Полный текст (2 664 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وقيل لمعاوية: من أحب الناس إليك؟ قال: من كانت له عندي يد صالحة. قيل له: ثم من؟ قال: من كانت لي عنده يد صالحة.
وقال محمد بن يزيد النّحويّ: أتيت الخليل، فوجدته جالسا على طنفسة صغيرة، فوسّع لي وكرهت أن أضيّق عليه. فانقبضت، فأخذ بعضدي وقرّبني إلى نفسه، وقال: إنه لا يضيق سمّ الخياط «١» بمتحابّين، ولا تسع الدنيا متباغضين.
ومن قولنا في هذا المعنى:
صل من هويت وإن أبدى معاتبة ... فأطيب العيش وصل بين إلفين
واقطع حبائل خدن لا تلائمه ... فربّما ضاقت الدنيا بإثنين
صفة المحبة
لابن طاهر يصف الحب للمأمون:
أبو بكر الورّاق قال: سأل المأمون عبد الله بن طاهر ذا الرياستين عن الحب، ما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إذا تقادحت «٢» جواهر النفوس المتقاطعة بوصل المشاكلة، انبعثت منها لمحة نور تستضيء بها بواطن الأعضاء، فتتحرّك لإشراقها طبائع الحياة، فيتصوّر من ذلك خلق حاضر للنفس، متصل بخواطرها، يسمى الحب.
وسئل حمّاد الراوية عن الحب، ما هو؟ قال: الحب شجرة أصلها الفكر، وعروقها الذكر، وأغصانها السهر، وأوراقها الأسقام، وثمرتها المنيّة.
وقال معاذ بن سهل: الحب أصعب ما ركب، وأسكر ما شرب، وأفظع ما لقي، وأحلى ما اشتهي، وأوجع ما بطن، وأشهى ما علن.
وهو كما قال الشاعر:
стр. 527
وللحبّ آفات إذا هي صرّحت ... تبدّت علامات لها غرر صفر «١»
فباطنه سقم وظاهره جوى ... وأوّله ذكر وآخره فكر «٢»
وقالوا: لا يكن حبّك كلفا «٣» ، ولا بغضك سرفا «٤» .
وقال بشّار العقيلي:
هل تعلمين وراء الحبّ منزلة ... تدني إليك، فإنّ الحبّ أقصاني
وقال غيره:
أحبّك حبّا لو تحبّين مثله ... أصابك من وجد عليّ جنون
لطيفا مع الأحشاء أمّا نهاره ... فدمع وأما ليله فأنين
مواصلتك لمن كان يواصل أباك
من حديث ابن أبي شيبة عن النبي ﷺ : لا تقطع من كان يواصل أباك، تطفي بذلك نوره؛ فإن ودّك ودّ أبيك.
وقال عبد الله بن مسعود: من برّ الحيّ بالميت ان يصل من كان يصل أباه.
وقال أبو بكر: الحب والبغض يتوارثان.
ومن أمثالهم في هذا المعنى: لا تقتن من كلب سوء جروا.
وقال الشاعر:
ترجو الوليد وقد أعياك والده ... وما رجاؤك بعد الوالد الولد!
واجتمع عند ملك من ملوك العرب تميم بن مرّ وبكر بن وائل؛ فوقعت بينهما منازعة ومفاخرة، فقالا: أيها الملك، أعطنا سيفين نتجالد بهما بين يديك، حتى تعلم
стр. 528
أيّنا أجلد. فأمر الملك فمنحت لهما سيفان من عودين، فأعطاهما إياهما، فجعلا يضطربان مليّا من النهار؛ فقال بكر بن وائل:
لو كان سيفانا حديدا قطّعا
قال تميم بن مر:
أو نحتا من جندل تصدّعا
وحال الملك بينهما، فقال تميم بن مر لبكر بن وائل:
أساجلك العداوة ما بقينا
فقال له بكر:
وإن متنا نورّثها البنينا
فيقال إن عداوة بكر وتميم من أجل ذلك إلى اليوم.
عداوة تميم وبكر وشعر ابن حلزة:
أبو زيد: قال أبو عبيدة. بني دكّان بسجستان، بنته بكر بن وائل، فهدمته تميم؛ ثم بنته تميم فهدمته بكر؛ فتواقعوا في ذلك أربعا وعشرين وقعة، فقال ابن حلّزة اليشكري في ذلك:
قرّبي يا خليّ ويحك درعي ... لقحت حربنا وحرب تميم «١»
إخوة قرّشوا الذّنوب علينا ... في حديث من دهرهم وقديم «٢»
طلبوا صلحنا ولات أوان ... إنّ ما يطلبون فوق النّجوم
стр. 529
الحسد
قال علي ﵁: لا راحة لحسود، ولا إخاء لملول. ولا محبّ لسّيء الخلق.
وقال الحسن: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد: نفس دائم، وحزن لازم، وغمّ لا ينفذ.
وقال النبي ﷺ : كاد الحسد يغلب القدر.
وقال معاوية: كلّ الناس أقدر أرضيهم، إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها.
وقال الشاعر:
كلّ العداوة قد ترجى إماتتها ... إلّا عداوة من عاداك من حسد
وقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله! قيل له ومن يعادي نعم الله؟ قال:
الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. يقول الله في بعض الكتب: الحسود عدوّ نعمتي، متسخّط لقضائي، غير راض بقسمتي.
ويقال: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي الله به في الأرض؛ فأمّا في السماء فحسد إبليس لآدم، وأمّا في الأرض فحسد قابيل هابيل.
وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ
«١» . إنه أراد بالذي من الجن إبليس، والذي من الإنس قابيل. وذلك أن إبليس أول من سنّ الكفر، وقابيل أول من سنّ القتل؛ وإنما كان أصل ذلك كله الحسد.
ولأبي العتاهية:
стр. 530
يا ربّ إنّ الناس لا ينصفونني ... وكيف ولو أنصفتهم ظلموني
وإن كان لي شيء تصدّوا لأخذه ... وإن جئت أبغي سيبهم منعوني «١»
وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم ... وإن أنا لم أبذل لهم شتموني
وإن طرقتني نقمة فرحوا بها ... وإن صحبتني نعمة حسدوني
سأمنع قلبي أن يحنّ إليهم ... وأحجب عنهم ناظري وجفوني
قيس بن زهير وغطفان:
أبو عبيدة معمر بن المثنّى قال: مرّ قيس بن زهير ببلاد غطفان، فرأى ثروة وعددا، فكره ذلك، فقيل له: أيسوءك ما يسرّ الناس؟ قال: إنك لا تدري أنّ مع النعمة والثروة التحاسد والتخاذل، وأن مع القلة التحاشد والتناصر.
قال: وكان يقال: ما أثرى قوم قطّ إلا تحاسدوا وتجادلوا.
وقال بعض الحكماء: ألزم الناس كآبة أربعة: رجل حديد، ورجل حسود، وخليط الأدباء وهو غير أديب، وحكيم محقّر لدى الأقوام.
علي بن بشر المروزي قال: كتب إليّ ابن المبارك هذه الأبيات:
كلّ العداوة قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد
فإن في القلب منها عقدة عقدت ... وليس يفتحها راق إلى الأبد «٢»
إلّا الإله فإن يرحم تحلّ به ... وإن أباه فلا ترجوه من أحد
سئل بعض الحكماء: أي أعدائك لا تحبّ أن يعود لك صديقا؟ قال: الحاسد الذي لا يرده إلى مودتي إلا زوال نعمتي.
وقال سليمان التّيمي: الحسد يضعف اليقين، ويسهر العين، ويكثر الهمّ.
الأحنف بن قيس، صلى على حارثة بن قدامة السّعدي، فقال: رحمك الله، كنت
стр. 531
لا تحسد غنيا، ولا تحقر فقيرا.
وكان يقال: لا يوجد الحر حريصا، ولا الكريم حسودا.
وقال بعض الحكماء: أجهد البلاء أن تظهر الخلّة، وتطول المدة، وتعجزّ الحيلة، ثم لا تعدم صديقا مولّيا، وابن عم شامتا، وجارا حاسدا، ووليا قد تحوّل عدوا، وزوجة مختلعة «١» ، وجارية مستبيعة «٢» ، وعبدا يحقرك وولدا ينتهرك؛ فانظر أين موضع جهدك في الهرب.
لرجل من قريش:
حسدوا النّعمة لمّا ظهرت ... فرموها بأباطيل الكلم
وإذا ما الله أسدى نعمة ... لم يضرها قول أعداء النّعم
وقيل: إذا سرّك أن تسلم من الحاسد فعمّ عليه أمرك.
وكانت عائشة ﵂ تتمثّل بهذين البيتين:
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
ولبعضهم:
إياك والحسد الذي هو آفة ... فتوقّه وتوقّ غرّة من حسد «٣»
إنّ الحسود إذا أراك مودّة ... بالقول فهو لك العدوّ المجتهد
إبليس ونوح:
الليث بن سعد قال: بلغني أن إبليس لقى نوحا ﷺ ، فقال له إبليس: اتق الحسد والشحّ، فإني حسدت آدم فخرجت من الجنّة، وشحّ آدم على شجرة واحدة
стр. 532
منع منها حتى خرج من الجنة.
وقال الحسن: أصول الشر وفروعه ستة: فالأصول الثلاثة: الحسد، والحرص، وحب الدنيا، والفروع كذلك: حب الرياسة، وحب الثناء، وحب الفخر.
وقال الحسن: يحسد أحدهم أخاه حتى يقع في سريرته وما يعرف علانيته، ويلومه على ما لا يعلمه منه، ويتعلم منه في الصداقة ما يعيّره به إذا كانت العداوة؛ والله ما أرى هذا بمسلم.
ابن أبي الدّنيا قال: بلغني عن عمر بن ذرّ أنه قال: اللهم من أرادنا بشر فاكفناه بأيّ حكميك شئت، إما بتوبة وإما براحة.
قال بان عباس: ما حسدت أحدا ما حسدت على هاتين الكلمتين.
وقال ابن عباس: لا تحقرنّ كلمة الحكمة أن تسمعها من الفاجر؛ فإنما مثله كما قال الأوّل: ربّ رمية من غير رام.
وقال بعض الحكماء: ما أمحق «١» للإيمان ولا أهتك للستر من الحسد، وذلك أنّ الحاسد معاند لحكم الله، باغ على عباده، عات على ربه، يعتدّ نعم الله نقما، ومزيده غيرا، وعدل قضائه حيفا، للناس حال وله حال، ليس يهدأ ليله، ولا ينام جشعه، ولا ينفعه عيشه، محتقر لنعم الله عليه، متسخّط ما جرت به أقداره، لا يبرد غليله، ولا تؤمن غوائله «٢» ، إن سالمته وترك «٣» ، وإن واصلته قطعك، وإن صرمته «٤» سبقك.
ذكر حاسد عند بعض الحكماء فقال: يا عجبا لرجل أسلكه الشيطان مهاوي الضلالة، وأورده قحم الهلكة «٥» ، فصار لنعم الله تعالى بالمرصاد، إن أنالها من أحبّ
стр. 533
من عباده، أشعر قلبه الأسف على ما لم يقدر له، وأغاره «١» الكلف بما لم يكن ليناله.
أنشدني فتى بالرملة:
اصبر على حسد الحسود ... فإنّ صبرك قاتله
كالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله
وقال عبد الملك بن مروان للحجاج: إنه ليس من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه، فصف لي عيوبك. قال: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لست أفعل. قال: أنا لحوح، لدود، حقود، حسود. قال: ما في إبليس شرّ من هذا.
وقال المنصور لسليمان بن معاوية المهلّبي: ما أسرع حسد الناس إلى قومك! فقال:
يا أمير المؤمنين:
إنّ العرانين تلقاها محسّدة ... ولا ترى للئام الناس حسّادا «٢»
وأنشد أبو موسى لنصر بن سيار:
إنّي نشأت وحسّادي ذوو عدد ... ياذا المعارج لا تنقص لهم عددا «٣»
إن تحسدوني على حسن البلاء بهم ... فمثل حسن بلائي جرّ لي حسدا
وقال آخر:
إن يحسدوني فإنّي غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد
وقال آخر:
إنّ الغراب وكان يمشي مشية ... فيما مضى من سالف الأحوال
حسد القطاة فرام يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العقّال
فأضلّ مشيته وأخطأ مشيها ... فلذاك كنّوه أبا مرقال
стр. 534
وقال حبيب الطائي:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود «١»
وقال محمد بن مناذر:
يا أيّها العائبي وما بي من ... عيب ألا ترعوي وتزدجر
هل لك عندي وتر فتطلبه ... أم أنت ممّا أتيت معتذر «٢»
إن يك قسم الإله فضّلني ... وأنت صلد ما فيك معتصر
فالحمد والشكر والثناء له ... وللحسود التراب والحجر
فما الذي يجتني جليسك أو ... يبدو له منك حين يختبر
اقرأ لنا سورة تذكّرنا ... فإنّ خير المواعظ السّور
أوصف لنا الحكم في فرائضنا ... ما تستحقّ الانثى أو الذّكر
أو ارو فقها تحيا القلوب به ... جاء به عن نبيّنا الأثر
أو من أحاديث جاهليّتنا ... فإنها حكمة ومختبر
أو ارو عن فارس لنا مثلا ... فإنّ أمثالها لنا عبر
فإن تكن قد جهلت ذاك وذا ... ففيك للناظرين معتبر
فغنّ صوتا تشجى القلوب به ... وبعض ما قد أتيت يغتفر «٣»
بصري يحسده قومه:
الأصمعي قال: كان رجل من أهل البصرة بذيّا شرّيرا، يؤذي جيرانه ويشتم أعراضهم؛ فأتاه رجل فوعظه فقال له: ما بال جيرانك يشكونك؟ قال: إنهم يحسدونني! قال له: على أيّ شيء يحسدونك؟ قال: على الصّلب! قال: وكيف ذاك؟
قال أقبل معي. فأقبل معه إلى جيرانه، فقعد متحازنا؛ فقالوا: مالك! قال: طرق
стр. 535
الليلة كتاب معاوية أن أصلب أنا ومالك بن المنذر، وفلان، وفلان. فذكر رجالا من أشراف أهل البصرة؛ فوثبوا عليه وقالوا: يا عدوّ الله! أنت تصلب مع هؤلاء ولا كرامة لك؟ فالتفت إلى الرجل فقال: أما تراهم قد حسدوني على الصّلب؟ فكيف لو كان خيرا.
وقيل لأبي عاصم النبيل: إن يحيى بن سعيد يحسدك وربما قرّضك «١» . فأنشأ يقول:
فلست بحيّ ولا ميّت ... إذا لم تعاد ولم تحسد
محاسدة الأقارب
كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: مر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا.
وقال أكثم بن صيفي: تباعدوا في الديار تقاربوا في المودّة.
وقالوا: أزهد الناس في عالم أهله.
فرج بن سلام قال: وقف أمية بن أبي الأسكر على ابن عم له فقال:
نشدتك بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من لؤيّ بن غالب
فإنك قد جرّبتني فوجدتني ... أعينك في الجلّى وأكفيك جانبي «٢»
وإن دبّ من قوم إليك عداوة ... عقاربهم دبّت إليهم عقاربي
قال: نعم، كذلك أنت. قال: فما بال مئبرك «٣» لا يزال إليّ دسيسا؟ قال: لا أعود! قال: قد رضيت وعفا الله عما سلف.
وقال يحيى بن سعيد: من أراد أن يبين عمله ويظهر علمه، فليجلس في غير مجلس رهطه.
стр. 536
وقالوا: الأقارب هم العقارب.
وقيل لعطاء بن مصعب: كيف غلبت على البرامكة وكان عندهم من هو آدب منك؟ قال: كنت بعيد الدار منهم، غريب الاسم، عظيم الكبر، صغير الجرم، كثير الالتواء، فقرّبني إليهم تباعدي منهم، ورغّبهم فيّ رغبتي عنهم، وليس للقرباء ظرافة الغرباء.
وقال رجل لخالد بن صفوان: إني أحبك. قال: وما يمنعك من ذلك ولست لك بجار ولا أخ ولا ابن عم؟ يريد أنّ الحسد موكّل بالأدنى فالأدنى.
الشيباني قال: خرج أبو العباس أمير المؤمنين متنزّها بالأنبار، فأمعن في نزهته وانتبذ من أصحابه، فوافى خباء لأعرابي؛ فقال له الأعرابي: ممن الرجل؟ قال: من كنانة. قال: من أيّ كنانة؟ قال: من أبغض كنانة إلى كنانة. قال: فأنت إذا من قريش؟ قال: نعم. قال: فمن أيّ قريش؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش. قال:
فأنت إذا من ولد عبد المطلب؟ قال: نعم. قال: فمن أي ولد عبد المطلب أنت؟
قال: من أبغض ولد عبد المطلب إلى ولد عبد المطلب. قال: فأنت إذا أمير المؤمنين! السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فاستحسن ما رأى منه وأمر له بجائزة.
وقال ذو الإصبع العدواني:
لي ابن عم على ما كان من خلق ... محاسد لي أقليه ويقليني «١»
أزرى بنا أنّنا شالت نعامتنا ... فخالني دونه أو خلته دوني «٢»
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة اسقوني «٣»
ماذا عليّ وإن كنتم ذوي رحمي ... ألّا أحبّكم إن لم تحبوني
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
стр. 537
وقال آخر:
مهلا بني عمّنا، مهلا موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا
الله يعلم أنّا لا نحبّكم ... ولا نلومكم إن لم تحبّونا
وقال آخر:
ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... ووصفت ما وصفوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا ... وإذا المودة أقرب الأنساب
المشاكلة ومعرفة الرجل لصاحبه
قالوا: أقرب القرابة المشاكلة. وقالوا: الصاحب المناسب.
وقال حبيب:
وقلت أخي، قالوا أخ من قرابة؟ ... فقلت لهم إنّ الشكول أقارب «١»
وقال أيضا:
ذو الودّ مني وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وإخواني
عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرّقوا في الأرض جيراني
وقال أيضا:
إن نفترق نسبا يؤلّف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد
أو نختلف فالوصل منا ماؤه ... عذب تحدّر من غمام واحد
وقال آخر:
إنّ النفوس لأجناد مجندة ... بالإذن من ربّنا تجري وتختلف «٢»
فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف
стр. 538
وقال رسول الله ﷺ : «الأنفس أجناد مجندة، وإنها لتتشامّ في الهوى كما تتشامّ الخيل؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» .
وقال ﷺ : «الصاحب رقعة في الثوب، فلينظر الإنسان بم يرقع ثوبه.
وقال ﵊: امتحنوا الناس بإخوانهم» .
وقال الشاعر:
فاعتبروا الأرض بأشباهها ... واعتبروا الصاحب بالصاحب
وقالوا: كل إلف إلى إلفه ينزع.
وقال الشاعر:
والإلف ينزع نحو الآلفين كما ... طير السماء على ألّافها تقع
قال امرؤ القيس:
أجارتنا إنا غريبان ها هنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب
وقال آخر:
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
وقال آخر:
اصحب ذوي الفضل وأهل الدين ... فالمرء منسوب إلى القرين
سليمان ﵇ وحديث النسر والقصر:
أيوب عن سليمان قال: حدثنا أبان بن عيسى عن أبيه عن ابن القاسم، قال: بينما سليمان بن داود ﵉ تحمله الريح إذ مر بنسر واقع على قصر، فقال له: كم لك مذ وقعت ها هنا؟ قال: سبعمائة سنة. قال: فمن بنى هذا القصر؟ قال: لا
стр. 539
أدري، هكذا وجدته. ثم نظر فإذا فيه كتاب منقور بأبيات من شعر، وهي «١» :
خرجنا من قرى اصطخر ... إلى القصر فقلناه
فلا تصحب أخا السّوء ... وإيّاك وإيّاه
فكم من جاهل أردى ... حكيما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما المرء ما شاه
وفي الناس من الناس ... مقاييس وأشباه
وفي العين غنى للع ... ين أن تنطق أفواه
السعاية والبغي
قال الله تعالى ذكره: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
«٢» .
وقال : ... ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
«٣» .
وقال الشاعر:
فلا سبق إلى أحد ببغي ... فإنّ البغي مصرعه وخيم
وقال العتابي:
بغيت فلم تقع إلّا صريعا ... كذاك البغي يصرع كل باغ
للمأمون يوصي بعض ولده:
وقال المأمون يوما لبعض ولده: إياك أن تصغى لاستماع قول السّعاة، فإنه ما سعى رجل برجل إلا انحط من قدره عندي ما لا يتلافاه أبدا.
ووقّع في رقعة ساع: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين.
стр. 540
ووقّع في رقعة رجل سعى إليه ببعض عماله: قد سمعنا ما ذكره الله في كتابه، فانصرف رحمك الله.
فكان إذا ذكر عنده السعاة قال: ما ظنّكم بقوم يلعنهم الله على الصدق.
وسعى رجل إلى بلاد بن أبي بردة، فقال له: انصرف حتى أكشف عما ذكرت. ثم كشف عن ذلك فإذا هو لغير رشدة؛ فقال: أنا أبو عمرو، ما كذبت ولا كذبت.
للنبي ﷺ :
حدّثني أبي عن جدي أنّ رسول الله ﷺ قال: «الساعي لغير رشدة» «١» .
عبد الملك ورجل سعى إليه:
وسأل رجل عبد الملك الخلوة، فقال لأصحابه: إذا شئتم فقوموا. فلما تهيّأ الرجل للكلام قال له: إياك أن تمدحني؛ فأنا أعلم بنفسي منك، أو تكذبني، فإنه لا رأي لكذوب؛ أو تسعى إليّ بأحد. وإن شئت أقلتك. قال: أقلني.
ودخل رجل على الوليد بن عبد الملك، وهو والي دمشق لأبيه، فقال: للأمير عندي نصيحة. فقال: إن كانت لنا فاذكرها، وإن كانت لغيرنا فلا حاجة لنا فيها.
قال: جار لي عصى وفرّ من بعثه «٢» . قال: أما أنت فتخبر أنك جار سوء؛ فإن شئت أرسلنا معك، فإن كنت صادقا أقصيناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت تاركناك، قال: تاركني.
من سير العجم:
وفي سير العجم: أنّ رجلا وشى برجل إلى الإسكندر، فقال: أتحب أن تقبل منه عليك ومنك عليه؟ قال: لا. قال: فكف عن الشرّ يكفّ عنك الشر.
стр. 541
وقال الشاعر:
إذا الواشي بغى يوما صديقا ... فلا تدع الصّديق لقول واش
وقال ذو الرياستين: قبول النميمة شرّ من النميمة؛ لأن النميمة دلالة والقبول إجازة، وليس من دلّ على شيء كمن قبله وأجازه.
ذكر السّعاة عند المأمون فقال: لو لم يكن في عيبهم إلا أنهم أصدق ما يكونون أبغض ما يكونون إلى الله تعالى لكفاهم.
وعاتب مصعب بن الزبير الأحنف في شيء، فأنكره، فقال: أخبرني الثقة. قال:
كلا، إنّ الثقة لا يبلّغ.
وقد جعل الله السامع شريك القائل فقال: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
«١» .
وقيل: حسبك من شرّ سماعه.
وقال الشاعر:
لعمرك ما سبّ الأمير عدوّه ... ولكنّما سبّ الأمير المبلّغ
وقال آخر:
لا تقبلنّ نميمة بلّغتها ... وتحفّظنّ من الذي أنباكها
لا تنقشنّ برجل غيرك شوكة ... فتقي برجلك رجل من قد شاكها «٢»
إنّ الذي أنباك عنه نميمة ... سيدبّ عنك بمثلها قد حاكها
وقال دعبل:
وقد قطع الواشون ما كان بيننا ... ونحن إلى أن يوصل الحبل أحوج
رأوا عورة فاستقبلوها بألبهم ... فلم ينههم حلم ولم يتحرّجوا «٣»
وكانوا أناسا كنت آمن غيبهم ... فراحوا على ما لا نحبّ فأدلجوا «٤»
стр. 542
الغيبة
قال النبي ﷺ : إذا قلت في الرجل ما فيه فقد اغتبته، وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهتّه «١» .
ومرّ محمد بن سيرين بقوم، فقال إليه رجل منهم فقال: أبا بكر، إنا قد نلنا منك فحلّلنا فقال: إني لا أحلّ ما حرّم الله عليك، فأما ما كان إليّ فهو لك.
وكان رقبة بن مصقلة جالسا مع أصحابه، فذكروا رجلا بشيء، فاطلع ذلك الرجل، فقال له بعض أصحابه: ألا أخبره بما قلنا فيه لئلا تكون غيبة؟ قال: أخبره حتى تكون نميمة.
اغتاب رجل رجلا عند قتيبة بن مسلم، فقال له قتيبة: أمسك عليك أيها الرجل، فو الله لقد تلمّظت «٢» بمضغة طالما لفظها الكرام.
محمد بن مسلم الطائفي قال: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال له: بلغني أنك نلت مني. قال: نفسي أعزّ عليّ من ذلك.
وقال رجل لبكر بن محمد بن عصمة. بلغني أنك تقع فيّ! قال أنت إذا عليّ أكرم من نفسي.
ووقع رجل في طلحة والزبير عند سعد بن أبي وقّاص، فقال له: اسكت، فإنّ الذي بيننا لم يبلغ ديننا.
وعاب رجل رجلا عند بعض الأشراف، فقال له: قد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيوب الناس؛ لأنّ طالب العيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها ...
أما سمعت قول الشاعر:
لا تهتكن من مساوي النّاس ما ستروا ... فيهتك الله سترا من مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا
وقال آخر:
стр. 543
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
إبدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
وقال محمد بن السماك: تجنّب القول في أخيك لخلّتين: أمّا واحدة فلعلك تعيبه بشيء هو فيك، وأما الأخرى فإن يكن الله عافاك مما ابتلاه كان شكرك الله فيه على العافية تعييرا لأخيك على البلاء.
وقيل لبعض الحكماء: فلان يعيبك! قال: إنما يقرض الدرهم الوازن.
وقيل لبزرجمهر: هل تعلم أحدا لا عيب فيه؟ قال: إن الذي لا عيب فيه لا يموت.
وقيل لعمرو بن عبيد: لقد وقع فيك أيوب السّختياني حتى رحمناك. قال: إياه فارحموا.
وقال ابن عباس: اذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به، ودع منه ما تحب أن يدع منك.
النبي ﷺ وابن الحضرمي:
وقدم العلاء بن الحضرميّ على النبي ﷺ ، فقال له: هل تروي من الشعر شيئا؟
قال: نعم. قال: فأنشدني. فأنشده:
تحبّب ذوي الأضغان تسب نفوسهم ... تحبّبك القربى فقد ترقع النّعل
وإن دحسوا بالكره فاعف تكرّما ... وإن غيّبوا عنك الحديث فلا تسل «١»
فإنّ الّذي يؤذيك منه سماعه ... وإن الّذي قالوا وراءك لم يقل
فقال النبي ﵇: إن من الشعر لحكمة.
وقال الحسن البصريّ: لا غيبة في ثلاثة: فاسق مجاهر بالفسق، وإمام جائر وصاحب بدعة لم يدع بدعته.
стр. 544
وكتب الكسائيّ إلى الرقاشيّ:
تركت المسجد الجام ... ع والتّرك له ريبه
فلا نافلة تقضي ... ولا تقضي لمكتوبه
وأخبارك تأتينا ... على الأعلام منصوبه
فإن زدت من الغيب ... ة زدناك من الغيبه
مداراة أهل الشر
وقال النبي ﵊: «شرّ الناس من اتّقاه الناس لشرّه» .
وقال ﵊: «إذا لقيت اللئيم فخالفه، وإذا لقيت الكريم فخالطه» .
وقال أبو الدّرداء: إنا لنكشر «١» في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم.
وسئل شبيب بن شيبة عن خالد بن صفوان، فقال: ليس له صديق في السرّ ولا عدو في العلانية.
وقال الأحنف. ربّ رجل لا تغيب فوائده وإن غاب، وآخر لا يسلم منه جليسه وإن احترس.
وقال كثير بن هراسة: إن من الناس ناسا ينقصونك إذا زدتهم، وتهون عندهم إذا خاصصتهم، ليس لرضاهم موضع تعرفه، ولا لسخطهم موضع تحذره. فإذا عرفت أولئك بأعيانهم فابذل لهم موضع المودّة، واحرمهم موضع الخاصة، يكن ما بذلت لهم من المودّة حائلا دون شرّهم، وما حرمتهم من الخاصة قاطعا لحرمتهم.
وأنشد العتبي:
لي صديق يرى حقوقي عليه ... نافلات وحقّه الدّهر فرضا «٢»
لو قطعت البلاد طولا إليه ... ثمّ من بعد طولها سرت عرضا
لرأى ما فعلت غير كثير ... واشتهى أن يزيد في الأرض أرضا
стр. 545
وفي هذه الطبقة من الناس يقول دعبل الخزاعي:
اسقهم السّمّ إن ظفرت بهم ... وامزج لهم من لسانك العسلا
كتب سهل بن هارون إلى موسى بن عمران في أبي الهذيل العلاف.
إنّ الضمير إذا سألتك حاجة ... لأبي الهذيل خلاف ما أبدي
فألن له كنفا ليحسن ظنه ... في غير منفعة ولا رفد
حتّى إذا طالت شقاوة جدّه ... وعناؤه فاجبهه بالرّدّ
وقال صالح بن عبد القدوس:
تجنب صديق السّوء واصرم حباله ... وإن لم تجد عنه محيصا فداره «١»
ومن يطلب المعروف من غير أهله ... يجده وراء البحر أو في قراره
ولله في عرض السّموات جنّة ... ولكنّها محفوفة بالمكاره
وقال آخر:
بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ليرتع منك في عرض مصون
عرض على أبي مسلم صاحب الدعوة فرس جواد، فقال لقوّاده: لماذا يصلح مثل هذا الفرس؟ قالوا: إنا نغزو عليه العدو. قال: لا، ولكن يركبه الرجل فيهرب عليه من جار السّوء.
ذمّ الزمان
قالت الحكماء: جبل الناس على ذمّ زمانهم وقلة الرضا عن أهل عصرهم.
فمنه قولهم: رضا الناس غاية لا تدرك.
وقولهم: لا سبيل إلى السلام من ألسنة العامة.
وقولهم: الناس يعيّرون ولا يغفرون، والله يغفر ولا يعيّر.
стр. 546
وفي الحديث: «لو أن المؤمن كالقدح لقال الناس ليس ولولا ... !» .
وقال الشاعر:
من لابس الناس لم يسلم من الناس ... وضرّسوه بأنياب وأضراس «١»
لعائشة في لبيد:
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: رحم الله لبيدا، كان يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت خلف كجلد الأجرب
فكيف لو أبصر زماننا هذا؟
قال عروة: ونحن نقول: رحم الله عائشة، فكيف لو أدركت زماننا هذا.
وكان بعضهم يقول: ذهب الناس وبقي النسناس «٢» ، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟
دخل مسلم بن يزيد بن وهب على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: أيّ زمان أدركت أفضل، وأيّ الملوك أكمل؟ قال: أما الملوك فلم أر إلا حامدا أو ذامّا، وأما الزمان فيرفع أقواما ويضع أقواما، وكلهم يذمّ زمانه، لأنه يبلي جديدهم، ويفرّق عديدهم، ويهرم صغيرهم، ويهلك كبيرهم.
وقال الشاعر:
أيا دهر إن كنت عاديتنا ... فما قد صنعت بنا ما كفاكا
جعلت الشّرار علينا خيارا ... وولّيتنا بعد وجه قفاكا
وقال آخر:
إذا كان الزمان زمان تيم ... وعكل فالسلام على الزمان
زمان صار فيه الصدر عجزا ... وصار الزّجّ قدّام السّنان «٣»
стр. 547
لعل زماننا سيعود يوما ... كما عاد الزمان على بطان «١»
أبو مياس وقوم يذكرون الزمان:
أبو جعفر الشيباني قال: أتانا يوما أبو ميّاس الشاعر ونحن في جماعة فقال: ما أنتم فيه وما تتذاكرون؟ قلنا: نذكر الزمان وفساده. قال: كلا، إنما الزمان وعاء، وما ألقي فيه من خير أو شرّ كان على حاله. ثم أنشأ يقول:
أرى حللا تصان على أناس ... وأخلاقا تداس فما تصان
يقولون الزمان به فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزمان
أنشد فرج بن سلام:
هذا الزمان الذي كنّا نحذّره ... فيما يحدّث كعب وابن مسعود
إن دام ذا الدهر لم نحزن على أحد ... يموت منّا ولم نفرح بمولود
وقال حبيب الطائي:
لم أبك في زمن لم أرض خلّته ... إلا بكيت عليه حين ينصرم
وقال آخر في طاهر بن الحسين:
إذا كانت الدنيا تنال بطاهر ... تجنّبت منها كلّ ما فيه طاهر
وأعرضت عنها عفّة وتكرّما ... وأرجأتها حتى تدور الدوائر
وقال مؤمن بن سعيد في معقل الضبيّ وابن أخيه عثمان:
لقد ذلّت الدنيا وقد ذلّ أهلها ... وقد ملها أهل النّدى والتفضّل
إذا كانت الدنيا تميل بخيرها ... إلى مثل عثمان ومثل المحول
ففي است امّ دنيانا وفي است امّ خيرها ... وفي است امّ عثمان وفي است امّ معقل
وقال محمد بن مناذر:
стр. 548
يا طالب الأشعار والنحو ... هذا زمان فاسد الحشو
نهاره أوحش من ليله ... ونشوه من أخبث النشو
فدع طلاب النحو لا تبغه ... ولا تقل شعرا ولا ترو
فما يجوز اليوم إلّا امرؤ ... مستحكم العزف أو الشّدو
أو طرمذان قوله كاذب ... لا يفعل الخير ولا ينوي «١»
ومن قولنا في هذا المعنى:
رجاء دون أقربه السّحاب ... ووعد مثل ما لمع السّراب
ودهر سادت العبدان فيه ... وعاثت في جوانبه الذّئاب
وأيام خلت من كلّ خير ... ودنيا قد توزّعها الكلاب
كلاب لو سألتهم ترابا ... لقالوا: عندنا انقطع التّراب
تعاقب من أساء القول فيهم ... وإن يحسن فليس له ثواب
للجاحظ في ذم الزمان:
كتب عمرو بن بحر الجاحظ إلى بعض إخوانه في ذم الزمان:
بسم الله الرحمن الرحيم. حفظك الله حفظ من وفّقه للقناعة، واستعمله بالطاعة كتبت إليك وحالي حال من كثفت غمومه، وأشكلت عليه أموره، واشتبه عليه حال دهره، ومخرج أمره، وقلّ عنده من يثق بوفائه، أو يحمد مغبّة إخائه، لاستحالة زماننا، وفساد أيامنا، ودولة أنذالنا، وقدما كان من قدّم الحياء على نفسه، وحكّم الصدق في قوله، وآثر الحقّ في أموره، ونبذ المشتبهات عليه من شئونه. تمت له السلامة، وفاز بوفور حظّ العافية، وحمد مغبّة مكروه العاقبة، فنظرنا إذ حال عندنا حكمه، وتحولت دولته. فوجدنا الحياء متصلا بالحرمان، والصدق آفة على المال، والقصد في الطلب بترك استعمال القحة «٢» وإخلاق العرض من طريق التوكل دليلا
стр. 549
على سخافة الرأي؛ إذ صارت الحظوة الباسقة والنّعمة السابغة «١» في لؤم النية، وتناول الرّزق من جهة محاشاة الوقار، وملابسة معرّة العار.
ثم نظرنا في تعقّب المتعقّب لقولنا، والكاشر لحجتنا، فأقمنا له علما واضحا، وشاهدا قائما، ومنارا بيّنا؛ إذ وجدنا من فيه السّفوليّة الواضحة، والمثالب الفاضحة، والكذب المبرّح، والخلف المصرّح، والجهالة المفرطة، والركاكة المستخفّة، وضعف اليقين والاستيثاب «٢» ، وسرعة الغضب والخفة قد استكمل سروره، واعتدلت أموره، وفاز بالسهم الأغلب، والحظّ الأوفر، والقدر الرفيع، والجواب الطائع، والأمر النافذ، إن زلّ قيل حكم، وإن أخطأ قيل أصاب، وإن هذى في كلامه وهو يقظان قيل رؤيا صادقة في سنة «٣» مباركة.
فهذه حجتنا- أبقاك الله- على من زعم أن الجهل يخفض، وأن الحمق يضع، وأن النّوك يردي وأن الكذب يضر، وأن الخلف يزري.
ثم نظرنا في الوفاء والأمانة، والنّبل والبراعة وحسن المذهب، وكمال المروءة، وسعة الصدر، وقلة الغضب، وكرم الطبيعة، والفائق في سعة علمه، والحاكم على نفسه، والغالب لهواه؛ فوجدنا فلان بن فلان، ثم وجدنا الزمان لم ينصفه من حقّه، ولا قام له بوظائف فرضه؛ ووجدنا فضائله القائمة له قاعدة به. فهذا دليل على أن الطّلاح أجدى من الصّلاح، وأن الفضل قد مضى زمانه، وعفت آثاره «٤» ، وصارت الدائرة عليه كما كانت الدائرة على ضده؛ ووجدنا العقل يشقى به قرينه، كما أنّ الجهل والحمق يحظى به خدينه ووجدنا الشعر ناطقا على الزمان، ومعربا عن الأيام، حيث يقول:
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولاقهم بالجهل فعل أخي الجهل
стр. 550
وخلّط إذا لاقيت يوما مخلّطا ... يخلّط في قول صحيح وفي هزل «١»
فإنّي رأيت المرء يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
فبقيت أبقاك الله مثل من أصبح على أوفاز «٢» ، ومن النّقلة على جهاز، لا تسوغ له نهمة ولا يطعم عينيه غمضة، في أهاويل يباكره مكروهها وتراوحه عقابيلها «٣» فلو أن الدعاء أجيب والتضرّع سمع، لكانت الهدّة العظمى، والرجفة الكبرى؛ فليت الذي يا أخي ما أستبطئه من النفخة، ومن فجأة الصيحة، قضي فحان، وأذن به فكان؛ فو الله ما عذّبت أمة برجفة ولا ريح ولا سخطة، عذاب عيني برؤية المغايظة المضنية، والأخبار المهلكة، كأن الزمان توكل بعذابي، أو انتصب لإيلامي؛ فما عيش من لا يسرّ بأخ شقيق، ولا خدن شفيق، ولا يصطبح في أول نهاره إلا برؤية من تكره رؤيته، ونغمة من تغمّه طلعته فبدّل الله لي- أي أخي- بالمسكن مسكنا، وبالربع ربعا! فقد طالت الغمة، وواطنت الكربة، وادلهمّت الظّلمة، وخمد السراج، وتباطأ الانفراج، السلام.
فساد الإخوان
قال أبو الدرداء: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه.
وقيل لعروة بن الزّبير: ألا تنتقل إلى المدينة؟ قال: ما بقي بالمدينة إلا حاسد على نعمة، أو شامت بمصيبة.
الخشني «٤» ، قال: أنشدني الرياشي:
إذا ذهب التّكرّم والوفاء ... وباد رجاله وبقي الغثاء «٥»
وأسلمني الزّمان إلى رجال ... كأمثال الذّئاب لها عواء
стр. 551
صديق كلّما استغنيت عنهم ... وأعداء إذا جهد البلاء
إذا ما جئتهم يتدافعوني ... كأنّي أجرب آذاه داء
أقول ولا ألام على مقال ... على الإخوان كلّهم العفاء «١»
وقالت الحكماء: لا شيء أضيع من مودة من لا وفاء له، واصطناع من لا شكر عنده. والكريم يودّ الكريم عن لقية واحدة، واللئيم لا يصل أحدا إلا عن رغبة أو رهبة.
وفي كتاب للهند: إن الرجل السّوء لا يتغير عن طبعه، كما أن الشجرة المرّة لو طليتها بالعسل لم تثمر إلا مرّا.
وسمع رجل أبا العتاهية ينشد:
فارم بطرفك حيث شئ ... ت فلا ترى إلّا بخيلا
وقال أيضا في هذا المعنى:
لله درّ أبيك أيّ زمان ... أصبحت فيه وأيّ أهل زمان
كلّ يوازنك المودّة جاهدا ... يعطي ويأخذ منك بالميزان
فإذا رأى رجحان حبّة خردل ... مالت مودّته إلى الرّجحان
وقال:
أرى قوما وجوههم حسان ... إذا كانت حوائجهم إلينا
وإن كانت حوائجنا إليهم ... يقبّح حسن أوجههم علينا
فإن منع الأشحّة ما لديهم ... فإنّا سوف نمنع ما لدينا
وقال:
موالينا إذا احتاجوا إلينا ... وليس لنا احتياج للموالي
стр. 552
للبكري:
وخليل لم أخنه ساعة ... في دمي كفّيه ظلما قد غمس
كان في سرّي وجهري ثقتي ... لست عنه في مهمّ أحترس
ستر البغض بألفاظ الهوى ... وادّعى الودّ بغشّ ودلس «١»
إن رآني قال لي خيرا وإن ... غبت عنه قال شرّا ودحس «٢»
ثم لمّا أمكنته فرصة ... حمل السيف على مجرى النّفس
وأراد الرّوح لكن خانه ... قدر أيقظ من كان نعس
وأنشد العتبي:
إذا كنت تغضب من غير ذنب ... وتعتب من غير جرم عليّا
طلبت رضاك فإن عزّني ... عددتك ميتا وإن كنت حيّا
فلا تعجبنّ بما في يديك ... فأكثر منه الذي في يديّا
وقال ابن أبي حازم:
وصاحب كان لي وكنت له ... أشفق من والد على ولد
كنّا كساق تسعى بها قدم ... أو كذراع نيطت إلى عضد
حتّى إذا دانت الحوادث من ... عظمي وحلّ الزّمان من عقدي «٣»
ازورّ عنّي وكان ينظر من ... طرفي ويرمي بساعدي ويدي «٤»
وقال:
وخلّ كان يخفض لي جناحا ... أفاد غنى فنابذني جماحا «٥»
فقلت له ولي نفس عزوف ... إذا حميت تقحّمت الرّماحا «٦»
سأبدل بالمطامع فيك يأسا ... وباليأس استراح من استراحا
стр. 553
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
وأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
فلا زاد ما بيني وبينك بعدما ... بلوتك في الحاجات إلّا تماديا
كلانا غنيّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة ... كما أنّ عين السّخط تبدي المساويا
وقال البحتري:
أشرّق أم أغرّب يا سعيد ... وأنقص من ذمامي أو أزيد
عدتني عن نصيبين العوادي ... فبختي أبله فيها بليد «١»
وخلّفني الزّمان على رجال ... وجوههم وأيديهم حديد
لهم حلل حسنّ فهنّ بيض ... وأخلاق سمجن فهنّ سود
ألا ليت المقادر لم تقدّر ... ولم تكن العطايا والجدود «٢»
وقال ابن أبي حازم:
وقالوا: لو مدحت فتى كريما ... فقلت وكيف لي بفتى كريم!
بلوت ومرّ بي خمسون حولا ... وحسبك بالمجرّب من عليم
فلا أحد يعدّ ليوم خير ... ولا أحد يعود على عديم «٣»
وقال:
قد بلوت الناس طرّا ... لم أجد في الناس حرّا
صار حلو الناس في العي ... ن إذا ما ذيق مرّا
وقال:
من سلا عنّي أطلق ... ت حبالي من حباله
أو أجدّ الوصل سارعت ... ت بجهدي في فصاله
стр. 554
إنما أحذوا على فع ... ل صديقي بمثاله
غير مستجد إذا ازورّ ك ... أنيّ من عياله
لن يراني أبدا أع ... ظم ذا مال لماله
لا ولا أزرى بمن يع ... قل عندي سوء حاله «١»
إنّما أقضي على ذا ... ك وهذا بفعاله
كيفما صرّفني الده ... ر فإني من رجاله
ومن قولنا في هذا المعنى:
أبا صالح جاءت على الناس غفلة ... على غفلة ماتت بكلّ كريم
فليت الألى بانوا يفادون بالألى ... أقاموا، فيفدى ظاعن بمقيم «٢»
ويا ليتها الكبرى فتطوى سماؤنا ... لها وتمدّ الأرض مدّ أديم «٣»
فما الموت إلا عيش كلّ مبخّل ... وما العيش إلا موت كلّ ذميم
وأعذر ما أدمى الجفون من البكا ... كريم رأى الدنيا بكفّ لئيم
ومثله في هذا المعنى:
أبا صالح، أين الكرام بأسرهم ... أفدني كريما فالكريم رضاء
أحقّا يقول الناس في جود حاتم ... وإبن سنان كان فيه سخاء «٤»
عذيري من خلق تخلّق منهم ... غباء ولؤم فاضح وجفاء
حجارة بخل ما تجود وربّما ... تفجّر من صمّ الحجارة ماء
ولو أنّ موسى جاء يضرب بالعصا ... لما انبجست من ضربه البخلاء «٥»
بقاء لئام الناس موت عليهم ... كما أنّ موت الأكرمين بقاء
عزيز عليهم أن تجود أكفّهم ... عليهم من الله العزيز عفاء
стр. 555
ومثله قولنا في هذا المعنى:
ساق ترنّح يشدو فوقه ساق ... كأنّه لحنين الصوت مشتاق
يا ضيعة الشّعر في بله جرامقة ... تشابهت منهم في الّلؤم أخلاق «١»
غلّت بأعناقهم أيد مقفّعة ... لا بوركت منهم أيد وأعناق «٢»
كأنّما بينهم في منع سائلهم ... وحبس نائلهم عهد وميثاق
كم سقتهم بأماديحي وقدتهم ... نحو المعالي فما انقادوا ولا انساقوا
وإن نبابي في ساحاتهم وطن ... فالأرض واسعة والناس أفراق
ما كنت أول ظمآن بمهمهة ... يغرّه من سراب القفر رقراق
رزق من الله أرضاهم وأسخطني ... والله للأنوك المعتوه رزّاق
يا قابض الكفّ لا زالت مقبّضة ... فما أناملها للناس أرزاق
وغب إذا شئت حتى لا ترى أبدا ... فما لفقدك في الأحشاء إقلاق
ولا إليك سبيل الجود شارعة ... ولا عليك لنور المجد إشراق «٣»
لم يكتنفني رجاء لا ولا أمل ... إلا تكنّفه ذلّ وإملاق
وقال مؤمّل بن سعيد في هذا المعنى:
إنّما أزرى بقدري أنّني ... لست من نابه أهل البلد
ليس منهم غير ذي مقلية ... لذوي الألباب أو ذي حسد «٤»
يتحامون لقائي مثل ما ... يتحامون لقاء الأسد
طلعتي أثقل في أعينهم ... وعلى أنفسهم من أحد
لو رأوني وسط بحر لم يكن ... أحد يأخذ منهم بيدي
стр. 556
باب في الكبر
قال النبي ﷺ : «يقول الله ﵎: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما قصمته وأهنته» .
وقال ﵇: «لا يدخل حضرة القدس متكبر» .
وقال: «فضل الإزار في النار. معناه: من سحب ذيله في الخيلاء قاده ذلك إلى النار» .
ونظر الحسن إلى عبد الله بن الأهتم يخطر «١» في المسجد، فقال: انظروا إلى هذا؛ ليس منه عضو إلا والله عليه نعمة وللشيطان فيه لعنة.
وقال سعد بن أبي وقّاص لابنه: يا بنيّ، إياك والكبر، وليكن فيما تستعين به على تركه علمك بالذي منه كنت، والذي إليه تصير. وكيف الكبر مع النطفة التي منها خلقت، والرّحم التي منها قذفت، والغذاء الذي به غذيت.
وقال يحيى بن حيّان: الشريف إذا تقوّى تواضع، والوضيع إذا تقوّى تكبّر.
وقال بعض الحكماء: كيف يستقر الكبر فيمن خلق من تراب، وطوي على القذر، وجرى مجرى البول! وقال الحسن: عجبا لابن آدم، كيف يتكبّر وفيه تسع سموم كلها يقذر.
وذكر الحسن المتكبرين فقال: يلفى أحدهم ينص «٢» رقبته نصا، ينفض مذرويه «٣» ، ويضرب أصدريه، يملخ في الباطن ملخا «٤» ، يقول: ها أنا ذا فاعرفوني! قد عرفناك يا أحمق! مقتك الله ومقتك الصالحون.
ووقف عيينة بن حصن بباب عمر بن الخطّاب ﵁، فقال: استأذنوا لي
стр. 557
على أمير المؤمنين وقولوا: هذا ابن الأخيار بالباب. فأذن له؛ فلما دخل عليه قال له:
أنت ابن الأخيار؟ قال: نعم. قال له: بل أنت ابن الأشرار، وأما ابن الأخيار فهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وقيل لعبيد الله بن ظبيان: كثّر الله في العشيرة أمثالك. فقال: لقد سألتم الله شططا «١» .
وقيل لرجل من عبد الدّار عظيم الكبر: ألا تأتي الخليفة. قال: أخشى ألا يحمل الجسر شرفي.
وقيل له: ألا تلبس؟ فإنّ البرد شديد. قال: حسبي يدفئني.
للحجاج في أربعة:
قيل للحجاج: كيف وجدت منزلك بالعراق أيها الأمير؟ قال: خير منزل، لو أدركت بها أربعة نفر لتقرّبت إلى الله بدمائهم. قيل له: ومن هم؟
قال مقاتل بن مسمع، ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما قدم البصرة بسط له الناس أرديتهم فمشى عليها. فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون. وعبيد الله بن ظبيان، خطب خطبة أوجز فيها، فناداه الناس من أعراض المسجد: كثّر الله فينا أمثالك. قال: لقد كلّفتم ربّكم شططا. ومعبد بن زرارة، كان ذات يوم جالسا على طريق؛ فمرّت به امرأة فقالت: يا عبد الله، أين الطريق لمكان كذا؟ فقال: لمثلي يقال يا عبد الله؟ ويلك!. وأبو السّمّاك الحنفي، أضلّ ناقته فقال: والله لئن لم يردد عليّ ناقتي لا صلّيت أبدا.
وقال ناقل الحديث: ونسي الحجاج نفسه وهو خامس هؤلاء الأربعة، بل هو أشدّهم كبرا، وأعظمهم إلحادا، حين كتب إلى عبد الملك في عطسة عطسها فشمّته «٢» أصحابه وردّ عليهم: بلغني ما كان من عطاس أمير المؤمنين وتشميت أصحابه له
стр. 558
وردّه عليهم، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما.
وكتابه إليه: إنّ خليفة الرجل في أهله أكرم عليه من رسوله إليهم، وكذلك الخلفاء يا أمير المؤمنين أعلى منزلة من المرسلين.
العتبي قال: رأيت محرزا مولى باهلة يطوف على بغلة بين الصفا والمروة، ثم رأيته بعد ذلك على جسر بغداد راجلا، فقلت له: أراجل أنت في مثل هذا الموضع؟ قال:
نعم، إني ركبت في موضع يمشي الناس فيه، فكان حقيقا على الله أن يرجلني في موضع يركب الناس فيه.
وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني، عليك بالترحيب والبشر، وإياك والتقطيب والكبر؛ فإن الأحرار أحب إليهم أن يلقوا بما يحبون ويحرموا من أن يلقوا بما يكرهون ويعطوا؛ فانظر إلى خصلة غطت على مثل اللؤوم فالزمها، وانظر إلى خصلة عفّت على مثل الكرم فاجتنبها. ألم تسمع إلى قول حاتم الطائي:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنّما وجه الكريم خصيب
وقال محمود الوراق:
التّيه مفسدة للدين منقصة ... للعقل مجبلة للذم والسّخط
منع العطاء وبسط الوجه أحسن من ... بذل العطاء بوجه غير منبسط
وقال أيضا:
بشر البخيل يكاد يصلح بخله ... والتّيه مفسدة لكلّ جواد
ونقيصة تبقى على أيامه ... ومسبّة في الأهل والأولاد
وقال آخر في الكبر:
مع الأرض يا ابن الأرض في الطيران ... أتأمل أن ترقى إلى الدّبران «١»
стр. 559
فو الله ما أبصرت يوما محلّقا ... ولو حلّ بين الجدي والسرطان «١»
حماه مكان البعد من أن تناله ... بسهم من البلوى يد الحدثان «٢»
التسامح مع النعمة والتذلل مع المصيبة
قالوا: من عزّ بإقبال الدهر ذلّ بإدباره.
وقالوا: من أبطره الغنى أذلّه الفقر.
وقالوا: من ولي ولاية يرى نفسه أكبر منها لم يتغيّر لها، ومن ولي ولاية يرى ولايته أكبر من نفسه تغيّر لها.
وقال يحيى بن حيّان: الشريف إذا تقوّى تواضع والوضيع إذا تقوّى تكبر.
وقال كسرى: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.
وكتب على بن الجهم إلى ابن الزيات:
أبا جعفر عرّج على خلطائكا ... وأقصر قليلا من مدى غلوائكا
فإن كنت قد أوتيت في اليوم رفعة ... فإنّ رجائي في غد كرجائكا
وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ:
لقد عجبت منه الّليالي لأنّه ... صبور على عضلاء تلك البلابل «٣»
إذا نال لم يفرح وليس لنكبة ... ألّمت به بالخاشع المتضائل
وقال الحسن بن هانيء:
ولقد حزنت فلم أمت حزنا ... ولقد فرحت فلم أمت فرحا
وكتب عقيل بن أبي طالب إلى أخيه عليّ بن أبي طالب ﵇ يسأله عن حاله، فكتب إليه عليّ ﵁:
стр. 560
فإن تسألنّي كيف أنت فإنّني ... جليد على عضّ الزّمان صليب «١»
عزيز عليّ أن ترى بي كآبة ... فيفرح واش أو يساء حبيب
باب في التواضع
قال النبي ﷺ : «من تواضع لله رفعه الله» .
قالت الحكماء: كلّ نعمة يحسد عليا إلا التواضع.
وقال عبد الملك بن مروان، رفعه إلى النبي ﷺ : «أفضل الرجال من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوّة» .
وقال ابن السماك لعيسى بن موسى: تواضعك في شرفك أكبر من شرفك.
من تواضع النجاشي:
وأصبح النّجاشي يوما جالسا على الأرض والتاج عليه، فأعظمت بطارقته ذلك وسألوه عن السبب الذي أوجبه؛ فقال: وجدت فيما أنزل الله على المسيح: إذا أنعمت على عبدي نعمة فتواضع أتممتها عليه. وإنه ولد لي هذه الليلة غلام فتواضعت شكرا لله.
عمر وامرأة من قريش:
خرج عمر بن الخطاب ﵁، ويده على المعلّى بن الجارود العبدي، فلقيته امرأة من قريش فقالت له: يا عمر، فوقف لها. فقالت: كنا نعرفك مدّة عميرا، ثم صرت من بعد عمير عمر، ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين. فاتق الله يا بن الخطاب وانظر في أمور الناس، فإنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت. فقال المعلي: إيها يا أمة الله! لقد أبكيت أمير المؤمنين.
فقال له عمر: اسكت. أتدري من هذه ويحك؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله
стр. 561
قولها من سمائه، فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدي به.
وقال أبو عبّاد: ما جلس إليّ رجل قط إلّا خيّل إليّ أني سأجلس إليه.
وسئل الحسن عن التواضع فقال: هو أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدا إلا رأيت له الفضل عليك.
وقال رجل لبكر بن عبد الله: علّمني التواضع. فقال: إذا رأيت من هو أكبر منك فقل: سبقني إلى الإسلام والعمل الصالح، فهو خير مني؛ وإن رأيت أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والعمل السيء، فأنا شرّ منه.
وقال أبو العتاهية:
يا من تشرّف بالدّنيا وزينتها ... ليس التّشرّف رفع الطين بالطّين
إذا أردت شريف النّاس كلّهم ... فانظر إلى ملك في زيّ مسكين
ذاك الذي عظمت في الناس همته ... وذاك يصلح للدنيا وللدّين
الرفق والأناة
قال النبي ﷺ : «من أوتي حظّه من الرفق فقد أوتي حظّه من خير الدنيا والآخرة» .
وقالت الحكماء: يدرك بالرفق ما لا يدرك بالعنف، ألا ترى أن الماء على لينه يقطع الحجر على شدّته.
وقال أشجع بن عمرو السلمي لجعفر بن يحيى بن خالد:
ما كان يدرك بالرجال ولا ... بالمال ما أدركت بالرفق
وقال النابغة:
الرّفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا
وقالوا: العجل بريد الزّلل.
أخذ القطامي التغلبيّ هذا المعنى فقال:
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
стр. 562
وقال عديّ بن زيد:
قد يدرك المبطيء من حظّه ... والحين قد يسبق جهد الحريص «١»
استراحة الرجل بمكنون سره إلى صديقه
تقول العرب: أفضيت إليك بشقوري «٢» ، وأطلعتك على عجري وبجري «٣» ، ولو كان في جسدي برص ما كتمته.
وقال الله ﵎: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
«٤» .
وقالت الحكماء: لكل سرّ مستودع.
وقالوا: مكاتمة الأدنين صريح العقوق.
وقال الشاعر:
وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي ... وجرعته من مرّ ما أتجرّع
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفس تطلّع «٥»
وقال حبيب:
شكوت وما الشّكوى لمثلي عادة ... ولكن تفيض النفس عند امتلائها
وأنشد أبو الحسن محمد البصريّ:
لعب الهوى بمعالمي ورسومي ... ودفنت حيّا تحت ردم همومي
وشكوت همّي حين ضقت ومن شكا ... همّا يضيق به فغير ملوم
وقال آخر:
إذا لم أطق صبرا رجعت إلى الشكوى ... وناديت تحت الليل يأسا مع النجوى
стр. 563
وأمطرت صحن الخدّ غيثا من البكا ... على كبد حرّى لتروى فما تروى «١»
الاستدلال باللحظ على الضمير
قالت الحكماء: العين باب القلب؛ فما كان في القلب ظهر في العين.
لعثمان بن إبراهيم:
أبو حاتم عن الأصمعي عن يونس بن مصعب عن عثمان بن إبراهيم بن محمد، قال:
إني لأعرف في العين إذا عرفت، وأعرف فيها إذا أنكرت، وأعرف فيها إذا لم تعرف ولم تنكر؛ أما إذا عرفت فتحواصّ «٢» ، وأما إذا أنكرت فتجحظ «٣» وأما إذا لم تعرف ولم تنكر فتسجو «٤» .
وقال صريع الغواني:
جعلنا علامات المودّة بيننا ... مصايد لحظ هنّ أخفى من السّحر
فأعرف فيها الوصل في لين طرفها ... وأعرف فيها الهجر في النّظر الشّزر «٥»
وقال محمود الوراق:
إنّ العيون على القلوب شواهد ... فبغيضها لك بيّن وحبيبها
وإذا تلاحظت العيون تفاوضت ... وتحدّثت عما تجنّ قلوبها «٦»
ينطقن والأفواه صامتة فما ... يخفى عليك بريئها ومريبها
стр. 564
وقال ابن أبي حازم:
خذ من العيش ما كفي ... ومن الدّهر ما صفا
عين من لا يحبّ وصلك تبدي لك الجفا ومن قولنا في هذا المعنى:
صادق في الحبّ مكذوب ... دمعه للشوق مسكوب
كلّ ما تطوي جوانحه ... فهو في العينين مكتوب «١»
وقال الحسن بن هانيء:
وإنّي لطير العين بالعين زاجر ... فقد كدت لا يخفى عليّ ضمير
الاستدلال بالضمير على الضمير
كتب حكيم إلى حكيم: إذا أردت معرفة مالك عندي فضع يدك على صدرك، فكما تجدني كذلك أجدك.
وقالوا: إياكم ومن تبغضه قلوبكم، فإن القلوب تجازي الفلوب. وقال ذو الإصبع:
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
قال محمود الوراق:
لا تسألنّ المرء عمّا عنده ... واستمل ما في قلبه من قلبكا
إن كان بغضا كان عندك مثله ... أو كان حبّا فاز منك بحبّكا
الإصابة بالظنّ
قيل لعمرو بن العاص: ما العقل؟ قال: الإصابة بالظنّ، ومعرفة ما يكون بما قد كان.
وقال عمر بن الخطاب: من لم ينفعه ظنه لم ينفعه يقينه.
стр. 565
وقال علي بن أبي طالب ﵁: لله درّ ابن عباس، إن كان لينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
وقال الشاعر:
وقلّما يفجأ المكروه صاحبه ... حتى يرى لوجوه الشّرّ أسبابا
وإنما ركّب الله العقل في الإنسان دون سائر الحيوان ليستدلّ بالظاهر على الباطن ويفهم الكثير بالقليل.
ومن قولنا في هذا المعنى:
يا غافلا ما يرى إلّا محاسنه ... ولو درى ما رأى إلا مساويه
انظر إلى باطن الدّنيا فظاهرها ... كلّ البهائم يجري طرفها فيه
تقديم القرابة وتفضيل المعارف
قال الشّيباني: أول من آثر القرابة والأولياء عثمان بن عفان ﵁.
وقال: كان عمر يمنع أقاربه ابتغاء وجه الله. ولا يرى أفضل من عمر.
وقال لما آوى طريد النبي ﷺ : ما نقم الناس على أن وصل رحما وقرّب عمّا.
وقيل لمعاوية بن أبي سفيان: إن آذنك يقدّم معارفه وأصدقاءه في الإذن على أشراف الناس ووجوههم. فقال ويلكم، إن المعرفة لتنفع في الكلب العقور والجمل الصّئول «١» ؛ فكيف في رجل حسيب ذي كرم ودين.
وقال رجل لزياد: أصلح الله الأمير، إن هذا يدلّ «٢» بمكانة يدّعيها منك. قال:
نعم، وأخبرك ما ينفعه من ذلك، إن كان الحقّ له عليك أخذتك به أخذا شديدا، وإن كان عليه قضيته عنه.
следующие страницы →