← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

يصحب الليل الوليد إلى أن ... يهرم الليل وما إن يملّ ويرى السير قد يلجلج منه ... مضغة لكنّها لا تصلّ «١» شمّرت أثوابه تحت ليل ... ثوبه ضاف عليه رفلّ «٢» سأضيع النّوم كيما تريني ... ومضيعي معظم لي مجلّ فابتناء العزّ هدم المهاري ... وانحلال العدم سير وحلّ «٣» باب التماس الرزق وما يعود على الأهل والولد قال النبي ﷺ : «العائد على أهله وولده كالمجاهد المرابط في سبيل الله» . وقال ﷺ : «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» . وقال عمر بن الخطاب: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وإن الله تعالى إنما يرزق الناس بعضهم من بعض. وتلا قول الله جل وعلا فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «٤» . وقال محمد بن إدريس الشافعي: احرص على ما ينفعك، ودع كلام الناس، فإنه لا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة. ومثله قول مالك بن دينار: من عرف نفسه لم يضره ما قال الناس فيه. طاهر بن عبد العزيز: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أنشدنا أبو عبيد القاسم بن سلام:

стр. 702

لا ينقص الكامل من كماله ... ما ساق من خير إلى عياله وقال عمر بن الخطاب: يا معشر القرّاء، التمسوا الرزق ولا تكونوا عالة على الناس. وقال أكثم بن صيفي: من ضيّع زاده اتكل على زاد غيره. وقال النبيّ ﷺ : «خيركم من لم يدع آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته» . وقال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا. للنبي ﷺ في متعبد: وذكر رجل عند النبي ﷺ بالاجتهاد في العبادة والقوّة على العمل، وقالوا: صحبناه في سفر، فما رأينا بعدك يا رسول الله أعبد منه، كان لا ينفتل من صلاة، ولا يفطر من صيام. قال النبي ﷺ : فمن كان يمونه ويقوم به؟ قالوا: كلنا. قال كلّكم أعبد منه. ومر المسيح برجل من بني إسرائيل يتعبّد، فقال: ما تصنع؟ قال: أتعبّد. قال: ومن يقوم بك؟ قال: أخي. قال: أخوك أعبد منك. وقد جعل الله طلب الرزق مفروضا على الخلق كله: من الإنس، والجنّ، والطير، والهوام، منهم بتعليم، ومنهم بإلهام؛ وأهل التحصيل والنظر من الناس يطلبونه بأحسن وجوهه من التصرف والتحرّز، وأهل العجز والكسل يطلبونه بأقبح وجوهه، من السؤال والاتكال والخلابة «١» والاحتيال.

стр. 703

باب فضل المال قال الله تعالى الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا » . وقال النبيّ ﷺ للمجاشعي: «إن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإن كان لك دين فلك كرم» . وقال عمر بن الخطاب: حسب الرجل ماله، وكرمه دينه، ومروءته خلقه. وفي كتاب الأدب للجاحظ: اعلم أن تثمير المال آلة للمكارم، وعون على الدّين، وتأليف للإخوان؛ وأن من فقد المال قلّت الرغبة إليه والرهبة منه، ومن لم يكن بموضع رغبة ولا رهبة استهان الناس به؛ فاجهد جهدك كله في أن تكون القلوب معلّقة منك برغبة أو رهبة في دين أو دنيا. وقال حكيم لابنه: يا بنيّ، عليك بطلب المال؛ فلو لم يكن فيه إلا أنه عزّ في قلبك وذل في قلب عدوّك لكفى. وقال عبد الله بن عبّاس: الدنيا العافية. والشباب الصحة، والمروءة الصبر، والكرم التقوى، والحسب المال. وكان سعد بن عبادة يقول: اللهم ارزقني جدا ومجدا، فإنه لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال. وقالت الحكماء: لا خير فيمن لا يجمع المال يصون به عرضه، ويحمي به مروءته، ويصل به رحمه. وقال عبد الرحمن بن عوف: يا حبذا المال أصون به عرضي وأتقرّب به إلى ربي. وقال سفيان الثوري: المال سلاح المؤمن في هذا الزمان.

стр. 704

وقال النبي ﷺ : «نعم العون على طاعة الله الغنى. ونعم السّلّم إلى طاعة الله الغنى» . وتلا وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ «١» وقوله اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ «٢» . وقال خالد بن صفوان لابنه: يا بني، أوصيك باثنين لن تزال بخير ما تمسكت بهما: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك. وقال عروة بن الورد: ذريني للغنى أسعى فإنّي ... رأيت الناس شرّهم الفقير وأحقرهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له كرم وخير «٣» يباعده القريب وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه والذنب جمّ ... ولكن للغني ربّ غفور لبعض الشعراء: وقال آخر: سأكسب مالا أو أموت ببلدة ... يقلّ بها قطر الدّموع على قبري وقال آخر: سأعمل نصّ العيس حتى يكفّني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان «٤» فللموت خير من حياة يرى لها ... على المرء بالإقلال وسم هوان «٥»

стр. 705

إذا قال لم يسمع لحسن مقاله ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان كأنّ الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسان ناطق بلسان الرياشي قال: أنشدنا أبو بكر بن عيّاش: حيران يعلم أن المال ساق له ... ما لم يسقه له دين ولا خلق لولا ثلاثون ألفا سقتها بدرا ... إلى ثلاثين ألفا ضاقت الطّرق «١» فمن يكن عن كرام الناس يسألني ... فأكرم الناس من كانت له ورق وقال آخر: أجلّك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكلّ غنى في العيون جليل ولو كنت ذا فقر ولم تؤت ثروة ... ذللت لديهم والفقير ذليل وقال محمود الورّاق: أرى كلّ ذي مال يبرّ لماله ... وإن كان لا أصل هناك ولا فضل فشرّف ذوي الأموال حيث لقيتهم ... فقولهم قول وفعلهم فعل وأنشد أبو محلّم لرجل من ولد طلبة بن قيس بن عاصم: وكنت إذا خاصمت خصما كببته ... على الوجه حتى خاصمتني الدراهم فلما تنازعنا الخصومة غلّبت ... عليّ وقالوا قم فإنّك ظالم وأنشدني الرياشي: لم يبق من طلب الغنى ... إلّا التعرّض للحتوف «٢» فلأقذفنّ بمهجتي ... بين الأسنّة والسّيوف ولأطلبنّ ولو رأيت الموت يلمع في الصّفوف وكان لأحيحة بن الجلاح بالزّوراء ثلاثمائة ناضح «٣» .. فدخل بستانا له، فمرّ

стр. 706

بتمرة فلقطها فعوتب في ذلك، فقال: تمرة إلى تمرة تمرات، وجمل إلى جمل ذود «١» . ثم أنشأ يقول: إنّي مقيم على الزّوراء أعمرها ... إنّ الكريم على الإخوان ذو المال فلا يغرّنك ذو قربى وذو نسب ... من ابن عم ومن عم ومن خال كلّ النداء إذا ناديت يخذلني ... إلّا ندائي إذا ناديت يا مالي لابن عبد ربه: ومن قولنا في هذا المعنى: دعني أصن حرّ وجهي عن إذالته ... وإن تغرّبت عن أهلي وعن ولدي «٢» قالوا نأيت عن الإخوان قلت لهم ... ما لي أخ غير ما تطوى عليه يدي كان الرماحس بن حفصة بن قيس وابن عم له يدعى ربيعة بن الورد يسكنان الأردن. وكان ربيعة بن الورد موسرا، والرّماحس معسرا كثيرا ما يشكو إليه الحاجة، ويعطف عليه ربيعة بعض العطف، فلما أكثر عليه كتب إليه: إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا وصار على الأدنين كلّا وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكرا «٣» فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا فما طالب الحاجات من حيث تبتغى ... من المال إلّا من أجدّ وشمّرا «٤» ولا ترض من عيش بدون ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان معسرا وقال بعض الحكماء: المال يوقّر الدّنيّ، والفقر يذل السّني. وأنشد: أرى ذا الغنى في الناس يسعون حوله ... فإن قال قولا تابعوه وصدّقوا

стр. 707

فذلك دأب الناس ما كان ذا غنى ... فإن زال عنه المال يوما تفرّقوا وأنشد: ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فحيثما انقلبت يوما به انقلبوا يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا صنوف المال قال معاوية لصعصعة بن صوحان: إنما أنت هاتف بلسانك، لا تنظر في أود «١» الكلام ولا في استقامته: فإن كنت تنظر في ذلك فأخبرني عن أفضل المال. فقال: والله يا أمير المؤمنين، إني لأدع الكلام حتى يختمر في صدري، فما أرهف «٢» به ولا أتلهّق «٣» فيه حتى أقيم أوده، وأحرّر متنه، وإن أفضل المال لبرّة سمراء في تربة غبراء؛ أو نعجة صفراء في روضة خضراء؛ أو عين خرّارة في أرض خوّارة. قال معاوية: لله أنت، فأين الذهب والفضة. قال: حجران يصطكّان، إن أقبلت عليهما نفدا، وإن تركتهما لم يزيدا. وقيل لأعرابية: ما تقولين في مائة من المعز؟ قالت: قنى. قيل لها: فمائة من الضأن؟ قالت غنى. قيل لها: فمائة من الإبل؟ قالت: منى. وقال عبد الله بن الحسن: غلّة الدور مسألة، وغلة النّخل كفاف، وغلة الحبّ ملك. للنبي ﷺ : وفي الحديث: «أفضل أموالكم: فرس في بطنها فرس يتبعها فرس، وعين ساهرة لعين نائمة» .

стр. 708

وأنشد فرج بن سلام لبعض العراقيين: ولقد أقول لحاجب نصحا له ... خلّ العروض وبع أرضا «١» إني رأيت الأرض يبقى نفعها ... والمال يأكل بعضه بعضا واحذر أناسا يظهرون محبّة ... وعيونهم وقلوبهم مرضى حتى إذا أمكنتهم من فرصة ... تركوا الخداع وأظهروا البغضا تدبير المال قالوا: لا مال لأخرق «٢» ، ولا عيلة على مصلح، وخير المال ما أطعمك لا ما أطعمته. وقال صاحب كليلة ودمنة: لينفق ذو المال ماله في ثلاثة مواضع: في الصدقة إن أراد الآخرة: وفي مصانعة السلطان إن أراد الذكر؛ وفي النساء إن أراد نعيم العيش. وقال: إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثة ولا يدركها إلا بأربعة؛ فأما الثلاثة التي يطلب: فالسّعة في المعيشة، والمنزلة في الناس، والزاد إلى الآخرة، وأما الرابعة التي تدرك بها هذه الثلاثة: فاكتساب المال من أحسن وجوهه، وحسن القيام عليه، ثم التّثمير له، ثم إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي الأهل والإخوان ويعود في الآخرة نفعه. فإن أضاع شيئا من هذه الأربعة لم يدرك شيئا من هذه الثلاثة. إن لم يكتسب لم يكن له مال يعيش به؛ وإن كان ذا مال واكتساب ولم يحسن القيام عليه يوشك أن يفنى ويبقى بلا مال، وإن هو أنفقه ولم يثمّره لم تمنعه قلة الإنفاق من سرعة النفاد. كالكحل الذي إنما يؤخذ منه على الميل مثل الغبار، ثم هو مع ذلك سريع نفاده. وإن هو اكتسب وأصلح وثمّر ولم ينفق الأموال في أبوابها؛ كان بمنزلة الفقير الذي لا مال له، ثم لا يمنع ذلك ماله من أن يفارقه ويذهب حيث لا منفعة فيه؛ كحابس الماء

стр. 709

في الموضع الذي تنصبّ فيه المياه، إن لم يخرج منه بقدر ما يدخل فيه؛ مصل «١» وسال من نواحيه، فيذهب الماء ضياعا. وهذا نظير قول الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً «٢» . وقوله لنبيه ﷺ : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً «٣» . ونظر عبد الله بن عباس إلى درهم بيد رجل، فقال له: إنه ليس لك حتى يخرج من يدك. يريد أنه لا ينتفع به حتى ينفقه ويستفيد غيره مكانه. قال الحطيئة: مفيد ومتلاف إذا ما سألته ... تهلّل واهتزّ اهتزاز المهنّد وقال مسلم بن الوليد: لا يعرف المال إلّا ريث ينفقه ... أو يوم يجمعه للنّهب والبدد وقال آخر: مهلك مال ومفيد مال وقال سفيان الثوري: من كان في يده شيء فليصلحه؛ فإنه في زمان إن احتاج فيه، فأول ما يبذله دينه. وقال المتلمّس: وحبس المال أيسر من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد

стр. 710

سعد القصير قال: ولأني عتبة أمواله بالحجاز، فلما ودّعته قال لي: يا سعد، تعاهد صغير مالي فيكثر، ولا تضيّع كثيره فيصغر، فإنه ليس يشغلني كثير مالي عن إصلاح قليله، ولا يمنعني قليل ما في يدي عن الصبر على كثير ما ينوبني. قال: فقدمت المدينة، فحدّثت بها رجالات قريش ففرّقوا بها الكتب على الوكلاء. الإقلال قال أرسطاطاليس: الغنى في الغربة وطن والمقل في أهله غريب. أخذه الشاعر فقال: لعمرك ما الغريب بذي التّنائي ... ولكنّ المقلّ هو الغريب إذا ما المرء أعوز ضاق ذرعا ... بحاجته وأبعده القريب وقال إبراهيم الشيباني: رأيت في جدار من جدر بيت المقدس بيتين مكتوبين بالذهب: فكلّ مقلّ حين يغدو لحاجة ... إلى كلّ من يلقى من الناس مذنب وكان بنو عمي يقولون مرحبا ... فلما رأوني مقترا مات مرحب ومن قولنا في هذا المعنى: أعاذل قد المت ويك فلومي ... وما بلغ الإشراك ذنب عديم لقد أسقطت حقّي عليك صبابتي ... كما أسقط الإفلاس حقّ غريم «١» وأعذر ما أدمى الجفون من البكا ... كريم رأى الدّنيا بكفّ لئيم أرى كلّ فدم قد تبجّح في الغنى ... وذو الطرف لا تلقاه غير عديم «٢» وقال الحسن بن هانيء: الحمد لله ليس لي نشب ... فخفّ ظهري وملّني ولدي «٣»

стр. 711

من نظرت عينه إليّ فقد ... أحاط علما بما حوته يدي وكان أبو الشّمقمق الشاعر أديبا طريفا محارفا «١» صعلوكا متبرّما، قد لزم بيته في أطمار مسحوقة، وكان إذا استفتح عليه أحد بابه خرج، فنظر من فرج الباب، فإن أعجبه الواقف فتح له، وإلّا سكت عنه، فأقبل إليه بعض إخوانه فدخل عليه، فلما رأى سوء حاله، قال له: أبشر أبا الشمقمق، فإنا روينا في بعض الحديث أن العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة. قال: إن كان والله ما تقول حقا لأكوننن بزّازا يوم القيامة، ثم أنشأ يقول. أنا في حال تعالى لله ... ربي أيّ حال ولقد أهزلت حتى ... محت الشمس خيالي من رأى شيئا محالا ... فأنا عين المحال ليس لي شيء إذ قي ... ل لمن ذا قلت ذا لي ولقد أفلست حتى ... حلّ أكلي لعيالي في حر امّ الناس طرّا ... من نساء ورجال لو أرى في الناس حرّا ... لم أكن في ذا المثال وقال أيضا: أتراني أرى من الدهر يوما ... لي فيه مطيّة غير رجلي كلما كنت في جميع فقالوا ... قرّبوا للرّحيل قرّبت نعلي حيثما لا أخلّف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي وقال أيضا: لو قد رأيت سريري كنت ترحمني ... الله يعلم مالي فيه تلبيس «٢» والله يعلم مالي فيه شابكة ... إلّا الحصيرة والأطمار والدّيس «٣»

стр. 712

وقال أيضا: برزت من المنازل والقباب ... فلم يعسر على أحد حجابي فمنزلي الفضاء وسقف بيتي ... سماء الله أو قطع السّحاب فأنت إذا أردت دخلت بيتي ... عليّ مسلّما من غير باب لأني لم أجد مصراع باب ... يكون من السّحاب إلى التّراب ولا انشقّ الثرى عن عود تخت ... أؤمّل أن أشدّ به ثيابي ولا خفت الإباق على عبيدي ... ولا خفت الهلاك على دوابي «١» ولا حاسبت يوما قهرمانا ... محاسبة فأغلط في حسابي «٢» وفي ذا راحة وفراغ بال ... فدأب الدهر ذا أبدا ودابي وفي كتاب للهند: ما التّبع والإخوان والأهل والأصدقاء والأعوان والحشم إلا مع المال، وما أرى المروءة يظهرها إلا المال، ولا الرأي والقوة إلا المال، ووجدت من لا مال له إذا أراد أن يتناول أمرا قعد به العدم، فيبقى مقصّرا عما أراد، كالماء الذي يبقى في الأودية من مطر الصيف، فلا يجري إلى بحر ولا نهر، بل يبقى مكانه حتى تنشفه الأرض؛ ووجدت من لا إخوان له لا أهل له. ومن لا ولد له لا ذكر له، ومن لا عقل له لا دنيا له ولا آخرة له، ومن لا مال له لا شيء له؛ لأن الرجل إذا افتقر رفضه إخوانه وقطعه ذو رحمه، وربما اضطرته الحاجة لنفسه وعياله إلى التماس الرزق بما يغرّر فيه بدينه ودنياه، فإذا هو قد خسر الدنيا والآخرة، فلا شيء أشدّ من الفقر، والشجرة النابتة على الطريق المأكولة من كل جانب أمثل حالا من الفقير المحتاج إلى ما في أيدي الناس. والفقر داع صاحبه إلى مقت الناس، ومتلف للعقل والمروءة، ومذهب للعلم والأدب، ومعدن للتهمة، ومجمع للبلايا؛ ووجدت الرجل إذا افتقر أساء به الظنّ من كان له مؤتمنا، وليس من خصلة هي للغنىّ مدح وزين إلا وهي للفقير ذمّ وشين؛ فإن كان شجاعا قيل أهوج، وإن كان جوادا قيل

стр. 713

مفسد، وإن كان حليما قيل ضعيف، وإن كان وقورا قيل بليد، وإن كان صموتا قيل عييّ، وإن كان بليغا قيل مهذار «١» ؛ فالموت أهون من الفقر الذي يضطرّ صاحبه إلى المسألة، ولا سيما مسألة اللئام؛ فإنّ الكريم لو كلّف أن يدخل يده في فم تنّين ويخرج منه سمّا فيبتلعه، كان أخفّ عليه من مسألة البخيل اللئيم. السؤال قال النبي ﷺ : «لأن يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب بها على ظهره أهون عليه من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله. أعطاه أو منعه» . وقالوا: من فتح على نفسه بابا من السؤال، فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر. وقال أكثم بن صيفي: كل سؤال وإن قل أكثر من كل نوال وإن جلّ. ورأى علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه رجلا يسأل بعرفات فقنّعه بالسوط، وقال: ويلك! في مثل هذا اليوم تسأل أحدا غير الله. وقال عبد الله بن عباس: المساكين لا يعودون مريضا، ولا يشهدون جنازة، ولا يحضرون جمعة، وإذا اجتمع الناس في أعيادهم ومساجدهم يسألون الله من فضله، اجتمعوا يسألون الناس ما في أيديهم. وقال النعمان بن المنذر: من سأل فوق حقه استحق الحرمان، ومن ألحف في مسألته استحق المطل. والرفق يمن، والخرق شؤم، وخير السخاء ما وافق الحاجة، وخير العفو مع القدرة. وقال شريح: من سأل حاجة فقد عرّض نفسه على الرق، فإن قضاها المسئول منه استعبده بها، وإن ردّه عنها رجع كلاهما ذليلا، هذا بذلّ البخل، وذاك بذلّ الردّ.

стр. 714

وقال حبيب: ذل السؤال شجى في الحلق معترض ... من دونه شرق من خلفه جرض «١» ما ماء كفّك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إن أفتيته عوض الخشني قال: قال أبو غسّان: أخبرني أبو زيد قال: سأل سائل بمسجد الكوفة وقت الظهر فلم يعط شيئا، فقال: اللهم إنك بحاجتي عالم لا تعلّم، أنت الذي لا يعوزك نائل، ولا يحفيك سائل «٢» ، ولا يبلغ مدحك قائل؛ أسألك صبرا جميلا، وفرجا قريبا، وبصرا بالهدى، وقوة فيما تحب وترضى. فتبادروا إليه يعطونه. فقال: والله لا رزأتكم» الليلة شيئا وقد رفعت حاجتي إلى الله. ثم خرج وهو يقول: ما نال باذل وجهه بسؤاله ... عوضا ولو نال الغنى بسؤال وإذا النّوال مع السؤال وزنته ... رجح السؤال وشال كلّ نوال «٤» وقال مسلم بن الوليد: سل الناس إني سائل الله وحده ... وصائن عرضي عن فلان وعن فلا وقال عبيد بن الأبرص: من سأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب وقال ابن أبي حازم: لطيّ يوم وليلتين ... ولبس ثوبين باليين «٥» أهون من منّة لقوم ... أغضّ منها جفون عيني إني وإن كنت ذا عيال ... قليل مال كثير دين لأحمد الله حين صارت ... حوائجي بينه وبيني ومن قولنا في هذا المعنى:

стр. 715

سؤال الناس مفتاح عتيد ... لباب الفقر فاتلف بالسؤال وروي أشعب الطماع عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: يحشر الله يوم القيامة قوما عارية وجوههم قد أذهب حياءها كثرة السؤال. سؤال السائل من السائل مدح أبو الشمقمق مروان بن أبي حفصة. فقال له أبو الشمقمق: أنت شاعر وأنا شاعر، وغايتنا كلنا السؤال. وذكر أعرابي رجلا بالسؤال، فقال: إنه أسأل من ذي عصوين. وقال حبيب: لم يخلق الرحمن أحمق لحية ... من سائل يرجو الغنى من سائل الأصمعي عن عيسى بن عمر النحوي قال: قدمت من سفر فدخل عليّ ذو الرّمة الشاعر، فعرضت لأن أعطيه شيئا، فقال: كلا، أنا وأنت نأخذ ولا نعطي. الشيب قال قيس بن عاصم: الشيب خطام المنية «١» . وقال غيره: الشيب نذير الموت. وقال النميري: الشيب عنوان الكبر. وقال المعتمر بن سليمان: الشيب موت الشّعر، وموت الشّعر علّة لموت البشر. وقال أعرابي: كنت أنكر البيضاء فصرت أنكر السوداء، فيا خير مبدول ويا شرّ بدل. وقيل للنبي ﷺ : عجل عليك الشيب يا رسول الله! قال: شيّبتني هود وأخواتها.

стр. 716

وقيل لعبد الملك بن مروان: عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين! قال: شيّبتني ارتقاء المنابر وتوقّع الّلحن. وقيل لرجل من الشعراء: عجل عليك الشيب. فقال: وكيف لا يعجل وأنا أعصر قلبي في عمل لا يرجى ثوابه، ولا يؤمن عقابه. وقال حبيب الطائي: غدا الشيب مختطا بفوديّ خطّة ... طريق الرّدى منها إلى النفس مهيع «١» هو الزّور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقّع «٢» له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنّه في القلب أسود أسفع «٣» وقال محمود الوراق: بكيت لقرب الأجل ... وبعد فوات الأمل ووافد شيب طرا ... بعقب شباب رحل شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل طواك بشير البقا ... وجاء بشير الأجل وقال أيضا: لا تطلبنّ أثرا بعين ... فالشّيب إحدى الميتتين أبدى مقابح كلّ شين ... ومحا محاسن كلّ زين فإذا رأيت الغانيا ... ت رأين منك غراب بين ولربما نافسن في ... ك وكنّ طوعا لليدين أيام عمّمك الشّبا ... ب وأنت سهل العارضين «٤»

стр. 717

حتى إذا نزل المشي ... ب وصرت بين عمامتين سوداء حالكة وبي ... ضاء المناشر كالّلجين مزج الصّدود وصا ... لهنّ فكنّ أمرا بين بين وصبرن ما صبر السّوا ... د على مصانعة ودين حتى إذا شمل المشي ... ب فحاز قطر الحاجبين قفّين شرّ قفيّة ... وأخذن منك الأطيبين فاقن الحياء وسلّ نف ... سك أو فناد الفرقدين «١» ولئن أصابتك الخطو ... ب بكلّ مكروه وشين فلقد أمنت بأن يصي ... بك ناظر أبدا بعين وقال حبيب الطائي: نظرت إليّ بعين من لم يعدل ... لمّا تمكّن حبّها من مقتلي لمّا رأت وضح المشيب بلمّتي ... صدّت صدود مجانب متحمّل فجعلت أطلب وصلها بتلطف ... والشيب يغمزها بألّا تفعلي وقال آخر: صدّت أمامة لمّا جئت زائرها ... عنّي بمطروفة إنسانها غرق «٢» وراعها الشيب في رأسي فقلت لها ... كذاك يصفرّ بعد الخضرة الورق وقال محمد بن أمية: رأين الغواني الشّيب لاح بعارضي ... فأعرضن عنّي بالخدود النّواضر وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي ... دنون فرقّعن الكوي بالمحاجر «٣» وقال العلوي:

стр. 718

عيّرتني بشيب رأسي نوار ... يا بنة العمّ ليس في الشيب عار إنما العار في الفرار من الزّح ... ف إذا قيل أين أين الفرار ومن قولنا في الشيب: بدا وضح الشيب على عذاري ... وهل ليل يكون بلا نهار شريت سواد ذا ببياض هذا ... فبدّلت العمامة بالخمار وألبسني النّهى ثوبا جديدا ... وجرّدني من الثّوب المعار وما بعت الهوى بيعا بشرط ... ولا استثنيت فيه بالخيار ومن قولنا فيه: قالوا شبابك قد ولّى فقلت لهم ... هل من جديد على كرّ الجديدين صل من هويت وإن أبدى معاتبة ... فأطيب العيش وصل بين إلفين واقطع حبائل خدن لا تلائمه ... فربما ضاقت الدّنيا على اثنين ومن قولنا فيه: جار المشيب على رأسي فغيرّه ... لما رأى عندنا الحكام قد جاروا كأنّما جنّ ليل في مفارقه ... فاعتاقه من بياض الصّبح إسفار «١» ومن قولنا فيه: سواد المرء تنفده الليالي ... وإن كانت تصير إلى نفاد فأسوده يعود إلى بياض ... وأبيضه يعود إلى سواد ومن قولنا أيضا: أطلال لهوك قد أقوت مغانيها ... لم يبق من عهدها إلا أثافيها «٢» هذي المفارق قد قامت شواهدها ... على فنائك والدّنيا تزكّيها الشّيب سفتجة فيها معنونة ... لم يبق للموت إلّا أن يسجّيها «٣»

стр. 719

ومن قولنا أيضا: نجوم في المفارق ما تغور ... ولا يجري بها فلك يدور كأنّ سواد لمّته ظلام ... أغار من المشيب عليه نور ألا إنّ القتير وعيد صدق ... لنا لو كان يزجرنا القتير «١» نذير الموت أرسله إلينا ... فكذّبنا بما جاء النّذير وقلنا للنّفوس لعلّ عمرا ... يطول بنا وأطوله قصير متى كذبت مواعدها وخانت ... فأوّلها وآخرها غرور لقد كاد السّلو يميت شوقي ... ولكن قلّما فطم الكبير كأني لم أرق بل لم يرقني ... شموس في الأكلّة أو بدور ولم ألق المنى في ظلّ لهو ... بأقمار سحائبها السّتور ولآخر: والشيب تنغيص الصّبا ... فاقض اللبانة في الشباب «٢» وقال ابن عباس: الدنيا الصحة والشباب. ولبعضهم: في كلّ يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنّما طلعت في ناظر البصر لئن قصصتك بالمقراض عن نظري ... لما قصصتك عن همّي ولا فكري ولابن المعتز: جاء المشيب فما تعست به ... ومضى الشباب فما بكاي عليه وقال أيضا: ماذا تريدين من جهلي وقد غبرت ... سنوّ شبابي وهذا الشيب قد وخطا «٣»

стр. 720

أرقع الشعرة البيضاء ملتقطا ... فيصبح الشيب للسوداء ملتقطا وسوف لا شك يعييني فأتركه ... فطالما أعمل المقراض والمشطا الشباب والصحة قال أبو عمرو بن العلاء: ما بكت العرب شيئا ما بكت على الشباب وما بلغت به ما يستحقّه. وقل الأصمعي: أحسن أنماط الشعر المراثي والبكاء على الشباب: وقيل لكثيّر عزة: مالك لا تقول الشعر؟ قال: ذهب الشباب فما أطرب، ومات عبد العزيز فما أرغب. وقال عبد الله بن عباس: الدنيا العافية، والشباب الصحة. وقال محمود الوراق: أليس عجيبا بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه فمن بين باك له موجع ... وبين مغرّ مغذّ إليه «١» ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... فليس يعزّيه خلق عليه وقال ابن أبي حازم: ولّى الشّباب فخلّ الدمع ينهمل ... فقد الشباب بفقد الروح متصل لا تكذبنّ فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل وقال جرير: ولّى الشباب حميدة أيامه ... لو كان ذلك يشترى أو يرجع وقال صريع الغواني: واها لأيّام الصّبا وزمانه ... لو كان أسعف بالمقام قليلا سل عيش دهر قد مضت أيامه ... هل يستطيع إلى الرجوع سبيلا

стр. 721

وقال الحسن بن هانيء: وأراني إذ ذاك في طاعة الجه ... ل وفوقي من الصّبا إمراء «١» ترب عيش لريطي فضل ذيل ... ولرأسي ذؤابة فرعاء «٢» بقناع من الشباب جديد ... لم ترقّعه بالخضاب النساء قبل أن يلبس المشيب عذاريّ ... وتبلى عمامتي السوداء وقال أعرابي: لله أيام الشباب وعصره ... لا يستعار جديده فيعار ما كان أقصر ليله ونهاره ... وكذلك أيام السرور قصار ومن قولنا في الشباب: ولّى الشباب وكنت تسكن ظلّه ... فانظر لنفسك أيّ ظل تسكن ونهى المشيب عن الصّبا لو أنه ... يدلي بحجته إلى من يلقن ومن قولنا فيه: قالوا شبابك قد مضت أيامه ... بالعيش قلت وقد مضت أيامي لله أيّة نعمة كان الصبا ... لو أنها وصلت بطول دوام حسر المشيب قناعه عن وجهه ... وصحا العواذل بعد طول ملام «٣» فكأنّ ذاك العيش ظلّ غمامة ... وكأنّ ذاك اللهو طيف منام ومن قولنا فيه: ولو شئت راهنت الصبابة والهوى ... وأجريت في اللذات من مئتين وأسلبت من ثوب الشباب، وللصبا ... عليّ رداء معلّم الطرفين «٤» وقال آخر:

стр. 722

إنّ شرخ الشباب والشّعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا «١» وقال آخر: قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر ومن قولنا في الشباب: كنت إلف الصبا فودّعني ... وداع من بان غير منصرف أيام لهوي كظلّ إسحلة ... وإذ شبابي كروضة أنف «٢» ومن قولنا في الشباب: شبابي كيف صرت إلى نفاد ... وبدّلت البياض من السواد وما أبقى الحوادث منك إلّا ... كما أبقت من القمر الدّادي «٣» فراقك عرّف الأحزان قلبي ... وفرّق بين جفني والرّقاد فيا لنعيم عيش قد تولّى ... ويا لغليل حزن مستفاد كأنّي منك لم أربع بربع ... ولم أرتد به أحلى مراد سقى ذاك الثّرى وبل الثّريّا ... وغادى نبته صوب الغوادي «٤» فكم لي من غليل فيه خاف ... وكم لي من عويل فيه بادي زمان كان فيه الرّشد غيّا ... وكان الغيّ فيه من الرّشاد يقبّلني بدلّ من قبول ... ويسعدني بوصل من سعاد وأجنبه فيعطيني قيادا ... ويجنبني فأعطيه قيادي الخضاب قال النبي ﷺ : «غيّروا هذا الشّيب. وجنبو السواد» . وكان أبو بكر يخضب بالحناء والكتم «٥» .

стр. 723

وقال مالك بن أسماء بن خارجة لجاريته: قومي اخضبي رأسي ولحيتي. فقالت: دعني، قد عييت مما أرقّعك. فقال مالك بن أسماء. عيّرتني خلقا أبليت جدته ... وهل رأيت جديدا لم يعد خلقا ودخل أبو الأسود الدؤلي على معاوية وقد خضب؛ فقال: لقد أصبحت يا أبا الأسود جميلا؛ فلو علّقت تميمة «١» . فأنشأ أبو الأسود يقول: أفنى الشباب الذي فارقت بهجته ... مرّ الجديدين من آت ومنطلق لم يبقيا لي من طول اختلافهما ... شيئا يخاف عليه لذعة الحدق وذكر عن الأصمعي قال: بلغني عن بعض العرب فصاحة، فأتيته فوجدته يخضب، فقال: يا بن أخي، ما الذي أقصدك إليّ؟ قلت: الاستئناس بك والاستماع من حديثك. قال: يا بن أخي، قصدتني وأنا أخضب، والخضاب من مقدّمات الضعف، ولطالما فزّعت الوحوش، وقدت الجيوش، ورويت السيف، وقريت الضيف، وحميت الجار، وأبيت العار، وشربت الراح، وجالست الملاح، وعاديت القروم، وعلوت الخصوم؛ واليوم يا بن أخي الكبر وضعف البصر تركا من بعد الصّفو الكدر. وأنشأ يقول: شيب نعلّله كيما نسرّ به ... كهيئة الثوب مطويّا على خرق فكنت كالغصن يرتاح الفؤاد به ... فصرت عودا بلا ماء ولا ورق صبرا على الدهر إن الدهر ذو غير ... وأهله منه بين الصفو والرّنق «٢» ودخل معاوية على ابن جعفر يعوده؛ فوجده مفيقا وعنده جارية في حجرها عود؛ فقال: ما هذا يا بن جعفر؟ فقال: هذه جارية أروّيها رقيق الشّعر فتزيده حسنا بحسن نغمتها. قال: فلتقل. فحركت عودها وغنت! وكان معاوية قد خضب.

стр. 724

أليس عندك شرّ للتي جعلت ... ما ابيضّ من قادمات الرّيش كالحمم «١» وجدّدت منك ما قد كان أخلقه ... ريب الزمان وصرف الدهر والقدم فحرّك معاوية رجله؛ فقال له ابن جعفر: لم حرّكت رجلك يا أمير المؤمنين؟ قال: كل كريم طروب. وقال محمود الوراق في الخضاب: للضيف أن يقرى ويعرف حقّه ... والشيب ضيفك فاقره بخضاب وافى بأكذب شاهد ولربّما ... وافى المشيب بشاهد كذّاب فافسخ شهادته عليك بخضبه ... تنفي الظنون به عن المرتاب فإذا دنا وقت المشيب فخلّه ... والشيب يذهب فيه كلّ ذهاب وقال آخر: وقائلة تقول: وقد رأتي ... أرفّع عارضيّ من القتير عليك الخطر علّك أن تدنّى ... إلى بيض ترائبهن حور «٢» فقلت لها المشيب نذير عمري ... ولست مسوّدا وجه النذير وقال غيره: إنّ شيئا صلاحه بخضاب ... لعذاب موكّل بعذاب فو حقّ الشباب لولا هوى البي ... ض وأن تشمئزّ نفس الكعاب «٣» لأرحت الخدين من وضر الخط ... ر واذنت بانقضاء الشباب» وقال غيره: بكرت تحسّن لي سواد خضابي ... لكأنّ يعيدني لشبابي «٥»

стр. 725

وإذا أديم الوجه أخلقه البلى ... لم ينتفع فيه بحسن خضاب ماذا ترى يجدي عليك سواده ... وخلاف ما يرضيك تحت ثيابي ما الشيب عندي والخضاب لواصف ... إلّا كشمس جلّلت بسحاب تخفي قليلا ثم يقشعها الصّبا ... فيصير ما سترت به لذهاب ومن قولنا في هذا المعنى: أصمّم في الغواية أم أنابا ... وشيب الرأس قد أنضى الشّبابا «١» إذا نصل الخضاب بكى عليه ... ويضحك كلما وصل الخضابا «٢» كأنّ حمامة بيضاء ظلّت ... تقاتل في مفارقه غرابا فضيلة الشيب قال النبي ﷺ : «من شاب شيبة في الإسلام كان له نورا يوم القيامة» . وقال ابن أبي شيبة: نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشيب وقال: «هو نور المؤمن» . وقالوا: أول من رأى الشيب إبراهيم خليل الرحمن، فقال: يا ربّ، ما هذا؟ قال له: هذا الوقار. قال: ربّ زدني وقارا. وقال أبو نواس: يقولون في الشّيب الوقار لأهله ... وشيبي بحمد الله غير وقار وقال غيره: يقولون هل بعد الثّلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب لقد جلّ قدر الشّيب إن كان كلّما ... بدت شيبة يعرى من الّلهو مركب أبو دلف والمأمون: دخل أبو دلف على المأمون، وعنده جارية [له] ، وقد ترك الخضاب أبو دلف،

стр. 726

فغمز المأمون الجارية، فقالت له: شبت أبا دلف، إنا لله وإنا إليه راجعون لا عليك! فسكت أبو دلف، فقال له المأمون: أجبها أبا دلف. فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه. فقال: تهزّأت أن رأت شيبي فقلت لها ... لا تهزئي من يطل عمر به يشب شيب الرّجال لهم زين ومكرمة ... وشيبكنّ لكنّ الويل فاكتئبي فينا لكنّ وإن شيب بدا أرب ... وليس فيكنّ بعد الشّيب من أرب وقال محمود الوراق: وعائب عابني بشيب ... لم يعد لمّا ألمّ وقته «١» فقلت للعائبي بشيبي ... يا عائب الشّيب لا بلغته أنشدني أبو عبد الله الإسكندارني، معلم الإخوة: ومما زاد في طول اكتئابي ... طلائع شيبتين ألمتا بي فأمّا شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض من حبّ التصابي وأما شيبة فعفوت عنها ... لتشهد بالبراء من الخضاب! وقال محمود بن مناذر: لا سلام على الشّباب ولا حيّ ... االإله الشّباب من معهود قد لبست الجديد من كلّ شيء ... فوجدت الشّباب شرّ جديد صاحب ما يزال يدعو إلى العي ... ب وما من دعا له برشيد ولنعم المنيب والوازع الشّي ... ب ونعم المفاد للمستفيد «٢» كبرة السنّ قيل لأعرابي قد أخذته كبرة السن: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت تقيّدني

стр. 727

الشعرة وأعثر بالبعرة؛ قد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره «١» . وقال آخر: لقد كنت أنكر البيضاء، فصرت أنكر السوداء، فيا خير مبدول ويا شرّ بدل. معاوية والمستوغر: ودخل المستوغر بن ربيعة على معاوية بن أبي سفيان وهو ابن ثلاثمائة سنة؛ فقال: كيف تجدك يا مستوغر؟ فقال: أجدني يا أمير المؤمنين قد لان مني ما كنت أحب أن يشتد، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين، وابيض مني ما كنت أحب أن يسودّ، واسودّ مني ما كنت أحب أن يبيض، ثم أنشأ يقول: سلني أنبّئك بآيات الكبر ... نوم العشاء وسعال بالسّحر وقلّة النّوم إذا الليل اعتكر ... وقلة الطّعم إذا الزّاد حضر وسرعة الطرف وتحميج النظر ... وتركك الحسناء في قبل الظهر «٢» والناس يبلون كما يبلى الشّجر وقال أعرابي: أشكو إليك وجعا بركبتي ... وهدجانا لم يكن في مشيتي «٣» كهدجان الرّأل خلف الهيقت «٤» وقال آخر: وللكبير رثيات أربع ... الرّكبتان والنّسا والأخدع «٥» وقال جرير:

стр. 728

تحنّ العظام الرّاجفات من البلى ... وليس لداء الركبتين طبيب وقال أعرابي في امرأة: يا بكر حوّاء من الأولاد ... وأقدم العالم في البلاد عمرك ممدود إلى التّناد ... فحدّثينا بحديث عاد «١» ومبتدا فرعون ذي الأوتاد ... وكيف جاء السيل بالأطواد وقال آخر: إذا عاش الفتى سبعين عاما ... فقد ذهب المسرّة والفتاء كان في غطفان نصر بن دهمان؛ قاد غطفان وسادها حتى خرف وعمّر تسعين ومائة سنة، حتى اسود شعره ونبتت أضراسه وعاد شابا؛ فلا يعرف في العرب أعجوبة مثله. وقال محمد بن مناذر في رجل من المعمّرين: إنّ معاذ بن مسلم رجل ... قد ضجّ من طول عمره الأبد قد شاب رأس الزمان واكتهل الده ... ر وأثواب عمره جدد يا نسر لقمان كم تعيش وكم ... تسحب ذيل الحياة يا لبد «٢» قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنّك الوتد تسأل غربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصّداع والرمد عبد الملك والشعبي: ودخل الشعبي على عبد الملك بن مروان، فوجده قد كبا مهتما، فقال: ما بال أمير المؤمنين؟ قال: يا شعبي؛ ذكرت قول زهير: كأنّي وقد جاوزت سبعين حجّة ... خلعت بها عني عذار لجامي رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برام

стр. 729

فلو أنني أرمى بنبل رأيتها ... ولكنّني أرمى بغير سهام على الراحتين تارة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهنّ قيامي قال له الشعبي: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كما قال لبيد بن ربيعة، وقد بلغ سبعين سنة: كأني وقد جاوزت سبعين حجّة ... خلعت بها عن منكبيّ ردائيا فلما بلغ سبعا وسبعين سنة قال: باتت تشكّي إليّ النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا ... وفي الثلاث وفاء للثمانينا فلما بلغ مائة سنة قال: ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الخلق كيف لبيد فلما بلغ مائة سنة وعشرا قال: أليس في مائة قد عاشها رجل ... وفي تكامل عشر بعدها عمر فلما بلغ ثلاثين ومائة وقد حضرته الوفاة قال: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر فقوما فقولا بالذي تعلمانه ... ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر وقولا هو المرء الذي لا صديقه ... أضاع ولا خان الخليل ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر قال الشعبي: فلقد رأيت السرور في وجه عبد الملك طمعا أن يعيشها. وقال لبيد أيضا: أليس ورائي إن تراخت منيّتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع أخبّر أخبار القرون التي مضت ... أدبّ كأنّي كلّما قمت راكع

стр. 730

فأصبحت مثل السيف أخلق جفنه ... تقادم عهد القين والنّصل قاطع «١» ويقال: مكتوب في الزبور: من بلغ السبعين اشتكى من غير علة. وقال محمد بن حسان النبطي: لا تسأل نفسك العام ما أعطتك في العام الماضي. وقال معاوية لما أسنّ: ما مرّ شيء كنت أستلذه وأنا شاب فأجده اليوم كما أجده، إلا اللبن والحديث الحسن. عاش ضرار بن عمر حتى ولد له ثلاثة عشر ذكرا، فقال: من سرّه بنوه ساءته نفسه. وقال ابن أبي فنن: من عاش أخلقت الأيام جدّته ... وخانه ثقتاه السمع والبصر قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إنّ الشباب جنون برؤه الكبر قال أبو عبيدة: قيل لشيخ: ما بقي منك؟ قال: يسبقني من أمامي، ويدركني من خلفي، وأذكر القديم، وأنسى الحديث، وأنعس في الملا، وأسهر في الخلا، وإذا قمت قربت الأرض مني، وإذا قعدت تباعدت عني. وقال حميد بن ثور الهلالي: أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما وقال آخر: كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء «٢» ودعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحّني فإذا السلامة داء وقال أبو العتاهية، ويروى للقطامي: أسرع في نقص امريّ تمامه وقالت الحكماء: ما زاد شيء إلا نقص، ولا قام إلا شخص.

стр. 731

وقال بعض المحدثين: ألست ترى أن الزمان طواني ... وبدّل عقلي كلّه وبراني «١» تحيّفني عضوا فعضوا فلم يدع ... سوى اسمي صحيحا وحده ولساني «٢» ولو كانت الأسماء يدخلها البلى ... إذا بلي اسمي لامتداد زماني وما لي لا أبلى لسبعين حجّة ... وسبع أتت من دونها سنتان إذا عنّ لي شيء تخيّل دونه ... شبيه ضباب أو شبيه دخان وقال الغزّال: أصبحت والله محمودا على أمد ... من الحياة قصير غير ممتد حتى بقيت بحمد الله في خلف ... كأنّني بينهم من وحشة وحدي وما أفارق يوما من أفارقه ... إلّا حسبت فراقي آخر العهد وقال آخر: يا من لشيخ قد تخدّد لحمه ... أفنى ثلاث عمائم ألوانا «٣» سوداء حالكة وسحق مفوّف ... وأجدّ لونا بعد ذاك هجانا «٤» قصر الليالي خطوه فتدانى ... وحنين قائم صلبه فتحانى صحب الزمان على اختلاف فنونه ... فأراه منه شدّة وليانا والموت يأتي بعد ذلك كلّه ... وكأنّما يعني بذاك سوانا وقال سفيان الثوري في مدح كبره: إنّي وإن كان مسّني كبر ... على ما قد ترين من كبري أعرف من قبل أن تفارقني ... موقع سهمي والسهم في الوتر من صحب من ليس من نظرائه لخصال فيه كان حارثة بن بدر الغداني فارس بني تميم، وكان شاعرا أديبا ظريفا، وكان

стр. 732

يعاقر الشراب ويصحب زيادا، فقيل لزياد: إنك تصحب هذا الرجل وليس من شاكلتك. إنه يعاقر الشراب. فقال: كيف لا أصحبه ولم أسأله عن شيء قط إلا وجدت عنده منه علما، ولا مشى أمامي فاضطرني أن أناديه، ولا مشى خلفي فاضطرني أن التفت إليه، ولا راكبني فمسّت ركبتي ركبته. فلما هلك زياد قال فيه حارثة بن بدر: أبا المغيرة والدّنيا مغرّرة ... وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للتنكير تنكير لو خلّد الخير والإسلام ذا قدم ... إذا لخلّدك الإسلام والخير «١» وتمام هذه الأبيات قد وقعت في الكتاب الذي أفردناه للمراثي. وكان زياد لا يداعب أحد في مجلسه ولا يضحك، فاختصم إليه بنو راسب وبنو الطفاوة في غلام أثبته هؤلاء وهؤلاء، فتحيّر زياد في الحكم، فقال له حارثة، بن بدر: عندي أكرم الله الأمير في هذا الغلام أمر، إن أذن لي الأمير تكلمت به فيه. قال: وما عندك فيه؟ قال: أرى أن يلقى في دجلة، فإن رسب فهو لبني راسب، وإن طفا فهو لبني الطفاوة! فتبسم زياد وأخذ نعليه ودخل، ثم خرج فقال لحارثة: ما حملك على الدعابة في مجلسي؟ قال: طيبة حضرتني، أصلح الله الأمير خفت أن تفوتني، قال: لا تعد إلى مثلها. ابن زياد وحارثة وأبو الأسود: ولما ولي عبيد الله بن زياد بعد موت أبيه، اطّرح حارثة بن بدر وجفاه، فقال له حارثة: مالك لا تنزلني التي كان ينزلني أبوك؟ أتدّعي أنك أفضل منه أو أعقل؟ قال له: إنّ أبي كان برع في الفضل بروعا لا تضره صحبة مثلك. وأنا حدث أخشى أن تحرقني بنارك؛ فإن شئت فاترك الشراب وتكون أول داخل وآخر خارج. قال: والله ما تركته لله فكيف أتركه لك؟ قال: فتخير بلدا أولّيكه. فاختار سرّق

стр. 733

من أرض العراق، فولاه إياها. فكتب إليه أبو الأسود الدؤلي وكان صديقا له: أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق وباه تميما بالغنى، إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق «١» وما الناس إلّا اثنان إمّا مكذّب ... يقول بما يهوى وإمّا مصدّق يقولون أقوالا ولا يحكمونها ... فإن قيل يوما حقّقوا لم يحقّقوا فدع عنك ما قالوا ولا تكترث بهم ... فحظّك من مال العراقين سرّق فوقّع في أسفل كتابه: لا بعد عليك الرشد. ابن الوليد البجلي وابن بيض: وكان ابن الوليد البجلي، وهو ابن أخت خالد بن عبد الله القسري، ولي أصبهان، وكان رجلا متسمّتا «٢» متصلّحا، فقدم عليه حمزة بن بيض وبن عوف في صحبته، فقيل له: إن حمزة لا يصحب مثلك؛ لأنه صاحب كلاب ولهو. فبعث إليه ثلاثة آلاف درهم وأمره بالانصراف. فقال فيه: يا بن الوليد المرتجى سيبه ... ومن يجلّي الحدث الحالكا سبيل معروفك منّي على ... بال فما بالي على بالكا حشو قميصى شاعر مفلق ... والجود أمسى حشو سربالكا يلومك النّاس على صحبتي ... والمسك قد يستصحب الرّامكا «٣» إن كنت لا تصحب إلّا فتى ... مثلك لن تؤتى بأمثالكا هبني امرء اجئت أريد الهدى ... فجد على جهلي بإسلامكا قال له: صدقت! وقرّبه وحسنت عنده منزلته. وكان عبد الرحمن بن الحكم الأمير قد عتب على ندمائه، فأمر نصرا الفتى

стр. 734

بإسقاطهم من ديوان عطائه ولم يستبدل بهم؛ فلما كان بعد أيام استوحش لهم، فقال لنصر: قد استوحشنا لأصحابنا أولئك! فقال له نصر: قد نالهم من سخط الأمير ما فيه أدب لهم؛ فإن رأى أن يرسل فيهم أرسلت. قال: أرسل. فأقبل القوم وعليهم كآبة السخط، فأخذوا مجالسهم ولم ينشرحوا ولا خاضوا فيما كانوا يخوضون فيه، فقال الأمير لنصر: ما يمنع هؤلاء من الانشراح؟ قال: عليهم أبقى الله الأمير وجمة «١» السخط الذي نالهم، قال: قل لهم: قد عفونا فلينشرحوا. قال: فقام عبد الرحمن بن الشمر الشاعر المتنجم، فجثا بين يديه، ثم أنشده شعرا له أقذع فيه على بعض أصحابه إلا أنه ختمه ببيتين بديعين، وهما: فيا رحمة الله في خلقه ... ومن جوده أبدا يسكب لئن عفت صحبة أهل الذّنوب ... لقلّ من الناس من تصحب وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول النابغة: ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرّجال المهذّب؟ «٢» قولهم في القرآن كتب المريسيّ إلى أبي يحيى منصور بن محمد: اكتب: القرآن خالق أو مخلوق؟ فكتب إليه: عافانا الله وإياك من كل فتنة، وجعلنا وإياك من أهل السنة، وممن لا يرغب بنفسه عن الجماعة، فإنه إن تفعل فأعظم بها منّة، وإن لا تفعل فهي الهلكة، ونحن نقول: إن الكلام في القرآن بدعة، يتكلف المجيب ما ليس عليه، ويتعاطى السائل ما ليس له، وما نعلم خالقا إلا الله، وما سوى الله فمخلوق؛ والقرآن كلام الله، فانته بنفسك إلى أسمائه التي سماه الله بها فتكون من المهتدين، ولا تسمّ القرآن باسم من عندك فتكون من الضالّين. جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون.

стр. 735

تم الجزء الثاني من العقد الفريد ويليه الجزء الثالث

стр. 736

الجزء الثالث كتاب الجوهرة في الامثال قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في العلم والأدب وما يتولّد منهما وينسب إليهما من الحكم النادرة، والفطن البارعة. ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الأمثال، التي هي وشي الكلام وجوهر اللفظ، وحلى المعاني، والتي تخيّرتها العرب، وقدّمتها العجم، ونطق بها كلّ زمان وعلى كل لسان. فهي أبقى من الشّعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عمّ عمومها، حتى قيل: أسير من مثل. وقال الشاعر: ما أنت إلا مثل سائر ... يعرفه الجاهل والخابر «١» وقد ضرب الله الأمثال في كتابه، وضربها رسول الله ﷺ في كلامه. قال الله : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ «٢» وقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ «٣» . ومثل هذا كثير في آي القرآن. فأول ما نبدأ به: أمثال رسول الله ﷺ ، ثم أمثال العلماء، ثم أمثال أكثم بن صيفي

стр. 737

وبزرجمهر الفارسي؛ وهي التي كان يستعملها جعفر بن يحيى في كلامه؛ ثم أمثال العرب التي رواها أبو عبيد، وما أشبهها من أمثال العامة: ثم الأمثال التي استعملها الشعراء في أشعارهم في الجاهلية والإسلام. أمثال رسول الله ﷺ قال النبي ﷺ : ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبي الصراط أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخيّة، وعلى رأس الصراط داع يقول: ادخلوا الصراط ولا تعوجّوا. فالصراط الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، والداعي القرآن. وقال ﷺ : مثل المؤمن كالخامة «١» من الزرع: يقلبها الريح مرة كذا ومرة كذا. ومثل الكافر مثل الأرزة «٢» المجذية على الأرض، يكون انجعافها بمرّة. وسأله حذيفة: أبعد هذا الشر خير يا رسول الله؟ فقال: جماعة على أقذاء، وهدنة على دخن. وقوله حين ذكر الدنيا وزينتها، فقال: إن ممّا ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلّم «٣» . وقال لأبي سفيان: أنت أبا سفيان كما قالوا: كلّ الصيد في جوف الفرا «٤» . وقال حين ذكر الغلو في العبادة: إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وقال ﷺ : إياكم وخضراء الدّمن. قالوا: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء.

стр. 738

وذكر الرّبا في آخر الزمان، وافتتان الناس به، فقال: من لم يأكله أصابه غباره. وقال: الإيمان قيد الفتك. وقال ﷺ : الولد للفراش وللعاهر الحجر. وقال في فرس: وجدته بحرا. وقال: إن من البيان لسحرا. وقال: لا ترفع عصاك عن أهلك. وقال ﷺ : لا يلدغ المؤمن من جحر» مرتين. وقال: الحرب خدعة. وله ﷺ : أمثال كثيرة غير هذه، ولكنّا لم نذهب في كل باب إلى استقصائه، وإنما ذهبنا إلى أن نكتفي بالبعض، ونستدل بالقليل على الكثير، ليكون أسهل مأخذا للحفظ، وأبرأ «٢» من الملالة والهرب. وتفسيرها: أما المثل الأوّل، فقد فسّره النبي ﷺ . وأما قوله: «المؤمن كالخامة والكافر كالأرزة، فإنه شبّه المؤمن في تصرف الأيام به وما يناله من بلائها، بالخامة من الزرع يقلبها الرّيح مرة كذا ومرة كذا- والخامة في قول أبي عبيد: القصبة الرطبة في الزرع؛ والأرزة: واحدة الأرز، وهو شجر له ثمر يقال له الصنوبر. والمجذبة: الثابتة، وفيها لغتان: جذا يجذو، وأجذى يجذى. والانجعاف: الانقلاع، يقال جعفت الرجل، إذا قلعته وصرعته وضربت به الأرض. وقوله لحذيفة: هدنة على دخن وجماعة على أقذاء «٣» . أراد ما تنطوي عليه القلوب من الضغائن والأحقاد، فشبّه ذلك بإغضاء الجفون على الأقذاء. والدخن: مأخوذ من الدخان، جعلا مثله لما في الصدور من الغل. وقوله: إنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم. فالحبط- كما ذكر أبو عبيدة عن

стр. 739

الأصمعي: أن تأكل الدابة حتى ينتفخ بطنها وتمرض منه، يقال: حبطت الدابة تحبط حبطا. وقوله: أو يلم. معناه: أو يقرب من ذلك. ومنه قوله: إذ ذكر أهل الجنة فقال: إن أحدهم إذا نظر إلى ما أعدّ الله له في الجنة فلولا أنه شيء قضاه الله له لألّم أن يذهب بصره، يعني لما يرى فيها. يقول: لقرب أن يذهب بصره. وقوله لأبي سفيان: كل الصيد في جوف الفرا. فمعناه أنك في الرجال كالفرا في الصيد، وهو الحمار الوحشي، وقال له ذلك يتألّفه على الإسلام. وقوله حين ذكر الغلو في العبادة: إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. يقول: إن المغذّ «١» في السير إذا أفرط الإغذاذ عطبت راحلته من قبل أن يبلغ حاجته أو يقضي سفره، فشبّه بذلك من أفرط في العبادة حتى يبقى حسيرا. وقوله في الربا: من لم يأكله أصابه غباره. إنما هو مثل لما ينال الناس من حرمته، وليس هناك غبار. وقوله: الإيمان قيّد الفتك. أي منع منه كأنه قيد له. وفي حديث آخر: لا يفتك مؤمن. وقوله في فرس: وجدته بحرا. وإن من البيان لسحرا؛ إنما هو تمثيل لا على التحقيق. وكذلك قوله: الولد للفراش وللعاهر الحجر. معناه أنه لا حق له في نسب الولد. وقوله ﷺ : لا ترفع عصاك عن أهلك. إنما هو الأدب بالقول، ولم يرد ألا ترفع عنها العصا. وقوله: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. معناه أن لدغ مرة يحفظ من أخرى. وقوله: الحرب خدعة. يريد أنها بالمكر والخديعة.

стр. 740

أمثال روتها العلماء ابن بشير على منبر الكوفة: خطب النعمان بن بشير على منبر بالكوفة فقال: يأهل الكوفة، إني وجدت مثلي ومثلكم كالضّبع والثعلب أتيا الضبّ في جحره، فقالا: أبا حسل «١» . قال: أجبتكما قالا: جئناك نختصم. قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت الضبع: فتحت عيبتي، قال: فعل النساء فعلت. قالت: فلقطت تمرة. قال: حلوا جنيت. قالت: فاختطفها ثعالة. قال: نفسه بغى ثعالة اسم الثعلب، الذكر والأنثى قالت: فلطمته لطمة. قال: حقا قضيت. قالت: فلطمني أخرى. قال: كان حرّا فانتصر. قالت: فاحكم الآن بيننا. قال: حدّث امرأة حديثين فإن لم تفهم فأربعة. ابن الزبير وأهل العراق: وقال عبد الله بن الزبير لأهل العراق: وددت والله لو أن لي بكم من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم. قال له رجل منهم: أتدري يا أمير المؤمنين ما مثلنا ومثلكم ومثل أهل الشام؟ قال: وما ذلك؟ قال: ما قاله أعشى بكر حيث يقول: علّقتها «٢» عرضا وعلقت رجلا غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل. أحببناك نحن، وأحببت أنت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك بن مروان. مثل في الرياء «٣» فخ الإسرائيلي والعصفورة: يحيى بن عبد العزيز: قال: حدّثني نعيم عن إسماعيل عن رجل من ولد أبي بكر الصدّيق رضوان الله عليه، عن وهب بن منبه قال: نصب رجل من بني إسرائيل
следующие страницы →