← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وأما كسكسة بكر فقوم منهم يبدلون من الكاف سينا كما فعل التميميون في الشين. وأما طمطمانية حمير ففيها يقول عنترة: تأوى له قلص النّعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم وكان صهيب أبو يحيى ﵀ يرتضخ لكنة رومية. وقال رسول الله ﷺ : صهيب سابق الروم. وكان عبيد الله بن زياد يرتضخ لكنة فارسية من قبل زوج أمه شيرويه الأسواريّ. وكان زياد الأعجم، وهو رجل من عبد القيس، يرتضخ لكنة أعجمية، وأنشد المهلّب في مدحه إياه: فتى زاده السّلتان في الحمد رغبة ... إذا غيّر السّلتان كلّ خليل يريد: السلطان؛ وذلك أن بين التاء والطاء نسبا، لأن التاء من مخرج الطاء. وأما الغنة فتستحسن من الجارية الحديثة السن. قال ابن الرقاع في الظبية: تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها «١» وقال ابن المقفع: إذا كثر تقليب اللسان رقّت حواشيه ولانت عذبته. وقال العتّابي: إذا حبس اللسان من الاستعمال اشتدّت عليه مخارج الحروف. وقال الراجز: كأنّ فيه لغفا إذا نطق ... من طول تحبيس وهمّ وأرق باب في الإعراب واللحن أبو عبيدة قال: مر الشعبي بقوم من الموالي يتذاكرون النحو، فقال لهم: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده. قال أبو عبيدة: ليته سمع لحن صفوان وخالد بن صفوان وخاقان والفتح بن

стр. 667

خاقان والوليد بن عبد الملك. وقال عبد الملك بن مروان: اللحن في الكلام أقبح من التّفتيق في الثوب، والجدريّ في الوجه. وقيل له لقد عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين، قال: شيّبني ارتقاء المنابر وتوقّع اللحن. وقال الحجاج لابن يعمر: أتسمعني ألحن؟ قال: ألا ربما سبقك لسانك ببعضه في آن وآن. قال: فإذا كان ذلك فعرّفني. وقال المأمون لأبي علي المعروف بأبي يعلي المنقريّ: بلغني أنك أمّيّ، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن في كلامك. فقال: يا أمير المؤمنين، أمّا اللحن فربما سبقني لساني بالشيء منه، وأما الأمّية وكسر الشعر فقد كان النبي ﷺ أميا وكان لا ينشد الشعر. قال المأمون: سألتك عن ثلاث عيوب فيك فزدتني عيبا رابعا، وهو الجهل. يا جاهل، إن ذلك في النبي ﷺ فضيلة، وفيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما منع ذلك النبي ﷺ لنفي الظّنّة عنه، لا لعيب في الشعر والكتاب، وقد قال ﵎: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ «١» . وقال عبد الملك بن مروان: الإعراب جمال للوضيع، واللحن هجنة على الشريف وقال: تعلموا النحو كما تتعلمون السنن والفرائض. وقال رجل للحسن: إن لنا إماما يلحن. قال: أميطوه «٢» . وقال الشاعر: النحو يبسط من لسان الألكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن «٣»

стр. 668

فإذا طلبت من العلوم أجلّها ... فأجلّها منها مقيم الألسن وقال آخر: الشّعر صعب وطويل سلّمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلّت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه وقال رجل للحسن: يا أبو سعيد، فقال: أحسب أن الدوانيق «١» شغلتك عن أن تقول يا أبا سعيد. وكان عمر بن عبد العزيز جالسا عند الوليد بن عبد الملك، وكان الوليد لحّانا، فقال: يا غلام، ادع لي صالح. فقال الغلام: يا صالحا. قال له الوليد: انقص ألفا. فقال عمر: وأنت يا أمير المؤمنين فزد ألفا. ودخل على الوليد بن عبد الملك رجل من أشراف قريش، فقال له الوليد: من ختنك «٢» ؟ قال له: فلان اليهودي. فقال: ما تقول؟ ويحك! قال: لعلك إنما تسأل عن ختني يا أمير المؤمنين، هو فلان بن فلان. وقال عبد الملك بن مروان: أضرّ بنا في الوليد حبّنا له فلم نلزمه البادية. وقد يستثقل الإعراب في بعض المواضع كما يستخف اللحن في بعضها. وقال مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري: منطق بارع ويلحن أحيا ... نا وخير الكلام ما كان لحنا وذلك أنه من حكى نادرة مضحكة، وأراد أن يوفي حروفها حظّها من الإعراب، طمس حسنها وأخرجها عن مقدارها؛ ألا ترى أن مزّيدا المديني أكل طعاما فكظّه «٣» وقيل له: ألا تقيء؟ فقال: وما أقيء، خبز نقي ولحم طري! مرتي

стр. 669

طالق، لو وجدت هذا قيئا لأكلته. قال: وكذلك يستقبح الإعراب في غير موضعه، كما استقبح من عيسى بن عمر إذ قال وابن هبيرة يضربه بالسياط، والله إن كانت إلا أثيّابا في أسيفاط «١» قبضها عشّاروك «٢» . وحكي عن بعض المعربين للحن أنّ جارية له غنّته: إذا ما سمعت اللوم فيها رفضته ... فيدخل من أذن ويخرج من أخرى فقال لها: من أخرى يا فاعلة، أما علّمتك أنّ (من) تخفض؟ وقال رجل لشريح: ما تقول في رجل توفّي وترك أبا وأخيه؟ فقال له: أباه وأخاه. فقال: كم لأباه وأخاه؟ قال: لأبيه وأخيه. قال: أنت علّمتني، فما أصنع؟ وقال بعض الشعراء. وأدرك عليه رجل من المتفصّحين، يقال له حفص، لحنا في شعره، وكان حفص به اختلاف في عينه وتشويه في وجهه، فقال فيه. لقد كان في عينيك يا حفص شاغل ... وأنف كمثل الطّود عما تتبّع «٣» تتبّع لحنا من كلام مرقّش ... وخلقك مبنيّ من اللحن أجمع فعينك إقواء وأنفك مكفأ ... ووجهك إيطاء فما فيك مرقع «٤» باب في اللحن والتصحيف أبو حنيفة: وكان أبو حنيفة لحانا، على أنه كان في الفتيا ولطف النظر واحد زمانه.

стр. 670

وسأله رجل يوما فقال له: ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله، أتقيده به؟ قال: لا، ولو ضربه بأبا قبيس. وكان بشر المريسيّ يقول لجلسائه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها. فسمع قاسم التّمّار قوما يضحكون، فقال: هذا كما قال الشاعر: إنّ سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيء ما كان يرزوها وبشر المريسي رأس في الرأي، وقاسم التمار متقدم في أصحاب الكلام؛ واحتجاجه لبشر أعجب من لحن بشر. ودخل شبيب بن شيبة على إسحاق بن عيسى يعزيه عن طفل أصيب به؛ فقال في بعض كلامه: أصلح الله الأمير، إنّ الطفل لا يزال محبنطيا على باب الجنة يقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي. قال إسحاق بن عيسى: سبحان الله! ماذا جئت به؟ إنما هو محبنطي؛ أما سمعت قول الراجز: إنّي إذا أنشدت لا أحبنطي ... ولا أحب كثرة التمطّي قال شبيب: ألي يقال مثل هذا وما بين لا بتيها أعلم مني بها! فقال له إسحاق: وهذه أيضا، أللبصرة لابتان يالكع! فأبان بتقريعه عواره فأخجله، فسكت. قوله: المحبنطي: الممتنع امتناع طلب لا امتناع إباء، وهو بالطاء غير معجمة، ورواه شبيب بالظاء المعجمة. وقوله «ما بين لا بتيها» خطأ؛ إذ ليس للبصرة لابتان، وإنما اللابة للمدينة والكوفة. واللابة: الحرّة، وهي الأرض ذات الحجارة السود. نوادر الكلام يقال ماء نقاخ، للماء العذب. وماء فرات، وهو أعذب العذب. وماء قعاع وهو شديد الملوحة. وماء حراق، وهو الذي يحرق من ملوحته. وماء شروب، وهو دون

стр. 671

لعذب قليلا وماء مسوس، وهو دون الشروب. وماء شريب، وهو دون العذب. اجتمع المفضّل الضّبي وعبد الملك بن قريب الأصمعي، فأنشد المفضل: تصمت بالماء تولبا جذعا «١» فقال الأصمعي: تولبا جدعا. والجدع السيء الغذاء. فضجّ المفضل وأكثر. فقال له الأصمعي: لو نفخت في الشّبّور «٢» ما نفعك. تكلم بكلام النّمل وأصب. وقال مروان بن أبي حفصة في قوم من رواة الشعر لا يعلمون ما هو، على كثرة استكثارهم من روايته: زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيّدها إلّا كعلم الأباعر «٣» لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أوراح ما في الغرائر «٤» باب نوادر من النحو للخليل: قال الخليل بن أحمد: أنشدني أعرابي: وإنّ كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر قال: فجعلت أعجب من قوله «عشر أبطن» فلما رأى عجبي قال: أليس هكذا قول الآخر: وكان مجنّي دون من كنت أتّقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر «٥» وقال أبو زيد: قلت للخليل: لم قالوا في تصغير واصل: أويصل، ولم يقولوا

стр. 672

وويصل؟ قال: كرهوا أن يشبّه كلامهم بنبيح الكلاب. وقال أبو الأسود الدؤلي: من العرب من يقول: لولاي لكان كذا وكذا. وقال الشاعر: وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرماه من قنّة النّيق منهوي «١» وكذلك «لولا أنتم، ولولاكم» : ابتداء وخبره محذوف. وقال أبو زيد: وراء وقدّام لا يصرفان لأنهما مؤنثان؛ وتصغير قدّام قديدمة، وتصغير وراء وريئة؛ وقدّام خمسة أحرف، لأن الدال مشدّدة، فأسقطوا الألف لأنها زائدة، ولئلا يصغر إسم على خمسة أحرف. أبو حاتم قال: يقال أمّ بينة الأمومة، وعمّ بيّن العمومة. ويقال: مأموم، إذا شجّ أم رأسه. ورجل مموم. إذا أصابه الموم «٢» . يقول المازني: يقال في حسب الرجل أرفة «٣» ووصمة وأبنة؛ وكذلك يقال للعصا إذا كان فيها عيب. ويقال: قذيت عينه، إذا أصابها الرمد. وقد يقال في التقديم والتأخير مثل قول الشاعر. شرّ يوميها وأخزاه لها ... ركبت هند بحدج جملا «٤» يريد: ركبت هند بحدج جملا في شرّ يوميها، نصب لأنه ظرف. وقد يسمّى الشيء باسم الشيء إذا جاوره: قال الفرزدق:

стр. 673

أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع قوله: لنا قمراها، يريد الشمس والقمر. وكذلك قول الناس العمرين: أبي بكر وعمر. الرياشي: يقال: أخذ قضّتها وكعبتها، إذا أخذ عذرتها. قال أبو عبيدة: المعيون: الذي له منظر ولا مخبر. والمعين: الذي قد أصيب بالعين. والمعين: الماء الظاهر. أبو عبيدة قال: سمعت رؤبة يقول: أنا ريّق، يريد على الريق. الأصمعي قال: لقي أبو عمرو بن العلاء عيسى بن عمر؛ فقال له: كيف رحلك؟ قال: ما تزداد إلا مثالة «١» . قال: فما هذه المعيوراء التي تركض؟ يريد: ما هذه الحمير التي تركب؟ يقال: معيوراء، ومشيوخاء، ومعوّداء. قال الأصمعي: إنما يقال: اقرأ ﵇؛ وأنشد: اقرأ على عصر الشباب تحيّة ... وإذا لقيت ددا فقطني من دد «٢» وقال الفرزدق: وما شبق القيسيّ من ضعف عقله ... ولكن طفت علماء قلفة خالد «٣» أراد: على الماء، فحذف. وهذا آخر كتاب سيبويه. وقال بعض الوراقين: رأيت يا حمّاد في الصيد ... أرانبا تؤخذ بالأيدي

стр. 674

إنّ ذوي النّحو لهم أنفس ... معروفة بالمكر والكيد يضرب عبد الله زيدا وما ... يريد عبد الله من زيد وأنشد أبو زيد الأنصاري: يا قرط حيي لا أبا لكم ... يا قرط إنّي عليكم خائف حذر قلتم له اهج تميما لا أبا لكم ... في فمّ قائل هذا التّرب والحجر فإنّ بيت تميم ذو سمعت به ... بيت به رأست في عزّها مضر «ذو» هنا في مكان «الذي» لا يتغير عن حاله في جميع الإعراب؛ وهذه لغة طيء، تجعل «ذو» في مكان «الذي» . وقال الحسن بن هانيء: حبّ المدامة ذو سمعت به ... لم يبق فيّ لغيرها فضلا وبعض العرب يقول: «لا أباك» في مكان «لا أبا لك» مضافا؛ ولذلك ثبتت الألف، ولو كانت غير معربة لقلت «لا أب لك» بغير ألف. وليس في الإضافة شيء يشبه هذا، لأنه حال بين المضاف والمضاف إليه. لبعض الشعراء: وقال الشاعر: أبالموت الّذي لا بدّ أنّي ... ملاق لا أباك تخوّفيني! وقال آخر: وقد مات شمّاخ ومات مزرّد ... وأيّ كريم لا أباك مخلّد وأنشد الفراء لابن مالك العقيلي: إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلّا من وراء وراء هذا مثل قولهم: بين بين.

стр. 675

وقال محمود الوراق: مزج الصّدود وصاله ... نّ فكان أمرا بين بين وقال الفرزدق: وإذا الرّجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرّقاب نواكس الأبصار قال أبو العباس محمد بن يزيد النحوي: في هذا البيت شيء مستظرف عند أهل النحو. وذلك أنه جمع «فاعل» على «فواعل» وإذا كان هذا، لم يكن بين المذكر والمؤنث فرق؛ لأنك تقول: ضاربة وضوارب، ولا يقال في المذكر فواعل إلا في موضعين، وذلك قولهم فوارس وهوالك، ولكنه اضطر في الشعر فأخرجه عن الأصل، ولولا الضرورة ما جاز له. وقال أبو غسان رفيع بن سلمة تلميذ أبي عبيدة المعروف بدماذ، يخاطب أبا عثمان النحوي المازنيّ: تفكّرت في النّحو حتّى ملل ... ت وأتعبت نفسي له والبدن وأتعبت بكرا وأصحابه ... بطول المسائل في كلّ فن سوى أنّ بابا عليه العفا ... للفاء يا ليته لم يكن فكنت بظاهره عالما ... وكنت بباطنه ذا فطن وللواو باب إلى جنبه ... من المقت أحسنه قد لعن إذا قلت هاتوا لماذا يقا ... ل لست بآتيك أو تأتين أجيبوا: لما قيل هذا كذا ... على النّصب قالوا لإضمار أن وما إن رأيت لها موضعا ... فأعرف ما قيل إلّا بأن فقد خفت يا بكر من طول ما ... أفكر في أمر «أن» أن أجن باب في الغريب والتقعيب دخل أبو علقمة على أعين الطبيب، فقال: أصلحك الله، أكلت من لحوم هذه

стр. 676

الجوازل، فطسئت طسأة «١» ، فأصابني وجع بين الوابلة «٢» ودأية العنق «٣» ، فلم يزل ينمو ويربو حتى خالط الخلب «٤» والشراسيف «٥» ؛ فهل عندك دواء؟ قال نعم: خذ خربقا «٦» وسلفقا وشبرقا فزهزقه وزقزقه «٧» واغسله بماء ذوب واشربه. فقال له أبو علقمة: لم أفهمك. فقال: ما أفهمتك إلا كما أفهمتني!. وقال له مرة أخرى: إني أجد معمعة وقرقرة. فقال: أما المعمعة فلا أعرفها، وأما القرقرة فضراط لم ينضج. وقال أبو الأسود الدؤلي لأبي علقمة: ما حال ابنك؟ قال: أخذته الحمّى فطبخته طبخا، ورضخته رضخا «٨» ، وفتخته فتخا «٩» ، فتركته فرخا. قال: فما فعلت زوجته التي كانت تشارّه «١٠» وتهارّه «١١» وتمارّه «١٢» وتزارّه «١٣» ؟ قال: طلّقها فتزوجت بعده فحظيت وبظيت «١٤» . قال: فما بظيت؟ فقال له: حرف من الغريب لم يبلغك. فقال: يا بن أخي، كل حرف لا يعرفه عمّك فاستره كما تستر السّنور خرأها. أبو علقمة وحجام: ودعا أبو علقمة بحجام يحجمه، فقال له: أنق غسل المحاجم، واشدد قضب الملازم، وأرهف ظبات المشارط، وأسرع الوضع، وعجل النزع؛ وليكن شرطك وخزا، ومصّك نهزا، ولا تردّن آتيا، ولا تكرهن آبيا.

стр. 677

فوضع الحجّام محاجمه في جونته «١» ومضى عنه. أبو المكنون وأعرابي: وسمع أعرابي أبا المكنون النحويّ في حلقته وهو يقول في دعاء الاستسقاء: اللهم ربّنا وإلهنا ومولانا، فصلّ على محمد نبينا، اللهم ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به كإحاطة القلائد بأعناق الولائد، ثم أرسخه على هامته كرسوخ السّجّيل «٢» على أصحاب الفيل؛ اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريثا مريعا مجلجلا مسحنفرا «٣» هزجا، سحاّ «٤» سفوحا، طبقا غدقا مثعنجرا «٥» نافعا لعامّتنا وغير ضار لخاصتنا. فقال الأعرابي: يا خليفة نوح، هذا الطوفان وربّ الكعبة، دعني حتى آوي إلى جبل يعصمني من الماء. وسمعه مرة أخرى يقول في يوم برد: إن هذا يوم بلّة عصبصب «٦» ، بارد هلّوف «٧» . فارتعد الأعرابي وقال: والله هذا مما يزيدني بردا. وخطب أبو بكر المنكور فأغرب في خطبته وتقعّر في كلامه؛ وعند أصل المنبر رجل من أهل الكوفة يقال له حنش؛ فقال لرجل إلى جنبه: إني لأبغض الخطيب يكون فصيحا بليغا متقعّرا. وسمعه أبو بكر المنكور الخطيب. فقال له: ما أحوجك يا حنش إلى مدحرج مفتول لين الجلاد لدن المهزّة عظيم الثمرة «٨» ، تؤخذ به من مغرز العنق إلى عجب الذنب «٩» ، فتعلى فتكثر له رقصاتك من غير جذل.

стр. 678

وقال حبيب الطائي: فما لك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب أما لو أنّ جهلك عاد علما ... إذا لرسخت في علم الغيوب ومن قولنا نمدح رجلا باستسهال اللفظ وحسن الكلام: قول كأنّ فريده ... سحر على ذهن اللّبيب لا يشمئزّ على اللّسان ... ولا يشذ عن القلوب لم يغل في شنع اللّغا ... ت ولا توحّش بالغريب سيف تقلّد مثله ... عطف القضيب على القضيب هذا تجذّ به الرّقا ... ب وذا تجذّ به الخطوب «١» باب في تكليف الرجل ما ليس من طبعه قالوا ليس الفقه بالتفقّه؛ ولا الفصاحة بالتفصّح؛ لأنه لا يزيد متزيّد في كلامه إلا لنقص يجده في نفسه، ومما اتفقت عليه العرب والعجم قولهم: الطبع أملك. وقال حفص بن النّعمان: المرء يصنع نفسه، فمتى ما تبله «٢» ينزع إلى العرق. وقال العرجيّ: يا أيّها المتحلّي غير شيمته ... ومن شمائله التّبديل والملق «٣» ارجع إلى خلقك المعروف ديدنه ... إنّ التخلّق يأتي دونه الخلق وقال آخر: ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النّفس خيمها «٤» وقال آخر: كل امريء راجع يوما لشيمته ... وإن تخلّق أخلاقا إلى حين

стр. 679

وقال الخريمي: يلام أبو الفضل في جوده ... وهل يملك البحر ألّا يفيضا وقال آخر: ولائمة لامتك يا فيض في النّدى ... فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر وقال حبيب: تعوّد بسط الكفّ حتى لو أنّه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله وقال آخر: وقفّع أطرافهم قبضها ... فإن طلبوا بسطها تنكسر «١» وقالوا: إن ملكا من ملوك فارس كان له وزير حازم مجرّب، فكان يصدر عن رأيه ويتعرّف اليمن في مشورته، ثم إنه هلك ذلك الملك وقام بعده ولد له، معجب بنفسه مستبد برأيه فلم ينزل ذلك الوزير منزلته ولا اهتبل «٢» رأيه ومشورته؛ فقيل له: إن أباك كان لا يقطع أمرا دونه. فقال: كان يغلط فيه، وسأمتحنه بنفسي. فأرسل إليه فقال له: أيّهما أغلب على الرجل: الأدب أو الطبيعة؟ فقال له الوزير: الطبيعة أغلب، لأنها أصل والأدب فرع، وكلّ فرع يرجع إلى أصله. فدعا الملك بسفرته، فلما وضعت أقبلت سنانير بأيديها الشمع فوقفت حول السفرة، فقال للوزير: اعتبر خطأك وضعف مذهبك؛ متى كان أبو هذه السنانير شمّاعا؟ فسكت عنه الوزير وقال: أمهلني في الجواب إلى الليلة المقبلة. فقال: ذلك لك. فخرج الوزير فدعا بغلام له، فقال: التمس لي فأرا واربطه في خيط وجئني به. فأتاه به الغلام، فعقده في سبنيّة «٣» وطرحه في كمّه، ثم راح من الغد إلى الملك، فلما حضرت سفرته أقبلت السنانير بالشمع حتى حفّت بها، فحل الوزير الفأر من سبنيّته ثم ألقاه إليها؛

стр. 680

فاستبقت السنانير إليه ورمت بالشمع، حتى كاد البيت يضطرم عليهم نارا فقال الوزير: كيف رأيت غلبة الطبع على الأدب ورجوع الفرع إلى أصله؟ قال: صدقت، ورجع إلى ما كان أبوه عليه معه. فإنما مدار كل شيء على طبعه، والتكلف مذموم من كل وجه. قال الله لنبيه ﷺ : قل يا محمد: «وما أنا من المتكلفين» . وقالوا: من تطبّع بغير طبعه نزعته العادة حتى تردّه إلى طبعه، كما أن الماء إذا أسخنته وتركته ساعة عاد إلى طبعه من البرودة، والشجرة المرة لو طلبتها بالعسل لا تثمر إلا مرا. باب في ترك المشاراة والمماراة «١» دخل السائب بن صيفي على النبي ﷺ ، فقال: أتعرفني يا رسول الله؟ قال: وكيف لا أعرف شريكي في الجاهلية الذي كان لا يشاري ولا يماري؟ وقال ابن المقفع: المشاراة والمماراة يفسدان الصداقة القديمة ويحلان العقدة الوثيقة؛ وأيسر ما فيهما أنهما ذريعة إلى المنافسة والمغالبة. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لا تمار أخاك، فإما أن تغضبه وإما أن تكذبه. وقال الشاعر: فإياك إياك المراء فإنه ... إلى السّبّ دّهاء وللصرم جالب «٢» وقال عبد الله بن عباس: لا تمار فقيها ولا سفيها، فإنّ الفقيه يغلبك والسفيه يؤذيك. وقال النبي ﷺ : «سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر» .

стр. 681

باب في سوء الأدب دخل عروة بن مسعود الثّقفي على النبي ﷺ : فجعل يحدّثه ويشير بيده إليه حتى تمس لحيته، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ بيده السيف، فقال له: اقبض يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل أن لا ترجع إليك! فقبض يده عروة. وعروة هذا عظيم القريتين الذي قالت فيه قريش: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «١» ويقال: إنه الوليد بن المغيرة المخزومي. النبي ﷺ ووفد تميم: ولما قدم وفد تميم على النبي ﷺ ناداه رجل منهم من وراء الجدار: يا محمد، اخرج إلينا. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ «٢» وفي قراءة ابن مسعود: (بنو تميم أكثرهم لا يعقلون) وأنزل الله في ذلك: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً «٣» . أبو بكر وبائع ثوب: ونظر أبو بكر الصديق ﵁ إلى رجل يبيع ثوبا، فقال له: أتبيع الثوب؟ قال: لا عافاك الله! قال. لقد علمتم لو تتعلمون: قل: لا، وعافاك الله. وخطب الحسن في دم، فأجابه صاحب الدم فقال: قد وضعت ذلك الدم لله ولوجوهكم. قال له الحسن: ألا قلت: قد وضعت ذلك الدم لله خالصا؟ وذكر أعرابي رجلا بسوء الأدب فقال: إن حدثته سابقك إلى ذلك الحديث وإن تركته أخذ في التّرّهات «٤» .

стр. 682

ودخل بعض الرواة على المهدي، فقال له: أنشدني قول زهير: لمن الديار بقنّة الحجر فأنشدها حتى أتى على آخرها. فقال له المهدي: ذهب والله من كان يقول هذا. فقال له: كما ذهب والله من كان يقال فيه، فاستجهله واستحمقه. المأمون وقطرب: ولما رفع قطرب النحويّ كتابه في القرآن إلى المأمون، أمر له بجائزة وأذن له، فلما دخل عليه قال: قد كانت عدة أمير المؤمنين أرفع من جائزته، فغضب المأمون وهمّ به، فقال له سهل بن هارون: يا أمير المؤمنين، إنه لم يقل بذات نفسه، وإنما غلب عليه الحصر «١» : ألا تراه كيف يرشح جبينه ويكسر أصابعه! فسكن غضب المأمون واستجهله واستحمقه. وكان الحسن اللؤلؤي ليلة عند المأمون بالرّقّة وهو يسامره، إذ نعس المأمون والحسن يحدّثه، فقال له: نعست يا أمير المؤمنين فانتبه! فقال: سوقي وربّ الكعبة! يا غلام، خذ بيده. ودخل أبو النجم على هشام بن عبد الملك بأرجوزته التي أوّلها: الحمد لله الوهوب المجزل وهي من أجود شعره! فلما أتى على قوله: والشمس في الجوّ كعين الأحول غضب هشام، وكان أحول، فأمر بصفع قفاه وإخراجه. ودخل كثيّر عزّة على يزيد بن عبد الملك، فبينا هو يحدّثه إذ قال: يا أمير المؤمنين، ما معنى قول الشمّاخ:

стр. 683

إذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازيء بالرّمل عين «١» فقال يزيد: وماذا على أمير المؤمنين ألّا يعرف ما قال هذا الأعرابي الجلف مثلك؟ واستحمقه وأمر بإخراجه. ودخل كثير عزة على عبد العزيز بن مروان فأنشده مدحته التي يقول فيها: وأنت فلا تفقد ولا زال منكم ... إمام يحيّا في حجاب مسدّن «٢» أشمّ من الغادين في كلّ حلّة ... يميسون في صبغ من العصب متقن لهم أزر حمر الحواشي يطونها ... بأقدامهم في الحضرميّ الملسّن «٣» فاستحسنها وقال له: سل حاجتك! فقال: توليني مكان ابن رمّانة كاتبك. فقال له: ويلك! ذا كاتب وأنت شاعر! فكيف تقوم مقامه وتسدّ مسدّه؟ فلما خرج من عنده ندم وقال: عجبت لأخذي خطّة العجز بعدما ... تبيّن من عبد العزيز قبولها لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذا لا أقولها [فهل أنت إن راجعتك القول مرّة ... بأحسن منها عائد فمنيلها؟] ووقف الأحنف بن قيس ومحمد بن الأشعث بباب معاوية، فأذن للأحنف ثم لمحمد ابن الأشعث، فأسرع محمد في مشيته حتى دخل قبل الأحنف، فلما رآه معاوية قال له: والله إني ما أذنت له قبلك وأنا أريد أن تدخل قبله، وإنّا كما نلي أموركم كذلك نلي أدبكم، ولا تزيّد متزيّد في أمره إلا لنقص يجده في نفسه.

стр. 684

وقال عبد الملك بن مروان: ثلاثة لا ينبغي للعاقل أن يستخفّ بهم: العلماء، والسلطان، والإخوان؛ فمن استخف بالعلماء أفسد دينه، ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه، ومن استخف بالإخوان أفسد مروءته. بين عمر بن عبد العزيز وأبي الزناد كاتبه: وقال أبو الزناد: كنت كاتبا لعمر بن عبد العزيز، فكان يكتب إلى عبد الحميد عامله على المدينة في المظالم، فيراجعه فيها؛ فكتب إليه: إنه يخيل إليّ أني لو كتبت إليك أن تعطي رجلا شاة، لكتبت إليّ: أضأنا أم معزا؟ ولو كتبت إليك بأحدهما لكتبت إليّ: أذكرا أم أنثى؟ ولو كتبت إليك بأحدهما لكتبت: أصغيرا أم كبيرا؟ فإذا كتبت إليك في مظلمة فلا تراجعني فيها. أبو جعفر وابن قتيبة: وكتب أبو جعفر إلى سالم بن قتيبة، يأمره بهدم دور من خرج مع إبراهيم بن عبد الله وعقر نخلهم. فكتب إليه: بأي نبدأ، بالدّور أو بالنخل؟ فكتب إليه أبو جعفر: إني لو أمرتك بإفساد تمرهم، لكتبت [إليّ] : بأي ذلك نبدأ، بالصّيحانيّ أم بالبرنيّ. وعزله وولى محمد بن سليمان. ولمحمود الورّاق: كم قد رأيت مساءة ... من حيث تطمع أو تسرّا ولربما طلب الفتى ... لأخيه منفعة فضرّا ودخل عدي بن أرطاة على شريح القاضي: فقال له: أين أنت أصلحك الله؟ قال: بينك وبين الحائط، قال: اسمع مني، قال: قل نسمع، قال: إني رجل من أهل الشام، قال: مكان سحيق، قال: وتزوّجت عندكم، قال: بالرفاه والبنين، قال: وولد لي غلام، قال: ليهنك الفارس، قال: وأردت أن أرحلها، قال: الرجل أحق بأهله، قال: وشرطت لها دارها، قال الشرط أملك، قال: فاحكم الآن بيننا، قال: قد

стр. 685

فعلت، قال: فعلى من حكمت؟ قال: علي ابن أمك، قال: بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالتك. أراد شريح إقراره على نفسه بالشرط؛ فكان شريح صاحب تعريض عويص. ودخل شريك بن عبد الله على اسماعيل وهو يتبخر بعود؛ فقال للخادم: جئنا بعود لأبي عبد الله. فجاء ببربط «١» ، فقال اسماعيل: اكسره. وقال لشريك: أخذوا البارحة في الحرس رجلا ومعه هذا البربط. وقال بعض الشعراء في عيّ الخادم: ومتى أدعها بكأس من الما ... ء بصحفة وزبيب وقال حبيب في بني تغلب من أهل الجزيرة يصفهم بالجفاء وقلّة الأدب مع كرم النفوس: لا رقّة الحضر الّلطيف غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب فإذا كشفتهم وجدت لديهم ... كرم النّفوس وقلّة الآداب وكان فتى يجالس الشعبي، وكان كثير الصمت، فالتفت إلى الشعبي، فقال له: إني لأجد في قفاي حكّة، أفتأمرني بالحجامة؟ فقال الشعبي: الحمد لله الذي حوّلنا من الفقه إلى الحجامة. قال: وأتى أحمد بن الخصيب بعض المتظلمين يوما، فأخرج رجله من الركاب فركله بها. فقال فيه الشاعر: قل للخليفة: يا بن عم محمد ... اشكل وزيرك إنّه ركّال «٢» وبعث رجل من التجار وكيلا له إلى رجل من الأشراف يقتضيه مالا عليه، فرجع إليه مضروبا؛ فقال له: ويلك! مالك؟ قال: سبّك، فسببته، فضربني- قال: وما قال لك؟ قال: قال أدخل أير الحمار في حر امّ من أرسلك! قال: دعني من

стр. 686

افترائه عليّ وسبه لي، وأخبرني كيف جعلت أنت لأير الحمار من الحرمة ما لم تجعله لحر أمّ من أرسلك؟ هلا قلت: أير الحمار في هن أمّ من أرسلك. باب في تحنك الفتى قيل لعمر بن الخطاب: إن فلانا لا يعرف الشرّ. قال: ذلك أحرى أن يقع فيه. وقال سفيان الثوري: من لم يحسن أن يتغنّى لم يحسن أن يتقرّا. وقال عمرو بن العاص: ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعرف خير الشّرّين. ومثل ذلك قول الشاعر: رضيت ببعض الذّلّ خوف جميعه ... كذلك بعض الشرّ أهون من بعض وسئل المغيرة بن شعبة عن عمر بن الخطاب، قال: كان والله له فضل يمنعه من أن يخدع، وعقل يمنعه من أن ينخدع. وقال إياس: لست بخب «١» لا يخدعني. وتجادل ابن سيرين والحسن، وكان الحسن يرى كلّ مسلم جائز الشهادة حتى يظهر عليه سقطة أو يجرّحه المشهود عليه، وكان إياس لا يرى ذلك؛ فأقبل رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد! إنّ إياسا ردّ شهادتي. فقام معه الحسن إليه فقال: يا أبا واثلة، لم رددت شهادة هذا المسلم، وقد قال رسول الله ﷺ : من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا. فقال له إياس: يا أبا سعيد يقول الله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ «٢» وهذا ما لا نرضاه. عامر بن عبد الله وسرقة عطائه: وكان عامر بن عبد الله بن الزبير في غاية الفضل والدين، وكان لا يعرف الشر، فبينا هو جالس في المسجد إذ أتي بعطائه، فقام إلى منزله فنسيه، فلما صار إلى بيته ذكره، فقال لخادمه: اذهب إلى المسجد فأتني بعطائي. فقال له: وأين نجده؟ قال: سبحان الله! أو بقي أحد يأخذ ما ليس له.

стр. 687

وقال أبو أيوب: من أصحابي من أرتجى بركة دعائه ولا أقبل شهادته. وذكرت فاطمة بنت الحسين ﵉ عند عمر بن عبد العزيز، وكان لها معظما، فقيل: إنها لا تعرف الشر. فقال عمر: عدم معرفتها بالشر جنّبها الشر. وكانوا يستحسنون الحنكة للفتى والصّبوة «١» للحديث، ويكرهون الشيب قبل أوانه، ويشبّهون ذلك بيبوس الثمرة قبل نضجها، وإنّ ذلك لا يكون إلا من ضرر فيها. فأنفع الإخوان مجلسا، وأكرمهم عشرة، وأشدهم حذقا، وأنبههم نفسا، من لم يكن بالشاطر المتفتّك، ولا الزاهد المتنسّك، ولا الماجن المتطرّف، ولا العابد المتقشّف. ولكن كما قال الشاعر: يا هند هل لك في شيخ فتى أبدا ... وقد يكون شباب غير فتيان وقال آخر: وفتى وهو قد أناف على الخم ... سين يلقاك في ثياب غلام وقال آخر: فللنسك منّي جانب لا أضيعه ... وللهو منّي والبطالة جانب وقال حبيب: كهل الأناة فتى الشّذاة إذا غدا ... للرّوع كان القشعم الغطريفا «٢» ومن قولنا في هذا المعنى: إذا جالس الفتيان ألفيته فتى ... وجالس كهل الناس ألفيته كهلا ونظيره قول ابن حطّان: يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدّيّا فعدنان

стр. 688

وقول عمران بن حطان هذا يحتمل غير هذا المعنى، إلا أن هذا أقرب إليه وأشبه به، لأنه أراد أنه مع اليماني يماني، ومع العدناني عدناني، فيحتمل أن ذلك لخوف منه أو مساعدة؛ وكل ذلك داخل في باب الحنكة والحذق والتجربة. وقالوا: اصحب البرّ لتتأسّى به، والفاجر لتتحنّك به. وقالوا: من لم يصحب البرّ والفاجر ولم يؤدبه الرخاء والشدة، ولم يخرج من الظل إلى الشمس مرة، فلا ترجه. ومن هذا قولهم: حلب فلان الدهر أشطره، وشرب أفاويقه. إذا فهم خيره وشرّه، فإذا نزل به الغنى عرفه ولم يبطره، وإذا نزل به البلاء صبر له ولم ينكره. وقال هدبة العذريّ: ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلب ولا أتمنى الشرّ والشرّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشرّ أركب وقال عبد العزيز بن زرارة في هذا المعنى: قد عشت في الدهر أطوارا على طرق ... شتّى فصادفت منه اللين والفظعا كلّا عرفت فلا النّعماء تبطرني ... ولا تخشّعت من لأوائه جزعا «١» لا يملأ الأمر صدري قبل وقعته ... ولا أضيق به ذرعا إذا وقعا وقال آخر: فإن تهدموا بالغدر داري فإنّها ... تراث كريم لا يخاف العواقبا إذا همّ ألقي بين عينيه عزمه ... وأضرب عن ذكر العواقب جانبا ولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلّا قائم السيف صاحبا «٢» سأغسل عنّي العار بالسيف جالبا ... عليّ قضاء الله ما كان جالبا وسئلت هند عن معاوية، فقالت: والله لو جمعت قريش من أقطارها ثم رمي به

стр. 689

في وسطها لخرج من أيّ أعراضها شاء. وهذا نظير قول الشاعر: برئت إلى الرحمن من كلّ صاحب ... أصاحبه إلّا عراك بن نائل وعلمي به بين السّماطين أنّه ... سينجو بحّق أو سينجو بباطل وقال آخر: لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنّني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج وما كنت أرضى الجهل خدنا وصاحبا ... ولكنّني أرضى به حين أحرج فإن قال قوم إنّ فيه سماجة ... فقد صدقوا، والذّلّ بالحرّ أسمج ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج فمن شاء تقويمي فإني مقوّم ... ومن شاء تعويجي فإني معوّج «١» وقال معاوية بن سفيان بن عوف الغامدي: هذا الذي لا يكفكف من عجلة، ولا يدفع في ظهره من بطء، ولا يضرب على الأمور ضرب الجمل الثّفال «٢» . وقال الحسن بن هانيء: من للجذاع إذا الميدان ما طلها ... بشأو مطّلع الغايات قد قرحا «٣» من لا يفصفص منه البؤس أنمله ... ولا يصعّد أطراف الرّبى فرحا وقال جرير: وابن الّلبون إذا مالزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس «٤»

стр. 690

باب في الرجل النفاع الضرار يقال: إنه لخرّاج ولّاج، وأنه لحوّل قلّب؛ وإذا كان متصرفا في أموره نفاعا لأوليائه، ضرّارا لأعدائه. وإذا كان على غير ذلك قيل: ما يحلى ولا يمرّ ولا يعدّ في العير ولا في النّفير، وما فيه خير يرجى ولا شرّ يتّقى. وقال بعضهم: لا يرضى العاقل أن يكون إلا إماما في الخير أو الشر. وقال الشاعر: إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما ... يرجّى الفتي كيما يضرّ وينفعا وقال حبيب: ولم أر نفعا عند من ليس ضائرا ... ولم أر ضرّا عند من ليس ينفع وسمع أعرابي رجلا يقول: ما أتى فلان بيوم خير قط. فقال: إن لا يكن أتى بيوم خير فقد أتى بيوم شر. وقال الشاعر: وما فعلت بنو ذبيان خيرا ... ولا فعلت بنو ذبيان شرّا وقال آخر: قبح الإله عداوة لا تتّقى ... وقرابة يدلى بها لا تنفع وفخر رجل فقال: أبي الذي قتل الملوك وغصب المنابر، وفعل وفعل! فقال له رجل: لكنه أسر وقتل وصلب. فقال دعني من أسره وقتله وصلبه؛ أبوك [هل] حدّث نفسه بشيء من هذا قط. وقال رجل «١» يذم قومه، وأغارت بنو شيبان على إبله فاستنجدهم فلم ينجدوه، وكان فيهم ضعف، فقال فيهم:

стр. 691

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا «١» لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النّائبات على ما قال برهانا قوم إذا الشّرّ أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا «٢» لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشّرّ في شيء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا كأن ربّك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا فليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا ولم يرد بهذا أنه وصفهم بالحلم ولا بالخشية لله؛ وإنما أراد به الذلّ والعجز؛ كما قال النجاشي في رهط تميم بن مقبل: قبيلته لا يخفرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبّة خردل ولا يردون الماء إلا عشيّة ... إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل «٣» وكل من نفع في شيء فقد ضرّ في شيء. وكذلك قول أشجع بن عمرو: يصاد أعناقا بمنصله ... ويفكّ أعناقا من الرقّ «٤» وقال الحسن بن هانيء: يرجو ويخشى حالتيك الورى ... كأنّك الجنّة والنّار ومن قولنا في هذا المعنى: من يرتجى غيرك أو يتّقى ... وفي يديك الجود والباس

стр. 692

ما عشت عاش الناس في نعمة ... وإن تمت مات بك الناس وقال آخر: وليس فتى الفتيان من راح واغتدى ... لشرب صبوح أو لشرب غبوق «١» ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى ... لضرّ عدوّ أو لنفع صديق باب في طلب الرغائب واحتمال المغارم في كتاب للهند: من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب، ومن ترك الأمر الذي لعله أن ينال منه حاجته، مخافة ما لعله يوقّاه، فليس ببالغ جسيما؛ وإن الرجل ذا المروءة ليكون خامل الذّكر خافض المنزلة، فتأبى مروءته إلا أن يستعلي ويرتفع كالشّعلة من النار التي يصونها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعا، وذو الفضل لا يخفى فضله وإن أخفاه، كالمسك الذي يختم عليه ثم لا يمنع ذلك ريحه من التّذكّي والظهور. ومن قولنا في هذا المعنى: ختمت فارة مسك ... فأبت إلّا التذكي «٢» ليس يخفى فضل ذي الفض ... ل بزور أو بإفك والذي برّز في الفض ... ل غنيّ عن مزكي ربما غمّ هلال ال ... فطر في ليلة شكّ ثم جلّى وجهه النّو ... ر فجلّى كلّ حلك «٣» إنّ ظهر اليمّ لا تر ... كبه من غير فلك ونظام الدرّ لا تع ... قده من غير سلك ليس يصفو الذهب الا ب ... ريز إلّا بعد سبك

стр. 693

هذه جملة أمثا ... ل فمن شاء فيحكي أبطلت كلّ يم ... انيّ وشاميّ ومكّي ليس ذا من صوغ عي ... نيّ ولا من نسج عكي وقالوا لا ينبغي للعاقل أن يكون إلا في إحدى منزلتين: إما في الغاية من طلب الدنيا، وإما في الغاية من تركها. ولا ينبغي له أن يرى إلا في مكانين: إما مع الملوك مكرما، وإما مع العبّاد متبتّلا «١» . ولا يعدّ الغرم غرما إذا ما ساق غنما، ولا الغنم غنما إذا ما ساق غرما. معاوية وعسكر علي يوم صفين: ونظر معاوية إلى عسكر عليّ ﵁ يوم صفين، فقال: من طلب عظيما خاطر بعظيمته. وأشار إلى رأسه. وقال حبيب الطائي: أعاذلتي ما أخشن الليل مركبا ... وأخشن منه في الملمات راكبه ذريني وأهوال الزمان أقاسها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه وقال كعب بن زهير: وليس لمن لم يركب الهول بغية ... وليس لرحل حطّه الله حامل إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل وقال الشمّاخ: فتى ليس بالرّاضي بأدنى معيشة ... ولا في بيوت الحيّ بالمتولّج فتى يملأ الشّيزى ويروي سنانه ... ويضرب في رأس الكميّ المدّحج «٢»

стр. 694

وقال امرؤ القيس: فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي» وقال آخر: لولا شماتة أعداء ذوي حسد ... أو أن أنال بنفعي من يرجّيني لما خطبت من الدنيا مطالبها ... ولا بذلت لها عرضي ولا ديني لكن منافسة الأعداء تحملني ... على أمور أراها سوف ترديني «٢» وكيف لا كيف أن أرضى بمنزلة ... لا دين عندي ولا دنيا تواتيني وقال الحطيئة في هجائه الزّبرقان بن بدر: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فاستعدى عليه عمر بن الخطاب وأسمعه الشعر، فقال: ما أرى بما قال بأسا. قال: والله يا أمير المؤمنين ما هجيت ببيت قطّ أشدّ منه. فأرسل إلى حسان فسأله: هل هجاه؟ فقال: ما هجاه، ولكنه سلح عليه. لشاعر محدث: وقد أخذ هذا المعنى من الحطيئة بعض المحدثين. فقال: إني وجدت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خزّ الثياب وتشبعوا فإذا تذوكرت المكارم مرّة ... في مجلس أنتم به فتقنّعوا وقالوا: من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب، ومن طلب العظائم خاطر بعظيمته. وقال يزيد بن عبد الملك، لما أتي برأس يزيد بن المهلب، فنال منه بعض جلسائه، فقال: إن يزيد ركب عظيما، وطلب جسيما، ومات كريما.

стр. 695

لبعض الشعراء: وقال بعض الشعراء: لا تقنعنّ ومطلب لك ممكن ... فإذا تضايقت المطالب فاقنع ومما جبل عليه الحرّ الكريم ألّا يقنع من شرف الدنيا والآخرة بشيء مما انبسط له، أملا فيما هو أسنى منه درجة وأرفع منزلة؛ ولذلك قال عمر بن عبد العزيز لدكين الراجز: إنّ لي نفسا توّاقة؛ فإذا بلغك أني صرت إلى أشرف من منزلتي هذه؛ فبعين ما أرينّك. قال له ذلك وهو عامل المدينة لسليمان بن عبد الملك. فلما صارت إليه الخلافة قدم عليه دكين. فقال له: أنا كما أعلمتك أنّ لي نفسا توّاقة؛ وأنّ نفسي تاقت إلى أشرف منازل الدنيا فلما بلغتها وجدتها تتوق إلى أشرف منازل الآخرة. ومن الشاهد لهذا المعنى، أنّ موسى صلوات الله عليه لما كلمه الله تكليما، سأله النظر إليه. إذ كان ذلك لو وصل إليه أشرف من المنزلة التي نالها، فانبسط أمله إلى ما لا سبيل إليه. ليستدل بذلك أنّ الحرّ الكريم لا يقنع بمنزلة إذا رأى ما هو أشرف منها. ومن قولنا في هذا المعنى: والحرّ لا يكتفي من نيل مكرمة ... حتى يروم التي من دونها العطب «١» يسعى به أمل من دونه أجل ... إن كفّه رهب يستدعه رغب لذاك ما سال موسى ربّه أرني ... أنظر إليك وفي تسآله عجب يبغي التزيّد فيما نال من كرم ... وهو النجيّ لديه الوحي والكتب وقال تأبّط شرّا في ابن عم له يصفه بركوب الأهوال وبذل الأموال: وإني لمهد من ثنائي فقاصد ... به لابن عمّ الصّدق شمس بن مالك أهزّ به في ندوة الحيّ عطفه ... كما هزّ عطفي بالهجان الأوارك «٢»

стр. 696

قليل التشكّي للمهمّ يصيبه ... كثير النّوى شتّى الهوى والمسالك يظل بموماة ويمسى بغيرها ... وحيدا ويعروري ظهور المهالك «١» ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شدّه المتدارك «٢» إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كاليء من قلب شيحان فاتك «٣» ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من جفن أخلق بانك «٤» إذا هزّه في عظم قرن تهلّلت ... نواجذ أفواه المنايا الضّواحك وقال غيره من الشعراء [بل هي له أيضا] : إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّه ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا ... به الأمر إلا وهو للقصد مبصر فذاك قريع الدهر ما عاش حوّل ... إذا سدّ منه منخر جاش منخر «٥» باب الحركة والسكون قال وهب بن منبه: مكتوب في التوراة: ابن آدم؛ خلقت من الحركة للحركة، فتحرّك وأنا معك. وفي بعض الكتب: ابن آدم؛ امدد يدك إلى باب من العمل أفتح لك بابا من الرزق. وشاور عتبة بن ربيعة أخاه شيبة بن ربيعة في النّجعة «٦» ؛ وقال: إني قد أجدبت، ومن أجدب انتجع. فذهبت مثلا. قال له شيبة: ليس من العز أن تتعرض للذل

стр. 697

فذهبت مثلا. فقال عتبة: لن يفرس الليث الطّلا «١» وهو رابض. فذهبت مثلا. أخذه حبيب فقال: أراد بأن يحوي الغنى وهو وادع ... ولن يفرس الليث الطّلا وهو رابض وقيل لأعشى بكر: إلى كم هذه النّجعة والاغتراب؟ أما ترضى بالخفض والدعة؟ فقال: لو دامت الشمس عليكم لمللتموها: أخذه حبيب فقال: وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد فإنّي رأيت الشّمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد «٢» قال أبو سعيد أحمد بن عبد الله المكيّ: سمعت الشافعي يقول: قلت بيتين من الشعر. وأنشدنا: إني أرى نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها خوض المهامه والقفر فو الله ما أدري إلى الخفض والغنى ... أقاد إليها أم أقاد إلى قبري «٣» فدخل مصر فمات. وقال موسى بن عمران ﵇: لا تذموا السفر، فإني أدركت فيه ما لم يدركه أحد. يريد أن الله كلّمه فيه تكليما. وقال المأمون: لا شيء ألذّ من سفر في كفاية، لأنك في كل يوم تحلّ محلة لم تحلها، وتعاشر قوما لم تعاشرهم. وقال الشاعر: لا يمنعنّك خفض العيش في دعة ... من أن تبدّل أوطانا بأوطان تلقى بكلّ بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وإخوانا بإخوان

стр. 698

مع أن المقام بالمقام الواحد يورث الملالة. وقال النبي ﷺ «زر غبّا» تزدد حبّا «١» . وقالت الحكماء: لا تنال الراحة إلا بالتّعب، ولا تدرك الدّعة إلا بالنّصب. وقال حبيب: بصرت بالرّاحة العظمى فلم ترها ... تنال إلّا على جسر من التّعب وقال أيضا: على أنّني لم أحو وفرا مجمّعا ... ففزت به إلا بشمل مبدّد ولم تعطني الأيام نوما مسكّنا ... ألذّ به إلا بنوم مشرّد وقال أيضا: وركب كأطراف الأسنّة عرّسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه «٢» لأمر عليهم أن تتمّ صدوره ... وليس عليهم أن تتمّ عواقبه وبعد فهل يجوز في وهم أو يتمثل في عقل أو يصحّ في قياس، أن يحصد زرع بغير بذر، أو تجنى ثمرة بغير غرس، أو يوري زند بغير قدح، أو يثمر مال بغير طلب؟. ولهذا قال الخليل بن أحمد: لا تصل إلى ما تحتاج إليه إلا بالوقوف على ما لا تحتاج إليه، فقال له أبو شمر المتكلّم: فقد احتجت إذا إلى ما لا تحتاج إليه، إذ كنت لا تصل إلى ما تحتاج إليه إلا به. قال الخليل: ويحك! وهل يقطع السيف الحسام إلا بالضرب، أو يجري الجواد إلا بالرّكض، أو هل تنال نهاية إلا بالسعي إليها والإيضاع نحوها. وقد يكون الإكداء «٣» مع الكد، والخيبة مع الهيبة.

стр. 699

وقال الشاعر: وما زلت أقطع عرض البلاد ... من المشرقين إلى المغربين وأدّرع الخوف تحت الرّجاء ... وأستصحب الجدي والفرقدين «١» وأطوي وأنشر ثوب الهموم ... إلى أن رجعت بخفيّ حنين «٢» إلى أن أكون على حالة ... مقلا من المال صفر اليدين فقير الصّديق غنيّ العدو ... قليل الجداء عن الوالدين ومثل هذا قليل في كثير، وإنما يحكم بالأعم والأغلب، والنّجع مع الطلب والحرمان للعجز أصحب. لحبيب: وقد شرح حبيب هذا المعنى فقال: همّ الفتى في الأرض أغصان الغنى ... غرست وليست كلّ حين تورق للحمدوني: وقال إسماعيل بن إبراهيم الحمدوني في المطالب: لك ألحاظ مراض ودلّ ... غير أنّ الطّرف عنها أكلّ «٣» وأرى خدّيك وردا نضيرا ... قد جاءه من دمع عينّي طلّ عذبة الألفاظ لو لم يشنها ... كرّ تفنيد بسمعي يضل «٤» إنّ عزّى التي أنفت بي ... عن سواها كثرها لي قلّ ظلت في أفياء ظلك حتى ... ظلّ فوقي للمتالف ظلّ «٥»

стр. 700

إن أولى منك بي لمرام ... لا يجلّ الهول حيث يحلّ ما مقامي وحسامي قاطع ... وسناني صارم ما يفلّ وسناني مثل روضة حزن ... أضحكتها ديمة تستهلّ ودليلي بين فكّيّ يعلو ... كلّ صعب ريّض فيذلّ «١» ثملا من خمرة العجز أسقى ... نهلا من بعده لي علّ «٢» إن يكن قربك عندي جليلا ... فأقلّ الحزم منه أجلّ أقعيدا للقعيدة إلفا ... كلّ إلف بي لعدمي مخلّ ويك ليس اللّيث للّيث يضحي ... مخرجا من غيله وهو كلّ «٣» فاتركي عتبا ولوما ودعي ... وعلى الإقتار عينك سجل هو سيف غمده بردتاه ... ينتضيه الحزم حين يسلّ لا يشكّ السّمع حين يراه ... أنّه بالبيد سمع أزلّ «٤» بين ثوبيه أخو عزمات ... يتّقيها الحادث المصمئلّ «٥» ليس تنبو بي رجال وبيد ... إنّ لبابي منزل ومحل فأقلي بعض عذل مقل ... لا يرى صرف الزمان يقلّ إنّ وخد العيش إثمار رزق ... يجتنيها المسهب المشمعلّ «٦» لا تفليّ حدّ عزمي بلوم ... إنّني للعزم والدر خلّ فالفتى من ليس يرعى حماه ... طمعا يوما له مستزلّ من إذا خطب أظلّ عليه ... فله صبر عليه مظلّ

стр. 701

يصحب الليل الوليد إلى أن ... يهرم الليل وما إن يملّ ويرى السير قد يلجلج منه ... مضغة لكنّها لا تصلّ «١» شمّرت أثوابه تحت ليل ... ثوبه ضاف عليه رفلّ «٢» سأضيع النّوم كيما تريني ... ومضيعي معظم لي مجلّ فابتناء العزّ هدم المهاري ... وانحلال العدم سير وحلّ «٣» باب التماس الرزق وما يعود على الأهل والولد قال النبي ﷺ : «العائد على أهله وولده كالمجاهد المرابط في سبيل الله» . وقال ﷺ : «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» . وقال عمر بن الخطاب: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وإن الله تعالى إنما يرزق الناس بعضهم من بعض. وتلا قول الله جل وعلا فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «٤» . وقال محمد بن إدريس الشافعي: احرص على ما ينفعك، ودع كلام الناس، فإنه لا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة. ومثله قول مالك بن دينار: من عرف نفسه لم يضره ما قال الناس فيه. طاهر بن عبد العزيز: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أنشدنا أبو عبيد القاسم بن سلام:

стр. 702

لا ينقص الكامل من كماله ... ما ساق من خير إلى عياله وقال عمر بن الخطاب: يا معشر القرّاء، التمسوا الرزق ولا تكونوا عالة على الناس. وقال أكثم بن صيفي: من ضيّع زاده اتكل على زاد غيره. وقال النبيّ ﷺ : «خيركم من لم يدع آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته» . وقال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا. للنبي ﷺ في متعبد: وذكر رجل عند النبي ﷺ بالاجتهاد في العبادة والقوّة على العمل، وقالوا: صحبناه في سفر، فما رأينا بعدك يا رسول الله أعبد منه، كان لا ينفتل من صلاة، ولا يفطر من صيام. قال النبي ﷺ : فمن كان يمونه ويقوم به؟ قالوا: كلنا. قال كلّكم أعبد منه. ومر المسيح برجل من بني إسرائيل يتعبّد، فقال: ما تصنع؟ قال: أتعبّد. قال: ومن يقوم بك؟ قال: أخي. قال: أخوك أعبد منك. وقد جعل الله طلب الرزق مفروضا على الخلق كله: من الإنس، والجنّ، والطير، والهوام، منهم بتعليم، ومنهم بإلهام؛ وأهل التحصيل والنظر من الناس يطلبونه بأحسن وجوهه من التصرف والتحرّز، وأهل العجز والكسل يطلبونه بأقبح وجوهه، من السؤال والاتكال والخلابة «١» والاحتيال.

стр. 703

باب فضل المال قال الله تعالى الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا » . وقال النبيّ ﷺ للمجاشعي: «إن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإن كان لك دين فلك كرم» . وقال عمر بن الخطاب: حسب الرجل ماله، وكرمه دينه، ومروءته خلقه. وفي كتاب الأدب للجاحظ: اعلم أن تثمير المال آلة للمكارم، وعون على الدّين، وتأليف للإخوان؛ وأن من فقد المال قلّت الرغبة إليه والرهبة منه، ومن لم يكن بموضع رغبة ولا رهبة استهان الناس به؛ فاجهد جهدك كله في أن تكون القلوب معلّقة منك برغبة أو رهبة في دين أو دنيا. وقال حكيم لابنه: يا بنيّ، عليك بطلب المال؛ فلو لم يكن فيه إلا أنه عزّ في قلبك وذل في قلب عدوّك لكفى. وقال عبد الله بن عبّاس: الدنيا العافية. والشباب الصحة، والمروءة الصبر، والكرم التقوى، والحسب المال. وكان سعد بن عبادة يقول: اللهم ارزقني جدا ومجدا، فإنه لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال. وقالت الحكماء: لا خير فيمن لا يجمع المال يصون به عرضه، ويحمي به مروءته، ويصل به رحمه. وقال عبد الرحمن بن عوف: يا حبذا المال أصون به عرضي وأتقرّب به إلى ربي. وقال سفيان الثوري: المال سلاح المؤمن في هذا الزمان.

стр. 704

وقال النبي ﷺ : «نعم العون على طاعة الله الغنى. ونعم السّلّم إلى طاعة الله الغنى» . وتلا وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ «١» وقوله اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ «٢» . وقال خالد بن صفوان لابنه: يا بني، أوصيك باثنين لن تزال بخير ما تمسكت بهما: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك. وقال عروة بن الورد: ذريني للغنى أسعى فإنّي ... رأيت الناس شرّهم الفقير وأحقرهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له كرم وخير «٣» يباعده القريب وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه والذنب جمّ ... ولكن للغني ربّ غفور لبعض الشعراء: وقال آخر: سأكسب مالا أو أموت ببلدة ... يقلّ بها قطر الدّموع على قبري وقال آخر: سأعمل نصّ العيس حتى يكفّني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان «٤» فللموت خير من حياة يرى لها ... على المرء بالإقلال وسم هوان «٥»

стр. 705

إذا قال لم يسمع لحسن مقاله ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان كأنّ الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسان ناطق بلسان الرياشي قال: أنشدنا أبو بكر بن عيّاش: حيران يعلم أن المال ساق له ... ما لم يسقه له دين ولا خلق لولا ثلاثون ألفا سقتها بدرا ... إلى ثلاثين ألفا ضاقت الطّرق «١» فمن يكن عن كرام الناس يسألني ... فأكرم الناس من كانت له ورق وقال آخر: أجلّك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكلّ غنى في العيون جليل ولو كنت ذا فقر ولم تؤت ثروة ... ذللت لديهم والفقير ذليل وقال محمود الورّاق: أرى كلّ ذي مال يبرّ لماله ... وإن كان لا أصل هناك ولا فضل فشرّف ذوي الأموال حيث لقيتهم ... فقولهم قول وفعلهم فعل وأنشد أبو محلّم لرجل من ولد طلبة بن قيس بن عاصم: وكنت إذا خاصمت خصما كببته ... على الوجه حتى خاصمتني الدراهم فلما تنازعنا الخصومة غلّبت ... عليّ وقالوا قم فإنّك ظالم وأنشدني الرياشي: لم يبق من طلب الغنى ... إلّا التعرّض للحتوف «٢» فلأقذفنّ بمهجتي ... بين الأسنّة والسّيوف ولأطلبنّ ولو رأيت الموت يلمع في الصّفوف وكان لأحيحة بن الجلاح بالزّوراء ثلاثمائة ناضح «٣» .. فدخل بستانا له، فمرّ
следующие страницы →