← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فقيها شاعرا، وكان أحد السبعة من فقهاء المدينة. وقال الزهري: كنت إذا لقيت عبيد الله بن عبد الله، فكأنما أفجر به بحرا. وقال عمر بن عبد العزيز: وددت لو أن لي مجلسا من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يفتنى. ولقيه سعيد بن المسيّب فقال له: أنت الفقيه الشاعر؟ قال: لا بد للمصدور «١» أن ينفث. وكتب عبيد الله بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز وبلغه عنه شيء يكرهه: أبا حفص أتاني عنك قول ... قطعت به وضاق به جوابي أبا حفص فلا أدري أرغمي ... تريد بما تحاول أم عتابي «٢» فإن تك عاتبا نعتب وإلّا ... فما عودي إذا بيراع غاب وقد فارقت أعظم منك رزءا ... وواريت الأحبّة في التّراب وقد عزّوا عليّ وأسلموني ... معا فلبست بعدهم ثيابي وكان خالد بن يزيد بن معاوية أبو هاشم، عالما كثير الدراسة للكتب وربما قال الشعر، ومن قوله: هل أنت منتفع بعل ... مك مرّة والعلم نافع ومن المشير عليك بالرأ ... ي المسدّد أنت سامع الموت حوض لا مجا ... لة فيه كلّ الخلق شارع ومن التّقى فازرع فإن ... ك حاصد ما أنت زارع وقال عمر بن عبد العزيز: ما ولدت أمية مثل خالد بن يزيد، ما استثنى عثمان ولا غيره.

стр. 457

وكان الحسن في جنازة فيها نوائح، ومعه سعيد بن جبير، فهم سعيد بالانصراف، فقال له الحسن: إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ذلك في دينك. وعن عيسى بن إسماعيل عن ابن عائشة عن ابن المبارك، قال: علمني سفيان الثوريّ اختصار الحديث. وقال الأصمعي: حدثنا شعبة قال: دخلت المدينة فإذا لمالك حلقة وإذا نافع قد مات قبل ذلك بسنة، وذلك سنة ثماني عشرة ومائة. وقال أبو الحسن بن محمد: ما خلق الله أحدا كان أعرف بالحديث من يحيى ابن معين؛ كان يؤتي بالأحاديث قد خلطت وقلبت فيقول: هذا الحديث لذا، وذا لهذا. فيكون كما قال. وقال شريك: إني لأسمع الكلمة فيتغير لها لوني. وقال ابن المبارك: كل من ذكر لي عنه وجدته دون ما ذكر، إلا حيوة بن شريح، وأبا عون. وكان حيوة بن شريح يقعد للناس، فتقول له أمه: قم يا حيوة ألق الشعير للدجاج. فيقوم. وقال أبو الحسن: سمع سليمان التّيمي من سفيان الثوري ثلاثة آلاف حديث. وكان يحيى بن اليمان يذهب بابنه داود كل مذهب، فقال له يوما: كان رسول الله ﷺ ، ثم كان عبد الله، ثم كان علقمة، ثم كان إبراهيم، ثم كان منصور، ثم كان سفيان، ثم كان وكيع؛ قم يا داود. يعني أنه أهل للإمامة ومات داود سنة أربع ومائتين. وقال الحسن: حدثني أبي، قال: أمر الحجاج أن لا يؤمّ بالكوفة إلا عربيّ وكان يحيى بن وثّاب يؤمّ قومه بني أسد، وهو مولى لهم؛ فقالوا: اعتزل. فقال: ليس عن

стр. 458

مثلي نهى، أنا لاحق بالعرب. فأبوا؛ فأتى الحجاج فقرأ، فقال: من هذا؟ فقالوا يحيى بن وثاب. قال: ماله؟ قالوا: أمرت أن لا يؤمّ إلا عربيّ، فنحّاه قومه. فقال: ليس عن مثل هذا نهيت، يصلي بهم. قال: فصلّى بهم الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء. ثم قال: اطلبوا إماما غيري: إنما أردت أن لا تستذلّوني، فأمّا إذ صار الأمر إليّ فأنا أؤمكم؟ لا ولا كرامة. وقال الحسن: كان يحيى بن اليمان يصلي بقومه، فتعصب عليه قوم منهم، فقالوا: لا تصلّ بنا! لا نرضاك، إن تقدّمت نحّيناك! فجاء بالسيف فسل منه أربع أصابع ثم وضع في المحراب، وقال: لا يدنو مني أحد إلا ملأت السيف منه. فقالوا: بيننا وبينك شريك. فقدّموه إلى شريك فقالوا: إن هذا كان يصلي بنا وكرهناه. فقال لهم شريك: من هو؟ فقالوا: يحيى بن اليمان. فقال: يا أعداء الله! وهل بالكوفة أحد يشبه يحيى! لا يصلّي بكم غيره. فلما حضرته الوفاة قال لابنه داود: يا بنيّ كاد ديني يذهب مع هؤلاء، فإن اضطرّوا إليك بعدي فلا تصلّ بهم. وقال يحيى بن اليمان: تزوجت أمّ داود، وما كان عندي ليلة العرس إلا بطّيخة، أكلت أنا نصفها وهي نصفها، وولّدت داود، فما كان عندنا شيء تلفه فيه، فاشتريت له كساء بحبّتين فلففناه فيه. وقال الحسن بن محمد: كان لعليّ ضفيرتان، ولابن مسعود ضفيرتان. وذكر عبد الملك بن مروان روحا فقال: ما أعطي أحد ما أعطي أبو زرعة: أعطي فقه الحجاز. ودهاء أهل العراق، وطاعة أهل الشام. وروي أن مالك بن أنس كان يذكر عليا وعثمان وطلعة والزبير، فيقول: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر «١» . ذكر هذا محمد بن يزيد في الكامل؛ قال: وأما أبو سعيد الحسن البصري فإنه كان

стр. 459

ينكر الحكومة ولا يرى رأيهم، وكان إذا جلس فتمكن في مجلسه ذكر عثمان فترّحم عليه ثلاثا، ولعن قتلته ثلاثا، ثم يذكر عليّا فيقول: لم يزل عليّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه مظفّرا مؤيّدا بالنّعم حتى حكم. ثم يقول: ولم تحكّم والحق معك! ألا تمضي قدما لا أبالك؟ وهذ الكلمة وإن كان فيها جفاء فإن بعض العرب يأتي بها على معنى المدح فيقول: انظر في أمر رعيتك لا أبالك! وقال أعرابي: ربّ العباد مالنا ومالكا ... قد كنت تسقينا فقد بدالكا أنزل علينا الغيث لا أبالكا! وقال ابن أبي الحواريّ: قلت لسفيان: بلغني في قول الله : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ «١» أنه الذي يلقى الله وليس في قلبه أحد غيره. قال: فبكى وقال: ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا. وقال ابن المبارك: كنت مع محمد بن النضر الحارثي في سفينة، فقلت: بأي شيء أستخرج منه الكلام؟ فقلت: ما تقول في الصوم في السفر؟ قال: إنما هي المبادرة يا بن أخي. فجاءني والله بفتيا غير فتيا إبراهيم والشعبي. وقال الفضيل بن عياض: اجتمع محمد بن واسع ومالك بن دينار في مجلس بالبصرة؛ فقال مالك بن دينار: ما هو إلا طاعة الله أو النار. فقال محمد بن واسع لمن كان عنده: كنا نقول: ما هو إلا طاعة الله أو النار. فقال محمد بن واسع لمن كان عنده: كنا نقول: ما هو إلا عفو الله أو النار. قال مالك بن دينار: إنه ليعجبني أن تكون للإنسان معيشة قدر ما يقوته. فقال محمد بن واسع: ما هو إلا كما تقول، ليس يعجبني أن يصبح الرجل وليس له غداء، ويمسى وليس له عشاء، وهو مع ذلك راض عن الله .

стр. 460

فقال مالك: ما أحوجني إلى أن يعظني مثلك. وكان يجلس إلى سفيان فتى كثير الفكرة، طويل الإطراق، فأراد سفيان أن يحركه ليسمع كلامه، فقال: يا فتى، إنّ من كان قبلنا مرّوا على خيل عتاق «١» وبقينا على حمير دبرة. قال: يا أبا عبد الله، إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بالقوم. وقال الأصمعي: عن شعبة قال: ما أحدّثكم عن احد ممن تعرفون وممن لا تعرفون إلا وأيوب وينس وابن عون مسليمان خير منهم. قال الأصمعي: وحدّثني سلام بن أبي مطيع قال: أيوب أفقههم، وسليمان التيمي أعبدهم، ويونس أشدّهم زهدا عند الدراهم، وابن عون أضبطهم لنفسه في الكلام. الأصمعي قال: حدثنا نافع بن أبي نعيم عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: ألف عن ألف خير من واحد عن واحد، فلان عن فلان ينتزع السنّة من أيديكم. وكان إبراهيم النّخعي في طريق، فلقيه الأعمش فانصرف معه، فقال له: يا إبراهيم إن الناس إذا رأونا قالوا: أعمش وأعور! قال: وما عليك أن يأثموا ونؤجر؟ قال: وما عليك أن يسلّموا ونسلم. ابراهيم النخعي وابن جبير: وروى سفيان الثوري عن واصل الأحدب، قال: قلت لإبراهيم: إن سعيد بن جبير يقول: كلّ امرأة أتزوّجها طالق، ليس بشيء. فقال له إبراهيم: قل له ينقع استه في الماء البارد. قال: فقلت لسعيد ما أمرني به؛ فقال: قل له: إن مررت بوادي النّوكي فاحلل به. وقال محمد بن مناذر:

стр. 461

ومن يبغ الوصاة فإنّ عندي ... وصاة للكهول وللشّباب خذوا عن مالك وعن ابن عون ... ولا ترووا أحاديث بن داب «١» وقال آخر: أيّها الطالب علما ... إيت حمّاد بن زيد فاقتبس حلما وعلما ... ثم قيّده بقيد «٢» وقيل لأبي نواس: قد بعثوا في أبي عبيدة والأصمعي ليجمعوا بينهما. قال أما أبو عبيدة فإن مكّنوه من سفره قرأ عليهم أساطير الأولين، وأما الأصمعي فبلبل في قفص يطربهم بصفيره. وذكروا عند المنصور محمد بن إسحاق وعيسى بن دأب، فقال: أما ابن إسحاق فأعلم الناس بالسيرة؛ وأما ابن دأب فإذا أخرجته عن داحس والغبراء لم يحسن شيئا. وقال المأمون رحمه الله تعالى: من أراد لهوا بلا حرج، فليسمع كلام الحسن الطالبي. وسئل العتّابي عن الحسن الطالبي، فقال: إن جليسه لطيب عشرته لأطرب من الإبل على الحداء، ومن الثّمل على الغناء. قولهم في حملة القرآن وقال رجل لإبراهيم النّخعي: إني أختم القرآن كل ثلاث. قال: ليتك تختمه كل ثلاثين وتدري أيّ شيء تقرأ. للنبي ﷺ : وقال الحارث الأعور: حدّثني علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت

стр. 462

رسول الله ﷺ يقول: «كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم؛ هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي لا تزيغ به الأهواء «١» ، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق «٢» على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه؛ هو الذي من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله؛ هو حبل الله المتين، والذّكر العظيم، والصراط المستقيم» . خذها إليك يا أعور. وقيل للنبي ﷺ : عجّل عليك الشيب يا رسول الله. قال: شيبتني هود وأخواتها. وقال عبد الله بن مسعود: الحواميم «٣» ديباج القرآن. وقال: إذا رتعت رتعت في رياض دمثات «٤» أتأنق فيهن. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كانت تنزل علينا الآية في عهد رسول الله ﷺ ، فنحفظ حلالها وحرامها وأمرها وزجرها، قبل أن نحفظها. وقال ﷺ : سيكون في أمتي قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم «٥» ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّميّة، هم شرّ الخلق والخليقة. وقال: إن الزبانية لأسرع إلى فسّاق حملة القرآن منهم إلى عبدة الأوثان، فيشكون إلى ربهم فيقول: ليس من علم كمن لا يعلم. وقال الحسن: حملة القرآن ثلاثة نفر: رجل اتخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر يطلب به ما عند الناس، ورجل حفظ حروفه وضيّع حدوده، واستدرّ به الولاة، واستطال به على أهل بلده. وقد كثر هذا الضرب في حملة القرآن لا كثّرهم الله . ورجل قرأ القرآن فوضع دواءه على داء قلبه، فسهر ليلته، وهملت عيناه؛

стр. 463

تسربل الخشوع، وارتدى الوقار، واستشعر الحزن. ووالله لهذا الضرب من حملة القرآن أقلّ من الكبريت الأحمر، بهم يسقي الله الغيث، وينزل النّصر، ويدفع البلاء. العقل قال سحبان وائل: العقل بالتجارب؛ لأن عقل الغريزة سلّم إلى عقل التجربة. ولذلك قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام. وعلى العاقل أن يكون عالما بأهل زمانه، مالكا للسانه، مقبلا على شانه. وقال الحسن البصري: لسان العاقل من وراء قلبه؛ فإذا أراد الكلام تفكّر، فإن كان له قال وإن كان عليه سكت؛ وقلب الأحمق من وراء لسانه، فإذا أراد أن يقول قال، فإن كان له سكت، وإن كان عليه قال. بين سليمان بن عبد الملك ورجل أعجب بكلامه: وقال محمد بن الغاز: دخل رجل على سليمان بن عبد الملك، فتكلم عنده بكلام أعجب سليمان، فأراد أن يختبره لينظر أعقله على قدر كلامه أم لا. فوجده مضعوفا. فقال: فضل العقل على المنطق حكمة، وفضل المنطق على العقل هجنة، وخير الأمور ما صدّق بعضها بعضا؛ وأنشد: وما المرء إلّا الأصغران: لسانه ... ومعقوله، والجسم خلق مصوّر فإن تر منه ما يروق فربّما ... أمرّ مذاق العود والعود أخضر «١» ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول زهير: وكائن ترى من معجب لك صامت ... زيادته أو نقصه في التكلّم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدّم

стр. 464

وقال علي ﵁: العقل في الدّماغ، والضّحك في الكبد، والرأفة في الطّحال، والصوت في الرئة. وسئل المغيرة بن شعبة عن عمر بن الخطّاب رضوان الله عليه، فقال: كان والله أفضل من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع. وهو القائل: لست بخبّ «١» ، والخبّ لا يخدعني. وقال زياد: ليس العاقل الذي إذا وقع في الأمر احتال له، ولكن العاقل يحتال للأمر حتى لا يقع فيه. وقيل لعمر بن العاص: ما العقل؟ فقال: الإصابة بالظن، ومعرفة ما يكون بما قد كان. وقال عمر بن الخطاب ﵁: من لم ينفعه ظنّه لم ينفعه يقينه. وقال علي بن أبي طالب ﵁، وذكر ابن عباس ﵄، فقال: لقد كان ينظر إلى الغيب من ستر رقيق. وقالوا: العاقل فطن متغافل. وقال معاوية: العقل مكيال ثلثه فطنة وثلثاه تغافل. وقال المغيرة بن شعبة لعمر بن الخطاب ﵁ إذ عزله عن كتابة أبي موسى، أعن عجز عزلتني أم عن خيانة؟ فقال: لا عن واحدة منهما، ولكني كرهت أن أحمل على العامة فضل عقلك. وقال معاوية لعمرو بن العاص: ما بلغ من عقلك؟ قال: ما دخلت في شيء قطّ إلا خرجت منه. فقال معاوية: لكني ما دخلت في شيء قط وأردت الخروج منه.

стр. 465

وقال الأصمعي: ما سمعت الحسن بن سهل مذ صار في مرتبة الوزارة يتمثل إلا بهذين البيتين: وما بقيت من اللّذّات إلا ... محادثة الرّجال ذوي العقول وقد كانوا إذا ذكروا قليلا ... فقد صاروا أقلّ من القليل وقال محمد بن عبد الله بن طاهر- ويروي لمحمود الوراق-: لعمرك ما بالعقل يكتسب الغنى ... ولا باكتساب المال يكتسب العقل وكم من قليل المال يحمد فضله ... وآخر ذو مال وليس له فضل وما سبقت من جاهل قطّ نعمة ... إلى أحد إلّا أضرّ بها الجهل وذو الّلبّ إن لم يعط أحمدت عقله ... وإن هو أعطى زانه القول والفعل وقال محمد بن مناذر: وترى الناس كثيرا فإذا ... عدّ أهل العقل قلّوا في العدد لا يقلّ المرء في القصد ولا ... يعدم القلّة من لم يقتصد لا تعد شرّا وعد خيرا ولا ... تخلف الوعد وعجّل ما تعد لا تقل شعرا ولا تهمم به ... وإذا ما قلت شعرا فأجد ولآخر: يعرف عقل المرء في أربع ... مشيته أولها والحرك ودور عينيه، وألفاظه ... بعد عليهنّ يدور الفلك وربّما أخلفن إلّا التي ... آخرها منهنّ سمّين لك هذي دليلات على عقله ... والعقل في أركانه كالملك إن صحّ صح المرء من بعده ... ويهلك المرء إذا ما هلك فانظر إلى مخرج تدبيره ... وعقله ليس إلى ما ملك فربما خلّط أهل الحجا ... وقد يكون النّوك في ذي النّسك «١»

стр. 466

فإن إمام سال عن فاضل ... فادلل على العاقل لا أمّ لك هوذة وكسرى: وكان هوذة بن علي الحنفيّ يجير لطيمة كسرى في كل عام- واللطيمة عير تحمل الطيب والبزّ- فوفد على كسرى، فسأله عن بنيه، فسمّى له عددا. فقال: أيهم أحبّ إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يرجع، والمريض حتى يفيق «١» . فقال له: ما غذاؤك في بلدك؟ قال: الخبز. فقال كسرى لجلسائه: هذا عقل الخبز. يفضّله على عقول أهل البوادي الذين غذاؤهم اللبن والتمر. وهوذة بن علي الحنفيّ هو الذي يقول فيه أعشى بكر: من ير هوذة يسجد غير متّئب ... إذا تعصّب فوق التاج أو وضعا «٢» له أكاليل بالياقوت فصّلها ... صوّاغها لا ترى عيبا ولا طبعا وقال أبو عبيدة عن أبي عمرو: لم يتتوّج معدّيّ قط، وإنما كانت التيجان لليمن. فسألته عن هوذة بن علي الحنفي، فقال: إنما كانت خرزات تنظم له. وقد كتب النبي ﷺ إلى هوذة بن علي يدعوه إلى الاسلام كما كتب إلى الملوك. وفي بعض الحديث: إن الله لما خلق العقل قال: أقبل! فأقبل، ثم قال له: أدبر! فأدبّر. فقال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا أحبّ إليّ منك، ولا وضعتك إلا في أحبّ الخلق إليّ. ولما خلق الحمق قال له: أقبل. فأدبر. ثم قال له: أدبر. فأقبل. فقال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا أبغض إليّ منك، ولا وضعتك إلا في أبغض الخلق إليّ. وبالعقل أدرك الناس معرفة الله ؛ ولا يشكّ فيه أحد من أهل العقول؛ يقول الله في جميع الأمم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «٣» .

стр. 467

وقال أهل التفسير في قول الله: قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ «١» قالوا: لذي عقل. وقالوا: ظن العاقل كهانة. وقال الحسن البصري: لو كان للناس كلّهم عقول خربت الدنيا. وقال الشاعر: يعدّ رفيع القوم من كان عاقلا ... وإن لم يكن في قومه بحسيب وإن حلّ أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب وقالوا: العاقل بقي ماله بسلطانه، ونفسه بماله، ودينه بنفسه. وقال الأحنف بن قيس: أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل. قال: ولما أهبط الله آدم ﵇ إلى الأرض، أتاه جبريل ﵇، فقال له: يا آدم إن الله قد حباك بثلاث خصال لتختار منها واحدة وتتخلى عن اثنتين؛ قال: وما هن؛ قال: الحياء والدين والعقل قال آدم: اللهم إني اخترت العقل. فقال جبريل ﵇ للحياء والدين: ارتفعا؛ قالا: لن نرتفع. قال جبريل ﵇: أعصيتما؟ قالا: لا، ولكنا أمرنا ألّا نفارق العقل حيث كان. وقال ﷺ : لا تقتدوا بمن ليست له عقدة. قال: وما خلق الله خلقا أحب إليه من العقل. وكان يقال: العقل ضربان: عقل الطبيعة وعقل التجربة، وكلاهما يحتاج إليه ويؤدي إلى المنفعة. وكان يقال: لا يكون أحد أحبّ إليك من وزير صالح وافر العقل كامل الأدب

стр. 468

حنيك السن «١» بصير بالأمور، فإذا ظفرت به فلا تباعده، فإن العاقل ليس بمانعك نصيحته وإن جفت. وكان يقال: غريزة قعل لا يضيع معها عمل. وكان يقال: أجل الأشياء أصلا وأحلاها ثمرة: صالح الأعمال، وحسن الأدب، وعقل مستعمل. وكان يقال: التجارب ليس لها غاية والعاقل منها في الزيادة. ومما يؤكد هذا قول الشاعر: ألم تر أنّ العقل زين لأهله ... وأنّ كمال العقل طول التجارب ومكتوب في الحكمة: إنّ العاقل لا يغترّ بمودّة الكذوب ولا يثق بنصيحته. ويقال: من فاته العقل والفتوّة فرأس ماله الجهل. ويقال: من عيّر الناس الشيء، ورضيه لنفسه فذاك الأحمق نفسه. وكان يقال: العاقل دائم المودّة، والأحمق سريع القطيعة. وكان يقال: صديق كل امريء عقله، وعدوّه جهله. وكان يقال: المعجب لحوح والعاقل منه في مؤونة. وأما العجب فإنه الجهل والكبر. وقيل: أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. ويقال: ما شيء بأحسن من عقل زانه حلم، وحلم زانه علم، وعلم زانه صدق، وصدق زانه عمل، وعمل زانه رفق. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ليس العاقل من عرف الخير من

стр. 469

الشر، بل العاقل من عرف خير الشّرّين. ويقال: عدوّ عاقل أحبّ إليّ من صديق جاهل. وكان يقال: الزم ذا العقل وذا الكرم واسترسل إليه «١» ، وإياك وفراقه إذا كان كريما، ولا عليك أن تصحب العاقل وإن كان غير محمود الكرم، لكن احترس من شين أخلاقه وانتفع بعقله؛ ولا تدع مواصلة الكريم وإن لم تحمد عقله، وانتفع بكرمه وانفعه بعقلك، وفرّ الفرار كله من الأحمق اللئيم. وكان يقال: قطيعة الأحمق مثل صلة العاقل. وقال الحسن: ما أودع الله تعالى امرءا عقلا ما إلا استنقذه به يوما ما. وأتى رجل من بني مجاشع إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ألست أفضل قومي؟ قال النبي ﷺ : إن كان لك عقل فلك فضل، وإن كان لك تقى فلك دين، وإن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك خلق فلك مروءة. بين صفوان بن أمية وعمر: قال: تفاخر صفوان بن أمية مع رجل، فقال صفوان: أنا صفوان بن أمية، بخ بخ «٢» . فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فقال: ويلك! إن كان لك دين فإنّ لك حسبا، وإن كان لك عقل فإن لك أصلا، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإلا فأنت شرّ من حمار. وقال النبي ﷺ : كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه. وقال: وكّل الله الحرمان بالعقل، ووكّل الرزق بالجهل؛ ليعتبر العاقل فيعلم أنّ ليس له في الرزق حيلة.

стр. 470

وقال بزرجمهر: لا ينبغي للعاقل أن يزل بلدا ليس فيه خمسة: سلطان قاهر، وقاض عدل، وسوق قائمة، ونهر جار، وطبيب عالم. وقال أيضا: العاقل لا يرجو ما يعنّف برجائه، ولا يسأل ما يخاف منعه، ولا يمتهن ما لا يستعين بالقدرة عليه. سئل أعرابي: أي الأسباب أعون على تذكية العقل، وأيّها أعون على صلاح السيرة؟ فقال: أعونها على تذكية العقل التعلّم، وأعونها على صلاح السيرة القناعة. وسئل عن أجود المواطن أن يختبر فيه العقل؛ فقال: عند التدبير. وسئل: هل يعمل العاقل بغير الصواب؟ فقال: ما كل ما عمل بإذن العقل فهو صواب. وسئل: أيّ الأشياء أدل على عقل العاقل؟ قال: حسن التدبير. وسئل: أيّ منافع العقل أعظم؟ قال: اجتناب الذنوب. وقال بزرجمهر: أفره «١» ما يكون من الدواب لا غنى بها عن السوط، وأعفّ من تكون من النساء لا غنى بها عن الزوج، وأعقل من يكون من الرجال لا غنى به عن مشورة ذوي الألباب. سئل أعرابي عن العقل متى يعرف؟ قال: إذا نهاك عقلك عما لا ينبغي فأنت عاقل. وقال النبي ﷺ : العقل نور في القلب نفرّق به بين الحق والباطل، وبالعقل عرف الحلال والحرام، وعرفت شرائع الإسلام ومواقع الأحكام، وجعله الله نورا في قلوب عباده يهديهم إلى هدى، ويصدّهم عن ردى. ومن جلالة قدر العقل أنّ الله تعالى لم يخاطب إلا ذوي العقول. فقال :

стр. 471

إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ «١» . وقال: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا «٢» . أي عاقلا. وقال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ «٣» . أي لمن كان له عقل. وقال النبي ﷺ : العاقل يحلم عمن ظلم، ويتواضع لمن هو دونه، ويسابق إلى البرّ من فوقه. وإذا رأى باب برّ انتهزه، وإذا عرضت له فتنة اعتصم بالله وتنكّبها «٤» . وقال ﷺ : قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له. وإذا كان العقل أشرف أعلاق النفس، وكان بقدر تمكّنه فيها يكون سموّها لطلب الفضائل وعلوها لابتغاء المنازل، كانت قيمة كل امريء عقله، وحليته التي يحسن بها في أعين الناظرين فضله. ولعبد الله بن محمد: تأمّل بعينيك هذا الأنام ... وكن بعض من صانه نبله فحلية كلّ فتى فضله ... وقيمة كلّ امرء عقله ولا تتّكل في طلاب العلا ... على نسب ثابت أصله فما من فتى زانه أهله ... بشيء وخالفه فعله ويقال: العقل إدراك الأشياء على حقائقها فمن أدرك شيئا على حقيقته فقد كمل عقله. وقيل: العقل مرآة الرجل. أخذه بعض الشعراء فقال: عقل هذا المرء مرآ ... ة ترى فيها فعاله فإذا كان عليها ... صدأ فهو جهاله

стр. 472

وإذا أخلصه الله صقالا «١» وصفا له ... فهي تعطي كلّ حيّ ناظر فيها مثاله ولآخر: لا تراني أبدا أك ... رم ذا المال لماله لا ولا تزرى بمن يع ... قل عندي سوء حاله إنما أقضي على ذا ... ك وهذا بفعاله أنا كالمرآة ألقى ... كلّ وجه بمثاله كيفما قلّبني الدّه ... ر يجدني من رجاله ولبعضهم: إذا لم يكن للمرء عقل فإنّه ... وإن كان ذا نبل على الناس هيّن وإن كان ذا عقل أجلّ لعقله ... وأفضل عقل عقل من يتديّن وقال آخر: إذا كنت ذا عقل ولم تك ذا غنى ... فأنت كذي رحل وليس له بغل وإن كنت ذا مال ولم تك عاقلا ... فأنت كذي بغل وليس له رحل ويقال: إنّ العقل عين القلب، فإذا لم يكن للمرء عقل كان قلبه أكمه «٢» . وقال صالح بن جناح: ألا إنّ عقل المرء عينا فؤاده ... وإن لم يكن عقل فلا يبصر القلب وقال بعض الفلاسفة: الهوى مصاد العقل. ولعبد الله بن محمد: ثلاث من كنّ فيه حوى الفضل وإن كان راغبا عن سواها: صحة العقل، والتمسك بالعدل، وتنزيه نفسه عن هواها. ولمحمد بن الحسين بن دريد: وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا

стр. 473

وقال بعض الحكماء: ما عبد الله بشيء أحبّ إليه من العقل، وما عصي بشيء أحبّ إليه من السّتر. وقال مسلمة بن عبد الملك: ما قرأت كتابا قط لأحد إلا عرفت عقله منه. وقال يحيى بن خالد: ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الكتاب يدل على عقل كاتبه، والرسول يدل على عقل مرسله، والهديّة تدل على عقل مهديها. بين عمر بن عبد العزيز ورجل من أعوانه: واستعمل عمر بن عبد العزيز رجلا، فقيل له: إنه حديث السن ولا نراه يضبط عملك؛ فأخذ العهد منه وقال: ما أراك تضبط عملك لحداثتك؛ فقال الفتى: وليس يزيد المرء جهلا ولا عمى ... إذا كان ذا عقل، حداثة سنّه فقال عمر: صدق، وردّ عليه عهده. وقال جثّامة بن قيس يصف عاقلا: بصير بأعقاب الأمور كأنّما ... تخاطبه من كلّ أمر عواقبه ولغيره في المعنى: بصير بأعقاب الأمور كأنّما ... يرى بصواب الرأي ما هو واقع وقال شبيب بن شيبة لخالد بن صفوان: إني لأعرف أمرا لا يتلاقى فيه اثنان إلا وجب النّجح بينهما؛ قال له خالد: ما هو؟ قال العقل، فإنّ العاقل لا يسأل إلا ما يجوز، ولا يردّ عما يمكن. فقال له خالد: نعيت اليّ نفسي، إنّا أهل بيت لا يموت منا أحد حتى يرى خلفه. وقال عبد الله بن الحسين لابنه محمد: يا بني، احذر الجاهل وإن كان لك ناصحا كما تحذر العاقل إذا كان لك عدوّا؛ ويوشك الجاهل أن تورّطك مشورته في بعض

стр. 474

اغترارك «١» فيسبق إليك مكر العاقل؛ وإيّاك ومعاداة الرجال، فإنك لا تعدمنّ منها مكر حليم عاقل، أو معاندة جاهل. وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: لا مال أعود من عقل، ولا فقر أضرّ من جهل. ويقال: لا مروءة لمن لا عقل له. وقال بعض الحكماء: لو استغنى أحد عن الأدب لاستغنى عنه العاقل، ولا ينتفع بالأدب من لا عقل له، كما لا ينتفع بالرياضة إلا النجيب. وكان يقال: بالعقل تنال لذة الدنيا، لأنّ العاقل لا يسعى إلا في ثلاث: مزيّة لمعاش، أو منفعة لمعاد، أو لذة في غير محرم. ولبعضهم: إذا أحببت أقواما فلاصق ... بأهل العقل منهم والحياء فإنّ العقل ليس له إذا ما ... تفاضلت الفضائل من كفاء «٢» لمحمد بن يزيد: وأفضل قسم الله للمرء عقله ... وليس من الخيرات شيء يقاربه إذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه يعيش الفتى بالعقل في الناس إنّه ... على العقل يجري علمه وتجاربه ومن كان غلّابا بعقل ونجدة ... فذو الجدّ في أمر المعيشة غالبه فزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محصورا عليه مكاسبه وشين الفتى في الناس قلّة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه «٣» ولبعضهم:

стр. 475

العقل يأمر بالعفاف وبالتّقي ... وإليه يأوي الحلم حين يؤول «١» فإن استطعت فخذ بفضلك فضله ... إن العقول يرى لها تفضيل ولبعضهم: إذا جمّع الآفات فالبخل شرّها ... وشرّ من البخل المواعيد والمطل «٢» ولا خير في عقل إذا لم يكن غنى ... ولا خير في غمد إذا لم يكن نصل وإن كان للإنسان عقل فعقله ... هو النّصل والإنسان من بعده فضل ولبعضهم: يمثل ذو العقل في نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا فإن نزلت بغتة لم ترعه ... لما كان في نفسه مثّلا «٣» رأى الهمّ يفضي إلى آخر ... فصيّر آخره أوّلا وذو الجهل يأمن أيّامه ... وينسى مصارع من قد خلا «٤» الحكمة قال النبي ﷺ : ما أخلص عبد العمل لله أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه. وقال ﵊: الحكمة ضالة «٥» المؤمن، يأخذها ممن سمعها ولا يبالي من أيّ وعاء خرجت. وقال ﵊: لا تضعوا الحكمة عند غير اهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. وقال الحكماء: لا يطلب الرجل حكمة إلا بحكمة عنده.

стр. 476

وقالوا: إذا وجدتم الحكمة مطروحة على السكك «١» فخذوها. وفي الحديث: خذوا الحكمة ولو من ألسنة المشركين. وقال زياد: أيها الناس، لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تنتفعوا بأحسن ما تسمعون منا؛ فإن الشاعر يقول: اعمل بعلمي وإن قصّرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري نوادر من الحكمة قيل لقسّ بن ساعدة: ما أفضل المعرفة؟ قال: معرفة الرجل نفسه. قيل له: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه. قيل له: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه. وقال الحسن: التقدير نصف الكسب، والتّؤدة «٢» نصف العقل، وحسن طلب الحاجة نصف العلم. وقالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق، ولا غنى كرضا عن الله، وأحقّ ما صبر عليه ما ليس إلى تغييره سبيل. وقالوا: أفضل البرّ الزحمة، ورأس المودة الاسترسال، ورأس العقوق مكاتمة الأدنين «٣» ، ورأس العقل الإصابة بالظن. وقالوا: التفكّر نور والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة، والعلم حياة، والأول سابق، والآخر لاحق، والسعيد من وعظ بغيره. ابن الظرب وحمة في مجلس ملك حمير: حدّث أبو حاتم قال: حدثني أبو عبيدة قال: حدّثني غير واحد من هوازن من أولى العلم، وبعضهم قد أدرك أبوه الجاهلية- قالوا: اجتمع عمرو بن الظّرب

стр. 477

العدواني، وحممة بن رافع الدّوسي- ويزعم النّسّاب أن ليلى بنت الظّرب أم دوس، وزينب بنت الظرب أمّ ثقيف- عند ملك من ملوك حمير، فقال: تساءلا حتى أسمع ما تقولان. فقال عمرو لحممة: أين تحبّ أن تكون أياديك؟ قال: عند ذي الرّثية العديم، وعند ذي الخلّة الكريم، والمعسر الغريم، والمستضعف الهضيم. قال: من أحقّ الناس بالمقت «١» ؟ قال: الفقير المختال، والضعيف الصّوّال، والعيّ القوّال. قال: فمن أحقّ الناس بالمنع؟ قال: الحريص الكاند، والمستميد الحاسد، والملحف الواجد «٢» . قال: من أجدر الناس بالصنيعة؟ قال: من إذا أعطي شكر، وإذا منع عذر، وإذا مطل صبر، وإذا قدم العهد ذكر. قال: من أكرم الناس عشرة؟ قال: من إذا قرب منح، وإذا بعد مدح وإذا ظلم صفح، وإذا ضويق سمح. قال: من ألأم الناس؟ قال: من إذا سأل خضع، وإذا سئل منع، وإذا ملك كنع، ظاهره جشع، وباطنه طبع. قال: فمن أحلم الناس؟ قال: من عفا إذا قدر، وأجمل إذا انتصر، ولم تطغه عزة الظّفر: قال: فمن أحزم الناس؟ قال: من أخذ رقاب الامور بيديه، وجعل العواقب نصب عينيه، ونبذ التهيّب دبر أذنيه «٣» . قال: فمن أخرق الناس؟ قال: من ركب الخطار، واعتسف العثار «٤» ، وأسرع في البدار «٥» قبل الاقتدار. قال: من أجود الناس؟ قال: من بذل الموجود، ولم يأس على المعهود. قال: من أبلغ الناس؟ قال: من جلّى المعنى المزيز باللفظ الوجيز، وطبّق المفصل قبل التحريز. قال: من أنعم الناس عيشا؟ قال: من تحلّى بالعفاف، ورضي بالكفاف، وتجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف. قال: فمن أشقى الناس؟ قال: من حسد على النّعم، وسخط على القسم، واستشعر النّدم، على فوت ما لم يحتم. قال: من أغنى الناس، قال: من استشعر اليأس، وأظهر التجمّل للناس، واستكثر قليل النعم، ولم يسخط على القسم. قال: فمن أحكم الناس؟ قال: من صمت فادّكر، ونظر فاعتبر، ووعظ فازدجر. قال: من أجهل الناس؟ قال: من رأى الخرق مغنما، والتجاوز مغرما.

стр. 478

لأبي عبيد في تفسير غريب ما سبق: وقال أبو عبيدة: الخلّة: الحاجة، والخلّة: الصداقة. والكاند: الذي يكفر النعمة، والكنود: الكفور. والمستعيد: مثل المستمير، وهو المستعطي، ومنه اشتقاق المائدة لأنها تماد. وكنع: تقبّض، يقال منه: تكنّع جلده، إذا تقبّض، يريد أنه ممسك بخيل. والجشع: أسوأ الحرص. والطّبع: الدّنس. والاعتساف: ركوب الطريق على غير هداية، وركوب الأمر على غير معرفة. والمزيز: من قولهم: هذا أمزّ من هذا، أي أفضل منه وأزيد. والمطبّق من السيوف: الذي يصيب المفاصل لا يجاوزها. وقال عمرو بن العاص: ثلاث لا أناة «١» فيهن: المبادرة بالعمل الصالح، ودفن الميت، وتزويج الكفء. وقال: ثلاثة لا يندم على ما سلف إليهم: الله فيما عمل له، والمولى الشّكور فيما أسدي إليه «٢» ، والأرض الكريمة فيما بذر فيها. وقالوا: ثلاثة لا بقاء لها: ظلّ الغمام، وصحبة الأشرار؛ والثناء الكاذب. وقالوا: ثلاثة لا تكون إلا في ثلاثة. الغنى في النفس، والشرف في التواضع، والكرم في التقوى. وقالوا: ثلاثة لا تعرف إلا في ثلاثة: ذو اليأس لا يعرف إلا عند الّلقاء، وذو الأمانة لا يعرف إلا عند الأخذ والعطاء، والإخوان لا يعرفون إلا عند النوائب «٣» . وقالوا: من طلب ثلاثة لم يسلم من ثلاثة: من طلب المال بالكيمياء لم يسلم من الإفلاس؛ ومن طلب الدين بالفلسفة لم يسلم من الزندقة، ومن طلب الفقه بغرائب الحديث لم يسلم من الكذب. وقالوا: عليكم بثلاث: جالسوا الكبراء، وخالطوا الحكماء، وسائلوا العلماء. وقالوا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: أخوف ما أخاف عليكم: شحّ مطاع،

стр. 479

وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه. واجتمعت علماء العرب والعجم على أربع كلمات: لا تحمل على ظنّك ما لا تطيق: ولا تعمل عملا لا ينفعك، ولا تغترّ بامرأة، ولا تثق بمال وإن كثر. وقال الرياحيّ في خطبته بالمربد: يا بني رياح، لا تحقروا صغيرا تأخذون عنه، فإني أخذت من الثعلب روغانه «١» ، ومن القرد حكايته، ومن السّنّور ضرعه «٢» ، ومن الكلب نصرته، ومن ابن آوى حذره؛ ولقد تعلمت من القمر سير الليل، ومن الشمس ظهور الحين بعد الحين. وقالوا: ابن آدم هو العالم الكبير الذي جمع الله فيه العالم كلّه، فكان فيه بسالة الليث، وصبر الحمار، وحرص الخنزير، وحذر الغرب، وروغان الثعلب، وضرع السّنّور، وحكاية القرد، وجبن الصّفرد «٣» . ولما قتل كسري بزرجمهر وجد في منطقته مكتوبا: إذا كان الغدر في الناس طباعا فالثقة بالناس عجز، وإذا كان القدر حقّا فالحرص باطل، وإذا كان الموت راصدا فالطمأنينة حمق. وقال أبو عمرو بن العلاء: خذ الخير من أهله. ودع الشر لأهله. وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا تنهكوا وجه الأرض فإن شحمتها في وجهها. وقال: بع الحيوان أحسن ما يكون في عينك. وقال: فرّقوا بين المنايا، واجعلوا من الرأس رأسين، ولا تلبثوا بدار معجزة. وقالوا: إذا قدمت المصيبة تركت التّعزية، وإذا قدم الإخاء سمج الثناء «٤» .

стр. 480

وفي كتاب للهند: ينبغي للعاقل أن يدع التماس ما لا سبيل إليه، وإلا عدّ جاهلا، كرجل أراد أن يجري السفن في البرّ والعجل في البحر، وذلك ما لا سبيل إليه. وقالوا: إحسان المسيء أن يكفّ عنك أذاه، وإساءة المحسن أن يمنعك جدواه. وقال الحسن البصري: اقدعوا «١» هذه النفوس فإنها طلعة، وحادثوها بالذّكر فإنها سريعة الدّثور؛ فإنكم إلا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية. يقول: حادثوها بالحكمة كما يحادث السيف بالصّقال، فإنها سريعة الدّثور: يريد الصدأ الذي يعرض للسيف. واقدعوها: من قدعت أنف الجمل، إذا دفعته، فإنها طلعة: يريد متطلّعة إلى الأشياء. قال أردشير بن بابك: إنّ للآذان مجّة وللقلوب مللا؛ ففرّقوا بين الحكمتين يكن ذلك استحماما. البلاغة وصفتها قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلّغك الجنّة وعدل بك عن النار. قال السائل: ليس هذا أريد. قال: فما بصّرك مواضع رشدك، وعواقب غيّك. قال: ليس هذا أريد. قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يسمع، ومن لم يحسن أن يسمع لم يحسن أن يسأل، ومن لم يحسن أن يسأل لم يحسن أن يقول. قال: ليس هذا أريد. قال: قال النبي ﷺ : إنا معشر النبيين بكاء- أي قليلو الكلام، وهو جمع بكيء. وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله- قال السائل: ليس هذا أريد. قال: فكأنك تريد تخيّر الألفاظ في حسن إفهام؟ قال: نعم. قال: إنك إن أردت تقرير حجّة الله في عقول المكلّفين وتخفيف المئونة على المستمعين، وتزيين المعاني في قلوب المستفهمين، بالألفاظ الحسنة، رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم، بالموعظة الناطقة عن الكتاب والسنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب.

стр. 481

وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ قال: معرفة الوصل من الفصل. وقيل لآخر: ما البلاغة؟ قال: إيجاز الكلام، وحذف الفضول، وتقريب البعيد. وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ قال ألّا يؤتى القائل من سوء فهم السامع، ولا يؤتى السامع من سوء بيان القائل. وقال معاوية لصحار العبديّ: ما البلاغة؟ قال: أن تجيب فلا تبطيء، وتصيب فلا تخطيء. ثم قال: أقلني «١» يا أمير المؤمنين. قال: قد أقلتك. قال: ألّا تبطيء ولا تخطيء. قال أبو حاتم: استطال الكلام الأول فاستقال وتكلم بأوجز منه. وسمع خالد بن صفوان رجلا يتكلم ويكثر، فقال: اعلم رحمك الله أن البلاغة ليست بخفة اللسان وكثرة الهذيان، ولكنها بإصابة المعنى والقصد إلى الحجة فقال له: أبا صفوان، ما من ذنب أعظم من اتفاق الصّنعة. وتكلم ربيعة الرأي يوما فأكثر، وإلى جنبه أعرابيّ، فالتفت إليه فقال: ما تعدّون البلاغة يا أعرابيّ؟ قال: قلة الكلام وإيجاز الصواب. قال: فما تعدّون العيّ؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم، فكأنما ألقمه حجرا. ومن أمثالهم في البلاغة قولهم: يقل الحزّ ويطبّق المفصل. وذلك أنهم شبهوا البليغ الموجز الذي يقل الكلام ويصيب الفصول والمعاني، بالجزار الرفيق الذي يقلّ حزّ اللحم ويصيب مفاصله. ومثله قولهم: يضع الهناء مواضع النّقب أي لا يتكلم إلا فيما يجب فيه الكلام، مثل الطالي الرفيق الذي يضع الهناء مواضع النّقب. والهناء: القطران. والنّقب: الجرب.

стр. 482

وقولهم: قرطس «١» فلان فأصاب الثغرة، وأصاب عين القرطاس. كل هذا مثل للمصيب في كلامه الموجز في لفظه. قيل للعتابي: ما البلاغة؟ قال: إظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق. وقيل لأعرابيّ: من أبلغ الناس؟ قال: أسهلهم لفظا وأحسنهم بديهة. وقيل لآخر: ما البلاغة؟ قال: نشر الكلام بمعانيه إذا قصر، وحسن التأليف له إذا طال. وقيل لآخر ما البلاغة؟ فقال: قرع الحجة ودنوّ الحاجة. وقيل لآخر ما البلاغة؟ قال: الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل «٢» . قيل لغيره: ما البلاغة؟ قال: إقلال في إيجاز، وصواب مع سرعة جواب. قيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام. وقيل لبعضهم: من أبلغ الناس؟ قال: من ترك الفضول واقتصر على الإيجاز. وكان يقال: رسول الرجل مكان رأيه، وكتابه مكان عقله. وقال جعفر بن محمد ﵇: سمّي البليغ بليغا لأنه يبلغ حاجته بأهون سعيه. وسئل بعض الحكماء عن البلاغة فقال: من أخذ معاني كثيرة فأدّاها بألفاظ قليلة، وأخذ معاني قليلة فولّد منها لفظا كثيرا، فهو بليغ. وقالوا: البلاغة ما حسن من الشعر المنظوم نثره، ومن الكلام المنثور نظمه. وقالوا: البلاغة ما كان من الكلام حسنا عند استماعه، موجزا عند بديهته. وقيل: البلاغة لمحة دالّة على ما في الضمير. وقال بعضهم: إذا كفاك الايجاز فالإكثار عيّ، وإنما يحسن الإيجاز إذا كان هو البيان. ولبعضهم:

стр. 483

خير الكلام قليل ... على كثير دليل والعيّ معنى قصير ... يحويه لفظ طويل وقال بعض الكتاب: البلاغة معرفة الفصل من الوصل. وأحسن الكلام القصد وإصابة المعنى. قال الشاعر: وإذا نطقت فلا تكن أسرا ... واقصد فخير الناس من قصدا «١» وقال آخر: وما أحد يكون له مقال ... فيسلم من ملام أو أثام «٢» وقال: الدهر ينقص تارة ويطول ... والمرء يصمت مرّة ويقول والقول مختلف إذا حصّلته ... بعض يردّ وبعضه مقبول وقال: إذا وضح الصواب فلا تدعه ... فإنّك كلّما ذقت الصوابا ... وجدت له على الّلهوات بردا ... كبرد الماء حين صفا وطابا «٣» وقال آخر: ليس شأن البليغ إرساله القو ... ل بطول الإسهاب والإكثار إنما شأنه التلطّف للمعنى بحسن الإيراد والإصدار «٤»

стр. 484

وجوه البلاغة البلاغة تكون على أربعة أوجه: تكون باللفظ والخط والإشارة والدلالة. وكل منها له حظ من البلاغة والبيان، وموضع لا يجوز فيه غيره. ومنه قولهم: لكل مقام مقال؛ ولكل كلام جواب؛ ورب إشارة أبلغ من لفظ. فأما الخط والإشارة فمفهومان عند الخاصة وأكثر العامة؛ وأما الدلالة فكل شيء دلّك على شيء فقد أخبرك به، كما قال الحكيم: أشهد أن السموات والأرض آيات دالّات، وشواهد قائمات، كلّ يؤدّي عنك الحجة، ويشهد لك بالرّبوبية. وقال الآخر: سل الأرض: من غرس أشجارك، وشقّ أنهارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك إخبارا أجابتك اعتبارا «١» . وقال الشاعر: لقد جئت أبغي مجيرا ... فجئت الجبال وجئت البحورا فقال لي البحر إذ جئته ... فكيف يجير ضرير ضريرا وقال آخر: نطقت عينه بما في الضمير وقال نصيب بن رباح: فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب «٢» يريد: لو سكتوا لأثنت عليك حقائب الإبل التي يحتقبها الرّكب من هباتك وهذا الثناء إنما هو بالدلالة باللفظ. وقال حبيب:

стр. 485

الدار: ناطقة وليست تنطق ... بدثورها أنّ الجديد سيخلق «١» وهذا في قديم الشعر وحديثه وطارف «٢» الكلام وتليده أكثر من أن يحيط به وصف أو يأتي من ورائه نعت. وقال رجل للعتّابي: ما البلاغة؟ قال: كل من بلّغك حاجته، وأفهمك معناه بلا إعادة ولا حبسة ولا استعانة، فهو بليغ. قالوا: قد فهمنا الإعادة والحبسة، فما معنى الاستعانة؟ قال: أن يقول عند مقاطع كلامه: اسمع منّي، وافهم عني؛ أو يمسح عثنونه «٣» ، أو يفتل أصابعه، أو يكثر التفاته من غير موجب، أو يتساعل من غير سعلة أو ينبهر «٤» في كلامه. وقال الشاعر: مليء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع وهذا كله من العيّ. وقال أبرويز لكاتبه: اعلم أن دعائم المقالات أربع، إن التمس لها خامسة لم توجد، فإن نقصت منها واحدة لم تتمّ؛ وهي: سؤالك الشيء، وسؤالك عن الشيء، وأمرك بالشيء، وإخبارك عن الشيء؛ فإذا طلبت فأسجح «٥» ، وإذا سألت فأوضح، وإذا أمرت فأحكم، وإذا أخبرت فحقّق، واجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول. يريد الكلام الذي تقل حروفه وتكثر معانيه. وقال ربيعة الرأي: إني لأسمع الحديث عطلا فأشنّفه «٦» وأقرّطه فيحسن، وما

стр. 486

زدت فيه شيئا ولا غيّرت له معنى. وقالوا: خير الكلام ما لم يحتج بعده إلى كلام. وقال يحيى: الكلام ذو فنون، وخيره ما وفق له القائل، وانتفع به السامع. وللحسن بن جعفر: عجبت لإدلال العييّ بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالحق أعلما وفي الصمت ستر العييّ وإنّما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلما «١» وصف أعرابي بليغا فقال: كأن الألسن ريضت «٢» فما تنعقد إلا على ودّه، ولا تنطق إلا ببيانه. وصف أبو الوجيه بلاغة رجل فقال: كان والله يشول «٣» بلسانه شولان البروق، ويتخلل به تخلل الحيّة. وللعرب من موجز اللفظ ولطيف المعنى فصول عجيبة، وبدائع غريبة. وسنأتي على صدر منها إن شاء الله. فصول من البلاغة قدم قتيبة بن مسلم خراسان واليا عليها، فقال: من كان في يده شيء من مال عبد الله بن خازم فلينبذه، ومن كان في فيه فليلفظه، ومن كان في صدره فلينفثه. فعجب الناس من حسن ما فصّل. وقيل لابن السّمّال الأسدي أيام معاوية: كيف تركت الناس؟ قال: تركتهم بين مظلوم لا ينتصف، وظالم لا ينتهي. وقيل لشبيب بن شيبة عند باب الرشيد رحمه الله تعالى: كيف رأيت الناس؟ قال: رأيت الداخل راجيا والخارج راضيا.

стр. 487

وقال حسان بن ثابت في عبد الله بن عباس: إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة في القول جذّا ولا هزلا ولقي الحسين بن عليّ رضوان الله عليهما الفرزدق في مسيره إلى العراق؛ فسأله عن الناس؛ فقال: القلوب معك، والسيوف عليك، والنصر في السماء. وقال مجاشع النهشلي: الحق ثقيل؛ فمن بلغه اكتفى، ومن جاوزه اعتدى. وقيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇: كم بين المشرق والمغرب؟ فقال مسيرة يوم الشمس: قيل له: فكم بين السماء والأرض؟ قال: مسيرة ساعة لدعوة مستجابة. وقيل لأعرابي: كم بين موضع كذا إلى موضع كذا؟ قال: بياض يوم وسواد ليلة. وشكا قوم إلى المسيح ﵇ ذنوبهم، فقال: اتركوها تغفر لكم. وقال علي بن أبي طالب ﵁: قيمة كل إنسان ما يحسن. وقيل لخالد بن يزيد بن معاوية: ما أقرب شيء؟ قال: الأجل. قيل له: فما أبعد شيء؟ قال: الأمل. قيل له: فما أوحش شيء؟ قال: الميّت. قيل له: فما أنس شيء؟ قال: الصاحب المواتي. مرّ عمرو بن عبيد بسارق يقطع، فقال: سارق السريرة «١» قطع سارق العلانية. وقيل للخليل بن أحمد: مالك تروي الشعر ولا تقوله؟ قال: لأني كالمسنّ: أشحذ ولا أقطع. وقيل لعقيل بن علّفة: مالك لا تطيل الهجاء؟ قال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. ومر خالد بن صفوان برجل صلبه الخليفة، فقال: أنبتته الطاعة وحصدته المعصية.

стр. 488

ومرّ أعرابيّ برجل صلبه السلطان، فقال: من طلّق الدنيا فالآخرة صاحبته، ومن فارق الحقّ فالجذع راحلته «١» . النعمان وعدي بن زيد: ومن النطق بالدلالة ما حدّث به العباس بن الفرج الريّاشي قال: نزل النعمان بن المنذر ومعه عديّ بن زيد العباديّ في ظل شجرة مورقة ليلهو النعمان هناك، فقال له عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: ما تقول: قال: تقول: ربّ شرب قد أناخوا حولنا ... يمزجون الخمر بالماء الزّلال ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حال بعد حال فتنغّص على النعمان ما هو فيه. وقال ابن الأعرابي: قلت للفضل: ما الإيجاز عندك؟ قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد. وقال رجل لخالد بن صفوان: إنك لتكثر. قال: أكثر لضربين: أحدهما فيما لا تغني فيه القلة، والآخر لتمرّس اللسان، فإن حبسه يورث العقلة «٢» . وكان خالد بن صفوان يقول: لا تكون بليغا حتى تكلّم أمتك السوداء في الليلة الظلماء في الحاجة المهمّة بما تكلم به في نادي قومك. وإنما اللسان عضو إذا مرّنته مرن، وإذا تركته لكن «٣» كاليد التي تخشنها بالممارسة، والبدن الذي تقويه برفع الحجر وما أشبهه، والرّجل إذا عوّدت المشي مشت. بين نوفل وامرأته: وكان نوفل بن مساحق إذا دخل على امرأته صمت، فإذا خرج عنها تكلم. فقالت له: إذا كنت عندي سكتّ، وإذا كنت عند الناس تنطق! قال: إني أجلّ عن دقيقك وتدقّين عن جليلي.

стр. 489

وذكر شبيب بن شيبة خالد بن صفوان فقال: ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية. وهذا كلام لا يعرف قدره إلا أهل صناعته. ووصف رجل آخر فقال: أتيناه فأخرج لسانه كأنه مخراق لاعب «١» . ودخل معن بن زائدة على المنصور يقارب خطوه، فقال المنصور: لقد كبرت سنك؛ قال: في طاعتك؛ قال: وإنك لجلد؛ قال: على أعدائك؛ قال: أرى فيك بقية؛ قال: هي لك. وكان عبد الله بن العباس بليغا، فقال فيه معاوية: إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف ... لعيّ ولم يثن اللسان على هجر «٢» يصرّف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصّقر وتكلم صعصعة بن صوحان عند معاوية فعرق، فقال له معاوية: بهرك القول؟ قال: الجياد نضّاحة «٣» بالعرق. وكتب ابن سيابة إلى عمرو بن بانة: إنّ الدهر قد كلح «٤» فجرح، وطمح فجمح، وأفسد ما صلح، فإن لم تعن عليه فضح. ومدح رجل من طيء كلام رجل فقال: هذا الكلام يكتفى بأولاه، ويشتفى بأخراه. ووصف أعرابيّ رجلا فقال: إنّ رفدك لنجيح، وإنّ خيرك لصريح، وإنّ منعك لمريح. ودخل إياس بن معاوية الشام وهو غلام، فقدّم خصما له إلى قاض لعبد الملك، وكان خصمه شيخا كبيرا. فقال له القاضي: أتقدّم شيخا كبيرا؟ فقال له إياس:

стр. 490

الحق أكبر منه؟ قال له: اسكت؛ قال: فمن ينطق بحجتي؟ قال: ما أظنك تقول حقا حتى تقوم؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره بالخبر. فقال: اقض حاجته الساعة وأخرجه من الشأم حتى لا يفسد عليّ الناس. ومن الأسجاع قول ابن القرّيّة، وقد دعي لكلام فاحتبس القول عليه، فقال: قد طال السّمر، وسقط القمر، واشتدّ المطر فما انتظر. فأجابه فتى من عبد القيس: قد طال الأرق، وسقط الشفق، فلينطق من نطق. كتاب من عمرو بن مسعدة إلى المأمون: قال أحمد بن يوسف الكاتب: دخلت على المأمون وبيده كتاب لعمرو بن مسعدة، وهو يصعّد في ذراه، ويقوم مرة ويقعد أخرى، ففعل ذلك مرارا، ثم التفت إليّ فقال: أحسبك مفكرا فيما رأيت؟ قلت: نعم، وقى الله أمير المؤمنين المكاره، فقال: ليس بمكروه، ولكن قرأت كلاما نظير خبر خبّرني به الرشيد، سمعته يقول: إن البلاغة لتقارب من المعنى البعيد وتباعد من حشو الكلام، ودلالة بالقليل على الكثير. فلم أتوهّم أن هذا الكلام يستتبّ على هذه الصفة حتى قرأت هذا الكتاب، فكان استعطافا على الجند، وهو: «كتابي إلى أمير المؤمنين أيده الله، ومن قبلي من أجناده وقوّاده في الطاعة والانقياد على أفضل ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم» . فأمر بإعطائهم ثمانية أشهر. ووقع جعفر البرمكي إلى كتّابه: إن استطعتم أن تكون كتبكم توقيعات فافعلوا. وأمره هارون الرشيد أن يعزل أخاه الفضل عن الخاتم ويأخذه إليه عزلا لطيفا فكتب إليه: قد رأى أمير المؤمنين أن ينقل خاتم خلافته من يمينك إلى شمالك. فكتب إليه الفضل: ما انتقلت عني نعمة صارت إليك ولا خصّتك دوني. ووقّع جعفر في رقعة رجل تنصّل إليه من ذنب: تقدمت لك طاعة، وظهرت

стр. 491

منك نصيحة، كانت بينهما نبوة «١» ، ولن تغلب سيئة حسنتين. قال الفضل بن يحيى لأبيه: مالنا نسدي إلى الناس المعروف فلا نرى من السرور في وجوههم عند انصرافهم ببّرنا، ما نراه في وجوههم عند انصرافهم ببر غيرنا؟ فقال له يحيى: إن آمال الناس فينا أطول منها في غيرنا، وإنما يسرّ الإنسان بما بلّغه أمله. قيل ليحيى: ما الكرم؟ قال ملك في زي مسكين؛ قيل: فما الفرعنة؟ قال: مسكين في بطش عفريت. قيل: فما الجود؟ قال: عفو بعد قدرة. من بلاغة المأمون: أتي المأمون برجل قد وجب عليه الحدّ، فقال وهو يضرب: قتلتني يا أمير المؤمنين؛ قال الحقّ قتلك: قال: ارحمني.؛ قال: لست أرحم بك ممن أوجب عليك الحد. وسأل المأمون عبد الله بن طاهر في شيء، فأسرع في ذلك؛ فقال له المأمون: فإنّ الله قد قطع عذر العجول بما مكنه من التثبّت، وأوجب الحجة على القلق بما بصّره من فضل الأناة. قال: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أكتبه؟ قال: نعم، فكتبه. بين المأمون وإبراهيم بن المهدي: قال إبراهيم بن المهدي: قال لي المأمون: أنت الخليفة الأسود؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنت مننت علي بالعفو، وقد قال عبد بني الحسحاس: أشعار عبد بني الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما ... أو أسود الجلد إني أبيض الخلق فقال المأمون: يا عم، خرّجك الهزل إلى الجد، ثم أنشأ يقول:

стр. 492

ليس يرزي السواد بالرجل الشّهم ولا بالفتى الأديب الأريب إن يكن للسواد منك نصيب ... فبياض الأخلاق منك نصيبي وقال المأمون: استحسن من قول الحكماء: الجود بذل الموجود، والبخل بطر «١» بالمعبود . من بلاغة زبيدة: قالت أم جعفر زبيدة بنت جعفر للمأمون حين دخلت عليه بعد قتل ابنها: الحمد لله الذي ادخرك لي لمّا أثكلني ولدي، ما ثكلت ولدا كنت لي عوضا منه. فلما خرجت قال المأمون لأحمد بن أبي خالد: ما ظننت أن نساء جبلن على مثل هذا الصبر. وقال أبو جعفر لعمرو بن عبيد: أعنّي بأصحابك يا أبا عثمان. قال: ارفع علم الحقّ يتبعك أهله. آفات البلاغة لأبي داود الإيادي: قال محمد بن منصور كاتب إبراهيم، وكان شاعرا راويا، وطالبا للنحو علّامة- قال: سمعت أبا داود الإيادي، وجرى شيء من ذكر الخطب وتمييز الكلام، فقال: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق «٢» في غير أهل البادية نقص، والنظر في عيوب الناس عيّ، ومسّ اللحية هلك، والخروج مما بني عليه الكلام إسهاب. قال: وسمعته يقول: رأس الخطابة الطّبع، وعمودها الدربة [وجناحاها رواية

стр. 493

الكلام] «١» ، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر اللفظ، والمحبة مقرونة بعلّة الاستكراه. وأنشدني بيتا في خطباء إياد: يومون باللفظ الخفيّ وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرّقباء للفضل في الإيجاز: وقال ابن الأعرابي: قلت للفضل: ما الإيجاز عندك؟ قال حذف الفضول، وتقريب البعيد. وتكلم ابن السماك يوما وجارية له تسمع؛ فلما دخل قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما أحسنه لولا أنك تكثر ترداده! قال: أردّده حتى يفهمه من لم يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه يكون قد ملّه من فهمه. باب الحلم ودفع السيئة بالحسنة قال الله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ «٢» . وقال رجل لعمرو بن العاص: والله لأتفرّغنّ لك. قال: هنا لك وقعت في الشّغل. قال: كأنك تهدّدني، والله لئن قلت لي كلمة لأقولنّ لك عشرا. قال: وأنت والله لئن قلت لي عشرا لم أقل لك واحدة. وقال رجل لأبي بكر ﵁: والله لأسبّنّك سبّا يدخل القبر معك. قال: معك يدخل لا معي. وقيل لعمرو بن عبيد: لقد وقع فيك اليوم أبو أيوب السختياني حتى رحمناك. قال: إياه فارحموا.

стр. 494

وشتم رجل الشّعبي، فقال له: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك. وشتم رجل أبا ذرّ، فقال: يا هذا، لا تغرق في شتمنا ودع للصّلح موضعا، فإنا لا نكافيء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. ومرّ المسيح بن مريم ﵊ بقوم من اليهود فقالوا له شرّا، فقال خيرا. فقيل له: إنهم يقولون شرّا وتقول لهم خيرا. فقال: كلّ واحد ينفق مما عنده. وقال الشاعر: ثالبني عمرو وثالبته ... فأثّم المثلوب والثّالب «١» قلت له خيرا وقال الخنى ... كلّ على صاحبه كاذب «٢» وقال آخر: وذي رحم قلّمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه حين ليس له حلم إذا سمته وصل القرابة سامني ... قطيعتها تلك السّفاهة والإثم «٣» فداريته بالحلم والمرء قادر ... على سهمه ما كان في كفّه السهم عن النبي ﷺ : ما تجرّع عبد في الدنيا جرعة أحبّ إلى الله من جرعة غيظ ردّها بحلم، أو جرعة مصيبة ردّها بصبر. وكتب رجل إلى صديق له وبلغه أنه وقع فيه: لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرّني أنّي خطرت ببالكا وأنشد طاهر بن عبد العزيز: إذا ما خليلي أسا مرّة ... وقد كان من قبل ذا مجملا «٤» تحمّلت ما كان من ذنبه ... فلم يفسد الآخر الأوّلا

стр. 495

صفة الحلم وما يصلح له من حلم الأحنف: قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري؛ رأيته قاعدا بفناء داره، محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه، حتى أتي برجل مكتوف ورجل مقتول؛ فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك. فو الله ما حلّ حبوته «١» ولا قطع كلامه. ثم التفت إلى ابن أخيه وقال له: يا بن أخي، أثمت بربّك، ورميت نفسك بسهمك، وقتلت ابن عمّك. ثم قال لابن له آخر: قم يا بنيّ فوار أخاك، وحلّ كتاف ابن عمك، وسق إلى أمّه مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة. ثم أنشأ يقول: إني امرو لا يطّبي حسبي «٢» ... دنس يهجّنه ولا أفن «٣» من منقر في بيت مكرمة ... والغصن ينبت حوله الغصن خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه أعفّة لسن لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن وقال رجل للأحنف بن قيس: علّمني الحلم يا أبا بحر. قال: هو الذّل يا بن أخي، أفتصبر عليه؟ وقال الأحنف: لست حليما ولكنّي أتحالم. وقيل له: من أحلم: أنت أم معاوية؟ قال: تالله ما رأيت أجهل منكم؛ إنّ معاوية يقدر فيحلم، وأنا أحلم ولا أقدر؛ فكيف أقاس عليه أو أدانيه؟ وقال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: بم بلغ فيكم الأحنف ما بلغ؟ قال: إن شئت أخبرتك بخلّة «٤» ، وإن شئت بخلّتين، وإن شئت بثلاث. قال: فما الخلّة؟
следующие страницы →