Полный текст (2 664 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
لابن مسعود:
الأسود وعلقمة قالا: قال عبد الله بن مسعود: إن في كتاب الله آيتين ما أصاب عبد ذنبا فقرأهما ثم استغفر الله إلا غفر له: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
«١» ، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
«٢» .
أبو سعيد الخدري قال: من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه. خمس مرات- غفر له ولو فرّ من الزحف.
دعاء المسافر
للنبي ﷺ :
عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا قال: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الحضر؛ اللهم إني أعوذ بك من وعثاء «٣» السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور، ومن سوء المنظر في الأهل والمال» .
لأم سلمة:
الشعبي عن أم سلمة قالت: كان النبي ﷺ إذا خرج في سفر يقول: «اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أزل، أو أضلّ أو أضلّ، أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل عليّ» .
وقالت: من خرج في طاعة الله، فقال: اللهم إني لم أخرج أشرا «٤» أو بطرا «٥» ، ولا
стр. 912
رياء ولا سمعة، ولكني خرجت ابتغاء مرضاتك واتقاء سخطك؛ فأسألك بحقك على جميع خلقك أن ترزقني من الخير أكثر مما أرجو، وتصرف عني من الشر أكثر مما أخاف. استجيب له بإذن الله.
الدعاء عند الدخول على السلطان
لابن عباس:
سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا دخلت على السلطان المهيب تخاف أن يسطو عليك فقل: الله أكبر، الله أكبر وأعزّ مما أخاف وأحذر، اللهم ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم، كن لي جارا من عبدك فلان وجنوده وأشياعه وأتباعه، تبارك اسمك، وجل ثناؤك، وعزّ جارك، ولا إله غيرك.
المنصور وجعفر ابن محمد:
أبو الحسن المدائني قال: لما حج أبو جعفر المنصور مرّ بالمدينة، فقال للربيع: عليّ بجعفر بن محمد، قتلني الله إن لم أقتله؛ فمطل «١» به، ثم ألح فيه فحضر؛ فلما كشف الستر بينه وبينه ومثل بين يديه، همس جعفر بشفتيه، ثم تقرب وسلّم، فقال: لا سلّم الله عليك يا عدوّ الله! تعمل على الغوائل في ملكي؟ قتلني الله إن لم أقتلك! فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إن سليمان ﷺ أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر؛ وأنت على إرث منهم، وأحقّ من تأسّى بهم. فنكس أبو جعفر رأسه مليا، ثم رفع إليه رأسه فقال له: [إليّ] يا أبا عبد الله فأنت القريب القرابة، وأنت ذو الرحم الواشجة «٢» ، السليم الناحية، القليل الغائلة. ثم صافحه بيمينه، وعانقه بيساره، وأجلسه معه على فراشه وانحرف له عن بعضه، وأقبل عليه بوجهه يسائله ويحادثه؛ ثم قال: عجّلوا لأبي عبد الله إذنه وكسوته وجائزته. قال الربيع: فلما خرج
стр. 913
وخطرف «١» الستر أمسكت بثوبه. فارتاع وقال: ما أرانا يا ربيع إلا وقد حبسنا! قلت: هذه مني لا منه. قال: فذلك أيسر؛ قل حاجتك. قلت: إني منذ ثلاث أدافع عنك وأداري عليك؛ ورأيتك إذ دخلت همست بشفتيك، ثم رأيت الأمر انجلى عنك؛ وأنا خادم سلطان ولا غنى بي عنه؛ فأحب منك أن تعلمنيه ... قال: نعم، قل: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بكنفك الذي لا يرام، ولا أهلك وأنت رجائي؛ فكم من نعمة أنعمتها عليّ قلّ عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بلية ابتليتني بها قلّ عندها صبري فلم تخذلني، اللهم بك أدرأ في نحره، وأعوذ بخيرك من شره.
الدعاء على الطعام
من قال على طعامه: «بسم الله خير الأسماء، في الأرض وفي السماء، ولا يضر مع اسمه داء؛ اللهم اجعل فيه الدواء والشفاء» لم يضرّه ذلك الطعام كائنا ما كان.
وكان النبي ﷺ إذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله الذي منّ علينا وهدانا، وأطعمنا وأروانا، وكل بلاء حسن أبلانا» .
الدعاء عند الأذان
من قال إذا سمع الأذان: رضيت بالله ربّا. وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا. غفرت له ذنوبه وقال النبي ﷺ : إذا سمعتم الأذان فقولوا مثل ما يقول المؤذن.
الدعاء عند الطيرة
«٢» قال النبي ﷺ : «من رأى من الطير شيئا يكرهه فقال: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. لم يضرّه» .
стр. 914
الساعة التي يستجاب فيها الدعاء
الفضيل عن أبي حازم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ناس أصحاب رسول الله ﷺ ، أنهم أجمعوا أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء آخر ساعة من يوم الجمعة.
التعويذ
أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، اللهم إني أعوذ بك من هذه الأربع» .
وقال ﷺ : «من قال إذا أمسى وأصبح: أعوذ بكلمات الله التامّات المباركات التي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ «١» في الأرض وما يخرج منها. لم يضره شيء من الشياطين والهوامّ» .
ما كان يعوذ به النبي ﷺ الحسن والحسين:
مسروق عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعوّذ الحسن والحسين ﵄ بهذه الكلمات: أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل عين لامّة «٢» ، ومن كل شيطان وهامّة.
وكان إبراهيم ﷺ يعوّذ بها إسماعيل وإسحق.
وقال أعرابي يصف دعوة:
وسارية لم تسر في الأرض تبتغي ... محلّا ولم يقطع بها البيد قاطع
سرت حيث لم تسر الركاب ولم تنخ ... لورد ولم يقصر لها القيد مانع «٣»
تظل وراء الليل والليل ساقط ... بأرواقه فيه سمير وهاجع «٤»
стр. 915
تفتّح أبواب السماء لوفدها ... إذا قرع الأبواب منهنّ قارع
إذا سألت لم يردد الله سؤلها ... على أهلها والله راء وسامع
وإني لأرجو الله حتى كأنما ... أرى بجميل الظنّ ما الله صانع
ومن قولنا في هذا المعنى:
بنيّ لئن أعيا الطبيب ابن مسلم ... ضناك وأعيا ذا البيان الموشّع «١»
لأبتلهن تحت الظلام بدعوة ... متى يدعها داع إلى الله يسمع
تغلغل من بين الضّلوع نشيجها ... لها شافع من عبرة وتضرّع
إلى فارج الكرب المجيب لمن دعا ... فزعت بكربي، إنه خير مفزع
فيا خير مدعوّ دعوتك فاستمع ... ومالي شفيع غير فضلك فاشفع
стр. 916
كتاب السدّرّة في النوادي والتعاذي والمراثي
قال أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الزهد ورجاله المشهورين: ونحن قائلون بعون الله في النوادب والمراثي، والتهاني والتعازي، بأبلغ ما وجدناه من الفطن الذكية، والألفاظ الشجية، التي ترق القلوب القاسية، وتذيب الدموع الجامدة، مع اختلاف النوادب عند نزول المصائب؛ فنادبة تثير الحزن من ربضته، وتبعث الوجد من رقدته، بصوت كترجيع الطير، وتقطع أنفاس المآتم «١» ، وتترك صدعا في القلوب الجلامد؛ ونادبة تخفض من نشيجها، وتقصد في نحيبها، وتذهب مذهب الصبر والاستسلام، والثقة بجزيل الثواب.
قال عمر بن ذرّ: سألت أبي: ما بال الناس إذا وعظتهم بكوا، وإذا وعظهم غيرك لم يبكوا؟ قال: يا بنيّ، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة.
وقال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما بال المراثي أشرف أشعاركم؟ قال: لأنا نقولها وقلوبنا محترقة.
وقال الحكماء: أعظم المصائب كلها انقطاع الرجاء.
وقالوا: كلّ شيء يبدو صغيرا ثم يعظم؛ إلا المصيبة؛ فإنها تبدو عظيمة ثم تصغر.
стр. 917
القول عند الموت
الأصمعي عن معتمر عن أبيه؛ قال: لقّنوا موتاكم الشهادة، فإذا قالوها فدعوهم ولا تضجروهم.
وقال الحسن: إذا دخلتم على الرجل في الموت فبشّروه؛ ليلقى ربه وهو حسن الظنّ به؛ وإذا كان حيا فخوفوه.
بين أبي بكر وطلحة:
ولقي أبو بكر طلحة بن عبيد الله، فرآه كاسفا متغيّرا لونه، فقال: مالي أراك متغيرا لونك؟ قال: كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ ولم أسأله عنها. قال: وما ذاك؟ قال: سمعته يقول: «إني أعلم كلمة من قالها عند الموت محصت ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر» . فأنسيت أن أسأله عنها. قال أبو بكر: وأعلّمكها؟ هي: لا إله إلا الله.
لمعاذ في احتضاره:
أبو الحباب قال: لما احتضر معاذ قال لخادمته: ويحك! هل أصبحنا؟ قالت: لا.
ثم تركها ساعة، ثم قال لها: انظري. فقالت: نعم. قال أعوذ بالله من صباح إلى النار! ثم قال: مرحبا بالموت! مرحبا بزائر جاء على فاقة! لا أفلح من ندم: اللهم إنك تعلم أني لم [أكن] أحبّ في الدنيا لكري الأنهار، وغرس الأشجار؛ ولكن لمكابدة الليل الطويل، وظمإ الهواجر في الحرّ الشديد، ومزاحمة العلماء بالرّكب في مجالس الذكر.
لعمر بن عتبة في مثله:
ولما حضرت الوفاة عمر بن عتبة قال لرفيقه: نزل بي الموت ولم أتأهب له! اللهم إنك تعلم أنه ما سنح لي أمران لك في أحدهما رضا ولي في الآخر هوى إلا آثرت رضاك على هواي.
стр. 918
لابن الخطاب في مثله:
ولما حضرت الوفاة عمر بن الخطاب قال لولده عبد الله بن عمر: ضع خدّي على الأرض علّ ربي أن يتعطف عليّ ويرحمني.
للرقاشى في مثله:
ابن السمّاك قال: دخلت على يزيد الرقاشي وهو في الموت. فقال لي: سبقني العابدون وقطع بي؛ والهفاه.
الأسواري وآزاد مرد في احتضاره:
موسى الأسواري قال: دخلت على آزاد مرد وهو ثقيل، فإذا هو كالخفاش لم يبق إلا رأسه؛ فقلت له: يا هذا ما حالك؟ قال: وما حال من يريد سفرا بعيدا بغير زاد، وينطلق إلى ملك عدل بغير حجة، ويدخل قبرا موحشا بغير مؤنس!.
عمر بن عبد العزيز وأبو قلابة:
قال عمر بن عبد العزيز لأبي قلابة وولي غسل ابنه عبد الملك: إذا غسلته وكفنته فآذّني قبل أن تغطي وجهه. ففعل، فنظر إليه وقال: يرحمك الله با بني ويغفر لك.
الحجاج وموت ابنه محمد:
ولما مات محمد بن الحجاج جزع عليه جزعا شديدا، وقال: إذا غسلتموه وكفنتموه فآذنوني. ففعلوا، فنظر إليه وقال متمثلا:
الآن لما كنت أكمل من مشى ... وافتر نابك عن شباة القارح «١»
وتكاملت فيك المروءة كلّها ... وأعنت ذلك بالفعال الصالح
فقيل له: اتق الله واسترجع. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 919
عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك:
وقال عمر بن عبد العزيز لابنه عبد الملك: كيف تجدك يا بنيّ؟ قال: أجدني في الموت فاحتسبني؛ فإن ثواب الله خير لك مني. قال: والله يا بني لأن تكون في ميزاني أحبّ إليّ من أن أكون في ميزانك قال: وأنا والله، لأن يكون ما تحب أحبّ إليّ من أن يكون ما أحب.
مسلمة بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز في احتضاره:
لما احتضر عمر بن عبد العزيز ﵀ استأذن عليه مسلمة بن عبد الملك، فأذن له وأمره أن يخفف الوقفة؛ فلما دخل وقف عند رأسه فقال: جزاك الله يا أمير المؤمنين عنا خيرا؛ فلقد ألنت لنا قلوبا كانت علينا قاسية، وجعلت لنا في الصالحين ذكرا.
الرسول ﷺ في قبضه:
حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس بن مالك، قال: كانت فاطمة جالسة عند رسول الله ﷺ ؛ فتواكدت «١» عليه كرب الموت؛ فرفع رأسه وقال، واكرباه! فبكت فاطمة وقالت: واكرباه لكربك يا أبتاه! قال، لا كرب على أبيك بعد اليوم!.
الرياشي عن عثمان بن عمر عن إسرائيل عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: ما رأيت أحدا من خلق الله أشبه حديثا وكلاما برسول الله ﷺ من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه أخذ بيدها فقبلها ورحّب بها وأجلسها في مجلسه؛ وكان إذا دخل عليها قامت إليه ورحبت به وأخذت بيده فقبلتها. فدخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه، فأسّر إليها فبكت، ثم أسّر إليها فضحكت، فقلت: كنت أحسب لهذه المرأة فضلا على النساء، فإذا هي واحدة منهنّ؛ بينما هي تبكي إذ هي تضحك! فلما توفي رسول الله
стр. 920
صلّى الله عليه وسلم سألتها؛ فقالت: أسّر إليّ فأخبرني أنه ميت فبكيت؛ ثم أسّر إليّ أني أول أهل بيته لحوقا به فضحكت.
عائشة مع أبيها في احتضاره:
القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها دخلت على أبيها في مرضه الذي مات فيه، فقالت له: يا أبت، اعهد إلي خاصتك، وأنفذ رأيك في عامتك، وانقل من دار جهازك إلى دار مقامك؛ وإنك محضور ومتصل بقلبي لوعتك، وأرى تخاذل أطرافك، وانتقاع لونك؛ فإلى الله تعزيتي عنك، ولديه ثواب حزني عليك، أرقأ فلا أرقأ وأشكو فلا أشكى.
فرفع رأسه فقال: يا بنية، هذا يوم يحلّ فيه عن غطائي؛ وأعاين جزائي، إن فرحا فدائم، وإن نوحا فمقيم؛ إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم، حين كان النكوص إضاعة، والحذر تفريطا؛ فشهيدي الله ما كان بقلبي إلا إياه؛ فتبلّغت بصحفتهم، وتعللت بدرّة لقحتهم، وأقمت صلاي «١» معهم، لا مختالا أشرا، ولا مكابرا بطرا، لم أعد سدّا لجوعة، وتورية لعورة، طوى ممغص تهفو له الأحشاء وتجب له الأمعاء؛ واضطررت إلى ذلك اضطرار الجرض «٢» إلى المعيف «٣» الآجن، فإذا أنا متّ فردّي إليهم صحفتهم ولقحتهم وعبدهم ورحاهم، ودثارة ما فوقي اتّقيت بها أذى البرد، ودثارة ما تحتى اتقيت بها أذى الأرض، كان حشوهما قطع السعف.
عمر مع أبي بكر في احتضاره:
ودخل عليه عمر فقال: يا خليفة رسول الله ﷺ ، لقد كلفت القوم بعدك تعبا، ووليتهم نصبا. فهيهات من شقّ غبارك! وكيف باللحاق بك.
وقالت عائشة وأبوها يغمّض:
стр. 921
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل
فنظر إليها وقال: ذلك رسول الله ﷺ . ثم أغمى عليه فقالت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
قالت: فنظر إليّ كالغضبان وقال لي: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
«١» . ثم قال: انظروا ملاءتيّ فاغسلوهما وكفّنوني فيهما؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.
وقال معاوية حين حضرته الوفاة:
ألا ليتني لم أغن في الملك ساعة ... ولم أك في الّلذّات أعشى النّواظر «٢»
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة ... ليالي حتى زار ضنك المقابر «٣»
لما ثقل معاوية ويزيد غائب، أقبل يزيد فوجد عثمان بن محمد بن سفيان جالسا، فأخذ بيده ودخل على معاوية وهو يجود بنفسه، فكلمه يزيد فلم يكلمه، فبكى يزيد، وتضوّر «٤» معاوية ساعة، ثم قال: أي بني، إن أعظم ما أخاف الله فيه ما كنت أصنع بك يا بنيّ. إني خرجت مع رسول الله ﷺ ، فكان إذا مضى لحاجته وتوضأ أصب الماء على يديه، فنظر إلى قميص لي قد انخرق من عاتقي، فقال لي: يا معاوية، ألا أكسوك قميصا؟ قلت: بلى. فكساني قميصا لم ألبسه إلا لبسة واحدة، وهو عندي.
واجتزّ ذات يوم فأخذت جزازة شعره، وقلامة أظفاره، فجعلت ذلك في قارورة، فإذا مت يا بني فاغسلني ثم اجعل ذلك الشعر والأظفار في عيني ومنخري وفمي، ثم اجعل قميص رسول الله ﷺ شعارا من تحت كفني. إن نفع شي نفع هذا.
لما احتضر عمرو بن العاص، جمع بنيه فقال: يا بنيّ، ما تغنون عني من أمر الله شيئا! قالوا: يا أبت، إنه الموت، ولو كان غيره لوقيناك بأنفسنا. فقال: أسندوني.
стр. 922
فأسندوه، ثم قال: اللهم إنك أمرتني فلم أأتمر، وزجرتني فلم أزدجر، اللهم لا قويّ فأنتصر، ولا بريّ فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر! أستغفرك وأتوب إليك، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين! فلم يزل يكررها حتى مات.
قال: وأخبرنا رجال من أهل المدينة أن عمرو بن العاص قال لبنيه عند موته: إني لست في الشّرك الذي لومت عليه أدخلت النار، ولا في الإسلام الذي لو متّ عليه أدخلت الجنة؛ فمهما قصرت فيه فإني مستمسك بلا إله إلا الله. وقبض عليها بيده، وقبض لوقته؛ فكانت يده تفتح ثم تترك، فتنقبض.
وقال لبنيه: إن أنا مت فلا تبكوا عليّ، ولا يتبعني مادح ولا نائح، وشنّوا «١» عليّ التراب شنا، فليس جنبي الأيمن أولى بالتراب من الأيسر؛ ولا تجعلوا في قبري خشبة ولا حجرا، وإذا واريتموني فاقعدوا عند قبري قدر نحر جزور «٢» . وتفصيلها أستأنس بكم.
الجزع من الموت
الفضيل بن عياض قال: ما جزع أحد من أصحابنا عند الموت ما جزع سفيان الثوري، فقلنا: يا أبا عبد الله، ما هذا الجزع، ألست تذهب إلى من عبدته وفررت ببدنك إليه؟ فقال: ويحكم! إني أسلك طريقا لم أعرفه، وأقدم على ربّ لم أره.
حزن سعيد بن أبي الحسن على أخيه:
ولما توفي سعيد بن أبي الحسن وجد عليه أخوه الحسن وجدا شديدا، فكلّم في ذلك، فقال: ما رأيت الله جعل الحزن عارا على يعقوب!
стр. 923
الحسن في احتضاره:
وقال صالح المرّي: دخلت على الحسن وهو في الموت، وهو يكثر الاسترجاع؛ فقال له ابنه: أمثلك يسترجع على الدنيا؟ قال: يا بني، ما أسترجع إلا على نفسي التي لم أصب بمثلها قط.
حجر بن الأدبر في موته:
ولما أمر معاوية بقتل حجر بن الأدبر وأصحابه، بعث إليهم أكفانهم وأمر بأن تفتح قبورهم ويقتلوا عليها. فلما قدّم حجر بن الأدبر إلى السيف جزع جزعا شديدا، فقيل له: أمثلك يجزع من الموت؟ فقال: وكيف لا أجزع وأرى سيفا مشهورا وكفنا منشورا وقبرا محفورا.
البكاء على الميت
لإبراهيم:
الشعبي عن إبراهيم قال: لا يكون البكاء إلا من فضل، فإذا اشتد الحزن ذهب البكاء. وأنشد:
فلئن بكيناه لحقّ لنا ... ولئن تركنا ذاك للصّبر
فلمثله جرت العيون دما ... ولمثله جمدت فلم تجر
الأحنف وباكية:
مر الأحنف بامرأة تبكي ميتا ورجل ينهاها، فقال له: دعها فإنها تندب عهدا قريبا وسفرا بعيدا.
للنبي ﷺ في وفاة ابنه إبراهيم:
قالوا: لما توفى إبراهيم بن محمد ﷺ بكى عليه؛ فسئل عن ذلك فقال: تدمع العينان ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الربّ.
стр. 924
النبي ﷺ وباكيات من الأنصار:
ومر النبي ﷺ بنسوة من الأنصار يبكين ميتا فزجرهنّ عمر، فقال له النبي ﷺ :
«دعهنّ يا عمر، فإن النفس مصابة، والعين دامعة والعهد قريب» .
النبي ﷺ وباكيات قتلى أحد:
ولما بكت نساء أهل المدينة على قتلى أحد قال النبي ﷺ : «لكن حمزة لا باكية له ذلك اليوم!» فسمع ذلك أهل المدينة، فلم يقم لهم مأتم إلى اليوم إلا ابتدأن فيه البكاء على حمزة.
وقال النبي ﷺ : «لولا أن يشقّ على صفية، ما دفنته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع.
ابن الخطاب حين نعى إليه ابن مقرن:
ولما نعى النعمان بن مقرّن إلى عمر بن الخطاب وضع يده على رأسه وصاح: يا أسفا على النعمان.
ابن الخطاب حين نعى إليه زيد:
ولما استشهد زيد بن الخطاب باليمامة، وكان صحبه رجل من بني عدي بن كعب؛ فرجع إلى المدينة، فلما رآه عمر دمعت عيناه وقال:
وخلّفت زيدا ثاويا وأتيتني! «١»
وقال عمر بن الخطاب: ما هبت الصّبا إلا وجدت نسيم زيد.
وكان إذا أصابته مصيبة قال: قد فقدت زيدا فصبرت.
стр. 925
عمر ووفاة خالد:
ولما توفي خالد بن الوليد أيام عمر بن الخطاب- وكان بينهما هجرة- امتنع النساء من البكاء عليه، فلما انتهى ذلك إلى عمر، قال: وما على نساء بني المغيرة أن يرقن من دمعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع»
ولا لقلقة «٢» .
لمعاوية في النساء:
وقال معاوية وذكر عنده النساء: ما مرّض المرضى ولا ندب الموتى مثلهن
لابن عياش:
وقال أبو بكر بن عياش: نزلت بي مصيبة أوجعتني فذكرت قول ذي الرمة:
لعلّ انحدار الدّمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي شجيّ البلابل
فخلوت، فبكيت، فسلوت.
وقال الفرزدق في هذا المعنى:
ألم ترياني يوم جوّ سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة ماليا
فقلت لها إنّ البكاء لراحة ... به يشتفي من ظنّ أن لا تلاقيا
قعيد كما الله الذي أنتما له ... ألم تسمعا بالبيضتين المناديا «٣»
حبيب دعا والرّمل بيني وبينه ... فأسمعني سقيا لذلك داعيا
يقال: قعيدك الله، وقعدك الله، معناه: سألتك الله.
القول عند المقابر
قال بعضهم: خرجنا مع زيد بن علي نريد الحج، فلما بلغنا النّباج وصرنا إلى مقابرها، التفت إلينا فقال:
стр. 926
لكلّ أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد «١»
فما إن تزال دار حيّ قد اخربت ... وقبر بأفناء البيوت جديد
هم جيرة الأحياء أمّا مزارهم ... فدان وأمّا الملتقى فبعيد
للرقاشي:
وقال مررت بيزيد الرقاشي وهو جالس بين المدينة والمقبرة، فقلت له: ما أجلسك ههنا؟ قال: أنظر إلى هذين العسكرين، فعسكر يقذف الأحياء، وعسكر يلتقم الموتي! ثم نادى بأعلى صوته: يا أهل القبور الموحشة التي قد نطق بالخراب فناؤها، ومهّد بالتراب بناؤها، فمحلها مقترب، وساكنها مغترب؛ لا يتواصلون تواصل الإخوان، ولا يتزاورون تزاور الجيران؛ قد طحنهم بكلكله «٢» البلى، وأكلهم الجنادل والثرى.
وكان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إذا دخل المقبرة قال: أما المنازل فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما الأزواج فقد نكحت؛ فهذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما عندكم؟ ثم قال: والذي نفسي بيده، لو أذن لهم في الكلام لقالوا: إن خير الزاد التقوى.
وكان علي بن أبي طالب إذا دخل المقبرة قال: السلام عليكم يأهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات؛ اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم. ثم يقول: الحمد لله الذي جعل لنا الأرض كفاتا «٣» أحياء وأمواتا، والحمد لله الذي منها خلقنا، وإليها معادنا، وعليها محشرنا؛ طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل الحسنات، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله .
وكان النبي ﷺ إذا دخل المقبرة قال: «السلام عليك دار قوم مؤمنين، وإنا إن
стр. 927
شاء الله بكم لاحقون» .
وكان الحسن البصري إذا دخل المقبرة قال: اللهم ربّ هذه الأجساد البالية، والعظام النّخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا منك وسلاما منا.
وكان علي بن الفضل إذا دخل المقبرة يقول: اللهم اجعل وفاتهم نجاة لهم مما يكرهون، واجعل حسابهم زيادة لهم مما يحبون.
الوقوف على القبور وما بين الموتى
لأعرابي على قبر الرسول ﷺ :
وقف أعرابي على قبر رسول الله ﷺ ، فقال: قلت فقبلنا وأمرت فحفظنا، وبلّغت عن ربك فسمعنا: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
«١» ، وقد ظلمنا أنفسنا وجئناك فاستغفر لنا. فما بقيت عين إلا سالت.
لفاطمة على قبر أبيها ﷺ :
وقفت فاطمة ﵍ على قبر أبيها ﷺ فقالت:
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها ... وغاب مذغبت عنّا الوحي والكتب «٢»
فليت قبلك كان الموت صادفنا ... لمّا نعيت وحالت دونك الكثب
حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: لما فرغنا من دفن رسول الله ﷺ أقبلت عليّ فاطمة، فقالت: يا أنس، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله ﷺ التراب؟ ثم بكت ونادت: يا أبتاه! أجاب ربّا دعاه؛ يا أبتاه! من ربّه ما أدناه؛ يا أبتاه! من ربّه ناداه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه؛ يا أبتاه! جنّة الفردوس
стр. 928
مأواه. قال: ثم سكتت فما زادت شيئا.
ابن مسعود على قبر عمر بن الخطاب:
ولما دفن عمر بن الخطاب ﵁، أقبل عبد الله بن مسعود وقد فاتته الصلاة عليه؛ فوقف على قبره يبكي ويطرح رداءه؛ ثم قال: والله لئن فاتتني الصلاة عليك لا فاتني حسن الثناء؛ أما والله لقد كنت سخيّا بالحق، بخيلا عن الباطل، ترضى حين الرضا، وتسخط حين السّخط، ما كنت عيّابا ولا مدّاحا؛ فجزاك الله عن الإسلام خيرا.
علي بن أبي طالب على قبر خباب:
ووقف عليّ بن أبي طالب ﵁ على قبر خبّاب فقال: رحم الله خبّابا! لقد أسلم راغبا، وجاهد طائعا، وعاش زاهدا، وابتلي في جسمه فصبر؛ ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.
الحسن على قبر علي:
ولما توفى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، قام الحسن بن علي ﵄ فقال: أيها الناس، إنه قبض فيكم الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون ولم يدركه الآخرون، قد كان رسول الله ﷺ يبعثه فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، لا ينثني حتى يفتح الله له؛ ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم أعدّها لخادم له.
ابن السماء في رثاء الطائي:
عبد الرحمن بن الحسين عن محمد بن مصعب قال: لما مات داود الطائي تكلم ابن السمّاك فقال: إن داود نظر إلى ما بين يديه من آخرته، فأغشى بصر القلب بصر العين، فكأن لم ينظر ما إليه تنظرون، وكأنكم لم تنظروا إلى ما إليه ينظر، فأنتم منه تعجبون وهو منكم يعجب، فلما رآكم مفتونين مغرورين، قد أذهلت الدنيا عقولكم،
стр. 929
وأماتت بحبها قلوبكم، استوحش منكم، فكنت إذا نظرت إليه حسبته حيا وسط أموات؛ يا داود، ما أعجب شأنك بين أهل زمانك، أهنت نفسك وإنما تريد إكرامها، وأتعبتها وإنما تريد راحتها وأخشنت المطعم وإنما تريد طيبه، وأخشنت الملبس وإنما تريد لينه، ثم أمتّ نفسك قبل أن تموت، وقبرتها قبل أن تقبر، وعذّبتها قبل أن تعذب؛ سجنت نفسك في بيتك فلا محدّث لك، ولا جليس معك، ولا فراش تحتك، ولا ستر على بابك، ولا قلّة يبرّد فيها ماؤك، ولا صحفة يكون فيها غداؤك وعشاؤك؛ يا داود، ما تشتهي من الماء بارده، ولا من الطعام طيّبه، ولا من اللباس لينه؛ بلى، ولكن زهدت فيه لما بين يديك؛ فما أصغر ما بذلت وما أحقر ما تركت في جنب ما رغبت وأمّلت، فلما مت شهرك ربّك بفضلك؛ وألبسك رداء عملك، فلو رأيت من حضرك علمت أن ربك قد أكرمك وشرّفك.
للاحنف على قبر أخيه:
وقف الأحنف بن قيس على قبر أخيه فأنشد:
فو الله لا أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض «١»
بلى إنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
ووقف محمد بن الحنفية على قبر الحسين بن علي ﵄ فخنقته العبرة ثم نطق فقال: يرحمك الله أبا محمد، فلئن عزّت حياتك فلقد هدّت وفاتك، ولنعم الروح روح ضمه بدنك، ولنعم البدن بدن ضمه كفنك، وكيف لا يكون كذلك وأنت بقية ولد الأنبياء، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء «٢» ، غذتك أكف الحق، وربيت في حجر الإسلام، فطبت حيّا وطبت ميتا، وإن كانت أنفسنا غير طيّبة بفراقك، ولا شاكّة في الخيار لك.
стр. 930
عائشة على قبر أبي بكر:
ووقفت عائشة على قبر أبي بكر فقالت: نضّر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها، وكنت للآخرة معزّا بإقبالك عليها ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول الله ﷺ رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك- إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر فيك، وحسن العوض منك؛ فأنا أتنجز موعود الله بحسن العزاء عليك، وأستعيضه منك بالاستغفار لك؛ فعليك السلام ورحمة الله، توديع غير قالية «١» لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك! ثم انصرفت.
رثاء علي لأبي بكر:
لما قبض أبو بكر سجّي بثوب فارتجت المدينة بالبكاء عليه، ودهش القوم كيوم قبض رسول الله ﷺ ، وجاء علي بن أبي طالب باكيا مسرعا مسترجعا حتى وقف بالباب وهو يقول: رحمك الله أبا بكر، كنت والله أوّل القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا. وأشدّهم يقينا، وأعظمهم غناء، وأحفظهم على رسول الله ﷺ ، وأحدبهم «٢» على الإسلام، وأحناهم على أهله، وأشبههم برسول الله ﷺ خلقا وفضلا وهديا وسمتا، فجزاء الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيرا، صدّقت رسول الله حين كذّبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، سماك الله في كتابه صدّيقا، فقال: «والّذي جاء بالصّدق وصدّق به» يريد محمدا ويريدك، كنت والله للإسلام حصنا، وعلى الكافرين عذابا، لم تفلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، كنت الجبل لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله ضعيفا في بدنك، قويا في أمر الله، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في الأرض، كثيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، فالقويّ عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوي
стр. 931
حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك.
عبد الملك على قبر معاوية:
وقف عبد الملك بن مروان على قبر معاوية فقال: تالله إن كنت ما علمت لينطقك العلم؛ ويسكنك الحلم. ثم أنشأ يقول:
وما الدهر والأيام إلّا كما ترى ... رزيئة مال أو فراق حبيب
للضحاك في زياد:
الهيثم بن عدي قال: لما هلك زياد استعمل معاوية الضحاك على الكوفة؛ فلما دخلها سأل عن قبر زياد فدلّ عليه؛ فأتاه حتى وقف به ثم قال:
أبا المغيرة والدّنيا مفجّعة ... وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للنكراء تنكير
لو خلّد الخير والإسلام ذا قدم ... إذا لخلّدك الإسلام والخير
والأبيات لحارثة بن بدر يرثي زيادا.
لعلي في فاطمة:
المدائني قال: لما دفن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه فاطمة ﵍، تمثل عند قبرها فقال:
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة ... وكل الذي دون الممات قليل
وإنّ افتقادي واحدا بعد واحد ... دليل على أن لا يدوم خليل
امرأة الحسن على قبره:
لما مات الحسن بن عليّ ﵉ ضربت امرأته فسطاطا على قبره وأقامت حولا ثم انصرفت إلى بيتها؛ فسمعت قائلا يقول: أدركوا ما طلبوا، فأجابه مجيب:
بل ملّوا فانصرفوا.
стр. 932
نائلة على قبر عثمان:
ابن الكلبي قال: وقفت نائلة بنت الفرافصة الكلبية على قبر عثمان فترحمت عليه ثم قالت:
ومالي لا أبكي وتبكي صحابتي ... وقد ذهبت عنا فضول أبي عمرو
ثم انصرفت إلى منزلها، فقالت: إني رأيت الحزن يبلي كما يبلى الثوب، وقد خفت أن يلى حزن عثمان في قلبي! فدعت بفهر «١» فهمشت فاها وقالت: والله لا قعد مني رجل مقعد عثمان أبدا!
الراثون على قبر الإسكندر:
لما هلك الإسكندر: قامت الخطباء على رأسه، فكان من قولهم: الإسكندر كان أمس، أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس!
لأبي العتاهية في ابن له:
أخذ هذا المعنى أبو العتاهية. فقال عند دفنه ولدا له:
كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديّا
وكنت وفي حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيّا
لأبي ذر في مثله:
وقف أبو ذرّ الهمداني على قبر ابنه ذرّ، فقال: يا ذرّ، شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، فليت شعري ما قلت وما قيل لك! ثم قال: اللهم إني قد وهبت لك إساءته إليّ، فهب له إساءته إليك! فلما انصرف عنه التفت إلى قبره فقال: يا ذرّ، قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك!
стр. 933
لابن سليمان في مثله:
وقف محمد بن سليمان على قبر ابنه فقال: اللهم إني أرجوك له وأخافك عليه؛ فحقق رجائي وآمن خوفي.
لأعرابية في أبيها:
وقفت أعرابية على قبر أبيها فقالت: يا أبت، إنّ في الله ﵎ من فقدك عوضا، وفي رسول الله ﷺ من مصيبتك أسوة. ثم قالت: اللهم نزل بك عبدك مقفرا من الزاد، مخشوشن المهاد، غنيا عما في أيدي العباد، فقيرا إلى ما في يديك يا جواد، وأنت أي ربّ خير من نزل به المؤمّلون، واستغنى بفضله المقلّون، وولج في سعة رحمته المذنبون؛ اللهم فليكن قرى عبدك منك رحمتك، ومهاده جنتك. ثم انصرفت.
لأعرابية في رثاء ابنتها:
قال عبد الرحمن بن عمر: دخلت على امرأة من نجد بأعلى الأرض في خباءلها، وبين يديها بنيّ لها قد نزل به الموت، فقامت إليه فأغمضته وعصبته وسجّته، وقالت:
يا بن أخي. قلت: ما تشائين؟ قالت: ما أحق من ألبس النعمة، وأطيلت به النظرة، أن لا يدع التوثق من نفسه قبل حل عقدته، والحلول بعفو ربه، والمحالة بينه وبين نفسه! قال: وما يقطر من عينها دمعة، صبرا واحتسابا. ثم نظرت إليه فقالت: والله ما كان ماله لبطنه، ولا أمره لعرسه. ثم أنشدت.
رحيب الذراع بالتي لا تشينه ... وإن كانت الفحشاء بها ذرعا
عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه:
وقف عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك فقال: رحمك الله يا بنيّ، فلقد كنت سارّا مولودا، بارّا ناشئا، وما أحب أني دعوتك فأجبتني!
стр. 934
ابن ذر جنازة جار له:
توفى رجل كان مسرفا على نفسه بالذنوب، فتجافى الناس جنازته؛ فبلغ عمر بن ذرّ خبره؛ فأوصى إلى أهله أن خذوا في جهازه فإذا فرغتم فآذنوني. ففعلوا، وشهده عمر بن ذرّ وشهده الناس معه، فلما فرغ من دفنه وقف عمر ابن ذرّ على قبره فقال:
يرحمك الله أبا فلان! فلقد صحبت عمرك بالتوحيد، وعفّرت لله وجهك بالسجود، فإن قالوا: مذنب وذو خطايا! فمن منا غير مذنب وغير ذي خطايا!
لجارية على قبر أبيها:
سمع الحسن من جارية واقفة على قبر أبيها وهي تقول: يا أبت مثل يومك لم أره! قال: الذي- والله- لم ير مثل يومه أبوك!
خصي للوليد على قبره:
وسمع عمر بن عبد العزيز خصيّا للوليد بن عبد الملك واقفا على قبر الوليد وهو يقول: يا مولاي، ماذا لقينا بعدك! فقال له عمر: أما والله لو أذن له في الكلام لأخبر أنه لقي بعدكم أكثر مما لقيتم بعده.
معاوية على قبر أخيه:
وقف معاوية على قبر أخيه عتبة فدعا له وترحم عليه، ثم التفت إلى من معه فقال:
لو أن الدنيا بنيت على نسيان الأحبة ما نسيت عتبة أبدا.
المراثي
من رثى نفسه ووصف قبره وما يكتب على القبر
لابن خذاق:
قال ابن قتيبة بلغني أنّ أوّل من بكى على نفسه وذكر الموت في شعره: يزيد بن خذّاق فقال:
стр. 935
هل للفتى من بنات الدهر من راقي ... أم هل له من حمام الموت من واقي
قد رجّلوني وما بالشّعر من شعث ... وألبسوني ثيابا غير أخلاق «١»
وطيّبوني وقالوا أيّما رجل! * وأدرجوني كأني طيّ مخراق «٢»
وأرسلوا فتية من خيرهم حسبا ... ليسندوا في ضريح القبر أطباقي «٣»
وقسّموا المال وارفضّت عوائدهم ... وقال قائلهم مات ابن خذّاق!
هوّن عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنما مالنا للوارث الباقي
وقال ابن ذؤيب الهذلي يصفه حفرته:
مطأطأة لم ينبطوها وإنما ... ليرضى بها فرّاطها، أمّ واحد «٤»
قضوا ما قضوا من رمّها ثم أقبلوا ... إلي بطاء المشي غبر السّواعد
فكنت ذنوب البئر لمّا تلحّبت ... وأدرجت أكفاني ووسّدت ساعدي
وقال عروة بن حزام لما نزل به الموت:
من كان من أخواتي باكيا أبدا ... فاليوم، إني أراني اليوم مقبوضا
يسمعنيه فإني غير سامعه ... إذا علوت رقاب القوم معروضا
وقال الطرماح بن حكيم:
فيا ربّ لا تجعل وفاتي إن أتت ... على شرجع يعلى بدكن المطارف
ولكن شهيدا ثاويا في عصابة ... يصابون في فجّ من الأرض خائف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى موعود ما في الصحائف
فأقتل قعصا ثم يرمى بأعظمي ... مفرّقة أوصالها في التّنائف
ويصبح لحمي بطن طير مقيله ... بجوّ السماء في نسور عواكف
وقال مالك بن الرّيب: يرثي نفسه ويصف قبره- وكان خرج مع سعيد بن عثمان بن عفان. لما ولي خراسان، فلما كان ببعض الطريق أراد أن يلبس خفه، فإذا
стр. 936
بأفعى في داخلها، فلسعته، فلما أحس بالموت استلقى على قفاه. ثم أنشأ يقول
دعاني الهوى من أهل أود وصحبتي ... بذي الطّبسين فالتفتّ ورائيا «١»
فما راعني إلا سوابق عبرة ... تقنّعت منها أن ألام ردائيا
ألم ترني بعت الضّلالة بالهدى ... وأصبحت في جيش ابن عفّان غازيا
فلله درّي حين أترك طائعا ... بنيّ بأعلى الرّقمتين وماليا
ودرّ الكبيرين اللذين كلاهما ... عليّ شفيق ناصح قد نهانيا
ودرّ الظّباء السّانحات عشيّة ... يخبّرن أني هالك من أماميا
تقول ابنتي لمّا رأت وشك رحلتي ... سفارك هذا تاركي لا أباليا
ألا ليت شعري هل بكت أمّ مالك ... كما كنت لو عالوا نعيّك باكيا
إذا متّ فاعتادي القبور وسلّمي ... عليهنّ أسقين السّحاب الغواديا
تري جدثا قد جرّت الريح فوقه ... ترابا كسحق المرنبانىّ هابيا «٢»
فيا صاحبي رحلي دنا الموت فاحفرا ... برابية إني مقيم لياليا
وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي ... وردّا على عينيّ فضل ردائيا
ولا تحسداني بارك الله فيكما ... من الأرض ذات العرض أن توسعاليا
خذاني فجرّاني ببردي إليكما ... فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا
تفقّدت من يبكي عليّ فلم أجد ... سوى السّيف والرّمح الرديني باكيا
وأدهم غربيب يجرّ لجامه ... إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا «٣»
وبالرّمل لو يعلمن علمي نسوة ... بكين وفدّين الطبيب المداويا
عجوزي وأختاي اللّتان أصيبتا ... بموتي وبنت لي تهيج البواكيا
لعمري لئن غالت خراسان هامتي ... لقد كنت عن بابي خراسان نائيا
تحمّل أصحابي عشاء وغادروا ... أخا ثقة في عرصة الدّار ثاويا «٤»
стр. 937
يقولون لا تبعدوهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا
لأفنون في بكاء نفسه:
وقال رجل من بني تغلب يقال له أفنون، وهو لقبه، واسمه ضريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن عمرو بن مالك بن حبيب بن عمر بن غنم بن تغلب، ولقي كاهنا في الجاهلية، فقال له: إنك تموت بمكان يقال له الاهة. فمكث ما شاء الله، ثم سافر في ركب من قومه إلى الشام فأتوها، ثم انصرفوا فضلوا الطريق، فقالوا لرجل: كيف نأخذ؟ فقال: سيروا حتى إذا كنتم بمكان كذا وكذا ظهر لكم الطريق ورأيتم الإهة- وإلاهة قارة بالسماوة- فلما أتوها نزل أصحابه وأبى أن ينزل؛ فبينما ناقته ترتعي وهو راكبها إذ أخذت بمشفر ناقته حية، فاحتكت الناقة بمشفرها فلدغت ساقه، فقال لأخيه وكان معه، واسمه معاوية: احفر لي فإني ميت ثم تغنّى قبل أن يموت يبكي نفسه:
لست على شيء، فروحن معاويا ... ولا المشفقات إذ تبعن الحوازيا «١»
ولا خير فيما كذّب المرء نفسه ... وتقواله للشيء يا ليت ذا ليا
وإن أعجبتك الدّهر حال من امريء ... فدعه وواكل حاله واللياليا
يرحن عليه أو يغيّرن ما به ... وإن لم يكن في خوفه العيث وانيا
فتطأ معرضا إنّ الحتوف كثيرة ... وإنك لا تبقي بنفسك باقيا
لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتّقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
كفى حزنا أن يرحل الرّكب غدوة ... وأنزل في أعلى إلاهة ثاويا
قال: فمات فدفنوه بها.
وقال هدبة العذري لما أيقن بالموت:
ألا علّلاني قبل نوح النّوائح ... وقبل اطلاع النفس بين الجوانح
وقبل غد يا لهف نفسي على غد ... إذا راح أصحابي ولست برائح
стр. 938
إذا راح أصحابي بفيض دموعهم ... وغودرت في لحد عليّ صفائحي
يقولون هل أصلحتم لأخيكم ... وما الرّمس في الأرض القواء بصالح «١»
وقال محمد بن بشير:
ويل لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النار مثواه
والويل لي من كلّ يوم أتى ... يذكرني الموت وأنساه
كأنه قد قيل في مجلس ... قد كنت آتيه وأغشاه:
صار البشيريّ إلى ربّه ... يرحمنا الله وإياه
لأبي العتاهية في أبيات أوصى أن تكتب على قبره:
ولما حضرت أبا العتاهية الوفاة، واسمه إسماعيل بن القاسم، أوصى بأن يكتب على قبره هذه الأبيات الأربعة:
أذن حيّ تسمّعي ... اسمعي ثم عي وعي
أنا رهن بمضجعي ... فاحذري مثل مصرعي
عشت تسعين حجّة ... ثم وافيت مضجعي
ليس شي سوى التّقي ... فخذي منه أودعي
وعارضه بعض الشعراء في هذه الأبيات، وأوصى بأن يكتب على قبره أيضا فكتبت وهي:
أصبح القبر مضجعي ... ومحلّي وموضعي
صرعتني الحتوف في ال ... تّرب يا ذلّ مصرعي «٢»
أين إخواني الذي ... ن إليهم تطلّعي
متّ وحدي فلم يمت ... واحد منهم معي
стр. 939
أبيات قيل إنها لأبي نواس:
وجد على قبر جارية إلى جنب قبر أبي نواس ثلاثة أبيات؛ فقيل إنها من قول أبي نواس، وهي:
أقول لقبر زرته متلثّما ... سقى الله برد العفو صاحبة القبر «١»
لقد غيّبوا تحت الثرى قمر الدّجى ... وشمس الضحى بين الصّفائح والعفر «٢»
عجبت لعين بعدها ملّت البكا ... وقلب عليها يرتجي راحة الصبر
لابن نواس:
الرياشي قال: وجدت تحت الفراش الذي مات عليه أبو نواس رقعة مكتوب فيها هذه الأبيات:
يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأنّ عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فبمن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعا ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم أنّي مسلم
أبيات على قبر الإيادي:
الخشني قال: أخبرنا بعض أصحابنا ممن كان يغشى مجلس الرياشي قال: رأيت على قبر أبي هاشم الإيادي بواسط:
الموت أخرجني من دار مملكتي ... والموت أضرعني من بعد تشريفي
لله عبد رأى قبري فأعبره ... وخاف من دهره ريب التّصاريف
الأصمعي قال: أخذ بيدي يحيى بن خالد بن برمك فأوقفني على قبر بالحيرة، فإذا عليه مكتوب:
إن بني المنذر لمّا انقضوا ... بحيث شاد البيعة الراهب
стр. 940
تنّفح بالمسك محاريبهم ... وعنبر يقطبة قاطب «١»
والخبز واللحم لهم راهن ... وقهوة راووقها ساكب «٢»
والقطن والكتّان أثوابهم ... لم يجلب الصّوف لهم جالب
فأصبحوا قوتا لدود الثّرى ... والدهر لا يقي له صاحب
كأنما حياتهم لعبة ... سرى إلى بين بها راكب
وقال أبو حاتم: بين: موضع من الحيرة على ثلاث ليال.
الشيباني قال: وجد مكتوبا على بعض القبور:
ملّ الأحبّة زورتي فجفيت ... وسكنت في دار البلى فنسيت
الحيّ يكذب لا صديق لّميت ... لو كان يصدق مات حين يموت
يا مؤنسا سكن الثرى وبقيت ... لو كنت أصدق إذ بليت بليت
أو كان يعمى للبكاء مفجّع ... من طول ما أبكى عليك عميت «٣»
وقال محمد بن عبد الله:
وعما قليل أن ترى باكيا لنا ... سيضحك من يبكي ويعرض عن ذكري
ترى صاحبي يبكي قليلا لفرقتي ... ويضحك من طول اللّيالي على قبري
ويحدث إخوانا وينسى مودّتي ... وتشغله الأحباب عني وعن ذكري
من رثى ولده
فمن قولي في ولدي:
بليت عظامي والأسى يتجدّد ... والصبر ينفد والبكا لا ينفد
يا غائبا لا يرتجى لإيابه ... ولقائه دون القيامة موعد
ما كان أحسن ملحدا ضمّنته ... لو كان ضمّ أباك ذاك الملحد
باليأس أسلو عنك لا بتجلّدي ... هيهات أين من الحزين تجلد
стр. 941
ومن قولي فيه أيضا:
واكبدا قد قطّعت كبدي ... وحرّقتها لواعج الكمد
ما مات حيّ لّمت أسفا ... أعذر من والد على ولد
يا رحمة الله جاوري جدثا ... دفنت فيه حشاشتي بيدي
ونوّرى ظلمة القبور على ... من لم يصل ظلمه إلى أحد
من كان خلوا من كلّ بائقة ... وطيّب الرّوح طاهر الجسد
يا موت، يحيى لقد ذهبت به ... ليس بزمّيلة ولا نكد «١»
يا موته لو أقلت عثرته ... يا يومه لو تركته لغد
يا موت لو لم تكن تعاجله ... لكان لا شكّ بيضة البلد «٢»
أو كنت راخيت في العنان له ... حاز العلا واحتوى على الأمد «٣»
أيّ حسام سلبت رونقه ... وأيّ روح سللت من جسد
وأيّ ساق قطعت من قدم ... وأيّ كفّ ازلت من عضد
يا قمرا أجحف الخسوف به ... قبل بلوغ السواء في العدد»
أيّ حشى لم يذب له أسفا ... وأيّ عين عليه لم تجد «٥»
لا صبر لي بعده ولا جلد ... فجعت بالصبر فيه والجلد
لو لم أمت عند موته كمدا ... لحقّ لي أن أموت من كمدي
يا لوعة لا يزال لاعجها ... يقدح نار الأسى على كبدي «٦»
وقلت فيه أيضا:
قصد المنون له فمات فقيدا ... ومضى على صرف الخطوب حميدا
بأبي وأمي هالكا أفردته ... قد كان في كلّ العلوم فريدا
سود المقابر أصبحت بيضا به ... وغدت له بيض الضمائر سودا
стр. 942
لم نرزه لمّا رزينا وحده ... وإن استقلّ به المنون وحيدا «١»
لكن رزينا القاسم بن محمد ... في فضله والأسود بن يزيدا
وابن المبارك في الرّقائق مخبرا ... وابن المسيّب في الحديث سعيدا
والأخفشين فصاحة وبلاغة ... والأعشيين رواية ونشيدا
كان الوصيّ إذا أردت وصيّة ... والمستفاد إذا طلبت مفيدا
ولّى حفيظا في الأذمّة حافظا ... ومضى ودودا في الورى مودودا «٢»
ما كان مثلي في الرّزيّة والد ... ظفرت يداه بمثله مولودا
حتى إذا بذّ السّوابق في العلا ... والعلم ضمّن شلوه ملحودا
يا من يفنّد في البكاء مولّها ... ما كان يسمع في البكا تفنيدا «٣»
تأبى القلوب المستكينة للأسى ... من أن تكون حجارة وحديدا
إنّ الذي باد السّرور بموته ... ما كان حزني بعده ليبيدا
ألآن لما أن حويت مآثرا ... أعيت عدوّا في الورى وحسودا
ورأيت فيك من الصّلاح شمائلا ... ومن السّماح دلائلا وشهودا
أبكي عليك إذا الحمامة طرّبت ... وجه الصّباح وغرّدت تغريدا
لولا الحياء وأن أزنّ ببدعة ... مما يعدّده الورى تعديدا «٤»
لجعلت يومك في المنائح مأتما ... وجعلت يومك في الموالد عيدا
وقلت فيه أيضا:
لا بيت يسكن إلّا فارق السّكنا ... ولا امتلا فرحا إلّا امتلا حزنا
لهفي على ميّت مات السرور به ... لو كان حيّا لأحيا الدين والسّننا
واها عليك أبا بكر مردّدة ... لو سكّنت ولها أو فتّرت شجنا
إذا ذكرتك يوما قلت وا حزنا ... وما يردّ عليك القول وا حزنا
يا سيّدي ومراح الروح في جسدي ... هلّا دنا الموت منّي حين منك دنا!
стр. 943
حتى يعود بنا في قعر مظلمة ... لحد ويلبسنا في واحد كفنا
يا أطيب الناس روحا ضمّه بدن ... أستودع الله ذاك الروح والبدنا
لو كنت أعطى به الدّنيا معاوضة ... منه لما كانت الدنيا له ثمنا
وقال أبو ذؤيب الهذلي، وكان له أولاد سبعة فماتوا كلهم إلا طفلا، فقال يرثيهم:
أمن المنون وريبه تتوجّع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع «١»
قالت أمامة ما لجسمك شاحبا ... منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع
أم ما لجسمك لا يلائم مضجعا ... إلّا أقضّ عليك ذاك المضجع «٢»
فأجبتها أن ما لجسمي إنه ... أودى بنيّ من البلاد فودّعوا
أودى بنيّ وأعقبوني حسرة ... بعد الرّقاد وعبرة ما تقلع
سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع «٣»
فبقيت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أني لاحق مستتبع
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... وإذا المنيّة أقبلت لا تدفع
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
فالعين بعدهم كأن حداقها ... سملت بشوك فهي عورا تدمع «٤»
حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشرّق كلّ يوم تقرع «٥»
وتجلّدي للشّامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع
وقال في الطفل الذي بقي له:
والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وقال الأصمعي: هذا أبدع بيت قالته العرب.
وقال أعرابيّ يرثي بنيه:
стр. 944
أسكّان بطن الأرض لو يقبل الفدا ... فدينا وأعطينا بكم ساكني الظّهر «١»
فياليت من فيها عليها وليت من ... عليها ثوى فيها مقيما إلى الحشر
وقاسمني دهري بنيّ بشطره ... فلما تقضّى شطره مال في شطري
فصاروا ديونا للمنايا ولم يكن ... عليهم لها دين قضوه على عسر
كأنهم لم يعرف الموت غيرهم ... فثكل على ثكل وقبر إلى قبر
وقد كنت حيّ الخوف قبل وفاتهم ... فلمّا توفّوا مات خوفي من الدهر
فلله ما أعطى ولله ما حوى ... وليس لأيّام الرّزيّة كالصّبر
وقيل لأعرابية مات ابنها. ما أحسن عزاءك؟ قالت: إن فقدى إياه آمنني كل فقد سواه، وإن مصيبتي به هونت عليّ المصائب بعده! ثم أنشأت تقول:
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر
كنت السّواد لناظري ... فعمي عليك النّاظر
ليت المنازل والدّيا ... رحفائر ومقابر
إني وغيري لا محا ... لة حيث صرت لصائر
أخذ الحسن بن هانيء معنى هذا البيت الأول، فقال في الأمين:
طوى الموت ما بيني وبين محمّد ... وليس لما تطوي المنيّة ناشر
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شي عليه أحاذر
لئن عمرت دور بمن لا أحبّه ... لقد عمرت ممن أحبّ المقابر
وقال عبد الله بن الأهتم يرثي ابنا له:
دعوتك يا بنيّ فلم تجبني ... فردّت دعوتي يأسا عليّا
بموتك ماتت الّلذّات مني ... وكانت حيّة ما دمت حيّا
فيا أسفا عليك وطول شوقي ... إليك لو انّ ذلك ردّ شيّا
стр. 945
لأبي العتاهية في رثاء ابن له:
وأصيب أبو العتاهية بابن له فلما دفنه وقف على قبره وقال:
كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديا
وكنت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيّا
لأعرابي في رثاء ابن له:
ومات ابن لأعرابيّ فاشتد حزنه عليه، وكان الأعرابيّ يكنى به، فقيل له: لو صبرت لكان أعظم لثوابك! فقال:
بأبي وأمّي من عبأت حنوطه ... بيدي وفارقني بماء شبابه
كيف السّلوّ وكيف أنسى ذكره ... وإذا دعيت فإنما أدعى به
عمر بن الخطاب وأعرابي فقد ابنا له:
خرج عمر بن الخطاب ﵁ يوما إلى بقيع الغرقد «١» ، فإذا أعرابي بين يديه، فقال: يا أعرابي، ما أدخلك دار الحق؟ قال: وديعة لي ها هنا منذ ثلاث سنين. قال: وما وديعتك؟ قال: ابن لي حين ترعرع فقدته فأنا أندبه! قال عمر:
أسمعني ما قلت فيه: فقال:
يا غائبا ما يثوب من سفره ... عاجله موته على صغره
يا قرّة العين كنت لي سكنا ... في طول ليلي نعم وفي قصره
شربت كأسا أبوك شاربها ... لا بدّ يوما له على كبره
أشربها والأنام كلهم ... من كان في بدوه وفي حضره «٢»
فالحمد لله لا شريك له ... الموت في حكمه وفي قدره
قد قسم الموت في الأنام فما ... يقدر خلق يزيد في عمره
قال عمر: صدقت يا أعرابي، غير أن الله خير لك منه!
стр. 946
المنصور وشعر لمطيع حين مات ولده:
الشيباني قال: لما مات جعفر بن أبي جعفر المنصور، اشتدّ عليه حزنه. فلما فرغ من دفنه التفت إلى الربيع فقال: يا ربيع، كيف قال مطيع بن إياس في يحيى بن زياد؟
فأنشد:
يا هل دواء لقلبي القرح ... وللدّموع الذّوارف السّفح
راحوا بيحيى ولو تطاوعني ال ... أقدار لم تبتكر ولم يرح
يا خير من يحسن البكاء به ال ... يوم ومن كان أمس للمدح
قد ظفر الحزن بالسّرور وقد ... ألّم مكروهه من الفرح
وقالت أعرابية تندب ابنا لها:
أبنيّ غيّبك المحلّ الملحد ... إمّا بعدت فأين من لا يبعد
أنت الذي في كلّ ممسى ليلة ... تبلى وحزنك في الحشا يتجدّد
وقالت فيه:
لئن كنت لي لهوا لعين وقرّة ... لقد صرت سقما للقلوب الصّحائح
وهوّن حزني أنّ يومك مدركي ... وأني غدا من أهل تلك الضّرائح
وقال أبو الخطّار يرثي ابنه الخطار:
ألا خبراني بارك الله فيكما ... متى العهد بالخطار يا فتيان
فتى لا يرى نوم العشاء غنيمة ... ولا ينثني من صولة الحدثان
وقال جرير يرثي ولده سوادة:
قالوا نصيبك من أجر فقلت لهم ... كيف العزاء وقد فارقت أشبالي
ذاكم سوادة يجلو مقلتي لحم ... باز يصرصر فوق المرقب العالي «١»
فارقته حين غضّ الدهر من بصرى ... وحين صرت كعظم الرّمّة البالي «٢»
стр. 947
وقال أبو الشغب يرثي ابنه شغبا:
قد كان شغب لو انّ الله عمّره ... عزّا تزاد به في عزّها مضر
ليت الجبال تداعت قبل مصرعه ... دكّا فلم يبق من أحجارها حجر
فارقت شغبا وقد قوّست من كبر ... بئس الخليطان طول الحزن والكبر «١»
لابن عبد الأعلى في رثاء أيوب بن سليمان:
ولما توفى أيوب بن سليمان بن عبد الملك في حياة سليمان، وكان وليّ عهده وأكبر ولده؛ رثاه ابن عبد الأعلى وكان من خاصته، فقال فيه:
ولقد أقول لذي الشّماتة إذ رأى ... جزعي ومن يذق الحوادث يجزع
أبشر فقد قرع الحوادث مروتي ... وافرح بمروتك التي لم تقرع «٢»
إن عشت تفجع بالأحبّة كلّهم ... أو يفجعوا بك إن بهم لم تفجع
أيوب! من يشمت بموتك لم يطق ... عن نفسه دفعا وهل من مدفع؟
لأب في رثاء ابنه:
الأصمعي عن رجل من الأعراب قال: كنا عشرة إخوة، وكان لنا أخ يقال له حسن. فنعي إلى أبينا، فبقى سنتين يبكي عليه حتى كفّ بصره؛ وقال فيه:
أفلحت إن كان لم يمت حسن ... وكفّ عني البكاء والحزن
بل أكذب الله من نعى حسنا ... ليس لتكذيب قوله ثمن
أجول في الدار لا أراك وفي الدار أناس جوارهم غبن «٣»
بدّلتهم منك ليت أنهم ... كانوا وبيني وبينهم مدن
قد علموا عند ما أنافرهم ... ما في قتالي صدع ولا أبن
قد جرّبوني فما ألاومهم ... ما زال بيني وبينهم إحن «٤»
стр. 948
فقد برى الجسم مذ نعيت لنا ... كما برى فرع نبعة سفن «١»
فإن تعش فالمنى حياتك والخلد وأنت الحديث والوسن «٢»
إن تحى تحي بخير عيش وإن ... تمض فتلك السبيل والسّنن
بريدك الحمد والسلام معا ... فكلّ حيّ بالموت مرتهن
يا ويح نفسي إن كنت في جدث ... دونك فيه التراب والكفن
عليّ لله إن لقيتك من ... قبل الممات الصيام والبدن
أسوقها حافيا مجلّلة ... أدما هجانا قد كظّها السّمن «٣»
فلا نبالي إذا بقيت لنا ... من مات أو من أودى به الزمن
كنت جليلي وكنت خالصتي ... لكلّ حيّ من أهله سكن
لا خير لي في الحياة بعدك إن ... أصبحت تحت التراب يا حسن
وقال أعرابي يرثي ابنه:
ولما دعوت الصبر بعدك والأسى ... أجاب الأسى طوعا ولم يجب الصبر
فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر
وقال أعرابي يرثي ابنه:
بنيّ لئن ضنّت جفون بمائها ... لقد قرحت مني عليك جفون «٤»
دفنت بكفّي بعض نفسي فأصبحت ... وللنفيس منها دافن ودفين
لابن عبد ربه في طفل له:
وهذا نظير قولي في طفل أصبت به:
على مثلها من فجعة خانك الصبر ... فراق حبيب دون أوبته الحشر
ولي كبد مشطورة في يد الأسى ... فتحت الثّرى شطر وفوق الثرى شطر
يقولون لي صبّر فؤادك بعده ... فقلت لهم مالي فؤاد ولا صبر
стр. 949
فريخ من الحمر الحواصل ما اكتسى ... من الريش حتى ضمّه الموت والقبر
إذا قلت أسلو عنه هاجت بلابل ... يجدّدها فكر يجدده ذكر
وأنظر حولي لا أرى غير قبره ... كأنّ جميع الأرض عندي له قبر
أفرخ جنان الخلد طرت بمهجتي ... وليس سوى قعر الضريح لها وكر
وقالت أعرابية ترثي ولدها:
يا قرحة القلب والأحشاء والكبد ... يا ليت أمّك لم تحبل ولم تلد
لما رأيتك قد أدرجت في كفن ... مطيّبا للمنايا آخر الأبد
أيقنت بعدك أنّي غير باقية ... وكيف يبقى ذراع زال عن عضد «١»
لأعرابي في ابنين له:
توفى ابن لأعرابي فبكى عليه حينا، فلما همّ أن يسلو عنه توفى له ابن آخر، فقال في ذلك:
إن أفق من حزن هاج حزن ... ففؤادي ماله اليوم سكن
وكما تبلى وجوه في الثّرى ... فكذا يبلى عليهنّ الحزن «٢»
وقال في ذلك:
عيون قد بكينك موجعات ... أضرّ بها البكاء وما ينينا «٣»
إذا أنفدن دمعا بعد دمع ... يراجعن الشئون فيستقينا
أبو عبيد البجلي قال: وقفت أعرابية على قبر ابن لها يقال له عامر، فقالت:
أقمت أبكيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار لي وحشة ... قد ذلّ من ليس له ناصر
وقالت فيه:
هو الصبر والتسليم لله والرضا ... إذا نزلت بي خطة لا أشاؤها
стр. 950
إذا نحن أبنا سالمين بأنفس ... كرام رجعت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة إنها ... تئوب ويبقى ماؤها وحياؤها
ولا برّ إلا دون ما برّ عامر ... ولكنّ نفسا لا يدوم بقاؤها
هو ابني أمسى أجره لي وعزّني ... على نفسه رب إليه ولاؤها
فإن أحتسب أوجر وإن أبكه أكن ... كباكية لم يحي ميتا بكاؤها «١»
لهذيلية في رثاء إخوة وابن:
الشيباني قال: كانت امرأة من هذيل، وكان لها عشرة إخوة وعشرة أعمام؛ فهلكوا جميعا في الطاعون؛ وكانت بكرا لم تتزوج؛ فخطبها ابن عم له فتزوّجها. فلم تلبث أن اشتملت على غلام فولدته، فنبت نباتا كأنما يمدّ بناصيته وبلغ، فزوّجته وأخذت في جهازه، حتى إذا لم يبق إلا البناء «٢» أتاه أجله، فلم تشقّ لها جيبا، ولم تدمع لها عين؛ فلما فرغوا من جهازه دعيت لتوديعه، فأكبّت عليه ساعة، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه وقالت:
ألا تلك المسرّة لا تدوم ... ولا يبقى على الدهر النعيم
ولا يبقى على الحدثان غفر ... بشاهقة له أمّ رءوم «٣»
ثم أكبت عليه أخرى، فلم تقطع نحيبها حتى فاضت نفسها، فدفنا جميعا.
لشيبانية في حزنها على أهلها:
خليفة بن خيّاط قال: ما رأيت أشدّ كمدا من امرأة من بني شيبان، قتل ابنها وأبوها وزوجها وأمها وعمتها وخالتها مع الضحاك الحروريّ؛ فما رأيتها قطّ ضاحكة ولا متبسمة حتى فارقت الدنيا، وقالت ترثيهم:
من لقلب شفّه الحزن ... ولنفس مالها سكن
следующие страницы →