← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الحسين في الطاعون الجارف: لما وقع الطاعون الجارف أطاف الناس بالحسين، فقال: ما أحسن ما صنع بكم ربّكم؛ أقلع مذنب وأنفق ممسك. لأعرابي هرب من الطاعون: وخرج أعرابي هاربا من الطاعون فلدغته أفعى في طريقه فمات. فقال أخوه يرثيه: طاف يبغي نجوة ... من هلاك فهلك ليت شعري ضلّة ... أيّ شيء قتلك أجحاف سائل ... من جبال حملك والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك كلّ شيء قاتل ... حين تلقى أجلك ابن وهب وابن الزيات: حكى أن ماء المطر اتصل في وقت من الأوقات، فقطع الحسن بن وهب عن لقاء محمد بن عبد الملك الزيات، فكتب إليه الحسن: يوضح العذر في تراخي اللّقاء ... ما توالى من هذه الأنواء فسلام الإله أهديه منّي ... كلّ يوم لسيد الوزراء لست أدري ماذا أذمّ وأشكو ... من سماء تعوقني عن سماء غير أني أدعو لهاتيك بالثّ ... كل وأدعو لهذه بالبقاء ابن الزيات وابن أبي داود: اتصل بأحمد بن أبي دواد أن محمد بن عبد الملك هجاه بقصيدة فيها تسعون بيتا، فقال: أحسن من تسعين بيتا سدى ... جمعك معناهّن في بيت

стр. 877

ما أحوج الناس إلى مطرة ... تزيل عنهم وضر الزيت «١» فبلغ قوله محمدا فقال: يأيها المأفون رأيا لقد ... عرّضت بي نفسك للموت «٢» قيّرتم الملك فلم ننقه ... حتى غسلنا القار بالزيت «٣» الزيت لا يزري بأحسابنا ... أحسابنا معروفة البيت وقيل لابن أبي داود: لم لا تسأل حوائجك الخليفة بحضرة محمد بن عبد الملك؟ فقال: لا أحب أن أعلمه شأني. مقتل زيد ابن حسين: وقد حدث أبو القاسم جعفر، أن محمد الحسني قال: أخبرنا محمد بن زكريا الغلابيّ، قال: حدثنا محمد بن نجيع النّوبختي، قال: حدثنا يحيى أنّ سليمان قال: حدثني أبي، وكان ممن لحق الصحابة، قال: دخلت الكوفة، فإذا أنا برجل يحدث الناس، فقلت: من هذا؟ قالوا: بكر بن الطرماح؛ فسمعته يقول: سمعت زيد بن حسين يقول: لما قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، أتى بنعيه إلى المدينة كلثوم بن عمرو، فكانت تلك الساعة التي أتى فيها أشبه بالساعة التي قبض فيها رسول الله ﷺ ، من باك وباكية، وصارخ وصارخة، حتى إذا هدأت عبرة البكاء عن الناس، قال أصحاب رسول الله ﷺ : تعالوا حتى نذهب إلى عائشة زوج النبي ﷺ ، فننظر حزنها على ابن عم رسول الله ﷺ ، فقام الناس جميعا حتى أتوا منزل عائشة ﵂، فاستأذنوا عليها، فوجدوا الخبر قد سبق إليها، وإذا هي في غمرة الأحزان وعبرة الأشجان، ما تفتر عن البكاء والنحيب منذ وقت سمعت بخبره، فلما نظر الناس إلى ذلك منها انصرفوا؛ فلما كان من غد قيل إنها غدت إلى قبر رسول الله ﷺ ، فلم يبق في المسجد أحد من المهاجرين إلا استقبلها يسلم عليها،

стр. 878

وهي لا تسلم ولا تردّ ولا تطيق الكلام؛ من غزرة الدمعة، وغمرة العبرة، تختنق بعبرتها، وتتعثر في أثوابها، والناس من خلفها، حتى أتت إلى الحجرة، فأخذت بعضادتي «١» الباب، ثم قالت: السّلام عليك يا نبي الهدى، السّلام عليك يا أبا القاسم، السّلام عليك يا رسول الله وعلى صاحبيك، يا رسول الله؛ أنا ناعية إليك أحظى أحبابك، وذاكرة لك أكرم أودّائك «٢» عليك، قتل والله حبيبك المجتبى، وصفيّك المرتضى، قتل والله من زوجته خير النساء، قتل والله من آمن ووفى، وإني لنادبة ثكلى، وعليه باكية حرّى، فلو كشف عنك الثرى لقلت إنه قتل أكرمهم عليك، وأحظاهم لديك؛ ولو أمرت أن يجيب النداء لك مني ما تعرضت له منذ اليوم، والله يجري الأمور على السداد. قال المبرد: عزى أحمد بن يوسف الكاتب ولد الربيع، فقال: عظّم أجركم، ورحم الله فقيدكم؛ وجعل لكم من وراء مصيبتكم حالا يجمع شملكم، ويلم شعثكم، ولا يفرق ملأكم. وقيل لأعرابية مات لها بنون عدّة: ما فعل بنوك؟ قالت: أكلهم دهر لا يشبع. وعزى رجل الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، كان لك الأجر لا بك، وكان العزاء لك لا عنك. لابن عباس: ومما روي أنّ عبد الله بن عباس ﵄ نعي إليه ابنه وهو في السفر، فاسترجع ثم قال: عورة سترها الله، ومؤنة كفاها الله، وأجر ساقه الله. للنبي ﷺ في ابنته: وقال أسامة بن زيد ﵄ لما عزّي رسول الله ﷺ بابنته رقية. قال:

стр. 879

«الحمد لله. دفن البنات من المكرمات» . وفي رواية: «من المكرمات دفن البنات» . ملك كندة وأعرابي عزاه في ابنته: وقال الغزّال: ماتت ابنة لبعض ملوك كندة، فوضع بين يديه بدرة «١» من الذهب، وقال: من أبلغ في التعزية فهي له! فدخل عليه أعرابي فقال: أعظم الله أجر الملك! كفيت المؤنة! وسترت العورة! ونعم الصهر القبر! فقال له الملك: أبلغت وأوجزت. وأعطاه البدرة. من أحب الموت ومن كرهه في بعض الأحاديث: «لا يتمنى أحدكم الموت؛ فعسى أن يكون محسنا فيزداد في إحسانه، أو يكون مسيئا فينزع عن إساءته» . وقد جاء في الحديث: «يقول الله ﵎: إذا أحبّ عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه» . وليس معنى هذا الحديث حبّ الموت وكراهته، ولكن معناه من أحب الله أحبه الله، ومن كره الله كرهه الله. وقال أبو هريرة: كره الناس ثلاثا وأحببتهنّ: كرهوا المرض وأحببته، وكرهوا الفقر وأحببته، وكرهوا الموت وأحببته! بشر بن منصور: عبد الأعلى بن حماد قال: دخلنا على بشر بن منصور وهو في الموت، وإذا هو من السرور في أمر عظيم؛ فقلنا له: ما هذا السرور؟ قال: سبحان الله! أخرج من بين الظالمين والحاسدين والمغتابين والباغين وأقدم على أرحم الراحمين ولا أسرّ.

стр. 880

الوليد بن عبد الملك وشيخ: ودخل الوليد بن عبد الملك المسجد، فخرج كل من كان فيه، إلا شيخا قدحناه الكبر؛ فأرادوا أن يخرجوه، فأشار إليهم [الوليد] أن دعوا الشيخ. ثم مضى حتى وقف عليه، فقال له: يا شيخ، تحب الموت؟ قال: لا يا أمير المؤمنين؛ ذهب الشباب وشره، وأتى الكبر وخيره؛ فإذا قمت حمدت الله، وإذا قعدت ذكرته؛ فأنا أحب أن تدوم لي هاتان الخلتان. النبي ﷺ وعبد الله بن عمر: قال عبد الله بن عمر: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، مالي لا أحب الموت؟ قال: «هل لك مال» ؟ قال: نعم. قال: «فقدّمه بين يديك» . قال: لا أطيق ذلك! فقال النبي ﵇: «المرء مع ماله؛ إن قدّمه أحب أن يلحقه، وإن أخره أحب أن يتخلف معه!» وقال الشاعر في كراهية الموت: قامت تشجّعني هند فقلت لها ... إنّ الشجاعة مقرون بها العطب لا والذي منع الأبصار رؤيته ... ما يشتهي الموت عندي من له أرب وقالت الحكماء: الموت كريه. وقالوا: أشدّ من الموت ما إذا نزل بك أحببت له الموت؛ وأطيب من العيش ما إذا فارقته أبغضت له العيش. التهجد «١» للنبي ﷺ : المغيرة بن شعبة قال: قام النبيّ ﷺ حتى ورمت قدماه. وقيل للحسن: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ قال: إنهم خلوا بالرحمن

стр. 881

فأسفر نورهم من نوره. وكان بعضهم يصلي الليل حتى إذا نظر إلى الفجر، قال: عند الصباح يحمد القوم السّرى. وقالوا: الشتاء ربيع المؤمنين؛ يطول ليلهم للقيام، ويقصر نهارهم للصيام. وقال ﷺ : «أطعموا الطعام، وأفشوا السّلام، وصلّوا بالليل والناس نيام. وقال الله ﵎: وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ «١» . وهذا يوافق الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ : «إن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من مستغيث فأغيثه» . المغيرة والنخعي: أبو عوانة عن المغيرة قال: قلت لإبراهيم النّخعي: ما تقول في الرجل يرى الضوء بالليل؟ قال: هو من الشيطان، لو كان خيرا لأريه أهل بدر. البكاء من خشية الله قال النبي ﷺ : «حرّم الله على النّار كلّ عين تبكي من خشية الله، وعين غضت عن محارم الله» . وكان يريد الرقاشي قد بكى حتى سقطت أشفار «٢» عينيه. وقيل لغالب بن عبد الله: أما تخاف على عينيك من العمى من طول البكاء؟ فقال: شفاءها أريد. وقيل ليزيد بن مزيد: ما بال عينك لا تجف؟ قال: أي أخي، إن الله أوعدني إن عصيته أن يحبسني في النار: ولو أوعدني أن يحبسني في الحمّام لكنت حريّا أن لا تجف عيني.

стр. 882

قال عمر بن ذرّ لأبيه: مالك إذا تكلمت أبكيت الناس، فإذا تكلم غيرك لم يبكهم؟ قال: يا بني، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة. وقال الله لنبي من أنبيائه: هب لي من قلبك الخشوع، ومن عينيك الدموع؛ ثم ادعني أستجب لك. ومن قولنا في البكاء: مدامع قد خدّدت في الخدود ... وأعين مكحولة بالهجود ومعشر أوعدهم ربّهم ... فبادروا خشية ذاك الوعيد فهم عكوف في محاريبهم ... يبكون من خوف عقاب المجيد قد كاد أن يعشب من دمعهم ... ما قابلت أعينهم في السّجود وقال قيس بن الأصمّ في هذا المعنى: صلّي الإله على قوم شهدتهم ... كانوا إذا ذكروا أو ذكّروا شهقوا كانوا إذا ذكروا نار الجحيم بكوا ... وإن تلا بعضهم مخوّفا صعقوا من غير همز من الشيطان يأخذهم ... عند التّلاوة إلا الخوف والشّفق «١» صرعى من الحزن قد سجّوا ثيابهم ... بقيّة الرّوح في أوداجهم رمق «٢» حتى تخالهم لو كنت شاهدهم ... من شدّة الخوف والإشفاق قد زهقوا النهي عن كثرة الضحك في الحديث المرفوع: «كثرة الضحك تميت القلب وتذهب بهاء المؤمن» . وفيه: «لو علمتم ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا» . وفيه: «إن الله يكره لكم العبث في الصلاة: والرفث «٣» في الصيام، والضحك في الجنائز» .

стр. 883

الحسن وقوم يضحكون: ومر الحسن بقوم يضحكون في شهر رمضان، فقال: يا قوم، إنّ الله جعل رمضان مضمارا لخلقه يتسابقون فيه إلى رحمته؛ فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا؛ فالعجب من الضاحك اللاهي في اليوم الذي فاز فيه السابقون، وخاب فيه المتخلفون! أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسنا إحسانه ومسيئا إساءته. عبد الله وضاحك: ونظر عبد الله بن ثعلبة إلى رجل يضحك مستغرقا، فقال له: أتضحك ولعل أكفانك قد أخذت من عند القصّار «١» ؟ وقال الشاعر: وكم من فتى يمسي ويصبح آمنا ... وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري النهي عن خدمة السلطان وإتيان الملوك قال عمر بن الخطاب ﵁: من دخل على الملوك خرج وهو ساخط على الله. أبو جعفر وسفيان: أرسل أبو جعفر إلى سفيان، فلما دخل عليه قال: سلني حاجتك أبا عبد الله! قال: وتقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: فإن حاجتي إليك أن لا ترسل إليّ حتى آتيك، ولا تعطيني شيئا حتى أسألك! ثم خرج؛ فقال أبو جعفر: ألقينا الحبّ إلى العلماء فلقطوا، إلا ما كان من سفيان الثوري، فإنه أعيانا فرارا. وقال عمر بن الخطاب ﵁: الدخول على الأغنياء فتنة للفقراء.

стр. 884

وقال زياد لأصحابه: من أغبط الناس عيشا؟ قالوا: الأمير وأصحابه. قال: كلا؛ إنّ لأعواد المنبر لهيبة، ولقرع لجام البريد لفزعة. ولكن أغبط الناس عيشا رجل له دار يسكنها، وزوجة صالحة يأوي إليها، في كفاف من عيش، لا يعرفنا ولا نعرفه؛ فإن عرفنا وعرفناه أفسدنا عليه آخرته ودنياه. وقال الشاعر: إنّ الملوك بلاء حيثما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل ماذا تريد بقوم إن هم غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا فاستغن بالله عن إتيانهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ وقال آخر: لا تصحبنّ ذوي السّلطان في عمل ... تصبح على وجل تمسي على وجل «١» كل التّراب ولا تعمل لهم عملا ... فالشّرّ أجمعه في ذلك العمل وفي كتاب كليلة ودمنة: صاحب السلطان مثل راكب الأسد: لا يدري متى يهيج به فيقتله. مالك بن دينار وسجين: ودخل مالك بن دينار على رجل في السجن يزوره، فنظر إلى رجل جنديّ قد اتكأ في رجليه كبول «٢» قد قرنت بين ساقيه، وقد أتي بسفرة كثيرة الألوان؛ فدعا مالك بن دينار إلى طعامه؛ فقال له: أخشى إن أكلت من طعامك هذا أن يطرح في رجلي مثل كبولك هذه. وفي كتاب الهند: السلطان مثل النار: إن تباعدت عنها احتجت إليها، وإن دنوت منها أحرقتك.

стр. 885

أيوب وأبو قلابة في القضاء: أيوب السختياني قال: طلب أبو قلابة لقضاء البصرة، فهرب منها إلى الشام، فأقام حينا ثم رجع، قال أيوب فقلت له: لو وليت القضاء وعدلت كان لك أجران. قال: يا أيوب، إذا وقع السابح في البحر فكم عسى أن يسبح! إبراهيم يعظ بقية: وقال بقية: قال لي إبراهيم: يا بقية، كن ذنبا ولا تكن رأسا، فإن الرأس يهلك والذنب ينجو. ومن قولنا في خدمة السلطان وصحبته: تجنّب لباس الخزّ إن كنت عاقلا ... ولا تختتم «١» يوما بفصّ زبرجد ولا تتغلّل بالغوالي تعطّرا ... وتسحب أذيال الملاء المعضّد «٢» ولا تتبختر صيّت النّعل زاهيا ... ولا تتصدّر في الفراش الممهّد وكن هملا في الناس أغبر شاعثا ... تروح وتغدو في إزار وبرجد «٣» ترى جلد كبش تحته كلّ ما استوى ... عليه سرير فوق صرح ممرّد ولا تطمح العينان منك إلى امرىء ... له سطوات باللّسان وباليد تراءت له الدّنيا بزبرج عيشها ... وقادت له الأطماع غير مقوّد فأسمن كشحيه وأهزل دينه ... ولم يرتقب في اليوم عاقبة الغد «٤» فيوما تراه تحت سوط مجرّدا ... ويوما تراه فوق سرج منضّد «٥» فيرحم تارات ويحسد تارة ... فذا شر مرحوم وذا شرّ محسد القول في الملوك الأصمعي قال: بلغني أن الحسن قال: يابن آدم، أنت أسير الجوع، صريع الشبع؛

стр. 886

إن قوما لبسوا هذه المطارف «١» العتاق. والعمائم الرقاق، ووسعوا دورهم، وضيقوا قبورهم، وأسمنوا دوابهم، وأهزلوا دينهم، يتكىء أحدهم على شماله، ويأكل من غير ماله فإذا أدركته الكظّة قال: يا جارية، هاتي هاضومك! ويلك! وهل تهضم إلا دينك؟ لمالك: يحيى بن يحيى قال: جلس مالك يوما فأطرق مليّا، ثم رفع رأسه فقال: يا حسرة على الملوك! لا هم تركوا في نعيم دنياهم، وماتوا قبل أن يموتوا حزنا على ما خلّفوا، وجزعا مما استقبلوا! وقال الحسن، وذكر عنده الملوك: أما إنهم وإن هملجت» لهم البغال، وأطافت بهم الرجال، وتعاقبت لهم الأموال، إن ذل المعصية في قلوبهم؛ أبى الله إلا أن يذلّ من عصاه! لعبد الله بن الحسن: الأصمعي قال: خطب عبد الله بن الحسن على منبر البصرة فأنشد على المنبر: أين الملوك التي عن حظّها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها بلاء المؤمن في الدنيا قال النبي ﷺ : «المؤمن كالخامة من الزرع: تميل بها الريح مرة كذا ومرة كذا؛ والكافر كالأرزة المجدثة على الأرض يكون انجعافها مرة» . ومعنى هذا الحديث: تردّد الرزايا على المؤمن، وتجافيها عن الكافر ليزداد إثما. وقال وهب بن منبه: قرأت في بعض الكتب: إني لأذود عبادي المخلصين عن نعيم

стр. 887

الدنيا، كما يذود الراعي الشفيق إبله عن موارد الهلكة. قال الفضيل بن عياض: ألا ترون كيف يزوي الله الدنيا عمن يحب من خلقه: يمررها عليه مرة بالجوع، ومرة بالعري، ومرة بالحاجة؛ كما تصنع الأم الشفيقة بولدها: تفطمه بالصبر مرة، ومرة بالحضض «١» ؛ وإنما يريد بذلك ما هو خير له. وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال: «أخبرني جبريل عن الله ﵎ أنه قال: ما ابتليت عبدي ببلية في نفسه أو ماله أو ولده فتلقاها بصبر جميل إلا استحييت يوم القيامة أن أرفع له ميزانا أو أنشر له ديوانا» . كتمان البلاء إذا نزل قال النبي ﷺ : «من ابتلي ببلاء فكتمه ثلاثة أيام صبرا واحتسابا، كان له أجر شهيد» . وسمع الفضيل بن عياض رجلا يشكو بلاء نزل به، فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك. وقال: من شكا مصيبة نزلت به فكأنما شكا ربّه. وقال دريد بن الصمة يرثي أخاه عبد الله بن الصمة: قليل التشكّي للمصائب ذاكرا ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد وقال تأبط شرا: قليل التشكّي للملمّ يصيبه ... كثير النّوى شتى الهوى والمسالك «٢» لشريح: الشيباني قال: أخبرني صديق لي قال: سمعني شريح وأنا أشتكي بعض ما غمّني إلى صديق، فأخذ بيدي وقال: يا بن أخي. إياك والشكوى إلى غير الله؛ فإنه لا يخلو

стр. 888

من تشكو إليه أن يكون صديقا أو عدوا؛ فأما الصديق فتحزنه ولا ينفعك، وأما العدو فيشمت بك. انظر إلى عيني هذه- وأشار إلى إحدى عينيه- فو الله ما أبصرت بها شخصا ولا طريقا منذ خمس عشرة سنة، وما أخبرت بها أحدا إلى هذه الغاية. أما سمعت قول العبد الصالح: إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله! فاجعله مشكاك ومحزنك عند كل نائبة تنوبك؛ فإنه أكرم مسئول؛ وأقرب مدعو. بين عقيل بن أبي طالب وأخيه علي: كتب عقيل إلى أخيه عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهما، يسأله عن حاله؛ فكتب إليه: فأن تسألنّي كيف أنت فإنني ... جليد على ريب الزمان صليب عزيز عليّ أن ترى بي كآبة ... فيفرح واش أو يساء حبيب «١» وكان ابن شبرمة إذا نزلت به نازلة قال: سحابة صيف عن قليل تقشّع. وكان يقال: أربع من كنوز الجنة: كتمان المصيبة، وكتمان الصدقة، وكتمان الفاقة، وكتمان الوجع. القناعة قال النبي ﷺ : «من أصبح وأمسى آمنا في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه؛ كان كمن حيزت له الدنيا بحذافيرها» . السّرب: المسلك؛ يقال: فلان واسع السرب: يعني المسلك والمذهب. وقال قيس بن عاصم: يا بني، عليكم بحفظ المال، فإنه منبهة الكريم، ويستغنى به عن اللئيم؛ وإياكم والمسألة فإنها آخر كسب الرجل. وقال سعد بن أبي وقاص لابنه: يا بني: إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإنها مال لا ينفد؛ وإياك والطمع فإنه فقر حاضر؛ وعليك باليأس، فإنك لم تيأس من

стр. 889

شيء قط إلا أغناك الله عنه. وقالوا: الغنيّ من استغنى بالله، والفقير من افتقر إلى الناس. وقالوا: لا غنى إلا غنى النفس. وقيل لأبي حازم: ما مالك؟ قال: مالان: الغنى بما في يدي عن الناس، واليأس عما في أيدي الناس! وقيل لآخر: ما مالك؟ فقال: التجمل في الظاهر، والقصد في الباطن. وقال آخر: لا بدّ ممّا ليس منه بدّ ... اليأس حرّ والرجاء عبد وليس يفني الكدّ إلّا الجدّ وقالوا: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة الحرص التعب. وقال البحتري: إذا ما كان عندي قوت يوم ... طرحت الهمّ عنّي يا سعيد ولم تخطر هموم غد ببالي ... لأنّ غدا له رزق جديد وقال عروة بن أذينة: لقد علمت وخير القول أصدقه ... بأنّ رزقي وإن لم يأت يأتيني أسعى له فيعنّيني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنّيني «١» وفد عروة بن أذينة على عبد الملك بن مروان في رجال من أهل المدينة، فقال له عبد الملك: ألست القائل يا عروة: أسعى له فيعنّيني تطلبه فما أراك إلا قد سعيت له. فخرج عنه عروة وشخص من فوره ذلك إلى المدينة. فافتقده عبد الملك، فقيل له: توجّه إلى المدينة. فبعث إليه بألف دينار فلما أتاه

стр. 890

الرسول قال: قل لأمير المؤمنين: الأمر على ما قلت؛ قد سعيت له فعنّاني تطلّبه، وقعدت عنه فأتاني لا يعنّيني. قال النبي ﷺ : «إن روح القدس نفث في روعي أنّ نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها. فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» . وقال تعالى فيما حكى عن لقمان الحكيم: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ «١» . وقال الحسن: ابن آدم، لست بسابق أجلك، ولا ببالغ أملك، ولا مغلوب على رزق، ولا بمرزوق ما ليس لك؛ فعلام تقتل نفسك؟ قال ابن عبد ربّه: قد أخذت هذا المعنى فنظمته في شعري فقلت: لست بقاض أملي ... ولا بعاد أجلي ولا بمغلوب على الرّ ... زق الذي قدّر لي ولا بمعطى رزق غي ... ري بالشّقا والعمل فليت شعري ما الّذي ... أدخلني في شغلي وقال آخر: سيكون الذي قضي ... غضب المرء أم رضى سيكون الذي قضي ... غضب المرء أم رضى وقال محمود الوراق: أما عجب أن يكفل النّاس بعضهم ... ببعض فيرضى بالكفيل المطالب وقد كفل الله المليّ بنفسه ... فلم يرض والإنسان فيه عجائب عليم بأن الله موف بوعده ... وفي قلبه شك على القلب دائب أبى الجهل إلّا أن يصير بعلمه ... فلم يغن عنه علمه والتّجارب

стр. 891

وله أيضا: أتطلب رزق الله من عند غيره ... وتصبح من خوف العواقب آمنا وترضى بصرّاف وإن كان مشركا ... ضمينا «١» ، ولا ترضى بربّك ضامنا! وقال أيضا: غنى النفس يغنيها إذا كنت قانعا ... وليس بمغنيك الكثير من الحرص وإنّ اعتقاد الهمّ للخير جامعا ... وقلّة همّ المرء يدعو إلى النّقص وله أيضا: من كان ذا مال كثير ولم ... يقنع، فذاك الموسر المعسر وكلّ من كان قنوعا وإن ... كان مقلا، فهو المكثر الفقر في النفس وفيها الغنى ... وفي غنى النفس الغنى الأكبر وقال بكر بن حماد: تبارك من ساس الأمور بعلمه ... وذلّ له أهل السّموات والأرض ومن قسم الأرزاق بين عباده ... وفضّل بعض الناس فيها على بعض فمن ظنّ أنّ الحرص فيها يزيده ... فقولوا له يزداد في الطّول والعرض! وقال ابن أبي حازم: ومنتظر للموت في كلّ ساعة ... يشيد ويبني دائبا ويحصّن له حين تبلوه حقيقة موقن ... وأفعاله أفعال من ليس يوقن عيان كإنكار، وكالجهل علمه ... يشكّ به في كلّ ما يتيقّن وقال أيضا: اضرع إلى الله لا تضرع إلى الناس ... واقنع بيأس فإنّ العزّ في الياس واستغن عن كلّ ذي قربى وذي رحم ... إنّ الغنيّ من استغنى عن النّاس

стр. 892

وله أيضا: فلا تحرصنّ فإنّ الأمور ... بكفّ الإله مقاديرها فليس بآتيك منهيّها ... ولا قاصر عنك مأمورها وله أيضا: كم إلى كم أنت للحر ... ص وللآمال عبد؟ ليس يجدي الحرص والسّ ... عي إذا لم يك جدّ ما لما قد قدّر الله ... من الأمر مردّ قد جرى بالشرّ نحس ... وجرى بالخير سعد وجرى الناس على جر ... يهما قبل وبعد أمنوا الدّهر وما ... للدهر والأيام عهد غالهم فاصطلم الجم ... ع وأفنى ما أعدّوا «١» إنها الدّنيا- فلا تحف ... ل بها- جزر ومدّ وقال الأضبط بن قريع: ارض من الدهر ما أتاك به ... من يرض يوما بعيشه نفعه قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه وقال مسلم بن الوليد: لن يبطيء الأمر ما أمّلت أوبته ... إذا أعانك فيه رفق متّئد «٢» والدهر آخذ ما أعطى، مكدّر ما ... أصفى، ومفسد ما أهوى له بيد فلا يغرنك من دهر عطيّته ... فليس يترك ما أعطى على أحد وقال كلثوم العتابي: تلوم على ترك الغنى باهليّة ... لوى الدهر عنها كل طرف وتالد «٣»

стр. 893

رأت حولها النّسوان يرفلن في الكسا ... مقلّدة أجيادها بالقلائد يسرّك أنّي نلت ما نال جعفر ... وما نال يحيى- في الحياة- بن خالد وأنّ أمير المؤمنين أعضّني ... معضّهما بالمرهفات الحدائد «١» ذريني تجئنى منيتي مطمئنّة ... ولم أتجشّم هول تلك الموارد فإن الذي يسمو إلى الرتب العلى ... سيرمى بألوان الفرى والمكايد «٢» وجدت لذاذات الحياة مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود وقال: حتى متى أنا في حلّ وترحال ... وطول شغل بإدبار وإقبال ونازح الدار ما أنفك مغتربا ... عن الأحبّة ما يدرون ما حالي بمشرق الأرض طورا ثم مغربها ... لا يخطر الموت من حرص على بالي ولو قنعت أتاني الرزق في دعة ... إن القنوع الغنى، لا كثرة المال وقال عبد الله بن عباس: القناعة مال لا نفاد له. وقال علي بن أبي طالب ﵁، الرزق رزقان: فرزق تطلبه، ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك. وقال حبيب: فالرّزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا «٣» وفي كتاب للهند: لا ينبغي للملتمس أن يلتمس من العيش إلا الكفاف الذي به يدفع الحاجة عن نفسه، وما سوى ذلك إنما هو زيادة في تعبه وغمه. ومن هذا قالت الحكماء: أقل الدنيا يكفي وأكثرها لا يكفي! وقال أبو ذؤيب:

стр. 894

والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع وقال المسيح ﵇: عجبا منكم! إنكم تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بلا عمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل. وقال الحسن: عيّرت اليهود عيسى ﵇ بالفقر؛ فقال: من الغنى أتيتم. أخذ هذا المعنى محمود الورّاق فقال: يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحّ منك النظر: ... أنّك تعصى كي تنال الغنى ... ولست تعصى الله كي تفتقر لإبراهيم: سفيان عن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون الطلب في أطارف الأرض. وقال الأعمش: أعطاني البنانيّ مضاربه «١» أخرج بها إلى ماء، فسألت إبراهيم، فقال لي: ما كانوا يطلبون الدنيا هذا الطلب وبين ماء وبين الكوفة عشرة أيام. ليونس بن حبيب: الأصمعي عن يونس بن حبيب قال: ليس دون الإيمان غنى ولا بعده فقر. قيل لخالد بن صفوان: ما أصبرك على هذا الثوب الخلق! قال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه. بين حكيمين: وكتب حكيم إلى حكيم يشكو إليه دهره: إنه ليس من أحد أنصفه زمانه فتصرّفت به الحال حسب استحقاقه، وإنك لا ترى الناس إلا أحد رجلين: إما مقدّم أخّره حظّه، أو متأخر قدّمه جدّه؛ فارض بالحال التي أنت عليها. وإن كانت دون أملك واستحقاقك اختيارا، وإلا رضيت بها اضطرارا.

стр. 895

وقيل للأحنف بن قيس: ما أصبرك على هذا الثوب؟ فقال: أحق ما صبر عليه ما ليس إلى مفارقته سبيل. بين الأصمعي وأعرابية: قال الأصمعي: رأيت أعرابية ذات جمال تسأل بمنى: فقلت لها: يا أمة الله، تسألين ولك هذا الجمال؟ قالت: قدّر الله فما أصنع؟ قلت: فمن أين معاشكم؟ قالت: هذا الحاج، نسقيهم ونغسل ثيابهم. قلت: فإذا ذهب الحاجّ فمن أين؟ فنظرت إليّ وقالت: يا صلت «١» الجبين، لو كنا نعيش من حيث نعلم ما عشنا! وقيل لرجل من أهل المدينة: ما أصبرك على الخبز والتمر! قال: ليتهما صبرا عليّ. الرضا بقضاء الله قالت الحكماء: أصل الزهد الرضا عن الله. وقال الفضيل بن عياض: استخيروا الله ولا تتخيروا عليه؛ فربما اختار العبد أمرا هلاكه فيه. وقالت الحكماء: رب محسود على رخاء هو شقاؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه، ومغبوط بنعمة هي بلاؤه. وقال الشاعر: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنّعم وقالوا: من طلب فوق الكفاية، رجع من الدهر إلى أبعد غاية.

стр. 896

من قتر على نفسه وترك المال لوارثه لمالك: زياد عن مالك قال: من لم يكن فيه خير لنفسه لم يكن فيه خير لغيره؛ لأن نفسه أولى الأنفس كلها؛ فإذا ضيّعها فهو لما سواها أضيع؛ ومن أحب نفسه حاطها وأبقى عليها وتجنب كل ما يعيبها أو ينقصها؛ فجنبها السرقة مخافة القطع، والزنا مخافة الحدّ، والقتل خوف القصاص. الرشيد وبطريق هرقلة: داود بن علي الكاتب قال: لما افتتح هارون الرشيد هرقلة وأباحها ثلاثة أيام، وكان بطريقها الخارج عليه «فسيل» الرومي؛ فنظر إليه الرشيد مقبلا على جدار فيه كتاب باليونانية وهو يطيل النظر فيه. فدعا به وقال له: لم تركت النظر إلى الانتهاب والغنيمة وأقبلت على هذا الجدار تنظر فيه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قرأت في هذا الجدار كتابا هو أحب إليّ من هرقلة «١» وما فيها. قال له الرشيد: ما هو؟ قال «بسم الله الملك الحق المبين. ابن آدم، غافص «٢» الفرصة عند إمكانها، وكل الأمور إلى وليها. ولا تحمل على قلبك همّ يوم ولم يأت بعد؛ إن يكن من أجلك يأتك الله برزقك فيه؛ ولا تجعل سعيك في طلب المال أسوة المغرورين، فربّ جامع لبعل حليلته، واعلم أن تقتير المرء على نفسه هو توفير منه على غيره، فالسعيد من اتعظ بهذه الكلمات ولم يضيعها» قال له الرشيد: أعدها عليّ يا فسيل. فأعادها عليه حتى حفظها. وقال الحسن: ابن آدم، أنت أسير في الدنيا، رضيت من لذتها بما ينقضي، ومن نعيمها بما يمضي، ومن ملكها بما ينفد، فلا تجمع الأوزار لنفسك، ولأهلك الأموال، فإذا متّ حملت الأوزار إلى قبرك وتركت أموالك لأهلك.

стр. 897

أخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال: أبقيت مالك ميراثا لوارثه ... فليت شعري ما أبقى لك المال؟ القوم بعدك في حال تسوءهم ... فكيف بعدهم دارت بك الحال؟ ملوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل في الميراث والقال! وفي الحديث المرفوع: «أشدّ الناس حسرة يوم القيامة رجل كسب مالا من غير حلّه فدخل به النار، وورثه من عمل فيه بطاعة الله فدخل به الجنة» . لابن عمر في وفاة ابن حارثة: وقيل لعبد الله بن عمر: توفى زيد بن حارثة وترك مائة ألف. قال: لكنها لا تتركه. الحسن وابن الأهتم في مرضه: ودخل الحسن على عبد الله بن الأهتم يعوده في مرضه، فرآه يصعّد بصره في صندوق في بيته ويصوّبه، ثم التفت إلى الحسن فقال: أبا سعيد، ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أؤدّ منها زكاة ولم أصل منها رحما؟ فقال له: ثكلتك أمّك! ولمن كنت تجمعها؟ قال: لروعة الزمان، وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة. ثم مات، فشهد الحسن جنازته، فلما فرغ من دفنه ضرب بيده على القبر ثم قال: انظروا إلى هذا، أتاه شيطانه فحذره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة عشيرته، عما استودعه الله إياه، وغمره فيه، انظروا إليه يخرج منها مذموما مدحورا «١» . ثم قال: أيها الوارث، لا تخدعنّ كما خدع صويحبك بالأمس، أتاك هذا المال حلالا فلا يكوننّ عليك وبالا، أتاك عفوا صفوا، ممن كان له جموعا منوعا؛ من باطل جمعه، ومن حق منعه؛ قطع فيه لجج البحار، ومفاوز القفار؛ لم تكدح فيه

стр. 898

بيمين، ولم يعرق لك فيه جبين؛ إن يوم القيامة يوم حسرة وندامة، وإن من أعظم الحسرات غدا أن ترى مالك في ميزان غيرك؛ فيالها حسرة لا تقال، وتوبة لا تنال. هشام بن عبد الملك حين حضرته الوفاة: لما حضرت هشام بن عبد الملك الوفاة، نظر إلى أهله يبكون عليه، فقال: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما حمل؛ ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له. نقصان الخير وزيادة الشر عاصم بن حميد عن معاذ بن جبل قال: إنكم لن تروا من الدنيا إلا بلاء، وفتنة، ولا يزيد الأمر إلا شدّة، ولا الأئمة إلا علظا، وما يأتيكم أمر يهولكم إلا حقّره ما بعده. قال الشاعر: الخير والشر مزداد ومنتقص ... فالخير منتقص والشر مزداد وما أسائل عن قوم عرفتهم ... ذوي فضائل إلا قبل قد بادوا «١» العزلة عن الناس قال النبي ﷺ : «استأنسوا بالوحدة عن جلساء السوء» . وقال: إن الإسلام بدأ غريبا ولا تقوم الساعة حتى يعود غريبا كما بدأ. وقال العتابي: ما رأيت الراحة إلا مع الخلوة، ولا الأنس إلا مع الوحشة. وقال النبي ﷺ : «خيركم الأتقياء الأصفياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا» . وقال: «لا تدعوا حظكم من العزلة؛ فإن العزلة لكم عبادة» .

стр. 899

للقمان يعظ ابنه: وقال لقمان لابنه: استعذ بالله من شرار الناس، وكن من خيارهم على حذر. وقال إبراهيم بن أدهم: فرّ من الناس فرارك من الأسد. وقيل لإبراهيم بن أدهم: لم تجتنب الناس؟ فأنشأ يقول: ارض بالله صاحبا ... وذر الناس جانبا قلّب الناس كيف شئت تجدهم عقاربا لابن الزيات: وكان محمد بن عبد الملك الزيات يأنس بأهل البلادة ويستوحش من أهل الذكاء؛ فسئل عن ذلك فقال: مؤنة التحفظ شديدة! وقال ابن محيريز: إن استطعت أن تعرف ولا تعرف، وتسأل ولا تسأل، وتمشي ولا يمشى إليك، فافعل. وقال أيوب السختياني: ما أحب الله عبدا إلا أحب أن لا يشعر به. وقيل للعتابي: من تجالس اليوم؟ قال: من أبصق في وجهه ولا يغضب! قيل له: ومن هو؟ قال: الحائط. وقيل لدعبل الشاعر: ما الوحشة عندك؟ قال: النظر إلى الناس! ثم أنشأ يقول: ما أكثر الناس لا بل ما أقلّهم ... الله يعلم أنّي لم أقل فندا «١» إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا وقال ابن أبي حازم: طب عن الإمرة نفسا ... وارض بالوحشة أنسا ما عليها أحد يسوى ... على الخبرة فلسا وقال آخر:

стр. 900

قد بلوت الناس طرّا ... لم أجد في الناس حرّا صار أحلى الناس في الع ... ين إذا ما ذيق مرّا إعجاب الرجل بعمله قال عمر بن الخطاب: ثلاث مهلكات، شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه. وفي الحديث: «خير من العجب بالطاعة، أن لا تأتي طاعة» . وقالوا: ضاحك معترف بذنبه، خير من باك مدلّ على ربه. وقالوا: سيّئة تسيئك، خير من حسنة تعجبك. وقال الله ﵎: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ «١» . وقال الحسن: ذمّ الرجل لنفسه في العلانية مدح لها في السريرة. وقالوا: من أظهر عيب نفسه فقد زكاها. وقيل: أوحى الله إلى عبده داود: يا داود، خالق «٢» الناس بأخلاقهم واحتجز الإيمان بيني وبينك. وقال ثابت البناني: دخلت على داود، فقال لي: ما جاء بك؟ قلت، أزورك. قال: ومن أنا حتى تزورني؟ أمن العباد أنا؟ لا والله! أم من الزهاد؟ لا والله! ثم أقبل على نفسه يوبّخها. فقال: كنت في الشبيبة فاسقا، ثم شبت فصرت مرائيا؛ والله إن المرائي شر من الفاسق. بين عابدين: لقي عابد عابدا، فقال أحدهما لصاحبه: والله إني أحبك في الله. قال: والله لو اطلعت على سريرتي لأبغضتني في الله.

стр. 901

معاوية وبعض الرجال: وقال معاوية بن أبي سفيان لرجل: من سيد قومك؟ قال: أنا! قال: لو كنت كذلك لم تقله. وقال محمود الوراق: تعصي الإله وأنت تظهر حبّه ... هذا محال في القياس بديع لو كنت تضمر حبّه لأطعته ... إن المحبّ لمن أحبّ مطيع في كل يوم يبتليك بنعمة ... منه وأنت بشكر ذاك مضيع تواضع ابن سيرين: وقال أبو الأشعث: دخلنا على ابن سيرين فوجدناه يصلي، فظن أنّا عجبنا بصلاته، فلما انفتل منها التفت لنا فقال: الرياء أخاف. للنبي ﷺ : زياد عن مالك قال: قال النبي ﷺ : «إياكم والشّرك الأصغر. قالوا: وما الشّرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء» . وقال عبد الله بن مسعود: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا رياء ولا سمعة «١» ، من سمّع الله به. وقال ﷺ : «ما أسرّ امرؤ سريرة إلّا ألبسه الله رداءها: إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ. للقمان يعظ ابنه: وقال لقمان الحكيم لابنه: احذر واحدة هي أهل للحذر. قال: وما هي؟ قال: إياك أن تري الناس أنك تخشى الله وقلبك فاجر.

стр. 902

وفي الحديث. «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته» . وقال الشاعر: وإذا أظهرت شيئا حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسرّ فمسرّ الخير موسوم به ... ومسرّ الشّرّ موسوم بشرّ للأشعث في تخفيف الصلاة: صلى أشعث فخفف الصلاة، فقيل له: ما أخف صلاتك! قال: إنه لم يخالطها رياء. وصلى رجل من المرائين، فقيل له: ما أحسن صلاتك! فقال: ومع ذلك إني صائم! بين طاهر والمروزي: وقال طاهر بن الحسين لأبي عبد الله المروزي: كم لك منذ نزلت بالعراق؟ قال: منذ عشرين سنة، وأنا أصوم الدهر منذ ثلاثين سنة. قال: أبا عبد الله، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين. ابن الخطاب: الأصمعي قال: أخبرني إبراهيم بن القعقاع بن حكيم قال: أمر عمر بن الخطاب لرجل بكيس، فقال الرجل: آخذ الخيط؟ قال عمر: ضع الكيس! بين الحسن وبعضهم: قال رجل للحسن وكتب عنك؟؟؟ كتابا: أتجعلني في حلّ من تراب حائطك؟ قال: يا ابن أخي، بلى، ورعك لا ينكر. وقال محمود الوراق: أظهروا للناس دينا ... وعلى الدّينار داروا

стр. 903

وله صاموا وصلّوا ... وله حجّوا وزاروا لو بدا فوق الثّريّا ... ولهم ريش لطاروا! وقال مساور الوراق: شمّر ثيابك واستعدّ لقائل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم وعليك بالغنوى فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيم وإذا دخلت على الرّبيع مسلّما ... فاخصص سبابة منك بالتّسليم وقال: تصوّف كي يقال له أمين ... وما معنى التّصوّف والأمانه ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانه وقال الغزال: يقول لي القاضي معاذ مشاورا ... وولّى امرأ فيما يرى من ذوي العدل قعيدك ماذا تحسب المرء فاعلا ... فقلت وماذا يفعل الدّبر في النحل «١» يدقّ خلاياها ويأكل شهدها ... ويترك للذّبّان ما كان من فضل وقال أبو عثمان المازني لبعض من راءى فهتك الله ستره: بينا أنا في توبتي مستعبرا ... قد شبّهوني بأبي دواد وقد حملت العلم مستظهرا ... وحدّثوا عني بإسناد إذ خطر الشيطان لي خطرة ... نكست منها في أبي جاد «٢» أبو العتاهية ومتصوف: وقال ابن أبي العتاهية: أرسلني أبي إلى صوفيّ قد قيّر «٣» إحدى عينيه أسأله عن المعنى في ذلك؛ فقال: النظر إلى الدنيا بكلتا عينيّ إسراف. قال: ثم بدا له في ذلك، فاتصل الخبر بأبي فكتب إليه:

стр. 904

مقيّر عينه ورعا ... أردت بذلك البدعا خلعت وأخبث الثقلين صوفيّ إذا خلعا «١» فخ الإسرائيلي والعصفورة: يحيى بن عبد العزيز قال: حدّثني نعيم عن إسماعيل، رجل من ولد أبي بكر الصديق، عن وهب بن منبه، قال: نصب رجل من بني إسرائيل فخّا فجاءت عصفورة فوقعت عليه، فقالت: مالي أراك منحنيا؟ قال: لكثرة صلاتي انحنيت قالت: فمالي أراك بادية عظامك؟ قال: لكثرة صيامي بدت عظامي! قالت: فمالي أرى هذا الصوف عليك؟ قال: لزهادتي في الدنيا لبست الصوف! قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال: أتوكأ عليها وأقضي بها حوائجي. قالت: فما هذه الحبة في يديك؟ قال: قربان إن مرّ بي مسكين ناولته إياه! قالت: فإني مسكينة! قال: فخذيها. فقبضت على الحبة فإذا الفخ في عنقها! فجعلت تقول: قعي قعي! قال: الخشني: تفسيره: لا غرني ناسك مراء بعدك أبدا. الدعاء قال النبي ﷺ : «الدعاء سلاح المؤمن» . وقال: «الدعاء يردّ القدر والبرّ يزيد في العمر» . وقال: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يردّ» . وقال النبي ﷺ : «استقبلوا البلاء بالدعاء» . وقال الله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ «٢» . وقال تعالى: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ «٣» . وقال عبد الله بن عباس: إذا دعوت الله فاجعل في دعائك الصلاة على النبي

стр. 905

صلّى الله عليه وسلم؛ فإن الصلاة عليه مقبولة، والله أكرم من أن يقبل بعض دعائك ويردّ بعضا. وقال سعيد بن المسيب: كنت جالسا بين القبر والمنبر، فسمعت قائلا يقول: اللهم إني أسألك عملا بارّا، ورزقا دارّا، وعيشا قارّا. فالتفتّ فلم أر أحدا. لعائشة في النبي ﷺ : هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كنت نائمة مع رسول الله ﷺ ليلة النصف من شعبان، فلما لصق جلدي بجلده أغفيت؛ ثم انتبهت، فإذا رسول الله ﷺ ليس عندي؛ فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة، فلففت مرطي «١» - أما والله ما كان خزّا ولا قزّا، ولا ديباجا، ولا قطنا ولا كتانا، قيل: فما كان يا أمّ المؤمنين؟ قالت: كان سداه من شعر، ولحمته من أوبار الإبل- قالت: فحنوت عليه أطلبه حتى ألفيته كالثوب الساقط على وجهه في الأرض وهو ساجد يقول في سجوده: «سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي؛ هذه يدي وما جنيت بها على نفس. ترجى لكلّ عظيم، فاغفر لي الذنب العظيم» فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنك لفي شأن وإني لفي شأن. فرفع رأسه ثم عاد ساجدا فقال: «أعوذ بوجهك الذي أضاءت له السموات السبع والأرضون السبع، من فجأة نقمتك، وتحوّل عافيتك؛ ومن شر كتاب قد سبق؛ وأعوذ برضاك من سخطك، وبغفوك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» . فلما انصرف من صلاته تقدمت أمامه حتى دخلت البيت ولي نفس عال، فقال: مالك يا عائشة؟ فأخبرته الخبر، فقال: ويح هاتين الركبتين ما لقيتا في هذه الليلة! ومسح عليهما؛ ثم قال: أتدرين أي ليلة هذه يا عائشة؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال ﷺ : «هذه الليلة ليلة النّصف من شعبان، فيها تؤقت الآجال وتثبت الأعمال» .

стр. 906

ابن ذر ودعاء له: العتبي عن أبيه قال: خرجت مع عمر بن ذرّ إلى مكة، فكان إذا لبّى لم يلبّ أحد من حسن صوته؛ فلما جاء الحرم قال يا رب، ما زلنا نهبط وهدة ونصعد أكمة، ونعلو نشرا، ويبدو لنا علم، حتى جئناك بها نقبة «١» أخفافها، دبرة «٢» ظهورها، ذابلة أسنمتها؛ وليس أعظم المؤنة علينا إتعاب أبداننا، ولكن أعظم المؤنة علينا أن ترجعنا خائبين من رحمتك، يا خير من نزل به النازلون. وكان آخر يدعو بعرفات: يا ربّ، لم أعصك إذ عصيتك جهلا مني بحقك، ولا استخفافا بعقوبتك؛ ولكن الثقة بعفوك، والاغترار بسترك المرخى عليّ، مع الشّقوة» الغالبة والقدر السابق؛ فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني؟ فيا أسفي على الوقوف بين يديك، إذا قيل للمخفّين جوزوا، وللمذنبين حطوا. لعروة بن الزبير في مناجاته: أبو الحسن قال: كان عروة بن الزبير يقول في مناجاته بعد أن قطعت رجله ومات ابنه: كانوا أربعة- يعني بنيه- فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة؛ وكنّ أربعا- يعني يديه ورجليه- فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثا؛ فلئن ابتليت لطالما عافيت، ولئن عاقبت لطالما أنعمت. وكان داود إذا دعا في جوف الليل يقول: نامت العيون، وغارت النجوم وأنت حيّ قيوم: اغفر لي ذنبي العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا العظيم؛ إليك رفعت رأسي، نظر العبد الذليل إلى سيده الجليل. وكان من دعاء يوسف: يا عدّتي عند كربتي، ويا صاحبي في غربتي، ويا غياثي

стр. 907

عند شدتي، ويا رجائي إذا انقطعت حيلتي، اجعل لي فرجا ومخرجا. وكان عبد الله بن ثعلبة البصري يقول: اللهم أنت من حلمك تعصى فكأنك لا ترى، وأنت من جودك وفضلك تعطى فكأنك لا تعصى، وأيّ زمان لم تعصك فيه سكان أرضك فكنت عليهم بالعفو عوّادا، وبالفضل جوادا. وكان من دعاء عليّ بن الحسين ﵄: اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في مرأى العيون علانيتي، وتقبح في خفيّات القلوب سريرتي؛ اللهم كما أسأت فأحسنت إليّ ... فإذا عدت فعد عليّ، وارزقني مواساة من قتّرت عليه ما وسّعت عليّ. دعاء لبعضهم: الشيباني قال: أصاب الناس ببغداد ريح مظلمة، فانتهيت إلى رجل في المسجد وهو ساجد يقول في سجوده: اللهم احفظ محمدا في أمته، ولا تشمت بنا أعداءنا من الأمم؛ فإن كنت أخذت العوام بذنبي، فهذه ناصيتي بين يديك! وكان الفضيل بن عياض يقول: إلهي، لو عذبتني بالنار لم يخرج حبّك من قلبي، ولم أنس أياديك عندي في دار الدنيا! وقال عبد الله بن مسعود: اللهم وسع عليّ في الدنيا وزهّدني فيها، ولا تزوها «١» عني وترغّبني فيها. أبو الدرداء ورجل في سجوده: مرّ أبو الدرداء برجل يقول في سجوده: اللهم إني سائل فقير فأغنني من سعة فضلك، خائف مستجير فأجرني من عذابك. الأصمعي قال: كان عطاء بن أبي رباح يقول في دعائه: اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وعند الموت صرعتي، وفي القبور وحدتي، ومقامي غدا بين يديك.

стр. 908

ابن زياد وأبو بكر بن عبد الله: العتبي قال: حدّثني عبد الرحمن بن زياد قال: اشتكى أبي فكتب إلى أبي بكر بن عبد الله يسأله أن يدعو له، فكتب إليه: حقّ لمن عمل ذنبا لا عذر له فيه، وخاف موتا لا بد له منه، أن يكون [وجلا] مشفقا؛ سأدعو لك ولست أرجو أن يستجاب لي بقوة في عمل، ولا براءة من ذنب. من دعاء عبد الملك ابن مروان: العتبي قال: كان عبد الملك بن مروان يدعو على المنبر: يا رب؛ إن ذنوبي قد كثرت وجلّت عن أن توصف، وهي صغيرة في جنب عفوك، فاعف عني. كيف يكون الدعاء لابن عباس: سفيان بن عيينة عن أبي معبد عن عكرمة عن ابن عباس قال: الإخلاص هكذا- وبسط يده اليسرى وأشار بأصبعه من يده اليمنى- والدعاء هكذا- وأشار براحته إلى السماء- والابتهال هكذا، ورفع يديه فوق رأسه وظهورهما إلى وجهه. بين جعفر بن محمد وسفيان الثوري: سفيان الثوري قال: دخلت على جعفر بن محمد ﵄ فقال لي: يا سفيان، إذا كثرت همومك فأكثر من «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» وإذا تداركت عليك النعم فأكثر من «الحمد لله» وإذا أبطأ عنك الرزق فأكثر من الاستغفار. وقال عبد الله بن عباس: لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وقال علي بن أبي طالب ﵁: عجبا ممن يهلك والنجاة معه! قيل له: وما هي؟ قال: الاستغفار.

стр. 909

دعاء النبي ﷺ وأبي بكر، الصديق وعمر رضوان الله عليهما دعاء النبي ﷺ : أم سلمة قالت: كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ : «يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك» . المغيرة بن شعبة قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم من الصلاة يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. دعاء أبي بكر: وكان آخر دعاء أبي بكر الصديق ﵁ في خطبته: اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم لقائك. دعاء عمر: وكان آخر دعاء عمر ﵁ في خطبته اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني في غرة، ولا تجعلني مع الغافلين. الدعاء عند الكرب للنبي ﷺ : عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد أصابه هم فقال: اللهم إني عبدك. وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك؛ أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو ذكرته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن ضياء صدري، وربيع قلبي، وجلاء حزني، وذهاب همي. إلا أذهب الله همه وبدّله مكان حزنه فرحا» .

стр. 910

وقالوا: كلمات الفرج من كل كرب «لا إله إلا الله الكريم الحليم، سبحان الله ربّ العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين. الكلمات التي تلقى آدم من ربه اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي، فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم. اسم الله الأعظم عبد الله بن يزيد عن أبيه قال: سمع النبي ﷺ رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال النبي ﷺ : لقد سألت الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ أنه قال: اسم الله الاعظم فيما بين الآيتين: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ «١» ، وفاتحة آل عمران الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ «٢» . الاستغفار للنبي ﷺ : شدّاد بن أوس عن النبي ﷺ قال: سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء «٣» لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

стр. 911

لابن مسعود: الأسود وعلقمة قالا: قال عبد الله بن مسعود: إن في كتاب الله آيتين ما أصاب عبد ذنبا فقرأهما ثم استغفر الله إلا غفر له: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ «١» ، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً «٢» . أبو سعيد الخدري قال: من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه. خمس مرات- غفر له ولو فرّ من الزحف. دعاء المسافر للنبي ﷺ : عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا قال: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الحضر؛ اللهم إني أعوذ بك من وعثاء «٣» السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور، ومن سوء المنظر في الأهل والمال» . لأم سلمة: الشعبي عن أم سلمة قالت: كان النبي ﷺ إذا خرج في سفر يقول: «اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أزل، أو أضلّ أو أضلّ، أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل عليّ» . وقالت: من خرج في طاعة الله، فقال: اللهم إني لم أخرج أشرا «٤» أو بطرا «٥» ، ولا

стр. 912

رياء ولا سمعة، ولكني خرجت ابتغاء مرضاتك واتقاء سخطك؛ فأسألك بحقك على جميع خلقك أن ترزقني من الخير أكثر مما أرجو، وتصرف عني من الشر أكثر مما أخاف. استجيب له بإذن الله. الدعاء عند الدخول على السلطان لابن عباس: سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا دخلت على السلطان المهيب تخاف أن يسطو عليك فقل: الله أكبر، الله أكبر وأعزّ مما أخاف وأحذر، اللهم ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم، كن لي جارا من عبدك فلان وجنوده وأشياعه وأتباعه، تبارك اسمك، وجل ثناؤك، وعزّ جارك، ولا إله غيرك. المنصور وجعفر ابن محمد: أبو الحسن المدائني قال: لما حج أبو جعفر المنصور مرّ بالمدينة، فقال للربيع: عليّ بجعفر بن محمد، قتلني الله إن لم أقتله؛ فمطل «١» به، ثم ألح فيه فحضر؛ فلما كشف الستر بينه وبينه ومثل بين يديه، همس جعفر بشفتيه، ثم تقرب وسلّم، فقال: لا سلّم الله عليك يا عدوّ الله! تعمل على الغوائل في ملكي؟ قتلني الله إن لم أقتلك! فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إن سليمان ﷺ أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر؛ وأنت على إرث منهم، وأحقّ من تأسّى بهم. فنكس أبو جعفر رأسه مليا، ثم رفع إليه رأسه فقال له: [إليّ] يا أبا عبد الله فأنت القريب القرابة، وأنت ذو الرحم الواشجة «٢» ، السليم الناحية، القليل الغائلة. ثم صافحه بيمينه، وعانقه بيساره، وأجلسه معه على فراشه وانحرف له عن بعضه، وأقبل عليه بوجهه يسائله ويحادثه؛ ثم قال: عجّلوا لأبي عبد الله إذنه وكسوته وجائزته. قال الربيع: فلما خرج

стр. 913

وخطرف «١» الستر أمسكت بثوبه. فارتاع وقال: ما أرانا يا ربيع إلا وقد حبسنا! قلت: هذه مني لا منه. قال: فذلك أيسر؛ قل حاجتك. قلت: إني منذ ثلاث أدافع عنك وأداري عليك؛ ورأيتك إذ دخلت همست بشفتيك، ثم رأيت الأمر انجلى عنك؛ وأنا خادم سلطان ولا غنى بي عنه؛ فأحب منك أن تعلمنيه ... قال: نعم، قل: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بكنفك الذي لا يرام، ولا أهلك وأنت رجائي؛ فكم من نعمة أنعمتها عليّ قلّ عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بلية ابتليتني بها قلّ عندها صبري فلم تخذلني، اللهم بك أدرأ في نحره، وأعوذ بخيرك من شره. الدعاء على الطعام من قال على طعامه: «بسم الله خير الأسماء، في الأرض وفي السماء، ولا يضر مع اسمه داء؛ اللهم اجعل فيه الدواء والشفاء» لم يضرّه ذلك الطعام كائنا ما كان. وكان النبي ﷺ إذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله الذي منّ علينا وهدانا، وأطعمنا وأروانا، وكل بلاء حسن أبلانا» . الدعاء عند الأذان من قال إذا سمع الأذان: رضيت بالله ربّا. وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا. غفرت له ذنوبه وقال النبي ﷺ : إذا سمعتم الأذان فقولوا مثل ما يقول المؤذن. الدعاء عند الطيرة «٢» قال النبي ﷺ : «من رأى من الطير شيئا يكرهه فقال: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. لم يضرّه» .

стр. 914

الساعة التي يستجاب فيها الدعاء الفضيل عن أبي حازم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ناس أصحاب رسول الله ﷺ ، أنهم أجمعوا أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء آخر ساعة من يوم الجمعة. التعويذ أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، اللهم إني أعوذ بك من هذه الأربع» . وقال ﷺ : «من قال إذا أمسى وأصبح: أعوذ بكلمات الله التامّات المباركات التي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ «١» في الأرض وما يخرج منها. لم يضره شيء من الشياطين والهوامّ» . ما كان يعوذ به النبي ﷺ الحسن والحسين: مسروق عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعوّذ الحسن والحسين ﵄ بهذه الكلمات: أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل عين لامّة «٢» ، ومن كل شيطان وهامّة. وكان إبراهيم ﷺ يعوّذ بها إسماعيل وإسحق. وقال أعرابي يصف دعوة: وسارية لم تسر في الأرض تبتغي ... محلّا ولم يقطع بها البيد قاطع سرت حيث لم تسر الركاب ولم تنخ ... لورد ولم يقصر لها القيد مانع «٣» تظل وراء الليل والليل ساقط ... بأرواقه فيه سمير وهاجع «٤»

стр. 915

تفتّح أبواب السماء لوفدها ... إذا قرع الأبواب منهنّ قارع إذا سألت لم يردد الله سؤلها ... على أهلها والله راء وسامع وإني لأرجو الله حتى كأنما ... أرى بجميل الظنّ ما الله صانع ومن قولنا في هذا المعنى: بنيّ لئن أعيا الطبيب ابن مسلم ... ضناك وأعيا ذا البيان الموشّع «١» لأبتلهن تحت الظلام بدعوة ... متى يدعها داع إلى الله يسمع تغلغل من بين الضّلوع نشيجها ... لها شافع من عبرة وتضرّع إلى فارج الكرب المجيب لمن دعا ... فزعت بكربي، إنه خير مفزع فيا خير مدعوّ دعوتك فاستمع ... ومالي شفيع غير فضلك فاشفع
следующие страницы →