← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قولها من سمائه، فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدي به. وقال أبو عبّاد: ما جلس إليّ رجل قط إلّا خيّل إليّ أني سأجلس إليه. وسئل الحسن عن التواضع فقال: هو أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدا إلا رأيت له الفضل عليك. وقال رجل لبكر بن عبد الله: علّمني التواضع. فقال: إذا رأيت من هو أكبر منك فقل: سبقني إلى الإسلام والعمل الصالح، فهو خير مني؛ وإن رأيت أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والعمل السيء، فأنا شرّ منه. وقال أبو العتاهية: يا من تشرّف بالدّنيا وزينتها ... ليس التّشرّف رفع الطين بالطّين إذا أردت شريف النّاس كلّهم ... فانظر إلى ملك في زيّ مسكين ذاك الذي عظمت في الناس همته ... وذاك يصلح للدنيا وللدّين الرفق والأناة قال النبي ﷺ : «من أوتي حظّه من الرفق فقد أوتي حظّه من خير الدنيا والآخرة» . وقالت الحكماء: يدرك بالرفق ما لا يدرك بالعنف، ألا ترى أن الماء على لينه يقطع الحجر على شدّته. وقال أشجع بن عمرو السلمي لجعفر بن يحيى بن خالد: ما كان يدرك بالرجال ولا ... بالمال ما أدركت بالرفق وقال النابغة: الرّفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا وقالوا: العجل بريد الزّلل. أخذ القطامي التغلبيّ هذا المعنى فقال: قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل

стр. 562

وقال عديّ بن زيد: قد يدرك المبطيء من حظّه ... والحين قد يسبق جهد الحريص «١» استراحة الرجل بمكنون سره إلى صديقه تقول العرب: أفضيت إليك بشقوري «٢» ، وأطلعتك على عجري وبجري «٣» ، ولو كان في جسدي برص ما كتمته. وقال الله ﵎: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ «٤» . وقالت الحكماء: لكل سرّ مستودع. وقالوا: مكاتمة الأدنين صريح العقوق. وقال الشاعر: وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي ... وجرعته من مرّ ما أتجرّع ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفس تطلّع «٥» وقال حبيب: شكوت وما الشّكوى لمثلي عادة ... ولكن تفيض النفس عند امتلائها وأنشد أبو الحسن محمد البصريّ: لعب الهوى بمعالمي ورسومي ... ودفنت حيّا تحت ردم همومي وشكوت همّي حين ضقت ومن شكا ... همّا يضيق به فغير ملوم وقال آخر: إذا لم أطق صبرا رجعت إلى الشكوى ... وناديت تحت الليل يأسا مع النجوى

стр. 563

وأمطرت صحن الخدّ غيثا من البكا ... على كبد حرّى لتروى فما تروى «١» الاستدلال باللحظ على الضمير قالت الحكماء: العين باب القلب؛ فما كان في القلب ظهر في العين. لعثمان بن إبراهيم: أبو حاتم عن الأصمعي عن يونس بن مصعب عن عثمان بن إبراهيم بن محمد، قال: إني لأعرف في العين إذا عرفت، وأعرف فيها إذا أنكرت، وأعرف فيها إذا لم تعرف ولم تنكر؛ أما إذا عرفت فتحواصّ «٢» ، وأما إذا أنكرت فتجحظ «٣» وأما إذا لم تعرف ولم تنكر فتسجو «٤» . وقال صريع الغواني: جعلنا علامات المودّة بيننا ... مصايد لحظ هنّ أخفى من السّحر فأعرف فيها الوصل في لين طرفها ... وأعرف فيها الهجر في النّظر الشّزر «٥» وقال محمود الوراق: إنّ العيون على القلوب شواهد ... فبغيضها لك بيّن وحبيبها وإذا تلاحظت العيون تفاوضت ... وتحدّثت عما تجنّ قلوبها «٦» ينطقن والأفواه صامتة فما ... يخفى عليك بريئها ومريبها

стр. 564

وقال ابن أبي حازم: خذ من العيش ما كفي ... ومن الدّهر ما صفا عين من لا يحبّ وصلك تبدي لك الجفا ومن قولنا في هذا المعنى: صادق في الحبّ مكذوب ... دمعه للشوق مسكوب كلّ ما تطوي جوانحه ... فهو في العينين مكتوب «١» وقال الحسن بن هانيء: وإنّي لطير العين بالعين زاجر ... فقد كدت لا يخفى عليّ ضمير الاستدلال بالضمير على الضمير كتب حكيم إلى حكيم: إذا أردت معرفة مالك عندي فضع يدك على صدرك، فكما تجدني كذلك أجدك. وقالوا: إياكم ومن تبغضه قلوبكم، فإن القلوب تجازي الفلوب. وقال ذو الإصبع: لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني قال محمود الوراق: لا تسألنّ المرء عمّا عنده ... واستمل ما في قلبه من قلبكا إن كان بغضا كان عندك مثله ... أو كان حبّا فاز منك بحبّكا الإصابة بالظنّ قيل لعمرو بن العاص: ما العقل؟ قال: الإصابة بالظنّ، ومعرفة ما يكون بما قد كان. وقال عمر بن الخطاب: من لم ينفعه ظنه لم ينفعه يقينه.

стр. 565

وقال علي بن أبي طالب ﵁: لله درّ ابن عباس، إن كان لينظر إلى الغيب من ستر رقيق. وقال الشاعر: وقلّما يفجأ المكروه صاحبه ... حتى يرى لوجوه الشّرّ أسبابا وإنما ركّب الله العقل في الإنسان دون سائر الحيوان ليستدلّ بالظاهر على الباطن ويفهم الكثير بالقليل. ومن قولنا في هذا المعنى: يا غافلا ما يرى إلّا محاسنه ... ولو درى ما رأى إلا مساويه انظر إلى باطن الدّنيا فظاهرها ... كلّ البهائم يجري طرفها فيه تقديم القرابة وتفضيل المعارف قال الشّيباني: أول من آثر القرابة والأولياء عثمان بن عفان ﵁. وقال: كان عمر يمنع أقاربه ابتغاء وجه الله. ولا يرى أفضل من عمر. وقال لما آوى طريد النبي ﷺ : ما نقم الناس على أن وصل رحما وقرّب عمّا. وقيل لمعاوية بن أبي سفيان: إن آذنك يقدّم معارفه وأصدقاءه في الإذن على أشراف الناس ووجوههم. فقال ويلكم، إن المعرفة لتنفع في الكلب العقور والجمل الصّئول «١» ؛ فكيف في رجل حسيب ذي كرم ودين. وقال رجل لزياد: أصلح الله الأمير، إن هذا يدلّ «٢» بمكانة يدّعيها منك. قال: نعم، وأخبرك ما ينفعه من ذلك، إن كان الحقّ له عليك أخذتك به أخذا شديدا، وإن كان عليه قضيته عنه.

стр. 566

وقال الشاعر: أقول لجاري إذا أتاني مخاصما ... يدلّ بحقّ أو يدلّ بباطل إذا لم يصل خيري وأنت مجاوري ... إليك فما شرّي إليك بواصل لعبد الله القسري حين ولي قضاء البصرة: العتبي قال: ولي عبد الله بن خالد بن عبد الله القسري قضاء البصرة، فكان يحابي أهل مودّته، فقيل له: أيّ رجل أنت لولا أنك تحابي. قال: وما خير الصديق إذا لم يقطع لصديقه قطعة من دينه. وولي ابن شبرمة قضاء البصرة وهو كاره، فأحسن السيرة، فلما عزل اجتمع إليه أهل خاصته ومودته، فقال لهم: والله لقد وليت هذه الولاية وأنا كاره، وعزلت عنها وأنا كاره، وما بي في ذلك إلا مخافة أن يلي هذه الوجوه من لا يعرف حقها. ثم تمثّل بقول الشاعر: فما السّجن أبكاني ولا القيد شفّني ... ولا أنني من خشية الموت أجزع «١» بلى إنّ أقواما أخاف عليهم ... إذا متّ أن يعطو الذي كنت أمنع وتقول العامة: محبة السلطان أردّ عليك من شهودك. وقال الشاعر: إذا كان الأمير عليك خصما ... فليس بقابل منك الشّهودا وقال زياد: أحبّ الولاية لثلاث، وأكرهها لثلاث: أحبّها لنفع الأولياء، وضرّ الأعداء، واسترخاص الأشياء. وأكرهها لروعة البريد، وخوف العزل، وشماتة العدو. ويقول الحكماء: أحقّ من شاركك في النعمة شركاؤك في المصيبة. أخذه الشاعر فقال:

стр. 567

وإنّ أولى الموالي أن تواسيه ... عند السّرور لمن واساك في الحزن إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن وقال حبيب: قبح الإله عداوة لا تتّقى ... ومودّة يدلى بها لا تنفع فضل العشيرة قال علي بن أبي طالب ﵁: عشيرة الرجل خير للرجل من الرجل للعشيرة، إن كف عنهم يدا واحدة كفّوا عنه أيديا كثيرة، مع مودتهم وحفاظهم ونصرتهم، إن الرجل ليغضب للرجل لا يعرفه إلا بنسبه. وسأتلو عليكم في ذلك آيات من كتاب الله تعالى؛ قال الله فيما حكاه عن لوط: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ «١» يعني العشيرة، ولم يكن للوط عشيرة، فو الذي نفسي بيده ما بعث الله نبيا من بعده إلا في ثروة من قومه، ومنعة من عشيرته. ثم ذكر شعيبا إذ قال له قومه: إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ «٢» وكان مكفوفا، والله ما هابوا إلا عشيرته. وقيل لبزرجمهر: ما تقول في ابن العم؟ قال: هو عدوّك وعدوّ عدوّك. الدّين من حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: الدّين ينقص ذا الحسب. وقال عمر ألا إن الأسيفع «٣» أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال سبق الحاج. ألا وإنه قد ادّان معرضا، وأصبح قد رين «٤» به، فمن كان له عنده شيء

стр. 568

فليأتنا بالغداة نقسم ماله بين غرمائه، ثم إياكم والدّين، فإن أوله هم وآخره حزن. وقال مولى قضاعة: فلو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... عليّ لإنسان من النّاس درهما ولكنّني مولى قضاعة كلّها ... فلست أبالي أن أدين وتغرما وقال آخر: إذا ما قضيت الدين بالدين لم يكن ... قضاء ولكن كان غرما على غرم وقال سفيان الثوري: الدّين همّ بالليل وذلّ بالنهار، فإذا أراد الله أن يذل عبدا جعله قلادة في عنقه. ورأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلا متقنّعا، فقال له: كان لقمان الحكيم يقول: القناع ريبة بالليل ذلّ بالنهار. فقال الرجل لقمان الحكيم لم يكن عليه دين. وقال المقنّع الكندي: يعاتبني في الدّين قومي وإنّما ... تداينت في أشياء تكسبهم حمدا إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا مجانبة الخلف والكذب قال النبي ﷺ : «الكذب مجانب الإيمان» . وقالت الحكماء: ليس لكذّاب مروءة. وقالوا: من عرف بالكذب لم يجز صدقه. وقال النبي ﷺ : «لا يجوز الكذب في جدّ ولا هزل» . وقال: لا يكون المؤمن كذابا. وقال عبد الله بن عمر: خلف الوعد ثلث النفاق. وقال حبيب الطائي في عياش:

стр. 569

يا أكثر وعدا حشوه خلف ... وأكثر الناس قولا حشوه كذب ومن قولنا في هذا المعنى: صحيفة أفنيت ليت بها وعسى ... عنوانها راحة الرّاجي إذا يئسا وعد له هاجس في القلب قد برمت ... أحشاء صدري به من طول ما انجسا مواعد غرّني منها وميض سنا ... حتى مددت إليها الكفّ مقتبسا «١» فصادمت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا كأنّما صيغ من بخل ومن كذب ... فكان ذاك له روحا وذا نفسا التنزه عن استماع الخنا والقول به اعلم أنّ السامع شريك القائل في الشر؛ قال الله: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ «٢» . وقال العتبي: حدّثني أبي عن سعد القصير قال: نظر إليّ عمرو بن عتبة ورجل يشتم رجلا بين يدي؛ فقال لي: ويلك! - وما قال لي «ويلك» قبلها- نزّه سمعك عن استماع الخنا كما تنزّه لسانك عن الكلام به؛ فإن السامع شريك القائل، وإنه عمد إلى شرّ ما في وعائه فأفرغه في وعائك؛ ولو ردّت كلمة جاهل في فيه لسعد رادّها كما شقي قائلها. باب في الغلوّ في الدين توفّي رجل في عهد عمر بن ذرّ ممن أسرف على نفسه في الذنوب، وجاوز في الطّغيان، فتجافى الناس عن جنازته، فحضرها عمر بن ذرّ وصلّى عليه، فلما أدلي في قبره قال: يرحمك الله أبا فلان، صحبت عمرك بالتوحيد، وعفرت «٣» وجهك لله بالسجود، فإن قالوا مذنب وذو خطايا، فمن منا غير مذنب وذي خطايا.

стр. 570

ومن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً «١» وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ «٢» ثم ذكر الرجل يرى أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام؛ فأنّي يستجاب له؟» . قال النبي ﷺ : «إنّ الله بعثني بالحنيفية السمحة ولم يبعثني بالرّهبانية المبتدعة، سنّتي الصلاة والنوم، والإفطار والصوم؛ فمن رغب عن سنّتي فليس مني» . وقال ﷺ : «إنّ هذا الدين متين فأوغل «٣» فيه برفق؛ فإنّ المنبتّ «٤» لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . وقال علي بن أبي طالب ﵁: خير هذه الأمة هنا النّمط الأوسط، يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي. وقال مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير لابنه، وكان قد تعبّد: يا بنيّ، إنّ الحسنة بين السيئتين- يعني الدين: بين الإفراط والتقصير- وخير الأمور أوسطها، وشر السّير الحقحقة «٥» . وقال سلمان الفارسي: القصد والدّوام، وأنت الجواد السابق. وقالوا: عامل البرّ كآكل الطعام: إن أكل منه قوتا عصمه، وإن أسرف منه أبشمه «٦» . وفي بعض الحديث: أنّ عيسى بن مريم ﵇ لقي رجلا، فقال له: ما

стр. 571

تصنع؟ قال: أتعبّد. قال: فمن يعود عليك؟ قال: أخي. قال: هو أعبد منك. ونظير هذا أنّ رفقة من الأشعريّين كانوا في سفر، فلما قدموا قالوا: ما رأينا يا رسول الله بعدك أفضل من فلان؛ كان يصوم النهار، فإذا نزلنا قام من الليل حتى نرتحل. قال: فمن كان يمهن له ويكفله؟ قالوا: كلنا. قال: كلكم أفضل منه. وقيل للزهري: ما الزهد في الدنيا؟ قال: إنه ما هو بتشعيث الّلمّة، ولا قشف الهيئة، ولكنه ظلف «١» النفس عن الشهوة. عليّ بن عاصم عن أبي إسحاق عن الشيباني قال: رأيت محمد بن الحنفية واقفا بعرفات على برذون وعليه مطرف خزّ أصفر. السّدّيّ عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان أنّ ابن عباس كان يرتدي رداء بألف. إسماعيل بن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ عليه ثوبان مصبوغان بالزعفران: رداء وعمامة. وقال معمر: رأيت قميص أيوب السختياني يكاد يمسّ الأرض، فسألته عن ذلك، فقال: إن الشّهرة كانت فيما مضى في تذييل القميص وإنها اليوم في تشميره. أبو حاتم عن الأصمعي: أن ابن عون اشترى برنسا. فمرّ على معاذة العدويّة، فقالت: مثلك يلبس هذا؟ فذكرت ذلك لابن سيرين، فقال: أفلا أخبرتها أن تميما الدّاريّ اشترى حلّة بألف يصلّي فيها! قدم حمّاد بن سلمة البصرة، فجاءه فرقد السّبخيّ وعليه ثياب صوف، فقال له حماد: دع عنك نصرانيّتك هذه! فقال له: لقد رأيتنا ننظر إبراهيم فيخرج إلينا وعليه معصفرة «٢» ، ونحن نرى أن الميتة قد حلّت له.

стр. 572

أبو الحسن المدائني قال: دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم والي خراسان في مدرعة صوف، فقال له: ما يدعوك إلى لباس هذه؟ فسكت! فقال له قتيبة: أكلّمك فلا تجيبني؟ قال: أكره أن أقول زهدا فأزكّي نفس، أو أقول فقرا فأشكو ربي؛ فما جوابك إلا السكوت. قال ابن السماك لأصحاب الصوف: والله لئن كان لباسكم وفقا لسرائركم لقد أحببتم أن يطّلع الناس عليها، وإن كان مخالفا لقد هلكتم. وكان القاسم بن محمد يلبس الخزّ وسالم بن عبد الله يلبس الصوف ويقعدان في مسجد المدينة؛ فلا ينكر هذا على هذا ولا ذا على هذا. ودخل رجل على محمد بن المنكدر فوجده قاعدا على حشايا مضاعفة وجارية تغلّفه بالغالية «١» ؛ فقال: رحمك الله! جئت أسألك عن شيء وجدتك فيه- يريد التّزيّن- قال: على هذا أدركت الناس. وصلّى الأعمش في مسجد قوم فأطال بهم الإمام، فلما فرغ قال له: يا هذا، لا تطل صلاتك؛ فإنه يكون خلفك ذو الحاجة والكبير والضعيف. قال الإمام: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين. فقال له الأعمش: أنا رسول الخاشعين إليك، إنهم لا يحتاجون إلى هذا منك. الربيع بن زياد وعلي في عاصم: العتبي قال: أصابت الربيع بن زياد نشّابة «٢» في جبينه، فكانت تنتقض عليه كل عام. فأتاه عليّ بن أبي طالب عائدا، فقال: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أجدني لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه. قال: وما قيمة بصرك عندك؟ قال: لو كانت لي الدنيا فديته بها. قال: لا جرم، يعطيك الله على

стр. 573

قدر الدنيا، لو كانت لك لأنفقتها في سبيل الله. إن الله يعطي على قدر الألم والمصيبة، وعنده بعد تضعيف كثير. وقال له الربيع: يا أمير المؤمنين، إني لأشكو إليك عاصم بن زياد. قال: وماله؟ قال: لبس العباء، وترك الملاء، وغمّ أهله، وأحزن ولده. قال: عليّ عاصما. فلما أتاه، عبس في وجهه، وقال: ويلك يا عاصم! أترى الله أباح لك اللذات وهو يكره منك أخذك منها؟ أنت أهون على الله من ذلك. أو ما سمعته يقول: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ «١» حتى قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «٢» . وتالله لا بتذال نعم الله بالفعال أحبّ إليّ من ابتذالها بالمقال، وقد سمعته يقول: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ «٣» وقوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ «٤» . قال عاصم: فعلام اقتصرت أنت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن وأكل الحشف «٥» ؟ قال: إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بالعوام، لئلا يشنع «٦» بالفقير فقره. قال: فما خرج حتى لبس الملاء وترك العباء. النبي ﷺ وعبد الله ابن عمرو وقد شكته زوجه: محمد بن حاطب الجمي قال: حدّثني من سمع عمرو بن شعيب، وكنت سمعته أنا وأبي جميعا، قال: حدّثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن مسعود، قال: أتى رسول الله ﷺ ذات يوم أم عبد الله بن عمرو ابن العاص،

стр. 574

وكانت امرأته تلطف برسول الله ﷺ ، فقال: كيف أنت يا أم عبد الله؟ قالت: كيف أكون وعبد الله بن عمرو رجل قد تخلّى من الدنيا! قال لها. كيف ذلك؟ قالت: حرّم النوم فلا ينام، ولا يفطر، ولا يطعم اللحم، ولا يؤدّي إلى أهله حقّهم. قال: فأين هو؟ قالت: خرج ويوشك أن يرجع الساعة. قال: فإذا رجع فاحبسيه عليّ. فخرج رسول الله ﷺ ، وجاء عبد الله وأوشك رسول الله ﷺ في الرّجعة، فقال يا عبد الله بن عمرو، ما هذا الذي بلغني عنك أنك لا تنام. قال: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: بلغني أنك لا تنام ولا تفطر. قال: أردت بذلك الأمن من الفزع الأكبر. قال: وبلغني أنك لا تطعم اللحم. قال: أردت بذلك ما هو خير منه في الجنة؟ قال: وبلغني أنك لا تؤدّي إلى أهلك حقّهم. قال: أردت بذلك نساء هنّ خير منهن. فقال رسول الله ﷺ : يا عبد الله بن عمرو، إن لك في رسول الله أسوة حسنة؛ فرسول الله يصوم ويفطر، ويأكل اللحم، ويؤدّي إلى أهله حقوقهم. يا عبد الله بن عمرو، إن لله عليك حقا، وإن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا. فقال: يا رسول الله، ما تأمرني أن أصوم؟ خمسة أيام وأفطر يوما؟ قال: لا. قال: فأصوم أربعة وأفطر يوما؟ قال: لا. قال: فأصوم ثلاثة وأفطر يوما؟ قال: لا. قال: فيومين وأفطر يوما؟ قال: لا. قال: فيوما؟ قال: ذلك صيام أخي داود. يا عبد الله بن عمرو؛ كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت «١» عهودهم ومواثيقهم فكانوا هكذا؟ وخالف بين أصابعه. قال: فما تأمرني به يا رسول الله؟ قال: تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر، وتعمل بخاصة نفسك، وتدع الناس وعوام أمرهم. قال: ثم أخذ بيده وجعل يمشي به حتى وضع يده في يد أبيه، وقال له: أطع أباك. فلما كان يوم صفّين قال له أبوه عمرو بن العاص: يا عبد الله، اخرج فقاتل. فقال: يا أبتاه، أتأمرني أن أخرج فأقاتل وقد سمعت من رسول الله ﷺ ما سمعت

стр. 575

وعهد إليّ ما عهد؟ قال: أنشدك الله، ألم يكن آخر ما قال لك أن أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال: أطع أباك؟ قال: اللهم بلى. قال: فإني أعزم عليك فلتخرج فتقاتل، قال: فخرج فقاتل متقلّدا بسيفين. القول في القدر لمحمد بن المنكدر: أتى قوم من أهل القدر محمد بن المنكدر، فقالوا له: أنت الذي تقول إن الله يعذّب الخلق على ما قدّر عليهم؟ فصرف وجهه عنهم ولم يجبهم، فقالوا له: أصلحك الله! إن كنت لا تجيبنا فلا تخلنا من بركة دعائك؛ فقال: اللهم لا تردنا بعقوبتك، ولا تمكر بنا في حيلتك، ولا تؤاخذنا بتقصيرنا عن رضاك، قليل أعمالنا تقبل، وعظيم خطايانا تغفر، أنت الله الذ لم يكن شيء قبلك، ولا يكون شيء بعدك، ولي الأشياء، ترفع بالهدى من تشاء، لا من أحسن استغنى عن عونك، ولا من أساء غلبك، ولا استبدّ شيء عن حكومتك وقدرتك، لا ملجأ إلا إليك؛ فكيف لنا بالمغفرة وليست إلا في يديك؟ وكيف لنا بالرحمة وليست إلا عندك؟ حفيظ لا ينسى، وقديم لا يبلى، حيّ لا يموت؛ بك عرفناك، وبك اهتدينا إليك، ولولا أنت لم ندر ما أنت، سبحانك وتعاليت. فقال القوم: قد والله أخبر وما قصّر. وقال: ذكر القدر في مجلس الحسن البصري، فقال: إنّ الله خلق الخلق للابتلاء، لم يطيعوه بإكراه، ولم يعصوه بغلبة، لم يهملهم من الملك، وهو القادر على ما أقدرهم عليه، والمالك لما ملّكهم إياه، فإن يأتمر العباد بطاعة الله لم يكن مثبّطا لهم «١» . بل يزيدهم هدى إلى هداهم، وتقوى إلى تقواهم؛ وإن يأتمروا بمعصية الله كان الله قادرا على صرفهم إن شاء، وإن خلّى بينهم وبين المعصية فمن بعد إعذار وإنذار.

стр. 576

غيلان وربيعة: مروان بن موسى قال: حدّثنا أبو ضمرة أنّ غيلان قدم بكلمة قد صاغها حتى وقف على ربيعة، فقال له: أنت الذي تزعم أنّ الله أحبّ أن يعصى؟ فقال له ربيعة: أنت الذي تزعم أن الله يعصى كرها؟ فكأنما ألقمه حجرا. قيل لطاووس: هذا قتادة يحب أن يأتيك. فقال: إن جاء لأقومنّ. قيل له: إنه فقيه. قال: إبليس أفقه منه. قال: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي «١» . وقيل للشعبي: رأيت قتادة؟ قال: نعم. رأيت كناسة بين حشّين «٢» . القدر هو العلم والكتاب والكلمة والإذن والمشيئة. قال الأصمعي: سألت أعرابيا فقلت له: ما فضل بني فلان على بني غلان؟ قال: الكتاب، يعني القدر. وقال الله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ «٣» . وقال: كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ «٤» . وقال: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ «٥» . يعني القدر، وقال: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً «٦» . للخشني في الأعشى ولبيد: قال الخشني أبو عبد الله محمد بن عبد السلام: شاعران من فحول الجاهلية ذهب أحدهما في بيته مذهب العدليّة والآخر ذهب مذهب الجبريّة، فالذي ذهب مذهب العدلية فأعشى بكر حيث يقول:

стр. 577

استأثر الله بالوفاء وبالععدل وولّى الملامة الرجلا والذي ذهب مذهب الجبرية فلبيد بن ربيعة حيث يقول: إنّ تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن الله ريث وعجل من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضلّ لإياس بن معاوية: وقال إياس بن معاوية: كلمت الفرق كلّها ببعض عقلي، وكلمت القدريّ بعقلي كلّه، فقلت له: دخولك فيما ليس لك ظلم منك؟ قال: نعم. قلت: فإن الأمر كله لله. ومن قول الله في القدر: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ «١» . وقال: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٢» . ابن شهاب قال: أنزل الله على نبيه آية في القدرية: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٣» . وقال: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ «٤» . وقال محمد بن سيرين: ما ينكر القدرية أن يكون الله علم من خلقه علما فكتبه عليهم. وقال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁: ما تقول في القدر؟ قال: ويحك! أخبرني عن رحمة الله، أكانت قبل طاعة العباد؟ قال: نعم قال عليّ: أسلم صاحبكم وقد كان كافرا. فقال الرجل له: أليس بالمشيئة الأولى التي أنشأني بها أقوم وأقعد،

стр. 578

وأقبض وأبسط؟ قال له علي: إنك بعد في المشيئة أما إني أسألك عن ثلاث، فإن قلت في واحدة منهن: لا، كفرت؛ وإن قلت: نعم، فأنت أنت. فمدّ القوم أعناقهم ليسمعوا ما يقول؛ فقال له علي: أخبرني عنك، أخلقك الله كما شئت أو كما شاء؟ قال: بل كما شاء. قال: فخلقك الله لما شئت أو لما شاء؟ قال: بل لما شاء. قال فيوم القيامة تأتيه بما شئت أو بما شاء؟ قال: بل بما شاء، قال: قم فلا مشيئة لك. هشام وغيلان والأوزاعي: قال هشام بن محمد السائب الكلبي: كان هشام بن عبد الله قد أنكر على غيلان التكلم في القدر، وتقدّم إليه في ذلك أشدّ التقدم، وقال له في بعض ما توعّده به من الكلام: ما أحسبك تنتهي حتى تنزل بك دعوة عمر بن عبد العزيز إذ احتجّ عليك في المشيئة بقول الله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «١» فزعمت أنك لم تلق لها بالا. فقال عمر: اللهم إن كان كاذبا فاقطع يده ورجله ولسانه، واضرب عنقه. فانته أولى لك، ودع عنك ما ضرّه إليك أقرب من نفعه. فقال له غيلان، لحينه وشقوته: ابعث إليّ يا أمير المؤمنين من يكلمني ويحتجّ عليّ، فإن أخذته حجتي أمسكت عني فلا سبيل لك إليّ، وإن أخذتني حجته فسألتك بالذي أكرمك بالخلافة إلا نفّذت فيّ ما دعا به عمر عليّ. فغاظ قوله هشاما. فبعث إلى الأوزاعي فحكى له ما قال لغيلان وما ردّ غيلان عليه؛ فالتفت إليه الأوزاعي فقال له: أسألك عن خمس أو ثلاث؟ فقال غيلان؛ عن ثلاث. قال الأوزاعي: هل علمت أن الله أعان على ما حرّم؟ قال غيلان: ما علمت وعظمت عنده. قال: فهل علمت أن الله قضى على ما نهى؟ قال غيلان: هذه أعظم، مالي بهذا من علم. قال: فهل علمت أن الله حال دون ما أمر؟ قال غيلان: حال دون ما أمر؟ ما علمت. قال الأوزاعي: هذا مرتاب من أهل الزّيغ. فأمر هشام بقطع يده ورجله، ثم ألقى به في الكناسة. فاحتوشه «٢» الناس يعجبون من عظيم ما أنزل الله به من نقمته. ثم أقبل رجل كان كثيرا ما ينكر عليه

стр. 579

المتكلم في القدر، فتخلل الناس حتى وصل إليه، فقال: يا غيلان، اذكر دعاء عمر. فقال غيلان: أفلح إذا هشام، إن كان الذي نزل بي دعاء عمر أو بقضاء سابق فإنه. لا حرج على هشام فيما أمر به فبلغت كلمته هشاما، فأمر بقطع لسانه وضرب عنقه، لتمام دعوة عمر. ثم التفت هشام إلى الأوزاعي وقال له قد قلت يا أبا عمرو ففسّر، فقال: نعم؛ قضى على ما نهى عنه: نهى آدم عن أكل الشجرة، وقضى عليه بأكلها. وحال دون ما أمر، أمر إبليس بالسجود لآدم وحال بينه وبين ذلك. وأعان على ما حرّم، حرّم الميتة وأعان المضطر على أكلها. ابن أبي عروبة وقتادة: الرياشيّ عن سعيد بن عامر عن جويرية عن سعيد بن أبي عروبة قال: لما سألت قتادة عن القدر قال: رأي العرب تريد أم رأي العجم؟ فقلت: بل رأي العرب. قال: فإنه لم يكن أحد من العرب إلا وهو يثبت القدر، وأنشد: ما كان قطعي هول كلّ تنوفة ... إلّا كتابا قد خلا مسطورا «١» وقال أعرابيّ: الناظر في قدر الله كالناظر في عين الشمس، يعرف ضوءها ولا يختم على حدودها. وقال: كعب بن زهير: لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر وقال آخر: والجدّ أنهض بالفتى من عقله ... فانهض بجدّ في الحوادث أو ذر ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم تقدر

стр. 580

بين النبي ﷺ وقدري: عبد الرحمن القصير قال: حدّثنا يونس بن بلال عن يزيد بن أبي حبيب أنّ رجلا قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، أيقدّر الله عليّ الشرّ ثم يعذّبني عليه؟ قال: «نعم. وأنت أظلم» . وحدّثني أبو عبد الرحمن المقري، يرفعه إلى أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ : «لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم» . ومن حديث عبد الله بن مسعود، قال: ما كان كفر بعد نبوّة قط إلا كان مفتاحه التكذيب بالقدر. أبو العتاهية وابن أشرس بين يدي المأمون: ثمامة بن أشرس قال: دخل أبو العتاهية على المأمون لما قدم العراق، فأمر له بمال وجعل يحادثه، فقال له يوما: ما في الناس أجهل من القدريّة. فقال له المأمون: أنت بصناعتك أبصر، فلا تتخطاها إلى غيرها. قال له: يا أمير المؤمنين، أجمع وبين من شئت منهم. فأرسل إليّ، فدخلت عليه، فقال لي: هذا يزعم أنك وأصحابك لا حجّة عندكم. قلت: فليسأل عما بدا له. فحرّك أبو العتاهية يده وقال: من حرّك هذه؟ قلت: من ناك أمّه! فقال: يا أمير المؤمنين، شتمني. قلت له: نقضت أصلك يا ماص بظر أمّه! فضحك المأمون. فقلت له: يا جاهل! تحرّك يدك ثم تقول: من حرّكها؟ فإن كان الله حرّكها فلم أشتمك؛ وإن كنت أنت المحرّك لها فهو قولي. قال له المأمون: عندك زيادة في المسألة. قال الكندي في الفن التاسع من التوحيد: اعلم أنّ العالم كله مسوس بالقضاء والقدر- أعني بالقضاء- ما قسم لكل معلول مما هو أصلح وأحكم، وأتقن في بنية الكل، لأنه جل ثناؤه خلق وأبدع مضطرا ومختارا بتمام القدرة، فلما كان المختار غير تام الحكمة؛ لأنّ تمام الحكمة لمبدع الكل، كان لو أطلق واختياره لاختار كثيرا مما

стр. 581

فيه فساد الكل، فقدّر جل ثناؤه بنية للكل تقديرا محكما، فصيّر بعضه سوانح لبعض «١» ، يختار بإرادته ومشيئته غير مقهور مما هو أصلح وأحكم في بنية الكل؛ فتقدير هذه السوانح هو القدر. فبالقضاء والقدر ساس جلّ ثناؤه جميع ما أبدع، فهذه السياسة المحكمة المتقنة التي لا يدخلها زلل ولا نقص. فاتضح أنّ كل معلول فيما قسم له ربّه من الأحوال لا خارج عنها، وأنّ بعض ذلك باضطرار وبعضه باختيار، وأن المختار عن سوانح قدره اختار، وبإرادته لا بالكره منه فعل. سئل أعرابيّ عن القدر فقال: ذاك علم اختصمت فيه الظنون، وكثر فيه المختلفون، والواجب علينا أن نردّ ما أشكل من حكمه إلى ما سبق من علمه. واصطحب مجوسيّ وقدري في سفر، فقال القدري للمجوسي: مالك لا تسلم قال: إن أذن الله في ذلك كان. قال: إنّ الله قد أذن، إلا أن الشيطان لا يدعك. قال: فأنا مع أقواهما. وقال رجل لهشام بن الحكم: أنت تزعم أنّ الله في فضله وكرمه وعدله كلّفنا ما لا نطيقه ثم يعذّبنا عليه؟ قال هشام: قد والله فعل، ولكن لا نستطيع أن نتكلم. عمر بن عبيد وابن مسكين: اجتمع عمرو بن عبيد مع الحارث بن مسكين بمنى، فقال له: إنّ مثلي ومثلك لا يجتمعان في مثل هذا الموضع فيفترقان من غير فائدة؛ فإن شئت فقل، وإن شئت فأنا أقول. قال له: قل. قال: هل تعلم أحدا أقبل للعذر من الله ؟ قال: لا. قال: فهل تعلم عذرا أبين من عذر من قال «لا أقدر» فيما تعلم أنت أنه لا يقدر عليه؟ قال: فلم لا يقبل؟ من لا أقبل للعذر منه، عذر من لا أبين من عذره؟ فانقطع الحارث بن مسكين فلم يردّ شيئا.

стр. 582

ردّ المأمون على الملحدين وأهل الأهواء قال المأمون للثّنوي الذي تكلم عنده: أسألك عن حرفين لا أزيد عليهما: هل ندم مسيء قط على إساءته؟ قال: بلى. قال: فالندم على الإساءة إساءة أم إحسان؟ قال: بل إحسان. قال: فالذي ندم هو الذي أساء أم هو غيره؟ قال: بل هو الذي أساء. قال: فأرى صاحب الخير هو صاحب الشرّ قال: فإني أقول: الذي ندم غير الذي أساء. قال: فندم على شيء كان منه أم على شيء كان من غيره. فسكت. وقال له أيضا: أخبرني عن قولك باثنين، هل يستطيع أحدهما أن يخلق خلقا لا يستعين فيه بصاحبه؟ قال: نعم. قال: فما تصنع باثنين؟ واحد يخلق كل شيء خير لك وأصحّ. وقال المأمون للمرتدّ الخراساني الذي أسلم على يديه وحمله معه إلى العراق فارتدّ عن الإسلام، أخبرني: ما الذي أوحشك مما كنت به آنسا من ديننا؟ فو الله لأن أستحييك بحق أحبّ إليّ من أن أقتلك بحق، وقد صرت مسلما بعد أن كنت كافرا، ثم عدت كافرا بعد أن صرت مسلما. فإن وجدت عندنا دواء لدائك تداويت به، وإن أخطأك الشفاء ونبا عليك الدواء، كنت قد أبليت العذر في نفسك ولم تقصّر في الاجتهاد لها، فإن قتلناك قتلناك في الشريعة، وترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار واليقين ولم تفرّط في الدخول من باب الحزم. قال المرتد: أوحشني منكم ما رأيت من الاختلاف في دينكم. قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كاختلافنا في الأذان، والتكبير في الجنائز، وصلاة العيدين والتشهد، والتسليم من الصلاة، ووجوه القراءات، واختلاف وجوه الفتيا، وما أشبه ذلك؛ وهذا ليس باختلاف، وإنما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من السنّة؛ فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يأثم، ومن ربّع لم يأثم. والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتاب الله، وتأويل الحديث عن نبينا، مع اجتماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر؛ فإن كان إنما أوحشك هذا فينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متّفقا على تأويله كما

стр. 583

يكون متّفقا على تنزيله، ولا يكون بين اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات ولو شاء الله أن ينزل كتبه مفسرة، ويجعل كلام أنبيائه ورسله لا يختلف في تأويله لفعل؛ ولكنّا لم نجد شيئا من أمور الدين والدّنيا وقع إلينا على الكفاية إلا مع طول البحث والتّحصيل والنظر، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحن، وذهب التفاضل والتباين، ولما عرف الحازم من العاجز، ولا الجاهل من العالم، وليس على هذا بنيت الدنيا. قال المرتد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن المسيح عبد الله، وأن محمدا صادق، وأنك أمير المؤمنين. بينه وبين علي ابن موسى: وقال المأمون لعليّ بن موسى الرّضا: بم تدّعون هذا الأمر. قال: بقرابة عليّ من رسول الله ﷺ وبقرابة فاطمة منه. فقال له المأمون: إن لم يكن ها هنا إلا القرابة فقد خلف رسول الله ﷺ من أهل بيته، من كان أقرب إليه من علي أو من في مثل قعدده «١» ، وإن كان بقرابة فاطمة من رسول الله ﷺ ، فإن الحق بعد فاطمة للحسن والحسين، وليس لعليّ في هذا الأمر حقّ وهما حيّان، فإذا كان الأمر كذلك فإن عليا قد ابتزّهما حقّهما وهما صحيحان، واستولى على ما لا يجب له. فما أجابه عليّ بن موسى بشيء. من واصل إلى ابن عبيد: كتب واصل بن عطاء الغزّال إلى عمرو بن عبيد: أما بعد، فإن استلاب نعمة العبد بيد الله، وتعجيل المعاقبة بيد الله، ومهما يكن ذلك فباستكمال الآثام، والمجاورة للجدال الذي يحول بين المرء وقلبه، وقد عرفت ما كان يطعن به عليك وينسب إليك ونحن بين ظهراني الحسن بن أبي الحسن ﵀، لاستبشاع قبح مذهبك، نحن ومن قد عرفته من جميع أصحابنا، ولمّه «٢» إخواننا

стр. 584

الحاملين الواعين عن الحسن؛ فلله تلكم لمّة وأوعياء وحفظة، ما أدمت الطبائع «١» ، وأرزن المجالس، وأبين الزّهد وأصدق الألسنة، اقتدوا والله بمن مضى شهابهم، وأخذوا بهديهم؟ عهدي والله بالحسن وعهدهم أمس في مسجد رسول الله ﷺ بشرقي الأجنحة، وآخر حديث حدّثنا إذ ذكر الموت وهول المطلع، فأسف على نفسه واعترف بذنبه، ثم التفت والله يمنة ويسرة معتبرا باكيا؛ فكأني أنظر إليه يمسح مرفضّ العرق عن جبينه، ثم قال: اللهم إني قد شددت وضين «٢» راحلتي، وأخذت في أهبة سفري إلى محل القبر وفرش العفر «٣» ، فلا تؤاخذني بما ينسبون إليّ من بعدي. اللهم إني قد بلّغت ما بلغني عن رسولك، وفسّرت من محكم تأويلك ما قد صدّقه حديث نبيك؛ ألا وإني خائف عمرا! ألا وإني خائف عمرا! شكاية لك إلى ربّه جهرا، وأنت عن يمين أبي حذيفة أقربنا إليه؛ وقد بلغني كبير ما حمّلته نفسك، وقلّدته عنقك، من تفسير التنزيل، وعبارة التأويل؛ ثم نظرت في كتبك، وما أدّته إلينا روايتك من تنقيص المعاني، وتفريق المباني، فدلّت شكاية الحسن عليك بالتحقيق بظهور ما ابتدعت، وعظيم ما تحمّلت؛ فلا يغررك أي أخي تدبير من حولك، وتعظيمهم طولك «٤» ، وخفضهم أعينهم عنك إجلالا لك، غدا والله تمضي الخيلاء والتفاخر، وتجزى كلّ نفس بما تسعى. ولم يكن كتابي إليك، وتجليبي عليك، إلا ليذكّرك بحديث الحسن ﵀، وهو آخر حديث حدّثناه. فأدّ المسموع وانطق بالمفروض، ودع تأويلك الأحاديث على غير وجهها، ركن من الله وجلا «٥» فكأنّ قد. ما جاء في ذم الحمق والجهل قال النبي ﷺ «الجاهل يظلم من خالطه، ويعتدي على من هو دونه، ويتطاول على من هو فوقه، ويتكلّم بغير تمييز، وإن رأى كريمة أعرض عنها، وإن عرضت فتنة أردته وتهوّر فيها» .

стр. 585

وقال أبو الدّرداء: علامة الجاهل ثلاث: العجب، وكثرة المنطق، وأن ينهى عن شيء ويأتيه. وقال أردشير: حسبكم دلالة على عيب الجاهل أنّ كل الناس تنفر منه وتغضب من أن تنسب إليه. وكان يقال: لا تغررك من الجاهل قرابة ولا أخوّة ولا إلف؛ فإنّ أحقّ الناس بتحريق النار أقربهم منها. وقيل: خصلتان تقرّبانك من الأحمق: كثرة الالتفات، وسرعة الجواب. وقيل: لا تصطحب الجاهل، فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك. ولبعضهم: لكلّ داء دواء يستطبّ به ... إلّا الحماقة أعيت من يداويها ولأبي العتاهية: احذر الأحمق أن تصحبه ... إنّما الأحمق كالثّوب الخلق كلّما رقّعته من جانب ... زعزعته الرّيح يوما فانخرق أو كصدع في زجاج فاحش ... هل ترى صدع زجاج يلتصق فإذا عاتبته كي يرعوي ... زاد شرّا وتمادى في الحمق أصناف الإخوان قال العتابي: الإخوان ثلاثة أصناف: فرع بائن من أصله، وأصل متّصل بفرعه، وفرع لبس له أصل. فأما الفرع البائن من أصله، فإخاء بني على مودّة ثم انقطعت فحفظ على ذمام الصّحبة. وأما الأصل المتصل بفرعه، فإخاء أصله الكرم وأغصانه التقوى. وأما الفرع الذي لا أصل له، فالموّه الظاهر الذي ليس له باطن. وقال النبي ﷺ : «الصاحب رقعة في قميصك فانظر بم ترقعه» . وقالوا: من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا، ولعدوّه عدوّا.

стр. 586

وفد دحية الكلبي على عليّ ﵁، فما زال يذكر معاوية ويطريه في مجلسه؛ فقال عليّ ﵇: صديق عدوّي داخل في عداوتي ... وإنّي لمن ودّ الصديق ودود فلا تقربن منّي وأنت صديقه ... فإنّ الّذي بين القلوب بعيد وفي هذا المعنى قول العتّابي: تودّ عدوّي ثم تزعم أنّني ... صديقك إنّ الرأي عنك لعازب وليس أخي من ودّني رأي عينه ... ولكن أخي من ودّني وهو غائب وقال آخر: ليس الصديق الذي إن زلّ صاحبه ... يوما رأى الذنب منه غير مغفور وإن أضاع له حقّا فعاتبه ... فيه أتاه بتزويق المعاذير إنّ الصديق الذي ألقاه يعذر لي ... ما ليس صاحبه فيه بمعذور وقال آخر: كم من أخ لك لم يلده أبوكا ... وأخ أبوه أبوك قد يجفوكا صاف الكرام إذا أردت إخاءهم ... واعلم بأنّ أخا الحفاظ أخوكا والناس ما استغنيت كنت أخاهم ... وإذا افتقرت إليهم رفضوكا وقال بعضهم: أخوك الذي إن قمت بالسيف عامدا ... لتضربه لم يستغشّك في الودّ ولو جئت تبغي كفّه لتبينها ... لبادر إشفاقا عليك من الردّ يرى أنه في الودّ كان مقصّرا ... على أنّه قد زاد فيه على الجهد وقال آخر: إن كنت متّخذا خليلا ... فتنقّ وانتقد الخليلا «١»

стр. 587

من لم يكن لك منصفا ... في الودّ فابغ به بديلا ولقلّما تلقى الليئم عليك إلّا مستطيلا «١» وللعطويّ: صن الودّ إلّا عن الأكرمين ... ومن بمؤاخاته تشرف ولا تغترر من ذوي خلّة ... بما موّهوا لك أو زخرفوا فكم من أخ ظاهر ودّه ... ضمير مودّته أجيف «٢» إذا أنت عاتبته في الإخا ... ء تنكر منه الذي تعرف وكتب العباس بن جرير إلى الحسن بن مخلد: إرع الإخاء أبا محمّد للذي يصفو وصنه وإذا رأيت منافسا ... في نيل مكرمة فكنه إن الصّديق هو الذي ... يرعاك حيث تغيب عنه فإذا كشفت إخاءه ... أحمدت ما كشّفت عنه مثل الحسام إذا انتضا ... هـ أخو الحفيظة لم يخنه «٣» يسعى لما تسعى له ... كرما وإن لم تستعنه ولآخر: خير إخوانك المشارك في المر وأين الشريك في المرّ أينا الذي إن شهدت زادك في السرّ وإن غبت كان أذنا وعينا ولآخر: ومن البلاء أخ جنايته ... علق بنا ولغيرنا سلبه «٤» وقال آخر:

стр. 588

إذا رأيت انحرافا من أخي ثقة ... ضاقت عليّ برحب الأرض أوطاني فإن صددت بوجهي كي أكافئه ... فالعين غضبى وقلبي غير غضبان وكتب بعضهم إلى محمد بن بشار: من لم يردك فلا ترد ... هـ وكن كمن لم تستفده باعد أخاك لبعده ... وإذا دنا شبرا فزده كم من أخ لك يا بن بشّار وأمّك لم تلده وأخي مناسبة يسو ... ءك عيبه لم تفتقده فأجابه محمد بن بشار: غلط الفتى في قوله ... من لم يردك فلا ترده من نافس الإخوان لم ... يبد العتاب ولم يعده عاتب أخاك إذا هفا ... واعطف بودّك واستعده «١» وإذا أتاك بعيبه ... واش فقل لم تعتمده ومما يستجلب الإخاء والمودة ولين الكلمة قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: من لانت كلمته وجبت محبته. وينشد: «كيف أصبحت كيف أمسيت» ممّا ... ينبت الوّدّ في فؤاد الكريم وعلى الصديق ألّا يلقى صديقه إلا بما يحب، ولا يؤذي جليسه فيما هو عنه بمعزل، ولا يأتي بما يعيب مثله، ولا يعيب ما يأني شكله. وقد قال المتوكل الّليثي: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم

стр. 589

وقال عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث يثبتن لك الودّ في صدر أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ الأسماء إليه. وقال: ليس شيء أبلغ في خير ولا شرّ من صاحب. وقال الشاعر: إن كنت تبغي المرء أو أصله ... وشاهدا يخبر عن غائب فاعتبر الأرض بأشباهها ... واعتبر الصاحب بالصاحب لعدي بن زيد: عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي «١» ولعمرو بن جميل التّغلبي: سأصبر من صديقي إن جفاني ... على كلّ الأذى إلّا الهوانا «٢» فإنّ الحرّ يأنف في خلاء ... وإن حضر الجماعة أن يهانا بين مطيع وخاطب مودة: قال رجل لمطيع بن إياس: جئتك خاطبا مودتك. فقال له: قد زوجتك، على شرط أن تجعل صداقها ألّا تسمع فيّ مقالة الناس. ويقال في المثل: من لم يزدرد الريق «٣» لم يستكثر من الصديق. وما أحسن ما قال إبراهيم بن عباس: يا صديقي الذي بذلت له الو ... دّ وأنزلته على أحشائي إنّ عينا أقذيتها لتراعي ... ك على ما بها من الأقذاء «٤» ما بها حاجة إليك ولكن ... هي معقودة بحبل الوفاء

стр. 590

ولابن أبي حازم: ارض من المرء في مودّته ... بما يؤدّي إليك ظاهره من يكشف الناس لم يجد أحدا ... تصحّ منه له سرائره يوشك ألّا تتمّ وصل أخ ... في كلّ زلّاته تنافره إن ساءني صاحبي احتملت وإن ... سرّ فإني أخوه شاكره أصفح عن ذنبه وإن طلب ال ... عذر فإني عليه عاذره ولغيره: إنّي إذا أبطأت عنك فلم أزل ... لأحداث دهر لا يزال يعوق لقد أصبحت نفسي عليك شفيقة ... ومثلي على أهل الوفاء شفيق أسرّ بما فيه سرورك إنّني ... جدير بمكنون الإخاء حقيق «١» عدوّ لمن عاديت سلم مسالم ... لكلّ امريء يهوى هواك صديق ولأبي عبد الله بن عرفة: هموم رجال في أمور كثيرة ... وهمّي من الدّنيا صديق مساعد يكون كروح بين جسمين فرّقا ... فجساهما جسمان والرّوح واحد وقال بعض الحكماء: الإخاء جوهرة رقيقة، وهي ما لم توقّها وتحرسها معرّضة للآفات. فرض الإخاء بالحدّ له «٢» حتى تصل إلى قربه، وبالكظم «٣» حتى يعتذر إليك من ظلمك، وبالرّضى حتى لا تستكثر من نفسك الفضل ولا من أخيك التقصير. ولمحمود الوراق: لا برّ أعظم من مساعدة ... فاشكر أخاك على مساعدته

стр. 591

وإذا هفا فأقله هفوته ... حتى يعود أخا كعادته فالصفح عن زلل الصّديق وإن ... أعياك خير من معاندته ولعبد الصمد بن المعذّل: من لم يردك ولم ترده ... لم يستفيدك ولم تفده قرّب صديقك ما نأى ... وزد التّقارب واستزده وإذا وهت أركان ... من أخي ثقة فشده «١» باب من أخبار الخوارج الخوارج وعلي بن أبي طالب: لما خرجت الخوارج على عليّ بن أبي طالب ﵁، وكانوا من أصحابه، وكان من أمر الحكمين ما كان واختداع عمرو لأبي موسى الأشعري، قالوا: لا حكم إلا لله. فلما سمع عليّ ﵁ نداءهم. قال: كلمة حق يراد بها باطل، وإنما مذهبهم ألّا يكون أمير، ولا بد من أمير برّا كان أو فاجرا. وقالوا لعليّ: شككت في أمرك، وحكّمت عدوّك في نفسك. وخرجوا إلى حروراء، وخرج إليهم عليّ ﵁، فخطبهم متوكّئا على قوسه، وقال: هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة «٢» ، أنشدكم الله، هل علمتم أن أحدا كان أكره للحكومة مني؟ قالوا: اللهم لا. قال: أفعلمتم أنكم أكرهتموني عليها حتى قبلتها؟ قالوا اللهم نعم. قال: فعلام خالفتموني ونابذتموني؟ قالوا: إنا أتينا ذنبا عظيما فتبنا إلى الله منه، فتب إلى الله منه. واستغفره نعد إليك. فقال علي: إني أستغفر الله من كل ذنب. فرجعوا معه وهم في ستة آلاف. فلما استقرّوا بالكوفة أشاعوا أنّ عليّا رجع عن التحكيم وتاب منه ورآه ضلالا. فأتى الأشعث بن قيس عليّا ﵁،

стр. 592

فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تحدّثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا والإقامة عليها كفرا وتبت. فخطب عليّ الناس فقال: من زعم أنّي رجعت عن الحكومة فقد كذب، ومن رآها ضلالا فهو أضلّ منها. فخرجت الخوارج من المسجد فحكمت، فقيل لعليّ: إنهم خارجون عليك. فقال: لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون. فوجّه إليهم عبد الله بن العباس، فلما صار إليهم رحّبوا به وأكرموه، فرأى منهم جباها قرحت «١» لطول السجود، وأيديا كثفنات «٢» الإبل، وعليهم قمص مرحضة «٣» ، وهم مشمّرون. قالوا: ما جاء بك يا بن عباس؟ قال: جئتكم من عند صهر رسول الله ﷺ وابن عمه، وأعلمنا بربّه وسنة نبيّه، ومن عند المهاجرين والأنصار: فقالوا: إنا أتينا عظيما حين حكّمنا الرجال في دين الله؛ فإن تاب كما تبنا ونهض لمجاهدة عدوّنا رجعنا. فقال ابن عباس: نشدتكم الله إلا ما صدقتم أنفسكم، أما علمتم أن الله أمر بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم تصاد في الحرم، وفي شقاق رجل وامرأته؟ فقالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل علمتم أن رسول الله ﷺ أمسك عن القتال للهدنة بينه وبين أهل الحديبية؟ قالوا: نعم، ولكن عليّا محا نفسه من خلافة المسلمين. قال ابن عباس: ليس ذلك يزيلها عنه وقد محا رسول الله ﷺ اسمه من النبوة، وقال سهيل بن عمرو: لو علمت أنك رسول الله ما حاربتك فقال للكاتب: اكتب «محمد بن عبد الله» . وقد أخذ عليّ على الحكمين ألا يجورا، وإن يجورا فعليّ أولى من معاوية وغيره. قالوا: إنّ معاوية يدّعي مثل دعوى عليّ، قال: فأيهما رأيتموه أولى فولّوه. قالوا: صدقت. قال ابن عباس: ومتى جار الحكمان فلا طاعة لهما ولا قبول لقولهما. فاتبعه منهم ألفان وبقي أربعة آلاف. فصلى بهم صلواتهم ابن الكواء وقال: متى كانت حرب فرئيسكم شبث بن ربعيّ الرّياحي. فلم يزالوا على ذلك حتى اجتمعوا على البيعة لعبد الله بن وهب الرّاسبي،

стр. 593

فخرج بهم إلى النّهروان، فأوقع بهم عليّ، فقتل منهم ألفين وثمانمائة، وكانّ عددهم ستة آلاف. وكان منهم بالكوفة زهاء ألفين ممن يسرّ أمره؛ فخرج منهم رجل بعد أن قال علي ﵁: ارجعوا وادفعوا إلينا قاتل عبد الله ابن خبّاب. قالوا: كلنا قتله وشرك في دمه. وذلك أنهم لما خرجوا إلى النهروان لقوا مسلما ونصرانيا، فقتلوا المسلم وأوصوا بالنّصراني خيرا، وقالوا: احفظوا ذمّة نبيكم. ولقوا عبد الله ابن خبّاب، وفي عنقه المصحف ومعه امرأته وهي حامل، فقالوا: إن هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك. فقال لهم: أحيوا ما أحيا القرآن، وأميتوا ما أمام القرآن. قالوا: حدّثنا عن أبيك. قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل. قالوا: فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيرا، قالوا: فما تقول في الحكومة والتحكيم؟ قال: أقول إن عليا أعلم بالله منكم وأشدّ توقّيا على دينه وأبعد بصيرة. قالوا: إنك لست تتبع الهدى، بل الرجال على أسمائها. ثم قرّبوه إلى شاطيء البحر فذبحوه، فامذقرّ دمه- أي جرى مستقيما على دفة- وساموا «١» رجلا نصرانيا بنخلة- فقال: هي لكم هبة. قالوا: ما كنا نأخذها إلا بثمن. فقال: ما أعجب هذا! أتقتلون مثل عبد الله بن خبّاب ولا تقبلون منا جنى نخلة إلا بثمن. فرقهم: ثم افترقت الخوارج على أربعة أضرب: الإباضية، أصحاب عبد الله بن إباض والصّفرية واختلفوا في تسميتهم. فقال قوم: سمّوا بابن الصفّار. وقال قوم: نهكتهم العبادة فاصفرّت وجوههم. ومنهم البيهسية: وهم أصحاب ابن بيهس. ومنهم الأزارقة، أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي، وكانوا قبل على رأي واحد لا يختلفون إلّا في الشيء الشاذ.

стр. 594

هم وابن الزبير: فبلغهم خروج مسلم بن عقبة إلى المدينة وقتله أهل حرّة، وأنه مقبل إلى مكة، فقالوا: يجب علينا أن نمنع حرم الله منهم ونمتحن ابن الزبير، فإن كان على رأينا تابعناه. فلما صاروا إلى ابن الزبير عرّفوه أنفسهم وما قدموا له، فأظهر لهم أنه على رأيهم، حتى أتاهم مسلم بن عقبة وأهل الشام، فدافعوه إلى أن يأتي رأي يزيد بن معاوية، ولم يتابعوا ابن الزبير؛ ثم تناظروا فيما بينهم، فقالوا: ندخل إلى هذا الرجل فننظر ما عنده، فإن قدّم أبا بكر وعمر وبرىء من عثمان وعليّ وكفّر أباه وطلحة بايعناه؛ وإن تكن الأخرى ظهر لنا ما عنده فتشاغلنا بما يجدي علينا. فدخلوا على ابن الزبير وهو متبذّل «١» وأصحابه متفرّقون عنه، فقالوا له: إنا جئناك لتخبرنا رأيك، فإن كنت على صواب بايعناك، وإن كنت على خلاف دعوناك إلى الحق؛ ما تقول في الشيخين؟ قال: خيرا، قالوا: فما تقول في عثمان الذي حمى الحمى «٢» ، وآوى الطريد، وأظهر لأهل مصر شيئا وكتب بخلافه، وأوطأ آل بني معيط رقاب الناس وآثرهم بفيء المسلمين؛ وفي الذي بعده الذي حكّم الرجال في دين الله وأقام على ذلك غير تائب ولا نادم؛ وفي أبيك وصاحبه وقد بايعا عليّا، وهو إمام عادل مرضي لم يظهر منه كفر، ثم نكثا بيعته وأخرجا عائشة تقاتل، وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن «٣» في بيوتهن، وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التوبة؛ فإن أنت قبلت كلّ ما نقول لك الزّلفى عند الله، والنصر على أيدينا إن شاء الله، ونسأل الله لك التوفيق، وإن أبيت خذلك الله وانتصر منك بأيدينا. فقال ابن الزبير: إن الله أمر وله العزّة والقدرة في مخاطبة أكفر الكافرين وأعتى العاتين بأرقّ من هذا القول؛ قال لموسى وأخيه صلى الله عليهما: اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى، فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى «٤» . وقال رسول الله ﷺ : لا

стр. 595

تؤذوا الأحياء بسبّ الموتى. فنهى عن سبّ أبي جهل من أجل عكرمة ابنه، وأبو جهل عدوّ الله ورسوله، والمقيم على الشرك، والجادّ في محاربة رسول الله ﷺ قبل الهجرة والمحارب له بعدها، وكفى بالشرك ذنبا؛ وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سمّيتم فيه طلحة وأبي أن تقولوا: أتبرأ من الظالمين؟ فإن كانا منهم دخلا في غمار الناس «١» ، وان لم يكونا منهم لم تحفظوني بسبّ أبي وصاحبه، وأنتم تعلمون أن الله جلّ وعزّ قال للمؤمن في أبويه: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً «٢» وقال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً «٣» . وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده، وليس يقنعكم إلا التوقيف والتّصريح، ولعمري إنّ ذلك أحرى بقطع الحجج، وأوضح لمنهاج الحق، وأولى بأن يعرف كلّ صاحبه من عدوّه. فروحوا إليّ من عشيّتكم هذه أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله تعالى. خطبة ابن الزبير فيهم: فلما كان العشي راحوا إليه، فخرج إليهم وقد لبس سلاحه، فلما رأى ذلك نجدة «٤» ، قال: هذا خروج منابذ «٥» لكم. فجلس على رفع من الأرض فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيّه، ثم ذكر أبا بكر وعمر أحسن ذكر، ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته؛ ثم وصلهن بالسّنين التي أنكروا سيرته فيها فجعلها كالماضية، وأخبر أنه آوى الحكم بن أبي العاصي بإذن رسول الله ﷺ ، وذكر الحمى وما كان فيه من الصلاح، وأنّ القوم استعتبوه من أمور ما كان له أن يفعلها أولا مصيبا ثم أعتبهم بعد ذلك محسنا. وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه بعد أن ضمن لهم العتبى ثم كتب ذلك الكتاب بقتلهم. فدفعوا الكتاب إليه، فحلف بالله

стр. 596

أنه لم يكتبه ولم يأمر به؛ وقد أمر الله بقبول اليمين ممن ليس له مثل سابقته، مع ما اجتمع له من صهر رسول الله ﷺ ، ومكانه من الإمامة، وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه، وعثمان الرجل الذي لزمته يمين لو حلف عليها حلف على حق، فافتداها بمائة ألف ولم يحلف، وقد قال رسول الله ﷺ : من حلف بالله فليصدق، ومن حلف بالله فليقبل. وعثمان أمير المؤمنين كصاحبيه. وأنا وليّ وليّه وعدوّ عدوّه، وأبي وصاحبه صاحبا رسول الله ﷺ ورسول الله يقول عن الله أحد لما قطعت أصبع طلحة: سبقته إلى الجنة. وقال: أوجب طلحة. وكان الصّديق إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك يوم كله أو جلّه لطلحة. والزبير حواريّ رسول الله ﷺ وصفوته، وقد ذكر أنه في الجنة. وقال : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ «١» . وما أخبرنا بعد أنه سخط عليهم؛ فإن يكن ما صنعوا حقّا فأهل ذلك هم، وإن يكن زلّة ففي عفو الله تمحيصها «٢» ، وفيما وفّقهم له من السابقة مع نبيهم ﷺ ، ومهما ذكرتموهما به فقد بدأتكم بأمّكم عائشة، فإن أبى آب أن تكون له أمّا، نبذ اسم الإيمان عنه؛ وقد قال جلّ ذكره: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ «٣» . فنظر بعضهم إلى بعض ثم انصرفوا عنه. كتاب ابن الأزرق إلى ابن الزبير: وكتب بعد ذلك نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن الزّبير يدعوه إلى أمره: أما بعد، فإني أحذّرك من الله: يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ويحذّركم الله نفسه، فاتق الله ربّك ولا تتولّ الظالمين، فإن الله يقول: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ (مِنْكُمْ) فَإِنَّهُ مِنْهُمْ «٤» وقال: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ «٥» ، وقد حضرت عثمان يوم قتل. فلعمري لئن كان قتل مظلوما لقد كفر

стр. 597

قاتلوه وخاذلوه، ولئن كان قاتلوه مهتدين، وإنهم لمهتدون، لقد كفر من تولّاه ونصره ولقد علمت أنّ أباك وطلحة وعليّا كانوا أشدّ الناس عليه، وكانوا في أمره بين قاتل وخاذل، وأنت تتولى أباك وطلحة وعثمان، فكيف ولاية قاتل متعمّد ومقتول في دين واحد؟ ولقد ولي علي بعده فنفى الشّبهات، وأقام الحدود، وأجرى الأحكام مجاريها، وأعطى الأمور حقّها فيما عليه وله، فبايعه أبوك وطلحة، ثم خلعا بيعته ظالمين له، وإن القول فيك وفيهما لكما قال ابن عباس ﵀: إن يكن عليّ في وقت معصيتكم ومحاربتكم له كان مؤمنا لقد كفرتم بقتال المؤمنين وأئمة العدل، ولئن كان كافرا كما زعمتم وفي الحكم جائرا لقد بؤتم «١» بغضب من الله لفراركم من الزحف، ولقد كنت له عدوّا، ولسيرته عائبا، فكيف توليته بعد موته. بين نجدة وابن الأزرق: وكتب نجدة. وكان من الصّفرية القعدية، إلى نافع بن الأزرق لمّا بلغه عنه استعراضه للناس وقتله الأطفال، واستحلاله الأمانة: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن عهدي بك وأنت لليتيم كالأب الرحيم، وللضعيف كالأخ البرّ، لا تأخذك في الله لومة لائم، ولا ترى معونة ظالم؛ كذلك كنت أنت وأصحابك. أما تذكر قولك: لولا أني أعلم أن للإمام العادل مثل أجر جميع رعيته ما توليت أمر رجلين من المسلمين، فلما شريت نفسك في طاعة ربك ابتغاء رضوانه، وأصبت من الحق فصّه «٢» وركبت مرّه، تجرّد لك الشيطان فلم يكن أحد أثقل وطأة عليه منك ومن أصحابك، فاستمالك واستغواك، فغويت وأكفرت الذين عذرهم الله في كتابه من قعد المسلمين وضعفتهم، فقال جل ثناؤه، وقوله الحق ووعده الصدق: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ «٣» ثم سمّاهم أحسن الأسماء فقال: ما عَلَى

стр. 598

الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ «١» استحللت قتل الأطفال، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتلهم، وقال جل ثناؤه: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «٢» وقال في القعد خيرا، وفضّل الله من جاهد عليهم، ولا يدفع منزلة أكثر الناس عملا منزلة من هو دونه. إلا إذا اشتركا في أصل. أو ما سمعت قوله ﵎: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٣» فجعلهم الله من المؤمنين، وفضّل عليهم المجاهدين بأعمالهم. ورأيت من رأيك أن لا تؤدّي الأمانة إلى من يخالفك، والله يأمرك أن تؤدّي الأمانات إلى أهلها. فاتق الله وانظر لنفسك، واتق يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً «٤» فإن الله بالمرصاد، وحكمه العدل. وقوله الفصل. والسلام. فكتب إليه نافع بن الأزرق: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فقد أتاني كتابك تعظني فيه وتذكرني، وتنصح لي وتزجرني، وتصف ما كنت عليه من الحق، وما كنت أوثره من الصواب؛ وأنا أسأل الله أن يجعلني من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وعبت عليّ ما دنت به من إكفار القعد، وقتل الأطفال، واستحلال الأمانة. وسأفسّر لك لم ذلك إن شاء الله: أما هؤلاء القعد فليسوا كمن ذكرت ممن كان بعهد رسول الله ﷺ ، لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين، لا يجدون إلى الهرب سبيلا، ولا إلى الاتصال بالمسلمين طريقا؛ وهؤلاء قد فقهوا في الدين، وقرءوا القرآن، والطريق لهم نهج واضح. وقد عرفت ما يقول الله فيمن كان مثلهم، إذ قال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها «٥» . وقال: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ «٦» . وقال: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ. وَقَعَدَ الَّذِينَ

стр. 599

كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «١» . فانظر إلى أسمائهم وسماتهم. وأما أمر الأطفال فإن نبي الله نوحا ﵇ كان أعرف بالله يا نجدة مني ومنك، فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً «٢» فسماهم بالكفر وهم أطفال وقبل أن يولدوا؛ فكيف جاز لك في قوم نوح ولا يجوز في قومنا والله يقول: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ «٣» وهؤلاء كمشركي العرب، لا تقبل منهم جزية، وليس بيننا وبينهم إلا السيف أو الإسلام. وأما استحلال الأمانات ممن خالفنا فإن الله أحل لنا أموالهم، كما أحل لنا دماءهم، فدماؤهم حلال طلق، وأموالهم فيء للمسلمين، فاتق الله وراجع نفسك، فإنه لا عذر لك إلّا بالتوبة، ولا يسعك خذلاننا والقعود دوننا، وترك ما نهجناه لك من طريقتنا ومقالتنا. والسلام على من أقرّ بالحق وعمل به. مرداس وابن زياد: وكان مرداس أبو بلال من الخوارج، وكان مستترا، فلما رأى جدّ ابن زياد في قتل الخوارج وحبسهم، قال لأصحابه: إنه والله لا يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل، مفارقين للعقل؛ والله إنّ الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا لا نبتدئهم، ولا نجرّد سيفا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا. فاجتمع أصحابه وهم ثلاثون رجلا، فأرادوا أن يولّوا أمرهم حريث بن حجل، فأبى. فولّوا أمرهم مرداسا أبا بلال. فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصاريّ، وكان له صديقا، فقال له: يا أخي، قال نعم؟ قال: أريد أن أهرب بديني ودين أصحابي هؤلاء من أحكام الجورة والظلمة. فقال

стр. 600

له: أعلم بكم أحد؟ قال: لا. قال: فارجع. قال: أو تخاف عليّ مكروها؟ قال: نعم وأن يؤتى بك. قال: فلا تخف؛ فإني لا أجرّد سيفا، ولا أخيف أحدا، ولا أقاتل إلا من قاتلني. ثم مضى حتى نزل آسك وهو موضع دون خراسان، فمر به مال يحمل لابن زياد، وقد بلغ أصحابه أربعين رجلا، فحط ذلك المال، وأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه، وردّ الباقي على المرسل، وقال: قولوا لصاحبكم إنما قبضنا أعطياتنا. فقال بعض أصحابه، فعلام ندع الباقي؟ فقال: إنهم يقسمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة، فلا نقاتلهم. ولأبي بلال مرداس هذا أشعار في الخروج؛ منها قوله: أبعد ابن وهب ذي النّزاهة والتّقى ... ومر ماض في تلك الحروب المالكا أحبّ بقاء أو أرجّي سلامة ... وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا فيا ربّ سلّم نيّتي وبصيرتي ... وهب لي البقا حتى ألاقي أولئكا وقالوا إن رجلا من أصحاب زياد، قال: خرجنا من جيش نريد خراسان، فمررنا بآسك، فإذا نحن بمرداس وأصحابه وهم أربعون رجلا، فقال: أقاصدون لقتالنا أنتم؟ قلنا: لا، إنما نريد خراسان. قال: فأبلغوا من لقيتم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا لنروّع أحدا، ولكن هربنا من الضرر، ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا؛ ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا. ثم قال: أندب لنا أحد؟ فقلنا: نعم، أسلم بن زرعة الكلابي. قال: فمتى ترونه يصل إلينا؟ قلنا له: يوم كذا وكذا. فقال أبو بلال حسبنا الله ونعم الوكيل. وندب عبيد الله بن زياد أسلم بن زرعة الكلابي، ووجّهه إليهم في ألفين، فلما صار إليهم صاح به أبو بلال: اتّق الله يا أسلم فإنا لا نريد قتالا ولا نحتجز مالا، فما الذي تريد؟ قال: أريد أن أردّكم إلى ابن زياد. قال: إذا يقتلنا. قال: وإن قتلكم. قال: أفتشركه في دمائنا؟ قال: نعم، إنه محق وأنتم مبطلون. قال: أبو بلال: وكيف هو
следующие страницы →