Полный текст (2 664 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
منك نصيحة، كانت بينهما نبوة «١» ، ولن تغلب سيئة حسنتين.
قال الفضل بن يحيى لأبيه: مالنا نسدي إلى الناس المعروف فلا نرى من السرور في وجوههم عند انصرافهم ببّرنا، ما نراه في وجوههم عند انصرافهم ببر غيرنا؟
فقال له يحيى: إن آمال الناس فينا أطول منها في غيرنا، وإنما يسرّ الإنسان بما بلّغه أمله.
قيل ليحيى: ما الكرم؟ قال ملك في زي مسكين؛ قيل: فما الفرعنة؟ قال:
مسكين في بطش عفريت. قيل: فما الجود؟ قال: عفو بعد قدرة.
من بلاغة المأمون:
أتي المأمون برجل قد وجب عليه الحدّ، فقال وهو يضرب: قتلتني يا أمير المؤمنين؛ قال الحقّ قتلك: قال: ارحمني.؛ قال: لست أرحم بك ممن أوجب عليك الحد.
وسأل المأمون عبد الله بن طاهر في شيء، فأسرع في ذلك؛ فقال له المأمون: فإنّ الله قد قطع عذر العجول بما مكنه من التثبّت، وأوجب الحجة على القلق بما بصّره من فضل الأناة. قال: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أكتبه؟ قال: نعم، فكتبه.
بين المأمون وإبراهيم بن المهدي:
قال إبراهيم بن المهدي: قال لي المأمون: أنت الخليفة الأسود؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنت مننت علي بالعفو، وقد قال عبد بني الحسحاس:
أشعار عبد بني الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق
إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما ... أو أسود الجلد إني أبيض الخلق
فقال المأمون: يا عم، خرّجك الهزل إلى الجد، ثم أنشأ يقول:
стр. 492
ليس يرزي السواد بالرجل الشّهم ولا بالفتى الأديب الأريب
إن يكن للسواد منك نصيب ... فبياض الأخلاق منك نصيبي
وقال المأمون: استحسن من قول الحكماء: الجود بذل الموجود، والبخل بطر «١» بالمعبود .
من بلاغة زبيدة:
قالت أم جعفر زبيدة بنت جعفر للمأمون حين دخلت عليه بعد قتل ابنها: الحمد لله الذي ادخرك لي لمّا أثكلني ولدي، ما ثكلت ولدا كنت لي عوضا منه. فلما خرجت قال المأمون لأحمد بن أبي خالد: ما ظننت أن نساء جبلن على مثل هذا الصبر.
وقال أبو جعفر لعمرو بن عبيد: أعنّي بأصحابك يا أبا عثمان. قال: ارفع علم الحقّ يتبعك أهله.
آفات البلاغة
لأبي داود الإيادي:
قال محمد بن منصور كاتب إبراهيم، وكان شاعرا راويا، وطالبا للنحو علّامة- قال: سمعت أبا داود الإيادي، وجرى شيء من ذكر الخطب وتمييز الكلام، فقال:
تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق «٢» في غير أهل البادية نقص، والنظر في عيوب الناس عيّ، ومسّ اللحية هلك، والخروج مما بني عليه الكلام إسهاب.
قال: وسمعته يقول: رأس الخطابة الطّبع، وعمودها الدربة [وجناحاها رواية
стр. 493
الكلام] «١» ، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر اللفظ، والمحبة مقرونة بعلّة الاستكراه.
وأنشدني بيتا في خطباء إياد:
يومون باللفظ الخفيّ وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرّقباء
للفضل في الإيجاز:
وقال ابن الأعرابي: قلت للفضل: ما الإيجاز عندك؟ قال حذف الفضول، وتقريب البعيد.
وتكلم ابن السماك يوما وجارية له تسمع؛ فلما دخل قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما أحسنه لولا أنك تكثر ترداده! قال: أردّده حتى يفهمه من لم يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه يكون قد ملّه من فهمه.
باب الحلم ودفع السيئة بالحسنة
قال الله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
«٢» .
وقال رجل لعمرو بن العاص: والله لأتفرّغنّ لك. قال: هنا لك وقعت في الشّغل.
قال: كأنك تهدّدني، والله لئن قلت لي كلمة لأقولنّ لك عشرا. قال: وأنت والله لئن قلت لي عشرا لم أقل لك واحدة.
وقال رجل لأبي بكر ﵁: والله لأسبّنّك سبّا يدخل القبر معك. قال:
معك يدخل لا معي.
وقيل لعمرو بن عبيد: لقد وقع فيك اليوم أبو أيوب السختياني حتى رحمناك.
قال: إياه فارحموا.
стр. 494
وشتم رجل الشّعبي، فقال له: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك.
وشتم رجل أبا ذرّ، فقال: يا هذا، لا تغرق في شتمنا ودع للصّلح موضعا، فإنا لا نكافيء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
ومرّ المسيح بن مريم ﵊ بقوم من اليهود فقالوا له شرّا، فقال خيرا. فقيل له: إنهم يقولون شرّا وتقول لهم خيرا. فقال: كلّ واحد ينفق مما عنده.
وقال الشاعر:
ثالبني عمرو وثالبته ... فأثّم المثلوب والثّالب «١»
قلت له خيرا وقال الخنى ... كلّ على صاحبه كاذب «٢»
وقال آخر:
وذي رحم قلّمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه حين ليس له حلم
إذا سمته وصل القرابة سامني ... قطيعتها تلك السّفاهة والإثم «٣»
فداريته بالحلم والمرء قادر ... على سهمه ما كان في كفّه السهم
عن النبي ﷺ : ما تجرّع عبد في الدنيا جرعة أحبّ إلى الله من جرعة غيظ ردّها بحلم، أو جرعة مصيبة ردّها بصبر.
وكتب رجل إلى صديق له وبلغه أنه وقع فيه:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرّني أنّي خطرت ببالكا
وأنشد طاهر بن عبد العزيز:
إذا ما خليلي أسا مرّة ... وقد كان من قبل ذا مجملا «٤»
تحمّلت ما كان من ذنبه ... فلم يفسد الآخر الأوّلا
стр. 495
صفة الحلم وما يصلح له
من حلم الأحنف:
قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري؛ رأيته قاعدا بفناء داره، محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه، حتى أتي برجل مكتوف ورجل مقتول؛ فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك. فو الله ما حلّ حبوته «١» ولا قطع كلامه. ثم التفت إلى ابن أخيه وقال له: يا بن أخي، أثمت بربّك، ورميت نفسك بسهمك، وقتلت ابن عمّك. ثم قال لابن له آخر: قم يا بنيّ فوار أخاك، وحلّ كتاف ابن عمك، وسق إلى أمّه مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة. ثم أنشأ يقول:
إني امرو لا يطّبي حسبي «٢» ... دنس يهجّنه ولا أفن «٣»
من منقر في بيت مكرمة ... والغصن ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه أعفّة لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن
وقال رجل للأحنف بن قيس: علّمني الحلم يا أبا بحر. قال: هو الذّل يا بن أخي، أفتصبر عليه؟
وقال الأحنف: لست حليما ولكنّي أتحالم.
وقيل له: من أحلم: أنت أم معاوية؟ قال: تالله ما رأيت أجهل منكم؛ إنّ معاوية يقدر فيحلم، وأنا أحلم ولا أقدر؛ فكيف أقاس عليه أو أدانيه؟
وقال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: بم بلغ فيكم الأحنف ما بلغ؟ قال:
إن شئت أخبرتك بخلّة «٤» ، وإن شئت بخلّتين، وإن شئت بثلاث. قال: فما الخلّة؟
стр. 496
قال: كان أقوى الناس على نفسه. قال: فما الخلّتان؟ قال: كان موقّي الشر، ملقّى الخير. قال: فما الثلاث؟ قال: كان لا يجهل، ولا يبغي، ولا يبخل.
وقيل لقيس بن عاصم: ما الحلم؟ قال: أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك.
وقالوا: ما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم، ومن عفو إلى قدرة.
وقال لقمان الحكيم: ثلاثة لا تعرفهم إلا في ثلاثة: لا تعرف الحليم إلا عند الغضب. ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا تعرف أخاك إلا إذا احتجت إليه. وقال الشاعر:
ليست الأحلام في حين الرضا ... إنما الأحلام في حين الغضب
وفي الحديث: «أقرب ما يكون المرء من غضب الله إذا غضب» .
وقال الحسن: المؤمن حليم لا يجهل وإن جهل عليه. وتلا قول الله :
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
«١» .
وقال معاوية: إني لأستحي من ربي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، أو جهل أكبر من حلمي، أو عورة لا أواريها بستري.
وقال مؤرّق العجلي: ما تكلمت في الغضب بكلمة ندمت عليها في الرضا.
وقال يزيد بن أبي حبيب: إنما غضبي في نعليّ، فإذا سمعت ما أكره أخذتهما ومضيت.
وقالوا: إذا غضب الرجل فليستلق على قفاه، وإذا عيي «٢» فليراوح رجليه.
وقيل للأحنف: ما الحلم؟ فقال: قول إن لم يكن فعل، وصمت إن ضرّ قول.
стр. 497
وقال علي بن أبي طالب ﵁: من لانت كلمته وجبت محبته.
وقال: حلمك على السفيه يكثّر أنصارك عليه.
وقال الأحنف: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات.
وقال: رب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشدّ منه. وأنشد:
رضيت ببعض الذّلّ خوف جميعه ... كذلك بعض الشّرّ أهون من بعض
وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز ما يكره، فقال: لا عليك، إنما أردت أن يستفزّني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا. انصرف إذا شئت.
وقال الشاعر في هذا المعنى:
لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزّوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان كاسفة ... لا ذلّ عجز ولكن ذلّ أحلام «١»
ولآخر:
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذلّ ولو شاء لا نتصر «٢»
ومن أحسن بيت في الحلم قول كعب بن زهير:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
وقال الأحنف: آفة الحلم الذّل.
وقال: لا حلم لمن لا سفيه له.
وقال: ما قلّ سفهاء قوم إلا ذلوا. وأنشد:
لا بد للّسودد من رماح ... ومن رجال مصلتي السّلاح
стр. 498
يدافعون دونه بالرّاح ... ومن سفيه دائم النّباح
وقال النابغة الجعديّ:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا «١»
ولما أنشد هذين البيتين للنبي ﷺ ، قال: لا يفضض الله فاك. فعاش مائة وسبعين سنة لم تنقض له ثنيّة.
وقالوا: لا يظهر الحلم إلا مع الانتصار، كما لا يظهر العفو إلا مع الاقتدار.
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: كان سنان بن أبي حارثة أحلم من فرخ الطائر. قلت: وما حلم فرخ الطائر؟ قال: إنه يخرج من بيضة في رأس نيق «٢» ، ولا يتحوّل حتى يتوفر ريشه ويقوى على الطيران.
وللأشنندانيّ:
وفي اللين ضعف والشراسة هيبة ... ومن لا يهب يحمل على مركب وعر
وللفقر خير من غنى في دناءة ... وللموت خير من حياة على صغر «٣»
وما كلّ حين ينفع الحلم أهله ... ولا كلّ حال يقبح الجهل بالصبر
وما بي على من لان لي من فظاظة ... ولكنني فظّ أبيّ على القسر «٤»
وقال آخر في مدح الحلم:
إني أرى الحلم محمودا عواقبه ... والجهل أفنى من الأقوام أقواما
ولسابق:
ألم تر أن الحلم زين مسوّد ... لصاحبه والجهل للمرء شائن
стр. 499
فكن دافنا للجهل بالحلم تسترح ... من الجهل إنّ الحلم للجهل دافن
ولغيره:
ألا إنّ حلم المرء أكبر نسبة ... يسامي بها عند الفخار كريم
فيا ربّ هب لي منك حلما فإننّي ... أرى الحلم لم يندم عليه حليم
وقال بعض الحكماء: ما حلا عندي أفضل من غيظ أتجرّعه.
وقال بعضهم:
وفي الحلم روع للسفيه عن الأذى ... وفي الخرق إغراء فلا تك أخرقا «١»
فتندم إذ لا تنفعنك ندامة ... كما ندم المغبون لما تفرّقا
وقال عليّ ﵇: أول عوض الحليم عن حلمه أنّ الناس أنصاره على الجاهل.
سئل كسرى أنو شروان: ما قدر الحلم؟ فقال: وكيف تعرف قدر ما لم ير كماله أحد.
وقال معاوية لخالد بن المعمّر: كيف حبّك لعلي بن أبي طالب ﵇؟ قال:
أحبه لثلاث خصال: على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال، وعلى وفائه إذا وعد.
وكان يقال: ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان: من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، ومن إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الظلم والباطل، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: إذا سمعت الكلمة تؤذيك فطأطيء لها حتى تتخطاك.
وقال الحسن: إنما يعرف الحلم عند الغضب. فإذا لم تغضب لم تكن حليما. وقال الشاعر:
стр. 500
وليس يتمّ الحلم للمرء راضيا ... إذا هو عند السخط لم يتحلّم
كما لا يتمّ الجود للمرء موسرا ... إذا هو عند العسر لم يتجشم «١»
وقال بعض الحكماء: إن أفضل واد ترى به الحلم، فإذا لم تكن حليما فتحلّم؛ فقلّما تشبّه رجل بقوم إلا كان منهم.
وقال بعضهم: الحلم عدّة على السفيه، لأنك لا تقابل سفيها بالإعراض «٢» عنه والاستخفاف بفعله إلا أذللته.
ويقال: ليس الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم من ظلم فحلم ثم قدر فعفا.
وللأحنف، أو غيره:
ولربما ضحك الحليم من الأذى ... وفؤاده من حرّه يتأوّه
ولربما شكل الحليم لسانه ... حذر الجواب وإنّه لمفوّه «٣»
وقيل: ما استسبّ اثنان إلا غلب ألأمهما.
وقال الأحنف: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال.
وقال بعضهم: إياك وعزة الغضب، فإنها تصيّرك إلى ذلّ الاعتذار.
وقيل: من حلم ساد، ومن تفهّم ازداد.
وقال الأحنف: ما نازعني أحد قطّ إلا أخذت أمري بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت قدره، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضّلت عليه.
ولقد أحسن الذي أخذ هذا المعنى فنظمه فقال:
стр. 501
إذا كان دوني من بليت بجهله ... أبيت لنفسي أن تقارع بالجهل
وإن كان مثلي ثم جاء بزلّة ... هويت لصفحي أن يضاف إلى العدل
وإن كنت أدنى منه قدرا ومنصبا ... عرفت له حقّ التقدّم والفضل
وفي مثله قال بعض الشعراء:
سألزم نفسي الصفح عن كلّ مذنب ... وإن كثرت منه إليّ الجرائم
وما الناس إلّا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف فضله ... وأتبع فيه الحقّ والحقّ قائم
وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ... إجابته نفسي وإن لام لائم
وأما الذي مثلي فإن زلّ أو هفا ... تفضّلت إن الفضل للحرّ لازم
ولأصرم بن قيس، ويقال إنها لعلي ﵇:
أصمّ عن الكلم المحفظات ... وأحلم والحلم بي أشبه «١»
وإنّي لأترك جلّ الكلام ... لئلا أجاب بما أكره
إذا ما اجتررت سفاه السفيه ... عليّ فإنّي أنا الأسفه
فلا تغترر برواء الرجال ... وما زحزحوا لك أو موّهوا «٢»
فكم من فتى يعجب الناظرين ... له ألسن وله أوجه
ينام إذا حضر المكرمات ... وعند الدناءة يستنبه
وللحسن بن رجاء:
أحبّ مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أجيب وأن أجابا
وأصفح عن سباب الناس حلما ... وشرّ الناس من يهوى السّبابا
ومن هاب الرجال تهيّبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا
ومن قضت الرجال له حقوقا ... ولم يقض الحقوق فما أصابا
стр. 502
وقال محمد بن علي رضوان الله عنهما: من حلم وقى عرضه، ومن جادت كفّه حسن ثناؤه، ومن أصلح ماله استغنى، ومن احتمل المكروه كثرت محاسنه، ومن صبر حمد أمره، ومن كظم فشا «١» إحسانه، ومن عفا عن الذنوب كثرت أياديه، ومن اتقى الله كفاه ما أهمه.
بين علي وكبير من الفرس:
وسأل أمير المؤمنين عليّ ﵇ كبيرا من كبراء الفرس: أي شيء لملوككم كان أحمد عندكم؟ قال: كان لأردشير فضل السبق في المملكة، غير أن أحمدهم سيرة أنو شروان. قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه؟ قال: الحلم والأناة. قال: هما توأمان ينتجهما علو الهمة.
ولمحمود بن الحسن الوراق:
إنّي وهبت لظالمي ظلمي ... وغفرت ذاك له على علم
ورأيته أسدى إليّ يدا ... لمّا أبان بجهله حلمي
رجعت إساءته عليه وإح ... ساني إليّ مضاعف الغنم
وغدوت ذا أجر ومحمدة ... وغدا بكسب الظلم والإثم
وكأنّما الإحسان كان له ... وأنا المسيء إليه في الحكم
وما زال يظلمني وأرحمه ... حتى رثيت له من الظلم
ولمحمد بن زياد يصف حلماء:
نخالهم في الناس صمّا عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر
ومرضى إذا لوقوا حياء وعفّة ... وعند الحفاظ كاللّيوث الخوادر «٢»
كأنّ لهم وصما يخافون عاره ... وما ذاك إلّا لاتّقاء المعاير «٣»
стр. 503
وله أيضا:
وأرفع نفسي عن نفوس وربّما ... تذلّلت في إكرامها لنفوس
وإن رامني يوما خسيس بجهله ... أبى الله أن أرضى بعرض خسيس
وقال وهب: مكتوب في الإنجيل: لا ينبغي لإمام أن يكون جائرا ومنه يلتمس العدل، ولا سفيها ومنه يقتبس الحلم.
ولبعضهم:
وإذا استشارك من تودّ فقل له ... أطع الحليم إذا الحليم نهاكا
واعلم بأنك لن تسود ولن ترى ... سبل الرشاد إذا أطعت هواكا
وقال آخر:
وكن معدنا للحلم واصفح عن الأذى ... فإنّك راء ما علمت وسامع
وأحبب إذا أحببت حبّا مقاربا ... فإنك لا تدري متى أنت نازع «١»
وأبغض إذا أبغضت غير مباين ... فإنك لا تدري متى أنت راجع
باب السودد
قيل لعدي بن حاتم: ما السّودد؟ قال: السيد: الأحمق في ماله، الذليل في عرضه، المطّرح لحقده.
وقيل لقيس بن عاصم: بم سوّدك قومك؟ قال: بكفّ الأذى، وبذل النّدى، ونصر المولى.
وقال رجل للأحنف: بم سوّدك قومك وما أنت بأشرفهم بيتا، ولا أصبحهم وجها، ولا أحسنهم خلقا؟ قال: بخلاف ما فيك يا بن أخي. قال: وما ذاك؟ قال:
стр. 504
بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لرجل: من سيّد قومك؟ قال: أنا. قال:
كذبت لو كنت كذلك لم تقله.
أوس وحاتم بين يدي النعمان:
وقال ابن الكلبي: قدم أوس بن حارثة بن لأم الطائي، وحاتم بن عبد الله الطائي، على النعمان بن المنذر، فقال لإياس بن قبيصة الطائي أيهما أفضل؟ قال: أبيت اللعن أيها الملك! إني من أحدهما، ولكن سلهما عن أنفسهما فإنهما يخبرانك. فدخل عليه أوس: فقال: أنت أفضل أم حاتم؟ فقال: أبيت اللعن! إنّ أدنى ولد حاتم أفضل مني، ولو كنت أنا وولدي ومالي لحاتم لأنهبنا في غداة واحدة.
ثم دخل عليه حاتم، فقال له: أنت أفضل أم أوس؟ فقال: أبيت اللعن! إنّ أدنى ولد لأوس أفضل مني. فقال النعمان: هذا والله السودد. وأمر لكل منهما بمائة من الإبل.
وسأل عبد الملك بن مروان روح بن زنباع عن مالك بن مسمع، فقال: لو غضب مالك لغضب معه مائة ألف سيف لا يسأله واحد منهم لم غضبت؟ فقال عبد الملك هذا والله السودد.
أبو سفيان وجزائر ملك اليمن:
وقال أبو حاتم عن العتبي: أهدى ملك اليمن سبع جزائر إلى مكة، وأوصى أن ينحرها أعزّ قرشيّ بها، فأتت وأبو سفيان عروس بهند. فقال له هند: يا هذا، لا تشغلك النساء عن هذه الأكرومة التي لعلك أن تسبق إليها. فقال لها: يا هذه، ذري زوجك وما اختار لنفسه. فو الله لا نحرها أحد إلا نحرته! فكانت في عقلها «١» حتى خرج إليها بعد السابع فنحرها.
стр. 505
لهند في ابنها معاوية:
ونظر رجل إلى معاوية وهو غلام صغير، فقال: إني أظن أن هذا الغلام سيسود قومه. فسمعته أمّه هند، فقالت: ثكلته إذا إن لم يسد إلا قومه.
وقال الهيثم بن عديّ: كانوا يقولون: إذا كان الصبي سائل الغرّة «١» ، طويل العزلة «٢» ، ملتاث الإزرة «٣» ، فذلك الذي لا يشك في سودده.
ودخل ضمرة بن ضمرة على النّعمان بن المنذر، وكان به دمامة شديدة، فالتفت النّعمان إلى أصحابه وقال: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه. فقال: أيها الملك، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإن قال قال ببيان، وإن قاتل قاتل بحنان. قال:
صدقت! وبحقّ سوّدك قومك.
وقيل لعرابة الأوسيّ: بم سوّدك قومك؟ قال: بأربع خلال: أنخدع «٤» لهم في مالي، وأذلّ لهم في عرضي، ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد كبيرهم.
وفي عرابة الأوسيّ يقول الشماخ بن ضرار:
رأيت عرابة الأوسيّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين
وقالوا: يسود الرجل بأربعة أشياء: بالعقل، والأدب، والعلم، والمال.
وكان سلم بن نوفل سيد بني كنانة، فوثب رجل على ابنه وابن أخيه فجرحهما، فأتي به. فقال له: ما أمّنك من انتقامي؟ قال: فلم سوّدناك إذا، إلا أن تكظم الغيظ وتحلم عن الجاهل. وتحتمل المكروه. فخلّى سبيله. فقال فيه الشاعر:
يسوّد أقوام وليسوا بسادة ... بل السيّد الصّنديد سلم بن نوفل
стр. 506
وقال ابن الكلبي: قال لي خالد العنبري: ما تعدّون السّودد؟ قلت: أمّا في الجاهلية فالرّياسة، وأما في الإسلام فالولاية، وخير من ذا وذلك التقوى. قال: صدقت. كان أبي يقول: لم يدرك الأوّل الشرف إلا بالعقل، ولم يدرك الآخر إلا بما أدرك به الأول. قلت له: صدق أبوك، وإنما ساد الأحنف ابن قيس بحلمه، ومالك بن مسمع بحبّ العشيرة له، وقتيبة بن مسلم بدهائه؛ وساد المهلّب بهذه الخلال كلها.
الأصمعي قال: قيل لأعرابي يقال له منتجع بن نبهان: ما السّميدع؟ قال: السيد الموطأ الأكناف.
وكان عمر بن الخطاب يفرش له فراش في بيته في وقت خلافته، فلا يجلس عليه أحد إلا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن حرب.
قال النبي ﷺ لأبي سفيان: كل الصّيد في جوف الفرا؛ والفرا: الحمار الوحشي، وهو مهموز، وجمعه فراء. ومعناه أنه في الناس مثل الحمار الوحشي في الوحش.
رأي عمرو بن العاص في أخيه هشام:
ودخل عمرو بن العاص مكة، فرأى قوما من قريش قد تحلّقوا حلقة، فلما رأوه رموا بأبصارهم إليه، فعدل إليهم فقال: أحسبكم كنتم في شيء من ذكري. قالوا:
أجل، كنا نماثل بينك وبين أخيك هشام. أيكما أفضل. فقال عمرو. إن لهشام عليّ أربعة: أمه ابنة هشام بن المغيرة، وأمّي من قد عرفتم. وكان أحبّ الناس إلى أبيه مني، وقد عرفتم معرفة الوالد بالولد. وأسلم قبلي. واستشهد وبقيت.
قال قيس بن عاصم لبنيه لما حضرته الوفاة: احفظوا عني، فلا أحد أنصح لكم مني؛ إذا أنا متّ فسوّدوا كباركم ولا تسوّدوا صغاركم فيحقر الناس كباركم.
وقال الأحنف بن قيس: السودد مع السواد.
وهذا المعنى يحتمل وجهين من التفسير: أحدهما أن يكون أراد بالسواد سواد
стр. 507
الشعر، يقول: من لم يسد مع الحداثة لم يسد مع الشيخوخة؛ والوجه الآخر أن يكون أراد بالسواد سواد الناس ودهماءهم، يقول: من لم يطر له اسم على ألسنة العامة بالسّودد لم ينفعه ما طار له في الخاصة.
وقال أبان بن مسلمة «١» :
ولسنا كقوم محدثين سيادة ... يرى مالها ولا تحسّ فعالها
مساعيهم مقصورة في بيوتهم ... ومسعاتنا ذبيان طرّا عيالها
لابن عيينة بعد موت نظرائه:
الهيثم بن عديّ قال: لما انفرد سفيان بن عيينة ومات نظراؤه من العلماء، تكاثر الناس عليه، فأنشد يقول:
خلت الدّيار فسدت غير مسوّد ... ومن الشّقاء تفرّدي بالسّودد
سودد الرجل بنفسه
قال النبي ﷺ : من أسرع به عمله لم يبطيء به حسبه، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
وقال قسّ بن ساعدة: من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب أبيه.
وقالوا: إنما الناس بأبدانهم.
وقال الشاعر:
نفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما
وقال عبد الله بن معاوية:
لسنا وإن كرمت أوائلنا ... يوما على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
стр. 508
وقال قس بن ساعدة: لأقضين بين العرب بقضية لم يقض بها أحد قبلي ولا يردّها أحد بعدي: أيّما رجل رمى رجلا بملامة دونها كرم فلا لوم عليه، وأيما رجل ادّعى كرما دونه لؤم فلا كرم له.
وقالت عائشة ﵂: كل كرم دونه لؤم فاللؤم أولى به، وكل لؤم دونه كرم فالكرم أولى به، تريد أن أولى الأمور بالإنسان خصال نفسه، وإن كان كريما وآباؤه لئام لم يضره ذلك، وإن كان لئيما وآباؤه كرام لم ينفعه ذلك.
وقال عامر بن الطفيل العامريّ:
وإنّي وإن كنت ابن سيّد عامر ... وفارسها المشهور في كلّ موكب
فما سوّدتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بجدّ ولا أب
ولكنّني أحمي حماها وأتّقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبي «١»
وتكلم رجل عند عبد الملك بن مروان بكلام ذهب فيه كلّ مذهب. فأعجب عبد الملك ما سمع من كلامه، فقال له: ابن من أنت؟ قال: أنا ابن نفسي يا أمير المؤمنين، التي بها توصلت إليك. قال: صدقت.
فأخذ الشاعر هذا المعنى، فقال:
ما لي عقلي وهمّتي حسبي ... ما أنا مولى ولا أنا عربي
إذا انتمى منتم إلى أحد ... فإنّني منتم إلى أدبي
وقال بعض المحدّثين:
رأيت رجال بني دالق ... ملوكا بفضل تجاراتهم
وبربرنا عند حيطانهم ... يخوضون في ذكر أمواتهم
وما الناس إلا بأبدانهم ... وأحسابهم في حرّ أماتهم «٢»
стр. 509
المروءة
قال النبي ﷺ : لا دين إلا بمروءة.
وقال ربيعة الرأي: المروءة ست خصال: ثلاثة في الحضر، وثلاثة في السفر. فأما التي في السفر: فبذل الزاد، وحسن الخلق، ومداعبة الرفيق، وأما التي في الحضر:
فتلاوة القرآن، ولزوم المساجد، وعفاف الفرج.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: المروءة مروءتان: مروءة ظاهرة، ومروءة باطنة. فالمروءة الظاهرة الرياش «١» ، والمروءة الباطنة العفاف.
وقدم وفد على معاوية، فقال لهم: ما تعدّون المروءة؟ قالوا: العفاف وإصلاح المعيشة. قال اسمع يا يزيد.
وقيل لأبي هريرة: ما المروءة؟ قال: تقوى الله وتفقّد الضّيعة.
وقيل للأحنف: ما المروءة؟ قال: العفة والحرفة.
وقال عبد الله بن عمر ﵄: إنّا معشر قريش لا نعدّ الحلم والجود سوددا، ونعدّ العفاف وإصلاح المال مروءة.
وقال الأحنف: لا مروءة لكذوب، ولا سودد لبخيل، ولا ورع لسيّىء الخلق.
وقال النبي ﷺ : «تجاوزوا لذوي المروءات عن عثراتهم» فو الذي نفسي بيده، إنّ أحدهم ليعثر وإن يده لبيد الله.
وقال العتبي عن أبيه لا تتمّ مروءة الرجل إلا بخمس: أن يكون عالما صادقا عاقلا ذا بيان مستغنيا عن الناس.
وقال الشاعر:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
وقيل لعبد الملك بن مروان: أكان مصعب بن الزّبير يشرب الطّلاء «٢» ؟ فقال: لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه.
стр. 510
وقالوا: من أخذ من الديك ثلاثة أشياء، ومن الغراب ثلاثة أشياء، تمّ بها أدبه ومروءته: من أخذ من الديك سخاءه وشجاعته وغيرته. ومن الغراب بكوره لطلب الرزق وشدّة حذره وستر سفاده «١» .
طبقات الرجال
قال خالد بن صفوان: الناس ثلاث طبقات: طبقة علماء، وطبقة خطباء، وطبقة أدباء، ورجرجة «٢» بين ذلك، يغلون الأسعار، ويضيّقون الأسواق، ويكدرون المياه.
وقال الحسن: الرجال ثلاثة: فرجل كالغذاء لا يستغنى عنه، ورجل كالدواء لا يحتاج إليه إلا حينا بعد حين، ورجل كالدّاء لا يحتاج إليه أبدا.
وقال مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير: الناس ثلاثة: ناس، ونسناس، وناس غمسوا في ماء الناس.
وقال الخليل بن أحمد: الرجال أربعة: فرجل يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالم فسلوه؛ ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك الناسي فذكّروه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك الجاهل فعلّموه: ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك الأحمق فارفضوه.
وقال الشاعر:
أليس من البلوى بأنّك جاهل ... وأنّك لا تدري بأنك لا تدري
إذا كنت لا تدري ولست كمن درى ... فكيف إذن تدري بأنك لا تدري
ولآخر:
وما الدّاء إلّا أن تعلّم جاهلا ... ويزعم جهلا أنّه منك أعلم
стр. 511
وقال علي بن أبي طالب ﵁: الناس ثلاثة: عالم ربّاني؛ ومتعلّم على سبيل نجاة، ورعاع همج يميلون مع كل ريح.
وقالت الحكماء: الإخوان ثلاثة: فأخ يخلص لك ودّه، ويبذل لك رفده ويستفرغ في مهمّك جهده؛ وأخ ذو نيّة، يقتصر بك على حسن نيته دون رفده ومعونته؛ وأخ يتملّق لك بلسانه ويتشاغل عنك بشأنه ويوسعك من كذبه وأيمانه.
وقال الشّعبي: مرّ رجل بعبد الله بن مسعود، فقال لأصحابه: هذا لا يعلم، ولا يعلم أنه لا يعلم، ولا يتعلّم ممن يعلم.
وقال النبي ﷺ : كن عالما أو متعلّما، ولا تكن الثالثة فتهلك.
الغوغاء
الغوغاء: الدّبا. وهي صغار الجراد، وشبّه بها سواد الناس.
وذكر الغوغاء عند عبد الله بن عباس، فقال: ما اجتمعوا قط إلا ضرّوا، ولا افترقوا إلا نفعوا. قيل له: قد علمنا ما ضرّ اجتماعهم، فما نفع افتراقهم؟ قال:
يذهب الحجّام إلى دكانه، والحدّاد إلى أكياره «١» ، وكل صانع إلى صناعته.
ونظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى قوم يتبعون رجلا أخذ في ريبة؛ فقال:
لا مرحبا بهذه الوجوه التي لا ترى إلا في شر.
وقال حبيب بن أوس الطائي:
إن شئت أن يسودّ ظنّك كلّه ... فأجله في هذا السّواد الأعظم «٢»
وقال دعبل:
ما أكثر النّاس لا بل ما أقلّهم ... الله يعلم أنّي لم أقل فندا
إنّي لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا
стр. 512
الثقلاء
قالت عائشة ﵂: نزلت آية في الثقلاء: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ
«١» .
وقال الشّعبي: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثّقلاء.
وقيل لجالينوس: بم صار الرجل الثّقيل أثقل من الحمل الثقيل، فقال: لأنّ الرجل الثقيل إنما ثقله على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين فيه القلب بالجوارح.
وقال سهل بن هارون، من ثقل عليك بنفسه، وغمّك بسؤاله، فأعره أذنا صمّاء، وعينا عمياء.
وكان أبو هريرة إذا استثقل رجلا قال: اللهم اغفر له وأرحنا منه.
وكان الأعمش إذا حضر مجلسه ثقيل يقول:
فما الفيل تحمله ميّتا ... بأثقل من بعض جلّاسنا
وقال أبو حنيفة للأعمش وأتاه عائدا في مرضه: لولا أن أثقل عليك أبا محمد لعدتك والله في كل يوم مرتين. فقال له الأعمش. والله يا بن أخي أنت ثقيل عليّ وأنت في بيتك، فكيف لو جئتني في كل يوم مرتين.
وذكر رجل ثقيلا كان يجلس إليه، فقال: والله إنّي لأبغض شقّي «٢» الذي يليه إذا جلس إليّ.
ونقش رجل على خاتمه: أبرمت «٣» فقم. فكان إذا جلس إليه ثقيل ناوله إياه وقال: اقرأ ما على هذا الخاتم.
وكان حماد بن سلمة إذا رأى من يستثقله قال: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
«٤» .
стр. 513
وقال بشّار العقيلي في ثقيل يكنى أبا عمران:
ربّما يثقل الجليس وإن كا ... ن خفيفا في كفّة الميزان
ولقد قلت إذ أظلّ على القو ... م ثقيل يربي على ثهلان «١»
كيف لا تحمل الأمانة أرض ... حملت فوقها أبا عمران
ولآخر:
أنت يا هذا ثقيل ... وثقيل وثقيل
أنت في المنظر إنسا ... ن وفي الميزان فيل
وقال الحسن بن هانيء في رجل ثقيل:
ثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سرّه رغم أنفي ألم «٢»
أقول له إذ بدا لا بدا ... ولا حملته إلينا قدم
فقدت خيالك لا من عمى ... وصوت كلامك لا من صمم
وله فيه:
وما أظنّ القلاص منجيتي ... منك ولا الفلك أيّها الرجل
ولو ركبت البراق أدركني ... منك على نأي دارك الثّقل «٣»
هل لك فيما ملكته هبة ... تأخذه جملة وترتحل
وله فيه:
يا من على الجلّاس كالفتق ... كلامك التخديش في الحلق
هل لك في مالي وما قد حوت ... يداي من جلّ ومن دقّ
تأخذه منّي كذا فدية ... واذهب ففي البعد وفي السّحق
وله فيه:
стр. 514
ألا يا جبل المقت الّ ... ذى أرسى فما يبرح
لقد أكثرت تفكيري ... فما أدري لما تصلح
فما تصلح أن تهجى ... ولا تصلح أن تمدح
أهدى رجل من الثقلاء إلى رجل من الظرفاء جملا، ثم نزل عليه حتى أبرمه، فقال فيه:
يا مبرما أهدى جمل ... خذ وانصرف ألفي جمل
قال وما أوقارها؟ قلت زبيب وعسل «١»
قال ومن يقودها ... قلت له ألفا رجل
قال ومن يسوقها ... قلت له ألفا بطل
قال وما لباسهم ... قلت حليّ وحلل
قال وما سلاحهم ... قلت سيوف وأسل «٢»
قال عبيد لي إذن ... قلت نعم ثم خول
قال بهذا فاكتبوا ... إذن عليكم لي سجلّ
قلت له ألفي سجلّ ... فاضمن لنا أن ترتحل
قال وقد أضجرتكم ... قلت أجل ثم أجل
قال وقد أبرمتكم ... قلت له الأمر جلل «٣»
قال وقد أثقلتكم ... قلت له فوق الثّقل
قال فإنّي راحل ... قلت العجل ثم العجل
يا كوكب الشّؤم ومن ... أربى على نحس زحل
يا جبلا من جبل ... في جبل فوق جبل
وقال الحمدوني في رجل بغيض مقيت.
أبا بن البغيضة وابن البغيض ... ومن هو في البغض لا يلحق
стр. 515
سألتك بالله إلّا صدقت ... وعلمي بأنّك لا تصدق
أتبغض نفسك من بغضها ... وإلّا فأنت إذن أحمق
وله فيه:
في حريم النّاس إذ كن ... ت من النّاس تعدّ
ولقد أنبئت إبلي ... س إذا راك يصدّ «١»
ولحبيب الطائي في مثله، أي في رجل مقيت:
يا من تبرّمت الدّنيا بطلعته ... كما تبرّمت الأجفان بالرّمد
يمشي على الأرض مختالا فأحسبه ... لبغض طلعته يمشي على كبدي
لو أنّ في الأرض جزءا من سماجته ... لم يقدم الموت إشفاقا على أحد
وللحسن بن هانيء في الفضل الرقاشي:
رأيت الرّقاشيّ في موضع ... وكان إليّ بغيضا مقيتا
فقال اقترح بعض ما تشتهي ... فقلت اقترحت عليك السّكوتا
وانشدني الشعبي:
إني بليت بمعشر ... نوكى أخفّهم ثقيل
بله إذا جالستهم ... صدئت لقربهم العقول
لا يفهموني قولهم ... ويدقّ عنهم ما أقول
فهم كثير بي كما ... أنّي بقربهم قليل
وقال العتبي: كتب الكسائيّ إلى الرقاشيّ:
شكوت إلينا مجانينكم ... وأشكو إليك مجانيننا
وأنشأت تذكر قذّاركم ... فأنتن وأقذر بمن عندنا
فلولا السلامة كنا كهم ... ولولا البلاء لكانوا كنا «٢»
стр. 516
وقال حبيب الطائي:
وصاحب لي مللت صحبته ... أفقدني الله شخصه عجلا
سرقت سكّينه وخاتمه ... أقطع ما بيننا فما فعلا
وقال حبيب:
يا من له في وجهه إذ بدا ... كنوز قارون من البغض
لو فرّ شيء قطّ من شكله ... فرّ إذن بعضك من بعض
كونك في صلب أبينا الذي ... أهبطنا جمعا إلى الأرض
وقال أبو حاتم: وأنشدني أبو زيد الأنصاري النحوي صاحب النوادر:
وجه يحيى يدعو إلى البصق فيه ... غير أنّي أصون عنه بصاقي
قال أبو حاتم: وأنشدني العتبي:
له وجه يحلّ البصق فيه ... ويحرم أن يلقّى بالتّحيّه
قال: وأنشدني:
قميص أبي أميّة، ما علمتم ... وأوسخ منه جلد أبي أميّة
التفاؤل بالأسماء
سأل عمر بن الخطاب ﵁ رجلا أراد أن يستعين به على عمل، عن اسمه واسم أبيه؛ فقال: ظالم بن سراقة. فقال؛ تظلم أنت ويسرق أبوك! ولم يستعن به في شيء.
وأقبل رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال له عمر: ما اسمك؟ فقال: شهاب بن حرقة. قال: ممن؟ قال: من أهل حرّة النار. قال؛ وأين مسكنك؟ قال: بذات لظى.
قال: اذهب فإن أهلك قد احترقوا. فكان كما قال عمر ﵁.
ولقي عمر بن الخطاب ﵁ مسروق بن الأجدع، فقال له من أنت؟
стр. 517
قال: مسروق بن الأجدع. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: الأجدع شيطان.
للنبي ﷺ في البريد:
وروى سفيان عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير، قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أمرائه: لا تبردوا بريدا إلا حسن الوجه حسن الاسم.
الحجاج ورسول المهلب:
ولما فرغ المهلّب بن أبي صفرة من حرب الأزارقة. وجّه بالفتح إلى الحجاج رجلا يقال له مالك بن بشير؛ فلما دخل على الحجاج قال له: ما اسمك؟ قال: مالك بن بشير. قال: ملك وبشارة.
وقال الشاعر:
وإذا تكون كريهة فرّجتها ... أدعو بأسلم مرّة ورباح
يريد التطيّر بأسلم ورباح، للسلامة والرّبح.
من تفاؤل الرسول ﷺ :
الرياشي عن الأصمعي قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، نزل على رجل من الأنصار، فصاح الرجل بغلاميه: يا سالم، ويا يسار! فقال رسول الله ﷺ : سلمت لنا الدار في يسر.
الرسول ﷺ وحزن بن أبي وهب:
وقال سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب المخزومي: قدم جدّي حزن بن أبي وهب على النبي ﷺ ؛ فقال له: كيف اسمك؟
قال: حزن! قال له رسول الله ﷺ : بل سهل. قال: ما كنت لأدع اسما سمتني به أمي. قال سعيد: فإنا لنجد تلك الحزونة «١» في
стр. 518
أخلاقنا إلى اليوم.
العرب والغراب:
وإنما تطيّرت العرب من الغراب للغربة، إذ كان اسمه مشتقا منها. وقال أبو الشيص:
أشاقك والليل ملقي الجران ... غراب ينوح على غصن بان «١»
وفي نعبات الغراب اغتراب ... وفي البان بين بعيد التّداني
ولآخر في السّفرجل:
أهدي إليه سفرجلا فتطيّرا ... منه فظلّ مفكّرا مستعبرا
خوف الفراق لأنّ شطر هجائه ... سفر وحقّ له بأن يتطيّرا
ولآخر في السّوسن:
يا ذا الذي أهدى لنا السّوسنا ... ما كنت في إهدائه محسنا
شطر اسمه سوء فقد سؤتني ... يا ليت أنّي لم أر السّوسنا
ولآخر في الأترجّ:
أهدى إليه حبيبه أترجّة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر «٢»
خاف التّبدّل والتّلوّن إنّها ... لونان باطنها خلاف الظّاهر
وقال الطائي في الحمام:
هنّ الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهنّ فإنهنّ حمام
وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة، فلما أراد الخروج سألها أن تعطيه خاتم ذهب في يدها ليذكرها به. قالت: إنه ذهب، وأخاف أن تذهب؛ ولكن [خذ] هذا العود، فعلك أن تعود.
стр. 519
باب الطيرة
قال النبي ﷺ : ثلاثة لا يكاد يسلم منهن أحد: الطّيرة، والظنّ، والحسد. قيل:
فما المخرج منهن يا رسول الله؟ قال: إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقّق، وإذا حسدت فلا تبغ.
وقال أبو حاتم: السانح ما ولّاك ميامنه، والبارح ما ولّاك مياسره، والجابه ما استقبلك من تجاهك، والقعيد الذي يأتيك من خلفك.
وقال النبي ﷺ : لا عدوى «١» ولا طيرة.
وقال: ليس منا من تطيّر.
وقال: إذا رأى أحدكم الطيرة فقال: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، لم تضرّه.
وقد كانت العرب تتطير، ويأتي ذلك في أشعارهم، وقال بعضهم:
وما صدقتك الطّير يوم لقيتنا ... وما كان من دلّاك فينا بخابر
وقال حسان رضي الله تعالى عنه:
يا ليت شعري وليت الطّير تخبرني ... ما كان بين عليّ وابن عفّانا
لتسمعنّ وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
وقال الحسن بن هانيء:
قام الأمير بأمر الله في البشر ... واستقبل الملك في مستقبل الثّمر
فالطير تخبرنا والطير صادقة ... عن طيب عيش وعن طول من العمر
قتيبة وشيء من تطيّره:
وقال الشّيباني: لما قدم قتيبة بن مسلم واليا على خراسان، قام خطيبا، فسقطت
стр. 520
المخصرة من يده، فتطيّر به أهل خراسان؛ فقال: أيها الناس، ليس كما ظننتم، ولكنه كما قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
اتخاذ الإخوان وما يجب لهم
روى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أنّ داود قال لابنه سليمان- ﵉:
يا بنيّ، لا تستقل عدوّا واحدا ولا تستكثر ألف صديق، ولا تستبدل بأخ قديم أخا مستحدثا ما أستقام لك.
وفي الحديث المرفوع: المرء كثير بأخيه.
وقال شبيب بن شيبة: إخوان الصفا خير من مكاسب الدنيا، هم زينة في الرخاء، وعدّة في البلاء، ومعونة على الأعداء.
وأنشد ابن الأعرابي:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكنّ إخوان الصّفاء الذّخائر
وقال الأحنف بن قيس: خير الإخوان ما إن استغنيت عنه لم يزدك في المودّة، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها، وإن كوثرت عضّدك، وإن استرفدت رفدك.
وأنشد:
أخوك الذي إن تدعه لملمّة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
ولآخر:
أخاك أخاك إنّ من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وإنّ ابن عمّ المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
ومما يجب للصديق على الصديق النصيحة جهده؛ فقد قالوا: صديق الرجل مرآته، تريه حسناته وسيآته.
стр. 521
وقالوا: الصديق من صدقك ودّه، وبذل لك رفده.
وقالوا: خير الإخوان من أقبل عليك إذا أدبر الزمان عنك.
وقال الشاعر «١» :
فإنّ أولي الموالي أن تواليه ... عند السّرور لمن واساك في الحزن
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
ولآخر:
الصبر من كرم الطّبيعه ... والمنّ مفسدة الصّنيعه «٢»
ترك التّعهّد للصّدي ... ق يكون داعية القطيعه
أنشد محمد بن يزيد المبرد لعبد الصمد بن المعذّل في الحسن بن إبراهيم:
يا من فدت نفسه نفسي ومن جعلت ... له وقاء لما يخشى وأخشاه
أبلغ أخاك وإن شطّ المزار به ... أنّي وإن كنت لا ألقاه ألقاه «٣»
وأنّ طرفي موصول برويته ... وإن تباعد عن مثواي مثواه
الله يعلم أنّي لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه
عدّوا فهل حسن لم يحوه حسن ... وهل فتى عدلت جدواه جدواه
فالدهر يفنى ولا تفنى مكارمه ... والقطر يحصى ولا تحصى عطاياه
لبعض الولاة في الأصدقاء:
وقيل لبعض الولاة: كم صديقا لك؟ قال: لا أدري؛ الدنيا مقبلة عليّ والناس كلهم أصدقائي، وإنما أعرف ذلك إذا أدبرت عني.
ولما صارت الخلافة إلى المنصور كتب إليه رجل من إخوانه كتابا فيه هذه الأبيات:
стр. 522
إنّا بطانتك الألى ... كنا نكابد ما تكابد
ونرى فنعرف بالعدا ... وة والبعاد لمن تباعد
ونبيت من شفق علي ... ك ربيئة والليل هاجد «١»
فلما وصلت الأبيات إلى أبي جعفر وقع على كل بيت منها: صدقت. ودعا به فألحقه بإخوانه.
معاتبة الصديق واستبقاء مودّته
قالت الحكماء: مما يجب للصديق على الصديق، الإغضاء عن زلاته، والتجاوز عن سيآته، فإن رجع وأعتب وإلا عاتبته بلا إكثار؛ فإن كثرة العتاب مدرجة للقطيعة.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: لا تقطع أخاك على ارتياب، ولا تهجره دون استعتاب.
وقال أبو الدرداء: من لك بأخيك كلّه؟
وقالوا: أيّ الرجال المهذّب؟
وقال بشّار العقيلي:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت، وأيّ الناس تصفو مشاربه «٢»
وقالوا: معاتبة الأخ خير من فقده.
وقال الشاعر:
إذا ذهب العتاب فليس ودّ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب
ولمحمد بن أبان:
стр. 523
إذا أنا لم أصبر على الذّنب من أخ ... وكنت أجازيه فأين التفاضل
إذا ما دهاني مفصل فقطعته ... بقيت ومالي للنهوض مفاصل
ولكن أداويه، فإن صحّ سرّني ... وإن هو أعيا كان فيه تحامل
وقال الأحنف: من حقّ الصديق أن يتحمل ثلاثا: ظلم الغضب، وظلم الدّالّة «١» ، وظلم الهفوة.
لعبد الله بن معاوية:
ولست ببادي صاحبي بطيعة ... ولست بمفش سرّه حين يغضب
عليك بإخوان الثّقات فإنهم ... قليل فصلهم دون من كنت تصحب
وما الخدن إلا من صفا لك ودّه ... ومن هو ذو نصح وأنت مغيّب «٢»
فضل الصداقة على القرابة
قيل لبزرجمهر: من أحب إليك: أخوك أم صديقك؟ فقال: ما أحب أخي إلا إذا كان لي صديقا.
وقال أكثم بن صيفي: القرابة تحتاج إلى مودّة، والمودّة لا تحتاج إلى قرابة.
وقال عبد الله بن عباس: القرابة تقطع والمعروف يكفر، وما رأيت كتقارب القلوب.
وقالوا: إياكم ومن تكرهه قلوبكم، فإن القلوب تحازي القلوب. وقال عبد الله بن طاهر الخراساني:
أميل مع الرّفاق على ابن أمّي ... وأحمل للصّديق على الشقيق
وإن ألفيتني ملكا مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق
أفرّق بين معروفي ومنّي ... وأجمع بين مالي والحقوق
стр. 524
وقال حبيب الطائي:
ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... وبلوت ما وضعوا من الأسباب «١»
فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا ... وإذا المودّة أقرب الأنساب
وللمبرّد:
ما القرب إلا لمن صحّت مودّته ... ولم يخنك وليس القرب للنسب
كم من قريب دويّ الصدر مضطغن ... ومن بعيد سليم غير مقترب
وقالت الحكماء: ربّ أخ لك لم تلده أمّك.
وقالوا: القريب من قرب نفعه.
وقالوا: ربّ بعيد أقرب من قريب.
وقال آخر:
ربّ غريب ناصح الجيب ... وابن أب متّهم الغيب
أخو ثقة يسرّ ببعض شأني ... وإن لم تدنه منّي قرابه
أحبّ إليّ من ألفي قريب ... تبيت صدورهم لي مسترابه «٢»
وقال آخر:
فصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل وأقص القريب إن قطعه
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
فارض من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه
وقال:
لكل ضيق من الهموم سعه ... والليل والصبح لا بقاء معه
لا تحقرنّ الفقير علّك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه
стр. 525
وقال ابن هرمة:
لله درّك من فتى فجعت به ... يوم البقيع حوادث الأيام
هشّ إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدّب الخدّام «١»
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيّهما أخو الأرحام
التحبب إلى الناس
في الحديث المرفوع: أحبّ الناس إلى الله أكثرهم تحبّبا إلى الناس.
وفيه أيضا: إذا أحب الله عبدا حبّبه إلى الناس.
ومن قولنا في هذا المعنى:
وجه عليه من الحياء سكينة ... ومحبّة تجري مع الأنفاس
وإذا أحبّ الله يوما عبده ... ألقى عليه محبّة للناس.
وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعد بن أبي وقاص: إن الله إذا أحب عبدا حبّبه إلى خلقه. فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس. واعلم أنّ مالك عند الله مثل ما للناس عندك.
وقال أبو دهمان لسعيد بن مسلم، ووقف إلى بابه فحجبه حينا ثم أذن له، فمثل بين يديه وقال: إن هذا الأمر الذي صار إليك وفي يديك، قد كان في يدي غيرك، فأمسى والله حديثا، إن خيرا فخير وإن شراّ فشرّ. فتحبّب إلى عباد الله بحسن البشر، وتسهيل الحجاب، ولين الجانب؛ فإنّ حبّ عباد الله موصول بحبّ الله، وبغضهم موصول ببغض الله؛ لأنهم شهداء الله على خلقه، ورقباؤه على من اعوجّ عن سبيله.
وقال الجارود: سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخلّ العسل.
стр. 526
وقيل لمعاوية: من أحب الناس إليك؟ قال: من كانت له عندي يد صالحة. قيل له: ثم من؟ قال: من كانت لي عنده يد صالحة.
وقال محمد بن يزيد النّحويّ: أتيت الخليل، فوجدته جالسا على طنفسة صغيرة، فوسّع لي وكرهت أن أضيّق عليه. فانقبضت، فأخذ بعضدي وقرّبني إلى نفسه، وقال: إنه لا يضيق سمّ الخياط «١» بمتحابّين، ولا تسع الدنيا متباغضين.
ومن قولنا في هذا المعنى:
صل من هويت وإن أبدى معاتبة ... فأطيب العيش وصل بين إلفين
واقطع حبائل خدن لا تلائمه ... فربّما ضاقت الدنيا بإثنين
صفة المحبة
لابن طاهر يصف الحب للمأمون:
أبو بكر الورّاق قال: سأل المأمون عبد الله بن طاهر ذا الرياستين عن الحب، ما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إذا تقادحت «٢» جواهر النفوس المتقاطعة بوصل المشاكلة، انبعثت منها لمحة نور تستضيء بها بواطن الأعضاء، فتتحرّك لإشراقها طبائع الحياة، فيتصوّر من ذلك خلق حاضر للنفس، متصل بخواطرها، يسمى الحب.
وسئل حمّاد الراوية عن الحب، ما هو؟ قال: الحب شجرة أصلها الفكر، وعروقها الذكر، وأغصانها السهر، وأوراقها الأسقام، وثمرتها المنيّة.
وقال معاذ بن سهل: الحب أصعب ما ركب، وأسكر ما شرب، وأفظع ما لقي، وأحلى ما اشتهي، وأوجع ما بطن، وأشهى ما علن.
وهو كما قال الشاعر:
стр. 527
وللحبّ آفات إذا هي صرّحت ... تبدّت علامات لها غرر صفر «١»
فباطنه سقم وظاهره جوى ... وأوّله ذكر وآخره فكر «٢»
وقالوا: لا يكن حبّك كلفا «٣» ، ولا بغضك سرفا «٤» .
وقال بشّار العقيلي:
هل تعلمين وراء الحبّ منزلة ... تدني إليك، فإنّ الحبّ أقصاني
وقال غيره:
أحبّك حبّا لو تحبّين مثله ... أصابك من وجد عليّ جنون
لطيفا مع الأحشاء أمّا نهاره ... فدمع وأما ليله فأنين
مواصلتك لمن كان يواصل أباك
من حديث ابن أبي شيبة عن النبي ﷺ : لا تقطع من كان يواصل أباك، تطفي بذلك نوره؛ فإن ودّك ودّ أبيك.
وقال عبد الله بن مسعود: من برّ الحيّ بالميت ان يصل من كان يصل أباه.
وقال أبو بكر: الحب والبغض يتوارثان.
ومن أمثالهم في هذا المعنى: لا تقتن من كلب سوء جروا.
وقال الشاعر:
ترجو الوليد وقد أعياك والده ... وما رجاؤك بعد الوالد الولد!
واجتمع عند ملك من ملوك العرب تميم بن مرّ وبكر بن وائل؛ فوقعت بينهما منازعة ومفاخرة، فقالا: أيها الملك، أعطنا سيفين نتجالد بهما بين يديك، حتى تعلم
стр. 528
أيّنا أجلد. فأمر الملك فمنحت لهما سيفان من عودين، فأعطاهما إياهما، فجعلا يضطربان مليّا من النهار؛ فقال بكر بن وائل:
لو كان سيفانا حديدا قطّعا
قال تميم بن مر:
أو نحتا من جندل تصدّعا
وحال الملك بينهما، فقال تميم بن مر لبكر بن وائل:
أساجلك العداوة ما بقينا
فقال له بكر:
وإن متنا نورّثها البنينا
فيقال إن عداوة بكر وتميم من أجل ذلك إلى اليوم.
عداوة تميم وبكر وشعر ابن حلزة:
أبو زيد: قال أبو عبيدة. بني دكّان بسجستان، بنته بكر بن وائل، فهدمته تميم؛ ثم بنته تميم فهدمته بكر؛ فتواقعوا في ذلك أربعا وعشرين وقعة، فقال ابن حلّزة اليشكري في ذلك:
قرّبي يا خليّ ويحك درعي ... لقحت حربنا وحرب تميم «١»
إخوة قرّشوا الذّنوب علينا ... في حديث من دهرهم وقديم «٢»
طلبوا صلحنا ولات أوان ... إنّ ما يطلبون فوق النّجوم
стр. 529
الحسد
قال علي ﵁: لا راحة لحسود، ولا إخاء لملول. ولا محبّ لسّيء الخلق.
وقال الحسن: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد: نفس دائم، وحزن لازم، وغمّ لا ينفذ.
وقال النبي ﷺ : كاد الحسد يغلب القدر.
وقال معاوية: كلّ الناس أقدر أرضيهم، إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها.
وقال الشاعر:
كلّ العداوة قد ترجى إماتتها ... إلّا عداوة من عاداك من حسد
وقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله! قيل له ومن يعادي نعم الله؟ قال:
الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. يقول الله في بعض الكتب: الحسود عدوّ نعمتي، متسخّط لقضائي، غير راض بقسمتي.
ويقال: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي الله به في الأرض؛ فأمّا في السماء فحسد إبليس لآدم، وأمّا في الأرض فحسد قابيل هابيل.
وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ
«١» . إنه أراد بالذي من الجن إبليس، والذي من الإنس قابيل. وذلك أن إبليس أول من سنّ الكفر، وقابيل أول من سنّ القتل؛ وإنما كان أصل ذلك كله الحسد.
ولأبي العتاهية:
стр. 530
يا ربّ إنّ الناس لا ينصفونني ... وكيف ولو أنصفتهم ظلموني
وإن كان لي شيء تصدّوا لأخذه ... وإن جئت أبغي سيبهم منعوني «١»
وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم ... وإن أنا لم أبذل لهم شتموني
وإن طرقتني نقمة فرحوا بها ... وإن صحبتني نعمة حسدوني
سأمنع قلبي أن يحنّ إليهم ... وأحجب عنهم ناظري وجفوني
قيس بن زهير وغطفان:
أبو عبيدة معمر بن المثنّى قال: مرّ قيس بن زهير ببلاد غطفان، فرأى ثروة وعددا، فكره ذلك، فقيل له: أيسوءك ما يسرّ الناس؟ قال: إنك لا تدري أنّ مع النعمة والثروة التحاسد والتخاذل، وأن مع القلة التحاشد والتناصر.
قال: وكان يقال: ما أثرى قوم قطّ إلا تحاسدوا وتجادلوا.
وقال بعض الحكماء: ألزم الناس كآبة أربعة: رجل حديد، ورجل حسود، وخليط الأدباء وهو غير أديب، وحكيم محقّر لدى الأقوام.
علي بن بشر المروزي قال: كتب إليّ ابن المبارك هذه الأبيات:
كلّ العداوة قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد
فإن في القلب منها عقدة عقدت ... وليس يفتحها راق إلى الأبد «٢»
إلّا الإله فإن يرحم تحلّ به ... وإن أباه فلا ترجوه من أحد
سئل بعض الحكماء: أي أعدائك لا تحبّ أن يعود لك صديقا؟ قال: الحاسد الذي لا يرده إلى مودتي إلا زوال نعمتي.
وقال سليمان التّيمي: الحسد يضعف اليقين، ويسهر العين، ويكثر الهمّ.
الأحنف بن قيس، صلى على حارثة بن قدامة السّعدي، فقال: رحمك الله، كنت
следующие страницы →