Полный текст (2 664 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
الحذر محمود وقد أمر الله به، والجبن مذموم من كل وجه.
ومنه الشعر الذي تمثّل به سعد بن معاذ يوم الخندق:
لبّث قليلا يدرك الهيجا جمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل
ومنه قولهم: كلّ أزبّ نفور. وإنما يقال في الأزبّ من الإبل لكثرة شعره، ويكون ذلك في عينيه، فكلما رآه ظنّ أنه شخص يطلبه فينفر من أجله.
ومنه قولهم: بصبصن «١» إذ حدين بالأذناب.
ومنه قولهم:
دردب «٢» لمّا عضّه الثقاف «٣»
وقولهم: حال الجريض «٤» دون القريض. وهذا المثل لعبيد بن الأبرص، قاله للنعمان بن المنذر بن ماء السماء حين أراد قتله فقال له: أنشدني شعرك.
أقفر من أهله ملحوب «٥»
فقال عبيد: حال الجريض دون القريض.
ومنه: قفّ شعره، واقشعرّت ذؤابته. معناه قام شعره من الفزع.
إفلات الجبان بعد إشفائه
منه قولهم: أفلت وانحصّ «٦» الذّنب.
ومنه: أفلت وله حصاص «٧» .
ويروى في الحديث: «إن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص» .
ومنه أفلتني جريعة الذّقن. إذا كان منه قريبا كقرب الجرعة من الذقن، ثم أفلته.
стр. 807
ومنه قول العامة: إن يفلّت الطير فقد ذرق «١» .
وقولهم: أفلت وقد بلّ النّيفق «٢» . الذي تسميه العامة: النّيفق.
الجبان يتهدد غيره
منه قولهم: جاء فلان ينفض مذرويه. أي يتوعد ويتهدّد. والمذروان: فرعا الأليتين. ولا يكاد يقال هذا إلا لمن يتهدد بلا حقيقة.
ومنه: أبرق لمن لا يعرفك. واقصد بذرعك. ولا تبق إلا على نفسك.
تصرف الدهر
منه: من يجتمع تتقعقع «٣» عمده. أي أن الاجتماع داعية الافتراق.
ومنه: كل ذات بعل ستئيم «٤» .
ومنه البيت السائر:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
ومنه: لم يفت من لم يمت.
الاستدلال بالنظر عن الضمير
منه قولهم: شاهد البغض اللحظ. وجلّى محبّ نظره.
قال زهير:
فإن تك في صديق أو عدوّ ... نخّبرك العيون عن الضمير
وقال ابن أبي حازم:
خذ من العيش ما كفى ... ومن الدهر ما صفا
стр. 808
عين من لا يحبّ وص ... لك تبدي لك الجفا
نفي المال عن الرجل
منه قولهم: ماله سعنة «١» ولا معنة «٢» . معناه لا شيء له.
ومنه: ماله هلع ولا هلّعة. وهما الجدي والعناق «٣» .
ومنه: ماله هارب ولا قارب، معناه ليس له أحد يهرب منه، ولا أحد يقرب إليه؛ فليس له شيء.
وقولهم: ماله عافطة ولا نافطة؛ وهما الضائنة والماعزة. وما به نبض ولا حبض.
قال الأصمعي: النبض: المتحرك، ولا أعرف الحبض.
وقال غيره: النبض والحبض في الوتر، والنبض: تحرك الوتر، والحبض: صوته.
قال:
والنبل يهوى نبضا وحبضا
ومنه قولهم: ماله سبد ولا لبد. هما الشعر والصوف.
ولم يعرف الأصمعي السّعنة والمعنة.
إذا لم يكن في الدار أحد
منه قولهم: ما بالدار شفر «٤» ؛ ولا بها دعوي؛ ولا بها دبّي. معناه ما بها من يدعو ومن يدب، وما بها من غريب. ولا بها دوري ولا طوري؛ وما بها وابر، وما بها صافر، ولا بها ديّار، وما بها نافخ ضرمة «٥» ، وما بها أرم. معنى هذا كله ما بها أحد، ولا يقال منها شيء في الإثبات والإيجاب، وإنما يقولونها في النفي والجحد.
стр. 809
اللقاء وأوقاته
ومنه: لقيت فلانا أوّل عين. يعني أوّل شيء.
وقال أبو زيد: لقيته أوّل عائنة. ولقيته أوّل وهلة. ولقيته أوّل ذات يدين. ولقيته أوّل صوك وأول بوك «١» . فإن لقيته فجأة من غير أن تريده، قلت: لقيته نقابا؛ ولقيته التقاطا، إذا لقيته من غير طلب. وقال الراجز:
ومنهل وردته التقاطا
وإن لقيته مواجهة قلت: لقيته صفاحا. ولقيته كفاحا. ولقيته كفّة كفّة.
قال أبو زيد: فإن عرض لك من غير أن تذكره قلت: رفع رفعا؛ وأشبّ لي إشبابا. فإن لقيته وليس بينك وبينه أحد، قلت: لقيته صحرة بحرة. وهي غير مجراة. فإن لقيته في مكان قفر لا أنيس به قلت: لقيته صحرة بحرة أصمت، غير مجرى أيضا. ولقيته بين سمع الأرض وبصرها. فإن لقيته قبل الفجر قلت: لقيته قبل [كلّ] صبح ونفر. النفر: التفرق. وإن لقيته بالهاجرة قلت: لقيته صكة عميّ.
وصكة «٢» أعمى.
قال رؤبة يصف الفلاة إذا لمعت بالسراب في الهاجرة:
شبيهة بسهم قوس لمعا ... صكّ عمي زاجرا قد برعا «٣»
فإن لقيته في اليومين والثلاثة قلت: لقيته في الفرط. ولا يكون الفرط في أكثر من خمس عشرة ليلة. فإن لقيته بعد شهر ونحوه، قلت: لقيته في عفر. فإن لقيته بعد الحول ونحوه قلت: لقيته عن هجر. فإن لقيته بعد أعوام قلت: لقيته ذات العويم.
فإن لقيته في الزمان قلت: لقيته ذات الزّمين. والغب في الزيارة، وهو الإبطاء فيها.
والاعتمار في الزيارة. وهو التردّد فيها.
стр. 810
في ترك الزيارة
منه قولهم: لا آتيك ما حنت النّيب. وما أطت «١» الإبل. وما اختلف الدرّة والجرّة.
وما اختلف الملوان. وما اختلف الجديدان. ولا آتيك السّمر والقمر وأبد الأبد.
ويقال: أبد الآبدين. ودهر الداهرين. وحتى يرجع السّهم إلى فوقه «٢» . وحتى يرجع اللبن في الضّرع. ولا آتيك سنّ الحسل.
تفسيره: النيب: جمع ناب، وهي المسنة من الإبل. والدرة: الحلبة من اللبن.
والجرة: من اجترار البعير. والملوان والجديدان: الليل والنهار. والحسل: هو ولد الضب. يقول: حتى تسقط أسنانه، ولا تسقط أبدا حتى يموت.
استجهال الرجل ونفي العلم عنه
منه قولهم: ما يعرف الحوّ من اللوّ. وما يعرف الحيّ «٣» من الّليّ «٤» . ولا هريرا «٥» من غرير «٦» . ولا قبيلا من دبير. وما يعرف أيّ طرفيه أطول وأكبر. وما يعرف هرّا من برّ، أي ما يعرف من يهرّه ممن يبّره. والقبيل: ما أقبلت به من فتل الحبل، والدبير:
ما أدبرت به منه، وأي طرفه أطول: أنسب أبيه أم نسب أمه.
أمثال مستعملة في الشعر
قال الأصمعي: لم أجد في شعر شاعر بيتا أوّله مثل وآخره مثل إلا ثلاثة ابيات:
منها بيت الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وبيتان لامرىء القيس:
стр. 811
وأفلتهنّ علباء جريضا «١» ... ولو أدركنه صفر الوطاب
وقاهم جدّهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب
ومثل هذا كثير في القديم والحديث، ولا أدري كيف أغفل القديم منه الأصمعي.
فمنه قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وفي هذا مثلان من أشرف الأمثال. ويقال إن رسول الله ﷺ سمع هذا البيت، فقال: «إن معناه من كلام النبوّة» ؛ ومن ذلك قول الآخر:
ما كلّف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجد
ومن ذلك قول الحسن بن هانيء:
أيها المنتاب عن عقره ... لست من ليلي ولا سمره
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المرّ من ثمره
إن العرب تقول: انتاب فلان عن عقره: أي تباعد عن أصله. لست من ليلي ولا سمره: مثل ثان، وليس في البيت الثاني إلا مثل واحد.
ومن قولنا في بيت أوّله مثل وآخره مثل:
قد صرّح الأعداء بالبين ... وأشرق الصبح لذي العين
وبعده أبيات في كل بيت منها مثل، وذلك قولنا:
وعاد من أهواه بعد القلى ... شقيق روح بين جسمين «٢»
وأصبح الداخل في بيننا ... كساقط بين فراشين
قد ألبس البغضاء من ذا وذا ... لا يصلح الغمد لسيفين
стр. 812
ما بال من ليست له حاجة ... يكون أنفا بين عينين
ومن قولنا الذي هو أمثال سائرة:
قالوا شبابك قد ولّى فقلت لهم ... هل من جديد على كرّ الجديدين
صل من هويت وإن أبدى معاتبة ... فأطيب العيش وصل بين إلفين
واقطع حبائل خلّ لا تلائمه ... فربما ضاقت الدنيا على اثنين»
وقلت بعد هذا في المدح:
فكّرت فيك أبحر أنت أم قمر ... فقد تحيّر فكري بين هذين
إن قلت بحرا وجدت البحر منحسرا ... وبحر جودك ممتدّ العبابين
أو قلت بدرا رأيت البدر منتقصا ... فقلت شتّان ما بين البديرين
ومن الأمثال التي لم تأت إلا في الشعر أو في قليل من الكلام، من ذلك قول الشاعر:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السفينة لا تجري على اليبس
وقال آخر:
متى تنقضي حاجات من ليس صابرا ... على حاجة حتى تكون له أخرى
قيل ولما بلغ حاتما قول المتلمّس:
وأعلم علم صدق غير ظنّ ... لتقوى الله من خير العتاد
وحفظ المال أيسر من بغاه ... وسير في البلاد بغير زاد «٢»
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
قال: قطع الله لسانه! يحمل الناس على البخل؛ ألا قال:
لا الجود يفني المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال الشحيح يزيد
فلا تلتمس مالا بعيش مقتّر ... لكل غد رزق يعود جديد «٣»
стр. 813
وقال غيره:
إذا كنت لا أعفو عن الذنب من أخ ... وقلت أكافيه فأين التفاضل
فإن أقطع الإخوان في كل عسرة ... بقيت وحيدا ليس لي من أواصل
ولكنني أغضي الجفون على القذى ... وأصفح عما رابني وأجامل
متى ما يربني مفصل فقطعته ... بقيت ومالي للنهوض مفاصل
ولكن أداويه فإن صحّ سرّني ... وإن هو أعيا كان فيه التجامل
وقال:
يديفون لي سمّا وأسقيهم الحيا ... ويقرونني شرا وشري مؤخّر «١»
كأني سلبت القوم نور عيونهم ... فلا العذر مقبول ولا الذنب يغفر
وقد كان إحساني لهم غير مرة ... ولكن إحسان البغيض مكفّر «٢»
ولغيره:
لم يبق من طلب الغنى ... إلا التعرّض للحتوف
فلأقبلنّ وإن رأيت ... الموت يلمع في الصفوف
إني امرؤ لم أوت من ... أدب ولا حظّ سخيف
لكنه قدر يزو ... ل من القويّ إلى الضعيف
стр. 814
كتاب الزمردة في المواعظ والزهد
لابن عبد ربه:
قال أحمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الأمثال، وما تفننوا فيها على كل لسان، ومع كل زمان؛ ونحن نبدأ بعون الله وتوفيقه بالقول في الزهد ورجاله المشهورين به، ونذكر المنتخل من كلامهم، والمواعظ التي وعظت بها الأنبياء، واستخلصتها الآباء للأبناء، وجرت بين الحكماء والأدباء؛ ومقامات العبّاد بين أيدي الخلفاء.
فأبلغ المواعظ كلها كلام الله تعالى الأعز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. قال الله ﵎: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
«١» .
وقال جل ثناؤه: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
«٢» .
وقال: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
стр. 815
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
«١» .
فهذه أبلغ الحجج وأحكم المواعظ.
ثم مواعظ الأنبياء صلوات الله عليهم، ثم مواعظ الآباء للأبناء، ثم مواعظ الحكماء والأدباء، ثم مقامات العبّاد بين أيدي الخلفاء، ثم قولهم في الزهد ورجاله المعروفين به، ثم المشهورين من المنتسبين إليه.
والموعظة ثقيلة على السمع محرّجة «٢» على النفس، بعيدة من القبول، لاعتراضها الشهوة، ومضادّتها الهوى، الذي هو ربيع القلب، ومراد الروح، ومربع اللهو، ومسرح الأماني؛ إلا من وعظه علمه، وأرشده قلبه؛ وأحكمته تجربته قال الشاعر:
لن ترجع الأنفس عن غيّها ... حتى يرى منها لها واعظ
وقالت الحكماء: السعيد من وعظ بغيره. لا يعنون من وعظه غيره، ولكن من رأى العبر في غيره فاتعظ بها في نفسه. ولذلك كان يقول الحسن: اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة «٣» ، وحادثوها بالذّكر «٤» فإنها سريعة الدثور، واعصوها فإنها إن أطيعت نزعت إلى شرّ غاية.
وكان يقول عند انقضاء مجلسه وختم موعظته: يا لها من موعظة لو صادفت من القلوب حياة.
لابن السماك:
وكان ابن السماك يقول إذا فرغ من كلامه: ألسن تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخالف.
وقال يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا. يريد ثقل الموعظة على السمع،
стр. 816
وجنوح النفس إلى مخالفتها. ومنه قولهم:
أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا
وقولهم:
والشيء يرغب فيه حين يمتنع
والموعظة مانعة لك مما تشتهي، حاملة لك على ما تكره، إلا أن تلقاها بسمع قد فتقته العبرة، وقلب قدحت فيه الفكرة، ونفس لها من علمها زاجر، ومن عقلها رادع؛ فيفتح لك باب التوبة، ويوضح لك سبيل الإنابة.
للنبي ﷺ :
قال النبي ﷺ : حفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النار بالشهوات. يريد أن الطريق إلى الجنة احتمال المكروه في الدنيا، والطريق إلى النار ركوب الشهوات.
وخير الموعظة ما كانت من قائل مخلص، إلى سامع منصف.
لبعضهم:
وقال بعضهم: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.
وقالوا: ما أحسن التاج! وهو على رأس الملك أحسن. وما أحسن الدرّ، وهو على نحر الفتاة أحسن. وما أحسن الموعظة! وهي من الفاضل التقيّ أحسن.
لزياد:
وقال زياد: أيها الناس، لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا، أن تنتفعوا بأحسن ما تسمعون منا. قال الشاعر:
اعمل بقولي وإن قصّرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري
стр. 817
لابن عباس في كلام لعلي:
وقال عبد الله بن عباس: ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول الله ﷺ ما انتفعت بكلام كتبه إليّ عليّ بن أبي طالب ﵁، كتب إليّ:
أما بعد: فإن المرء يسرّه إدراك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه. فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من أمر دنياك فلا تكن به فرحا. وما فاتك فلا تأس عليه جزعا. وليكن همك ما بعد الموت.
حكيم بباب بعض الملوك:
وقف حكيم بباب بعض الملوك فحجب، فتلطّف برقعة وأوصلها إليه، وكتب فيها هذا البيت:
ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنى ... وأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر
فلما قرأ البيت لم يلبث أن انتعل وجعل لاطئة «١» على رأسه، وخرج في ثوب فضال «٢» ، فقال له: والله ما اتعظت بشيء بعد القرآن اتّعاظى ببيتك هذا! ثم قضى حوائجه.
مواعظ الأنبياء ﵈
للنبي ﷺ :
قال أبو بكر بن أبي شيبة يرفعه إلى النبي ﷺ «يكفي أحدكم من الدنيا قدر زاد الراكب» .
стр. 818
وقال ﷺ : «ابن آدم. اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» .
عبد الله بن سلام قال: لما قدم علينا رسول الله ﷺ المدينة أتيته، فلما رأيت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذّاب؛ فسمعته يقول: «أيها الناس، أطعموا الطّعام، وأفشوا السلام، وصلّوا والناس نيام» .
لعيسى ﵇:
وقال عيسى بن مريم ﵇: ألا أخبركم بخيركم مجالسة؟ قالوا: بلى يا روح الله. قال: من تذكّركم بالله رؤيته، ويزيد في عملكم منطقه، ويشوّقكم إلى الجنة عمله.
وقال عيسى بن مريم ﵇ للحواريين: ويلكم يا عبيد الدنيا! كيف تخالف فروعكم أصولكم، وأهواؤكم عقولكم. قولكم شفاء يبرىء الدّاء، وفعلكم داء لا يقبل الدّواء. لستم كالكرمة التي حسن ورقها، وطاب ثمرها، وسهل مرتقاها.
ولكنكم كالسمرة «١» التي قلّ ورقها، وكثر شوكها، وصعب مرتقاها. ويلكم يا عبيد الدنيا! جعلتم العمل تحت أقدامكم من شاء أخذه، وجعلتم الدنيا فوق رؤوسكم لا يمكن تناولها؛ فلا أنتم عبيد نصحاء، ولا أحرار كرام. ويلكم يا أجراء السوء! الأجر تأخذون، والعمل تفسدون، سوف تلقون ما تحذرون، إذا نظر ربّ العمل في عمله الذي أفسدتم، وأجره الذي أخذتم.
وقال ﵇ للحواريين: اتخذوا المساجد بيوتا، والبيوت منازل، وكلوا بقل البرية، واشربوا الماء القراح، وانجوا من الدنيا سالمين.
وقال ﵇ للحواريّين: لا تنظروا في أعمال الناس كأنكم أرباب، وانظروا في أعمالكم كأنكم عبيد؛ فإنما الناس رجلان: مبتلى ومعافى؛ فارحموا أهل البلاء،
стр. 819
واحمدوا الله على العافية.
وقال ﵇ لهم أيضا: عجبا لكم، تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل؛ ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بعمل.
وقال يحيى بن زكريا ﵇ للمكذّبين من بني إسرائيل: يا نسل الأفاعي، من دلّكم على الدخول في المساخط الموبقة بكم؟ ويلكم! تقرّبوا بعمل صالح، ولا تغرّنكم قرابتكم من إبراهيم ﵇. فإن الله قادر على أن يستخرج من هذه الجنادل «١» نسلا لإبراهيم. إن الفأس قد وضعت في أصول الشجر، فأخلق بكلّ شجرة مرّة الطعم أن تقطع وتلقى في النار.
وقال شعياء لبني إسرائيل: إذ أطلق الله لسانه بالوحي: إن الدابة تزداد على كثرة الرياضة لينا، وقلوبكم لا تزداد على كثرة الموعظة إلا قسوة. إنّ الجسد إذا صلح كفاه القليل من الطعام، وإن القلب إذا صحّ كفاه القليل من الحكمة. كم من سراج قد أطفأته الريح، وكم عابد قد أفسده العجب. يا بني إسرائيل، اسمعوا قولي، فإن قائل الحكمة وسامعها شريكان، وأولاهما بها من حقّقها بعمله.
وقال المسيح ﷺ : إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها، وإلى آجلها إذ نظروا إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا ما علموا أن سيتركهم؛ هم أعداء لما سالم الناس، وسلم لما عادى الناس، لهم خير، وعندهم الخبر العجيب، بهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الهدى وبه عملوا، لا يرون أمانا دون ما يرجون، ولا خوفا دون ما يحذرون.
داود ﵇:
وهب بن منبه قال: قال داود ﵇: يا رب، ابن آدم ليس منه شعرة إلا
стр. 820
وتحتها لك نعمة وفوقها لك نعمة، فمن أين يكافئك بما أعطيته؟ فأوحى الله إليه: يا داود، إنّي أعطي الكثير، وأرضى من عبادي بالقليل، وأرضى من شكر نعمتي بأن يعلم العبد أن ما به من نعمة فمن عندي لا من عند نفسه.
إبراهيم ﵇:
ولما أمر الله إبراهيم ﷺ بذبح ولده وأن يجعله قربانا، أسرّ ذلك إلى خليل له يقال له العازر، وكان له صديقا؛ فقال له الصديق إن الله لا يبتلي بمثل هذا مثلك، ولكنه يريد أن يختبرك أو يختبر بك؛ وقد علمت أنه لا يبتليك بمثل هذا ليفتنك، ولا ليضلك ولا ليعنتك، ولا لينقض به بصيرتك وإيمانك ويقينك؛ فلا يرو عنّك هذا، ولا يسوأن بالله ظنّك؛ وإنما رفع الله اسمك في البلاء عنده على جميع أهل البلايا، حتى كنت أعظمهم محنة في نفسك وولدك. ليرفعك بقدر ذلك في المنازل والدرجات والفضائل: فليس لأهل الصبر في فضيلة الصبر إلا فضل صبرك، وليس لأهل الثواب في فضيلة الثواب إلا فضل ثوابك. وليس هذا من وجوه البلاء الذي يبتلي الله به أولياءه؛ لأن الله أكرم في نفسه، وأعدل في حكمه وأرحم بعباده من أن يجعل ذبح الولد الطّيب بيد الوالد النبي المصطفى. وأنا أعوذ بالله أن يكون هذا مني حتما على الله أو ردّا لأمره، أو سخطا لحكمه، ولكن هذا الرجاء فيه والظنّ به؛ فإن عزم ربّك على ذلك فكن عند أحسن علمه بك؛ فإني أعلم أنه لم يعرّضك لهذا البلاء الجسيم، والخطب العظيم، إلا لحسن علمه بك، وصدقك وتصبّرك؛ ليجعلك إماما؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن وحي الله تعالى إلى أنبيائه
أوحى الله إلى نبي من أنبيائه: إني أنا الله مالك الملوك؛ قلوب الملوك بيدي؛ فمن أطاعني جعلت الملوك عليه رحمة؛ ومن عصاني جعلت الملوك عليه نقمة «١» .
стр. 821
المسيح ﵇:
ومما أنزل الله على المسيح في الإنجيل: شوّقناكم فلم تشتاقوا؛ ونحنا لكم فلم تبكوا؛ يا صاحب الخمسين، ما قدّمت وما أخّرت؟ يا صاحب الستين، قد دنا حصادك! يا صاحب السبعين، هلمّ إلى الحساب.
وفي بعض الكتب القديمة المنزلة: يقول الله يوم القيامة: يا عبادي طالما ظمئتم، وتقلّصت في الدنيا شفاهكم، وغارت أعينكم عطشا وجوعا: فكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية.
وأوحى الله تعالى إلى نبيّ من أنبيائه: هب لي من قلبك الخشوع، ومن نفسك الخضوع، ومن عينيك الدّموع؛ وسلني فأنا القريب المجيب.
وفي بعض الكتب: عبدي، كم أتحبّب إليك بالنعم وتتبغّض إليّ بالمعاصي؛ خيري إليك نازل، وشرّك إليّ صاعد.
وأوحى الله إلى نبيّ من أنبيائه: إن أردت أن تسكن غدا حظيرة القدس، فكن في الدنيا فريدا، وحيدا، طريدا، مهموما، حزينا؛ كالطير الوحدانيّ: يظل بأرض الفلاة، ويرد ماء العيون، ويأكل من أطراف الشجر؛ فاذا جنّ عليه الليل أوى وحده، واستيحاشا من الطير واستئناسا بربه.
ومما أوحى الله إلى موسى في التوراة: يا موسى بن عمران، يا صاحب جبل لبنان، أنت عبدي وأنا إلهك الدّيّان، لا تستذلّ الفقير، ولا تغبط الغني بشيء يسير، وكن عند ذكري خاشعا، وعند تلاوة وحي طائعا؛ أسمعني لذاذة التوراة بصوت حزين.
موسى ﵇:
وقال وهب بن منبّه: أوحى الله إلى موسى عند الشجرة: لا تعجبنّك زينة فرعون ولا ما متّع به، ولا تمدّنّ إلى ذلك عينك؛ فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين؛ ولو شئت أن أوتيك زينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عنها فعلت؛
стр. 822
ولكني أرغبتك عن ذلك وأزويته عنك؛ فكذلك أفعل بأوليائي؛ إني لأذودهم عن نعيمها. ولذاذتها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة؛ وإني لأحميهم عيشها وحلوتها، كما يحمي الراعي ذوده عن مبارك العرّ «١» .
يوسف ﵇:
وذكر عن وهب بن منبه أن يوسف لما لبث في السجن بضع سنين، أرسل الله جبريل إليه بالبشارة بخروجه، فقال: أما تعرفني أيها الصّدّيق؟ قال يوسف: أرى صورة طاهرة وروحا طيبا لا يشبه أرواح الخاطئين. قال جبريل: أنا الروح الأمين، رسول رب العالمين. قال يوسف: فما أدخلك مداخل المذنبين، وأنت سيد المرسلين، ورأس المقرّبين؟ قال: ألم تعلم أيها الصديق أن الله يطهر البيوت بطهر النبيين. وأن البقعة التي تكون فيها هي أطهر الأرضين، وأنّ الله قد طهّر بك السجن وما حوله يا ابن الطاهرين. قال يوسف: كيف تشبهني بالصالحين، وتسميني بأسماء الصادقين، وتعدّني مع آبائي المخلصين، وأنا أسير بين هؤلاء المجرمين؟ قال جبريل: لم يكلم قلبك الجزع، ولم يغيّر خلفك البلاء، ولم يتعاظمك السجن، ولم تطأ فراش سيّدك، ولم ينسك بلاء الدنيا بلاء الآخرة، ولم تنسك نفسك أباك، ولا أبوك ربّك، وهذا الزمان الذي يفكّ الله فيه عنقك، ويعتق فيه رقبتك، ويبيّن للناس فيه حكمتك، ويصدّق رؤياك، وينصفك ممن ظلمك، ويجمع لك أحبتك ويهب لك ملك مصر تملك ملوكها، وتذل جبابرتها، وتصغّر عظماءها، ويذلّ لك أعزتها. ويخدمك سوقتها «٢» ، يخوّلك خولها، ويرحم بك مساكينها، ويلقي لك المودة والهيبة في قلوبهم، ويجعل لك اليد العليا عليهم، والأثر الصالح فيهم، ويرى فرعون حلما يفزع منه حتى يسهر ليله، ويذهب نومه، ويغمّى عليه، تفسيره وعلى السحرة والكهنة، ويعلّمك تأويله.
стр. 823
مواعظ الحكماء
لعلي:
قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: أوصيكم بخمس لو ضربت عليها آباط «١» الإبل لكان قليلا: لا يرجونّ أحدكم إلا ربّه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، وإذا لم يعلم الشيء أن يتعلّمه. واعلموا أنّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس ذهب الجسد.
وقال أيضا: من أراد الغنى بغير مال، والكثرة بلا عشيرة، فليتحوّل من ذل المعصية إلى عزّ الطاعة؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
للحسن:
وقال الحسن: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء.
لبعضهم:
وقال بعضهم: من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أخلص سريرته أصلح الله علانيته.
كلمات أربع للعرب والعجم:
قال العتبي: اجتمعت العرب والعجم على أربع كلمات، قالوا: لا تحملن على قلبك ما لا تطيق، ولا تعملن عملا ليس لك فيه منفعة، ولا تثق بامرأة، ولا تغتر بمال وإن كثر.
لأبي بكر في موته يوصي عمر:
وقال أبو بكر الصدّيق لعمر بن الخطاب ﵄ عند موته حين استخلفه:
стр. 824
أوصيك بتقوى الله؛ فإنّ لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل؛ وإنه لا يقبل نافلة «١» حتى تؤدّى الفرائض. وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحق وثقله عليهم؛ وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. وإنما خفت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفّته عليهم؛ وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا. وإن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا سمعت بهم قلت: إني أخاف ألّا أكون من هؤلاء. وذكر أهل النار بأقبح أعمالهم، وأمسك عن حسناتهم؛ فإذا سمعت بهم قلت: أنا خير من هؤلاء وذكر آية الرحمة مع آية العذاب:
ليكون العبد راغبا راهبا، لا يتمنى على الله غير الحق. فإذا حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحبّ إليك من الموت، وهو آتيك؛ وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائب أكره إليك من الموت، ولن تعجزه.
الحسن وابن الأهتم:
ودخل الحسن بن أبي الحسن على عبد الله بن الأهتم يعوده في مرضه؛ فرآه يصوّب بصره في صندوق في بيته ويصعّده، ثم قال: أبا سعيد، ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أؤدّ منها زكاة ولم أصل منها رحما؟ قال: ثكلتك أمك! ولمن كنت تجمعها؟ قال: لروعة الزمان؛ وجفوة السلطان؛ ومكاثرة العشيرة. قال: ثم مات، فشهده الحسن. فلما فرغ من دفنه قال: انظروا إلى هذا المسكين! أتاه شيطانه فحذّره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة عشيرته، عما رزقه الله إياه وغمره فيه؛ انظروا كيف خرج منها مسلوبا محزونا، ثم التفت إلى الوارث فقال: أيها الوارث، لا تخدعنّ كما خدع صويحبك بالأمس، أتاك هذا المال حلالا فلا يكوننّ عليك وبالا. أتاك عفوا صفوا، ممن كان له جموعا منوعا؛ من باطل جمعه، ومن حق منعه؛ قطع فيه لجج «٢» البحار، ومفاوز القفار، لم تكدح فيه بيمين، ولم يعرق لك فيه جبين. إن يوم
стр. 825
القيامة يوم ذو حسرات، وإن من أعظم الحسرات غدا أن ترى مالك في ميزان غيرك. فيالها عثرة لا تقال. وتوبة لا تنال.
لحكيم يعظ قوما:
ووعظ حكيم قوما فقال: يا قوم، استبدلوا العوارى «١» بالهبات تحمدوا العقبى، واستقبلوا المصائب بالصبر تستحقوا النّعمى، واستديموا الكرامة بالشكر تستوجبوا الزيادة. واعرفوا فضل البقاء في النعمة والغنى في السلامة قبل الفتنة الفاحشة، والمثلة «٢» البينة، وانتقال العمل، وحلول الأجل؛ فإنما أنتم في الدنيا أغراض المنايا، وأوطان البلايا، ولن تنالوا نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يستقبل منكم معمّر يوما من عمره إلا بانتقاص آخر من أجله، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر، فأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم، وفي معاشكم أسباب مناياكم، لا يمنعكم شيء منها، ولا يشغلكم شيء عنها، فأنتم الأخلاف بعد الأسلاف، وستكونون أسلافا بعد الأخلاف، بكل سبيل منكر صريع منعفر، وقائم ينتظر، فمن أي وجه تطلبون البقاء، وهذان الليل والنهار لم يرفعا شيئا قط إلا أسرعا الكرة في هدمه، ولا عقدا أمرا إلا رجعا في نقضه.
لأبي الدرداء:
وقال أبو الدّرداء: يا أهل دمشق، مالكم تبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، وتجمعون ما لا تأكلون؟ هذه عاد وثمود قد ملئوا ما بين بصرى وعدن أموالا وأولادا، فمن يشتري مني ما تركوا بدرهمين.
لابن شبرمة:
وقال ابن شبرمة: إذا كان البدن سقيما لم ينجع في الطعام ولا الشراب، وإذا كان
стр. 826
القلب مغرما بحب الدنيا لم تنجع فيه الموعظة.
لابن خثيم:
وقال الربيع بن خثيم: أقلل الكلام إلا من تسع: تكبير، وتهليل، وتسبيح، وتحميد، وسؤالك الخير، وتعوّذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءتك القرآن.
لحكيم يعظ:
قال رجل لبعض الحكماء: عظني! قال: لا يراك الله بحيث نهاك، ولا يفقدك من حيث أمرك.
وقيل لحكيم: عظني! قال: جميع المواعظ كلّها منتظمة في حرف واحد. قال: وما هو؟ قال: تجمع على طاعة الله فإذا أنت قد حويت المواعظ كلها.
أبو جعفر وسفيان:
وقال أبو جعفر لسفيان: عظني! قال: وما عملت فيما علمت فأعظك فيما جهلت؟
الرشيد وابن السماك:
قال هارون لابن السمّاك: عظني! قال: كفى بالقرآن واعظا. يقول الله ﵎: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
«١» .
مكاتبة جرت بين الحكماء
بين حكيمين:
عتب حكيم على حكيم، فكتب المعتوب عليه إلى العاتب: يا أخي، إن أيام العمر أقصر من أن تحتمل الهجر. فرجع إليه.
стр. 827
الحسن وعمر بن عبد العزيز:
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد؛ فكأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل. والسّلام.
وكتب إليه عمر: أما بعد فكأن آخر من كتب عليه الموت قد مات، والسّلام.
بين سلمان وأبي الدرداء:
ابن المبارك قال: كتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء: أما بعد؛ فإنك لن تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تنال ما تأمل إلا بالصبر على ما تكره. فليكن كلامك ذكرا، وصمتك فكرا، ونظرك عبرا؛ فإن الدنيا تتقلب وبهجتها تتغير فلا تغترّ بها، وليكن بيتك المسجد. والسّلام.
فأجابه أبو الدرداء: سلام عليك، أما بعد؛ فإني أوصيك بتقوى الله، وأن تأخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك، ومن حياتك لموتك؛ ومن جفائك لمودّتك، واذكر حياة لا موت فيها في إحدى المنزلتين. إما في الجنة، وإما في النار؛ فإنك لا تدري إلى أيهما تصير.
أبو موسى وعامر ابن عبد القيس:
وكتب أبو موسى الأشعري إلى عامر بن عبد القيس: أما بعد؛ فإني عاهدتك على أمر وبلغني أنك تغيّرت، فإن كنت على ما عهدتك فاتق الله ودم «١» ، وإن كنت على ما بلغني فاتق الله وعد «٢» .
ابن النضر وأخ له:
وكتب محمد بن النضر إلى أخ: أما بعد؛ فإنك على منهج وأمامك منزلان لا بد لك من نزول أحدهما، ولم يأتك أمان فتطمئن، ولا براءة فتتكل.
стр. 828
بين حكيمين:
وكتب حكيم إلى آخر: اعلم حفظك الله أن النفوس جبلت على أخذ ما أعطيت ومنع ما سئلت؛ فاحملها على مطيّة، لا تبطىء. إذا ركبت. ولا تسبق إذا قدّمت؛ فإنما تحفظ النفوس على قدر الخوف، وتطلب على قدر الطمع، وتطمع على قدر السبب. فإذا استطعت أن يكون معك خوف المشفق وقناعة الراضي فافعل.
من عمر بن عبد العزيز إلى ابن حيوة:
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجاء بن حيوة: أما بعد، فإنه من أكثر من ذكر الموت اكتفى باليسير، ومن علم أن الكلام عمل قل كلامه إلا فيما ينفعه.
من عمر بن الخطاب إلى ابن غزوان:
وكتب عمر بن الخطاب إلى عتبة بن غزوان عامله على البصرة: أما بعد؛ فقد أصبحت أميرا تقول فيسمع لك، وتأمر فينفذ أمرك؛ فيالها نعمة إن لم ترفعك فوق قدرك، وتطغيك على من دونك «١» ؛ فاحترس من النعمة أشدّ من احتراسك من المصيبة؛ وإياك أن تسقط سقطة لا لعا لها- أي لا إقالة لها- وتعثر عثرة لا تقالها.
والسّلام.
من الحسن إلى عمر:
وكتب الحسن إلى عمر: إنّ فيما أمرك الله به شغلا عما نهاك عنه، والسّلام.
بين عمر بن عبد العزيز والحسن:
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن: اجمع لي أمر الدنيا، وصف لي أمر الآخرة.
стр. 829
فكتب إليه: إنما الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت متوسط؛ ونحن في أضغاث أحلام. من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضلّ، ومن حلم غنم، ومن خاف سلم؛ ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم، ومن علم عمل، فإذا زللت فارجع، وإذا ندمت فأقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا غضبت فأمسك. واعلم أنّ أفضل الأعمال ما أكرهت النفوس عليه.
مواعظ الآباء للأبناء
للقمان يوصي ابنه:
قال لقمان لابنه: إذا أتيت مجلس قوم فارمهم بسهم السّلام ثم اجلس، فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل «١» سهمك مع سهامهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتخلّ عنهم وانهض.
وقال: يا بنيّ؛ استعذ بالله من شرار الناس، وكن من خيارهم على حذر.
لأكثم:
ومثل هذا قول أكثم بن صيفي: احذر الأمين ولا تأتمن الخائن، فإن القلوب بيد غيرك.
للقمان يعظ ابنه:
وقال لقمان لابنه: لا تركن إلى الدنيا، ولا تشغل قلبك بها، فإنك لم تخلق لها، وما خلق الله خلقا أهون عليه منها، فإنه لم يجعل نعيمها ثوابا للمطيعين، ولا بلاءها عقوبة للعاصين. يا بني، لا تضحك من غير عجب، ولا تمش في غير أرب «٢» ، ولا تسأل عما لا يعنيك. يا بني، لا تضيّع مالك وتصلح مال غيرك؛ فإنما لك ما قدمت،
стр. 830
ولغيرك ما تركت. يا بني؛ إنه من يرحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يقل الخير يغنم، ومن يقل الباطل يأثم، ومن لا يملك لسانه يندم. يا بني، زاحم العلماء بركبتيك، وأنصت إليهم بأذنيك، فإن القلب يحيا بنور العلماء كما تحيا الأرض الميتة بمطر السماء.
ابن صفوان ينصح ابنه:
وقال خالد بن صفوان لابنه: كن أحسن ما تكون في الظاهر حالا، أقلّ ما تكون في الباطن مآلا. ودع من أعمال السر ما لا يصلح لك في العلانية.
لأعرابي يوصي ابنه:
وقال أعرابي لابنه: يا بني، إنه قد أسمعك الداعي، وأعذر إليك الطالب، وانتهى الأمر فيك إلى حدّه؛ ولا أعرف أعظم رزية «١» ممن ضيّع اليقين وأخطأه الأمل.
لعلي بن الحسين يوصي ابنه:
وقال علي بن الحسين لابنه: وكان من أفضل بني هاشم: يا بني، اصبر على النوائب، ولا تعرّض للحتوف، ولا تجب أخاك من الأمر إلى ما مضرّته عليك أكثر من منفعته لك.
لحكيم في مثله:
وقال حكيم لبنيه: يا بنيّ؛ إياكم والجزع عند المصائب؛ فإنه مجلبة للهمّ، وسوء ظنّ بالرب، وشماتة للعدوّ. وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين، ولها آمين، فإني والله ما سخرت من شيء إلا نزل بي مثله؛ فاحذروها وتوقّعوها. فإنما الإنسان في الدنيا غرض تتعاوره السهام، فمجاوز ومقصّر عنه، وواقع عن يمينه وشماله، حتى يصيبه بعضها. واعلموا أنّ لكل شيء جزاء، ولكل عمل ثوابا. وقد قالوا: كما تدين تدان؛ ومن برّ يوما برّ به.
стр. 831
لبعض الشعراء:
وقال الشاعر:
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... حوادثه أناخ «١» بآخرينا
فقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
لحكيم يعظ ابنه:
وقال حكيم لابنه: يا بني إني موصيك بوصية؛ فإن لم تحفظ وصيتي عني لم تحفظها عن غيري. اتق الله ما استطعت. وإن قدرت أن تكون اليوم خيرا منك أمس، وغدا خيرا منك اليوم فافعل. وإياك والطمع، فإنه فقر حاضر. وعليك باليأس فإنك لن تيأس من شيء قط إلا أغناك الله عنه. وإياك وما يعتذر منه، فإنك لن تعتذر من خير أبدا، وإذا عثر عاثر «٢» فاحمد الله ألّا تكون هو يا بني، خذ الخير من أهله، ودع الشر لأهله، وإذا قمت إلى صلاتك فصلّ صلاة مودّع وأنت ترى ألّا تصلي بعدها.
لعلي بن الحسين في مثله:
وقال علي بن الحسين ﵉ لابنه: يا بني، إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرني منك. واعلم أنّ خير الآباء للأبناء من لم تدعه المودّة إلى التفريط»
فيه، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق له «٤» .
لحكيم في مثله:
وقال حكيم لابنه: يا بني، إن أشدّ الناس حسرة يوم القيامة: رجل كسب مالا من غير حلّه فأدخله النار، وأورثه من عمل فيه بطاعة الله فأدخله الجنة.
стр. 832
ابن عتبة وأبوه:
عمرو بن عتبة قال: لما بلغت خمس عشرة سنة قال لي أبي: يا بني؛ قد تقطعت عنك شرائع الصّبا فالزم الحياء تكن من أهله، ولا تزايله «١» فتبين منه؛ ولا يغرّنك من اغتر بالله فيك فمدحك بما تعلم خلافه من نفسك؛ فإنه من قال فيك من الخير ما لم يعلم إذا رضي، قال فيك من الشر مثله إذا سخط. فاستأنس بالوحدة من جلساء السوء تسلم من غبّ عواقبهم.
لعبد الملك يوصي بنيه:
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: كفّوا الأذى، وابذلوا المعروف، واعفوا إذا قدرتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم، ولا تلحفوا «٢» إذا سألتم؛ فإنه من ضيّق ضيّق عليه، ومن أعطى أحلف الله عليه.
للأشعث في مثله:
وقال الأشعث بن قيس لبنيه: يا بنيّ، لا تذلّوا في أعراضكم، وانخدعوا في أموالكم؛ ولتخفّ بطونكم من أموال الناس، وظهوركم من دمائهم، فإنّ لكل امرىء تبعة «٣» ؛ وإياكم وما يعتذر منه أو يستحى؛ فإنما يعتذر من ذنب، ويستحي من عيب؛ واصلحوا المال لجفوة السلطان وتغير الزمان، وكفوا عند الحاجة عن المسألة؛ فإنه كفى بالردّ منعا؛ وأجملوا في الطلب حتى يوافق الرزق قدرا؛ وامنعوا النساء من غير الأكفاء؛ فإنكم أهل بيت يتأسّى «٤» بكم الكريم، ويتشرف بكم اللئيم، وكونوا في عوام الناس ما لم يضطرب الحبل «٥» ، فإذا اضطرب الحبل فالحقوا بعشائركم.
من عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله:
وكتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله في غيبة غابها: أما بعد فإن من اتقى الله وقاه، ومن اتكل عليه كفاه، ومن شكر له زاده، ومن اقترضه جزاه. فاجعل التقوى
стр. 833
عمارة قلبك، وجلاء بصرك. فإنه لا عمل لمن لا نيّة له، ولا خير لمن لا خشية له، ولا جديد لمن لا خلق له.
من علي إلى ابنه حسن:
وكتب علي بن أبي طالب إلى ولده الحسن ﵉: من عليّ أمير المؤمنين الوالد الفان، المقرّ للزمان، المستسلم للحدثان «١» ، المدبر العمر، المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام «٢» ، ورهينة الأيام، وعبد الدنيا، وتاجر الغرور، وأسير المنايا، وقرين الرزايا، وصريع الشهوات، ونصب الآفات، وخليفة الأموات. أما بعد؛ يا بني، فإن فيما تفكرت فيه من إدبار الدنيا عني، وإقبال الآخرة عليّ. وجموح الدهر عليّ ما يرغّبني عن ذكر سوائي، والاهتمام بما ورائي، غير أنه حيث تفرد بي همّ نفسي دون همّ الناس، فصدقني رأيي، وصرفني عن هواي، وصرح بي محض أمري، فأفضى بي إلى جدّ لا يزرى به لعب، وصدق لا يشوبه كذب «٣» ، ووجدتك يا بني بعضي، بل وجدتك كلّي، حتى كأن شيئا لو أصابك لأصابني، وحتى كأن الموت لو أتاك أتاني. فعند ذلك عناني من أمرك ما عناني من أمر نفسي. كتبت إليك كتابي هذا يا بني مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت، فإني موصيك بتقوى الله، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله فإن الله تعالى يقول: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
«٤» . وأي سبب يا بني أوثق من سبب بينك وبين الله تعالى إن أنت أخذت به، أحى قلبك بالموعظة، ونوّره بالحكمة وأمته بالزهد، وذلّله بالموت وقوّه بالغنى عن الناس، وحذّره صولة الدهر؛ وتقلّب الأيام والليالي، واعرض عليه أخبار الماضين وسر في ديارهم وآثارهم فانظر ما فعلوا، وأين حلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور ونزلوا دار الغربة. وكأنك عن
стр. 834
قليل يا بني قد صرت كأحدهم، فبع دنياك بآخرتك، ولا تبع آخرتك بدنياك. ودع القول فيما لا تعرف، والأمر فيما لا تكلّف، وأمر بالمعروف بيدك ولسانك، وانه عن المنكر بيدك ولسانك، وباين «١» من فعله، وخض الغمرات إلى الحق، ولا يأخذك في الله لومة لائم، واحفظ وصيّتي ولا تذهب عنك صفحا، فلا خير في علم لا ينفع.
واعلم أنه لا غنى لك عن حسن الارتياد «٢» مع بلاغك من الزاد، فإن أصبت من أهل الفاقة من يحمل عنك زادك فيوافيك به في معادك فاغتنمه، فإن أمامك عقبة كئودا «٣» لا يجاوزها إلا أخف الناس حملا فأجمل في الطلب، وأحسن المكتسب.
فرب طلب قد جرّ إلى حرب «٤» . وإنما المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب يقينه. واعلم أنه لا غني يعدل الجنة؛ ولا فقر يعدل النار. والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.
منه إلى ولده ابن الحنفية:
وكتب إلى ابنه محمد بن الحنفية: أن تفقّه في الدين، وعوّد نفسك الصبر على المكروه، وكل نفسك في أمورك كلّها إلى الله ، فإنك تكلها إلى كهف حريز، ومانع عزيز، وأخلص المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان وأكثر الاستخارة له، واعلم أنّ من كان مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان لا يسير، فإن الله تعالى قد أبى إلا خراب الدنيا وعمارة الآخرة، فإن قدرت أن تزهد فيها زهدك كله فافعل ذلك، وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فاعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك، ولا تعدو أجلك، فإنك في سبيل من كان قبلك، فأكرم نفسك عن كل دنيّة وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، وإياك أن توجف «٥» بك مطايا الطمع وتقول: متى ما أخّرت نزعت، فإن هذا أهلك من هلك قبلك، وأمسك عليك لسانك، فإن تلافيك ما فرط من صمتك، أيسر عليك
стр. 835
من إدراك ما فات من منطقك، واحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء، فحسن التدبير مع الاقتصاد أبقى لك من الكثير مع الفساد والحرفة «١» مع العفة خير من الغنى مع الفجور، والمرء أحفظ لسره، ولربما سعى فيما يضره، وإياك والاتكال على الأماني، فإنها بضائع النّوكى «٢» ، وتثبّط عن الآخرة والأولى، ومن خير حظ الدنيا القرين الصالح، فقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، ولا يغلبنّ عليك سوء الظن، فإنه لن يدع بينك وبين خليل صلحا. أذك قلبك بالأدب كما تذكى النار بالحطب، واعلم أن كفر النعمة لؤم، وصحبة الأحمق شؤم، ومن الكرم منع الحرم، ومن حلم ساد، ومن تفهم ازداد. امحض أخاك النصيحة «٣» ، حسنة كانت أو قبيحة. لا تصرم أخاك على ارتياب، ولا تقطعه دون استعتاب، وليس جزاء من سرك أن تسوءه. الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك، واعلم يا بني أنه مالك من دنياك إلا ما أصلحت به في مثواك، فأنفق من خيرك. ولا تكن خازنا لغيرك، وإن جزعت على ما يفلت من يديك، فاجزع على ما لم يصل إليك ربما أخطأ البصير قصده، وأبصر الأعمى رشده، ولم يهلك امرؤ اقتصد، ولم يفتقر من زهد. من ائتمن الزمان خانه ومن تعظم عليه أهانه. رأس الدين اليقين، وتمام الإخلاص اجتناب المعاصي، وخير المقال ما صدّقه الفعال. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، واحمل لصديقك عليك، واقبل عذر من اعتذر إليك، وأخرّ الشر ما استطعت، فإنك إذا شئت تعجلته. لا يكن أخوك على قطيعتك أقوى منك على صلته، وعلى الإساءة أقوى منك على الإحسان. لا تملّكنّ المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فإن المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، فإنّ ذلك أدوم لحالها، وأرخى لبالها، واغضض بصرها بسترك، واكففها بحجابك، وأكرم الذين بهم تصول، فإذا تطاولت «٤» تطول. أسأل الله أن يلهمك الشكر والرشد: ويقويّك على العمل بكل خير، ويصرف عنك كل محذور برحمته. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
стр. 836
مقامات العباد عند الخلفاء
مقام صالح بن عبد الجليل
قام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي فقال له: إنه لما سهل علينا ما توعّر على غيرنا من الوصول إليك، قمنا مقام الأداء عنهم وعن رسول الله ﷺ ، بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي [عند] انقطاع عذر الكتمان، ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع، ووعدت الله وحملة كتابه إيثار الحقّ على ما سواه، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص «١» . وقد جاء في الأثر: من حجب الله عنه العلم عذّبه على الجهل؛ وأشد منه عذابا من أقبل إليه العلم فأدبر عنه. فاقبل يا أمير المؤمنين ما أهدى إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل، لا قبول سمعة ورياء؛ فإنما هو تنبيه من غفلة، وتذكير من سهو وقد وطّن الله نبيه على نزولهما، فقال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
«٢» .
مقام رجل من العبّاد عند المنصور
بينما المنصور في الطواف ليلا إذ سمع قائلا يقول اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فخرج المنصور، فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل يدعوه فصلى الرجل ركعتين، واستلم الركن، وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة.
فقال المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض، وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع؟ فو الله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني «٣» .
فقال: إن أمّنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها، وإلا احتجرت منك واقتصرت على نفسي فلي فيها شاغل.
стр. 837
قال: فأنت آمن على نفسك فقل. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين ما ظهر في الأرض من الفساد والبغي لأنت. فقال: فكيف ذلك ويحك! يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض عندي؟ قال:
وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك؟ إن الله استرعاك أمر عباده وأموالهم، فأغفلت أمورهم، واتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجصّ والآجرّ، وأبوابا من الحديد، وحرّاسا معهم السلاح، ثم سجنت نفسك عنهم فيها، وبعثت عمّالك في جباية الأموال وجمعها وقوّيتهم بالرجال والسلاح والكراع «١» ، وأمرت ألا يدخل عليك أحد من الرجال إلّا فلان وفلان، نفرا سمّيتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم، ولا الملهوف، ولا الجائع العاري، ولا الضعيف الفقير إليك، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لا يحجبوا دونك، تجبي الأموال وتجمعها. قالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه. فائتمروا ألّا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا خوّنوه عندك ونفوه، حتى تسقط منزلته، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم، أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم، فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال، ليقووا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو المقدرة والثروة من رعيتك، لينالوا ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بالطمع ظلما وبغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل، فإن جاء متظلّم حيل بينك وبينه، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك، وأوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك المتظلم فبلغ بطانتك «٢» خبره، سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به «٣» ، ويشكو ويستغيث، وهو يدفعه، فإذا أجهد وأحرج ثم ظهرت صرخ بين يديك، فيضرب ضربا مبرحا يكون نكالا «٤» لغيره، وأنت تنظر فما
стр. 838
تنكر! فما بقاء الإسلام على هذا؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه، فبكى بكاء شديدا، فحثه جلساؤه على الصبر فقال: أما إني لست أبكي للبلية النازلة، ولكني أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته، ثم قال: أما إذ قد ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلّا متظلّم. ثم كان يركب الفيل طرفي النهار وينظر هل يرى مظلوما، فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله، بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ، وأنت مؤمن بالله من أهل بيت نبيّه لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك! فإن كنت إنما تجمع المال لولدك، فقد أراك الله عبرا في الطفل يسقط من بطن أمه ما له على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فما يزال الله يلطف بذلك الطفل، حتى تعظم رغبة الناس إليه. ولست الذي تعطي، بل الله تعالى يعطي من يشاء ما يشاء. فإن قلت إنما تجمع المال لتشديد السلطان، فقد أراك الله عبرا في بني أمية، ما أغنى عنهم جمعهم من الذهب وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع حين أراد الله بهم ما أراد. وإن قلت إنما تجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها. فو الله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة ما تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير المؤمنين. هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل. فقال المنصور: لا. فقال: فكيف تصنع بالملك الذي خوّلك ملك الدنيا، وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ولكن بالخلود في العذاب الأليم. قد رأى ما عقد «١» عليه قلبك، وعملته جوارحك «٢» ، ونظر إليه بصرك، واجترحته يداك، ومشت إليه رجلاك. هل يغني عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك ودعاك إلى الحساب؟ قال: فبكى المنصور، ثم قال:
ليتني لم أخلق! ويحك كيف أحتال لنفسي؟ فقال يا أمير المؤمنين، إن للناس أعلاما يفزعون «٣» إليهم في دينهم، ويرضون بهم في دنياهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاورهم في أمرك يسدّدوك. قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني. قال: خافوك أن
стр. 839
تحملهم على طريقتك، ولكن افتح بابك، وسهّل حجابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفىء والصدقات على حلها، واقسمها بالحق والعدل على أهلها، وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة.
وجاء المؤذّنون فآذنوه بالصلاة، فصلى وعاد إلى مجلسه، وطلب الرجل فلم يوجد.
مقام الأوزاعي بين يدي المنصور
قال الأوزاعي: دخلت عليه فقال لي: ما الذي بطأ بك عني؟
قلت: وما تريد مني يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الاقتباس منك.
فقلت: يا أمير المؤمنين، انظر ما تقول، فإن مكحولا حدّثني عن عطية بن بسر، أن رسول الله ﷺ قال «من بلغته عن الله نصيحة في دينه فهي رحمة من الله سيقت إليه، فإن قبلها من الله بشكر وإلا فهي حجة من الله عليه ليزداد إثما ويزداد الله عليه غضبا وإن بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا، وإن سخط فله السخط ومن كرهه فقد كره الله لأن الله هو الحق المبين» .
ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إنك تحمّلت أمانة هذه الأمة وقد عرضت على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها. وقد جاء عن جدك عبد الله بن عباس في تفسير قول الله : لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
«١» قال: الصغيرة: التبسم، والكبيرة: الضحك. فما ظنك بالقول والعمل؟ فأعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترى أن قرابتك من رسول الله ﷺ تنفعك مع المخالفة لأمره، فقد قال ﷺ : «يا صفيّة عمّة محمد، ويا فاطمة بنت محمد، استوهبا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئا» . وكذلك جدّك العباس، سأل إمارة من النبي ﷺ ، فقال: «أي عمّ نفس تحبيها خير لك من إمارة لا تحصيها؛ نظرا لعمه وشفقة عليه من أن يلي فيحيد عن سنّته جناح بعوضة، فلا يستطيع له نفعا ولا عنه دفعا» .
стр. 840
وقال ﷺ : «ما من راع يبيت غاشّا لرعيته إلا حرّم الله عليه رائحة الجنة. وحقيق على الوالي أن يكون لرعيته ناظرا، ولما استطاع من عوراتهم ساترا، وبالحق فيهم قائما، فلا يتخوّف محسنهم رهقا، ولا مسيئهم عدوانا. فقد كانت بيد رسول الله ﷺ جريدة يستاك «١» بها ويردع عنه المشركين بها، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، ما هذه الجريدة التي معك! اتركها لا تملأ قلوبهم رعبا! فما ظنك بمن سفك دماءهم، وقطع أستارهم، ونهب أموالهم!» يا أمير المؤمنين، إنّ المغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر دعا إلى القصاص من نفسه بخدش خدشه أعرابيا لم يتعمده؛ فقال جبريل: يا محمد، إنّ الله لم يبعثك جبارا تكسر قرون أمتك. واعلم يا أمير المؤمنين أن كل ما في يدك لا يعدل شربة من شراب الجنة، ولا ثمرة من ثمارها؛ ولو أن ثوبا من ثياب أهل الناس علق بين السماء والأرض لأهلك الناس رائحته، فكيف بمن يتقمّصه! ولو أن ذنوبا»
من صديد أهل النار صبّ على ماء الدنيا لأحمّه «٣» ، فكيف بمن يتجرّعه! ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لأذابته؛ فكيف بمن يسلك فيها؛ ويردّ فضلها على عاتقه.
كلام أبي حازم لسليمان بن عبد الملك
حج سليمان بن عبد الملك؛ فلما قدم المدينة للزيارة بعث إلى أبي حازم الأعرج وعنده ابن شهاب. فلما دخل قال: تكلم يا أبا حازم. قال: فيم أتكلم يا أمير المؤمنين؟
قال: في المخرج من هذا الأمر. قال: يسير إن أنت فعلته. قال: وما ذاك؟ قال: لا تأخذ الأشياء إلا من حلّها، ولا تضعها إلا في أهلها. قال: ومن يقوى على ذلك؟
стр. 841
قال: من قلّده الله من أمر الرعية ما قلّدك. قال: عظني أبا حازم! قال: اعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من كان قبلك، وهو خارج من يديك بمثل ما صار إليك. قال: يا أبا حازم أشر عليّ. قال: إنما أنت سوق، فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر فاختر أيهما شئت. قال: مالك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك يا أمير المؤمنين؟ إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني أخزيتني؛ وليس عندك ما أرجوك له، ولا عندي ما أخافك عليه! قال: فارفع إلينا حاجتك. قال: وقد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها، فما أعطاني منها قبلت، وما منعني منها رضيت.
مقام ابن السماك عند الرشيد
دخل عليه، فلما وقف بين يديه قال له: عظني يا ابن السماك وأوجز.
قال: كفى بالقرآن واعظا يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
«١» . هذا يا أمير المؤمنين وعيد لمن طفف في الكيل، فما ظنك بمن أخذه كله! وقال له مرة: عظني. وأتى بماء ليشربه. فقال: يا أمير المؤمنين، لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: فلو حبس عنك خروجها أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم! قال: فما خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة! قال: يا ابن السماك، ما أحسن ما بلغني عنك؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن لي عيوبا لو اطلع الناس منها على عيب واحد ما ثبتت لي في قلب أحد مودة؛ وإني لخائف في الكلام الفتنة وفي السر الغرة وإني لخائف على نفسي من قلة خوفي عليها.
стр. 842
كلام عمرو بن عبيد عند المنصور
دخل عمرو بن عبيد على المنصور وعنده ابنه المهدي، فقال له أبو جعفر: هذا ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين؛ ورجائي أن تدعو له. فقال: يا أمير المؤمنين، أراك قد رضيت له أمورا يصير إليها وأنت عنه مشغول فاستعبر أبو جعفر وقال له عظني أبا عثمان! قال يا أمير المؤمنين! إنّ الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها. هذا الذي أصبح في يديك لو بقي في يد من كان قبلك لم يصل إليك! قال: أبا عثمان أعنّي بأصحابك، قال: ارفع علم الحق يتبعك أهله؛ ثم خرج، فأتبعه أبو جعفر بصرّة، فلم يقبلها؛ وجعل [المنصور] يقول:
كلكم يمشي رويد ... كلّكم خاتل صيد «١»
غير عمرو بن عبيد
خبر سفيان الثوري مع أبي جعفر
لقي أبو جعفر سفيان الثوري في الطواف، وسفيان لا يعرفه، فضرب بيده على عاتقه وقال: أتعرفني؟ قال: لا، ولكنك قبضت عليّ قبضة جبّار، قال: عظني أبا عبد الله. قال: وما عملت فيم عملت فأعظك فيما جهلت؟ قال: فما يمنعك أن تأتينا؟ قال:
إن الله نهى عنكم فقال تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
«٢» فمسح أبو جعفر يده به ثم التفت إلى أصحابه فقال: ألقينا الحب إلى العلماء فلقطوا إلا ما كان من سفيان فإنه أعيانا فرارا.
стр. 843
كلام شبيب بن شيبة للمهدي
قال العتبي: سألت بعض آل شبيب بن شيبة: أتحفظون شيئا من كلامه؟ قالوا:
نعم، قال للمهدي: يا أمير المؤمنين، إن الله إذا قسم الأقسام في الدنيا جعل لك أسناها وأعلاها، فلا ترض لنفسك في الآخرة إلا مثل ما رضي لك به من الدنيا، فأوصيك بتقوى الله فعليكم نزلت؛ ومنكم أخذت، وإليكم تردّ.
من كره الموعظة لبعض ما فيها من الغلظ أو الخرق
بين الرشيد وواعظ:
قال رجل للرشيد: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أعظك بعظة فيها بعض الغلظة فاحتملها، قال: كلا، إنّ الله أمر من هو خير منك بإلانة القول لمن هو شر مني: قال لنبيّه موسى إذ أرسله إلى فرعون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
«١» .
سليمان بن عبد الملك وأعرابي:
دخل أعرابيّ على سليمان بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، إني مكلّمك بكلام، فاحتمله إن كرهته، وراءه ما تحب إن قبلته، قال: هام يا أعرابي، قال: إني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن من عظتك. تأديه لحق الله تعالى وحق إمامتك:
إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، فابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب الآخرة سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لا يألونك خبالا «٢» ، والأمانة تضييعا، والأمة عسفا وخسفا «٣» ، وأنت مسئول عما اجترحوا «٤» وليسوا مسئولين عما اجترحت، فلا
стр. 844
تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أخسر الناس صفقة يوم القيامة وأعظمهم غبنا، من باع آخرته بدنيا غيره. قال سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد سللت لسانك وهو أحد سيفيك. قال: أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك.
المأمون وواعظ:
ووعظ رجل المأمون فأصغى إليه منصتا، فلما فرغ قال: قد سمعت موعظتك، فأسأل الله أن ينفعنا بها، وربما عملنا، غير أنا أحوج إلى المعاونة بالفعال منا إلى المعاونة بالمقال، فقد كثر القائلون وقلّ الفاعلون.
العتبي قال: دخل رجل من عبد القيس على أبي فوعظه، فلما فرغ قال أبي له: لو اتعظنا بما علمنا لانتفعنا بما عملنا، ولكنا علمنا علما لزمتنا فيه الحجة، وغفلنا غفلة من وجبت عليه النقمة، فوعظنا في أنفسنا بالتنقل من حال إلى حال، ومن صغر إلى كبر، ومن صحة إلى سقم، فأبينا إلا المقام على الغفلة، إثارا لعاجل لا بقاء لأهله، وإعراضا عن آجل إليه المصير.
عتبان بن أبي سفيان وبعض القراء:
سعد القصير قال: دخل أناس من القراء على عتبة بن أبي سفيان فقالوا: إنك سلطت السيف على الحق ولم تسلط الحق على السيف، وجئت بها عشوة «١» خفيّة. قال:
كذبتم! بل سلطت الحق وبه سلطت، فاعرفوا الحق تعرفوا السيف، فإنكم الحاملون له حيث وضعه أفضل، والواضعون له حيث عمله أعدل، ونحن في أوّل زمان لم يأت آخره، وآخر دهر قد فات أوله. فصار المعروف عندكم منكرا، والمنكر معروفا. وإني أقول لكم مهلا، قبل أن أقول لنفسي هلا! قالوا: فنخرج آمنين؟ قال غير راشدين ولا مهذبين.
стр. 845
راهب وضالون في سفرهم:
حاد قوم سفر عن الطريق، فدفعوا إلى راهب منفرد في صومعته، فنادوه، فأشرف عليهم، فسألوه عن الطريق، فقال: ههنا. وأومأ بيده إلى السماء، فعلموا ما أراد، فقالوا: إنا سائلوك. قال: سلوا ولا تكثروا: فإن النهار لا يرجع والعمر لا يعود، والطالب حثيث! قالوا: علام الناس يوم القيامة؟ قال: على نياتهم وأعمالهم.
قالوا: إلى أين الموئل؟ قال: إلى ما قدمتم. قالوا: أوصنا. قال: تزوّدوا على قدر سفركم، فخير الزاد ما بلّغ المحل. ثم أرشدهم الجادّة وانقمع «١» .
وقال بعضهم: أتيت الشام فمررت بدير حرملة، فإذا فيه راهب كأن عينيه مزادتان «٢» ، فقلت له: ما أشدّ ما يبكيك! قال: يا مسلم، أبكي على ما فرطت فيه من عمري، وعلى يوم يمضي من أجلي لم يحسن فيه عملي! قال: ثم مررت بعد ذلك، فسألت عنه، فقيل لي إنه أسلم وغزا الروم وقتل!
الحيري وثوبان في لبس الرهبان:
قال أبو زيد الحيري: قلت لثوبان الراهب: ما معنى لبس الرهبان هذا السواد؟
قال: هو أشبه بلباس أهل المصائب! قلت: وكلكم معشر الرهبان قد أصيب بمصيبة؟
قال: يرحمك الله، وهل مصيبة أعظم من مصائب الذنوب على أهلها. قال أبو زيد:
فما أذكر قوله إلا أبكاني.
آزاد مرد:
حبيب العدوى عن موسى الأسواري قال: لما وقعت الفتنة أردت أن أحرز ديني «٣» ، فخرجت إلى الأهواز، فبلغ آزاد مرد قدومي، فبعث إليّ متاعا، فلما أردت الانصراف بلغني أنه ثقيل، فدخلت عليه، فإذا هو كالخفّاش، لم يبق منه إلا رأسه،
следующие страницы →