة التي رآه فيها، شاور وزراءه في ذلك وسألهم عن معناه. فلم يعلمه واحد منهم. فقال المأمون:
لكني قد فهمت معناه: أما تقريعه رأسه وجلوسه على اللّبد الأبيض، فهو يخبرنا أنه عبد ذليل؛ وأما المصحف المنشور، فإنه يذكّرنا بالعهود التي له علينا؛ وأما السيف
стр. 434
المسلول، فإنه يقول: إن نكثت تلك العهود فهذا يحكم بيني وبينك. أغلقوا عنا باب ذكره ولا تهيجوه في شيء مما هو فيه.
فلم يهجه المأمون حتى مات طاهر بن الحسين، وقام عبد الله بن طاهر مكانه:
فكان أخفّ الناس على المأمون.
وكتب طاهر بن الحسين إلى المأمون في إطلاق ابن السّندي من حبسه، وكان عامله على مصر فعزله عنها وحبسه؛ فأطلقه له وكتب إليه:
أخي أنت ومولاي ... فما ترضاه أرضاه
وما تهوى من الأمر ... فإنّي أنا أهواه
لك الله على ذاك ... لك الله لك الله
стр. 435
كتاب الياقوتة في العلم والادب
فرش كتاب الياقوتة في العلم والأدب
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في مخاطبة الملوك ومقاماتهم وما تفنّنوا فيه من بديع حكمهم، والتزلف إليهم بحسن التوصّل ولطيف المعاني، وبارع منطقهم واختلاف مذاهبهم.
ونحن قائلون بحمد الله وتوفيقه في العلم والأدب؛ فإنهما القطبان اللذان عليهما مدار الدين والدنيا، وفرق ما بين الإنسان وسائر الحيوان، وما بين الطبيعة الملكية والطبيعة البهيمية؛ وهما مادّة العقل، وسراج البدن، ونور القلب، وعماد الروح؛ وقد جعل الله بلطيف قدرته وعظيم سلطانه بعض الأشياء عمدا لبعض ومتولدا من بعض. فإجالة الوهم فيما تدركه الحواس تبعث خواطر الذّكر، وخواطر الذكر تنبّه رويّة الفكر.
ورويّة الفكر تثير مكامن الإرادة، والإرادة تحكم أسباب العمل. فكل شيء يقوم في العقل ويمثل في الوهم يكون ذكرا، ثم فكرا، ثم إرادة، ثم عملا. والعقل متقبل للعلم، لا يعمل في غير ذلك شيئا.
والعلم علمان: علم حمل، وعلم استعمل؛ فما حمل منه ضرّ، وما استعمل نفع.
والدليل على أن العقل إنما يعمل في تقبّل العلوم كالبصر في تقبّل الألوان والسمع في تقبل الأصوات: أنّ العاقل إذا لم يعلّم شيئا كان كمن لا عقل له. والطفل الصغير لو لم تعرّفه أدبا وتلقّنه كتابا كان كأبله البهائم وأضلّ الدّوابّ فإن زعم زاعم فقال: إنا نجد عاقلا قليل العلم، فهو يستعمل عقله في قلة علمه فيكون أسدّ رأيا وأنبه فطنة وأحسن موارد ومصادر من الكثير العلم مع قلة العقل. فإن حجتنا عليه ما قد ذكرناه
стр. 436
من حمل العلم واستعماله؛ فقليل العلم يستعمله العقل خير من كثيره يحفظه القلب.
قيل للمهلب: بم أدركت ما أدركت؟ قال: بالعلم. قيل له: فإنّ غيرك قد علم أكثر مما علمت ولم يدرك ما أدركت. قال: ذلك علم حمل وهذا علم استعمل.
وقد قالت الحكماء: العلم قائد والعقل سائق والنفس ذود؛ فإذا كان قائد بلا سائق هلكت، وإن كان سائق بلا قائد أخذت يمينا وشمالا، وإذا اجتمعا أنابت «١» طوعا أو كرها.
فنون العلم
قال سهل بن هارون وهو عند المأمون: من أصناف العلم ما لا ينبغي للمسلمين أن ينظروا فيه، وقد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال.
فقال المأمون: قد يسمّي بعض الناس الشيء علما وليس بعلم، فإن كان هذا أردت فوجهه الذي ذكرت.
ولو قلت أيضا إن العلم لا يدرك غوره، ولا يسبر قعره، ولا تبلغ غايته، ولا تستقصى أصوله، ولا تنضبط أجزاؤه، صدقت؛ فإن كان الأمر كذلك فابدأ بالأهمّ فالأهم، والأوكد فالأوكد، وبالفرض قبل النّفل «٢» ، يكن ذلك عدلا قصدا ومذهبا جميلا.
وقد قال بعض الحكماء: لست أطلب العلم طمعا في غايته والوقوف على نهايته، ولكن التماس ما لا يسع جهله. فهذا وجه لما ذكرت.
وقال آخرون: علم الملوك النسب والخبر، وعلم أصحاب الحروب درس كتب الأيام والسّير، وعلم التجار الكتاب والحساب. فأما أن يسمّى الشيء علما وينهى عنه
стр. 437
من غير أن يسأل عما هو أنفع منه، فلا.
وقال محمد بن إدريس ﵁: العلم علمان: علم الأبدان، وعلم الأديان.
وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: من أراد أن يكون عالما فليطلب فنّا واحدا، ومن أراد أن يكون أديبا فليتفنّن في العلوم.
وقال أبو يوسف القاضي: ثلاثة لا يسلمون من ثلاثة: من طلب الدّين بالفلسفة لم يسلم من الزّندقة، ومن طلب المال بالكيمياء لم يسلم من الفقر، ومن طلب غرائب الحديث لم يسلم من الكذب.
وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: العلم أكثر من أن يحاط به، فخذوا من كل شيء أحسنه.
وقال ابن عباس ﵄: كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل.
وقال الشاعر:
وما من كاتب إلّا ستبقى ... كتابته وإن فنيت يداه
فلا تكتب بكفّك غير شيء ... يسرّك في القيامة أن تراه
وقال الأصمعي: وصلت بالملح «١» ونلت بالغريب.
وقالوا: من أكثر من النحو حمّقه، ومن أكثر من الشعر بذّله «٢» ، ومن أكثر من الفقه شرّفه.
وقال أبو نواس الحسن بن هانيء:
كم من حديث معجب عندي لكا ... لو قد نبذت به إليك لسرّكا
ممّا تخيّره الرّواة مهذّب ... كالدّرّ منتظما بنحر فلّكا «٣»
أتتبّع العلماء أكتب عنهم ... كيما أحدّث من لقيت فيضحكا
стр. 438
الحضّ على طلب العلم
قال النبي ﷺ : «لا يزال الرجل عالما ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل» .
وقال ﵊: «الناس عالم ومتعلّم، وسائرهم همج» .
وعنه ﷺ : «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم. رضا بما يطلب. ولمداد جرت به أقلام العلماء خير من دماء الشهداء في سبيل الله» .
وقال داود لابنه سليمان ﵉: لفّ العلم حول عنقك، واكتبه في ألواح قلبك.
وقال أيضا: اجعل العلم مالك والأدب حليتك.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: قيمة كل إنسان ما يحسن.
وقيل لأبي عمرو بن العلاء: هل يحسن بالشيخ أن يتعلم؟ قال: إن كان يحسن به أن يعيش فإنه يحسن به أن يتعلم.
وقال عروة بن الزّبير رحمه الله تعالى لبنيه: يا بنيّ، اطلبوا العلم، فإن تكونوا صغار قوم لا يحتاج إليكم فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين لا يستغنى عنكم.
وقال ملك الهند لولده، وكان له أربعون ولدا: يا بنيّ، أكثروا من النظر في الكتب، وازدادوا في كل يوم حرفا؛ فإنّ ثلاثة لا يستوحشون في غربة: الفقيه العالم، والبطل الشجاع، والحلو اللسان الكثير مخارج الرأي.
وقال المهلب لبنيه: إياكم أن تجلسوا في الأسواق إلا عند زرّاد أو ورّاق.
أراد الزّرّاد للحرب، والورّاق للعلم.
وقال الشاعر:
نعم الأنيس إذا خلوت كتاب ... تلهو به إن خانك الأحباب
لا مفشيا سرّا إذا استودعته ... وتفاد منه حكمة وصواب
стр. 439
وقال آخر:
ولكل طالب لذة متنزّه ... وألذّ نزهة عالم في كتبه
ومر رجل بعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، وهو جالس في المقبرة وبيده كتاب، فقال له: ما أجلسك ههنا؟ قال: إنه لا أوعظ من قبر، ولا أمتع من كتاب.
وقال رؤبة بن العجّاج: قال لي النّسّابة البكري: يا رؤبة، لعلك من قوم إن سكتّ عنهم لم يسألوني، وإن حدّثتهم لم يفهموني؟ قلت: إني أرجو ألا أكون كذلك. قال:
فما آفة العلم ونكده وهجنته؟ قلت: تخبرني! قال: آفته النسيان، ونكده الكذب، وهجنته نشره عند غير أهله.
وقال عبد الله بن عباس رضوان الله عليهما: منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا.
وقال: ذللت طالبا فعززت مطلوبا.
وقال رجل لأبي هريرة: أريد أن أطلب العلم وأخاف أن أضيعه. قال: كفاك بترك طلب العلم إضاعة له.
وقال عبد الله بن مسعود: إن الرجل لا يولد عالما، وإنما العلم بالتعلّم. وأخذه الشاعر فقال:
تعلّم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
ولآخر:
تعلّم فليس المرء يخلق عالما ... وما عالم أمرا كمن هو جاهله
ولآخر:
ولم أر فرعا طال إلا بأصله ... ولم أر بدء العلم إلّا تعلّما
стр. 440
وقال آخر:
العلم يحيى قلوب الميّتين كما ... تحيا البلاد إذا ما مسّها المطر
والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه ... كما يجلّي سواد الظّلمة القمر
وقال بعض الحكماء: اقصد من أصناف العلم إلى ما هو أشهى لنفسك، وأخف على قلبك؛ فإنّ نفاذك فيه، على حسب شهوتك له وسهولته عليك.
فضيلة العلم
لعلي بن أبي طالب:
حدثنا أيوب بن سليمان قال: حدثنا عامر بن معاوية عن أحمد بن عمران الأخنس عن الوليد بن صالح الهاشمي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الكوفي، عن أبي مخنف، عن كحيل النّخعي، قال: أخذ بيدي عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، فخرج بي إلى ناحية الجبّانة، فلما أصحر «١» تنفّس الصّعداء، ثم قال: يا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها فاحفظ عني ما أقول لك:
الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كلّ ناعق، مع كلّ ريح يميلون، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق.
يا كميل، العلم خير من المال: العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، ومنفعة المال تزول بزواله.
يا كميل، محبة العلم دين يدان به، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم والمال محكوم عليه.
يا كميل، مات خزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة ها إن ها هنا لعلما جمّا- وأشار بيده إلى صدره- لو وجدت له حملة، بلى أجد لقنا «٢» غير مأمون عليه، يستعمله آلة الدين
стр. 441
للدنيا، ويستظهر بحجج الله على أوليائه، وبنعمه على عباده؛ أو منقادا لحملة الحقّ ولا بصيرة له في أحنائه «١» ، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، أو منهوما باللذة، سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع والادخار ليسا من رعاة الدين في شيء أقرب شبها بهما الأنعام السائمة. كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله إما ظاهرا مشهورا، أو خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته؛ وكم ذا، وأين؟ أولئك والله الأقلّون عددا؛ والأعظمون عند الله قدرا؛ بهم يحفظ الله حججه حتى يودعوها نظراءهم؛ ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الإيمان حتى باشروا روح اليقين؛ فاستلانوا ما استخشن المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالرفيق الأعلى.
يا كميل، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه آه. شوقا إليهم.
انصرف إذا شئت.
قيل للخليل بن أحمد: أيهما أفضل: العلم أو المال؟ قال العلم. قيل له: فما بال العلماء يزدحمون على أبواب الملوك والملوك لا يزدحمون على أبواب العلماء؟ قال: ذلك لمعرفة العلماء بحقّ الملوك وجهل الملوك بحق العلماء.
وقال النبي ﷺ : «فضل العلم خير من فضل العبادة» .
وقال ﵊: «إنّ قليل العمل مع العلم كثير، كما أنّ كثيره مع الجهل قليل» .
وقال ﵊: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله «٢» ، ينفون عنه تحريف القائلين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» .
وقال الأحنف بن قيس: كاد العلماء أن يكونوا أربابا، وكلّ عز لم يؤكّد بعلم فإلى ذلّ ما يصير.
стр. 442
وقال أبو الأسود الدؤلي: الملوك حكام على الدنيا، والعلماء حكام على الملوك.
وقال أبو قلابة: مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء: من تركها ضلّ، ومن غابت عنه تحيّر.
وقال سفيان بن عيينة: إنما العالم مثل السراج: من جاءه اقتبس «١» من علمه، ولا ينقصه شيئا، كما لا ينقص القابس من نور السراج شيئا.
وفي بعض الأحاديث: إن الله لا يقتل نفس التقّي العالم جوعا.
وقيل للحسن بن أبي الحسن البصري: بم صارت الحرفة مقرونة مع العلم، والثروة مقرونة مع الجهل؟ فقال: ليس كما قلتم، ولكن طلبتم قليلا في قليل فأعجزكم؛ طلبتم المال وهو قليل، في أهل العلم وهم قليل، ولو نظرتم إلى من احترف من أهل الجهل لوجدتموهم أكثر.
وقال الله ﵎: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
«٢» ووَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
«٣» .
وقيل: لا تمنعوا العلم أهله فتظلموهم، ولا تعطوه غير أهله فتظلموه. ولبعضهم:
من منع الحكمة أربابها ... أصبح في الحكم لهم ظالما
وواضع الحكمة في غيرهم ... يكون في الحكم لها غاشما
سمعت يوما مثلا سائرا ... وكنت في الشعر له ناظما
لا خير في المرء إذا ما غدا ... لا طالبا علما ولا عالما
وقيل لبعض العلماء. كيف رأيت العلم؟ قال: إذا اغتممت سلوتي، وإذا سلوت لذتي.
وأنشد لسابق البربري:
العلم يزن وتشريف لصاحبه ... والجهل والنّوك مقرونان في قرن «٤»
стр. 443
ولغيره:
وإذا طلبت العلم فاعلم أنّه ... حمل فأبصر أيّ شيء تحمل
وإذا علمت بأنّه متفاضل ... فاشغل فؤادك بالذي هو أفضل
الأصمعي قال: أول العلم الصمت، والثاني الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع العمل، والخامس نشره.
ويقال: العالم والمتعلم شريكان، والباقي همج.
وأنشد:
لا ينفع العلم قلبا قاسيا أبدا ... ولا يلين لفكّ الماضغ الحجر
وقال معاذ بن جبل: تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، وبذله لأهله قربة. والعلم منار سبيل أهل الجنة، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدّث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والزّين عند الأخلاء، والسلاح على الأعداء. يرفع الله به قوما فيجعلهم قادة أئمة، تقتفى آثارهم، ويقتدى بفعالهم.
والعلم حياة القلب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظّلمة، وقوة الأبدان من الضعف؛ يبلغ بالعبد منازل الأخيار، والدرجات العلا في الدنيا والآخرة؛ الفكر فيه يعدل الصيام، ومذاكرته القيام، وبه توصل الأرحام، ويعرف الحلال من الحرام.
ولابن طباطبا العلويّ:
حسود مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحي كئيب البال عندي حزينه
يلوم على أن رحت في العلم طالبا ... أجّمع من عند الرجال فنونه
فأملك أبكار الكلام وعونه ... وأحفظ مما أستفيد عيونه «١»
ويزعم أن العلم لا يجلب الغنى ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه
فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه
стр. 444
ضبط العلم والتثبت فيه
قيل لمحمد بن عبد الله بن عمر ﵁: ما هذا العلم الذي بنت «١» به عن العالم؟ قال: كنت إذا أخذت كتابا جعلته مدرعة.
وقيل لرقبة بن مصقلة: ما أكثر شكك! قال: محاماة عن اليقين.
وسأل شعبة أيوب السّختياني عن حديث، فقال: أشك فيه: فقال: شكّك أحبّ إليّ من يقيني.
وقال أيوب: إنّ من أصحابي من أرتجي بركة دعائه ولا أقبل حديثه.
وقالت الحكماء: علّم علمك من يجهل، وتعلّم ممن يعلم، فإذا فعلت ذلك حفظت ما علمت؛ وعلمت ما جهلت.
وسأل إبراهيم النّخعي عامرا الشّعبي عن مسألة؛ فقال: لا أدري. فقال: هذا والله العالم؛ سئل عما لا يدري، فقال: لا أدري.
وقال مالك بن أنس: إذا ترك العالم «لا أدري» أصيبت مقاتله.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: من سئل عما لا يدري، فقال: لا أدري، فقد أحرز نصف العلم.
وقالوا: العلم ثلاثة: حديث مسند، وآية محكمة، ولا أدري؛ فجعلوا «لا أدري» من العلم، إذا كان صوابا من القول.
وقال الخليل بن أحمد: إنك لا تعرف خطأ معلّمك حتى تجلس عند غيره..
وكان الخليل قد غلبت عليه الإباضيّة «٢» حتى جالس أيوب.
وقالوا: عواقب المكاره محمودة.
وقالوا: الخير كلّه فيما أكرهت النفوس عليه.
стр. 445
انتحال العلم
قال بعض الحكماء: لا ينبغي لأحد أن ينتحل العلم، فإن الله يقول:
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
«١» وقال : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
«٢» .
وقد ذكر عن موسى بن عمران ﵇، أنه لما كلمه الله تعالى تكليما، ودرس التوراة وحفظها، حدثته نفسه أن الله لم يخلق خلقا أعلم منه، فهوّن الله إليه نفسه بالخضر ﵇.
وقال مقاتل بن سليمان وقد دخلته أبّهة العلم: سلوني عما تحت العرش إلى أسفل من الثرى. فقام إليه رجل من القوم فقال: ما نسألك عما تحت العرش ولا أسفل من الثرى، ولكن نسألك عما كان في الأرض وذكره الله في كتابه: أخبرني عن كلب أهل الكهف، ما كان لونه؟ فأفحمه.
وقال قتادة: ما سمعت شيئا قط ولا حفظت شيئا قطّ فنسيته. ثم قال: يا غلام، هات نعلي. فقال: هما في رجليك. ففضحه الله.
وأنشد أبو عمرو بن العلاء في هذا المعنى:
من تحلّى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الإمتحان
وفي هذا المعنى:
من تحلّى بغير ما هو فيه ... شان ما في يديه ما يدّعيه
وإذا قلّل الدعاوى لما في ... هـ أضافوا إليه ما ليس فيه
ومحلّ الفتى سيظهر للنا ... س وإن كان دائبا يخفيه
وبحسب الذي ادّعى ما عداه ... أنّه عالم بما يفتريه
стр. 446
وقال شبيب بن شيبة لفتى من دوس: لا تنازع من فوقك، ولا تقل إلا بعلم، ولا تتعاط ما لم تبل «١» ، ولا يخالف لسانك ما في قلبك، ولا قولك فعلك، ولا تدع الأمر إذا أقبل، ولا تطلبه إذا أدبر.
وقال قتادة: حفظت ما لم يحفظ أحد، وأنسيت ما لم ينس أحد: حفظت القرآن في سبعة أشهر، وقبضت على لحيتي وأنا أريد قطع ما تحت يدي فقطعت ما فوقها.
ومر الشعبيّ بالسّدّي وهو يفسّر القرآن، فقال: لو كان هذا الساعة نشوان يضرب على استه بالطبل، أما كان أحسن له؟
وقال بعض المنتحلين:
يجهّلني قومي وفي عقد مئزري ... تمنّون أمثالا لهم محكم العلم
وما عنّ لي من غامض العلم غامض ... مدى الدهر إلا كنت منه على فهم
وقال عديّ بن الرّقاع:
وعلمت حتى ما أسائل عالما ... عن علم واحدة لكي أزدادها
شرائط العلم وما يصلح له
وقالوا: لا يكون العالم عالما حتى تكون فيه ثلاث خصال: لا يحتقر من دونه، ولا يحسد من فوقه، ولا يأخذ على العلم ثمنا.
وقالوا: رأس العلم الخوف من الله تعالى.
وقيل للشعبي: أفتني «٢» أيّها العالم! فقال: إنما العالم من اتقى الله.
وقال الحسن: يكون الرجل عالما ولا يكون عابدا، ويكون عابدا ولا يكون عاقلا.
وكان مسلم بن يسار عالما عابدا عاقلا.
стр. 447
وقالوا: ما قرن شيء إلى شيء، أفضل من حلم إلى علم. ومن عفو إلى قدرة.
وقالوا: من تمام آلة العالم أن يكون شديد الهيبة، رزين المجلس، وقورا صموتا، بطيء الالتفات، قليل الإشارات، ساكن الحركات، لا يصخب ولا يغضب، ولا يبهر «١» في كلامه، ولا يمسح عثنونه «٢» عند كلامه في كل حين؛ فإن هذه كلّها من آفات العيّ.
وقال الشاعر:
مليء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع
ومدح خالد بن صفوان رجلا، فقال: كان بديع المنطق، جزل الألفاظ، عربيّ اللسان، قليل الحركات، حسن الإشارات، حلو الشمائل، كثير الطلاوة، صموتا وقورا، يهنأ الجرب، ويداوي الدّبر، ويقلّ الحزّ، ويطبّق المفصل؛ لم يكن بالزمر المروءة، ولا الهذر المنطق، متبوعا غير تابع.
كأنّه علم في رأسه نار
وقال عبد الله بن المبارك في مالك بن أنس ﵁:
يأبى الجواب فما يراجع هيبة ... فالسائلون نواكس الأذقان
هدي الوقار وعزّ سلطان التّقى ... فهو المهيب وليس ذا سلطان
وقال عبد الله بن المبارك فيه أيضا:
صموت إذا ما الصمت زيّن أهله ... وفتّاق أبكار الكلام المختّم
وعى ما وعى القرآن من كلّ حكمة ... وسيطت له الآداب باللحم والدم «٣»
стр. 448
بين عبد الملك ورجل:
ودخل رجل على عبد الملك بن مروان، وكان لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده منه علما، فقال له: أنّى لك هذا؟ فقال: لم أمنع قطّ يا أمير المؤمنين علما أفيده، ولم أحتقر علما أستفيده، وكنت إذا لقيت الرجل أخذت منه وأعطيته.
وقالوا: لو أنّ أهل العلم صانوا علمهم لسادوا أهل الدنيا، لكن وضعوه غير موضعه فقصّر في حقّهم أهل الدنيا.
حفظ العلم واستعماله
قال عبد الله بن مسعود: تعلّموا، فإذا علمتم فاعملوا.
وقال مالك بن دينار: العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلب. كما يزل الماء عن الصّفا «١» .
وقالوا: لولا العمل لم يطلب العلم، ولولا العلم لم يطلب العمل.
وقال الطائي:
ولم يحمدوا من عالم غير عامل ... ولم يحمدوا من عامل غير عالم
وقال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: أيها الناس، تعلموا كتاب الله تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله.
وقالوا: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.
وروى زياد عن مالك، قال: كن عالما، أو متعلّما، أو مستمعا؛ وإياك والرابعة فإنها مهلكة؛ ولا تكون عالما حتى تكون عاملا، ولا تكون مؤمنا حتى تكون تقيّا.
وقال أبو الحسن: كان وكيع بن الجرّاح يتحفظ كل يوم ثلاثة أحاديث.
وكان الشعبي والزهري يقولان: ما سمعنا حديثا قط وسألنا إعادته.
стр. 449
رفع العلم وقولهم فيه
قال عبد الله بن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يرفع.
وقال النبي ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء» .
وقال عبد الله بن عباس رضوان الله عليهما، لما ووري زيد بن ثابت في قبره: من سرّه أن يرى كيف يقبض العلم فهكذا يقبض.
تحامل الجاهل على العالم
قال النبي ﷺ : «ويل لعالم أمر من جاهله» .
وقالوا: إذا أردت أن تفحم عالما فأحضره جاهلا.
وقالوا: لا تناظر جاهلا ولا لجوجا: فإنه يجعل المناظرة ذريعة إلى التعلّم بغير شكر.
قال النبي ﷺ : «ارحموا عزيزا ذلّ، ارحموا غنيا افتقر، ارحموا عالما ضاع بين جهّال» .
وجاء كيسان إلى الخليل بن أحمد يسأله عن شيء؛ ففكر فيه الخليل ليجيبه، فلما استفتح الكلام قال له: لا أدري ما تقول. فأنشأ الخليل يقول:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنّك جاهل فعذرتكا
قال حبيب:
وعاذل عذلته في عذله ... فظنّ أنّي جاهل من جهله
ما غبن المغبون مثل عقله ... من لك يوما بأخيك كلّه «١»
стр. 450
تبجيل العلماء وتعظيمهم
زيد بن ثابت وابن عباس:
الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت، فأخذ عبد الله بن عباس بركابه؛ فقال: لا تفعل يا بن عمّ رسول الله ﷺ . فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. قال زيد: أرني يدك. فلما أخرج يده قبّلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بابن عمّ نبيّنا.
وقالوا: خدمة العالم عبادة.
وقال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: من حقّ العالم عليك إذا أتيته أن تسلّم عليه خاصة وعلى القوم عامّة، وتجلس قدّامه، ولا تشير بيدك، ولا تغمز بعينك؛ ولا تقول: قال فلان خلاف قولك، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلحّ عليه في السؤال؛ فإنما هو بمنزلة النخلة المرطبة التي لا يزال يسقط عليك منها شيء.
وقالوا: إذا جلست إلى العالم فسل تفقها ولا تسل تعنتا «١» .
عويص المسائل
الأوزاعيّ عن عبد الله بن سعد عن الصّنابحيّ عن معاوية بن أبي سفيان قال: نهى رسول الله ﷺ عن الأغلوطات.
قال الأوزاعي: يعني صعاب المسائل.
وكان ابن سيرين إذا سئل عن مسألة فيها أغلوطة قال للسائل: أمسكها حتى تسأل عنها أخاك إبليس.
وسأل عمرو بن قيس مالك بن أنس عن محرم نزع نابي ثعلب، فلم يردّ عليه شيئا.
стр. 451
وسأل عمر بن الخطاب ﵁ عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه فقال: ما نقول في رجل أمه عند رجل آخر؟ فقال: يمسك عنها. أراد عمر: أن الرجل يموت وأمه عند رجل آخر، وقول علي «يمسك عنها» يريد: يمسك عن أم الميت حتى تستبريء من طريق الميراث.
وسأل رجل عمر بن قيس عن الحصاة يجدها الإنسان في ثوبه أو في خفه أو في جبهته من حصى المسجد، فقال: ارم بها. قال الرجل: زعموا أنها تصيح حتى تردّ إلى المسجد. فقال: دعها تصيح حتى ينشقّ حلقها. فقال الرجل: سبحان الله! ولها حلق؟ قال: فمن أين تصيح.
وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
«١» كيف هذا الاستواء؟ قال: الاستواء معقول. والكيف مجهول؛ ولا أظنك إلا رجل سوء.
وروى مالك بن أنس الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده، فقال له رجل: فكيف نصنع في المهّراس أبا عبد الله؟ - والمهراس: حوض مكة الذي يتوضأ الناس فيه- فقال: من الله العلم، وعلى الرسول البلاغ، ومنا التسليم. أمروا الحديث.
وقيل لابن عباس ﵄: ما تقول في رجل طلّق امرأته عدد نجوم السماء؟ قال: يكفيه منها كوكب الجوزاء.
وسئل عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماء والأرض؟ فقال: أين توجب المكان، وكان الله ولا مكان.
стр. 452
التصحيف
وذكر الأصمعي رجلا بالتصحيف، فقال: كان يسمع فيعي غير ما يسمع، ويكتب غير ما وعى، ويقرأ في الكتاب غير ما هو فيه.
وذكر آخر رجلا بالتصحيف فقال: كان إذا نسخ الكتاب مرتين عاد سريانيّا.
طلب العلم لغير الله
قال النبيّ ﷺ : «إذا أعطي الناس العلم ومنعوا العمل وتحابّوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام- لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم» .
وقال النبي ﷺ : «ألا أخبركم بشرّ الناس؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: العلماء إذا فسدوا» .
وقال الفضيل بن عياض: كان العلماء ربيع الناس، إذا رآهم المريض لم يسرّه أن يكون صحيحا، وإذا نظر إليهم الفقير لم يودّ أن يكون غنيا؛ وقد صاروا اليوم فتنة للناس.
وقال عيسى بن مريم ﵇: سيكون في آخر الزمان علماء يزهّدون في الدنيا ولا يزهدون، ويرغّبون في الآخرة ولا يرغبون؛ ينهون عن إتيان الولاة ولا ينتهون، يقرّبون الأغنياء، ويبعدون الفقراء، ويتبّسطون للكبراء، وينقبضون عن الفقراء:
أولئك إخوان الشياطين وأعداء الرحمن.
وقال محمد بن واسع: لأن تطلب الدنيا بأقبح مما تطلب به الآخرة، خير من أن تطلبها بأحسن مما تطلب به الآخرة.
وقال الحسن: العلم علمان: علم في القلب، فذاك العلم النافع، وعلم في اللسان، فذاك حجة الله على عباده.
стр. 453
وقال النبي ﷺ : «إن الزبانية «١» لا تخرج إلى فقيه ولا إلى حملة القرآن إلا قالوا لهم: إليكم عنا، دونكم عبدة الأوثان. فيشتكون إلى الله، فيقول: ليس من علم كمن لم يعلم.
وقال مالك بن دينار: من طلب العلم لنفسه فالقليل منه يكفيه، ومن طلبه للناس فحوائج الناس كثيرة.
وقال ابن شبرمة: ذهب العلم إلا غبّرات «٢» في أدعية سوء.
وقال النبي ﷺ : «من طلب العلم لأربع دخل النار: من طلبه ليباهي به العلماء، وليماري «٣» به السفهاء، وليستميل به وجوه الناس إليه، أو ليأخذ به من السلطان» .
وتكلم مالك بن دينار فأبكى أصحابه، ثم افتقد مصحفه، فنظر إلى أصحابه وكلهم يبكي، فقال: ويحكم! كلكم يبكي. فمن أخذ المصحف!؟.
قال أحمد بن أبي الحواريّ: قال لي أبو سليمان في طريق الحج: يا أحمد، إن الله قال لموسى بن عمران: مر ظلمة بني اسرائيل ألا يذكروني، فإني لا أذكر من ذكرني منهم إلا بلعنة حتى يسكت! ويحك يا أحمد! بلغني أنه من حجّ بمال من غير حلّه ثم لبّى قال الله ﵎: لا لبّيك ولا سعديك حتى تؤدي ما بيديك، فما يؤمّننا أن يقال لنا ذلك؟
باب من أخبار العلماء والأدباء
أملى أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الخشني، أنّ عبد الله بن عباس سئل عن أبي بكر ﵁، فقال: كان والله خيرا كله مع الحدّة التي كانت فيه. قالوا:
فأخبرنا عن عمر رضوان الله عليه. قال: كان والله كالطير الحذر الذي نصب فخ له فهو يخاف أن يقع فيه. قالوا: فأخبرنا عن عثمان رضوان الله عليه. قال: كان والله
стр. 454
صوّاما قوّاما. قالوا: فأخبرنا عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه. قال: كان والله ممن حوى علما وحلما، حسبك من رجل أعزّته سابقته، وقدّمته قرابته من رسول الله ﷺ ، فقلّما أشرف على شيء إلا ناله. قالوا يقال: إنه كان محدودا. قال: أنتم تقولونه.
للحسن البصري وعلي بن أبي طالب:
وذكروا أن رجلا أتى الحسن فقال: أبا سعيد، إنهم يزعمون أنك تبغض عليا! فبكى حتى اخضلّت لحيته، ثم قال: كان علي بن أبي طالب سهما صائبا من مرامي الله على عدوّه، وربّاني هذه الأمة، وذا سابقتها، وذا فضلها، وذا قرابة قريبة من رسول الله ﷺ ، لم يكن بالنّئومة «١» عن أمر الله، ولا بالملولة في حق الله، ولا بالسّروفة لمال الله؛ أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة، وأعلام بيّنة. ذاك عليّ بن أبي طالب يا لكع.
وسل خالد بن صفوان عن الحسن البصري، فقال: كان أشبه الناس علانية بسريرة، وسريرة بعلانية وآخذ الناس لنفسه بما يأمر به غيره، يا له من رجل استغنى عما في أيدي الناس من دنياهم. واحتاجوا إلى ما في يديه من دينهم.
ودخل عروة بن الزبير بستانا لعبد الملك بن مروان، فقال عروة: ما أحسن هذا البستان! فقال له عبد الملك: أنت والله أحسن منه؛ إن هذا يؤتي أكله كلّ عام، وأنت تؤتي أكلك كلّ يوم.
وقال محمد بن شهاب الزهري: دخلت على عبد الملك بن مروان في رجال من أهل المدينة، فرآني أحدثهم سنا، فقال لي: من أنت؟ فانتسبت إليه، فعرفني؛ فقال: لقد كان أبوك وعمك نعاقين في فتنة ابن الزبير! قلت: يا أمير المؤمنين، مثلك إذا عفا لم يعد، وإذا صفح لم يثرّب. قال لي: أين نشأت؟ قلت: بالمدينة، قال: عند من
стр. 455
طلبت؟ قلت: عند ابن يسار، وابن أبي ذؤيب، وسعيد بن المسيّب. قال لي: وأين كنت من عروة بن الزبير، فإنه بحر لا تكدّره الدّلاء.
وذكر الصحابة عند الحسن البصري، فقال: ﵏، شهدوا وغبنا، وعلموا وجهلنا؛ فما اجتمعوا عليه اتبعنا، وما اختلفوا فيه وقفنا.
وقال جعفر بن سليمان: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما رأيت أحدا أقشف من شعبة، ولا أعبد من سفيان، ولا أحفظ من ابن المبارك.
وقال: ما رأيت مثل ثلاثة: عطاء بن أبي رباح بمكة، ومحمد بن سيرين بالعراق، ورجاء بن حيوة بالشام.
وقيل لأهل مكة: كيف كان عطاء بن أبي رباح فيكم؟ فقالوا: كان مثل العافية التي لا يعرف فضلها حتى تفقد.
وكان عطاء بن أبي رباح أسود أعور أفطس أشلّ أعرج، ثم عمى. وأمّه سوداء تسمّى بركة.
وكان الأحنف بن قيس: أعور أعرج ولكنه إذا تكلم جلا عن نفسه.
وقال الشعبي: لولا أني زوحمت في الرّحم ما قامت لأحد معي قائمة. وكان توأما.
وقيل لطاووس: هذا قتادة يريد أن يأتيك. قال ائن جاء لأقومنّ. قيل: إنه فقيه.
قال: إبليس أفقه منه؛ قال؛ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
«١» .
وقال الشعبي: القضاة أربعة: عمر، وعلي، وأبو موسى، وعبد الله.
وقال الحسن: ثلاثة صحبوا النبي ﷺ : الابن والأب والجد؛ عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة، ومعن بن يزيد بن الأخنس السّلمي.
стр. 456
وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فقيها شاعرا، وكان أحد السبعة من فقهاء المدينة.
وقال الزهري: كنت إذا لقيت عبيد الله بن عبد الله، فكأنما أفجر به بحرا.
وقال عمر بن عبد العزيز: وددت لو أن لي مجلسا من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يفتنى.
ولقيه سعيد بن المسيّب فقال له: أنت الفقيه الشاعر؟ قال: لا بد للمصدور «١» أن ينفث.
وكتب عبيد الله بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز وبلغه عنه شيء يكرهه:
أبا حفص أتاني عنك قول ... قطعت به وضاق به جوابي
أبا حفص فلا أدري أرغمي ... تريد بما تحاول أم عتابي «٢»
فإن تك عاتبا نعتب وإلّا ... فما عودي إذا بيراع غاب
وقد فارقت أعظم منك رزءا ... وواريت الأحبّة في التّراب
وقد عزّوا عليّ وأسلموني ... معا فلبست بعدهم ثيابي
وكان خالد بن يزيد بن معاوية أبو هاشم، عالما كثير الدراسة للكتب وربما قال الشعر، ومن قوله:
هل أنت منتفع بعل ... مك مرّة والعلم نافع
ومن المشير عليك بالرأ ... ي المسدّد أنت سامع
الموت حوض لا مجا ... لة فيه كلّ الخلق شارع
ومن التّقى فازرع فإن ... ك حاصد ما أنت زارع
وقال عمر بن عبد العزيز: ما ولدت أمية مثل خالد بن يزيد، ما استثنى عثمان ولا غيره.
стр. 457
وكان الحسن في جنازة فيها نوائح، ومعه سعيد بن جبير، فهم سعيد بالانصراف، فقال له الحسن: إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ذلك في دينك.
وعن عيسى بن إسماعيل عن ابن عائشة عن ابن المبارك، قال: علمني سفيان الثوريّ اختصار الحديث.
وقال الأصمعي: حدثنا شعبة قال: دخلت المدينة فإذا لمالك حلقة وإذا نافع قد مات قبل ذلك بسنة، وذلك سنة ثماني عشرة ومائة.
وقال أبو الحسن بن محمد: ما خلق الله أحدا كان أعرف بالحديث من يحيى ابن معين؛ كان يؤتي بالأحاديث قد خلطت وقلبت فيقول: هذا الحديث لذا، وذا لهذا.
فيكون كما قال.
وقال شريك: إني لأسمع الكلمة فيتغير لها لوني.
وقال ابن المبارك: كل من ذكر لي عنه وجدته دون ما ذكر، إلا حيوة بن شريح، وأبا عون.
وكان حيوة بن شريح يقعد للناس، فتقول له أمه: قم يا حيوة ألق الشعير للدجاج. فيقوم.
وقال أبو الحسن: سمع سليمان التّيمي من سفيان الثوري ثلاثة آلاف حديث.
وكان يحيى بن اليمان يذهب بابنه داود كل مذهب، فقال له يوما: كان رسول الله ﷺ ، ثم كان عبد الله، ثم كان علقمة، ثم كان إبراهيم، ثم كان منصور، ثم كان سفيان، ثم كان وكيع؛ قم يا داود. يعني أنه أهل للإمامة ومات داود سنة أربع ومائتين.
وقال الحسن: حدثني أبي، قال: أمر الحجاج أن لا يؤمّ بالكوفة إلا عربيّ وكان يحيى بن وثّاب يؤمّ قومه بني أسد، وهو مولى لهم؛ فقالوا: اعتزل. فقال: ليس عن
стр. 458
مثلي نهى، أنا لاحق بالعرب. فأبوا؛ فأتى الحجاج فقرأ، فقال: من هذا؟ فقالوا يحيى بن وثاب. قال: ماله؟ قالوا: أمرت أن لا يؤمّ إلا عربيّ، فنحّاه قومه. فقال:
ليس عن مثل هذا نهيت، يصلي بهم. قال: فصلّى بهم الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء. ثم قال: اطلبوا إماما غيري: إنما أردت أن لا تستذلّوني، فأمّا إذ صار الأمر إليّ فأنا أؤمكم؟ لا ولا كرامة.
وقال الحسن: كان يحيى بن اليمان يصلي بقومه، فتعصب عليه قوم منهم، فقالوا:
لا تصلّ بنا! لا نرضاك، إن تقدّمت نحّيناك! فجاء بالسيف فسل منه أربع أصابع ثم وضع في المحراب، وقال: لا يدنو مني أحد إلا ملأت السيف منه. فقالوا: بيننا وبينك شريك. فقدّموه إلى شريك فقالوا: إن هذا كان يصلي بنا وكرهناه. فقال لهم شريك: من هو؟ فقالوا: يحيى بن اليمان. فقال: يا أعداء الله! وهل بالكوفة أحد يشبه يحيى! لا يصلّي بكم غيره. فلما حضرته الوفاة قال لابنه داود: يا بنيّ كاد ديني يذهب مع هؤلاء، فإن اضطرّوا إليك بعدي فلا تصلّ بهم.
وقال يحيى بن اليمان: تزوجت أمّ داود، وما كان عندي ليلة العرس إلا بطّيخة، أكلت أنا نصفها وهي نصفها، وولّدت داود، فما كان عندنا شيء تلفه فيه، فاشتريت له كساء بحبّتين فلففناه فيه.
وقال الحسن بن محمد: كان لعليّ ضفيرتان، ولابن مسعود ضفيرتان.
وذكر عبد الملك بن مروان روحا فقال: ما أعطي أحد ما أعطي أبو زرعة:
أعطي فقه الحجاز. ودهاء أهل العراق، وطاعة أهل الشام.
وروي أن مالك بن أنس كان يذكر عليا وعثمان وطلعة والزبير، فيقول: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر «١» .
ذكر هذا محمد بن يزيد في الكامل؛ قال: وأما أبو سعيد الحسن البصري فإنه كان
стр. 459
ينكر الحكومة ولا يرى رأيهم، وكان إذا جلس فتمكن في مجلسه ذكر عثمان فترّحم عليه ثلاثا، ولعن قتلته ثلاثا، ثم يذكر عليّا فيقول: لم يزل عليّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه مظفّرا مؤيّدا بالنّعم حتى حكم. ثم يقول: ولم تحكّم والحق معك! ألا تمضي قدما لا أبالك؟
وهذ الكلمة وإن كان فيها جفاء فإن بعض العرب يأتي بها على معنى المدح فيقول: انظر في أمر رعيتك لا أبالك! وقال أعرابي:
ربّ العباد مالنا ومالكا ... قد كنت تسقينا فقد بدالكا
أنزل علينا الغيث لا أبالكا!
وقال ابن أبي الحواريّ: قلت لسفيان: بلغني في قول الله : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
«١» أنه الذي يلقى الله وليس في قلبه أحد غيره. قال: فبكى وقال: ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا.
وقال ابن المبارك: كنت مع محمد بن النضر الحارثي في سفينة، فقلت: بأي شيء أستخرج منه الكلام؟ فقلت: ما تقول في الصوم في السفر؟ قال: إنما هي المبادرة يا بن أخي. فجاءني والله بفتيا غير فتيا إبراهيم والشعبي.
وقال الفضيل بن عياض: اجتمع محمد بن واسع ومالك بن دينار في مجلس بالبصرة؛ فقال مالك بن دينار: ما هو إلا طاعة الله أو النار. فقال محمد بن واسع لمن كان عنده: كنا نقول: ما هو إلا طاعة الله أو النار. فقال محمد بن واسع لمن كان عنده: كنا نقول: ما هو إلا عفو الله أو النار. قال مالك بن دينار: إنه ليعجبني أن تكون للإنسان معيشة قدر ما يقوته.
فقال محمد بن واسع: ما هو إلا كما تقول، ليس يعجبني أن يصبح الرجل وليس له غداء، ويمسى وليس له عشاء، وهو مع ذلك راض عن الله .
стр. 460
فقال مالك: ما أحوجني إلى أن يعظني مثلك.
وكان يجلس إلى سفيان فتى كثير الفكرة، طويل الإطراق، فأراد سفيان أن يحركه ليسمع كلامه، فقال: يا فتى، إنّ من كان قبلنا مرّوا على خيل عتاق «١» وبقينا على حمير دبرة. قال: يا أبا عبد الله، إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بالقوم.
وقال الأصمعي: عن شعبة قال: ما أحدّثكم عن احد ممن تعرفون وممن لا تعرفون إلا وأيوب وينس وابن عون مسليمان خير منهم.
قال الأصمعي: وحدّثني سلام بن أبي مطيع قال: أيوب أفقههم، وسليمان التيمي أعبدهم، ويونس أشدّهم زهدا عند الدراهم، وابن عون أضبطهم لنفسه في الكلام.
الأصمعي قال: حدثنا نافع بن أبي نعيم عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: ألف عن ألف خير من واحد عن واحد، فلان عن فلان ينتزع السنّة من أيديكم.
وكان إبراهيم النّخعي في طريق، فلقيه الأعمش فانصرف معه، فقال له: يا إبراهيم إن الناس إذا رأونا قالوا: أعمش وأعور! قال: وما عليك أن يأثموا ونؤجر؟
قال: وما عليك أن يسلّموا ونسلم.
ابراهيم النخعي وابن جبير:
وروى سفيان الثوري عن واصل الأحدب، قال: قلت لإبراهيم: إن سعيد بن جبير يقول: كلّ امرأة أتزوّجها طالق، ليس بشيء. فقال له إبراهيم: قل له ينقع استه في الماء البارد. قال: فقلت لسعيد ما أمرني به؛ فقال: قل له: إن مررت بوادي النّوكي فاحلل به.
وقال محمد بن مناذر:
следующие страницы →