Полный текст (2 664 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
قال الشاعر:
وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم
كتب شريح إلى معلم ولده:
ترك الصّلاة لأكلب يسعى بها ... يبغي الهراش مع الغواة الرّجّس
فليأتينّك غدوة بصحيفة ... كتبت له كصحيفة المتلمّس «١»
فإذا أتاك فعضّه بملامة ... أوعظه موعظة الأديب الكيّس
فإذا هممت بضربه فبدرّة ... وإذا بلغت ثلاثة لك فاحبس
واعلم بأنّك ما أتيت فنفسه ... مع ما يجرّعني أعزّ الأنفس
لابن عبد القدوس:
وقال صالح بن عبد القدّوس:
وإنّ من أدّبته في الصّبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد له جهله ... كذي الضّنى عاد إلى نكسه «٢»
ما تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
وقال عمرو بن عتبة لمعلّم ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك نفسك، فإنّ عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت؛ علّمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملّوه، ولا تتركهم منه فيهجروه. روّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفّه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإنّ
стр. 632
ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم. وعلّمهم سنن الحكماء، وجنّبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك.
باب في حب الولد
أرسل معاوية إلى الأحنف بن قيس، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ قال:
ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن له أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودّهم، ويحبوك جهدهم؛ ولا تكن عليهم ثقيلا فيملوا حياتك، ويحبّوا وفاتك. فقال: لله أنت يا أحنف. لقد دخلت عليّ وإني لمملوء غضبا على يزيد، فسللته من قلبي.
فلما خرج الأحنف من عنده بعث معاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب.
فبعث يزيد إلى الأحنف بمائة ألف درهم ومائة ثوب، شاطهره إياها.
وكان عبد الله بن عمر يذهب بولده سالم كل مذهب، حتى لامه الناس فيه، فقال:
يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
وقال: إنّ ابني سالما ليحب الله حبّا لو لم يخفه لم يعصه.
وكان يحيى بن اليمان يذهب بولده داود كل مذهب؛ حتى قال يوما: أئمة الحديث أربعة: كان عبد الله، ثم كان علقمة، ثم كان إبراهيم، ثم أنت يا داود.
وقال: تزوّجت أم داود، فما كان عندنا شيء ألفّه فيه، حتى اشتريت له كسوة بدانق «١» .
وقال زيد بن علي لابنه: يا بنيّ، إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرنيك. واعلم أن خير الآباء للأبناء من لم يدعه الحبّ إلى التفريط، وخير الأبناء
стр. 633
للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق.
وفي الحديث المرفوع: ريح الولد من ريح الجنة.
وفي أيضا: الأولاد من ريحان الله.
وقال النبي ﷺ لما بشّر بفاطمة: ريحانة أشمّها ورزقها على الله.
ودخل عمرو بن العاص على معاوية وبين يديه بنته عائشة، فقال: من هذه؟
فقال: هذه تفاحة القلب! فقال له: انبذها عنك، فو الله إنهن ليلدن الأعداء، ويقرّبن البعداء، ويورثن الضغائن. قال: لا تقل ذاك يا عمرو، فو الله ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الأحزان مثلهن. وربّ ابن أخت قد نفع خاله.
لحطان:
وقال حطّان بن المعلي الطائي:
لولا بنيّات كزغب القطا ... حططن من بعض إلى بعض «١»
لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطّول والعرض
وإنّما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
وقال عبيد الله بن أبي بكرة: موت الولد صدع في الكبد، لا ينجبر آخر الأبد.
ونظر عمر بن الخطاب إلى رجل يحمل طفلا على عنقه، فقال: ما هذا منك؟
قال: ابني يا أمير المؤمنين! قال أما إنه إن عاش فتنك، وإن مات حزنك.
وكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ترقّص الحسين بن علي ﵄ وتقول:
وا بأبي شبه النّبي ... ليس شبيها بعلي
стр. 634
وكان الزبير يرقص عروة ويقول:
أبيض من آل أبي عتيق ... مبارك من ولد الصّدّيق
ألذّه كما ألذّ ريقي
وقال أعرابيّ وهو يرقّص ولده:
أحبّه حبّ الشّحيح ماله ... قد كان ذاق الفقر ثم ناله
إذا يريد بذله بدا له
وقال آخر وهو يرقّص ولده:
أعرف منه قلّة النّعاس ... وخفّة من رأسه في راسي
وكان رجل من طيء يقطع الطريق، فمات وترك بنيّا رضيعا، فجعلت أمّه ترقّصه وتقول:
يا ليته قد قطع الطريقا ... ولم يرد في أمره رفيقا
وقد أخاف الفجّ والمضيقا ... فقلّ أن كان به شفيقا
وقال عبد الملك: أضرّ بنا في الوليد حبّنا له فلم نؤدّبه، وكأن الوليد أدّبنا.
وقال هارون الرشيد لابنه المعتصم: ما فعل وصيفك فلان؟ قال: مات فاستراح من الكتّاب. قال: وبلغ منك الكتّاب هذا المبلغ. والله لا حضرته أبدا. ووجهه إلى البادية فتعلم الفصاحة، وكان أمّيا، وهو المعروف بابن ماردة.
إبراهيم ﵇ وملك الموت:
وفي بعض الحديث أن إبراهيم خليل الرحمن كان من أغير الناس، فلما حضرته الوفاة دخل عليه ملك الموت في صورة رجل أنكره، فقال له: من أدخلك داري؟
قال: الذي أسكنك فيها منذ كذا وكذا سنة. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، جئت لقبض روحك. قال: أتاركي أنت حتى أودّع ابني إسحاق؟ قال: نعم. فأرسل
стр. 635
إلى إسحاق. فلما أتاه أخبره، فتعلّق إسحاق بأبيه وجعل يتقطع عليه بكاء، فخرج عنهما ملك الموت. وقال: يا رب، ذبيحك إسحاق متعلق بخليلك! فقال له الله: قل له إني قد أمهلتك. ففعل، وانحل إسحاق عن أبيه، ودخل إبراهيم بيتا ينام فيه؛ فقبض ملك الموت روحه وهو نائم.
باب الاعتضاد بالولد
قال الله ﵎ فيما حكاه عن عبده زكريا ودعائه إليه في الولد: وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ
«١» .
وقال: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
«٢» .
والموالي ها هنا: بنو العم.
وقال الشاعر:
من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إنّ الذليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويأنف الضّيم إن أثرى له عدد «٣»
العتبي قال: لما أسنّ أبو براء عامر بن مالك وضعّفه بنو أخيه وخرّفوه ولم يكن له ولد يحميه، أنشأ يقول:
دفعتكم عنّي وما دفع راحة ... بشيء إذا لم تستعن بالأنامل
يضعّفني حلمي وكثرة جهلكم ... عليّ وأني لا أصول بجاهل
وقال آخر:
تعدو الذّئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي سورة المستنفر الحامي «٤»
стр. 636
باب في التجارب والتأدّب بالزمان
قالت الحكماء: كفى بالتجارب تأديبا، وبتقلب الأيام عظة.
وقالوا: كفى بالدهر مؤدّبا وبالعقل مرشدا.
وقال حبيب:
أحاولت إرشادي فعقلي مرشدي ... أم استمت تأديبي فدهري مؤدّبي «١»
وقال إبراهيم بن شكلة:
من لم يؤدّبه والداه ... أدّبه الليل والنهار
كم قد أذلّا كريم قوم ... ليس له منهما انتصار
من ذا يد الدهر لم تنلّه ... أو اطمأنّت به الدّيار
كلّ عن الحادثات مغض ... وعنده للزمان ثار
وقال آخر:
وما أبقت لك الأيام عذرا ... وبالأيام يتّعظ اللبيب
وقالوا: كفى بالدهر مخبرا بما مضى عما بقي.
وقالوا: كفي مخبرا لذوي الألباب ما جرّبوا.
وقالوا لعيسى ابن مريم ﵉: من أدّبك؟ قال: ما أدّبني أحد؛ رأيت الجهل قبيحا فاجتنبته.
باب في صحبة الأيام بالموادعة
قالت الحكماء: اصحب الأيام بالموادعة، ولا تسابق الدهر فتكبو «٢» .
وقال الشاعر:
стр. 637
من سابق الدهر كبا كبوة ... لم يستقلها من خطا الدهر
فاخط مع الدهر إذا ما خطا ... واجر مع الدهر كما يجري
وقال بشار العقيلي:
أعاذل إنّ العسر سوف يفيق ... وإنّ يسارا من غد لخليق «١»
وما كنت إلّا كالزمان إذا صحا ... صحوت وإن ماق الزمان أموق «٢»
وقال آخر:
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولاقهم بالجهل فعل ذوي الجهل
وخلّط إذا لاقيت يوما مخلّطا ... يخلّط في قول صحيح وفي هزل
فإني رأيت المرء يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
وقال الآخر:
إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم
وقال الآخر:
والسبب المانع حظّ العاقل ... هو الذي سبّب حظّ الجاهل
ومن أمثالهم في ذلك قولهم: تطامن لها تخطك «٣» .
ومن قولنا في هذا المعنى:
تطامن للزمان يجزك عفوا ... وإن قالوا ذليل قل ذليل
وقال حبيب:
وكانت لوعة ثم اطمأنّت ... كذاك لكلّ سائلة قرار
وقال حبيب:
стр. 638
ماذا يريك الدهر من هوانه ... ازفن لقرد السّوء في زمانه «١»
ولآخر:
الدهر لا يبقى على حالة ... لا بدّ أن يقبل أو يدبر
فإن تلقّاك بمكروهه ... فاصبر فإن الدهر لا يصبر
اصبر لدهر نال من ... ك فهكذا مضت الدّهور
فرحا وحزما مرة ... لا الحزن دام ولا السّرور
ولآخر:
عفا الله عمّن صيّر الهمّ واحدا ... وأيقن أنّ الدائرات تدور
تروح لنا الدّنيا بغير الذي غدت ... وتحدث من بعد الأمور أمور
وتجري الليالي باجتماع وفرقة ... وتطلع فيها أنجم وتغور
وتطمع أن يبقى السّرور لأهله ... وهذا محال أن يدوم سرور
ولآخر:
سأنتظر الأيام فيك لعلّها ... تعود إلى الوصل الذي هو أجمل
باب التحفظ من المقالة القبيحة وإن كانت باطلا
قالت الحكماء: إياك وما يعتذر منه.
وقالوا: من عرّض نفسه للتهم فلا يأمن من إساءة الظن.
وقالوا: حسبك من شرّ سماعه.
وقالوا: كفى بالقول عارا وإن كان باطلا.
стр. 639
وقال الشاعر:
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل
مقالة السّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
وقال آخر:
قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا
وقال أرسطاطاليس للإسكندر: إن الناس إذا قدروا أن يقولوا قدروا أن يفعلوا، فاحترس من أن يقولوا تسلم من أن يفعلوا.
وقال امرؤ القيس:
وجرح اللّسان كجرح اليد
وقال الأخطل:
والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
وقال يعقوب الحمدوني:
وقد يرجى لجرح السيف برء ... ولا برء لما جرح اللّسان
ولآخر:
قالوا ولو صحّ ما قالوا لفزت به ... من لي بتصديق ما قالوا وتكذيبي
باب الأدب في تشميت العطاس
للنبي ﷺ :
ومن حديث أبي بكر بن أبي شيبة قال: قال النبي ﷺ : لا تشمّت العاطس حتى يحمد الله، فإن لم يحمده فلا تشمّته.
وقال: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمّتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمّتوه.
стр. 640
وقال عليّ ﵁: يشمّت العاطس إلى ثلاث، فإن زاد فهو داء يخرج من رأسه.
عطس ابن عمر، فقالوا له: يرحمك الله. فقال: يهديكم الله ويصلح بالكم.
وعطس عليّ بن أبي طالب فحمد الله، فقيل له: يرحمك الله. فقال: يغفر الله لنا ولكم.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: إذا عطس أحدكم فشمّتوه ثلاثا، فإن زاد فقولوا: إنك مضنوك «١» .
وقال بعضهم: التشميت مرة واحدة.
باب الإذن في القبلة
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر، قال: كنا نقبّل يد النبي ﷺ .
وكيع عن سفيان قال: قبّل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب.
ومن حديث الشّعبي قال: لقي النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب، فالتزمه وقبّل بين عينيه.
وقال إياس بن دغفل: رأيت أبا نضرة يقبّل خدّ الحسن.
الشّيباني عن أبي الحسن عن مصعب قال: رأيت رجلا دخل على عليّ بن الحسين ﵄ في المسجد فقبّل يده ووضعها على عينيه، ولم ينهه.
العتبي قال: دخل رجل على هشام بن عبد الملك فقبّل يده، فقال: أفّ له. إنّ العرب ما قبّلت الأيدي إلا هلوعا ولا قبلتها العجم إلا خضوعا.
واستأذن رجل المأمون في تقبيل يده، فقال: إنّ القبلة من المؤمن ذلّة، ومن الذّميّ خديعة؛ ولا حاجة بك أن تذلّ، ولا حاجة بنا أن نخدع.
واستأذن أبو دلامة المهديّ في تقبيل يده فمنعه، فقال: ما منعتني شيئا أيسر على عيالي فقدا من هذه.
стр. 641
الهجري والمنصور:
الأصمعي قال: دخل أبو بكر الهجري على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، نغض فمي، وأنتم أهل بيت بركة، فلو أذنت لي فقبّلت رأسك لعلّ الله كان يمسك على ما بقي من أسناني. قال: اختر بينها وبين الجائزة. فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهون عليّ من ذهاب درهم من الجائزة ألّا تبقى في فمي حاكةّ. فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
وقالوا: قبلة الإمام في اليد، وقبلة الأب في الرأس، وقبلة الأخ في الخد، وقبلة الأخت في الصدر، وقبلة الزوجة في الفم.
باب الأدب في العيادة
مرض أبو عمرو بن العلاء، فدخل عليه رجل من أصحابه، فقال له: أريد أن أساهرك الليلة. قال له: أنت معافى وأنا مبتلي، فالعافية لا تدعك أن تسهر، والبلاء لا يدعني أن أنام. وأسأل الله أن يهب لأهل العافية الشكر، ولأهل البلاء الصبر.
ودخل كثير عزّة على عبد العزيز بن مروان وهو مريض، فقال: لو أن سرورك لا يتمّ إلا بأن تسلم وأسقم لدعوت ربي أن يصرف ما بك إليّ، ولكن أسأل الله لك أيها الأمير العافية، ولي في كنفك النعمة. فضحك وأمر له بجائزة. فخرج وهو يقول:
ونعود سيّدنا وسيّد غيرنا ... ليت التّشكّي كان بالعوّاد
لو كان يقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طارفي وتلادي «١»
وكتب رجل من أهل الأدب إلى عليل:
نبّئت أنّك معتلّ فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كلّ محذور
стр. 642
يا ليت علّته بي ثمّ كان له ... أجر العليل وأنّي غير مأجور
وكتب آخر إلى عليل:
وقيناك لو يعطى الهوى فيك والمنى ... لكان بنا الشكوى وكان لك الأجر
بين يحيى بن خالد وشاعر اعتل:
وكان شاعر يختلف إلى يحيى بن خالد بن برمك ويمتدحه، فغاب عنه أياما لعلة عرضت له، فلم يفتقده يحيى ولم يسأل عنه؛ فلما أفاق الرجل من علّته كتب إليه:
أيّهذا الأمير أكرمك الل ... هـ وأبقاك لي بقاء طويلا
أجميلا تراه أصلحك الل ... هـ لكيما أراه أيضا جميلا
أنّني قد أقمت عنك طويلا ... لا ترى منفذا إليّ رسولا
الذنب فما علمت سوى الشّك ... ر لما قد أوليتنيه جزيلا
أم ملالا فما علمتك للحا ... فظ مثلي على الزّمان ملولا
قد أتى الله بالصّلاح فما أن ... كرت ممّا عهدت إلّا قليلا
وأكلت الدّرّاج وهو غذاء ... أفلت علّتي عليه أفولا «١»
وكأنّي قدمت قبلك آتي ... ك غدا إن أجد إليك سبيلا
فكتب إليه الوزير يعتذر:
دفع الله عنك نائبة الده ... ر وحاشاك أن تكون عليلا
أشهد الله ما علمت وماذا ... ك من العذر جائزا مقبولا
ولعلّي لو قد علمت لعاود ... تك شهرا وكان ذاك قليلا
فاجعلنّ لي إلى التّعلّق بالعذ ... ر سبيلا إن لم أجد لي سبيلا
فقديما ما جاء ذو الفضل بالفض ... ل وما سامح الخليل خليلا
وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر:
стр. 643
أعزز عليّ بأن أراك عليلا ... أو أن يكون بك السّقام نزيلا
فوددت أنّي مالك لسلامتي ... فأعيرها لك بكرة وأصيلا
فتكون تبقى سالما بسلامتي ... وأكون ممّا قد عراك بديلا
هذا أخ لك يشتكي ما تشتكي ... وكذا الخليل إذا أحبّ خليلا
ومرض يحيى بن خالد، فكان إسماعيل بن صبيح الكاتب إذا دخل عليه يعوده وقف عند رأسه ودعا له، ثم يخرج فيسأل الحاجب عن منامه وشرابه وطعامه؛ فلما أفاق قال يحيى بن خالد: ما عادني في مرضي هذا إلا إسماعيل بن صبيح.
وقال الشاعر:
عيادة المرء يوم بين يومين ... وجلسة لك مثل الّلحظ بالعين
لا تبرمنّ مريضا في مساءلة ... يكفيك من ذاك تسآل بحرفين «١»
وقال بكر بن عبد الله لقوم عاوده في مرضه فأطالوا الجلوس عنده: المريض يعاد والصحيح يزار.
وقال سفيان الثوري: حمق القرّاء أشدّ على المرضى من أمراضهم: يجيئون في غير وقت ويطيلون الجلوس.
ودخل رجل على عمر بن العزيز يعوده في مرضه، فسأله عن علّته، فلما أخبره قال: من هذه العلة مات فلان، ومات فلان. فقال له عمر: إذا عدت المرضى فلا تنع إليهم الموتى، وإذا خرجت عنا فلا تعد إلينا.
وقال ابن عباس: إذا دخلتم على الرجل وهو في الموت فبشّروه ليلقى ربّه وهو حسن الظن، ولقّنوه الشهادة، ولا تضجروه.
ومرض الأعمش فأبرمه الناس بالسؤال عن حاله، فكتب قصته في كتاب وجعله عند رأسه، فإذا سأله أحد قال: عندك القصة في الكتاب فاقرأها.
стр. 644
ولبعضهم:
مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه
وأتى إليّ يعودني ... فبرئت من نظري إليه
ومرض محمد بن عبد الله بن طاهر، فكتب إلى أخيه عبيد الله بن عبد الله:
إنّي وجدت على جفا ... ئك من فعالك شاهدا
إنّي اعتللت فما فقد ... ت سوى رسولك عائدا
ولو اعتللت فلم أجد ... سببا إليك مساعدا
لاستشعرت عيني الكرى ... حتّى أعودك راقدا
فأجابه:
كحلت مقلتي بشوك القتاد ... لم أذق حرقة لطعم الرّقاد «١»
يا أخي الباذل المودّة والنّا ... زل من مقلتي مكان السّواد
منعتني عليك رقّة قلبي ... من دخولي إليك في العوّاد
لو بأذني سمعت منك أنينا ... لتفرّى مع الأنين فؤادي «٢»
ولمحمد بن يزيد:
يا عليلا أفديك من ألم الع ... لة هل لي إلى الّلقاء سبيل
إن يحل دونك الحجاب فما يح ... جب عنّي بك الضّنى والعويل
وأنشد محمد بن يزيد، قال: أنشدني أبو دهمان لنفسه وقد دخل على بعض الأمراء يعوده:
بأنفسنا لا بالطّوارف والتّلد ... نقيك الذي تخفي من السّقم أو تبدي
بنا معشر العوّاد ما بك من أذى ... فإن أشفقوا ممّا أقول فبي وحدي
وكتب أبو تمام الطائي إلى مالك بن طوق في شكاة له:
стр. 645
كم لوعة للنّدى وكم قلق ... للحمد والمكرمات من قلقك
ألبسك الله منه عافية ... في نومك المعتري وفي أرقك
تخرج من جسمك السّقام كما ... أخرج ذمّ الفعال من خلقك
ودخل محمد بن عبد الله على المتوكل في شكاة له يعوده، فقال:
الله يدفع عن نفس الإمام لنا ... وكلّنا للمنايا دونه غرض
فليت أنّ الذي يعروه من مرض ... بالعائدين جميعا لا به المرض
فبالإمام لنا من غيرنا عوض ... وليس في غيره منه لنا عوض
فما أبالي إذا ما نفسه سلمت ... لو باد كلّ عباد الله وانقرضوا
وقال آخر في بعض الأمراء:
واعتلّ فاعتلّت الدنيا لعلّته ... واعتلّ فاعتلّ فيه البأس والكرم
لمّا استقلّ أنار المجد وانقشعت ... عنه الضبابة والأحزان والسّقم «١»
وبلغ قيسا مجنون بني عامر أن ليلى بالعراق مريضة: فقال:
يقولون ليلى بالعراق مريضة ... فما لك تجفوها وأنت صديق
شفى الله مرضى بالعراق فإنّني ... على كلّ شاك بالعراق شفيق
ولمحمد بن عبد الله بن طاهر:
ألبسك الله منه عافية ... تغنيك عن دعوتي وعن جلدك
سقمك ذا لا لعلّة عرضت ... بل سقم عينيك ردّ في جسدك
فيا مريض الجفون أحي فتى ... قتلته بالجفون لا بيدك
وقال غيره:
يا أملي، كيف أنت من ألمك ... وكيف ما تشتكيه من سقمك
هذان يومان لي أعدّهما ... مذ لم تلح لي بروق مبتسمك
стр. 646
حسدت حمّاك حين قيل لها ... بأنها قبّلتك فوق فمك
ولسحيم عبد بني الحسحاس:
تجمّعن شتّى من ثلاث وأربع ... وواحدة حتى كملن ثمانيا
واقبلن من أقصى الخيام يعدنني ... ألا إنما بعض العوائد دائيا
وللعباس بن الأحنف:
قالت مرضت فعدتها فتبرّمت ... وهي الصحيحة والمريض العائد
والله لو قست القلوب كقلبها ... ما رقّ للولد الضعيف الوالد
وقال الواثق:
لا بك السّقم ولكن كان بي ... وبنفسي وبأمّي وأبي
قيل لي إنّك صدّعت فما ... خالطت سمعي حتى دير بي «١»
وأنشد محمد بن يزيد المبرّد لعلية بنت المهدي:
تمارضت كي أشجى وما بك علّة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك
وقولك للعوّاد كيف ترونه ... فقالوا قتيلا قلت أهون هالك
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرّني أنّي خطرت ببالك
ومن قولنا في هذا المعنى:
روح الندى بين أثواب العلا وصب ... يعتنّ في جسد للمجد موصوب «٢»
ما أنت وحدك مكسوّ شحوب ضنى ... بل كلّنا بك من مضنى ومشحوب
يا من عليه حجاب من جلالته ... وإن بدا لك يوما غير محجوب
ألقى عليك يدا للضّرّ كاشفة ... كشّاف ضرّ نبيّ الله أيّوب
ومثله من قولنا:
стр. 647
لا غرو إن نال منك السّقم والضرر ... قد تكسف الشمس لا بل يخسف القمر
يا غرّة القمر الذاوي غضارتها ... فدّى لنورك منّي السمع والبصر
إن يمس جسمك مدهوكا بصالية ... فهكذا يوعك الضّرغامة الهصر «١»
أن الحسام فإن تفلل مضاربه ... فقبله ما يفلّ الصارم الذّكر «٢»
روح من المجد في جثمان مكرمة ... كأنما الصبح من خدّيه ينفجر
لو غال مجلوده شيء سوى قدر ... أكبرت ذاك ولكن غاله القدر
ومن قولنا في هذا المعنى:
لا غرو إن نال منك السّقم ما سألا ... قد يكسف البدر أحيانا إذا كملا
ما تشتكي علة في الدهر واحدة ... إلا اشتكى الجود من وجد بها عللا
الأدب في الاعتناق
سفيان بن عيينة ومالك:
أبو بكر بن محمد قال: حدثنا سعيد بن إسحاق عن ابن يونس المديني قال: كنت جالسا عند مالك بن أنس، فإذا سفيان بن عيينة يستأذن بالباب، فقال مالك: رجل صالح صاحب سنّة، أدخلوه. فدخل فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فردّ السلام، فقال: سلام خاص وعام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله. فقال مالك:
وعليك السلام يا أبا محمد ورحمة الله. فصافحه مالك وقال: يا أبا محمد، لولا أنها بدعة لعانقناك. فقال سفيان: قد عانق من هو خير منا، رسول الله ﷺ . فقال مالك: جعفرا؟ قال: نعم. فقال مالك: ذاك حديث خاص يا أبا محمد ليس بعام.
فقال سفيان: ما عمّ جعفرا يعمّنا وما خصه يخصنا إذا كنا صالحين؛ أفتأذن لي أن أحدّث في مجلسك؟ قال: نعم يا أبا محمد. فقال: حدّثني عبد الله بن طاوس عن أبيه
стр. 648
عن عبد الله بن عباس: أنه لما قدم جعفر من أرض الحبشة اعتنقه النبي ﷺ ، وقبل بين عينيه وقال: جعفر أشبه الناس بي خلقا وخلقا.
باب الأدب في إصلاح المعيشة
قالوا: من أشبع أرضه عملا أشبعت بيته خبزا.
وقالوا: يقول الثوب لصاحبه: أكرمني داخلا أكرمك خارجا.
وقالت عائشة: المغزل بيد المرأة أحسن من الرمح بيد المجاهد في سبيل الله.
وقال عمر بن الخطاب: لا تنهكوا وجه الأرض فإن شحمها في وجهها.
وقال: فرّقوا بين المنايا واجعلوا الرأس رأسين.
وقال: أملكوا العجين فإنه أحد الرّيعين.
وقال أبو بكر لغلام له كان يتجر بالثياب: إذا كان الثوب سابغا «١» فانشره وأنت قائم، وإذا كان قصيرا فانشره وأنت جالس، وإنما البيع مكاس «٢» .
وقال عبد الملك بن مروان: من كان في يده شيء فليصلحه، فإنه في زمان إن احتاج فيه فأول ما يبدل دينه.
باب الأدب في المؤاكلة
قال النبي ﷺ : إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله.
بلال والجارود:
محمد بن سلام الجمحي قال: قال بلاد بن أبي بردة. وهو أمير على البصرة، للجارود بن أبي سبرة الهذلي: أتحضر طعام هذا الشيخ؟ يعني عبد الأعلى بن عبد الله
стр. 649
ابن عامر؛ قال: نعم. قال: فصفه لي. قال: نأتيه فنجده منبطحا، يعني نائما، فنجلس حتى يستيقظ، فيأذن فنساقطه الحديث، فإن حدّثناه أحسن الاستماع؛ وإن حدّثنا أحسن الحديث، ثم يدعو بمائدته، وقد تقدّم إلى جواريه وأمهات أولاده ألّا تلفظ واحدة منهن إذا وضعت مائدة، ثم يقبل خبّازه فيمثل بين يديه قائما، فيقول له: ما عندك؟ فيقول: عندي كذا وكذا. فيعدّد ما عنده. يريد بذلك أن يحسن كلّ رجل نفسه وشهوته على ما يريد من الطعام. وتقبل الألوان من ها هنا ومن ها هنا فتوضع على المائدة، ثم يؤتى بثريدة شبهاء «١» من الفلفل رقطاء «٢» من الحمّص، ذات حفافين من العراق «٣» ، فيأكل معذرا، حتى إذا ظن أن القوم قد كادوا يمتلئون، جثا على ركبتيه؛ ثم استأنف الأكل معهم.
قال ابن أبي بردة: لله درّ عبد الأعلى، ما أربط جأشه على وقع الأضراس.
وحضر أعرابي سفرة هشام بن عبد الملك؛ فبيناه يأكل معه إذ تعلقت شعرة في لقمة الأعرابي، فقال له هشام: عندك شعرة في لقمتك يا أعرابي. فقال: وإنك لتلاحظني ملاحظة من يرى الشعرة في لقمتي! والله لا أكلت عندك أبدا، ثم خرج وهو يقول:
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
بين المنصور وأعرابي:
محمد بن زيد قال: أكل قائد لأبي جعفر المنصور معه يوما، وكان على المائدة محمد المهديّ وصالح ابناه، فبينا الرجل يأكل من ثريدة بين أيديهم، إذ سقط بعض الطعام من فيه في الغضّارة «٤» ، فكأن المهدي وأخاه عافا الأكل معه، فأخذ أبو جعفر الطعام
стр. 650
الذي سقط من فم الرجل فأكله، فالتفت إليه الرجل فقال: يا أمير المؤمنين، أما الدنيا فهي أقلّ وأيسر من أن أتركها لك، والله لأتركن في مرضاتك الدنيا والآخرة.
المنصور وهاشمي والربيع حاجبه:
وحدّث إبراهيم بن السندي قال: كان فتى من بني هاشم يدخل على المنصور كثيرا، يسلم من بعيد وينصرف، فأتاه يوما فأدناه، ثم دعاه إلى الغذاء. فقال: قد تغدّيت! فأمهله الرّبيع حاجب المنصور حتى ظن أنه لم يفهم الخطيئة، فلما انصرف وصار وراء الستر دفعه في قفاه، فلما رأى من الحاجب دفعه في قفاه، شكا الفتى حالته وما ناله إلى عمومته، فأقبلوا من غد إلى أبي جعفر، وقالوا: إن الربيع نال من هذا الفتى كذا وكذا. فقال لهم أبو جعفر: إن الربيع لا يقدم على مثل هذا إلا وفي يده حجة، فإن شئتم أمسكنا عن ذلك وأغضينا، وإن شئتم سألته وأسمعتكم. قالوا:
بل يسأله أمير المؤمنين ونسمع. فدعاه فسأله، فقال: إن هذا الفتى كان يأتي فيسلّم وينصرف من بعيد؛ فلما كان أمس أدناه أمير المؤمنين حتى سلّم من قرب؛ وتبذّل بين يديه ودعاه إلى غدائه؛ فبلغ من جهله بحق المرتبة التي أحلّه فيها أن قال: قد تغديت. وإذا هو ليس عنده لمن أكل مع أمير المؤمنين وشاركه في يده إلا سدّ خلّة الجوع، ومثل هذا لا يقوّمه القول دون الفعل. فسكت القوم وانصرفوا.
وقال بكر بن عبد الله: أحق الناس بلطمة من أتى طعاما لم يدع إليه، وأحق الناس بلطمتين من يقول له صاحب البيت: اجلس ها هنا. فيقول: لا، ها هنا، وأحق الناس بثلاث لطمات من دعي إلى طعام فقال لصاحب المنزل: ادع ربة البيت تأكل معنا.
وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: لا ينبغي للفتى أن يكون مكحلا؛ ولا مقبّبا، ولا مكوكبا، ولا شكامدا، ولا حرامدا، ولا تقامدا. ثم فسره فقال: أما المكحل، فالذي يتعرق العظم حتى يدعه كأنه مكحلة عاج، والمقّبب، فالذي يركّب
стр. 651
اللحم بين يديه حتى يجعله كأنه قبة؛ والمكوكب، الذي يبصق في الطست وينخم فيها حتى يصير بصاقه كأنه الكواكب في الطست: والحرامد، الذي يأتي في وقت الغداء والعشاء فيقول: ما تأكلون؟ فيقولون من بغضه: سمّا! فيدخل يده ويقول: في حرامّ العيش بعدكم؛ والشّكامد. الذي يتبع اللقمة بأخرى قبل أن يسيغها فيخنق، كأنه ديك قد ابتلع فأرة، والنقامد، الذي يضع الطعام بين يديه ويأكل من بين يدي غيره.
ومن الأدب: أن يبدأ صاحب الطعام بغسل يده قبل الطعام، ثم يقول لجلسائه: من شاء منكم فليغسل. فإذا غسل بعد الطعام: فليقدّمهم ويتأخر.
أدب الملوك
قال العلماء: لا يؤمّ ذو سلطان في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.
وقال زياد: لا يسلّم على قادم بين يدي أمير المؤمنين.
ودخل عبد الله بن عباس على معاوية وعنده زياد، فرحّب به معاوية ووسع له إلى جنبه، وأقبل عليه يسائله ويحادثه وزياد ساكت، فقال له ابن عباس: كيف حالك أبا المغيرة، كأنك أردت أن تحدث بيننا وبينك هجرة؟ فقال: لا، ولكنه لا يسلّم على قادم بين يدي أمير المؤمنين. قال ابن عباس: ما أدكرت الناس إلا وهم يسلمون على إخوانهم بين يدي أمرائهم. فقال له معاوية: كفّ عنه يا بن عباس، فإنك لا تشاء أن تغلب إلا غلبت.
الشيباني قال: بصق ابن مروان فقصّر في بصقته، فوقعت في طرف البساط فقام رجل من المجلس فمسحه بكمه، فقال عبد الملك بن مروان: أربعة لا يستحى من خدمتهم: الإمام، والعالم، والوالد، والضعيف.
وقال يحيى بن خالد: مساءلة الملوك عن حالها من تحية النّوكى، فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير، فقل: صبّح الله الأمير بالنعمة والكرامة. وإن كان عليلا فأردت أن تسأله عن حاله، فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة.
стр. 652
وقالوا: إذا زادك الملك إكراما فزده إعظاما، وإذا جعلك عبدا فاجعله ربّا ولا تديمن النظر إليه، ولا تكثر من الدعاء له في كلّ كلمة ولا تتغيّر له إذا سخط ولا تغترّ به إذا رضي، ولا تلحف في مسألته.
وقالوا: الملوك لا تسأل ولا تشمّت، ولا تكيّف.
وقال الشاعر:
إن الملوك لا يخاطبونا ... ولا إذا ملّوا يعاتبونا
وفي المقال لا تنازعونا ... وفي العطاس لا يشمّتونا
وفي الخطاب لا يكيّفونا ... يثنى عليهم ويبجّلونا
فافهم وصاتي لا تكن مجنونا
وقالوا: من تمام خدمة الملوك أن يقرّب الخادم إليه نعليه، ولا يدعه يمشي إليهما، ويجعل النعل اليمنى قبالة الرجل اليمنى، واليسرى قبالة الرجل اليسرى؛ وإذا رأى متكأ يحتاج إلى إصلاح أصلحه، ولا ينتظر فيه أمره، ويتفقد الدواة قبل أن يأمره، وينفض عنها الغبار إذا قرّبها إليه، وإن رأى بين يديه قرطاسا قد تباعد عنه قرّبه إليه ووضعه بين يديه على كسره.
وقال أصحاب معاوية لمعاوية: إنا ربما جلسنا عندك فوق مقدار شهوتك، فأنت تكره أن تستخفّنا فتأمرنا بالقيام، ونحن نكره أن نثقل عليك في الجلوس، فلو جعلت لنا علامة نعرف بها ذلك؟ فقال: علامة ذلك أن أقول: إذا شئتم.
وقيل مثل ذلك ليزيد بن معاوية، فقال: إذا قلت: على بركة الله.
وقيل مثل ذلك لعبد الملك بن مروان، فقال: إذا وضعت الخيزرانة.
وما سمعت بألطف معنى، ولا أكمل أدبا، ولا أحسن مذهبا في مساءلة الملوك من شبيب بن شيبة وقوله لأبي جعفر: أصلحك الله، إني أحب المعرفة وأجلك عن السؤال. فقال له: فلان بن فلان.
стр. 653
باب الكناية والتعريض
ومن أحسن الكناية اللطيفة عن المعنى الذي يقبح ظاهره: قيل لعمر بن عبد العزيز، وقد نبت له حبن «١» تحت أنتييه «٢» : أين نبت بك هذا الحبن؟ قال: بين الرانفة «٣» والصّفن «٤» .
وقال آخر، ونبت به حبن في أبطه، أين نبت بك هذا الحبن؟ قال: تحت منكبي.
وقد كنى الله تعالى في كتابه عن الجماع بالملامسة، وعن الحدث بالغائط فقال:
أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
«٥» - والغائط: الفحص، وجمعه غيطان- وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ
«٦» وإنما كنى به عن الحدث.
وقال تعالى: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
«٧» فكنى عن البرص.
ودخل الربيع بن زياد على النعمان بن المنذر وبه وضح، فقال: ما هذا البياض بك؟ فقال: سيف الله جلاه.
ودخل حارثة بن بدر على زياد وفي وجهه أثر، فقال زياد: ما هذا الأثر الذي في وجهك؟ قال: ركبت فرسي الأشقر فجمح بي. فقال: أما إنك لو ركبت الأشهب لما فعل ذلك. فكنى حارثة بالأشقر عن النبيذ، وكنى زياد بالأشهب عن اللبن.
وقال معاوية للأحنف بن قيس: أخبرني عن قول الشاعر:
стр. 654
إذا ما مات ميت من تميم ... وسرّك أن يعيش فجىء بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشّيء الملفّف في البجاد «١»
تراه يطوف في الآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
ما هذا الشيء الملفف في البجاد؟ قال الأحنف: السخينة «٢» يا أمير المؤمنين. قال معاوية: واحدة بأخرى والبادي أظلم.
السخينة: طعام كانت تعمله قريش من دقيق، وهو الحريرة، فكانت تسبّ به؛ وفيه يقول حسان بن ثابت:
زعمت سخينة أن ستغلب ربّها ... وليغلبنّ مغالب الغلّاب
وقال آخر:
تعشوا من حريرتهم فناموا
ولما عزل عثمان بن عفان عمرو بن العاص عن مصر وولّاها ابن أبي سرح دخل عمرو على عثمان وعليه جبة محشوّة، فقال له عثمان: ما حشو جبتك يا عمرو؟ قال:
أنا. قال: قد علمت أنك فيها. ثم قال له: يا عمرو، أشعرت أن اللّقاح «٣» درّت بعدك ألبانها؟ فقال: لأنكم أعجفتم «٤» أولادها.
فكنّى عثمان عن خراج مصر بالّلقاح، وكنّى عمرو عن جور الوالي بعده وأنه حرم الرزق أهل العطاء ووفّره على السلطان، بالإعجاف.
وكان في المدينة رجل يسمى جعدة، يرجّل شعره ويتعرّض للنساء المعزبات، فكتب رجل من الأنصار كان في الغزو إلى عمر بن الخطاب ﵁:
ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري
قلائصنا هداك الله إنّا ... شغلنا عنكم زمن الحصار
стр. 655
يعقّلهنّ جعد شيظميّ ... وبئس معقّل الذّود الظّؤار «١»
فكنى بالقلائص عن النساء، وعرّض برجل يقال له جعدة. فسأل عنه عمر فدلّ عليه، فجزّ شعره ونفاه عن المدينة.
وسمع عمر بن الخطاب امرأة في الطواف تقول:
فمنهنّ من تسقى بعذب مبرّد ... نقاخ فتلكم عند ذلك قرّت «٢»
ومنهنّ من تسقى بأخضر آجن ... أجاج ولولا خشية الله فرّت
ففهم شكواها، فبعث إلى زوجها فوجده متغيّر الفم، فخيّره بين خمسمائة درهم وطلاقها. فاختار الدراهم، فأعطاه وطلّقها.
ودخل على زياد رجل من أشراف البصرة، فقال. أين مسكنك من البصرة؟ قال:
في وسطها قال له: كم لك من الولد؟ قال: تسعة. فلما خرج من عنده قيل له: إنه ليس كذلك في كل ما سألته، وليس له من الولد إلا واحد، وهو ساكن في طرف البصرة. فلما عاد إليه سأله زياد عن ذلك، فقال له: ما كذبتك. لي تسعة من الولد، قدّمت منهم ثمانية فهم لي، وبقي معي واحد، فلا أدري ألي يكون أم عليّ؛ ومنزلي بين المدينة والجبّانة؛ فأنا بين الأحياء والأموات، فمنزلي في وسط البصرة. قال:
صدقت.
الكناية يورّى بها عن الكذب والكفر
لما هزم الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث وقتل أصحابه وأسر بعضهم، كتب إليه عبد الملك بن مروان أن يعرض الأسرى على السيف، فمن أقرّ منهم بالكفر خلّى سبيله، ومن أبي يقتله. فأتي منهم بعامر الشّعبي، ومطرّف بن عبد الله بن الشّخّير،
стр. 656
وسعيد بن جبير. فأما الشعبي ومطرّف فذهبا إلى التعريض والكناية ولم يصرّحا بالكفر، فقبل كلامهما وعفا عنهما؛ وأما سعيد بن جبير فأبى ذلك فقتل.
وكان مما عرّض به الشعبي فقال: أصلح الله الأمير، نبا المنزل، وأحزن بنا الجناب، واستحلسنا «١» الخوف، واكتحلنا السهر، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء. قال: صدق. والله ما برّوا بخروجهم علينا ولا قووا، خليا عنه. ثم قدم إليه مطرّف بن عبد الله، فقال له الحجاج: أتقرّ على نفسك بالكفر؟
قال: إنّ من شق العصا، وسفك الدماء، ونكث البيعة، وأخاف المسلمين، لجدير بالكفر. قال: خلّيا عنه. ثم قدّم إليه سعيد بن جبير؛ فقال له: أتقرّ على نفسك بالكفر؟ قال: ما كفرت بالله مذ آمنت به. قال: اضربوا عنقه.
ولما ولي الواثق وأقعد للناس أحمد بن أبي داود للمحنة في القرآن ودعا إليه الفقهاء، أتي فيهم بالحارث بن مسكين، فقيل له: اشهد أن القرآن مخلوق! قال: أشهد أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، هذه الأربعة مخلوقة. ومدّ أصابعه الأربع؛ فعرّض بها وكنّى عن خلق القرآن وخلّص مهجته من القتل. وعجز أحمد بن نصر فقيه بغداد عن الكناية فأباها، فقتل وصلب.
ودخل بعض النّساك على بعض الخلفاء فدعاه إلى طعامه، فقال: الصائم لا يأكل يا أمير المؤمنين، وما أزكّي نفسي، بل الله يزكّي من يشاء. وإنما كره طعامه.
ابن عرباض والخوارج:
الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: بينما ابن عرباض يمشي مقدّما بطنه، إذ استقبلته الخوارج يحزّون الناس بسيوفهم؛ فقال لهم: هل خرج إليكم في اليهود شيء؟
قالوا: لا. قال: فامضوا راشدين. فمضوا وتركوه.
ولقي شيطان الطاق رجلا من الخوارج وبيده سيف؛ فقال له الخارجي: والله
стр. 657
لأقتلنّك أو تبرأ من عليّ. فقال: أنا من عليّ ومن عثمان بريء يريد أنه من عليّ، وبريء من عثمان.
أبو بكر بن أبي شيبة قال: قال الوليد بن عقبة على المنبر بالكوفة: أقسم على من سمّاني أشعر بركا «١» إلا قام. فقام إليه رجل من أهل الكوفة فقال له: ومن هذا الذي يقوم إليك فيقول: أنا الذي سميتك أشعر بركا؟ وكان هو الذي سمّاه بذلك.
وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: اصعد المنبر فالعن عليّا. فامتنع من ذلك وقال: أو تعفيني؟ قال: لا. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: معاشر الناس، إن معاوية أمرني أن ألعن عليّا، فالعنوه لعنه الله.
الكناية عن الكذب في طريق المدح
ابن الهيثم وغلام سكران:
المدائنيّ قال: أتي العريان بن الهيثم بغلام سكران، فقال له: من أنت؟ فقال:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام عندها وقعود
فظنه ولدا لبعض الأشراف، فأمر بتخليته، فلما كشف عنه قيل له: إنه ابن باقلّائي.
عيسى بن موسى وابن شبرمة في متهم:
ودخل رجل على عيسى بن موسى وعنده ابن شبرمة القاضي، فقال له: أتعرف هذا الرجل؟ وكان رمي عنده بريبة: فقال: إن له بيتا وقدما وشرفا. فخلّى سبيله.
فلما انصرف ابن شبرمة قال له أصحابه: أكنت تعرف هذا الرجل؟ قال: لا، ولكني عرفت أن له بيتا يأوي إليه، وقدما يمشي عليها، وشرفه أذناه ومنكباه.
стр. 658
خاطب لبائع سنانير:
وخطب رجل لرجل إلى قوم، فسألوه: ما حرفته؟ فقال: نخاس الدواب.
فزوّجوه، فلما كشف عنه وجدوه يبيع السنانير؛ فلما عنّفوه في ذلك قال: أو السّنانير دوابّ؟ ما كذبتكم في شيء.
ودخل معلّى الطائي على ابن السّريّ يعوده في مرضه. فأنشده شعرا يقول فيه:
فأقسم إن منّ الإله بصحّة ... ونال السّريّ بن السّريّ شفاء «١»
لأرتحلنّ العيس شهرا بحجّة ... وأعتق شكرا سالما وصفاء «٢»
فلما خرج من عنده قال له أصحابه: والله ما نعلم عبدك سالما، ولا عبدك صفاء، فمن أردت أن تعتق؟ قال: هما هرّتان عندي، والحجّ فريضة واجبة، فما عليّ في قولي شيء إن شاء الله تعالى.
باب في الكناية والتعريض في طريق الدعابة
سئل ابن سيرين عن رجل، فقال: توفيّ البارحة. فلما رأى جزع السائل قال:
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
«٣» وإنما أردت بالوفاة النوم.
ومرض زياد، فدخل عليه شريح القاضي يعوده، فلما خرج بعث إليه مسروق بن الأجدع يسأله: كيف تركت الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهي. فقال مسروق: إن شريحا صاحب تعريض، فاسألوه. فسألوه. قال: تركته يأمر بالوصية، وينهي عن البكاء.
وكان سنان بن مكمّل النّميري يساير عمر بن هبيرة الفزاري يوما على بغلة فقال له ابن هبيرة: غضّ من عنان بغلتك. فقال: إنها مكتوبة، أصلح الله الأمير. أراد
стр. 659
ابن هبيرة قول جرير:
فغضّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وأراد سنان قول الشاعر:
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار «١»
ومر رجل من بني نمير برجل من بني تميم على يده باز، فقال التميمي للنّميري:
هذا البازي؟ قال له النّميري: نعم، وهو يصيد القطا. أراد التميميّ قول جرير:
أنا البازي المطل على نمير ... أتحت له من الجوّ انصبابا «٢»
وأراد النميري قول الطّرمّاح:
تميم بطرق الّلؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت
ابن يزيد الهلالي ومحاربي:
ودخل رجل من محارب على عبد الله بن يزيد الهلالي وهو والي أرمينية، وقريب منه غدير فيه ضفادع، فقال عبد الله بن يزيد: ما تركتنا شيوخ محارب ننام الليلة! فقال له المحاربي: أصلح الله الأمير، أو تدري لم ذلك؟ قال: ولم؟ قال: لأنها أضلت برقعا لها. قال قبّحك الله، وقبّح ما جئت به، أراد ابن يزيد الهلالي قول الأخطل:
تنقّ بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
وأراد المحاربي قول الشاعر:
لكلّ هلاليّ من الّلؤم برقع ... ولابن هلال برقع وقميص
وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: استعرض لي هذين الفرسين فقال: أحدهما
стр. 660
أجش «١» والآخر هزيم «٢» . يعني قول النّجاشي:
ونجّى ابن هند سابح ذو علالة ... أجشّ هزيم والرّماح دواني «٣»
فقال معاوية: أما إنّ صاحبها على ما فيه لا يشبّب بكنائنه. وكان عبد الرحمن يرمى بكنّته.
وشاور زياد رجلا من ثقاته في امرأة يتزوجها، فقال: لا خير لك فيها، إني رأيت رجلا يقبلها، فتركه وخالفه إليها وتزوجها، فلما بلغ زيادا خبره أرسل إليه وقال له: أما قلت لي إنك رأيت رجلا يقبلها؟ قال: نعم، رأيت أباها يقبلها.
وقال أعرابي لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، احملني وسحيما على جمل. فقال:
نشدتك الله يا أعرابي، أسحيم هذا زق؟ قال: نعم. ثم قال: من لم ينفعه ظنّه لم ينفعه يقينه.
وودّع رجل رجلا كان يبغضه، فقال: امض في سرّ من حفظ الله، وحجاب من كلاءته «٤» . ففطن له الرجل، فقال: رفع الله مكانك، وشدّ ظهرك، وجعلك منظورا إليك.
الشيباني قال: كان ابن أبي عتيق صاحب هزل ولهو، واسمه عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵃ وكانت له امرأة من أشراف قريش، وكان لها فتيات يغنّين في الأعراس والمآتم، فأمرت جارية منهن أن تغني بشعر لها قالته في زوجها، فتغنت الجارية وهو يسمع:
ذهب الإله بما تعيش به ... وقمرت لبّك أيّما قمر «٥»
أنفقت مالك غير محتشم ... في كلّ زانية وفي الخمر
стр. 661
فقال للجارية: لمن هذا الشعر؟ قالت: لمولاتي. فأخذ قرطاسا فكتبه وخرج به، فإذا هو بعبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: يا أبا عبد الرحمن، قف قليلا أكلّمك.
فوقف عبد الله بن عمر، قال: ما ترى فيمن هجاني بهذا الشعر؟ وأنشد البيتين. قال:
أرى أن تعفو وتصفح. قال: أما والله لئن لقيته لأنيكنّه! فأخذ ابن عمر ينكله ويزجره، وقال: قبّحك الله! ثم لقيه بعد ذلك بأيام، فلما أبصره ابن عمر أعرض عنه بوجهه، فاستقبله ابن أبي عتيق فقال له: سألتك بالقبر ومن فيه إلا سمعت مني حرفين. فولاه قفاه وأنصت له، قال: علمت أبا عبد الرحمن أني لقيت قائل ذلك الشعر ونكته. فصعق عبد الله ولبط «١» به فلما رأى ما نزل به دنا من أذنه وقال:
أصلحك الله، إنها امرأتي. فقام ابن عمر وقبل ما بين عينيه.
باب في الصمت
كان لقمان الحكيم يجلس إلى داود ﷺ مقتبسا، وكان عبدا أسود، فوجده وهو يعمل درعا من حديد، فعجب منه، ولم ير درعا قبل ذلك، فلم يسأله لقمان عما يعمل، ولم يخبره داود، حتى تمت الدرع بعد سنة، فقاسها داود على نفسه، وقال: زرد طافا ليوم قرافا. تفسيره: درع حصينة ليوم قتال؛ فقال لقمان: الصمت حكم وقليل فاعله.
وقال أبو عبيد الله كاتب المهديّ: كن على التماس الحظ بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام؛ إن البلاء موكّل بالمنطق.
وقال أبو الدّرداء: أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعل لك أذنان اثنتان وفم واحد لتسمع أكثر مما تقول.
ابن عوف عن الحسن، قال: جلسوا عند معاوية فتكلموا وسكت الأحنف فقال معاوية: مالك لا تتكلم أبا بحر، قال: أخافك إن صدقت وأخاف الله إن كذبت.
стр. 662
وقال المهلّب بن أبي صفرة: لأن أرى لعقل الرجل فضلا على لسانه أحبّ إليّ من أن أرى للسانه فضلا على عقله.
وقال سالم بن عبد الملك: فضل العقل على اللسان مروءة، وفضل اللسان على العقل هجنة «١» .
وقالوا: من ضاق صدره اتسع لسانه، ومن كثر كلامه كثر سقطه ومن ساء خلقه قل صديقه.
وقال هرم بن حيّان: صاحب الكلام بين منزلتين: إن قصّر فيه خصم «٢» ، وإن أغرق فيه أثم «٣» .
وقال شبيب بن شيبة: من سمع الكلمة يكرهها فسكت عنها انقطع ضرّها عنه.
وقال أكثم بن صيفي: مقتل الرجل بين فكّيه.
وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵃:
يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرّجل
فعثرته من فيه ترمي برأسه ... وعثرته بالرّجل تبرا على مهل
وقال الشاعر:
الحلم زين والسّكوت سلامة ... فإذا نطقت فلا تكن مكثارا
ما إن ندمت على سكوتي مرّة ... إلا ندمت على الكلام مرارا
وقال الحسن بن هانيء:
خلّ جنبيك لرامي ... وامض عنّي بسلام
مت بداء الصّمت خير ... لك من داء الكلام
ربّ لفظ ساق آجا ... ل فئام وفئام «٤»
إنما السالم من ألج ... م فاه بلجام
стр. 663
وقال بعض الحكماء: حظّي من الصمت لي، ونفعه مقصور عليّ وحظي من الكلام لغيره، ووباله راجع عليّ.
وقالوا: إذا أعجبك الكلام فاصمت.
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: متى أتكلم؟ قال: إذا اشتهيت أن تصمت. قال:
فمتى أصمت؟ قال: إذا اشتهيت أن تتكلم.
وقال النبي ﷺ : ما أعطي العبد شرّا من طلاقة اللسان.
وسمع عبد الله بن الأهتم رجلا يتكلم فيخطىء، فقال: بكلامك رزق الصمت المحبة.
باب في المنطق
قال الذين فضّلوا المنطق: إنما بعثت الأنبياء بالكلام ولم يبعثوا بالسكوت؛ وبالكلام وصف فضل الصمت ولم يوصف القول بالصمت؛ وبالكلام يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعظّم الله ويسبّح بحمده. والبيان من الكلام هو الذي منّ الله به على عباده فقال: خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ
«١» والعلم كله لا يؤدّيه إلى أوعية القلوب الا اللسان؛ فنفع المنطق عامّ لقائله وسامعه، ونفع الصمت خاصّ لفاعله.
واعد شيء قيل في الصمت والمنطق، قولهم: الكلام في الخير كلّه أفضل من الصمت. ولصمت في الشر كلّه أفضل من الكلام.
قال عبد الله بن المبارك صاحب الرّقائق يرثي مالك بن أنس المدني:
صوت إذا ما الصّمت زيّن أهله ... وفتّاق أبكار الكلام المختّم «٢»
وعي ما وعى القرآن من كلّ حكمة ... ونيطت له الآداب باللحم والدّم «٣»
وقال عمر بن الخطاب: ترك الحركة غفلة.
стр. 664
وقال بكر بن عبد الله المزني: الصمت حبسة.
وقالوا: الصمت نوم، والكلام يقظة.
وقالوا: ما شيء ثنى إلا قصر، إلا الكلام فإنه كلما ثني طال.
وقال الشاعر:
الصمت شيمته فإن ... أبدى مقالا كان فصلا
أبدى السكوت فإن تكلّم لم يدع في القول فضلا
باب في الفصاحة
محمد بن سيرين قال: ما رأيت على امرأة أجمل من شحم، ولا رأيت على رجل أجمل من فصاحة.
وقال الله ﵎ فيما حكاه عن نبيه موسى ﷺ واستيحاشه لعدم الفصاحة:
وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي
«١» .
آفات المنطق
تكلم ابن السماك يوما وجارية له تسمع كلامه، فلما دخل قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما أحسنه لولا أنك تردّده. قال: أردّده ليفهمه من لم يفهمه. قالت:
إلى أن يفهمه من لم يفهمه يملّه من فهمه.
الأصمعي قال: قال معاوية يوما لجلسائه: أيّ الناس أفصح؟ فقال رجل من السماط: يا أمير المؤمنين، قوم قد ارتفعوا عن رتّة العراق، وتياسروا عن كشكشة بكر، وتيامنوا عن شنشنة تغلب، ليس فيهم غمغمة قضاعة، ولا طمطمانية حمير.
قال: من هم؟ قال: قومك يا أمير المؤمنين، قريش. قال: صدقت! فمن أنت؟ قال:
من جرم. قال الأصمعي: جرم فصحاء الناس.
стр. 665
وهذا الحديث قد وقع في فضائل قريش؛ وهذا كان موضعه فذكرناه.
قال أبو العباس محمد بن يزيد النّحوي: التمتمة في المنطق: التردّد في التاء.
والعقلة: هي التواء اللسان عند إرادة الكلام. والحبسه: تعذر الكلام عند إرادته.
والّلفف: إدخال حرف في حرف. والطمطمة: أن يكون الكلام مشبها لكلام العجم.
والّلكنة: أن تعترض عند الكلام اللغة الأعجمية- وسنفسر هذا حرفا حرفا وما قيل فيه إن شاء الله- والّلثغة أن يعدل بحرف إلى حرف. والغنّة: أن يشرب الحرف صوت الخيشوم؛ والخنة، أشد منها. والترخيم: حذف الكلام. والفأفأة: التردّد في الفاء؛ يقال: رجل فأفاء، تقديره فاعال: ونظيره من الكلام، ساباط، وخاتام، وقال الراجز:
يا ميّ ذات الجورب المنشقّ ... أخذت خاتامي بغير حقّ
وقال آخر:
ليس بفأفاء ولا تمام ... ولا محبّ سقط الكلام
والرّتة، كالرّتج: تمنّع أول الكلام، فإذا جاء منه شيء اتصل به. والغمغمة: أن تسمع الصوت ولا تبين لك تقطيع الحروف.
وأما الرّتة فإنها تكون غريزية. وقال الراجز:
يا أيّها المخلّط الأرتّ
ويقال إنها تكثر في الأشراف. وأما الغمغمة. فإنها قد تكون من الكلام وغيره، لأنها صوت من لا يفهم تقطيع حروفه. قال عنترة:
وصاحب ناديته فغمغما ... يريد لبّيك وما تكلّما
قد صار من خوف الكلام أعجما
وأما كشكشة تميم: فإن بني عمرو بن تميم إذا ذكرت كاف المؤنث فوقفت عليها أبدلت منها شينا، لقرب الشين من الكاف في المخرج، وقال راجزهم:
هل لك أن تنتفعي وأنفعش ... وتدخلي الذي معي في اللذمعش
стр. 666
وأما كسكسة بكر فقوم منهم يبدلون من الكاف سينا كما فعل التميميون في الشين. وأما طمطمانية حمير ففيها يقول عنترة:
تأوى له قلص النّعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم
وكان صهيب أبو يحيى ﵀ يرتضخ لكنة رومية.
وقال رسول الله ﷺ : صهيب سابق الروم.
وكان عبيد الله بن زياد يرتضخ لكنة فارسية من قبل زوج أمه شيرويه الأسواريّ.
وكان زياد الأعجم، وهو رجل من عبد القيس، يرتضخ لكنة أعجمية، وأنشد المهلّب في مدحه إياه:
فتى زاده السّلتان في الحمد رغبة ... إذا غيّر السّلتان كلّ خليل
يريد: السلطان؛ وذلك أن بين التاء والطاء نسبا، لأن التاء من مخرج الطاء. وأما الغنة فتستحسن من الجارية الحديثة السن. قال ابن الرقاع في الظبية:
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها «١»
وقال ابن المقفع: إذا كثر تقليب اللسان رقّت حواشيه ولانت عذبته.
وقال العتّابي: إذا حبس اللسان من الاستعمال اشتدّت عليه مخارج الحروف. وقال الراجز:
كأنّ فيه لغفا إذا نطق ... من طول تحبيس وهمّ وأرق
باب في الإعراب واللحن
أبو عبيدة قال: مر الشعبي بقوم من الموالي يتذاكرون النحو، فقال لهم: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده.
قال أبو عبيدة: ليته سمع لحن صفوان وخالد بن صفوان وخاقان والفتح بن
стр. 667
خاقان والوليد بن عبد الملك.
وقال عبد الملك بن مروان: اللحن في الكلام أقبح من التّفتيق في الثوب، والجدريّ في الوجه.
وقيل له لقد عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين، قال: شيّبني ارتقاء المنابر وتوقّع اللحن.
وقال الحجاج لابن يعمر: أتسمعني ألحن؟ قال: ألا ربما سبقك لسانك ببعضه في آن وآن. قال: فإذا كان ذلك فعرّفني.
وقال المأمون لأبي علي المعروف بأبي يعلي المنقريّ: بلغني أنك أمّيّ، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن في كلامك. فقال: يا أمير المؤمنين، أمّا اللحن فربما سبقني لساني بالشيء منه، وأما الأمّية وكسر الشعر فقد كان النبي ﷺ أميا وكان لا ينشد الشعر. قال المأمون: سألتك عن ثلاث عيوب فيك فزدتني عيبا رابعا، وهو الجهل.
يا جاهل، إن ذلك في النبي ﷺ فضيلة، وفيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما منع ذلك النبي ﷺ لنفي الظّنّة عنه، لا لعيب في الشعر والكتاب، وقد قال ﵎:
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
«١» .
وقال عبد الملك بن مروان: الإعراب جمال للوضيع، واللحن هجنة على الشريف وقال: تعلموا النحو كما تتعلمون السنن والفرائض.
وقال رجل للحسن: إن لنا إماما يلحن. قال: أميطوه «٢» .
وقال الشاعر:
النحو يبسط من لسان الألكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن «٣»
стр. 668
فإذا طلبت من العلوم أجلّها ... فأجلّها منها مقيم الألسن
وقال آخر:
الشّعر صعب وطويل سلّمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلّت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه
وقال رجل للحسن: يا أبو سعيد، فقال: أحسب أن الدوانيق «١» شغلتك عن أن تقول يا أبا سعيد.
وكان عمر بن عبد العزيز جالسا عند الوليد بن عبد الملك، وكان الوليد لحّانا، فقال: يا غلام، ادع لي صالح. فقال الغلام: يا صالحا. قال له الوليد: انقص ألفا.
فقال عمر: وأنت يا أمير المؤمنين فزد ألفا.
ودخل على الوليد بن عبد الملك رجل من أشراف قريش، فقال له الوليد: من ختنك «٢» ؟ قال له: فلان اليهودي. فقال: ما تقول؟ ويحك! قال: لعلك إنما تسأل عن ختني يا أمير المؤمنين، هو فلان بن فلان.
وقال عبد الملك بن مروان: أضرّ بنا في الوليد حبّنا له فلم نلزمه البادية.
وقد يستثقل الإعراب في بعض المواضع كما يستخف اللحن في بعضها.
وقال مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري:
منطق بارع ويلحن أحيا ... نا وخير الكلام ما كان لحنا
وذلك أنه من حكى نادرة مضحكة، وأراد أن يوفي حروفها حظّها من الإعراب، طمس حسنها وأخرجها عن مقدارها؛ ألا ترى أن مزّيدا المديني أكل طعاما فكظّه «٣» وقيل له: ألا تقيء؟ فقال: وما أقيء، خبز نقي ولحم طري! مرتي
стр. 669
طالق، لو وجدت هذا قيئا لأكلته.
قال: وكذلك يستقبح الإعراب في غير موضعه، كما استقبح من عيسى بن عمر إذ قال وابن هبيرة يضربه بالسياط، والله إن كانت إلا أثيّابا في أسيفاط «١» قبضها عشّاروك «٢» .
وحكي عن بعض المعربين للحن أنّ جارية له غنّته:
إذا ما سمعت اللوم فيها رفضته ... فيدخل من أذن ويخرج من أخرى
فقال لها: من أخرى يا فاعلة، أما علّمتك أنّ (من) تخفض؟
وقال رجل لشريح: ما تقول في رجل توفّي وترك أبا وأخيه؟ فقال له: أباه وأخاه. فقال: كم لأباه وأخاه؟ قال: لأبيه وأخيه. قال: أنت علّمتني، فما أصنع؟
وقال بعض الشعراء. وأدرك عليه رجل من المتفصّحين، يقال له حفص، لحنا في شعره، وكان حفص به اختلاف في عينه وتشويه في وجهه، فقال فيه.
لقد كان في عينيك يا حفص شاغل ... وأنف كمثل الطّود عما تتبّع «٣»
تتبّع لحنا من كلام مرقّش ... وخلقك مبنيّ من اللحن أجمع
فعينك إقواء وأنفك مكفأ ... ووجهك إيطاء فما فيك مرقع «٤»
باب في اللحن والتصحيف
أبو حنيفة:
وكان أبو حنيفة لحانا، على أنه كان في الفتيا ولطف النظر واحد زمانه.
стр. 670
وسأله رجل يوما فقال له: ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله، أتقيده به؟ قال: لا، ولو ضربه بأبا قبيس.
وكان بشر المريسيّ يقول لجلسائه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها. فسمع قاسم التّمّار قوما يضحكون، فقال: هذا كما قال الشاعر:
إنّ سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيء ما كان يرزوها
وبشر المريسي رأس في الرأي، وقاسم التمار متقدم في أصحاب الكلام؛ واحتجاجه لبشر أعجب من لحن بشر.
ودخل شبيب بن شيبة على إسحاق بن عيسى يعزيه عن طفل أصيب به؛ فقال في بعض كلامه: أصلح الله الأمير، إنّ الطفل لا يزال محبنطيا على باب الجنة يقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي. قال إسحاق بن عيسى: سبحان الله! ماذا جئت به؟ إنما هو محبنطي؛ أما سمعت قول الراجز:
إنّي إذا أنشدت لا أحبنطي ... ولا أحب كثرة التمطّي
قال شبيب: ألي يقال مثل هذا وما بين لا بتيها أعلم مني بها! فقال له إسحاق:
وهذه أيضا، أللبصرة لابتان يالكع! فأبان بتقريعه عواره فأخجله، فسكت.
قوله: المحبنطي: الممتنع امتناع طلب لا امتناع إباء، وهو بالطاء غير معجمة، ورواه شبيب بالظاء المعجمة. وقوله «ما بين لا بتيها» خطأ؛ إذ ليس للبصرة لابتان، وإنما اللابة للمدينة والكوفة. واللابة: الحرّة، وهي الأرض ذات الحجارة السود.
نوادر الكلام
يقال ماء نقاخ، للماء العذب. وماء فرات، وهو أعذب العذب. وماء قعاع وهو شديد الملوحة. وماء حراق، وهو الذي يحرق من ملوحته. وماء شروب، وهو دون
следующие страницы →