← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أنه لم يكتبه ولم يأمر به؛ وقد أمر الله بقبول اليمين ممن ليس له مثل سابقته، مع ما اجتمع له من صهر رسول الله ﷺ ، ومكانه من الإمامة، وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه، وعثمان الرجل الذي لزمته يمين لو حلف عليها حلف على حق، فافتداها بمائة ألف ولم يحلف، وقد قال رسول الله ﷺ : من حلف بالله فليصدق، ومن حلف بالله فليقبل. وعثمان أمير المؤمنين كصاحبيه. وأنا وليّ وليّه وعدوّ عدوّه، وأبي وصاحبه صاحبا رسول الله ﷺ ورسول الله يقول عن الله أحد لما قطعت أصبع طلحة: سبقته إلى الجنة. وقال: أوجب طلحة. وكان الصّديق إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك يوم كله أو جلّه لطلحة. والزبير حواريّ رسول الله ﷺ وصفوته، وقد ذكر أنه في الجنة. وقال : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ «١» . وما أخبرنا بعد أنه سخط عليهم؛ فإن يكن ما صنعوا حقّا فأهل ذلك هم، وإن يكن زلّة ففي عفو الله تمحيصها «٢» ، وفيما وفّقهم له من السابقة مع نبيهم ﷺ ، ومهما ذكرتموهما به فقد بدأتكم بأمّكم عائشة، فإن أبى آب أن تكون له أمّا، نبذ اسم الإيمان عنه؛ وقد قال جلّ ذكره: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ «٣» . فنظر بعضهم إلى بعض ثم انصرفوا عنه. كتاب ابن الأزرق إلى ابن الزبير: وكتب بعد ذلك نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن الزّبير يدعوه إلى أمره: أما بعد، فإني أحذّرك من الله: يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ويحذّركم الله نفسه، فاتق الله ربّك ولا تتولّ الظالمين، فإن الله يقول: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ (مِنْكُمْ) فَإِنَّهُ مِنْهُمْ «٤» وقال: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ «٥» ، وقد حضرت عثمان يوم قتل. فلعمري لئن كان قتل مظلوما لقد كفر

стр. 597

قاتلوه وخاذلوه، ولئن كان قاتلوه مهتدين، وإنهم لمهتدون، لقد كفر من تولّاه ونصره ولقد علمت أنّ أباك وطلحة وعليّا كانوا أشدّ الناس عليه، وكانوا في أمره بين قاتل وخاذل، وأنت تتولى أباك وطلحة وعثمان، فكيف ولاية قاتل متعمّد ومقتول في دين واحد؟ ولقد ولي علي بعده فنفى الشّبهات، وأقام الحدود، وأجرى الأحكام مجاريها، وأعطى الأمور حقّها فيما عليه وله، فبايعه أبوك وطلحة، ثم خلعا بيعته ظالمين له، وإن القول فيك وفيهما لكما قال ابن عباس ﵀: إن يكن عليّ في وقت معصيتكم ومحاربتكم له كان مؤمنا لقد كفرتم بقتال المؤمنين وأئمة العدل، ولئن كان كافرا كما زعمتم وفي الحكم جائرا لقد بؤتم «١» بغضب من الله لفراركم من الزحف، ولقد كنت له عدوّا، ولسيرته عائبا، فكيف توليته بعد موته. بين نجدة وابن الأزرق: وكتب نجدة. وكان من الصّفرية القعدية، إلى نافع بن الأزرق لمّا بلغه عنه استعراضه للناس وقتله الأطفال، واستحلاله الأمانة: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن عهدي بك وأنت لليتيم كالأب الرحيم، وللضعيف كالأخ البرّ، لا تأخذك في الله لومة لائم، ولا ترى معونة ظالم؛ كذلك كنت أنت وأصحابك. أما تذكر قولك: لولا أني أعلم أن للإمام العادل مثل أجر جميع رعيته ما توليت أمر رجلين من المسلمين، فلما شريت نفسك في طاعة ربك ابتغاء رضوانه، وأصبت من الحق فصّه «٢» وركبت مرّه، تجرّد لك الشيطان فلم يكن أحد أثقل وطأة عليه منك ومن أصحابك، فاستمالك واستغواك، فغويت وأكفرت الذين عذرهم الله في كتابه من قعد المسلمين وضعفتهم، فقال جل ثناؤه، وقوله الحق ووعده الصدق: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ «٣» ثم سمّاهم أحسن الأسماء فقال: ما عَلَى

стр. 598

الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ «١» استحللت قتل الأطفال، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتلهم، وقال جل ثناؤه: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «٢» وقال في القعد خيرا، وفضّل الله من جاهد عليهم، ولا يدفع منزلة أكثر الناس عملا منزلة من هو دونه. إلا إذا اشتركا في أصل. أو ما سمعت قوله ﵎: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٣» فجعلهم الله من المؤمنين، وفضّل عليهم المجاهدين بأعمالهم. ورأيت من رأيك أن لا تؤدّي الأمانة إلى من يخالفك، والله يأمرك أن تؤدّي الأمانات إلى أهلها. فاتق الله وانظر لنفسك، واتق يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً «٤» فإن الله بالمرصاد، وحكمه العدل. وقوله الفصل. والسلام. فكتب إليه نافع بن الأزرق: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فقد أتاني كتابك تعظني فيه وتذكرني، وتنصح لي وتزجرني، وتصف ما كنت عليه من الحق، وما كنت أوثره من الصواب؛ وأنا أسأل الله أن يجعلني من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وعبت عليّ ما دنت به من إكفار القعد، وقتل الأطفال، واستحلال الأمانة. وسأفسّر لك لم ذلك إن شاء الله: أما هؤلاء القعد فليسوا كمن ذكرت ممن كان بعهد رسول الله ﷺ ، لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين، لا يجدون إلى الهرب سبيلا، ولا إلى الاتصال بالمسلمين طريقا؛ وهؤلاء قد فقهوا في الدين، وقرءوا القرآن، والطريق لهم نهج واضح. وقد عرفت ما يقول الله فيمن كان مثلهم، إذ قال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها «٥» . وقال: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ «٦» . وقال: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ. وَقَعَدَ الَّذِينَ

стр. 599

كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «١» . فانظر إلى أسمائهم وسماتهم. وأما أمر الأطفال فإن نبي الله نوحا ﵇ كان أعرف بالله يا نجدة مني ومنك، فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً «٢» فسماهم بالكفر وهم أطفال وقبل أن يولدوا؛ فكيف جاز لك في قوم نوح ولا يجوز في قومنا والله يقول: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ «٣» وهؤلاء كمشركي العرب، لا تقبل منهم جزية، وليس بيننا وبينهم إلا السيف أو الإسلام. وأما استحلال الأمانات ممن خالفنا فإن الله أحل لنا أموالهم، كما أحل لنا دماءهم، فدماؤهم حلال طلق، وأموالهم فيء للمسلمين، فاتق الله وراجع نفسك، فإنه لا عذر لك إلّا بالتوبة، ولا يسعك خذلاننا والقعود دوننا، وترك ما نهجناه لك من طريقتنا ومقالتنا. والسلام على من أقرّ بالحق وعمل به. مرداس وابن زياد: وكان مرداس أبو بلال من الخوارج، وكان مستترا، فلما رأى جدّ ابن زياد في قتل الخوارج وحبسهم، قال لأصحابه: إنه والله لا يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل، مفارقين للعقل؛ والله إنّ الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا لا نبتدئهم، ولا نجرّد سيفا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا. فاجتمع أصحابه وهم ثلاثون رجلا، فأرادوا أن يولّوا أمرهم حريث بن حجل، فأبى. فولّوا أمرهم مرداسا أبا بلال. فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصاريّ، وكان له صديقا، فقال له: يا أخي، قال نعم؟ قال: أريد أن أهرب بديني ودين أصحابي هؤلاء من أحكام الجورة والظلمة. فقال

стр. 600

له: أعلم بكم أحد؟ قال: لا. قال: فارجع. قال: أو تخاف عليّ مكروها؟ قال: نعم وأن يؤتى بك. قال: فلا تخف؛ فإني لا أجرّد سيفا، ولا أخيف أحدا، ولا أقاتل إلا من قاتلني. ثم مضى حتى نزل آسك وهو موضع دون خراسان، فمر به مال يحمل لابن زياد، وقد بلغ أصحابه أربعين رجلا، فحط ذلك المال، وأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه، وردّ الباقي على المرسل، وقال: قولوا لصاحبكم إنما قبضنا أعطياتنا. فقال بعض أصحابه، فعلام ندع الباقي؟ فقال: إنهم يقسمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة، فلا نقاتلهم. ولأبي بلال مرداس هذا أشعار في الخروج؛ منها قوله: أبعد ابن وهب ذي النّزاهة والتّقى ... ومر ماض في تلك الحروب المالكا أحبّ بقاء أو أرجّي سلامة ... وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا فيا ربّ سلّم نيّتي وبصيرتي ... وهب لي البقا حتى ألاقي أولئكا وقالوا إن رجلا من أصحاب زياد، قال: خرجنا من جيش نريد خراسان، فمررنا بآسك، فإذا نحن بمرداس وأصحابه وهم أربعون رجلا، فقال: أقاصدون لقتالنا أنتم؟ قلنا: لا، إنما نريد خراسان. قال: فأبلغوا من لقيتم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا لنروّع أحدا، ولكن هربنا من الضرر، ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا؛ ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا. ثم قال: أندب لنا أحد؟ فقلنا: نعم، أسلم بن زرعة الكلابي. قال: فمتى ترونه يصل إلينا؟ قلنا له: يوم كذا وكذا. فقال أبو بلال حسبنا الله ونعم الوكيل. وندب عبيد الله بن زياد أسلم بن زرعة الكلابي، ووجّهه إليهم في ألفين، فلما صار إليهم صاح به أبو بلال: اتّق الله يا أسلم فإنا لا نريد قتالا ولا نحتجز مالا، فما الذي تريد؟ قال: أريد أن أردّكم إلى ابن زياد. قال: إذا يقتلنا. قال: وإن قتلكم. قال: أفتشركه في دمائنا؟ قال: نعم، إنه محق وأنتم مبطلون. قال: أبو بلال: وكيف هو

стр. 601

محق وهو فاجر يطيع الظّلمة؟ ثم حملوا عليه حملة رجل واحد، فانهزم هو وأصحابه. فلما ورد على ابن زياد غضب عليه غضبا شديدا، وقال: انهزمت وأنت في ألفين عن أربعين رجلا! قال له أسلم: والله لأن تذمّني حيّا أحبّ إليّ من أن تحمدني ميتا. وكان إذا خرج إلى السوق ومر بالصبيان صاحوا به: أبو بلال: وراءك! حتى شكا إلى ابن زياد، فأمر الشرط أن يكفّوا الناس عنه. ردّ عمر بن عبد العزيز ﵁ على شوذب الخارجي الهيثم بن عديّ قال: أخبرني عوانة بن الحكم عن محمد بن الزّبير قال: بعثني عمر ابن عبد العزيز مع عون بن عبد الله بن مسعود إلى شوذب الخارجي وأصحابه، إذ خرجوا بالجزيرة، وكتب معنا كتابا إليهم. فقدمنا عليهم ودفعنا كتابه إليهم. فبعثوا معنا رجلا من بني شيبان ورجلا فيه حبشية يقال له شوذب، فقدما معنا على عمر وهو بخناصرة «١» ، فصعدنا إليه، وكان في غرفة ومعه ابنه عبد الملك وحاجبه مزاحم، فأخبرناه بمكان الخارجيّين. فقال عمر: فتّشوهما لا يكن معهما حديد، وأدخلوهما. فلما دخلا قالا: السلام عليكم. ثم جلسا. فقال لهما عمر: أخبراني: ما الذي أخرجكم عن حكمي هذا وما نقمتم؟ فتكلم الأسود منهما، فقال: إنا والله ما نقمنا عليك في سيرتك وتحرّيك العدل والإحسان إلى من ولّيت ولكن بيننا وبينك أمر إن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا، وإن منعتناه فلست منا ولسنا منك. قال عمر: ما هو؟ قال: رأيناك خالفت أهل بيتك وسميتها مظالم، وسلكت غير طريقهم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال فالعنهم وابرأ منهم، فهذا الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرّق. فتكلم عمر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني قد علمت أو ظننت أنكم لم

стр. 602

تخرجوا مخرجكم هذا لطلب الدنيا ومتاعها، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها، وإني سائلكما عن أمر، فبالله اصدقاني فيه مبلغ علمكما. قالا: نعم. قال: أخبراني عن أبي بكر وعمر، أليسا من اسلافكما ومن تتوليان وتشهدان لهما بالنجاة؟ قالا: اللهم نعم. قال: فهل علمتما أن أبا بكر حين قبض رسول الله ﷺ فارتدت العرب قاتلهم، فسفك الدماء، وأخذ الأموال، وسبى الذراري؟ قالا: نعم. قال: فهل علمتم أن عمر قام بعد أبي بكر فردّ تلك السبايا إلى عشائرها؟ قالا: نعم. قال: فهل بريء عمر من أبي بكر أو تبرءون أنتم من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: فأخبراني عن أهل النّهروان، أليسوا من صالحي أسلافكم وممن تشهدون لهم بالنجاة؟ قالا: نعم. قال: فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا كفّوا أيديهم، فلم يسفكوا دما، ولم يخيفوا آمنا، ولم يأخذوا مالا؟ قالا: نعم. قال: فهل علمتم أن أهل البصرة حين خرجوا مع مسعر بن فديك استعرضوا الناس يقتلونهم، ولقوا عبد الله ابن خبّاب بن الأرتّ صاحب رسول الله ﷺ فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم قتلوا النساء والأطفال، حتى جعلوا يلقونهم في قدور الأقط «١» وهي تفور؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل بريء أهل الكوفة من أهل البصرة؟ قالا: لا. قال: فهل تبرءون من إحدى الفئتين؟ قالا: لا. قال: أفرأيتم الدين، أليس هو واحدا أم الدين اثنان؟ قالا: بل واحد. قال: فهل يسعكم منه شيء يعجزني؟ قالا: لا. قال: فكيف وسعكم أن تولّيتم أبا بكر وعمر، وتولى كلّ واحد منهما صاحبه، وتوليتم أهل الكوفة والبصرة، وتولى بعضهم بعضا؛ وقد اختلفوا في أعظم الأشياء: في الدماء والفروج والأموال، ولا يسعني إلا لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم أو رأيت لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة لا بد منها؛ فإن كان ذلك فمتى عهدك بلعن فرعون وقد قال: أنا ربكم الأعلى؟ قال: ما أذكر أني لعنته. قال: ويحك! أيسعك ألّا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق، ولا يسعني إلا أن ألعن أهل بيتي والبراءة منهم؟ ويحكم! إنكم قوم جهال، أردتم أمرا فأخطأتموه، فأنتم تردّون على الناس ما قبل منهم رسول الله ﷺ . بعثه الله إليهم وهم عبدة

стр. 603

أوثان، فدعاهم إلى أن يخلعوا الأوثان، وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله، فمن قال ذلك حقن بذلك دمه، وأحرز ماله «١» ، ووجبت حرمته، وأمن به عند رسول الله ﷺ ، وكان أسوة المسلمين، وكان حسابه على الله. أفلستم تلقون من خلع الأوثان، ورفض الأديان، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، تستحلون دمه وماله، ويلعن عندكم، ومن ترك ذلك وأباه، من اليهود والنصارى وأهل الأديان فتحرّموه دمه وماله ويأمن عندكم؟ فقال الأسود: ما سمعت كاليوم أحدا أبين حجة، ولا أقرب مأخذا، أما أنا فأشهد أنك على الحق، وأني بريء ممن بريء منك! فقال عمر لصاحبه: يا أخا بني شيبان، ما تقول أنت؟ قال: ما أحسن ما قلت ووصفت! غير أني لا أفتات «٢» على الناس بأمر حتى ألقاهم بما ذكرت وأنظر ما حجّتهم. قال: أنت وذاك! فأقام الحبشي مع عمر وأمر له بالعطاء، فلم يلبث أن مات، ولحق الشيبانيّ بأصحابه فقتل معهم بعد وفاة عمر. القول في أصحاب الأهواء وذكر رجل عند النبي ﷺ ، فذكروا فضله وشدة اجتهاده في العبادة، فبينما هم في ذكره حتى طلع عليهم الرجل؛ فقالوا: يا رسول الله، هو هذا. فقال رسول الله ﷺ : أما إني أرى بين عينيه سفعة «٣» من الشيطان! فأقبل الرجل حتى وقف فسلّم عليهم، فقال هل حدثتك نفسك إذ طلعت علينا أنه ليس في القوم أحسن منك؟ قال: نعم. ثم ذهب إلى المسجد يصفّ «٤» بين قدميه يصلي، فقال النبي ﷺ : أيكم يقوم إليه فيقتله؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله. فقام إليه فوجده يصلّي، فهابه فانصرف. قال: ما صنعت؟ قال: وجدته يصلي يا رسول فهبته. فقال النبي ﷺ : أيكم يقوم إليه فيقتله؟ قال عمر: أنا يا رسول الله. فقام إليه فوجده يصلي، فهابه

стр. 604

فانصرف. فقال: يا رسول الله، وجدته يصلي فهبته، فقال رسول الله ﷺ : أيكم يقوم إليه فيقتله؟ فقال عليّ: أنا يا رسول الله. قال: أنت له إن أدركته. فقام إليه فوجده قد انصرف؛ فقال النبي ﵊: هذا أول قرن «١» يطلع في أمتي، لو قتلتموه ما اختلف بعده اثنان؛ إنّ بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهي الجماعة. الرافضة وإنما قيل لهم رافضة لأنهم رفضوا أبا بكر وعمر، ولم يرفضهما أحد من أهل الأهواء غيرهم، والشيعة دونهم، وهم الذين يفضلون عليا على عثمان ويتولّون أبا بكر وعمر، فأما الرافضة فلها غلّو شديد في عليّ، ذهب بعضهم مذهب النصارى في المسيح، وهم السّبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، عليهم لعنة الله. وفيهم يقول السيد الحميري: قوم غلوا في عليّ لا أبا لهم ... وأجشموا أنفسا في حبّه تعبا «٢» قالوا هو الله جلّ الله خالقنا ... من أن يكون له ابن أو يكون أبا وقد أحرقهم علي ﵁ بالنار. المغيرة بن سعد والأعمش ومن الروافض المغيرة بن سعد مولى بجيلة، قال الأعمش: دخلت على المغيرة بن سعد فسألته عن فضائل علي، فقال: إنك لا تحتملها! قلت: بلى. فذكر آدم صلوات الله عليه، فقال: عليّ خير منه! ثم ذكر من دونه من الأنبياء، فقال: عليّ خير منهم!

стр. 605

حتى انتهى إلى محمد ﷺ ، فقال: عليّ مثله. فقلت: كذبت عليك لعنة الله. قال: قد أعلمتك أنك لا تحتملها. ومن الروافض من يزعم أن عليّا ﵁ في السحاب، فإذا أظلّت عليهم سحابة قالوا: السلام عليك يا أبا الحسن! وقد ذكرهم الشاعر فقال: برئت من الخوارج لست منهم ... من الغزّال منهم وابن باب «١» ومن قوم إذا ذكروا عليّا ... يردّون السلام على السحاب ولكنّي أحبّ بكلّ قلبي ... وأعلم أنّ ذاك من الصواب ... رسول الله والصّدّيق حقّا ... به أرجو غدا حسن الثواب وهؤلاء من الرافضة يقال لهم المنصورية، وهم أصحاب أبي منصور الكسف وإنما سمى الكسف لأنه كان يتأوّل في قول الله : وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ «٢» فالكسف عليّ، وهو السحاب. وكان المغيرة بن سعد من السبئية الذين أحرقهم عليّ رضي الله تعالى عنه بالنار، وكان يقول: لو شاء عليّ لأحيى عادا وثمودا وقرونا بعد ذلك كثيرا، وخرج لخالد ابن عبد الله، فقتله خالد وصلبه بواسط عند قنطرة العاشر. ومن الروافض كثّير عزّة الشاعر، ولما حضرته الوفاة، دعا ابنة أخ له فقال: يابنة أخي، إن عمك كان يحب هذا الرجل فأحبّيه- يعني عليّ بن أبي طالب ﵁ فقالت: نصيحتك يا عمّ مردودة عليك، أحبه والله خلاف الحبّ الذي أحببته أنت. فقال لها: برئت منك. وأنشد يقول: برئت إلى الإله من ابن أروى ... ومن قول الخوارج أجمعينا ومن عمر برئت ومن عتيق ... غداة دعي أمير المؤمنينا ابن أروى: عثمان.

стр. 606

والروافض كلها تؤمن بالرّجعة، وتقول: لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي وهو محمد بن علي، فيملؤها عدلا كما ملئت جورا، ويحيى لهم موتاهم فيرجعون إلى الدنيا، ويكون الناس أمة واحدة، وفي ذلك يقول الشاعر: ألا إنّ الأئمة من قريش ... ولاة العدل أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبرّ ... وسبط غيّبته كربلاء أراد بالأسباط الثلاثة: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية، وهو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان. ومن الروافض السيد الحميري، وكان يلقى له وسائد في مجلس الكوفة يجلس عليها، وكان يؤمن بالرّجعة، وفي ذلك يقول: إذا ما المرء شاب له قذال ... وعلّله المواشط بالخضاب «١» فقد ذهبت بشاشته وأودى ... فقم بأبيك وابك على الشباب فليس بعائد ما فات منه ... إلى أحد إلى يوم المآب إلى يوم يؤوب الناس فيه ... إلى دنياهم قبل الحساب أدين بأن ذاك كذاك حقا ... وما أنا في النّشور بذي ارتياب لأنّ الله خبّر عن رجال ... حيوا من بعد دس في التراب وقال يرثي أخاه: يا بن أمي فدتك نفسي ومالي ... كنت ركني ومفزعي وجمالي ولعمري لئن تركتك ميتا ... رهن رمس ضنك عليك مهال «٢» لو شيكا ألقاك حيّا صحيحا ... سامعا مبصرا على خير حال قد بعثتم من القبور فأبتم ... بعد ما رمّت العظام البوالي «٣»

стр. 607

أو كسبعين وافدا مع موسى ... عاينوا هائلا من الأهوال حين راموا من خبثهم رؤية الله ... وأنّى برؤية المتعالي فرماهم بصعقة أحرقتهم ... ثم أحياهم شديد المحال «١» المأمون ورجل من الحسبانية: دخل رجل من الحسبانية على المأمون، فقال: لثمامة بن أشرس: كلّمه، فقال له: ما تقول؟ وما مذهبك؟ فقال: أقول إن الأشياء كلها على التوهّم والحسبان، وإنما يدرك منها الناس على قدر عقولهم، ولا حقّ في الحقيقة. فقام إليه ثمامة فلطمه لطمة سوّدت وجهه. فقال: يا أمير المؤمنين، يفعل بي مثل هذا في مجلسك؟ فقال له ثمامة: وما فعلت بك؟ قال: لطمتني، قال: ولعل إنما دهنتك بالبان. ثم أنشأ يقول: ولعلّ آدم أمّنا ... والأبّ حوّا في الحساب ولعلّ ما أبصرت من ... بيض الطّبور هو الغراب وعساك حين قعدت قم ... ت وحين جئت هو الذّهاب وعسى البنفسج زنبقا ... وعسى البهار هو السّذاب «٢» وعساك تأكل من خرا ... ك وأنت تحسبه كباب ابن عباس ورافضي: ومن حديث ابن أبي شيبة أن عبد الله بن شدّاد قال: قال لي عبد الله بن عباس: لأخبرنك بأعجب شيء: قرع اليوم عليّ الباب رجل لمّا وضعت ثيابي للظهيرة، فقلت: ما أتى به في مثل هذا الحين إلا أمر مهم، أدخلوه. فلما دخل قال: متى يبعث ذلك الرجل؟ قلت: أي رجل؟ قال: عليّ بن أبي طالب. قلت: لا يبعث حتى يبعث الله من في القبور. قال: وإنك لتقول بقول هذه الجهلة! قلت: أخرجوه عنّي لعنه الله.

стр. 608

ومن الروافض: الكيسانية، قلت: وهم أصحاب المختار بن أبي عبيد، ويقولون إن اسمه كيسان. ومن الرافضة الحسينية، وهم أصحاب إبراهيم بن الأشتر، وكانوا يطوفون بالليل في أزقّة الكوفة وينادون: يا ثارات الحسين. فقيل لهم الحسينية. ومن الرافضة الغرابية، سميت بذلك لقولهم: عليّ أشبه بالنبي من الغراب بالغراب. ومن الرافضة الزيدية، وهم أصحاب زيد بن عليّ المقتول بخراسان، وهم أقلّ الرافضة غلوّا، غير أنهم يرون الخروج مع كل من خرج. الرافضة والشعبي: مالك بن معاوية قال: قال لي الشّعبي وذكرنا الرافضة: يا مالك، لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا وأن يلمئوا بيتي ذهبا على أن أكذبهم على عليّ كذبة واحدة لفعلوا، ولكني والله لا أكذب عليه أبدا، يا مالك، إني درست الأهواء كلها، فلم أر قوما أحمق من الرافضة؛ فلو كانوا من الدواب لكانوا حميرا، أو كانوا من الطير لكانوا رخما «١» : ثم قال: أحذرك الأهواء المضلّة، شرّها الرافضة، فإنها يهود هذه الأمة، يبغضون الإسلام كما يبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتا لأهل الإسلام وبغيا عليهم، وقد حرّقهم عليّ بن أبي طالب ﵁ بالنار، ونفاهم إلى البلدان، منهم عبد الله بن سبأ، نفاه إلى ساباط، وعبد الله بن سباب، نفاه إلى الجازر «٢» وأبو الكروّس؛ وذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود، قالت اليهود: لا يكون الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة: لا يكون الملك إلا في آل علي بن أبي طالب. وقالت اليهود: لا يكون جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح المنتظر. وينادي مناد من السماء. وقالت الرافضة: لا جهاد في

стр. 609

سبيل الله حتى يخرج المهدي وينزل سبب من السماء. واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذلك الرافضة. واليهود لا ترى الطلاق الثلاث شيئا، وكذا الرافضة. واليهود لا ترى على النساء عدّة، وكذلك الرافضة: واليهود تستحل دم كلّ مسلم، وكذلك الرافضة، واليهود حرّفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرّفت القرآن واليهود تبغض جبريل وتقول: هو عدوّنا من الملائكة، وكذلك الرافضة تقول: غلط جبريل في الوحي إلى محمد بترك علي بن أبي طالب. واليهود لا تأكل لحم الجزور، وكذلك الرافضة. ولليهود والنصارى فضيلة على الرافضة في خصلتين: سئل اليهود: من خير أهل ملّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى: وسئلت النصارى، فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد: أمرهم بالاستغفار لهم فشتموهم، فالسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة، لا تثبت لهم قدم، ولا تقوم لهم راية، ولا تجتمع لهم كلمة، دعوتهم مدحورة، وكلمتهم مختلفة، وجمعهم مفرّق. كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله. وذكرت الرافضة يوما عند الشعبي فقال: لقد بغّضوا إلينا حديث عليّ ابن أبي طالب. وقال الشعبي: ما شبّهت تأويل الروافض في القرآن إلا بتأويل رجل مضعوف من بني مخزوم من أهل مكة، وجدته قاعدا بفناء الكعبة. فقال: يا شعبي ما عندك في تأويل هذا البيت؟ فإن بني تميم يغلطون فيه، يزعمون أنه مما قيل في رجل منهم، وهو قول الشاعر: بيتا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل «١» فقلت له: وما عندك أنت فيه؟ قال: البيت هو هذا البيت- وأشار بيده إلى الكعبة- وزرارة الحجر، زرّر حول البيت. فقلت: فمجاشع؟ قال: زمزم جشعت بالماء. قلت: فأبو الفوارس؟ قال: هو أبو قبيس جبل مكة. قلت: فنهشل؟ ففكر فيه طويلا، ثم قال: أصبته، هو مصباح الكعبة، طويل أسود وهو النهشل.

стр. 610

قولهم في الشيعة قال أبو عثمان بن بحر الجاحظ، أخبرني رجل من رؤساء التجار قال: كان معنا في السفينة شيخ شرس الأخلاق، طويل الإطراق، وكان إذا ذكر له الشيعة غضب واربد وجهه وزوى «١» من حاجبيه، فقلت له يوما: يرحمك الله، ما الذي تكرهه من الشيعة، فإني رأيتك إذا ذكروا غضبت وقبضت؟ قال: ما أكره منهم إلا هذه الشّين في أول اسمهم، فإني لم أجدها قطّ إلا في كل شرّ وشؤم وشيطان وشغب وشقاء وشنار «٢» وشرر وشين وشوك وشكوى وشهوة وشتم وشح. قال أبو عثمان: فما ثبت لشيعيّ بعدها قائمة. باب من كلام المتكلمين دخل الموبذ على هشام بن الحكم، والموبذ هو عالم الفرس، فقال له: يا هشام، حول الدنيا شيء؟ قال: لا. قال: فإن أخرجت يدي فثمّ شيء يردّها؟ قال هشام: ليس ثمّ شيء يردّها ولا شيء تخرج يدك فيه. قال: فكيف أعلم هذا؟ قال له: يا موبذ، أنا وأنت على طرف الدنيا، فقلت لك: يا موبذ، إني لا أرى شيئا. فقلت لي: ولم لا ترى؟ فقلت ليس ها هنا ظلام يمنعني. فقلت لي أنت: يا هشام، إني لا أرى شيئا. فقلت لك: ولم لا ترى؟ قلت: ليس ضياء أنظر به. فهل تكافأت الملّتان في التناقض؟ قال: نعم. قال: فإذا تكافأتا في التناقض لم تتكافآ في الإبطال أن ليس شيء؟ فأشار الموبذ بيده أن أصبت. قال رجل لبعض ولاة بني العباس: أنا أجعل هشام بن الحكم أن يقول في علي ﵁ إنه ظالم؛ فقال: إن فعلت ذلك فلك كذا وكذا. ثم أحضر هشام، فقال له: نشدتك الله أبا محمد، أما تعلم أن عليّا نازع العباس عند أبي بكر؟ قال: نعم.

стр. 611

قال: فمن الظالم منهما؟ فكره أن يقول العباس، فيواقع «١» سخط الخليفة، أو يقول عليّ؛ فينقص أصله، فقال: ما منهما ظالم؟ قال: فكيف يتنازع اثنان في شيء لا يكون أحدهما ظالما؟ قال: قد تنازع الملكان عند داود ﵇ وما فيهما ظالم، ولكن لينبّها داود على الخطيئة، وكذلك هذان أرادا تنبيه أبي بكر من خطيئته، فأسكت الرجل، وأمر الخليفة لهشام بصلة عظيمة. دخل إبراهيم النّظّام على أبي الهذيل العلّاف، وقد أسنّ وبعد عهده بالمناظرة، وإبراهيم حدّث السنّ. فقال: أخبرني عن قراركم: أن يكون جوهرا مخافة أن يكون جسما؛ فهل قررتم ألا يكون جوهرا مخافة أن يكون عرضا، والعرض أضعف من الجوهر؟ فبصق أبو الهذيل في وجهه. فقال له إبراهيم: قبّحك الله من شيخ، ما أضعف صحتك وأسفه حلمك. قال: لقي جهم رجلا من اليونانيين؛ فقال له: هل لك أن تكلمني وأكلمك عن معبودك هذا، أرأيته قط؟ قال: لا؛ قال: فلسمته؟ قال: لا؛ قال: فذقته؟ قال: لا؛ قال: فمن أين عرفته وأنت لم تدركه بحسّ من حواسّك الخمس وإنما عقلك معبّر عنها فلا يدرك إلا ما أوصلت إليه من جميع المعلومات؟ قال: فتلجلج جهم ساعة، ثم استدرك فعكس المسألة عليه فقال له: ما تقرّ أن لك روحا؟ قال: نعم؛ قال: فهل رأيته أو ذقته أو سمعته أو شممته أو لمسته؟ قال: لا؛ قال: فكيف علمت أن لك روحا؟ فأقرّ له اليوناني. باب في الحياء قال النبي ﷺ : الحياء خير كله. الحياء شعبة من الإيمان. وقال ﵇: إن الله ﵎ يحب الحيي الحليم المتعفف، ويكره البذيء السّئّال الملحف «٢» . وقال عون بن عبد الله: الحياء والحلم والصمت من الإيمان.

стр. 612

وقال ابن عمر: الحياء والإيمان مقرونان جميعا. فإذا رفع أحدهما ارتفع الآخر معه. وقال: مكتوب في التوراة: إذا لم تستح فاصنع ما تشاء. وقال: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه. وذكر أعرابي رجلا حيّا فقال: لا تراه الدهر إلا كأنه لا غني به عنك، وإن كنت إليه أحوج، وإن أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن أسأت إليه أحسن وكأنه المسيء. لليلى الأخيلية: فتى هو أحيا من فتاة حييّة ... وأشجع من ليث بخفّان خادر «١» ولابن قيس أيضا: تخالهم للحلم صمّا عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر ومرضى إذا لوقوا حياء وعفّة ... وعند الحفاظ كالّليوث الخوادر «٢» وقال الشعبي: تعاشر الناس فيما بينهم زمانا بالدين والتقوى، ثم رفع ذلك فتعاشروا بالحياء والتذمّم، ثم رفع ذلك، فما يتعاشر الناس إلا بالرغبة والرهبة. وسيجيء ما هو شرّ من ذلك. وقيل: الحياء يزيد في النّبل. ولبعضهم: فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء وقال آخر: إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلّب في الأمور كما يشاء «٣»

стр. 613

ولم يك للدواء ولا لشيء ... تعالجه به فيه غناء وربّ قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلّا الحياء وقال عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه: قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان. وقد قيل: ارفع حياءك فيما جئت طالبه ... إنّ الحياء مع الحرمان مقرون وفي المثل: كثرة الحياء من التخنّث «١» . قال الحسن: من استتر بالحياء لبس الجهل سرباله، فقطّعوا سرابيل الحياء، فإنه من رقّ وجهه رق علمه. وصف رجل الحياء عند الأحنف فقال: إنّ الحياء ليتم لمقدار من المقادير، فما زاد على ذلك فسمه بما أحببت. وقال بعضهم: إنّ الحياء مع الحرمان مقترن ... كذاك قال أمير المؤمنين علي واعلم بأن من التخنيث أكثره ... فارفعه في طلب الحاجات والأمل وللشمّاخ: أجامل أقواما حياء وقد أرى ... صدورهم باد عليّ مراضها ولابن أبي حازم: وإني ليثنيني عن الجهل والخنا ... وعن شتم ذي القربي خلائق أربع: حياء، وإسلام، وتقوى، وأنّني ... كريم ومثلي قد يضر وينفع وقال آخر: إذا حرم المرء الحياء فإنّه ... بكل قبيح كان منه جدير له قحة في كلّ أمر وسرّه ... مباح وجدواه جفا وغرور «٢»

стр. 614

يرى الشّتم مدحا والدناءة رفعة ... وللسمع منه في العظات نفور فرجّ الفتى ما دام حيّا فإنّه ... إلى خير حالات المنيب يصير باب جامع الآداب آداب الله لنبيّه ﷺ لابن عبد ربه: قال أبو عمر أحمد بن محمد: أوّل ما نبدأ به: أدب النبي ﷺ ، ثم أدبه ﷺ لأمّته، ثم الحكماء والعلماء. وقد أدّب الله نبيّه بأحسن الآداب كلها، فقال له: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً «١» فنهاه عن التقتير كما نهاه عن التبذير، وأمر بتوسّط الحالتين؛ كما قال : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً «٢» . وقد جمع الله ﵎ لنبيّه ﷺ جوامع الكلم في كتابه المحكم، ونظم له مكارم الأخلاق كلها في ثلاث كلمات، فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ «٣» ففي أخذه العفو صلة من قطعه، والصفح عمّن ظلمه؛ وفي الأمر بالمعروف تقوى الله، وغضّ الطّرف عن المحارم، وصوّن اللسان عن الكذب، وفي الإعراض عن الجاهلين تنزيه النفس عن مماراة السفيه ومنازعة اللجوج. ثم أمره ﵎ فيما أدبه، باللين في عريكته، والرّفق بأمته، فقال: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٤» وقال: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ «٥» وقال ﵎ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا

стр. 615

السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ «١» . فلما وعى عن الله وكملت فيه هذه الآداب، قال الله ﵎: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ «٢» . باب آداب النبي ﷺ لأمّته قال النبي ﷺ فيما أدّب به أمته وحضّها عليه من مكارم الأخلاق وجميل المعاشرة وإصلاح ذات البين وصلة الأرحام: أوصاني ربّي بتسع وأنا أوصيكم بها، أوصاني بالإخلاص في السرّ والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمّن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا، ونظري عبرا. وقد قال ﷺ : نهيتكم عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال. وقد قال ﷺ : لا تقعدوا على ظهور الطرق، فإن أبيتم فغضّوا الأبصار، وأفشوا السلام، واهدوا الضال، وأعينوا الضعيف. وقال ﷺ : أوكوا «٣» السّقاء، وأكفئوا «٤» الإناء، وأغلقوا الأبواب، وأطفئوا المصباح؛ فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يحلّ وكاء ولا يكشف الإناء.

стр. 616

وقال ﷺ : ألا أنبئكم بشرّ الناس؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: من أكل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده. ثم قال: ألا انبئكم بشّر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: من يبغض الناس ويبغضونه. وقال حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصّدقة، واستقبلوا البلاء بالدعاء. وقال: ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى. وقال: المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. وقال: اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول. وقال: لا تجن يمينك على شمالك. ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. وقال: المرء كثير بأخيه. وقال افصلوا بين حديثكم بالاستغفار، واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان. وقال: أفضل الأصحاب من إذا ذكرت أعانك، وإذا نسيت ذكرك. وقال: لا يؤمّ ذو سلطان في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه. وقال ﷺ : يقول ابن آدم: مالي مالي! وإنما له من ماله ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو وهب فأمضى. وقال: ستحرصون على الإمارة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة. وقال: لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان. وقال: لو تكاشفتم ما تدافنتم، وما هلك امرؤ عرف قدره.

стр. 617

وقال: الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة. والناس كلّهم سواء كأسنان المشط. وقال: رحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم. وقال: خير المال سكّة مأبورة «١» ، ومهرة مأمورة. وخير المال عين ساهرة لعين نائمة. وقال في إناث الخيل: بطونها كنز، وظهورها حرز. وقال: ما أملق «٢» تاجر صدوق، وما أقفر بيت فيه خلّ. وقال: قيّدوا العلم بالكتابة. وقال: زر غباّ «٣» تزدد حبّا. وقال: علّق سوطك حيث يراه أهلك. باب في آداب الحكماء والعلماء منه في فضيلة الأدب أوصى بعض الحكماء بنبيه فقال: الأدب أكرم الجواهر طبيعة، وأنفسها قيمة، يرفع الأحساب الوضيعة، ويفيد الرّغائب الجليلة، ويعزّ بلا عشيرة، ويكثر الأنصار بغير رزية؛ فالبسوه حلّة، وتزيّنوه حلية؛ يؤنسكم في الوحشة ويجمع لكم القلوب المختلفة. ومن كلام عليّ ﵇، فيما يروي عنه أنه قال: من حلم ساد، ومن ساد استفاد، ومن استحيا حرم، ومن هاب خاب، ومن طلب الرياسة صبر على السياسة،

стр. 618

ومن أبصر عيب نفسه عمي عن عيب غيره، ومن سلّ سيف البغي قتل به، ومن احتفر لأخيه بئرا وقع فيها، ومن نسي زلته استعظم زلّة غيره، ومن هتك حجاب غيره انهتكت عورات بينه، ومن كابر في الأمور عطب، ومن اقتحم الّلجج غرق، ومن أعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ، ومن تجبّر على الناس ذلّ، ومن تعمّق في العمل ملّ، ومن صاحب الأنذال حقّر، ومن جالس العلماء وقّر، ومن دخل مداخل السوء اتّهم، ومن حسن خلقه سهلت له طرقه. ومن حسن كلامه كانت الهيبة أمامه، ومن خشي الله فاز؛ ومن استقاد الجهل ترك طريق العدل، ومن عرف أجله قصر أمله، ثم أنشأ يقول: إلبس أخاك على عيوبه ... واستر وغطّ على ذنوبه واصبر على بهت السّفي ... هـ وللزّمان على خطوبه «١» ودع الجواب تفضّلا ... وكل الظلوم إلى حسيبه «٢» وقال شبيب بن شيبة: اطلبوا الأدب فإنه مادة العقل، ودليل على المروءة، وصاحب في الغربة، ومؤنس في الوحشة، وحلية في المجلس، ويجمع لكم القلوب المختلفة. وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: عليكم بطلب الأدب؛ فإنّكم إن احتجتم إليه كان لكم مالا، وإن استغنيتم عنه كان لكم جمالا. وقال بعض الحكماء: اعلم أنّ جاها بالمال إنما يصحبك ما صحبك المال، وجاها بالأدب غير زائل عنك. وقال ابن المقفّع: إذا أكرمك الناس لمال أو لسلطان فلا يعجبك ذلك: فإن الكرامة تزول بزوالها، ولكن ليعجبك إذا أكرموك لدين أو أدب.

стр. 619

وقال الأحنف بن قيس: رأس الأدب المنطق، ولا خير في قول إلا بفعل ولا في مال إلا بجود، ولا في صديق إلا بوفاء، ولا في فقه إلا بورع؛ ولا في صدق إلا بنيّة. وقال مصقلة الزّبيري: لا يستغنى الأديب عن ثلاثة واثنين: فأمّا الثلاثة: فالبلاغة والفصاحة وحسن العبارة. وأما الاثنان فالعلم بالأثر والحفظ للخير. وقالوا: الحسب محتاج إلى الأدب، والمعرفة محتاجة إلى التجربة. وقال بزرجمهر: ما ورّث الآباء الأبناء شيئا خيرا من الأدب لأنّ بالأدب يكسبون المال وبالجهل يتلفونه. وقال الفضيل بن عياض: رأس الأدب معرفة الرجل قدره. وقالوا: حسن الخلق خير قرين، والأدب خير ميراث، والتوفيق خير قائد. وقال سفيان الثّوري: من عرف نفسه لم يضره ما قال الناس فيه. وقال أنو شروان للموبذ، وهو العالم بالفارسية: ما كان أفضل الأشياء؟ قال الطبيعة النقية تكتفي من الأدب بالرائحة، ومن العلم بالإشارة؛ وكما يموت البذر في السّباخ «١» ، كذلك تموت الحكمة بموت الطبيعة. قال له: صدقت، ونحن لهذا قلّدناك ما قلدناك. وقيل لأردشير: الأدب أغلب أم الطبيعة؟ فقال: الأدب زيادة في العقل ومنبهة للرأي، ومكسبة للصواب، والطبيعة أملك، لأن بها الاعتقاد ونماء الفراسة وتمام الغذاء. وقيل لبعض الحكماء: أيّ شيء أعون للعقل بعد الطبيعة المولودة؟ قال: أدب مكتسب.

стр. 620

وقالوا: الأدب أدبان: أدب الغريزة، وهو الأصل؛ وأدب الرواية، وهو الفرع. ولا يتفرع شيء إلا عن أصله، ولا ينمى الأصل إلا باتصال المادة. وقال الشاعر: ولم أر فرعا طال إلا بأصله ... ولم أر بدء العلم إلّا تعلّما وقال حبيب: وما السيف إلا زبرة لو تركته ... على الحالة الأولى لما كان يقطع «١» وقال آخر: ما وهب الله لامريء هبة ... أفضل من عقله ومن أدبه هما حياة الفتى فإن فقدا ... فإن فقد الحياة أحسن به وقال ابن عباس: كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسعك جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثال. قال ابن قتيبة: إذا أردت أن تكون أديبا فتفنن في العلوم. وقالت الحكماء: إذا كان الرجل طاهر الأثواب، كثير الآداب، حسن المذهب؛ تأدّب بأدبه وصلح لصلاحه جميع أهله وولده. وقال الشاعر: رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويفسدهم ربّ الفساد إذا فسد يعظّم في الدنيا لفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد وسئل ديو جانس: أي الخصال أحمد عاقبة؟ قال: الإيمان بالله ، وبرّ الوالدين، ومحبة العلماء، وقبول الأدب. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال من لا أدب له لا عقل له. وقالوا: الأدب يزيد العاقل فضلا ونباهة، ويفيده رقة وظرفا.

стр. 621

وفي رقة الأدب قال أبو بكر بن أبي شيبة: قيل للعباس بن عبد المطلب، أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ قال: هو أكبر مني وأنا أسنّ منه. وقيل لأبي وائل: أيكما أكبر؛ أنت أم الربيع بن خثيم؟ قال أنا أكبر منه سنا وهو أكبر مني عقلا. وقال أبان بن عثمان لطويس المغني: أنا أكبر أم أنت؟ قال: جعلت فداك! لقد شهدت زفاف أمّك المباركة. وقيل لعمر بن ذر: كيف برّ ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهارا قطّ إلا مشى خلفي، ولا ليلا إلا مشى أمامي ولا رقي علّيّة وأنا تحته. ومن حديث عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يبجّل أحدا تبجيله لعمّه العباس. وكان عمر وعثمان إذا لقيا العباس نزلا إعظاما له إذا كان راكبين. الرياشي عن الأصمعي قال: قال هارون الرشيد لعبد الملك بن صالح: أهذا منزلك. وقد تقدم هذا الخبر في الخبر الذي فيه مخاطبة الملوك، وكذلك قول الحجاج للشعبي: كم عطاءك. ومن قولنا في رقة الأدب: أدب كمثل الماء لو أفرغته ... يوما لسال كما يسيل الماء من أدب علي ابن يحيى: أحمد بن أبي طاهر قال: قلت لعلي بن يحيى: ما رأيت أكمل أدبا منك! قال:

стр. 622

كيف لو رأيت إسحاق بن إبراهيم! فقلت ذلك لإسحاق بن إبراهيم، فقال: كيف لو رأيت إبراهيم بن المهدي! فقلت ذلك لإبراهيم، فقال: كيف لو رأيت جعفر بن يحيى. وقال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: قال لي رجاء بن حيوة: ما رأيت أكرم أدبا، ولا أكرم عشرة من أبيك؛ سمرت عنده ليلة، فبينا نحن كذلك إذ عشى «١» المصباح ونام الغلام. فقلت: يا أمير المؤمنين، قد عشى المصباح ونام الغلام، فلو أذنت لي أصلحته! فقال: إنه ليس من مروءة الرجل أن يستخدم ضيفه، ثم حط رداءه عن منكبيه، وقام إلى الدبّة «٢» فصبّ من الزيت في المصباح، وأشخص الفتيلة، ثم رجع. وأخذ رداءه وقال: قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر. عمر بن الخطاب ورجل أحدث صوتا في المسجد: العتبي عن أبيه قال: صوّت رجل عند عمر بن الخطاب في المسجد. فلما كانت الصلاة قال عمر: عزمت على صاحب الصوت إلا قام فتوضأ. فلم يقم أحد. فقال جرير بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، اعزم علينا كلّنا أن نقوم فنتوضأ قال: صدقت! ولا علمتك إلا سيّدا في الجاهلية، فقيها في الإسلام، قوموا فتوضئوا. الشحام والحسن: الرياشي عن الأصمعي قال: حدّثني عثمان الشحّام، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد. قال: لبيك. قلت: أتقول لي لبيك؟ قال: إني أقولها لخادمي. وقال الشاعر: يا حبّذا حين تمسي الرّيح باردة ... وادي أشيّ وفتيان به هضم «٣»

стр. 623

مخدّمون، كرام في مجالسهم ... وفي الرّحال إذا رافقتهم خدم وما أصاحب من قوم فأذكرهم ... إلا يزيدهم حبا إليّ هم الأدب في الحديث والاستماع وقالت الحكماء: رأس الأدب كلّه حسن الفهم والتفهّم، والإصغاء للمتكلّم. وذكر الشعبي قوما فقال: ما رأيت مثلهم أسدّ «١» تناوبا في مجلس، ولا أحسن فهما من محدّث. وقال الشعبي فيما يصف به عبد الملك بن مروان: والله ما علمته إلا آخذا بثلاث، تاركا لثلاث: آخذا بحسن الحديث إذا حدّث، وبحسن الاستماع إذا حدّث، وبأيسر المؤونة إذا خولف؛ تاركا لمجاوبة اللئيم، ومماراة «٢» السفيه، ومنازعة اللجوج. وقال بعض الحكماء لابنه: يا بنيّ، تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث؛ وليعلم الناس أنك أحرص على أن تسمع منك على أن تقول؛ فاحذر أن تسرع في القول فيما يجب عنه الرجوع بالفعل، حتى يعلم الناس أنك على فعل ما لم تقل أقرب منك إلى قول ما لم تفعل. قالوا: من حسن الأدب ألّا تغالب أحدا على كلامه، وإذا سئل غيرك فلا تجب عنه، وإذا حدّث بحديث فلا تنازعه إياه، ولا تقتحم عليه فيه، ولا تره أنك تعلمه، وإذا كلّمت صاحبك فأخذته حجتك فحسّن مخرج ذلك عليه ولا تظهر الظفر به، وتعلم حسن الاستماع، كما تعلّم حسن الكلام. وقال الحسن البصري: حدّثوا الناس ما أقبلوا عليكم بوجوهكم. وقال أبو عبّاد الكاتب: إذا أنكر المتكلم عين السامع فليسأله عن مقاطع حديثه،

стр. 624

والسبب الذي أجرى ذلك له؛ فإن وجده يقف على الحق أتمّ له الحديث، وإلا قطعه عنه وحرمه مؤانسته، وعرّفه ما في سوء الاستماع من الفسولة «١» والحرمان للفائدة. الأدب في المجالسة للنبي ﷺ : ومن حديث أبي بكر بن أبي شيبة أنّ النبي ﷺ قال: لا يقم الرجل للرجل عن مجلسه ولكن ليوسّع له. وكان عبد الله بن عمر إذا قام له الرجل عن مجلسه لم يجلس فيه. وقال: لا يقم أحد عن مجلسه؛ ولكن افسحوا يفسح الله لكم. أبو أمامة قال: خرج إلينا النبي ﷺ فقمنا إليه؛ فقال: لا تقوموا كما يقوم العجم لعظمائها. فما قام إليه أحد منا بعد ذلك. ومن حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إن خرجت عليكم وأنتم جلوس فلا يقومنّ أحد منكم في وجهي؛ وإن قمت فكما أنتم، وإن جلست فكما أنتم. فإن ذلك خلق من أخلاق المشركين. وقال ﷺ : الرجل أحق بصدر دابّته وصدر مجلسه وصدر فراشه. ومن قام عن مجلسه ورجع إليه فهو أحق به. وقال ﷺ : إذا جلس إليك أحد فلا تقم حتى تستأذنه. وجلس رجل إلى الحسن بن عليّ- عليهما الرضوان- فقال له: إنك جلست إلينا ونحن نريد القيام، أفتأذن؟ وقال سعيد بن العاص: ما مددت رجلي قطّ بين يدي جليس، ولا قمت عن مجلسي حتى يقوم.

стр. 625

وقال إبراهيم النّخعي: إذا دخل أحدكم بيتا فليجلس حيث أجلسه أهله. وطرح أبو قلابة لرجل جلس إليه وسادة فردّها، فقال: أما سمعت الحديث: لا تردّ على أخيك كرامته. وقال على بن أبي طالب رضوان الله عليه: لا يأبى الكرامة إلا حمار. وقال سعيد بن العاص: لجليسي عليّ ثلاث: إذا دنا رحّبت به، وإذا جلس وسّعت له، وإذا حدّث أقبلت عليه. وقال: إني لأكره أن يمر الذباب بجليسي مخافة أن يؤذيه. معاوية والأحنف: الهيثم بن عدي عن عامر الشعبي قال: دخل الأحنف بن قيس على معاوية؛ فأشار إليه إلى وسادة، فلم يجلس عليها؛ فقال له: ما منعك يا أحنف أن تجلس على الوسادة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن فيما أوصى به قيس بن عاصم ولده أن قال: لا تسع للسلطان حتى يملّك ولا تقطعه حتى ينساك، ولا تجلس له على فراش ولا وسادة، واجعل بينك وبينه مجلس رجل أو رجلين. وقال الحسن: مجالسة الرجل من غير أن يسأل عن اسمه واسم أبيه، مجالسة النوكي. ولذلك قال شبيب بن شيبة لأبي جعفر، ولقيه في الطواف وهو لا يعرفه، فأعجبه حسن هيئته وسمته: أصلحك الله، إني أحب المعرفة، وأجلّك عن المسألة. فقال: أنا فلان بن فلان. قال زياد: ما أتيت مجلسا قط إلا تركت منه ما لو جلست فيه لكان لي، وترك ما لي أحبّ إليّ من أخذ ما ليس لي.

стр. 626

وقال: إياك وصدور المجالس وإن صدّرك صاحبها؛ فإنها مجالس قلعة «١» . وقال الشعبي: لأن أدعى من بعد إلى قرب أحبّ إليّ من أن أقصى من قرب إلى بعد. ابن طاهر وابو السمراء: وذكروا أنه كان يوما أبو السّمراء عند عبد الله بن طاهر، وعنده إسحاق بن إبراهيم، فاستدنى عبد الله إسحاق فناجاه بشيء، وطالت النجوى بينهما ... قال: فاعترتني حيرة فيما بين القعود على ما هما عليه والقيام، حتى انقطع ما بينهما وتنحى إسحاق إلى موقفه، ونظر عبد الله إليّ. فقال: يا أبا السمراء: إذا النجيّان سرّا عنك أمرهما ... فانزح بسمعك تجهل ما يقولان «٢» ولا تحمّلهما ثقلا لخوفهما ... على تناجيهما بالمجلس الدّاني فما رأيت أكرم منه ولا أرفق أدبا، ترك مطالبتي في هفوتي بحق الأمراء، وأدّبني أدب النظراء. وقال النبي ﷺ : إنما أحدكم مرآة أخيه، فإذا رأى عليه أذى فليمطه «٣» عنه، وإذا أخذ أحدكم عن أخيه شيئا فليقل: لا بك السوء، وصرف الله عنك السوء. وقالوا: إذا اجتمعت حرمتان أسقطت الصغرى الكبرى. وقال المهلب بن أبي صفرة: العيش كله في الجليس الممتع. الأدب في المماشاة وجه هشام بن عبد الملك ابنه على الصائفة، ووجه معه ابن أخيه، وأوصى كلّ واحد منهما بصاحبه، فلما قدم عليه قال لابن أخيه: كيف رأيت ابن عمّك؟ فقال:

стр. 627

إن شئت أجملت وإن شئت فسّرت. قال: بل أجمل. قال: عرضت بيننا جادّة «١» فتركها كلّ واحد منا لصاحبه، فما ركبناها حتى رجعنا إليك. وقال يحيى بن أكثم: ما شيت المأمون يوما من الأيام في بستان مؤنسة بنت المهدي، فكنت من الجانب الذي يستره من الشمس فلما انتهى إلى آخره وأراد الرجوع. أردت أن أدور إلى الجانب الذي يستره من الشمس، فقال: لا تفعل، ولكن كن بحالك حتى أسترك كما سترتني! فقلت: يا أمير المؤمنين، لو قدرت أن أقيك حرّ النار لفعلت، فكيف الشمس؟ فقال: ليس هذا من كرم الصّحبة. ومشى ساترا لي من الشمس كما سترته. وقيل لعمر بن ذرّ: كيف برّ ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهارا قط إلا مشى خلفي، ولا ليلا إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحا وأنا تحته. وقيل لزياد: إنك تستخلص حارثة بن زيد وهو يواقع الشارب. فقال: وكيف لا أستخلصه وما سألته عن شيء قطّ إلا وجدت عنده منه علما، ولا استودعته سرّا قط فضيّعه، ولا راكبني قط فمّست ركبتي ركبته. بين الهادي وابن يزيد في سفر: محمد بن يزيد بن عمر بن عبد العزيز قال: خرجت مع موسى الهادي أمير المؤمنين من جرجان، فقال لي: إمّا أن تحملني وإمّا أن أحملك، فعلمت ما أراد، فأنشدته أبيات ابن صرمة: أوصيكم بالله أوّل وهلة ... وأحسابكم والبرّ بالله أوّل وإن قومكم سادوا فلا تحسدوهم ... وإن كنتم أهل السّيادة فاعدلوا وإن أنتم أعوزتم فتعفّفوا ... وإن كان فضل المال فيكم فأفضلوا وإن نزلت إحدى الدّواهي بقومكم ... فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا وإن طلبوا عرفا فلا تحرموهم ... وما حملوكم في الملمّات فاحملوا

стр. 628

قال: فأمر لي بعشرين ألف درهم. بين الهادي وابن سلم وعبد الله ابن مالك: وقيل إن سعيد بن سلم راكب موسى الهادي والحربة بيد عبد الله بن مالك، وكانت الريح تسفى «١» التراب، وعبد الله يلحظ موضع مسير موسى فيتكلف أن يسير على محاذاته، وإذا حاذاه ناله ذلك التراب، فلما طال ذلك عليه أقبل على سعيد ابن سلم فقال: أما ترى ما نلقى من هذا الخائن؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصّر في الاجتهاد، ولكن حرم التوفيق. باب السلام والإذن قال النبي ﷺ : أطيبوا الكلام، وأفشوا السلام «٢» ، وأطعموا الأيتام، وصلّوا بالليل والناس نيام. وقال ﷺ : إنّ أبخل الناس الذي يبخل بالسلام. وأتى رجل النبي ﷺ ، فقال: عليك السلام يا رسول الله. فقال: لا تقل: عليك السلام؛ فإنها تحية الموتى، وقل: السلام عليك. عمر بن عبد العزيز وجماعة سلموا عليه: وقال صاحب حرس عمر بن عبد العزيز: خرج عمر في يوم عيد وعليه قميص كتّان وعمامة على قلنسوة لاطئة «٣» ، فقمت إليه وسلّمت عليه، فقال: مه، أنا واحد وأنتم جماعة؛ السلام عليّ والردّ عليكم. ثم سلّم ورددنا عليه، ومشى فمشينا معه إلى المسجد.

стр. 629

وقال النبي ﷺ : يسلّم الماشي على القاعد، والراكب على الراجل، والكبير على الصغير. ودخل رجل على النبي ﷺ ، فقال له: أبي يقرئك السلام. فقال: عليك وعلى أبيك السلام. ابن مسعود وابن الخطاب والأسود: إبراهيم عن الأسود قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا لقيت عمر فاقرأ ﵇. قال: فلقيته فأقرأته السلام، فقال: عليك وعليه السلام. سليمان بن هشام وابن مهران دخل ميمون بن مهران على سليمان بن هشام وهو والي الجزيرة، فقال: السلام عليكم. فقال له سليمان: ما منعك أن تسلّم بالإمرة؟ فقال: إنما يسلّم على الوالي بالإمرة إذا كان عنده الناس. الحسن وإبراهيم وابن مهران: أبو بكر بن أبي شيبة قال: كان الحسن وإبراهيم وميمون بن مهران يكرهون أن يقول الرجل، حياك الله. حتى يقول السلام. وسئل عبد الله بن عمر عن الرجل يدخل المسجد أو البيت ليس فيه أحد، قال: يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ومر رجل بالنبي ﷺ وهو يبول، فسلّم علي، فلم يردّ ﵇. وقال رجل لعائشة: كيف أصبحت؟ قالت: بنعمة من الله. وقال رجل لشريح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت طويلا أملي، قصيرا أجلي، سيّئا عملي.

стр. 630

وقيل لسفيان الثوري: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت في دار حارت فيها الأدلّاء. واستأذن رجل من بني عامر على النبي ﷺ وهو في بيت، فقال: ألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: اخرج إلى هذا فعلّمه الاستئذان، وقل له يقول: السلام عليكم، أدخل؟ جابر بن عبد الله قال: استأذنت على النبي ﷺ ، فقال: من أنت؟ فقلت: أنا. قال: أنا أنا! وقال النبي ﷺ : الاستئذان ثلاثة؛ فإن أذن لك وإلا فارجع. وقال علي بن أبي طالب ﵁: الأولى إذن، والثانية مؤامرة، والثالثة عزيمة؛ إما أن يأذنوا، وإما أن يردّوا. باب في تأديب الصغير قالت الحكماء: من أدّب ولده صغيرا سرّ به كبيرا. وقالوا: أطبع الطين ما كان رطبا، وأعمر العود ما كان لدنا. وقالوا: من أدّب ولده غمّ حاسده. وقال ابن عباس: من لم يجلس في الصغر حيث يكره، لم يجلس في الكبر حيث يحبّ. قال الشاعر: إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد وقالوا: ما أشدّ فطام الكبير، وأعسر رياضة «١» الهرم.

стр. 631

قال الشاعر: وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم كتب شريح إلى معلم ولده: ترك الصّلاة لأكلب يسعى بها ... يبغي الهراش مع الغواة الرّجّس فليأتينّك غدوة بصحيفة ... كتبت له كصحيفة المتلمّس «١» فإذا أتاك فعضّه بملامة ... أوعظه موعظة الأديب الكيّس فإذا هممت بضربه فبدرّة ... وإذا بلغت ثلاثة لك فاحبس واعلم بأنّك ما أتيت فنفسه ... مع ما يجرّعني أعزّ الأنفس لابن عبد القدوس: وقال صالح بن عبد القدّوس: وإنّ من أدّبته في الصّبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه إذا ارعوى عاد له جهله ... كذي الضّنى عاد إلى نكسه «٢» ما تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه وقال عمرو بن عتبة لمعلّم ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك نفسك، فإنّ عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت؛ علّمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملّوه، ولا تتركهم منه فيهجروه. روّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفّه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإنّ

стр. 632

ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم. وعلّمهم سنن الحكماء، وجنّبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك. باب في حب الولد أرسل معاوية إلى الأحنف بن قيس، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ قال: ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن له أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودّهم، ويحبوك جهدهم؛ ولا تكن عليهم ثقيلا فيملوا حياتك، ويحبّوا وفاتك. فقال: لله أنت يا أحنف. لقد دخلت عليّ وإني لمملوء غضبا على يزيد، فسللته من قلبي. فلما خرج الأحنف من عنده بعث معاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب. فبعث يزيد إلى الأحنف بمائة ألف درهم ومائة ثوب، شاطهره إياها. وكان عبد الله بن عمر يذهب بولده سالم كل مذهب، حتى لامه الناس فيه، فقال: يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم وقال: إنّ ابني سالما ليحب الله حبّا لو لم يخفه لم يعصه. وكان يحيى بن اليمان يذهب بولده داود كل مذهب؛ حتى قال يوما: أئمة الحديث أربعة: كان عبد الله، ثم كان علقمة، ثم كان إبراهيم، ثم أنت يا داود. وقال: تزوّجت أم داود، فما كان عندنا شيء ألفّه فيه، حتى اشتريت له كسوة بدانق «١» . وقال زيد بن علي لابنه: يا بنيّ، إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرنيك. واعلم أن خير الآباء للأبناء من لم يدعه الحبّ إلى التفريط، وخير الأبناء

стр. 633

للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق. وفي الحديث المرفوع: ريح الولد من ريح الجنة. وفي أيضا: الأولاد من ريحان الله. وقال النبي ﷺ لما بشّر بفاطمة: ريحانة أشمّها ورزقها على الله. ودخل عمرو بن العاص على معاوية وبين يديه بنته عائشة، فقال: من هذه؟ فقال: هذه تفاحة القلب! فقال له: انبذها عنك، فو الله إنهن ليلدن الأعداء، ويقرّبن البعداء، ويورثن الضغائن. قال: لا تقل ذاك يا عمرو، فو الله ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الأحزان مثلهن. وربّ ابن أخت قد نفع خاله. لحطان: وقال حطّان بن المعلي الطائي: لولا بنيّات كزغب القطا ... حططن من بعض إلى بعض «١» لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطّول والعرض وإنّما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض وقال عبيد الله بن أبي بكرة: موت الولد صدع في الكبد، لا ينجبر آخر الأبد. ونظر عمر بن الخطاب إلى رجل يحمل طفلا على عنقه، فقال: ما هذا منك؟ قال: ابني يا أمير المؤمنين! قال أما إنه إن عاش فتنك، وإن مات حزنك. وكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ترقّص الحسين بن علي ﵄ وتقول: وا بأبي شبه النّبي ... ليس شبيها بعلي

стр. 634

وكان الزبير يرقص عروة ويقول: أبيض من آل أبي عتيق ... مبارك من ولد الصّدّيق ألذّه كما ألذّ ريقي وقال أعرابيّ وهو يرقّص ولده: أحبّه حبّ الشّحيح ماله ... قد كان ذاق الفقر ثم ناله إذا يريد بذله بدا له وقال آخر وهو يرقّص ولده: أعرف منه قلّة النّعاس ... وخفّة من رأسه في راسي وكان رجل من طيء يقطع الطريق، فمات وترك بنيّا رضيعا، فجعلت أمّه ترقّصه وتقول: يا ليته قد قطع الطريقا ... ولم يرد في أمره رفيقا وقد أخاف الفجّ والمضيقا ... فقلّ أن كان به شفيقا وقال عبد الملك: أضرّ بنا في الوليد حبّنا له فلم نؤدّبه، وكأن الوليد أدّبنا. وقال هارون الرشيد لابنه المعتصم: ما فعل وصيفك فلان؟ قال: مات فاستراح من الكتّاب. قال: وبلغ منك الكتّاب هذا المبلغ. والله لا حضرته أبدا. ووجهه إلى البادية فتعلم الفصاحة، وكان أمّيا، وهو المعروف بابن ماردة. إبراهيم ﵇ وملك الموت: وفي بعض الحديث أن إبراهيم خليل الرحمن كان من أغير الناس، فلما حضرته الوفاة دخل عليه ملك الموت في صورة رجل أنكره، فقال له: من أدخلك داري؟ قال: الذي أسكنك فيها منذ كذا وكذا سنة. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، جئت لقبض روحك. قال: أتاركي أنت حتى أودّع ابني إسحاق؟ قال: نعم. فأرسل

стр. 635

إلى إسحاق. فلما أتاه أخبره، فتعلّق إسحاق بأبيه وجعل يتقطع عليه بكاء، فخرج عنهما ملك الموت. وقال: يا رب، ذبيحك إسحاق متعلق بخليلك! فقال له الله: قل له إني قد أمهلتك. ففعل، وانحل إسحاق عن أبيه، ودخل إبراهيم بيتا ينام فيه؛ فقبض ملك الموت روحه وهو نائم. باب الاعتضاد بالولد قال الله ﵎ فيما حكاه عن عبده زكريا ودعائه إليه في الولد: وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ «١» . وقال: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا «٢» . والموالي ها هنا: بنو العم. وقال الشاعر: من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إنّ الذليل الذي ليست له عضد تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويأنف الضّيم إن أثرى له عدد «٣» العتبي قال: لما أسنّ أبو براء عامر بن مالك وضعّفه بنو أخيه وخرّفوه ولم يكن له ولد يحميه، أنشأ يقول: دفعتكم عنّي وما دفع راحة ... بشيء إذا لم تستعن بالأنامل يضعّفني حلمي وكثرة جهلكم ... عليّ وأني لا أصول بجاهل وقال آخر: تعدو الذّئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي سورة المستنفر الحامي «٤»
следующие страницы →