Полный текст (2 664 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
المنصور وشعر لمطيع حين مات ولده:
الشيباني قال: لما مات جعفر بن أبي جعفر المنصور، اشتدّ عليه حزنه. فلما فرغ من دفنه التفت إلى الربيع فقال: يا ربيع، كيف قال مطيع بن إياس في يحيى بن زياد؟
فأنشد:
يا هل دواء لقلبي القرح ... وللدّموع الذّوارف السّفح
راحوا بيحيى ولو تطاوعني ال ... أقدار لم تبتكر ولم يرح
يا خير من يحسن البكاء به ال ... يوم ومن كان أمس للمدح
قد ظفر الحزن بالسّرور وقد ... ألّم مكروهه من الفرح
وقالت أعرابية تندب ابنا لها:
أبنيّ غيّبك المحلّ الملحد ... إمّا بعدت فأين من لا يبعد
أنت الذي في كلّ ممسى ليلة ... تبلى وحزنك في الحشا يتجدّد
وقالت فيه:
لئن كنت لي لهوا لعين وقرّة ... لقد صرت سقما للقلوب الصّحائح
وهوّن حزني أنّ يومك مدركي ... وأني غدا من أهل تلك الضّرائح
وقال أبو الخطّار يرثي ابنه الخطار:
ألا خبراني بارك الله فيكما ... متى العهد بالخطار يا فتيان
فتى لا يرى نوم العشاء غنيمة ... ولا ينثني من صولة الحدثان
وقال جرير يرثي ولده سوادة:
قالوا نصيبك من أجر فقلت لهم ... كيف العزاء وقد فارقت أشبالي
ذاكم سوادة يجلو مقلتي لحم ... باز يصرصر فوق المرقب العالي «١»
فارقته حين غضّ الدهر من بصرى ... وحين صرت كعظم الرّمّة البالي «٢»
стр. 947
وقال أبو الشغب يرثي ابنه شغبا:
قد كان شغب لو انّ الله عمّره ... عزّا تزاد به في عزّها مضر
ليت الجبال تداعت قبل مصرعه ... دكّا فلم يبق من أحجارها حجر
فارقت شغبا وقد قوّست من كبر ... بئس الخليطان طول الحزن والكبر «١»
لابن عبد الأعلى في رثاء أيوب بن سليمان:
ولما توفى أيوب بن سليمان بن عبد الملك في حياة سليمان، وكان وليّ عهده وأكبر ولده؛ رثاه ابن عبد الأعلى وكان من خاصته، فقال فيه:
ولقد أقول لذي الشّماتة إذ رأى ... جزعي ومن يذق الحوادث يجزع
أبشر فقد قرع الحوادث مروتي ... وافرح بمروتك التي لم تقرع «٢»
إن عشت تفجع بالأحبّة كلّهم ... أو يفجعوا بك إن بهم لم تفجع
أيوب! من يشمت بموتك لم يطق ... عن نفسه دفعا وهل من مدفع؟
لأب في رثاء ابنه:
الأصمعي عن رجل من الأعراب قال: كنا عشرة إخوة، وكان لنا أخ يقال له حسن. فنعي إلى أبينا، فبقى سنتين يبكي عليه حتى كفّ بصره؛ وقال فيه:
أفلحت إن كان لم يمت حسن ... وكفّ عني البكاء والحزن
بل أكذب الله من نعى حسنا ... ليس لتكذيب قوله ثمن
أجول في الدار لا أراك وفي الدار أناس جوارهم غبن «٣»
بدّلتهم منك ليت أنهم ... كانوا وبيني وبينهم مدن
قد علموا عند ما أنافرهم ... ما في قتالي صدع ولا أبن
قد جرّبوني فما ألاومهم ... ما زال بيني وبينهم إحن «٤»
стр. 948
فقد برى الجسم مذ نعيت لنا ... كما برى فرع نبعة سفن «١»
فإن تعش فالمنى حياتك والخلد وأنت الحديث والوسن «٢»
إن تحى تحي بخير عيش وإن ... تمض فتلك السبيل والسّنن
بريدك الحمد والسلام معا ... فكلّ حيّ بالموت مرتهن
يا ويح نفسي إن كنت في جدث ... دونك فيه التراب والكفن
عليّ لله إن لقيتك من ... قبل الممات الصيام والبدن
أسوقها حافيا مجلّلة ... أدما هجانا قد كظّها السّمن «٣»
فلا نبالي إذا بقيت لنا ... من مات أو من أودى به الزمن
كنت جليلي وكنت خالصتي ... لكلّ حيّ من أهله سكن
لا خير لي في الحياة بعدك إن ... أصبحت تحت التراب يا حسن
وقال أعرابي يرثي ابنه:
ولما دعوت الصبر بعدك والأسى ... أجاب الأسى طوعا ولم يجب الصبر
فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر
وقال أعرابي يرثي ابنه:
بنيّ لئن ضنّت جفون بمائها ... لقد قرحت مني عليك جفون «٤»
دفنت بكفّي بعض نفسي فأصبحت ... وللنفيس منها دافن ودفين
لابن عبد ربه في طفل له:
وهذا نظير قولي في طفل أصبت به:
على مثلها من فجعة خانك الصبر ... فراق حبيب دون أوبته الحشر
ولي كبد مشطورة في يد الأسى ... فتحت الثّرى شطر وفوق الثرى شطر
يقولون لي صبّر فؤادك بعده ... فقلت لهم مالي فؤاد ولا صبر
стр. 949
فريخ من الحمر الحواصل ما اكتسى ... من الريش حتى ضمّه الموت والقبر
إذا قلت أسلو عنه هاجت بلابل ... يجدّدها فكر يجدده ذكر
وأنظر حولي لا أرى غير قبره ... كأنّ جميع الأرض عندي له قبر
أفرخ جنان الخلد طرت بمهجتي ... وليس سوى قعر الضريح لها وكر
وقالت أعرابية ترثي ولدها:
يا قرحة القلب والأحشاء والكبد ... يا ليت أمّك لم تحبل ولم تلد
لما رأيتك قد أدرجت في كفن ... مطيّبا للمنايا آخر الأبد
أيقنت بعدك أنّي غير باقية ... وكيف يبقى ذراع زال عن عضد «١»
لأعرابي في ابنين له:
توفى ابن لأعرابي فبكى عليه حينا، فلما همّ أن يسلو عنه توفى له ابن آخر، فقال في ذلك:
إن أفق من حزن هاج حزن ... ففؤادي ماله اليوم سكن
وكما تبلى وجوه في الثّرى ... فكذا يبلى عليهنّ الحزن «٢»
وقال في ذلك:
عيون قد بكينك موجعات ... أضرّ بها البكاء وما ينينا «٣»
إذا أنفدن دمعا بعد دمع ... يراجعن الشئون فيستقينا
أبو عبيد البجلي قال: وقفت أعرابية على قبر ابن لها يقال له عامر، فقالت:
أقمت أبكيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار لي وحشة ... قد ذلّ من ليس له ناصر
وقالت فيه:
هو الصبر والتسليم لله والرضا ... إذا نزلت بي خطة لا أشاؤها
стр. 950
إذا نحن أبنا سالمين بأنفس ... كرام رجعت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة إنها ... تئوب ويبقى ماؤها وحياؤها
ولا برّ إلا دون ما برّ عامر ... ولكنّ نفسا لا يدوم بقاؤها
هو ابني أمسى أجره لي وعزّني ... على نفسه رب إليه ولاؤها
فإن أحتسب أوجر وإن أبكه أكن ... كباكية لم يحي ميتا بكاؤها «١»
لهذيلية في رثاء إخوة وابن:
الشيباني قال: كانت امرأة من هذيل، وكان لها عشرة إخوة وعشرة أعمام؛ فهلكوا جميعا في الطاعون؛ وكانت بكرا لم تتزوج؛ فخطبها ابن عم له فتزوّجها. فلم تلبث أن اشتملت على غلام فولدته، فنبت نباتا كأنما يمدّ بناصيته وبلغ، فزوّجته وأخذت في جهازه، حتى إذا لم يبق إلا البناء «٢» أتاه أجله، فلم تشقّ لها جيبا، ولم تدمع لها عين؛ فلما فرغوا من جهازه دعيت لتوديعه، فأكبّت عليه ساعة، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه وقالت:
ألا تلك المسرّة لا تدوم ... ولا يبقى على الدهر النعيم
ولا يبقى على الحدثان غفر ... بشاهقة له أمّ رءوم «٣»
ثم أكبت عليه أخرى، فلم تقطع نحيبها حتى فاضت نفسها، فدفنا جميعا.
لشيبانية في حزنها على أهلها:
خليفة بن خيّاط قال: ما رأيت أشدّ كمدا من امرأة من بني شيبان، قتل ابنها وأبوها وزوجها وأمها وعمتها وخالتها مع الضحاك الحروريّ؛ فما رأيتها قطّ ضاحكة ولا متبسمة حتى فارقت الدنيا، وقالت ترثيهم:
من لقلب شفّه الحزن ... ولنفس مالها سكن
стр. 951
ظعن الأبرار فانقلبوا ... خيرهم من معشر ظعنوا «١»
معشر قضّوا نحوبهم ... كلّ ما قد قدّموا حسن
صبروا عند السّيوف فلم ... ينكلوا عنها ولا جبنوا
فتية باعوا نفوسهم ... لا، وربّ البيت ما غبنوا
فأصاب القوم ما طلبوا ... منّة ما بعدها منن
وقال عبد الله بن ثعلبة يرثي والدا له:
أأخضب رأسي أم أطيّب مفرقي ... ورأسك مرموس وأنت سليب
نسيبك من أمسى يناجيك طرفه ... وليس لمن تحت التراب نسيب
غريب وأطراف البيوت تكنّه ... ألا كلّ من تحت التراب غريب
قال العتبي محمد بن عبيد الله يرثي ابنا له:
أضحت بخدّي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم»
والصبر يحمد في المواطن كلّها ... إلا عليك فإنه مذموم
لأب في رثاء ابنه:
خرج أعرابيّ هاربا من الطاعون، فبينما هو سائر إذ لدغته أفعى فمات، فقال أبوه يرثيه:
طاف يبغى نجوة ... من هلاك فهلك
والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك
ليت شعري ضلّة ... أيّ شيء قتلك
كلّ شيء قاتل ... حين تلقى أجلك
стр. 952
لأبي العتاهية في رثاء الأمين:
لما قتل عبد الله المأمون أخاه محمد بن زبيدة، أرسلت أمه زبيدة ابنة جعفر إلى أبي العتاهية يقول أبياتا على لسانها للمأمون، فقال:
ألا إنّ ريب الدهر يدني ويبعد ... وللدهر أيام تذمّ وتحمد «١»
أقول لريب الدهر إن ذهبت يد ... فقد بقيت والحمد لله لي يد
إذا بقي المأمون لي فالرشيد لي ... ولي جعفر، لم يهلكا، ومحمد
وكتبت إليه من قوله:
لخير إمام قام من خير معشر ... وأكرم بسّام على عود منبر
كتبت وعيني تستهلّ دموعها ... إليك ابن يعلى من دموعي ومحجري «٢»
فجعنا بأدنى الناس منك قرابة ... ومن زلّ عن كبدي فقلّ تصبّري
أتى طاهر لا طهّر الله طاهرا ... وما طاهر في فعله بمطهّر
فأبرزني مكشوفة الوجه حاسرا ... وأنهب أموالي وخرّب أدوري
وعزّ على هارون ما قد لقيته ... وما نابني من ناقص الخلق أعور
فلما نظر المأمون إلى كتابها وجه إليها بحباء جزيل، وكتب إليها يسألها القدوم عليه، فلم تأته في ذلك الوقت وقبلت منه ما وجّه به إليها؛ فلما صارت إليه بعد ذلك قال لها: من قائل الأبيات؟ قالت: أبو العتاهية. قال: وكم أمرت له؟ قالت: عشرين ألف درهم. قال المأمون: وقد أمرنا له بمثل ذلك. واعتذر إليها من قتل أخيه محمد، وقال لها: لست صاحبه ولا قاتله. فقالت: يا أمير المؤمنين، إن لكما يوما تجتمعان فيه، وأرجو أن يغفر الله لكما إن شاء الله.
أبو شأس يرثي ابنه شأسا:
وربّيت شأسا لريب الزمان ... فلله تربيتي والنصب
فليتك يا شأس فيمن بقي ... وكنت مكانك فيمن ذهب!
стр. 953
من رثى إخوته
لمتمم بن نويرة:
الرياشيّ قال: صلى متمّم بن نويرة الصبح مع أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه، ثم أنشد:
نعم بالله إذا الرّياح تناوحت ... بين البيوت قتلت يابن الأزور
أدعوته بالله ثم قتلته ... لو هو دعاك بذمّة لم يغدر
لا يضمر الفحشاء تحت ردائه ... حلو شمائله عفيف المثزر
قال: ثم بكى حتى سالت عينه العوراء. قال أبو بكر: ما دعوته ولا قتلته. وقال متمم:
ومستضحك مني ادّعى كمصيبتي ... وليس أخو الشجو الحزين بضاحك
يقول أتبكي من قبور رأيتها ... لقبر بأطراف الّلوى فالدّكادك «١»
فقلت له إن الأسى يبعث الأسى ... فدعني فهذي كلّها قبر مالك «٢»
وقال متمم يرثي أخاه مالكا، وهي التي تسمّى أمّ المراثي:
لعمري وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع مما ألّم فأوجعا «٣»
لقد غيّب المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا «٤»
ولا برما تهدي النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا «٥»
تراه كنصل السيف يهتزّ للنّدى ... إذا لم تجد عند امريء السّوء مطعما
فعينيّ هلّا تبكيان لمالك ... إذا هزت الرّيح الكنيف المرفّعا
وأرملة تدعو بأشعث محثل ... كفرخ الحبارى ريشه قد تمزّعا «٦»
стр. 954
وما كان وقّافا إذا الخيل أحجمت ... ولا طالبا من خشية الموت مفزعا
ولا بكهام سيفه عن عدوّه ... إذا هو لاقى حاسرا أو مقنّعا «١»
أبى الصبر آيات أراها وإنني ... أرى كلّ حبل بعد حبلك أقطعا
وإني متى ما أدع باسمك لم تجب ... وكنت حريّا أن تجيب وتسمعا
تحيته مني وإن كان نائيا ... وأمسى ترابا فوقه الأرض بلقعا
فإن تكن الأيام فرّقن بننا ... فقد بان محمودا أخى حين ودّعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبّعا
وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
فلما تفرقنا كأنّي ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فما شارف حنّت حنينا ورجّعت ... أنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا «٢»
ولا وجد أظآر ثلاث روائم ... وأين مجرّا من حوار ومصرعا «٣»
بأوجد مني يوم قام بمالك ... مناد فصيح بالفراق فأسمعا
سقى الله أرضا حلّها قبر مالك ... ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا «٤»
قيل لعمرو بن بحر الجاحظ: إن الأصمعي كان يسمي هذا الشعر أم المراثي.
فقال: لم يسمع الأصمعي:
أيّ القلوب عليكم ليس ينصدع ... وأيّ نوم عليكم ليس يمتنع
وقال الأصمعي: لم يبتدىء أحد بمرثية بأحسن من ابتداء أوس بن حجر:
أيتها النفس أجملي جزعا ... إنّ الذي تحذرين قد وقعا
وبعدها قول زميل:
أجارتنا من يجتمع يتفرّق ... ومن يك رهنا للحوادث يغلق
стр. 955
رثاء أخت النضر له:
قال ابن إسحاق صاحب المغازي: لما نزل رسول الله ﷺ الصفراء- وقال ابن هشام الأثيل- أمر عليّ بن أبي طالب بضرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف صبرا بين يدي رسول الله ﷺ ؛ فقالت أخته قتيلة بنت الحارث ترثيه:
يا راكبا إنّ الاثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفّق
أبلغ بها ميتا بأنّ تحية ... ما إن تزال بها النجائب تخفق «١»
منّي إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق «٢»
هل يسمعنّي النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق
أمحمد يا خير ضنء كريمة ... من قومه والفحل فحل مغرق «٣»
ما كان ضرّك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقّهم إن كان عتقا يعتق
ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقّق «٤»
صبرا يقاد إلى المنيّة متعبا ... رسف المقيّد وهو عان موثق «٥»
قال ابن هشام: قال النبي ﷺ لما بلغه هذا الشعر: لو بلغني قبل قتله ما قتلته.
عمر بن الخطاب والخنساء في أخويها:
الأصمعي قال: نظر عمر بن الخطاب إلى خنساء وبها ندوب في وجهها، فقال: ما هذه الندوب يا خنساء؟ قالت: من طول البكاء على أخويّ! قال لها: أخواك في النار! قالت: ذلك أطول لحزني عليهما؛ إني كنت أشفق عليهما من القتل، وأنا اليوم أبكي لهما من النار، وأنشدت:
стр. 956
وقائلة والنعش قد فات خطوها ... لتدركه يا لهف نفسي على صخر
ألا ثكلت أمّ الذين غدوا به ... إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر
عائشة والخنساء في صدار كانت تلبسه:
دخلت خنساء على عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وعليها صدار من شعر قد استشعرته إلى جلدها؛ فقال لها: ما هذا يا خنساء؟ فو الله لقد توفي رسول الله ﷺ فما لبسته! قالت: إنّ له معنى دعاني إلى لباسه؛ وذلك أنّ أبي زوّجني سيدّ قومه، وكان رجلا متلافا، فأسرف في ماله حتى أنفده، ثم رجع في مالي فأنفده أيضا، ثم التفت إليّ فقال: إلى أين يا خنساء؟ قلت: إلى أخي صخر. قالت: فأتيناه فقسم ماله شطرين، ثم خيّرنا في أحسن الشطرين، فرجعنا من عنده، فلم يزل زوجي حتى أذهب جميعه، ثم التفت إليّ فقال لي: إلى أين يا خنساء؟ قلت: إلى أخي صخر! قالت: فرحلنا إليه، ثم قسم ماله شطرين وخيّرنا في أفضل الشطرين، فقالت له زوجته: أما ترضى أن تشاطرهم مالك حتى تخيّرهم بين الشطرين؟ فقال:
والله لا أمنحها شرارها ... فلو هلكت قدّدت خمارها
واتخذت من شعر صدارها ... وهي حصان قد كفتني عارها
فآليت ألّا يفارق الصدار جسدي ما بقيت.
الخنساء في أخويها:
قيل للخنساء: صفي لنا أخويك صخرا ومعاوية. فقالت: كان صخر والله جنة الزمان الأغبر، وذعاف الخميس الأحمر. وكان والله معاوية القائل والفاعل. قيل لها:
فأيهما كان أسنى وأفخر، قالت: أما صخر فحرّ الشتاء، وأما معاوية فبرد الهواء. قيل لها: فأيهما أوجع وأفجع. قالت: أما صخر فجمر الكبد، وأما معاوية فسقام الجسد! وأنشأت:
أسدان محمرّا المخالب نجدة ... بحران في الزّمن الغضوب الأنمر
стр. 957
قمران في النادي، رفيعا محتد ... في المجد فرعا سودد متخيّر «١»
وقالت الخنساء ترثي أخاها صخر بن الشريد:
أقذى بعينك أم بالعين عوّار ... أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدّار
كأنّ دمعي لذكراه إذا خطرت ... فيض يسيل على الخدّين مدرار
فالعين تبكي على صخر وحقّ لها ... ودونه من جديد الأرض أستار
بكاء والهة ضلّت أليفتها ... لها حنينان إصغار وإكبار «٢»
ترعى إذا نسيت حتى إذا ادّكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار «٣»
حامي الحقيقة، محمود الخليقة، مهديّ الطريقة، نفّاع وضرّار وقالت أيضا:
ألا ما لعيني، ألا مالها ... لقد أخضل الدّمع سربالها
أمن بعد صخر من ال الشريد حلّت به الأرض أثقالها
فآليت آسى على هالك ... وأسأل باكية مالها
وهمّت بنفسي كلّ الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها
سأحمل نفسي على خطة ... فإمّا عليها وإمّا لها
وقالت أيضا:
أعينيّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر النّدى؟
ألا تبكيان الجريء الجواد ... ألا تبكيان الفتى السّيّدا؟
طويل النّجاد رفيع العما ... د، ساد عشيرته أمردا
يحمّله القوم ما غالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
جموع الضّيوف إلى بابه ... يرى أفضل الكسب أن يحمدا
стр. 958
وقالت أيضا:
فما أدركت كفّ امرىء متناول ... من المجد إلّا والذي نلت أطول
وما بلغ المهدون للمدح غاية ... ولا جهدوا إلّا الذي فيك أفضل
وما الغيث في جعد الثرى دمث الربا ... تبعّق فيها الوابل المتهلّل «١»
فأفضل سيبا من يديك ونعمة ... تجود بها، بل سيب كفّيك أجزل
من القوم مغشيّ الرواق كأنه ... إذا سيم ضيما خادر متبسّل «٢»
شرنبث أطراف البنان ضبارم ... له في عرين الغيل عرس وأشبل «٣»
لأخت الوليد بن طريف في رثائه:
وقالت أخت الوليد بن طريف ترثي أخاها الوليد بن طريف:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يريد العزّ إلّا من التقى ... ولا المال إلّا من قنا وسيوف «٤»
ولا الذّخر إلا كلّ جرداء صلدم ... وكلّ رقيق الشّفرتين حليف «٥»
فقدناه فقدان الرّبيع فليتنا ... فديناه من ساداتنا بألوف
خفيف على ظهر الجواد إذا عدا ... وليس على أعدائه بخفيف
عليك سلام الله وقفا فإنني ... أرى الموت وقاعا بكلّ شريف
وقال آخر يرثي آخاه:
أخ طالما سرني ذكره ... فقد صرت أشجى إلى ذكره
وقد كنت أغدو إلى قصره ... فقد صرت أغدو إلى قبره
وكنت أراني غنيّا به ... عن الناس لو مدّ في عمره
وكنت إذا جئته زائرا ... فأمري يجوز على أمره
стр. 959
وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرا:
بكت عيني وعاودها قذاها ... بعوّار فما تقضى كراها «١»
على صخر وأيّ فتى كصخر ... إذا ما الغاب لم ترأم طلاها «٢»
حلفت بربّ صهب معملات ... إلى البيت المحرّم منتهاها
لئن جزعت بنو عمرو عليه ... لقد رزئت بنو عمرو فتاها
له كف يشدّ بها وكف ... تجود فما يجفّ ثرى نداها
ترى الشّمّ الغطارف من سليم ... وقد بلّت مدامعها لحاها
أحاميكم ومطعمكم تركتم ... لدى غبراء منهدم رجاها
فمن للضيف إن هبّت شمال ... مزعزعة تناوئها صباها
وألجأ بردها الأشوال حدبا ... إلى الحجرات بادية كلاها «٣»
هنالك لو نزلت بباب صخر ... قرى الأضياف شحما من ذراها
وخيل قد دلفت لها بخيل ... فدارت بين كبشيها رحاها «٤»
تكفكف فضل سابغة دلاص ... على خيفانة خفق حشاها «٥»
وقال كعب يرثي أخاه أبا المغوار:
تقول سليّمى: ما لجسمك شاحبا ... كأنك يحميك الطعام طبيب
فقلت: شجون من خطوب تتابعت ... عليّ كبار والزمان يريب
لعمري لئن كانت أصابت منيّة ... أخي، فالمنايا للرّجال شعوب «٦»
فإني لباكيه، وإني لصادق ... عليه، وبعض القائلين كذوب
أخي ما أخي! لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللّقاء هيوب
أخ كان يكفيني وكان يعينني ... على نائبات الدّهر حين تنوب
стр. 960
هو العسل الماذيّ لينا وشيمة ... وليث إذا لاقى الرجال قطوب»
هوت أمّه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يؤدّي الليل حين يؤوب «٢»
كعالية الرّمح الرّدينيّ لم يكن ... إذا ابتدر الخير الرجال يخيب
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت ثانيا ... لعلّ أبا المغوار منك قريب
يجبك كما قد كان يفعل إنه ... بأمثاله رحب الذّراع أريب
وحدّثتماني أنما الموت في القرى ... فكيف وهذي هضبة وكثيب
فلو كانت الموتى تباع اشتريته ... بما لم تكن عنه النفوس تطيب
بعينيّ أو يمنى يديّ وخلتني ... أنا الغانم الجذلان حين يؤوب
لقد أفسد الموت الحياة وقد أتى ... على يومه علق إليّ حبيب «٣»
أتى دون حلو العيش حتى أمرّه ... خطوب على آثارهنّ نكوب
فو الله لا أنساه ماذرّ شارق ... وما اهتزّ بي فرع الأراك قضيب
فإن تكن الأيام أحسنّ مرة ... إليّ لقد عادت لهنّ ذنوب
وقال امرؤ القيس يرثي إخوته:
ألا يا عين جودي لي شنينا ... وبكّي للملوك الذاهبينا
ملوك من بني صخر بن عمرو ... يقادون العشيّة يقتلونا
فلم تغسل رءوسهم بسدر ... ولكن في الدماء مزمّلينا
فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا
وقال الأبيرد بن المعذّر الرّياحي يرثي أخاه بريدا:
تطاول ليلى لم أنمه تقلّبا ... كأن فراشي حال من دونه الجمر
أراقب من ليل التمام نجومه ... لدن غاب قرن الشمس حتى بدا الفجر
تذكّر علق بان منّا بنصره ... ونائله يا حبّذا ذلك الذّكن
стр. 961
فإن تكن الأيام فرّقن بيننا ... فقد عذرتنا في صحابته العذر
وكنت أرى هجرا فراقك ساعة ... ألا لا بل الموت التفرق والهجر
أحقا عباد الله أن لست لاقيا ... بريدا طوال الدهر مالألأ العفر «١»
فتى ليس كالفتيان إلا خيارهم ... من القوم جزل لا ذليل ولا غمر «٢»
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى ... وإن كان فقر لم يؤد متنه الفقر «٣»
وسامي جسيمات الأمور فنالها ... على العسر حتى يدرك العسرة اليسر
ترى القوم في العزاء ينتظرونه ... إذا شتّ رأي القوم أو حزب الأمر «٤»
فليتك كنت الحيّ في الناس باقيا ... وكنت أنا الميت الذي ضمّه القبر
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... إذا السّنة الشهباء قلّ بها القطر «٥»
كأن لم يصاحبنا بريد بغبطة ... ولم تأتنا يوما بأخباره البشر
لعمري لنعم المرء عالي نعيّه ... لنا ابن عرين بعد ما جنح العصر
تمضّت به الأخبار حتى تغلغلت ... ولم تثنه الأطباع عنا ولا الجدر «٦»
فلما نعى الناعي بريدا تغوّلت ... بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر «٧»
عساكر تغشى النفس حتى كأنني ... أخو نشوة دارت بهامته الخمر
إلى الله أشكو في بريد مصيبتي ... وبثّي وأحزانا يجيش بها الصدر
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وما زال في عينيّ بعد غشاوة ... وسمعي عما كنت أسمعه وقر
على أنني أقني الحياء وأتّقي ... شماتة أقدام عيونهم خزر «٨»
فحّياك عني الليل والصبح إذ بدا ... وهوج من الأرواح غدوتها شهر
سقى جدثا لو أستطيع سقيته ... بأود فروّاه الرواعد والقطر «٩»
стр. 962
ولا زال يسقي من بلاد ثوى بها ... ثبات إذا صاب الربيع بها نضر
حلفت برب الرافعين أكفّهم ... وربّ الهدايا حيث حلّ بها النجر «١»
ومجتمع الحجاج حيث تواقفت ... رفاق من الآفاق تكبيرها جأر
يمين امريء آلى وليس بكاذب ... وما في يمين بتّها صادق وزر
لئن كان أمسى ابن المعذّر قد ثوى ... بريد لنعم المرء غيّبه القبر
هو المرء للمعروف والدين والنّدي ... ومسعر حرب لا كهام ولا غمر «٢»
أقام ونادى أهله فتحمّلوا ... وصرّمت الأسباب واختلف النّجر
فأيّ امريء غادرتم في بيوتكم ... إذا هي أمست لون آفاقها حمر
إذا الشول أمست وهي حدب ظهورها ... عجافا ولم يسمع لفحل لها هدر
كثير رماد القدر يغشى فناؤه ... إذا نودي الأيسار واحتضر الجزر
فتى كان يغلي اللحم نيئا ولحمه ... رخيص بكفّيه إذا تنزل القدر
يقسّمه حتى يشيع ولم يكن ... كآخر يضحي من غبيبته ذخر «٣»
فتى الحيّ والأضياف إن روّحتهم ... بليل وزاد السّفر إن أرمل السّفر «٤»
إذا أجهد القوم المطيّ وأدرجت ... من الضّمر حتى يبلغ الحقب الضّفر «٥»
وخفت بقايا زادهم وتواكلوا ... وأكسف بال القوم مجهولة قفر
رأيت له فضلا عليهم بقوّة ... وبالعقر لما كان زادهم العقر
إذا القوم أسروا ليلهم ثم أصبحوا ... غدا وهو ما فيه سقاط ولا فتر «٦»
وإن خشعت أبصارهم وتضاءلت ... من الأين جلّى مثل ما ينظر الصّقر
وإن جارة حلّت إليه وفى لها ... فباتت ولم يهتك لجارته ستر
عفيف عن السّوءات ما التبست به ... صليب فما يلفى بعود له كسر
سلكت سبيل العالمين فما لهم ... وراء الذي لاقيت معدى ولا قصر
стр. 963
وكلّ امرىء يوما ملاق حمامه ... وإن باتت الدّعوى وطال به العمر
وأبليت خيرا في الحياة وإنّما ... ثوابك عندي اليوم أن ينطق الشّعر
ليفدك مولى أو أخ ذو ذمامة ... قليل الغناء لا عطاء ولا نصر «١»
لشبل بن معبد البجلي:
أتى دون حلو العيش حتى أمرّه ... نكوب على آثارهنّ نكوب
تتابعن في الأحباب حتى أبدنهم ... فلم يبق منهم في الدّيار قريب
برتني صروف الدهر من كلّ جانب ... كما ينبري دون اللّحاء عسيب «٢»
فأصبحت إلا رحمة الله مفردا ... لدى الناس صبرا والفؤاد كئيب
إذا ذرّ قرن الشمس علّلت بالأسى ... ويأوي إليّ الحزن حين يؤوب
ونام خليّ البال عنّي ولم أنم ... كما لم ينم عاري الفناء غريب
تضرّ به الأيام حتى كأنّه ... بطول الذي أعقبن وهو رقوب
فقلت لأصحابي وقد قذفت بنا ... نوى غربة عمّن نحبّ شطوب «٣»
متى العهد بالأهل الذين تركتهم ... لهم في فؤادي بالعراق نصيب
فما ترك الطاعون من ذي قرابة ... إليه إذا حان الإياب نؤوب
فقد أصبحوا لا دارهم منك غربة ... بعيد، ولا هم في الحياة قريب
وكنت ترجّى أن تئوب إليهم ... فعالتهم من دون ذاك شعوب
مقادير لا يغفلن من حان يومه ... لهنّ على كلّ النّفوس رقيب
سقين بكأس الموت من حان حينه ... وفي الحيّ من أنفاسهنّ ذنوب «٤»
وإنا وإيّاهم كوارد منهل ... على حوضه بالباليات نهيب
إليه تناهينا ولو حال دونه ... مياه وراء كلّهن شروب
فهوّن عنّي بعض وجدي أنّني ... رأيت المنايا تغتدي وتؤوب
ولسنا بأحيا منهم غير أنّنا ... إلى أجل ندعى له فنجيب
стр. 964
وإني إذا ما شئت لاقيت أسوة ... تكاد لها نفس الحزين تطيب
فتى كان ذا أهل ومال فلم يزل ... به الدهر حتى صار وهو حريب «١»
وكيف عزاء المرء عن أهل بيته ... وليس له في الغابرين حبيب
متى يذكروا يفرح فؤادي لذكرهم ... وتسجم دموع بينهنّ نحيب
دموع مراها الشّجو حتى كأنها ... جداول تجري بينهنّ غروب «٢»
إذا ما أردت الصبر هاج لي البكا ... فؤاد إلى أهل القبور طروب
بكى شجوه ثم ارعوى بعد عوله ... كما واترت بين الحنين سلوب «٣»
دعاها الهوى من سبقها فهي واله ... وردّت إليّ الآن فهي تحوب «٤»
فوجدي بأهلي وجدها غير أنهم ... شباب يزينون النّدى ومشيب
من رثت زوجها
قال أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين ﵂ ترثي زوجها الزبير بن العوام، وكان قتله عمرو بن جرموز المجاشعي بوادي السّباع وهو منصرف من وقعة الجمل وتروي هذه الأبيات لزوجته عاتكة التي تزوجها بعد عمر بن الخطاب ﵁:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم الهياج وكان غير معرّد «٥»
يا عمرو لو نبّهته لوجدته ... لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
ثكلتك أمّك إن قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبة المتعمّد
لبانة زوجة الأمين ترثيه:
الهلالي قال: تزوّج محمد بن هارون الرشيد لبانة بنت عليّ بن ريطة، وكانت من أجمل النساء، فقتل محمد عنها ولم يبن بها، فقالت ترثيه:
стр. 965
أبكيك لا للنّعيم والأنس ... بل للمعالي والرّمح والفرس
يا فارسا بالعراء مطّرحا ... خانته قوّاده مع الحرس
أبكي على سيّد فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
أم من لبرّأم من لعائدة ... أم من لذكر الإله في الغلس «١»
من للحروب التي تكون لها ... إن أضرمت نارها بلا قبس
وقال أعرابية ترثي زوجها:
كنّا كغصنين في جرثومة بسقا ... حينا على خير ما ينمى به الشجر
حتى إذا قيل قد طالت فروعهما ... وطاب قنواهما واستنظر الثّمر «٢»
أخنى على واحد ريب الزّمان وما ... يبقي الزّمان على شيء ولا يذر «٣»
كنّا كأنجم ليل بينهما قمر ... يجلو الدّجى فهوى من بيننا القمر
الأصمعي وجارية على قبر زوجها:
الأصمعيّ قال: دخلت بعض مقابر الأعراب ومعي صاحب لي، فإذا جارية على قبر كأنها تمثال، وعليها من الحلي والحلل ما لم أر مثله، وهي تبكي بعين غزيرة وصوت شجي؛ فالتفت إلى صاحبي فقلت: هل رأيت أعجب من هذا؟ قال: لا والله ولا أحسبني أراه! ثم قلت لها: يا هذه إني أراك حزينة وما عليك زي الحزن. فأنشأت تقول:
فإن تسألاني فيم حزني فإنني ... رهينة هذا القبر يا فتيان
وإني لأستحييه والتّرب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني
أهابك إجلالا وإن كنت في الثرى ... مخافة يوم أن يسوءك شاني
ثم اندفعت في البكاء وجعلت تقول:
يا صاحب القبر يا من كان ينعم بي ... بالا ويكثر في الدّنيا مواساتي
стр. 966
قد زرت قبرك في حلي وفي حلل ... كأنني لست من أهل المصيبات
أردت آتيك فيما كنت أعرفه ... أن قد تسرّ به من بعض هيآتي
فمن رآني رأى عبرى مولّهة ... عجيبة الزّيّ تبكي بين أموات
وقال: رأيت بصحراء جارية قد ألصقت خدها بقبر وهي تبكي وتقول:
خدّي يقيك خشونة اللّحد ... وقليلة لك سيّدي خدّي
يا ساكن القبر الذي بوفاته ... عميت عليّ مسالك الرّشد
اسمع أبثّك علّتي ولعلّني ... أطفي بذلك حرقة الوجد
من رثى جاريته
كان لمعلى الطائي جارية يقال لها وصف، وكانت أديبة شاعرة، فأخبرني محمد بن وضّاح، قال: أدركت معلّى الطائي بمصر وأعطي بجاريته وصف أربعة آلاف دينار، فباعها؛ فلما دخل عليها قالت له: بعتني يا معلّى! قال: نعم. قالت: والله لو ملكت منك مثل ما تملك مني ما بعتك بالدنيا وما فيها! فردّ الدنانير واستقال صاحبه، فأصيب بها إلى ثمانية أيام؛ فقال يرثيها:
يا موت كيف سلبتني وصفا ... قدّمتها وتركتني خلفا
هلّا ذهبت بنا معا فلقد ... ظفرت يداك فسمتني خسفا
وأخذت شقّ النفس من بدني ... فقبرته وتركت لي النّصفا
فعليك بالباقي بلا أجل ... فالموت بعد وفاتها أعفى
يا موت ما أبقيت لي أحدا ... لمّا رفعت إلي البلى وصفا
هلّا رحمت شباب غانية ... ريّا العظام وشعرها الوحفا «١»
ورحمت عيني ظبية جعلت ... بين الرّياض تناظر الخشفا «٢»
تغفي إذا انتصبت فرائصه ... وتظل ترعاه إذا أغفى»
стр. 967
فإذا مشى اختلفت قوائمه ... وقت الرضاع فينطوي ضعفّا
متحيرا في المشي مرتعشا ... يخطو فيضرب ظلفه الظّلفا
فكأنها وصف إذا جعلت ... نحوي تحير محاجرا وطفا «١»
يا موت أنت كذا لكلّ أخي ... إلف يصون ببرّه الإلفا
خلّيتني فردا وبنت بها ... ما كنت قبلك حاملا وكفا «٢»
فتركتها بالرغم في جدث ... للرّيح تنسف تربه نسفا
دون المقطّم لا ألبّسها ... من زينة قرطا ولا شنفا «٣»
أسكنتها في قعر مظلمة ... بيتا يصافح تربه السّقفا
بيتا إذا ما زاره أحد ... عصفت به أيدي البلى عصفا
لا نلتقي أبدا معاينة ... حتى نقوم لربّنا صفّا
لبست ثياب الحتف جارية ... قد كنت ألبس دونها الحتفا
فكأنها والنفس زاهقة ... غصن من الرّيحان قد جفّا
يا قبر أبق على محاسنها ... فلقد حويت البر والظّرفا
مروان بن محمد وجارية له خلفها بالرملة:
لما هزم مروان بن محمد وخرج نحو مصر، كتب إلى جارية له خلفها بالرملة:
وما زال يدعوني إلى الصدّ ما أرى ... فآبي ويثنيني الذي لك في صدري
وكان عزيزا أن تبيني وبيننا ... حجاب فقد أمسيت منك على عشر
وأنكاهما للقلب والله فاعلمي ... إذا ازددت مثليها فصرت على شهر
وأعظم من هذين والله أنني ... أخاف بألّا نلتقي آخر الدهر
سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة ... ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر
стр. 968
لأبي نواس يرثي جارية:
وجدوا على قبر جارية إلى جنب قبر أبي نواس أبياتا، ذكروا أن أبا نواس قالها، وهي:
أقول لقبر زرته متلثّما ... سقى الله برد العفو صاحبة القبر
لقد غيّبوا تحت الثرى قمر الدجى ... وشمس الضّحى بين الصّفائح والقفر
عجبت لعين بعدها ملّت البكا ... وقلب عليها يرتجي راحة الصبر
وقال حبيب الطائي يرثي جارية أصيب بها:
جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب ... وخطب الرّدى والموت أبرحت من خطب
لقد شرقت في الشرق بالموت غادة ... تبدّلت منها غربة الدار في القرب
وألبسني ثوبا من الحزن والأسى ... هلال عليه نسج ثوب من التّرب
وكنت أرجّي القرب وهي بعيدة ... فقد نقلت بعدي عن البعد والقرب
أقول وقد قالوا استراحت لموتها ... من الكرب روح الموت شرّ من الكرب
لها منزل تحت الثّرى وعهدتها ... لها منزل بين الجوانح والقلب «١»
وقال يرثيها:
ألم ترني خلّيت نفسي وشانها ... ولم أحفل الدنيا ولا حدثانها
لقد خوّفتني النائبات صروفها ... ولو أمّنتني ما قبلت أمانها
وكيف على نار الليالي معرّس ... إذا كان شيب العارضين دخانها
أصبت بخود سوف أغبر بعدها ... حليف أسى أبكي زمانا زمانها «٢»
عنان من الّلذات قد كان في يدي ... فلما قضى الالف استردّت عنانها
منحت المها هجري فلا محسناتها ... أريد ولا يهوى فؤادي حسانها
يقولون هل يبكي الفتى لخريدة ... إذا ما أراد اعتاض عشرا مكانها «٣»
стр. 969
وهل يستعيض المرء من خمس كفّه ... ولو صاغ من حرّ اللّجين بنانها «١»
وقال أعرابي يرثي امرأته:
فو الله ما أدري إذا الليل جنّني ... وذكرنيها أيّنا هو أوجع
أمنفصل عنه ثرى أم كريمة ... أم العاشق النابي به كلّ مضجع
وقال محمود الورّاق يرثي جاريته نشو:
ومنتصح يردّد ذكر نشو ... على عمد ليبعث لي اكتئابا
أقول- وعدّ- ما كانت تساوي ... سيحسب ذاك من خلق الحسابا
عطيّته إذا أعطى سرور ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا
فأيّ النّعمتين أعم نفعا ... وأحسن في عواقبها إيابا
أنعمته التي أهدت سرورا ... أم الأخرى التي أهدت ثوابا
بل الأخرى وإن نزلت بحزن ... أحقّ بشكر من صبر احتسابا
محب وجارية له ماتت:
أبو جعفر البغدادي قال: كان لنا جار، وكانت له جارية جميلة، وكان شديد المحبة لها؛ فماتت، فوجد عليها وجدا شديدا، فبينما هو ذات ليلة نائم، إذ أتته الجارية في نومه فأنشدته هذه الأبيات:
جاءت تزور وسادي بعد ما دفنت ... في النوم ألثم خدا زانه الجيد
فقلت قرّة عيني قد نعيت لنا ... فكيف ذا وطريق القبر مسدود
قالت هناك عظامي فيه ملحدة ... تنهش منها هوام الأرض والدود «٢»
وهذه النفس قد جاءتك زائرة ... فاقبل زيارّة من في القبر ملحود
فانتبه وقد حفظها، وكان يحدّث الناس بذلك وينشدهم. فما بقي بعدها إلا أياما يسيرة حتى لحق بها.
стр. 970
من رثى ابنة
قال البحتري في ابنة لأحد بني حميد:
ظلم الدهر فيكم وأساء ... فعزاء بني حميد عزاء
أنفس ما تّزال تفقد فقدا ... وصدور ما تبرح البرحاء
أصبح السيف داءكم وهو الدا ... ء الذي ما يزال يعني الدواء
وانتحى القتل فيكم فبكينا ... بدماء الدموع تلك الدّماء
يا أبا القاسم المقسّم في النّج ... دة والجود والنّدي أجزاء
والهزبر الذي دارت الحر ... ب به صرّف الرّدى كيف شاء «١»
الأسى واجب على الحرّ إما ... نية حرّة وإما رياء
وسفاه أن يجزع الحرّ مما ... كان حتما على العباد قضاء
أنبكّي من لا ينازل بالسي ... ف مشيحا ولا يهزّ اللّواء «٢»
والفتى من رأى القبور لمن طا ... ف به من بناته الأكفاء
ليس من زينة الحياة كعدّ ... الله منها الأموال والابناء
قد ولدن الأعداء قدما وورّث ... ن التّلاد الأقاصي البعداء
لم يئدتر بهنّ قيس تميم ... علّة بل حمّية وإباء
وتغشّي مهلهل الذلّ في ... هنّ وقد أعطي الأديم حباء
وشقيق بن فاتك حذر العا ... ر عليهنّ فارق الدّهناء
وعلى غيرهنّ أحزن يعقو ... ب وقد جاءه بنوه عشاء
وشعيب من أجلهنّ رأى الوح ... دة ضعفا فاستأجر الأنبياء
وتلفّت إلى القبائل فانظر ... أمّهات ينسبن أم آباء
واستزلّ الشيطان آدم في الج ... نّة لمّا أغرى به حوّاء
ولعمري ما العجز عندي إلا ... أن تبيت الرجال تبكي النساء
стр. 971
مراثي الأشراف
لحسان يرثي الرسول ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان:
قال حسّان بن ثابت يرثي رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر، رضوان الله عليهم:
ثلاثة برزوا بسبقهم ... نضّرهم ربّهم إذا نشروا
عاشوا بلا فرقة حياتهم ... واجتمعوا في الممات إذ قبروا
فليس من مسلم له بصر ... ينكرهم فضلهم إذا ذكروا
وقال حسان يرثي أبا بكر ﵁:
إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البريّة أتقاها وأعدلها ... بعد النبيّ وأوفاها بما حملا
الثاني اثنين والمحمود مشهده ... وأوّل الناس طراّ صدّق الرّسلا
وكان حبّ رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا
وقال يرثي عمر بن الخطاب ﵁:
عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزّق
فمن يجر أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... نوافج في أكمامها لم تفتّق
وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفّي سبنتي أزرق العين مطرق «١»
وقال يرثي عثمان بن عفان ﵁:
من سرّه الموت صرفا لا مزاج له ... فليأت ما سرّه في دار عثمانا
إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا ... ما دمت حيّا وما سمّيت حسّانا
يا ليّت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان شأن عليّ وابن عفّانا
لتسمعن وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
ضحوا بأشمط عنوان السّجود به ... يقطّع الليل نسبيحا وقرآنا «٢»
стр. 972
وقال الفرزدق في قتل عثمان رضي الله تعالي عنه:
إنّ الخلافة لمّا أظعنت ظعنت ... من أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا «١»
صارت إلى أهلها منهم ووارثها ... لمّا رأى الله في عثمان ما انتهكوا
السافكي دمه ظلما ومعصية ... أيّ دم لا هدوا من غيّهم سفكوا
وقال السيد الحميري يرثي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ويذكر يوم صفّين:
إني أدين بما دان الوصي به ... وشاركت كفه كفّي بصفّينا
في سفك ما سفكت منها إذا احتضروا ... وأبرز الله للقسط الموازينا
تلك الدّماء معا يا ربّ في عنقي ... ثم اسقني مثلها آمين آمينا
آمين من مثلهم في مثل حالهم ... في فتية هاجروا لله سارينا
ليسوا يريدون غير الله ربّهم ... نعم المراد توخّاه المريدونا
أنشد الرياشي لرجل من أهل الشام يرثي عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه:
قد غيّب الدّافنون اللحد إذ دفنوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين «٢»
ولم يكن همّه عينا يفجّرها ... ولا النخيل ولا ركض البراذين «٣»
أقول لمّا أتاني نعي مهلكه ... لا تبعدنّ قوام الملك والدّين
وقال الفرزدق يرثي عبد العزيز بن مروان:
ظلّوا على قبره يستغفرون له ... وقد يقولون تارات لنا العبر «٤»
يقبّلون ترابا فوق أعظمه ... كما يقبل في المحجوجة الحجر «٥»
لله أرض أجنّته ضريحتها ... وكيف يدفن في الملحودة القمر «٦»
إنّ المنابر لا تعتاض عن ملك ... إليه يشخص فوق المنبر البصر
стр. 973
وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز:
ينعي النّعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا
حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وسرت فيه بحكم الله يا عمرا
فالشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
قال جرير يرثي الوليد بن عبد الملك:
إنّ الخليفة قد وارت شمائله ... غبراء ملحودة في جولها زور «١»
أمسى بنوه وقد جلّت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر
كانوا جميعا فلم يدفع منيته ... عبد العزيز ولا روح ولا عمر
وقال غيره يرثي قيس بن عاصم المنقريّ:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما
تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما «٢»
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما
وقال أبو عطاء السندي يرثي يزيد بن عمر بن هبيرة لما قتل بواسط:
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
عشيّة راح الدّافنون وشقّقت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود «٣»
فإن تك مهجور الفناء فربّما ... أقام به بعد الوفود وفود
وإنك لم تبعد على متعهّد ... بلى إنّ من تحت التراب بعيد
وقال منصور النمري يرثي يزيد بن مزيد:
متى يبرد الحزن الذي في فؤادنا ... أبا خالد من بعد أن لا تلاقيا
أبا خالد ما كان أدهى مصيبة ... أصابت معدا يوم أصبحت ثاويا
لعمري لئن سرّ الأعادي وأظهروا ... شماتا لقد سرّوا بربعك خاليا
стр. 974
وأوتار أقوام لديك لويتها ... وزرت بها الأجداث وهي كما هيا
تعزّي أمير المؤمنين ورهطه ... بسيف لهم ما كان في الحرب نابيا
على مثل ما لاقي يزيد بن مزيد ... عليه المنايا فالق إن كنت لافيا
وإن تك أفنته الليالي وأوشكت ... فإنّ له ذكرا سيفني اللياليا
وقال:
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك مني ما تجنّ الجوانح «١»
كأن لم يمت حيّ سواك ولم تقم ... على أحد إلّا عليك النّوائح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح
فما أنا من رزء وإن جلّ جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح «٢»
وقال زياد الأعجم يرثي المغيرة بن المهلّب:
إنّ الشجاعة والسّماحة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكلّ طرف سابح «٣»
وانضح جوانب قبره بدمائها ... ولقد يكون أخا دم وذبائح
والآن لمّا كنت أكمل من مشى ... وافترّ نابك عن شباة القارح
وتكاملت فيك المروءة كلّها ... وأعنت ذلك بالفعال الصالح
للمهلبي من مرثيته للمتوكل:
لا حزن إلا أراه دون ما أجد ... وهل كمن فقدت عيناي مفتقد
لا يبعدن هالك كانت منيته ... كما هوى من عطاء الزّبية الأسد «٤»
لا يدفع الناس ضيما بعد ليلتهم ... إذ لا تمدّ على الجاني عليك يد
لو أنّ سيفي وعقلي حاضران له ... أبليته الجهد إذ لم يبله أحد
стр. 975
هلا أتته أعاديه مجاهرة ... والحرب تسعر والأبطال تجتلد
فخرّ فوق سرير الملك منجدلا ... لم يحمه ملكه لمّا انقضى الأمد
قد كان أنصاره يحمون حوزته ... وللرّدى دون أرصاد الفتي رصد
وأصبح الناس فوضى يعجبون له ... ليثا صريعا تنزّى «١» حوله النقد «٢»
علتك أسياف من لا دونه أحد ... وليس فوقك إلّا الواحد الضّمد
جاءوا لدنيا عظيم يسعدون بها ... فقد شقوا بالذي جاؤا وما سعدوا
ضجت نساؤك بعد العز حين رأت ... خداّ كريما عليه قارت جسد «٣»
أضحى شهيد بني العباس موعظة ... لكلّ ذي عزّة في رأسه صيد «٤»
خليفة لم ينل ما ناله أحد ... ولم يصغ مثله روح ولا جسد
كم في أديمك من فوهاء هادرة ... من الجوائف يغلي فوقها الزّبد «٥»
إذا بكيت فإنّ الدمع منهمل ... وإن ونيت فإنّ القول مطّرد
قد كنت أسرف في مالي ويخلف لي ... فعلّمتني الليالي كيف أقتصد
لما اعتقدتم أناسا لا حلوم لهم ... ضعتم وضيّعتم من كان يعتقد
فلو جعلتم على الأحرار نعمتكم ... حمتكم السادة المركوزة الحشد
قوم هم الجذم والأنساب تجمعكم ... والمجد والدين والأرحام والبلد
قد وتّر الناس طراّ ثم قد صمتوا ... كأنما كان ما يتلونه رشد
إذا قريش أرادوا شدّ ملكهم ... بغير قحطان لم يبرح به أود
من الألى وهبوا للمجد أنفسهم ... فما ينالون ما نالوا إذا حمدوا
وقال آخر:
وفتى كأنّ جبينه بدر الدّجا ... قامت عليه نوادب وروامس
стр. 976
غرس الفسيل مؤمّلا لبقاية ... فنما الفسيل ومات عنه الغارس
وقال الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد «١»
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد
جرت الرياح على محلّ ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظلّ ملك ثابت الأوتاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد
وقال عبيد بن الأبرص:
يا حار ما راح من قوم ولا ابتكروا ... إلا وللموت في آثارهم حادي
يا حار ما طلعت شمس ولا غربت ... إلا تقرّب آجالا لميعاد
هل نحن إلا كأرواح يمرّ بها ... تحت التراب وأجساد كأجساد
للحجاج في ابن خارجة:
لما مات أسماء بن خارجة الفزّاري قال الحجاج: ذلك رجل عاش ما شاء، ومات حين شاء.
وقال فيه الشاعر:
إذا مات ابن خارجة بن زيد ... فلا مطرت على الأرض السماء
ولا جاء البريد بغنم جيش ... ولا حملت على الطّهر النساء
فيوم منك خير من رجال ... كثير عندهم نعم وشاء
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
أمسعود هل غاداك يوم بفرحة ... وأمسيت لم تعرض لها التّرحات
стр. 977
وهل نحن إلا أنفس مستعارة ... تمرّ بها الرّوحات والغدوات
بكيت وأعطتك البكاء مصيبة ... مضت وهي فرد ما لها أخوات
كأنك فيها لم تكن تعرف العزا ... ولم تتعمد غيرك النّكبات
سقى الضاحك الوسميّ أعظم حفرة ... طواها الردي في اللّحد وهي رفات
أرى بهجة الدنيا رجيع دوائر ... لهنّ اجتماع مرة وشتات»
طوى أيدي المعروف مصرع مالك ... فهنّ عن الآمال منقبضات
وقال أيضا:
أما القبور فإنهن أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور
عمّت فواضله وعمّ مصابه ... فالناس فيه كلهم مأجور
ردّت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور
وقال أشجع بن عمرو السّلمي يرثي منصور بن زياد:
يا حفرة الملك المؤمّل رفده ... ما في ثراك من النّدى والخير؟
لا زلت في ظلين ظلّ سحابة ... وطفاء دانية وظلّ حبور «٢»
وسقى الوليّ على العهاد عراص ما ... والاك من قبر ومن مقور «٣»
يا يوم منصور أبحت حمى النّدى ... وفجعته بوليّه المذكور
يا يومه ماذا صنعت بمرمل ... يرجو الغنى ومكبّل مأسور
يا يومه لو كنت جئت بنصحه ... فجمعت بين الحيّ والمقبور!
لله أوصال تقسّمها البلى ... في الّلحد بين صفائح وصخور
عجبا لخمسة أذرع في خمسة ... غطّت على جبل أشمّ كبير
من كان يملأ عرض كلّ تنوفة ... واراه جولا ملحد محفور «٤»
ذلّت بمصرعه المكارم والنّدى ... وذباب كلّ مهنّد مأثور
أفلت نجوم بني زياد بعد ما ... طلعت بنور أهلّة وبدور
стр. 978
لولا بقاء محمد لتصدّعت ... أكبادنا أسفا على منصور
أبقى مكارم لا تبيد صفاتها ... ومضى لوقت حمامه المقدور
أصبحت مهجورا بحفرتك التي ... بدّلتها من قصرك المعمور
بليت عظامك والصفاح جديدة ... ليس البلى لفعالك المشهور
إن كنت ساكن حفرة فلقد ترى ... سكنا لعودي منبر وسرير
وقال يرثي محمد بن منصور:
أنعي فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجود
أنعي فتى مصّ الثرى بعده ... بقية الماء من العود
فانثلم المجد به ثلمة ... جانبها ليس بمسدود
أنعي ابن منصور إلى سيّد ... وأيّد ليس برعديد «١»
وأشعث يسعى على صبية ... مثل فراخ الطير مجهود
وطارق أعيا عليه القرى ... ومسلم في القيد مصفود
اليوم تخشى عثرات النّدى ... وعدوة البخل على الجود
أورده حوضا عظيم الشأى ... في المجد يوم غير محمود
كلّ امرىء يجري إلى مدّة ... وأجل قد خطّ معدود
سينطق الشعر بأيامه ... على لسان غير معقود
فكلّ مفقود إلى جنبه ... وإن تعالى غير مفقود
يا وافدي قومهما إنّ من ... طلبتما تحت الجلاميد
طلبتما الجود وقد ضمّه ... محمد في بطن ملحود
فاتكما الموت بمعروفه ... وليس ما فات بمردود
يا عضدا للمجد مفتوقة ... وساعدا ليس بمعضود
أوهن زنديها وأكباهما ... قرع المنايا في العناديد «٢»
стр. 979
وهدّت الركن الذي كان بال ... أمس عمادا غير مهدود
وقال حبيب الطائي يرثي خالد بن يزيد بن مزيد:
أشيبان لا ذاك الهلال بطالع ... علينا، ولا ذاك الغمام بعائد
أشيبان عمّت نارها من رزيئة ... فما تشتكي وجدا إلى غير واجد
فما جانب الدنيا بسهل ولا الضّحى ... بطلق ولا ماء الحياة ببارد
فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة ... ووحدة من فيها بمصرع واحد
وأنشد أبو محمد التّيميّ في يزيد بن مزيد:
أحقا أنه أودى يزيد ... فبيّن أيها الناعي المشيد «١»
أتدري من نعيت وكيف فاهت ... به شفتاك وارك الصعيد «٢»
أحامي الملك والإسلام أودى ... فما للأرض ويحك لا تميد
تأمّل هل ترى الإسلام مالت ... دعائمه وهل شاب الوليد
وهل شيمت سيوف بني نزار ... وهل وضعت عن الخيل اللّبود «٣»
وهل تسقي البلاد عشار مزن ... بدرتها وهل يخضرّ عود
أما هدّت لمصرعه نزار ... بلى، وتقوّض المجد المشيد
وحلّ ضريحه إذ حلّ فيه ... طريف المجد والمجد التليد
وهدّ العزّ والإسلام لمّا ... ثوى وخليفة الله الرشيد
لقد أوفى ربيعة كلّ نحس ... لمهلكه وغيّبت السّعود
وأنصلت الأسنّة من قناها ... وأشرعت الرّماح لمن يكيد
نعيّ يزيد إن لم يبق بأس ... غداة مضى وإن لم يبق جود
نعيّ أبي الزّبير لكلّ يوم ... عبوس الوجه زينته الحديد
أأودى عصمة البادي يزيد ... وسيف الله والغيث الحميد «٤»
فمن يحمي حمى الإسلام أم من ... يذبّ عن المكاره أو يذود
стр. 980
ومن يدعو الأنام لكلّ خطب ... يخاف وكلّ معضلة تؤود «١»
ومن تجلى به الغمرات أم من ... يقوم بها إذا اعوجّ العتود
ومن يحمي الخميس إذا تعايا ... بحيلة نفسه البطل النّجيد «٢»
وأين يؤمّ منتجع ولاج ... وأين تحطّ أرحلها الوفود
لقد رزئت نزار يوم أودى ... عميدا ما يقاس به عميد
فلو قبل الفداء فداه منّا ... بمهجته المسوّد والمسود
أبعد يزيد تختزن البواكي ... دموعا أو تصان لها خدود
أما بالله لا تنفكّ عيني ... عليه بدمعها أبدا تجود
وإن تجمد دموع لئيم قوم ... فليس لدمع ذي حسب جمود
وإن يك غاله حسب فأودى ... لقد أودى وليس له نديد
وإن يعثر به دهر لما قد ... يفادي من مخافته الأسود
وإن يهلك يزيد فكلّ حيّ ... فريس للمنيّة أو طريد
فإن يك عن خلود قد دعته ... مآثره فكان لها الخلود
فما أودى امرؤ أودى وأبقى ... لوارثه مكارم لا تبيد
ألم تعلم أخي أنّ المنايا ... غدرن به وهنّ له جنود
قصدن له وكنّ يحدن عنه ... إذا ما الحرب شبّ لها الوقود
فهلا يوم يقدمها يزيد ... إلى الأبطال والخيلان حيد
ولو لاقى الحتوف على سواء ... للاقاها به حتف عنيد
أضرّاب الفوارس كلّ يوم ... ترى فيه الحتوف لها وعيد
فمن يرضي القواطع والعوالي ... إذا ما هزها فرع شديد
لتبكك قبة الإسلام لمّا ... وهت أطنابها ووهى العمود
ليبكك مرهق يتلوه خيل ... إبالة وهو مجدول وحيد «٣»
стр. 981
ويبكك خامل ناداك لمّا ... تواكله الأقارب والبعيد
ويبكك شاعر لم يبق دهر ... له نشأ وقد كسد القصيد
تركت المشرفية والعوالي ... محلّاة وقد حان الورود «١»
وغادرت الجياد بكلّ لغز ... عواطل بعد زينتها ترود «٢»
فإن تصبح مسلّمة فمّما ... تفيد بها الجزيل وتستفيد
ألم تك تكشف الغمرات عنها ... عوابس والوجوه البيض سود
أصيب المجد والإسلام لما ... أصابك بالردى سهم شديد
لقد عزّى ربيعة أنّ يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
ومثلك من قصدن له المنايا ... بأسهمها وهنّ له جنود
فيا للدهر ما صنعت يداه ... كأنّ الدهر منها مستفيد
سقى جدثا أقام به يزيد ... من الوسميّ بسّام رعود
فإن أجزع لمهلكه فاني ... على النّكبات إذ أودى جليد
ليذهب من أراد فلست آسى ... على من مات بعدك يا يزيد
وقال مروان بن أبي حفصة يرثي معن بن زائدة:
زار ابن زائدة المقابر بعد ما ... ألقت إليه عرى الأمور نزار
إن القبائل من نزار أصبحت ... وقلوبها أسفا عليه حرار
ودّت ربيعة أنها قسمت له ... منها فعاش بشطرها الأعمار
فلأبكينّ فتى ربيعة ما دجا ... ليل بظلمته ولاح نهار
لا زال قبر أبي الوليد تجوده ... بعهادها وبوبلها الأمطار
قبر يضم مع الشجاعة والنّدى ... حلما يخالطه تقى ووقار
إن الرزيّة من ربيعة هالك ... ترك العيون دموعهنّ غزار
رحب السّرادق والضّياء جبينه ... كالبدر شقّ ضياءه الإسفار
стр. 982
لهفا عليك إذا الطّعان بمارق ... ترك القنا وطوالهنّ قصار «١»
خلّى الأعنّة يوم مات مشيّع ... بطل اللقاء مجرّب مغوار «٢»
يمسي ويصبح معلما تذكى به ... نار بمعترك وتخمد نار
مهما يمرّ فليس يرجو نقضه ... أحد وليس لنقضه إمرار «٣»
لو كان خلفك أو أمامك هائبا ... أحدا سواك لهابك المقدار
وقال يرثيه:
بكى الشام معنا يوم خلّى مكانه ... فكادت له أرض العراقين ترجف
ثوى القائد الميمون والذّائد الذي ... به كان يرمى الجانب المتخوّف
أتى الموت معنا وهو للعرض صائن ... وللمجد مبتاع وللمال متلف
وما مات حتى قلّدته أمورها ... ربيعة والحيّان قيس وخندف
وحتى فشا في كلّ شرق ومغرب ... أياد له بالضّرّ والنفع تعرف
وكم من يد عندي لمعن كريمة ... سأشكرها ما دامت العين تطرف
بكته الجياد الأعوجيّة إذ ثوى ... وحنّ مع النّبع الوشيج المثقّف «٤»
وقد غنيت ريح الصّبا في حياته ... قبولا فأمست وهي نكباء حرجف «٥»
وقال أبو الشيص يرثي هارون الرشيد ويمدح ابنه محمد بن زبيدة الأمين:
جرت جوار بالسعد والنحس ... فنحن في وحشة وفي أنس
العين تبكي والسّنّ ضاحكة ... فنحن في مأتم وفي عرس
يضحكنا القائم الأمين ويبكينا وفاة الإمام بالأمس بدران بدر أضحى ببغداد في الخلد وبدر بطوس في الرّمس «٦» وأنشد العتبي:
стр. 983
والمرء يجمع ماله مستهترا ... فرحا وليس بآكل ما يجمع
وليأتينّ عليك يوما مرة ... يبكي عليك مقنّعا لا تسمع
وقال حارثة بن بدر الغداني يرثي زياد بن ظبيان:
صلى الإله على قبر وطهّره ... عند الثّويّة يسفي فوقه المور «١»
زفّت إليه قريش نعش سيدها ... فثمّ كلّ التّقى والبرّ مقبور
أبا المغيرة والدّنيا مغيّرة ... وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للتنكير تنكير
لو خلّد الخير والإسلام ذا قدم ... إذا لخلّدك الإسلام والخير
قد كنت تخشى وتعطي المال من سعة ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجور
وقال نهار بن توسعة يرثي المهلّب:
ألا ذهب الغزو المقرّب للغنى ... ومات الندى والحزم بعد المهلّب
أقام بمرو الرّوذ رهن ضريحه ... وقد غيّبا عن كلّ شرق ومغرب
وقال المهلهل بن ربيعة: يرثي أخاه كليب بن وائل؛ وكان كليب إذا جلس لم يرفع أحد بحضرته صوته:
ذهب الخيار من المعاشر كلهم ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتناولوا من كل أمر عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا
وقال عبد الصمد بن المعذل يرثي سعيد بن سلم:
كم يتيم جبرته بعد يتم ... وعديم نعشته بعد عدم
كلّ ما عضّ بالحوادث نادى ... رضي الله عن سعيد بن سلم
وقال ابن أخت تأبط شراّ يرثي خاله تأبط شراّ الفهميّ؛ وكانت هذيل قتلته:
إنّ بالشّعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطلّ «٢»
стр. 984
قذف العبء عليّ وولّى ... أنا بالعبء له مستقلّ «١»
ووراء الثأر مني ابن أخت ... مصع عقدته ما تحلّ «٢»
مطرق يرشح موتا كما أطرق أفعى ينفث السّمّ صلّ «٣»
خبر ما نابنا مصمئلّ ... جلّ حتى دقّ فيه الأجلّ «٤»
بزّني الدهر وكان غشوما ... بأبيّ جاره ما يذلّ «٥»
شامس في القمرّ حتى إذا ما ... ذكت الشّعرى فبرد وظلّ «٦»
يابس الجنبين من غير بؤس ... ونديّ الكفين شهم مدلّ «٧»
ظاعن بالحزم حتى إذا ما ... حلّ حلّ الحزم حيث يحلّ
وله طعمان أري وشري ... وكلا الطّعمين قد ذاق كلّ «٨»
رائح بالمجد غاد عليه ... من ثياب الحمد ثوب رفلّ
أفتح الراحة بالجود جوادا ... عاش في جدوى يديه المقلّ
مسبل في الحيّ أحوى رفل ... وإذا يغزو فسمع أزلّ «٩»
يركب الهول وحيدا ولا يص ... حبه إلّا اليماني الأفلّ ١»
فاحتسوا أنفاس يوم فلما ... هوّموا رعتهم فاشمعلّوا «١١»
كلّ ماض قد تردّى بماض ... كسنا البرق إذا ما يسلّ
فلئن فلّت هذيل شباه ... لبما كان هذيلا يفل «١٢»
وبما أبركها في مناخ ... جعجع ينقب منه الأظلّ «١٣»
стр. 985
صليت منه هذيل بخرق ... لا يملّ الشّرّ حتى يملّوا «١»
ينهل الصّعدة حتى إذا ما ... نهلت كان لها منه علّ
تضحك الضّبع لقتلي هذيل ... وترى الذّئب لها يستهلّ
عتاق الطير تهفو بطانا ... تتخطّاهم فما تستقلّ
وفتوّ هجّروا ثم اسروا ... ليلهم حتى إذا انجاب حلّوا «٢»
فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إنّ جسمي بعد خالي لخلّ «٣»
وقال أمية بن أبي الصلت يرثي قتلى بدر من قريش:
ألّا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولي الممادح
كبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الجوانح
يبكين حرّى مستكي ... نات يرحن مع الروائح
أمثالهن الباكيا ... ت المعولات من النّوائح
من يبكهم يبك على ... حزن ويصدق كل مادح
من ذا ببدر فالعقن ... قل من مرازبة جحاجح «٤»
شمط وشبّان بها ... ليل مغاوير وحاوح «٥»
ألا ترون لما أرى ... ولقد أبان لكلّ لامح
أن قد تغيّر بطن مكّ ... ة فهي موحشة الأباطح
من كلّ بطريق لبط ... ريق نقيّ اللون واضح
رعموص أبواب الملو ... ك وجائب للخرق فاتح
ومن السراطمة الحلا ... جمة الملازبة المناجح «٦»
следующие страницы →