← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قال: من قلّده الله من أمر الرعية ما قلّدك. قال: عظني أبا حازم! قال: اعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من كان قبلك، وهو خارج من يديك بمثل ما صار إليك. قال: يا أبا حازم أشر عليّ. قال: إنما أنت سوق، فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر فاختر أيهما شئت. قال: مالك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك يا أمير المؤمنين؟ إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني أخزيتني؛ وليس عندك ما أرجوك له، ولا عندي ما أخافك عليه! قال: فارفع إلينا حاجتك. قال: وقد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها، فما أعطاني منها قبلت، وما منعني منها رضيت. مقام ابن السماك عند الرشيد دخل عليه، فلما وقف بين يديه قال له: عظني يا ابن السماك وأوجز. قال: كفى بالقرآن واعظا يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «١» . هذا يا أمير المؤمنين وعيد لمن طفف في الكيل، فما ظنك بمن أخذه كله! وقال له مرة: عظني. وأتى بماء ليشربه. فقال: يا أمير المؤمنين، لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: فلو حبس عنك خروجها أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم! قال: فما خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة! قال: يا ابن السماك، ما أحسن ما بلغني عنك؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن لي عيوبا لو اطلع الناس منها على عيب واحد ما ثبتت لي في قلب أحد مودة؛ وإني لخائف في الكلام الفتنة وفي السر الغرة وإني لخائف على نفسي من قلة خوفي عليها.

стр. 842

كلام عمرو بن عبيد عند المنصور دخل عمرو بن عبيد على المنصور وعنده ابنه المهدي، فقال له أبو جعفر: هذا ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين؛ ورجائي أن تدعو له. فقال: يا أمير المؤمنين، أراك قد رضيت له أمورا يصير إليها وأنت عنه مشغول فاستعبر أبو جعفر وقال له عظني أبا عثمان! قال يا أمير المؤمنين! إنّ الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها. هذا الذي أصبح في يديك لو بقي في يد من كان قبلك لم يصل إليك! قال: أبا عثمان أعنّي بأصحابك، قال: ارفع علم الحق يتبعك أهله؛ ثم خرج، فأتبعه أبو جعفر بصرّة، فلم يقبلها؛ وجعل [المنصور] يقول: كلكم يمشي رويد ... كلّكم خاتل صيد «١» غير عمرو بن عبيد خبر سفيان الثوري مع أبي جعفر لقي أبو جعفر سفيان الثوري في الطواف، وسفيان لا يعرفه، فضرب بيده على عاتقه وقال: أتعرفني؟ قال: لا، ولكنك قبضت عليّ قبضة جبّار، قال: عظني أبا عبد الله. قال: وما عملت فيم عملت فأعظك فيما جهلت؟ قال: فما يمنعك أن تأتينا؟ قال: إن الله نهى عنكم فقال تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ «٢» فمسح أبو جعفر يده به ثم التفت إلى أصحابه فقال: ألقينا الحب إلى العلماء فلقطوا إلا ما كان من سفيان فإنه أعيانا فرارا.

стр. 843

كلام شبيب بن شيبة للمهدي قال العتبي: سألت بعض آل شبيب بن شيبة: أتحفظون شيئا من كلامه؟ قالوا: نعم، قال للمهدي: يا أمير المؤمنين، إن الله إذا قسم الأقسام في الدنيا جعل لك أسناها وأعلاها، فلا ترض لنفسك في الآخرة إلا مثل ما رضي لك به من الدنيا، فأوصيك بتقوى الله فعليكم نزلت؛ ومنكم أخذت، وإليكم تردّ. من كره الموعظة لبعض ما فيها من الغلظ أو الخرق بين الرشيد وواعظ: قال رجل للرشيد: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أعظك بعظة فيها بعض الغلظة فاحتملها، قال: كلا، إنّ الله أمر من هو خير منك بإلانة القول لمن هو شر مني: قال لنبيّه موسى إذ أرسله إلى فرعون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى «١» . سليمان بن عبد الملك وأعرابي: دخل أعرابيّ على سليمان بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، إني مكلّمك بكلام، فاحتمله إن كرهته، وراءه ما تحب إن قبلته، قال: هام يا أعرابي، قال: إني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن من عظتك. تأديه لحق الله تعالى وحق إمامتك: إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، فابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب الآخرة سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لا يألونك خبالا «٢» ، والأمانة تضييعا، والأمة عسفا وخسفا «٣» ، وأنت مسئول عما اجترحوا «٤» وليسوا مسئولين عما اجترحت، فلا

стр. 844

تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أخسر الناس صفقة يوم القيامة وأعظمهم غبنا، من باع آخرته بدنيا غيره. قال سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد سللت لسانك وهو أحد سيفيك. قال: أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك. المأمون وواعظ: ووعظ رجل المأمون فأصغى إليه منصتا، فلما فرغ قال: قد سمعت موعظتك، فأسأل الله أن ينفعنا بها، وربما عملنا، غير أنا أحوج إلى المعاونة بالفعال منا إلى المعاونة بالمقال، فقد كثر القائلون وقلّ الفاعلون. العتبي قال: دخل رجل من عبد القيس على أبي فوعظه، فلما فرغ قال أبي له: لو اتعظنا بما علمنا لانتفعنا بما عملنا، ولكنا علمنا علما لزمتنا فيه الحجة، وغفلنا غفلة من وجبت عليه النقمة، فوعظنا في أنفسنا بالتنقل من حال إلى حال، ومن صغر إلى كبر، ومن صحة إلى سقم، فأبينا إلا المقام على الغفلة، إثارا لعاجل لا بقاء لأهله، وإعراضا عن آجل إليه المصير. عتبان بن أبي سفيان وبعض القراء: سعد القصير قال: دخل أناس من القراء على عتبة بن أبي سفيان فقالوا: إنك سلطت السيف على الحق ولم تسلط الحق على السيف، وجئت بها عشوة «١» خفيّة. قال: كذبتم! بل سلطت الحق وبه سلطت، فاعرفوا الحق تعرفوا السيف، فإنكم الحاملون له حيث وضعه أفضل، والواضعون له حيث عمله أعدل، ونحن في أوّل زمان لم يأت آخره، وآخر دهر قد فات أوله. فصار المعروف عندكم منكرا، والمنكر معروفا. وإني أقول لكم مهلا، قبل أن أقول لنفسي هلا! قالوا: فنخرج آمنين؟ قال غير راشدين ولا مهذبين.

стр. 845

راهب وضالون في سفرهم: حاد قوم سفر عن الطريق، فدفعوا إلى راهب منفرد في صومعته، فنادوه، فأشرف عليهم، فسألوه عن الطريق، فقال: ههنا. وأومأ بيده إلى السماء، فعلموا ما أراد، فقالوا: إنا سائلوك. قال: سلوا ولا تكثروا: فإن النهار لا يرجع والعمر لا يعود، والطالب حثيث! قالوا: علام الناس يوم القيامة؟ قال: على نياتهم وأعمالهم. قالوا: إلى أين الموئل؟ قال: إلى ما قدمتم. قالوا: أوصنا. قال: تزوّدوا على قدر سفركم، فخير الزاد ما بلّغ المحل. ثم أرشدهم الجادّة وانقمع «١» . وقال بعضهم: أتيت الشام فمررت بدير حرملة، فإذا فيه راهب كأن عينيه مزادتان «٢» ، فقلت له: ما أشدّ ما يبكيك! قال: يا مسلم، أبكي على ما فرطت فيه من عمري، وعلى يوم يمضي من أجلي لم يحسن فيه عملي! قال: ثم مررت بعد ذلك، فسألت عنه، فقيل لي إنه أسلم وغزا الروم وقتل! الحيري وثوبان في لبس الرهبان: قال أبو زيد الحيري: قلت لثوبان الراهب: ما معنى لبس الرهبان هذا السواد؟ قال: هو أشبه بلباس أهل المصائب! قلت: وكلكم معشر الرهبان قد أصيب بمصيبة؟ قال: يرحمك الله، وهل مصيبة أعظم من مصائب الذنوب على أهلها. قال أبو زيد: فما أذكر قوله إلا أبكاني. آزاد مرد: حبيب العدوى عن موسى الأسواري قال: لما وقعت الفتنة أردت أن أحرز ديني «٣» ، فخرجت إلى الأهواز، فبلغ آزاد مرد قدومي، فبعث إليّ متاعا، فلما أردت الانصراف بلغني أنه ثقيل، فدخلت عليه، فإذا هو كالخفّاش، لم يبق منه إلا رأسه،

стр. 846

فقلت: ما حالك؟ قال: وما حال من يريد سفرا بعيدا بغير زاد، ويدخل قبرا موحشا بلا مؤنس، وينطلق إلى ملك عدل بلا حجة؟ ثم خرجت نفسه. بين العتبي وبعض الرهبان: العتبي قال: مررت براهب باك، فقلت: ما يبكيك؟ قال: أمر عرفته وقصرت عن طلبه، ويوم مضى من عمري نقص له أجلي ولم ينقص له أملي. باب من كلام الزهاد وأخبار العباد لبعض العباد: قيل لقوم من العبّاد: ما أقامكم في الشمس؟ قالوا: طلب الظل. لعلقمة الأسود: قيل لعلقمة الأسود بن يزيد: كم تعذّب هذا الجسد الضعيف؟ قال: لا تنال الراحة إلا بالتعب. لآخر: وقيل لآخر: لو رفقت بنفسك! قال: الخير كلّه فيما أكرهت النفوس عليه، قال النبي ﷺ : «حفّت الجنّة بالمكاره» . مسروق الأجدع: وقيل لمسروق بن الأجدع: لقد أضررت ببدنك. قال: كرامته أريد. وقالت له امرأته فيروز لما رأته لا يفطر من صيام ولا يفتر من صلاة «١» : ويلك يا مسروق! أما يعبد الله غيرك، أما خلقت النار إلا لك؟ قال لها: ويحك يا فيروز! إن طالب الجنة

стр. 847

لا يسأم، وهارب النار لا ينام. أبو الدرداء وزوجه: وشكت أم الدرداء إلى أبي الدرداء الحاجة، فقال لها: تصبّري، فإن أمامنا عقبة كئودا «١» لا يجاوزها إلا أخف الناس حملا. أبو حازم: ومر أبو حازم بسوق الفاكهة، فقال: موعدك الجنة. ومر بالجزارين، فقالوا له: يا أبا حازم، هذا لحم سمين فاشتر. قال: ليس عندي ثمنه. قالوا نؤخرك. قال: أنا أؤخر نفسي. وكان رجل من العبّاد يأكل الرّمّان بقشره، فقيل له: لم تفعل هذا؟ فقال إنما هو عدوّ فأثخن «٢» فيه ما أمكنك. علي بن الحسين: وكان عليّ بن الحسين ﵉ إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فسئل عن ذلك، فقال: ويحكم! أتدرون إلى من أقوم ومن أريد أن أناجي؟ يونس بن عبيد: وقال رجل ليونس بن عبيد: هل تعلم أحدا يعمل بعمل الحسن «٣» ؟ قال: لا والله ولا أحدا يقول بقوله. لمحمد بن علي: وقيل لمحمد بن علي بن الحسين أو لعليّ بن الحسين ﵈: ما أقلّ ولد

стр. 848

أبيك؟ قال: العجب كيف ولدت له وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرغ للنساء؟ وحج خمسا وعشرين حجة راجلا. ابن المسيب وامرأة: ولما ضرب سعيد بن المسيب وأقيم للناس قالت له امرأة: لقد أقمت مقام خزية! فقال: من مقام الخزية فررت. لابن دينار في قحط: وشكا الناس إلى مالك بن دينار القحط. فقال: أنتم تستبطئون المطر وأنا أستبطىء الحجارة! لابن عياض في مثله: وشكا أهل الكوفة إلى الفضيل بن عياض القحط. فقال: أمدبّرا غير الله تريدون؟ لأبي حنيفة في السختياني: وذكر أبو حنيفة أيوب السّختياني. فقال: رحمه الله تعالى- ثلاثا- لقد قدم المدينة مرة وأنا بها فقلت: لأقعدن إليه لعلّي أتعلق منه بسقطة. فقام بين يدي القبر مقاما ما ذكرته إلا اقشعرّ له جلدي. ابن أبي رباح: وقيل لاهل مكة: كيف كان عطاء بن أبي رباح فيكم؟ قالوا: كان مثل العافية التي لا يعرف فضلها حتى تفقد. وكان عطاء أفطس «١» أسود أشل أعرج ثم عمي وأمه سوداء تسمى بركة.

стр. 849

الأوقص المخزومي: وكان الأوقص المخزومي قاضيا بمكة، فما رؤى مثله في عفافه وزهده؛ فقال يوما لجلسائه: قالت لي أمي: يا بني، إنك خلقت خلقة لا تصلح معها لمجامعة الفتيان عند القيان؛ فعليك بالدين؛ فإن الله يرفع به الخسيسة، ويتم به النقيصة، فنفعني الله تعالى بكلامها وأطعتها فوليت القضاء. بين ابن واسع وابن دينار: الفضيل بن عياض قال: اجتمع محمد بن واسع ومالك بن دينار في مجلس بالبصرة، فقال مالك بن دينار: ما هو إلا طاعة الله أو النار. فقال محمد بن واسع ما هو كما تقول، ليس إلا عفو الله أو النار. قال مالك: صدقت. ثم قال مالك: إنه يعجبني أن يكون للرجل معيشة قدر ما يقوته. قال محمد بن واسع: ما هو إلا كما تقول، ولكن يعجبني أن يصبح الرجل وليس له غداء، ويمسي وليس له عشاء، وهو مع ذلك راض عن الله . قال مالك: ما أحوجني إلى أن يعلمني مثلك. لابن مهدي في بعض العباد: جعفر بن سليمان قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما رأيت أحدا أقشف «١» من شعبة، ولا أعبد من سفيان الثوري، ولا أحفظ من ابن المبارك. وما أحب أن ألقى الله بصحيفة أحد إلا بصحيفة بشر بن منصور، مات ولم يدع قليلا ولا كثيرا. بشر بن منصور على فراش الموت: عبد الأعلى بن حماد قال: دخلت على بشر بن منصور وهو في الموت، فإذا به من السرور في أمر عظيم؛ فقلت له: ما هذا السرور؟ قال: سبحان الله! أخرج من بين الظالمين والباغين والحاسدين والمغتابين، وأقدم على أرحم الراحمين ولا أسر.

стр. 850

الرشيد وعابد بمكة: حج هارون الرشيد، فبلغه عن عابد بمكة مجاب الدعوة معتزل في جبال تهامة فأتاه هارون الرشيد فسأله عن حاله ثم قال له: أوصني ومرني بما شئت، فواد لا عصيتك! فسكت عنه ولم يرد عليه جوابا؛ فخرج عنه هارون، فقال له أصحابه ما منعك إذا سألك أن تأمره بما شئت وحلف ألّا يعصيك أن تأمره بتقوى الله والإحسان إلى رعيته؟ فخط لهم في الرمل: إني أعظمت الله أن يكون يأمره فيعصيه، وآمره أنا فيطيعني. سفيان الثوري: علي بن حمزة ابن أخت سفيان الثوري قال: لما مرض سفيان مرضه الذي مات فيه ذهبت ببوله إلى ديراني، فأريته إياه فقال: ما هذا ببول حنيفي. قلت: بلى والله من خيارهم. قال: فأنا أذهب معك إليه، قال: فدخل عليه وجس عرقه، فقال: هذا رجل قطع الحزن كبده. ابن سيرين: مؤرّق العجلي قال: ما رأيت أحدا أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين، ولقد قال يوما: ما غشيت امرأة قط في نوم ولا يقظة، إلا امرأتي أم عبد الله فإني أرى المرأة في النوم؛ فأعلم أنها لا تحلّ لي فأصرف «١» بصري عنها. بعض العباد: الأصمعي عن ابن عون قال: رأيت ثلاثة لم أر مثلهم: محمد بن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حيوة بالشام. العتبي قال: سمعت أشياخنا يقولون، انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين: عامر بن

стр. 851

عبد القيس، والحسن بن أبي الحسن البصري، وهرم بن حبان، وأبي مسلم الخولاني، وأويس القرني، والربيع بن خثيم ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد. كيف يكون الزهد للنبي ﷺ العتبي يرفعه قال: قيل لرسول الله ﷺ : ما الزهد في الدنيا؟ قال: «أما إنه ما هو بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أغنى منك عما في يدك» . للزهري: وقيل للزهري: ما الزهد؟ قال: أما إنه ليس تشعيث الّلمّة، «١» ولا قشف الهيئة؛ ولكنه صرف النفس عن الشهوة. لبعضهم: وقيل لآخر: ما الزهد في الدنيا؟ قال: أن لا يغلب الحرام صبرك، ولا الحلال شكرك. للنبي ﷺ : وقيل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، من أزهد الناس في الدنيا؟ قال: «من لم ينس المقابر والبلى، وآثر ما يبقى على ما يفنى، وعدّ نفسه مع الموتى» . وقيل لمحمد بن واسع: من أزهد الناس في الدنيا؟ قال: من لا يبالي بيد من كانت الدنيا. وقيل للخليل بن أحمد: من أزهد الناس في الدنيا؟ قال من لم يطلب المفقود حتى يفقد الموجود.

стр. 852

وقال النبي ﷺ : «الزّهد في الدنيا مفتاح الرّغبة في الآخرة، والرغبة في الدنيا مفتاح الزهد في الآخرة» . قالوا: مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له امرأتان ضرّتان، إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى. وقال النبي ﷺ : «من جعل الدنيا أكبر همّه نزع الله خوف الأخرى من قلبه، وجعل الفقر بين عينيه، وشغله فيما عليه لا له» . وقال ابن السماك: الزاهد الذي إن أصاب الدنيا لم يفرح، وإن أصابته الدنيا لم يحزن، يضحك في الملا «١» ، ويبكي في الخلا. وقال الفضيل: أصل الزهد في الدنيا الرضا عن الله تعالى. صفة الدنيا قال رجل لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: يا أمير المؤمنين، صف لنا الدنيا. قال: ما أصف من دار أوّلها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن. قيل لأرسطا طاليس: صف لنا الدنيا. فقال: ما أصف من دار أولها فوت، وآخرها موت. وقيل لحكيم: صف لنا الدنيا. قال: أمر بين يديك، وأجل مطل عليك، وشيطان فتان، وأماني جرّارة العنان «٢» ، تدعوك فتستجيب؛ وترجوها فتخيب. وقيل لعامر بن عبد القيس: صف لنا الدنيا. قال: الدنيا والدة للموت، ناقضة للمبرم «٣» ، مرتجعة العطية وكل من فيها يجري إلى ما لا يدري.

стр. 853

وقيل لبكر بن عبد الله المزني: صف لنا الدنيا. فقال: ما مضى منها فحلم؛ وما بقي فأماني. وقيل لعبد الله بن ثعلبة: صف لنا الدنيا. قال: أمسك مذموم فيك، ويومك غير محمود لك، وعزّك غير مأمون عليك. وقال النبي ﷺ : «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . وقال: «الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر. والآخرة وعد صدق يحكم فيها ملك قادر، يفضل الحق من الباطل» . وقال: «الدنيا خضرة حلوة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها، ومن أخذها بغير حقها كان كالآكل الذي لا يشبع» . وقال ابن مسعود: ليس من الناس أحد إلا وهو ضيف على الدنيا وماله عارية: فالضيف مرتحل، والعارية مردودة. وقال المسيح ﵇: الدنيا لإبليس مزرعة وأهلها حرّاثون. وقال إبليس: ما أبالي إذا أحب الناس الدنيا أن لا يعبدوا صنما ولا وثنا، الدنيا أفتن لهم من ذلك. وكان النبي ﷺ «يسمي الدنيا أمّ دفر. الدفر: النتن» . وقال النبي ﷺ للضحاك بن سفيان: «ما طعامك؟» قال: اللحم واللبن. قال: «ثم إلى ماذا يصير؟» قال يصير إلى ما قد علمت. قال: «فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا» . وقال المسيح ﵇ لأصحابه: اتخذوا الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها. من الأثر: وفي بعض الكتب: أوحى الله إلى الدنيا: من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه. وقيل لنوح ﵇: يا أبا البشر ويا طويل العمر، كيف وجدت الدنيا؟ قال:

стр. 854

كبيت له بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر. وقال لقمان لابنه: إن الدنيا بحر عريض، قد هلك فيه الأولون والآخرون، فإن استطعت أن تجعل سفينتك تقوى الله، وعدّتك التوكل على الله، وزادك العمل الصالح. فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك. وقال ابن الحنفية: من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا. وقال: إن الملوك خلّوا لكم الحكمة فخلّوا لهم الدنيا. وقيل لمحمد بن واسع: إنك لترضى بالدّون «١» . قال: إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا. وقال المسيح ﵊ للحواريين: أنا الذي كفأت «٢» الدنيا على وجهها، فليس لي زوجة تموت، ولا بيت يخرب. لابن عبيد: شكا رجل إلى يونس بن عبيد وجعا يجده، فقال له: يا عبد الله، هذه دار لا توافقك فالتمس لك دارا توافقك. الراهب: لقي رجل راهبا فقال: يا راهب، صف لنا الدنيا. فقال: الدنيا تخلق الأبدان، وتجدد الآمال، وتباعد الأمنيّة، وتقرّب المنية. قال: فما حال أهلها؟ قال: من ظفر بها تعب، ومن فاتته نصب «٣» . قال. فما الغنى عنها؟ قال: قطع الرجاء منها. قال: فأين المخرج؟ قال: في سلوك المنهج. قال: وما ذاك؟ قال: يذل المجهود، والرضا بالموجود.

стр. 855

لبعض الشعراء: قال الشاعر: ما الناس إلّا مع الدنيا وصاحبها ... فحيثما انقلبت يوما به انقلبوا يعظّمون أخا الدنيا وإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا وقال آخر: يا خاطب الدّنيا إلى نفسها ... تنحّ عن خطبتها تسلم إنّ التي تخطب غرّارة ... قريبة العرس من المأتم «١» عبد الواحد بن الخطاب: داود بن المحبّر قال: أخبرنا عبد الواحد بن الخطاب قال: أقبلنا قافلين من بلاد الروم، حتى إذا كنا بين الرّصافة وحمص سمعنا صوتا من تلك الجبال، تسمعه آذاننا ولم تبصره أبصارنا، يقول: يا مستور يا محفوظ، انظر في ستر من أنت؛ إنما الدنيا شوك، فانتظر أين تضع قدميك منها! وقال أبو العتاهية: رضيت بذي الدّنيا ككلّ مكاثر ... ملحّ على الدّنيا وكلّ مفاخر ألم ترها تسقيه حتى إذا صبا ... فرت حلقه منها بشفرة جازر «٢» ولا تعدل الدّنيا جناح بعوضة ... لدى الله أو معشار نغبة طائر «٣» فلم يرض بالدنيا ثوابا لمؤمن ... ولم يرض بالدنيا عقابا لكافر وقال أيضا: هي الدنيا؛ إذا كملت ... وتمّ سرورها خذلت وتفعل في الذين بقوا ... كما فيمن مضى فعلت

стр. 856

قال بعض الشعراء يصف الدنيا: لقد غرّت الدنيا رجالا فأصبحوا ... بمنزلة ما بعدها متحوّل فساخط أمر لا يبدّل غيره ... وراض بأمر غيره سيبدّل وبالغ أمر كان يأمل دونه ... ومخترم من دون ما كان يأمل «١» وقال هارون الرشيد: لو قيل للدنيا صفي لنا نفسك، وكانت ممن ينطق، ما وصفت نفسها بأكثر من قول أبي نواس: إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ في ثياب صديق وما الناس إلّا هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق لبعض الشعراء: وقال آخر في صفة الدنيا: فرحنا وراح الشّامتون عشيّة ... كأنّ على أكتافنا فلق الصّخر لحا الله دنيا تدخل السّتر أهلها ... وتهتك ما بين الأقارب من ستر ولأبي العتاهية: كلنا نكثر الملامة للدنيا ... وكل بحبّها مفتون والمقادير لا تناولها الأو ... هام لطفا ولا تراها العيون ولركب الفناء في كلّ يوم ... حركات كأنهنّ سكون لابن عبد ربه: ومن قولنا في وصف الدنيا: ألا إنما الدّنيا نضارة أيكة ... إذا اخضرّ منها جانب جفّ جانب «٢» هي الدار ما الآمال إلّا فجائع ... عليها ولا الّلذّات إلا مصائب فكم سخنت بالأمس عين قريرة ... وقرّت عيون دمعها اليوم ساكب

стр. 857

فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة ... على ذاهب منها فإنك ذاهب وقال أبو العتاهية: أصبحت الدنيا لنا فتنة ... والحمد لله على ذلكا قد أجمع الناس على ذمّها ... ما إن ترى منهم لها تاركا وقال إبراهيم بن أدهم: نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع وما سمعت في صفة الدنيا والسبب الذي يحبها الناس لأجله بأبلغ من قول القائل. نراع بذكر الموت في حين ذكره ... وتعترض الدّنيا فنلهو ونلعب ونحن بنو الدّنيا خلقنا لغيرها ... وما كنت منه فهو شيء محبّب فذكر أن الناس بنو الدنيا وما كان الإنسان منه فهو محبب إليه. واعلم أن الإنسان لا يحب شيئا إلا أن يجانسه في بعض طبائعه، وأن الدنيا جانست الإنسان في طبائعه كلها فأحبها بكل أطرافه. ابن شبرمة وولده: وقال بعض ولد ابن شبرمة: كنت مع أبي جالسا قبل أن يلي القضاء فمرّ به طارق ابن أبي زياد في موكب نبيل، فلما رآه أبي تنفّس الصّعداء، وقال: أراها وإن كانت تحبّ كأنها ... سحابة صيف عن قليل تقشّع» ثم قال: اللهم لي ديني ولهم دنياهم. فلما ابتلى بالقضاء، قلت: يا أبت، أتذكر يوم طارق؟ فقال: يا بني إنهم يجدون خلفا من أبيك وإن أباك لا يجد خلفا منهم إن أباك خطب في أهوائهم وأكل من حلوائهم.

стр. 858

وقال الشعبي ما رأيت مثلنا ومثل الدنيا إلا كما قال كثّير عزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت «١» وأحكم بيت قيل في تمثيل الدنيا قول الشاعر: ومن يأمن الدّنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع «٢» الأصعمي في بيت يستحسنه: وحدّث العبّاس بن الفرج الرياشي، قال: رأيت الأصمعي ينشد هذا البيت ويستحسنه في صفة الدنيا: ما عذر مرضعة بكا ... س الموت تفطم من غذت ولقطري بن الفجاءة في وصف الدنيا خطبة مجردة تقع في جملة الخطب في كتاب الواسطة. قولهم في الخوف لابن عباس: سئل ابن عباس عن الخائفين لله، فقال: هم الذين صدّقوا الله في مخافة وعيده، قلوبهم بالخوف قرحة، وأعينهم على أنفسهم باكية، ودموعهم على خدودهم جارية، يقولون كيف نفرح والموت من ورائنا. والقبور من أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي ربنا موقفنا! وقال عليّ كرم الله وجهه: ألا إن الله عبادا مخلصين، كمن رأى أهل الجنة في الجنة فاكهين، وأهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة وقلوبهم محزونة. وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة العقبى راحة طويلة، أما بالليل فصفّوا

стр. 859

أقدامهم في صلاتهم؛ تجري دموعهم على خدودهم، يجارون «١» إلى ربهم: ربّنا ربّنا! يطلبون فكاك قلوبهم؛ وأما بالنهار فعلماء حلماء بررة أتقياء؛ كأنهم القداح. القداح: السهام، يريد في ضمرتها- ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى، وما بالقوم من مرض؛ ويقول: خولطوا؛ ولقد خالط القوم أمر عظيم. لابن عمار في الزهد: وقال منصور بن عمار في مجلس الزهد: إن لله عبادا جعلوا ما كتب عليهم من الموت مثالا بين أعينهم، وقطعوا الأسباب المتصلة بقلوبهم من علائق الدنيا؛ فهم أنضاء عبادته، حلفاء طاعته، قد نضحوا «٢» خدودهم بوابل دموعهم «٣» ، وافترشوا جباههم في محاريبهم، يناجون ذا الكبرياء والعظمة في فكاك رقابهم «٤» . عمر بن عبد العزيز في مرضه: ودخل قوم على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه وفيهم شاب ذابل ناحل؛ فقال له عمر: يا فتى، ما بلغ بك ما أرى؟ قال: يا أمير المؤمنين، أمراض وأسقام! قال له عمر: لتصدقنّي. قال: بلى يا أمير المؤمنين، ذقت يوما حلاوة الدنيا فوجدتها مرة عواقبها؛ فاستوى عندي حجرها وذهبها؛ وكأني أنظر إلى عرش ربنا بارزا؛ وإلى الناس يساقون إلى الجنة والنار؛ فأظمأت نهاري وأسهرت ليلي؛ وقليل كلّ ما أنا فيه في جنب ثواب الله وخوف عقابه. وقال ابن أبي الحواري: قلت لسفيان: بلغني في قول الله ﵎: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ «٥» : الذي يلقي ربه وليس فيه أحد غيره. فبكى وقال: ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا التفسير.

стр. 860

وقال الحسن: إن خوفك حتى تلقي الأمن خير من أمنك حتى تلقى الخوف. وقال: ينبغي أن يكون الخوف أغلب على الرجاء. فإن الرجاء إذا غلب الخوف فسد القلب. وقال: عجبا لمن خاف العقاب ولم يكفّ، ولمن رجا الثواب ولم يعمل. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لرجل: ما تصنع؟ فقال: أرجو وأخاف. قال: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه. وقال الفضيل بن عياض: إني لأستحي من الله أن أقول: توكّلت على الله. ولو توكلت عليه حقّ التوكل ما خفت ولا رجوت غيره. وقالوا: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء. وقال: وعد من الله لمن خافه أن يدخله الله الجنة. وتلا قوله : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ «١» . وقال عمر بن ذرّ: عباد الله؛ لا تغتروا بطول حلم الله واحذروا أسفه؛ فإنه قال : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ. فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ «٢» . وقال محمد بن سلّام: سمعت يونس بن حبيب يقول: لا تأمن من قطع في خمسة دراهم أشرف عضو فيك أن تكون عقوبته في الآخرة أضعاف ذلك. وقال الربيع بن خثيم: لو أن لي نفسين إذا علقت إحداهما سعت الأخرى في فكاكها، ولكنها نفس واحدة، فإن أنا أوثقتها. من يفكّها؟. وفي الحديث: «من كانت الدنيا همّه، طال في الآخرة غمّه. ومن خاف الوعيد لها عمّا يريد، ومن خاف ما بين يديه ضاق ذرعا بما في يده» .

стр. 861

وقال محمود الوراق: يا غافلا ترنو بعيني راقد ... ومشاهدا للأمر غير مشاهد «١» تصل الذّنوب إلى الذّنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفوز العابد «٢» ونسيت أنّ الله أخرج آدما ... منها إلى الدّنيا بذنب واحد وقال نابغة بني شيبان: إنّ من يركب الفواحش سرّا ... حين يخلو بسرّه غير خال كيف يخلو وعنده كاتباه ... شاهداه وربّه ذو الجلال قولهم في الرجاء قال العلماء: لا تشهد على أحد من أهل القبلة بجنة ولا نار؛ يرجى للمحسن ويخاف عليه، ويخاف على المسيء ويرجى له. في الأثر: وفي الحديث المرفوع. «إن الله يغفر ولا يعيّر، والناس يعيّرون ولا يغفرون» . وفي حديث آخر: «لا تكفّروا أهل الذنوب» . فتى توفي في عهد الرسول ﷺ : وتوفي رجل في عهد رسول الله ﷺ ، وكان مسرفا على نفسه فرفع رأسه، وهو يجود بنفسه، فإذا أبواه يبكيان عند رأسه، فقال: ما يبكيكما؟ قال: نبكي لإسرافك على نفسك «٣» ! قال: لا تبكيا: فو الله ما يسرني أن الذي بيد الله من أمري بأيديكما. ثم مات. فأتى جبريل ﵊ النبي ﷺ ، فأخبره أن فتى توفى اليوم فاشهده فإنه من أهل الجنة، فسأل رسول الله ﷺ أبويه عن عمله، فقالا: ما عملنا

стр. 862

عنده شيئا من خير، إلا أنه قال لنا عند الموت كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : «من هاهنا أوتي؛ إن حسن الظن بالله من أفضل العمل عنده» . عمر بن ذر ورجل توفي: وتوفي رجل بجوار ابن ذر، وكان مسرفا على نفسه، فتحامى الناس جنازته وبلغ ذلك عمر بن ذر، فأوصى أهله: إذا جهزتموه فآذنوني. ففعلوا؛ فشهده والناس معه، فلما أدلى وقف على قبره فقال: رحمك الله أبا فلان، فلقد صحبت عمرك بالتوحيد، وعفرت وجهك لله بالسجود، فإن قالوا مذنب وذو خطايا، فمن منا غير مذنب وذي خطايا؟ وتمثل معاوية عند الموت بهذا البيت: هو الموت لا منجى من الموت والذي ... نحاذر بعد الموت أنكى وأفظع ثم قال: اللهم فأقل العثرة، واعف عن الزّلّة، وعد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك، ولم يثق إلا بك فإنك واسع المغفرة. يا رب أين لذي الخطأ مهرب إلا إليك. قال داود بن أبي هند: فبلغني أن سعيد بن المسيّب قال حين بلغه ذلك: لقد رغب إلى من لا مرغب إلا إليه كرها، وإني أرجو من الله له الرحمة. لأعرابي في عائشة: الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول في دعائه وابتهاله: إلهي، ما توهمت سعة رحمتك إلا وكأن نعمة عفوك تقرع مسامعي: أن قد غفرت لك؛ فصدّق ظني بك. وحقق رجائي فيك يا إلهي. لبعض الشعراء: ومن أحسن ما قيل في الرجاء هذا البيت: وإن لأرجو الله حتى كأنّني ... أرى بجميل الظّنّ ما الله صانع

стр. 863

قولهم في التوبة للمسيح ﵇: مر المسيح بن مريم ﵇ بقوم من بني إسرائيل يبكون، فقال لهم: ما يبكيكم؟ قالوا: نبكي لذنوبنا! قال: اتركوها تغفر لكم. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: عجبا لمن يهلك ومعه النجاة؛ قيل له: وما هي؟ قال: التوبة والاستغفار. فتى من بني إسرائيل: وقالوا: كان شاب من بني إسرائيل قد عبد الله عشرين حجة، ثم عصاه عشرين حجّة؛ فبينما هو في بيته يتراءى في مرآته، نظر إلى الشيب في لحيته، فساءه ذلك؛ فقال: إلهي، أطعتك عشرين سنة وعصيتك عشرين سنة؛ فإن رجعت إليك تقبلني؟ فسمع صوتا من زاوية البيت، ولم ير شخصا: أحببتنا فأحببناك، وتركتنا فتركناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك. ابن العلاء في عابد: عبد الله بن العلاء قال: خرجنا حجّاجا من المدينة، فلما كنا بالحليفة نزلنا، فوقف علينا رجل عليه أثواب رثّة له منظر وهيئة، فقال: من يبغي خادما؟ من يبغي ساقيا؟ من يملأ قربة أو إداوة؟ فقلنا: دونك هذه القرب فاملأها. فأخذها وانطلق، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أقبل امتلأت أثوابه طينا، فوضعها وهو كالمسرور الضاحك، ثم قال: لكم غير هذا؟ قلنا: لا. وأطعمناه قارصا حاذرا «١» ، فأخذه وحمد الله وشكره، ثم اعتزل وقعد يأكل أكل جائع، فادركتني عليه الرقة، فقمت إليه بطعام طيب كثير؛ وقلت: قد علمت أنه لم يقع منك القرص موقعا، فدونك هذا الطعام فكله. فنظر في

стр. 864

وجهي وتبسم؛ وقال: يا عبد الله، إنما هي فورة، هذه النار قد أطفأتها- وضرب بيده على بطنه- فرجعت وقد انكسف بالي لما رأيت في هيبته؛ فقال إلى رجل كان إلى جانبي: أتعرفه؟ قلت: ما أعرفه. قال: هذا رجل من بني هاشم، من ولد العباس ابن عبد المطلب؛ كان يسكن البصرة؛ فتاب وخرج منها، ففقد وما يعرف له أثر. فأعجبني قوله؛ ثم لحقت به وناشدته الله؛ وقلت له: هل لك أن تعادلني فإن معي فضلا من راحلتي وأنا رجل من بعض أخوالك؟ فجزاني خيرا، وقال: لو أردت شيئا من هذا لكان لي معدّا. ثم أنس إليّ وجعل يحدثني؛ وقال: أنا رجل من ولد العباس، كنت أسكن البصرة، وكنت ذا كبر شديد وجبروت وبذخ؛ وإني أمرت خادما لي أن تحشو لي فراشا من حرير بورد نثير، ومخدّة؛ ففعلت؛ فإني لنائم إذ أيقظني قمع «١» وردة أغفلته الخادم؛ فقمت إليها فأوجعتها ضربا، ثم عدت إلى مضجعي بعد أن خرج ذلك القمع من المخدّة؛ فأتاني آت من منامي في صورة فظيعة، فنهرني وزبرني «٢» ، وقال: أفق من غشيتك وأبصر من حيرتك. ثم أنشأ يقول: يا خدّ إنك إن توسّد ليّنا ... وسّدت بعد الموت صمّ الجندل «٣» فامهد لنفسك صالحا تنجو به ... فلتندمنّ غدا إذا لم تفعل فانتبهت فزعا، وخرجت من ساعتي هاربا بديني إلى ربي. في التوبة: وقالوا: علامة التوبة الخروج من الجهل، والندم على الذنب، والتجافي عن الشهوة، وترك الكذب، والانتهاء عن الخلق السوء. وقالوا: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وأول التوبة الندم. لابن عبد ربه: ومن قولنا في هذا المعنى: يا ويلتا من موقف ما به ... أخوف من أن يعدل الحاكم

стр. 865

أبارز الله بعصيانه ... وليس لي من دونه راحم يا ربّ غفرانك عن مذنب ... أسرف إلا أنه نادم وقال بعض أهل التفسير في قول الله ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً «١» . إن التوبة النصوح: أن يتوب العبد عن الذنب ولا ينوي العود إليه. وقال ابن عباس في قول الله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ «٢» . إن الرجل لا يركب ذنبا ولا يأتي فاحشة إلا وهو جاهل. وقوله: ثم يتوبون من قريب. قال: كل من كان دون المعاينة فهو قريب، والمعاينة: أن يؤخذ بكظم الإنسان، فذلك قوله: إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ «٣» قال أهل التفسير: هو إذا أخذ بكظمه «٤» . وقال ابن شبرمة: إني لأعجب ممن يحتمي مخافة الضرر، ولا يدع الذنوب مخافة النار. المبادرة بالعمل الصالح قال الله : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ «٥» . وقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ «٦» . وقال الحسن: بادروا بالعمل الصالح قبل حلول الأجل، فإن لكم ما أمضيتم، لا ما أبقيتم. وقالوا: ثلاثة لا أناة فيهنّ. المبادرة بالعمل الصالح، ودفن الميت، وإنكاح الكفء.

стр. 866

وقال النبي ﷺ : «ابن آدم: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك» . وقال الحسن: صم قبل أن لا تقدر على يوم تصومه، كأنك إذا ظمئت لم تكن رويت، وكأنك إذا رويت لم تكن طمئت. وكان يزيد الرّقاشي يقول: يا يزيد، من يصوم عنك أو يصلّي لك أو يترضى لك ربك إذا مت. وكان خالد بن معدان يقول: إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التّفريط في زمن البذر وقال ابن المبارك: كنت مع محمد بن النّضر في سفينة، فقلت: بأي شيء استخرج منه الكلام؟ فقلت له: ما تقول في الصوم في السفر؟ فقال: إنما هي المبادرة يابن أخي. فجاءني والله بفتيا غير فتيا إبراهيم والشعبي. ومن قولنا في هذا المعنى: بادر إلى التوبة الخلصاء مبتدئا ... والموت ويحك لم يمدد إليك يدا وارقب من الله وعدا ليس يخلفه ... لا بدّ لله من إنجاز ما وعدا وقال علي بن أبي طالب ﵁ لأصحابه: فيم أنتم؟ قالوا: نرجو ونخاف. قال: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه. وقال الشاعر «١» : ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السفينة لا تجري على اليبس وقال آخر: اعمل وأنت من الدنيا على حذر ... واعلم بأنك بعد الموت مبعوث واعلم بأنك ما قدّمت من عمل ... يحصى عليك، وما خلّفت موروث

стр. 867

النبي ﷺ وعائشة: وقدّمت عائشة ﵂ إلى النبي ﷺ صحفة «١» فيها خبز شعير وقطعة من كرش، وقالت: يا رسول الله، ذبحنا اليوم شاة فما أمسكنا منها غير هذا. فقال: «بل كلّها أمسكتم غير هذا» . العجز عن العمل مؤرق وشاك: قال رجل لمؤرّق العجلي: أشكو إليك نفسي؛ إنها لا تريد الصلاة، ولا تستطيع الصبر على الصيام. قال: بئس الثناء [ما] أثنيت على نفسك، فإذا ضعفت عن الخير، فاضعف عن الشر؛ فإن الشاعر قال: احزن على أنك لا تحزن ... ولا تسيء إن كنت لا تحسن واضعف عن الشرّ كما تدّعي ... ضعفا عن الخير وقد يمكن وقال بكر بن عبد الله: اجتهدوا في العمل، فإن قصّر بكم ضعف فأمسكوا عن المعاصي. وقال الحسن ﵀: من كان قويا فليعتمد على قوّته في طاعة الله؛ وإن كان ضعيفا فليكّف عن معاصي الله. وقال عليّ: لا تكن كمن يعجز عن شكر ما أوتي، فيبتغي الزيادة فيما بقي؛ وينهى الناس ولا ينتهي. وكان الحسن إذا وعظ يقول: يا لها موعظة لو صادفت من القلوب حياة! أسمع حسيسا «٢» ولا أرى أنيسا، ما لهم تفاقدوا عقولهم؟ فراش نار وذباب طمع. وكان ابن السماك إذا فرغ من موعظته يقول: ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخالف.

стр. 868

وقال: الحسنة نور في القلب، وقوّة في العمل؛ والسيئة ظلمة في القلب، وضعف في العمل. وقال بعض الحكماء: يا أيها المشيخة الذين لم يتركوا الذنوب حتى تركتهم الذنوب، ثم ظنوا أنّ تركها لهم توبة؛ وليتهم إذا ذهبت عنهم لم يتمنّوا عودها إليهم وكان مالك بن دينار يقول: ما أشدّ فطام الكبير. وينشد: وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم «١» ومن حديث محمد بن وضّاح قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب، مسح إبليس بيده على وجهه وقال: بأبي وجه لا أفلح أبدا. قال الشاعر: فإذا أي إبليس غرّة وجهه ... حيّا وقال فديت من لا يفلح وقال رجل للحسن: أبا سعيد، أردت البارحة أن أصلي فلم أستطع، قال: قيّدتك ذنوبك. قولهم في الموت بين النبي ﷺ وابن الخطاب: قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب رضوان الله عليه: «ما عندك من ذكر الموت أبا حفص؟» قال: أمسي فما أرى أنّي أصبح، وأصبح فما أرى أني أمسي! قال: «الأمر أوشك من ذلك أبا حفص، أما إنه يخرج عني نفسي فما أرى أنه يعود إليّ!» وقال عبد الله بن شدّاد: أرى داعي الموت لا يقلع، ومن مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع «٢» . وقال الحسن: ابن آدم، إنما أنت عدد، فإذا مضى يومك فقد مضى بعضك.

стр. 869

وقال أبو العتاهية: الناس في غفلاتهم ... ورحى المنيّة تطحن وقال عمر بن عبد العزيز: من أكثر من ذكر الموت اكتفى باليسير، ومن علم أن الكلام عمل: قلّ كلامه إلا فيما ينفع. وكان أبو الدرداء إذا رأى جنازة قال: اغدي «١» فإنا رائحون، أو روحي «٢» فإنا غادون. وقال رجل للحسن: مات فلان فجأة. فقال: لو لم يمت فجأة لمرض فجأة ثم مات. وقال يعقوب صلوات الله عليه للبشير الذي أتاه بقميص يوسف: ما أدري ما أثيبك به، ولكن هوّن الله عليك سكرات الموت. ابن العلاء وجرير: وقال أبو عمرو بن العلاء: لقد جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه: ودّع أمامة حان منك رحيل ثم طلعت جنازة فأمسك وقال: شيّبتني هذه الجنازة. قلت: فلم تساب الناس؟ قال: يبدءونني ثم لا أعفو، وأعتدي ولا أبتدي. ثم أنشأ يقول: تروّعنا الجنائز مقبلات ... فنلهو حين تذهب مدبرات كروعة ثلّة لمغار سبع ... فلما غاب عادت راتعات «٣» وقالوا: من جعل الموت بين عينيه، لها عما في يديه. وقالوا: اتخذ نوح بيتا من جصّ، فقيل: لو بنيت ما هو أحسن من هذا! قال: هذا كثير لمن يموت.

стр. 870

لأمية: وأحكم بيت قالته العرب في وصف الموت، بيت أمية بن أبي الصلت حيث يقول: يوشك من فرّ من منيّته ... في بعض غرّاته يوافقها من لم يمت عبطة يمت هرما ... للموت كاس والمرء ذائقها «١» لأصبغ في عابد: وقال أصبغ بن الفرج، كان بنجران عابد يصيح في كل يوم صيحتين بهذين البيتين: منع البقاء مطالع الشمس ... وغدوّها من حيث لا تمسي وطلوعها حمراء قانية ... وغروبها صفراء كالورس» اليوم يخبر ما يجيء به ... ومضى بفصل قضائه أمس وقال آخر: زيّنت بينك جاهلا وعمرته ... ولعلّ صهرك صاحب البيت من كانت الأيام سائرة به ... فكأنه قد حلّ بالموت! والمرء مرتهن بسوف وليتني ... وهلاكه في السّوف والّليت لله درّ فتى تدبّر أمره ... فغدا وراح مبادر الموت وقال صريع الغواني: كم رأينا من أناس هلكوا ... قد بكوا أحبابهم ثم بكوا تركوا الدّنيا لمن بعدهم ... ودّهم لو قدّموا ما تركوا كم رأينا من ملوك سوقة ... ورأينا سوقة قد ملكوا وقال الصّلتان العبديّ:

стр. 871

أشاب الصّغير وأفنى الكبير ... كرّ الغداة ومرّ العشي «١» إذا ليلة هزمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي وكان سفيان بن عيينة يستحسن قول عدي بن زيد: أين أهل الدّيار من قوم نوح ... ثم عاد من بعدها وثمود بينما هم على الأسرّة والأنماط ... أفضت إلى التراب الخدود وصحيح أمسى يعود مريضا ... وهو أدنى للموت ممن يعود ثم لم ينقض الحديث ولكن ... بعد ذا كلّه وذاك الوعيد وقال أبو العتاهية في وصف الموت: كأنّ الأرض قد طويت عليّا ... وقد أخرجت مما في يديّا كأني صرت منفردا وحيدا ... ومرتهنا لديك بما عليّا كأنّ الباكيات عليّ يوما ... ولا يغنى البكاء عليّ شيّا ذكرن منيّتي فنعيت نفسي ... ألا أسعد أخيّك يا أخيّا وقال: ستخلق جدّة وتحول حال ... وعند الحقّ تختبر الرّجال وللدّنيا ودائع في قلوب ... بها جرت القطيعة والوصال تخوّف ما لعلّك لا تراه ... وترجوا ما لعلّك لا تنال وقد طلع الهلال لهدم عمري ... وأفرح كلما طلع الهلال! وله أيضا: من يعش يكبر ومن يكبر يمت ... والمنايا لا تبالي من أتت نحن في دار بلاء وأذى ... وشقاء وعناء وعنت «٢»

стр. 872

منزل ما يثبت المرء به ... سالما إلّا قليلا إن ثبت أيها المغرور ما هذا الصّبا ... لو نهيت النفس عنه لانتهت رحم الله امرأ أنصف من ... نفسه إذ قال خيرا أو سكت لابن عبد ربه: ومن قولنا في ذكرت الموت: من لي إذا جدت بين الأهل والولد ... وكان منّي نحو الموت قيس يدي «١» والدّمع يهمل والأنفاس صاعدة ... فالدّمع في صبب والنّفس في صعد ذاك القضاء الذي لا شيء يصرفه ... حتى يفرّق بين الرّوح والجسد ومن قولنا فيه: أتلهو بين باطية «٢» وزير ... وأنت من الهلاك على شفير؟ فيامن غرّه أمل طويل ... يؤدّيه إلى أجل قصير أتفرح والمنيّة كلّ يوم ... تريك مكان قبرك في القبور؟ هي الدّنيا فإن سرّتك يوما ... فإنّ الحزن عاقبة السرور ستسلب كل ما جمّعت منها ... كعارية تردّ المعير وتعتاض اليقين من التّظنّي ... ودار الحقّ من دار الغرور ولأبي العتاهية: وليس من منزل يأويه مرتحل ... إلّا وللموت سيف فيه مسلول وله أيضا: ما أقرب الموت منا ... تجاوز الله عنا كأنه قد سقانا ... بكاسه حيث كنا وله أيضا:

стр. 873

أؤمّل أن أخلّد والمنايا ... يثبن عليّ من كلّ النواحي وما أدري أمسيت حيّا ... لعلّي لا أعيش إلى الصباح وقال الغزّال: أصبحت والله مجهودا على أمل ... من الحياة قصير غير ممتدّ وما أفارق يوما من أفارقه ... إلّا حسبت فراقي آخر العهد انظر إليّ إذا أدرجت في كفني ... وانظر إليّ إذا أدرجت في لحدي واقعد قليلا وعاين من يقيم معي ... ممن يشيّع نعشي من ذوي ودّي هيهات! كلّهم في شأنه لعب ... يرمي التراب ويحثوه على خدّي وقال أبو العتاهية: نعى لك ظلّ الشّباب المشيب ... ونادتك باسم سواك الخطوب فكن مستعدّا لريب المنون ... فإنّ الذي هو آت قريب وقبلك داوى الطّبيب المريض ... فعاش المريض ومات الطّبيب يخاف على نفسه من يتوب ... فكيف ترى حال من لا يتوب؟ وله أيضا: أخي ادّخر مهما استطعت ... ليوم بؤسك وافتقارك فلتنزلنّ بمنزل ... تحتاج فيه إلى ادّخارك وقال أبو الأسود الدؤلي: أيها الآمل ما ليس له ... ربما غرّ سفيها أمله ربّ من مات يمنّي نفسه ... حال من دون مناه أجله والفتى المختال فيما نابه ... ربما ضاقت عليه حيله قل لمن مثّل في أشعاره ... يهلك المرء ويبقى مثله «١» نافس المحسن في إحسانه ... فسيكفيك سناء عمله

стр. 874

وقال عدي بن زيد العبادي: أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّ ... وم لم يبق منهم مذكور أخو الحضرا إذ بناه وإذا دج ... لة تجبى إليه والخابورو «١» شاده مرمرا وجلّله كل ... سا فللطّير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور وتفكّر ربّ الخورنق إذ أص ... بح يوما وللهدى تفكير «٢» سرّه حاله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسّدير «٣» فارعوى قلبه فقال: وما غب ... طة حيّ إلى الممات يصير؟ ثم بعد الفلاح والملك والنّع ... مة وارتهم هناك القبور ثم صاروا كأنهم ورق ج ... فّ فألوت به الصّبا والدّبور وقال حريث بن جبلة العذرى: يا قلب إنك في الأحياء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير حتى متى أنت فيها مدنف وله ... لا يستفزّنك منها البدر والحور قد بحت بالجهل لا تخفيه عن أحد ... حتى جرت بك أطلاق محاضير «٤» تريد أمرا فما تدري أعاجله ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير فاستقدر الله خيرا وارضينّ به ... فبينما العسر إذا دارت مياسير وبينما المرء في الأحياء مغتبطا ... والدهر في الرّمس تعفوه الأعاصير حتى كأن لم يكن إلّا توهّمه ... والدهر في كلّ حاليه دهارير يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيّ مسرور

стр. 875

فذاك آخر عهد من أخيك إذا ... ما ضمّنت شلوه اللحد المحافير قولهم في الطاعون عمر بن الخطاب وابن الجراح في الطاعون: قال أبو عبيدة بن الجرّاح لعمر بن الخطاب رضوان الله عليه لما بلغه أن الطاعون وقع في الشام فانصرف بالناس: أفرارا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله؛ أرأيت لو أن لك إبلا هبطت بها واديا له جهتان إحداهما خصيبة والأخرى جديبة، أليس لو رعيت في الخصيبة رعيتها بقدر الله، ولو رعيت الجديبة رعيتها بقدر الله؟ وكان عبد الرحمن بن عوف غائبا فأقبل، فقال: عندي في هذا علم سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» . فحمد الله عمر، ثم انصرف بالناس. للوليد بن عبد الملك في مثله: وقيل للوليد بن عبد الملك حين فرّ من الطاعون: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى بقول: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا «١» . قال: ذلك القليل نطلب. من شريح إلى صديق له فر من الطاعون: العتبي قال: وقع الطاعون بالكوفة، فخرج صديق لشريح إلى النّجف، فكتب إليه شريح: أما بعد؛ فإن الموضع الذي هربت منه لم يسق إلى أجلك تمامه، ولم يسلبه أيامه؛ وإن الموضع الذي صرت إليه لبعين من لا يعجزه طلب، ولا يفوته هرب؛ وإنا وإياك على بساط ملك، والنجف من ذي قدرة لقريب.

стр. 876

الحسين في الطاعون الجارف: لما وقع الطاعون الجارف أطاف الناس بالحسين، فقال: ما أحسن ما صنع بكم ربّكم؛ أقلع مذنب وأنفق ممسك. لأعرابي هرب من الطاعون: وخرج أعرابي هاربا من الطاعون فلدغته أفعى في طريقه فمات. فقال أخوه يرثيه: طاف يبغي نجوة ... من هلاك فهلك ليت شعري ضلّة ... أيّ شيء قتلك أجحاف سائل ... من جبال حملك والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك كلّ شيء قاتل ... حين تلقى أجلك ابن وهب وابن الزيات: حكى أن ماء المطر اتصل في وقت من الأوقات، فقطع الحسن بن وهب عن لقاء محمد بن عبد الملك الزيات، فكتب إليه الحسن: يوضح العذر في تراخي اللّقاء ... ما توالى من هذه الأنواء فسلام الإله أهديه منّي ... كلّ يوم لسيد الوزراء لست أدري ماذا أذمّ وأشكو ... من سماء تعوقني عن سماء غير أني أدعو لهاتيك بالثّ ... كل وأدعو لهذه بالبقاء ابن الزيات وابن أبي داود: اتصل بأحمد بن أبي دواد أن محمد بن عبد الملك هجاه بقصيدة فيها تسعون بيتا، فقال: أحسن من تسعين بيتا سدى ... جمعك معناهّن في بيت

стр. 877

ما أحوج الناس إلى مطرة ... تزيل عنهم وضر الزيت «١» فبلغ قوله محمدا فقال: يأيها المأفون رأيا لقد ... عرّضت بي نفسك للموت «٢» قيّرتم الملك فلم ننقه ... حتى غسلنا القار بالزيت «٣» الزيت لا يزري بأحسابنا ... أحسابنا معروفة البيت وقيل لابن أبي داود: لم لا تسأل حوائجك الخليفة بحضرة محمد بن عبد الملك؟ فقال: لا أحب أن أعلمه شأني. مقتل زيد ابن حسين: وقد حدث أبو القاسم جعفر، أن محمد الحسني قال: أخبرنا محمد بن زكريا الغلابيّ، قال: حدثنا محمد بن نجيع النّوبختي، قال: حدثنا يحيى أنّ سليمان قال: حدثني أبي، وكان ممن لحق الصحابة، قال: دخلت الكوفة، فإذا أنا برجل يحدث الناس، فقلت: من هذا؟ قالوا: بكر بن الطرماح؛ فسمعته يقول: سمعت زيد بن حسين يقول: لما قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، أتى بنعيه إلى المدينة كلثوم بن عمرو، فكانت تلك الساعة التي أتى فيها أشبه بالساعة التي قبض فيها رسول الله ﷺ ، من باك وباكية، وصارخ وصارخة، حتى إذا هدأت عبرة البكاء عن الناس، قال أصحاب رسول الله ﷺ : تعالوا حتى نذهب إلى عائشة زوج النبي ﷺ ، فننظر حزنها على ابن عم رسول الله ﷺ ، فقام الناس جميعا حتى أتوا منزل عائشة ﵂، فاستأذنوا عليها، فوجدوا الخبر قد سبق إليها، وإذا هي في غمرة الأحزان وعبرة الأشجان، ما تفتر عن البكاء والنحيب منذ وقت سمعت بخبره، فلما نظر الناس إلى ذلك منها انصرفوا؛ فلما كان من غد قيل إنها غدت إلى قبر رسول الله ﷺ ، فلم يبق في المسجد أحد من المهاجرين إلا استقبلها يسلم عليها،

стр. 878

وهي لا تسلم ولا تردّ ولا تطيق الكلام؛ من غزرة الدمعة، وغمرة العبرة، تختنق بعبرتها، وتتعثر في أثوابها، والناس من خلفها، حتى أتت إلى الحجرة، فأخذت بعضادتي «١» الباب، ثم قالت: السّلام عليك يا نبي الهدى، السّلام عليك يا أبا القاسم، السّلام عليك يا رسول الله وعلى صاحبيك، يا رسول الله؛ أنا ناعية إليك أحظى أحبابك، وذاكرة لك أكرم أودّائك «٢» عليك، قتل والله حبيبك المجتبى، وصفيّك المرتضى، قتل والله من زوجته خير النساء، قتل والله من آمن ووفى، وإني لنادبة ثكلى، وعليه باكية حرّى، فلو كشف عنك الثرى لقلت إنه قتل أكرمهم عليك، وأحظاهم لديك؛ ولو أمرت أن يجيب النداء لك مني ما تعرضت له منذ اليوم، والله يجري الأمور على السداد. قال المبرد: عزى أحمد بن يوسف الكاتب ولد الربيع، فقال: عظّم أجركم، ورحم الله فقيدكم؛ وجعل لكم من وراء مصيبتكم حالا يجمع شملكم، ويلم شعثكم، ولا يفرق ملأكم. وقيل لأعرابية مات لها بنون عدّة: ما فعل بنوك؟ قالت: أكلهم دهر لا يشبع. وعزى رجل الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، كان لك الأجر لا بك، وكان العزاء لك لا عنك. لابن عباس: ومما روي أنّ عبد الله بن عباس ﵄ نعي إليه ابنه وهو في السفر، فاسترجع ثم قال: عورة سترها الله، ومؤنة كفاها الله، وأجر ساقه الله. للنبي ﷺ في ابنته: وقال أسامة بن زيد ﵄ لما عزّي رسول الله ﷺ بابنته رقية. قال:

стр. 879

«الحمد لله. دفن البنات من المكرمات» . وفي رواية: «من المكرمات دفن البنات» . ملك كندة وأعرابي عزاه في ابنته: وقال الغزّال: ماتت ابنة لبعض ملوك كندة، فوضع بين يديه بدرة «١» من الذهب، وقال: من أبلغ في التعزية فهي له! فدخل عليه أعرابي فقال: أعظم الله أجر الملك! كفيت المؤنة! وسترت العورة! ونعم الصهر القبر! فقال له الملك: أبلغت وأوجزت. وأعطاه البدرة. من أحب الموت ومن كرهه في بعض الأحاديث: «لا يتمنى أحدكم الموت؛ فعسى أن يكون محسنا فيزداد في إحسانه، أو يكون مسيئا فينزع عن إساءته» . وقد جاء في الحديث: «يقول الله ﵎: إذا أحبّ عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه» . وليس معنى هذا الحديث حبّ الموت وكراهته، ولكن معناه من أحب الله أحبه الله، ومن كره الله كرهه الله. وقال أبو هريرة: كره الناس ثلاثا وأحببتهنّ: كرهوا المرض وأحببته، وكرهوا الفقر وأحببته، وكرهوا الموت وأحببته! بشر بن منصور: عبد الأعلى بن حماد قال: دخلنا على بشر بن منصور وهو في الموت، وإذا هو من السرور في أمر عظيم؛ فقلنا له: ما هذا السرور؟ قال: سبحان الله! أخرج من بين الظالمين والحاسدين والمغتابين والباغين وأقدم على أرحم الراحمين ولا أسرّ.

стр. 880

الوليد بن عبد الملك وشيخ: ودخل الوليد بن عبد الملك المسجد، فخرج كل من كان فيه، إلا شيخا قدحناه الكبر؛ فأرادوا أن يخرجوه، فأشار إليهم [الوليد] أن دعوا الشيخ. ثم مضى حتى وقف عليه، فقال له: يا شيخ، تحب الموت؟ قال: لا يا أمير المؤمنين؛ ذهب الشباب وشره، وأتى الكبر وخيره؛ فإذا قمت حمدت الله، وإذا قعدت ذكرته؛ فأنا أحب أن تدوم لي هاتان الخلتان. النبي ﷺ وعبد الله بن عمر: قال عبد الله بن عمر: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، مالي لا أحب الموت؟ قال: «هل لك مال» ؟ قال: نعم. قال: «فقدّمه بين يديك» . قال: لا أطيق ذلك! فقال النبي ﵇: «المرء مع ماله؛ إن قدّمه أحب أن يلحقه، وإن أخره أحب أن يتخلف معه!» وقال الشاعر في كراهية الموت: قامت تشجّعني هند فقلت لها ... إنّ الشجاعة مقرون بها العطب لا والذي منع الأبصار رؤيته ... ما يشتهي الموت عندي من له أرب وقالت الحكماء: الموت كريه. وقالوا: أشدّ من الموت ما إذا نزل بك أحببت له الموت؛ وأطيب من العيش ما إذا فارقته أبغضت له العيش. التهجد «١» للنبي ﷺ : المغيرة بن شعبة قال: قام النبيّ ﷺ حتى ورمت قدماه. وقيل للحسن: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ قال: إنهم خلوا بالرحمن
следующие страницы →