Полный текст (2 664 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
ويبكك خامل ناداك لمّا ... تواكله الأقارب والبعيد
ويبكك شاعر لم يبق دهر ... له نشأ وقد كسد القصيد
تركت المشرفية والعوالي ... محلّاة وقد حان الورود «١»
وغادرت الجياد بكلّ لغز ... عواطل بعد زينتها ترود «٢»
فإن تصبح مسلّمة فمّما ... تفيد بها الجزيل وتستفيد
ألم تك تكشف الغمرات عنها ... عوابس والوجوه البيض سود
أصيب المجد والإسلام لما ... أصابك بالردى سهم شديد
لقد عزّى ربيعة أنّ يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
ومثلك من قصدن له المنايا ... بأسهمها وهنّ له جنود
فيا للدهر ما صنعت يداه ... كأنّ الدهر منها مستفيد
سقى جدثا أقام به يزيد ... من الوسميّ بسّام رعود
فإن أجزع لمهلكه فاني ... على النّكبات إذ أودى جليد
ليذهب من أراد فلست آسى ... على من مات بعدك يا يزيد
وقال مروان بن أبي حفصة يرثي معن بن زائدة:
زار ابن زائدة المقابر بعد ما ... ألقت إليه عرى الأمور نزار
إن القبائل من نزار أصبحت ... وقلوبها أسفا عليه حرار
ودّت ربيعة أنها قسمت له ... منها فعاش بشطرها الأعمار
فلأبكينّ فتى ربيعة ما دجا ... ليل بظلمته ولاح نهار
لا زال قبر أبي الوليد تجوده ... بعهادها وبوبلها الأمطار
قبر يضم مع الشجاعة والنّدى ... حلما يخالطه تقى ووقار
إن الرزيّة من ربيعة هالك ... ترك العيون دموعهنّ غزار
رحب السّرادق والضّياء جبينه ... كالبدر شقّ ضياءه الإسفار
стр. 982
لهفا عليك إذا الطّعان بمارق ... ترك القنا وطوالهنّ قصار «١»
خلّى الأعنّة يوم مات مشيّع ... بطل اللقاء مجرّب مغوار «٢»
يمسي ويصبح معلما تذكى به ... نار بمعترك وتخمد نار
مهما يمرّ فليس يرجو نقضه ... أحد وليس لنقضه إمرار «٣»
لو كان خلفك أو أمامك هائبا ... أحدا سواك لهابك المقدار
وقال يرثيه:
بكى الشام معنا يوم خلّى مكانه ... فكادت له أرض العراقين ترجف
ثوى القائد الميمون والذّائد الذي ... به كان يرمى الجانب المتخوّف
أتى الموت معنا وهو للعرض صائن ... وللمجد مبتاع وللمال متلف
وما مات حتى قلّدته أمورها ... ربيعة والحيّان قيس وخندف
وحتى فشا في كلّ شرق ومغرب ... أياد له بالضّرّ والنفع تعرف
وكم من يد عندي لمعن كريمة ... سأشكرها ما دامت العين تطرف
بكته الجياد الأعوجيّة إذ ثوى ... وحنّ مع النّبع الوشيج المثقّف «٤»
وقد غنيت ريح الصّبا في حياته ... قبولا فأمست وهي نكباء حرجف «٥»
وقال أبو الشيص يرثي هارون الرشيد ويمدح ابنه محمد بن زبيدة الأمين:
جرت جوار بالسعد والنحس ... فنحن في وحشة وفي أنس
العين تبكي والسّنّ ضاحكة ... فنحن في مأتم وفي عرس
يضحكنا القائم الأمين ويبكينا وفاة الإمام بالأمس بدران بدر أضحى ببغداد في الخلد وبدر بطوس في الرّمس «٦» وأنشد العتبي:
стр. 983
والمرء يجمع ماله مستهترا ... فرحا وليس بآكل ما يجمع
وليأتينّ عليك يوما مرة ... يبكي عليك مقنّعا لا تسمع
وقال حارثة بن بدر الغداني يرثي زياد بن ظبيان:
صلى الإله على قبر وطهّره ... عند الثّويّة يسفي فوقه المور «١»
زفّت إليه قريش نعش سيدها ... فثمّ كلّ التّقى والبرّ مقبور
أبا المغيرة والدّنيا مغيّرة ... وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للتنكير تنكير
لو خلّد الخير والإسلام ذا قدم ... إذا لخلّدك الإسلام والخير
قد كنت تخشى وتعطي المال من سعة ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجور
وقال نهار بن توسعة يرثي المهلّب:
ألا ذهب الغزو المقرّب للغنى ... ومات الندى والحزم بعد المهلّب
أقام بمرو الرّوذ رهن ضريحه ... وقد غيّبا عن كلّ شرق ومغرب
وقال المهلهل بن ربيعة: يرثي أخاه كليب بن وائل؛ وكان كليب إذا جلس لم يرفع أحد بحضرته صوته:
ذهب الخيار من المعاشر كلهم ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتناولوا من كل أمر عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا
وقال عبد الصمد بن المعذل يرثي سعيد بن سلم:
كم يتيم جبرته بعد يتم ... وعديم نعشته بعد عدم
كلّ ما عضّ بالحوادث نادى ... رضي الله عن سعيد بن سلم
وقال ابن أخت تأبط شراّ يرثي خاله تأبط شراّ الفهميّ؛ وكانت هذيل قتلته:
إنّ بالشّعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطلّ «٢»
стр. 984
قذف العبء عليّ وولّى ... أنا بالعبء له مستقلّ «١»
ووراء الثأر مني ابن أخت ... مصع عقدته ما تحلّ «٢»
مطرق يرشح موتا كما أطرق أفعى ينفث السّمّ صلّ «٣»
خبر ما نابنا مصمئلّ ... جلّ حتى دقّ فيه الأجلّ «٤»
بزّني الدهر وكان غشوما ... بأبيّ جاره ما يذلّ «٥»
شامس في القمرّ حتى إذا ما ... ذكت الشّعرى فبرد وظلّ «٦»
يابس الجنبين من غير بؤس ... ونديّ الكفين شهم مدلّ «٧»
ظاعن بالحزم حتى إذا ما ... حلّ حلّ الحزم حيث يحلّ
وله طعمان أري وشري ... وكلا الطّعمين قد ذاق كلّ «٨»
رائح بالمجد غاد عليه ... من ثياب الحمد ثوب رفلّ
أفتح الراحة بالجود جوادا ... عاش في جدوى يديه المقلّ
مسبل في الحيّ أحوى رفل ... وإذا يغزو فسمع أزلّ «٩»
يركب الهول وحيدا ولا يص ... حبه إلّا اليماني الأفلّ ١»
فاحتسوا أنفاس يوم فلما ... هوّموا رعتهم فاشمعلّوا «١١»
كلّ ماض قد تردّى بماض ... كسنا البرق إذا ما يسلّ
فلئن فلّت هذيل شباه ... لبما كان هذيلا يفل «١٢»
وبما أبركها في مناخ ... جعجع ينقب منه الأظلّ «١٣»
стр. 985
صليت منه هذيل بخرق ... لا يملّ الشّرّ حتى يملّوا «١»
ينهل الصّعدة حتى إذا ما ... نهلت كان لها منه علّ
تضحك الضّبع لقتلي هذيل ... وترى الذّئب لها يستهلّ
عتاق الطير تهفو بطانا ... تتخطّاهم فما تستقلّ
وفتوّ هجّروا ثم اسروا ... ليلهم حتى إذا انجاب حلّوا «٢»
فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إنّ جسمي بعد خالي لخلّ «٣»
وقال أمية بن أبي الصلت يرثي قتلى بدر من قريش:
ألّا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولي الممادح
كبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الجوانح
يبكين حرّى مستكي ... نات يرحن مع الروائح
أمثالهن الباكيا ... ت المعولات من النّوائح
من يبكهم يبك على ... حزن ويصدق كل مادح
من ذا ببدر فالعقن ... قل من مرازبة جحاجح «٤»
شمط وشبّان بها ... ليل مغاوير وحاوح «٥»
ألا ترون لما أرى ... ولقد أبان لكلّ لامح
أن قد تغيّر بطن مكّ ... ة فهي موحشة الأباطح
من كلّ بطريق لبط ... ريق نقيّ اللون واضح
رعموص أبواب الملو ... ك وجائب للخرق فاتح
ومن السراطمة الحلا ... جمة الملازبة المناجح «٦»
стр. 986
القائلين الفاعلي ... ن الآمرين بكل صالح
المطعمين الشّحم فو ... ق الخبز شحما كالأنافح «١»
نقل الجفان مع الجفا ... ن إلى جفان كالمناضح «٢»
ليست بأصفار لمن ... يعفو ولا رحّ رحارح «٣»
للضيف ثم الضيف بع ... د الضيف والبسط السلاطح «٤»
وهب المئين من المئ ... ين إلى المئين من اللّواقح
سوق المؤبّل للمؤ ... بّل صادرات عن بلادح «٥»
لكرامهم فوق الكرا ... م مزيّة وزن الرّواجح
كتثاقل الأرطال بال ... قسطاس في الأيدي الموائح «٦»
لله درّ بني عليّ ... أيّم منهم وناكح
إن لم يغيروا غارة ... شعواء تحجر كلّ نابح
بالمقربات المبعدا ... ت الطّامحات مع الطّوامح «٧»
مردا على جرد إلى ... أسد مكالبة كوالح «٨»
ويلاق قرن قرنه ... مشي المصافح للمصافح
بزهاء ألف ثم أل ... ف بين ذي بدن ورامح «٩»
الضّاربين التّقدمي ... ة بالمهنّدة الصفائح
روى الاخفش لسهل بن هارون:
ما للحوادث عنك منصرف ... إلا بنفس مالها خلف
فكأنها رام على حنق ... وكأنني لسهامها هدف
стр. 987
دهر سررت به فأعقبني ... حزنا به ما عشت ألتحف
فابك الذي ولّى لمهلكه ... عنك السّرور خلّف الأسف
إذ لا يردّ عليك ما أخذت ... منك الحوادث دمعة تكف
قبر بمختلف الرّياح به ... من لسن أبلغه بما أصف
أنسى الثّرى بمحلّه وله ... قد أوحش المستأنس الألف «١»
فالصّبر أحسن ما اعتصمت به ... إذ ليس منه لديّ منتصف
لفروة الحروري في رثاء الخوارج:
وقال فروة بن نوفل الحروريّ، وكان بعض أهل الكوفة يقاتلون الخوارج ويقولون: والله لنحرقنّهم ولنفعلن ولنفعلن. فقال في ذلك فروة بن نوفل، وكان من الخوارج:
ما إن نبالي إذا أرواحنا قبضت ... ماذا فعلتم بأجساد وأبشار «٢»
تجري المجرّة والنّسران بينهما ... والشّمس والقمر السّاري بمقدار
لقد علمت وخير العلم أنفعه ... أنّ السعيد الذي ينجو من النار
وقال يرثي قومه:
هم نصبوا الأجساد للنّبل والقنا ... فلم يبق منها اليوم إلا رميمها
تظل عتاق الطير تحجل نحوهم ... يعلّلن أجسادا قليلا نعيمها «٣»
لطاف براها الصوم حتى كأنها ... سيوف إذا ما الخيل تدمى كلومها
التعازي
لابن أبي بكر يعزي سليمان في ابنه:
قال عبد الرحمن بن أبي بكر لسليمان بن عبد الملك يعزيه في ابنه أيوب، وكان وليّ
стр. 988
عهده وأكبر ولده: يا أمير المؤمنين، إنه من طال عمره فقد أحبّته، ومن قصر عمره كانت مصيبته في نفسه؛ فلو لم يكن في ميزانك لكنت في ميزانه! وكتب الحسن بن أبي الحسن إلى عمر بن عبد العزيز يعزّيه في ابنه عبد الملك:
وعوّضت أجرا من فقيد، فلا يكن ... فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب
لابن جريح يعزي ابن الأهتم:
العتبي قال: قال عبد الله بن الأهتم: مات لي ابن وأنا بمكة، فجزعت عليه جزعا شديدا؛ فدخل عليّ ابن جريح يعزيني، فقال لي: يا أبا محمد، اسل صبرا واحتسابا، قبل أن تسلو غفلة ونسيانا كما تسلو البهائم.
وهذا الكلام لعليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه يعزي الأشعث بن قيس في ابن له، ومنه أخذ ابن جريح؛ وقد ذكره حبيب في شعره فقال:
وقال عليّ في التّعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم
أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم
علي والأشعث في وفاة ابنه:
أتى عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه لأشعث يعزيه عن ابنه، فقال: إن تحزن فقد استحقت ذلك منك الرحم، وإن تصبر فإن في الله خلفا من كل هالك، مع أنك إن صبرت عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت آثم.
وعزّى ابن السماك رجلا فقال: عليك بالصبر، فبه يعمل من احتسب، وإليه يصير من جزع، واعلم أنه ليست مصيبة إلا ومعها أعظم منها، من طاعة الله فيها أو معصيته بها.
стр. 989
لصالح المري في مثله:
الأصمعي قال: عزى صالح المزى رجلا بابنه، فقال له: إن كانت مصيبتك لم تحدث لك موعظة، فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بابنك؛ واعلم أن التهنئة على آجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة.
لوالد العتبي في مثله:
العتبي قال: عزى أبي رجلا فقال: إنما يستوجب على الله وعده من صبر لحقّه، فلا تجمع إلى ما فجعت به الفجيعة بالأجر، فإنها أعظم المصيبتين عليك، ولكل اجتماع فرقة إلى دار الحلول.
عزّى عبد الله بن عباس عمر بنّ الخطاب رضي الله تعالى عنه في بنيّ له صغير؛ فقال: عوضك الله منه ما عوّضه الله منك.
وكان علي بن أبي طالب ﵁ إذا عزىّ قوما قال: عليكم بالصبر فإن به يأخذ الحازم، وإليه يرجع الجازع.
وكان الحسن يقول في المصيبة: الحمد لله الذي آجرنا على ما لو كلفنا غيره لعجزنا عنه.
كتاب تعزية
أما بعد: فإن أحق من تعزى، وأولي من تأسّي وسلّم لأمر الله، وقبل تأديبه في الصبر على نكبات الدنيا وتجرّع غصص البلوى- من تنجز من الله وعده، وفهم عن كتابه أمره، وأخلص له نفسه، واعترف له بما هو أهله، وفي كتاب الله سلوة من فقد كل حبيب وإن لم تطب النفس عنه، وأنس من كل فقيد وإن عظمت اللوعة به؛ إذ يقول الله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
«١» وحيث يقول: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ
стр. 990
عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
«١» والموت سبيل الماضين والغابرين، «٢» ومورد الخلائق أجمعين، وفي أنبياء الله وسالف أوليائه أفضل العبرة، وأحسن الأسوة، فهل أحد منهم إلا وقد أخذ من فجائع الدنيا بأجزل الإعطاء، ومن الصبر عليها باحتساب الأجر فيها بأوفر الأنصباء.
فجع نبيّنا ﵊ بابنه إبراهيم، وكان ذخر الإيمان، وقرة عين الإسلام، وعقب الطهارة، وسليل الوحي، ونتيج الرحمة، وحضين الملائكة، وبقية آل إبراهيم واسمعيل صلوات الله عليهم أجمعين، وعلى عامة الأنبياء والمرسلين فعمت الثقلين مصيبته، وخصت الملائكة رزيّته. ورضي ﷺ من فراقه بثواب الله بدلا، ومن فقدانه بموعوده عوضا؛ فشكر قضاه واتبع رضاه؛ فقال: «يحزن القلب، وتدمع العين، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون!» .
وإذا تأمل ذو النظر ما هو مشف عليه من غير الدنيا، وانتصح نفسه وفكره في غيرها بتنقل الأحوال، وتقارب الآجال، وانقطاع يسير هذه المدة ذلت الدنيا عنده، وهانت المصائب عليه، وتسهلت الفجائع لديه، فأخذ للأمر أهبته، واستعد للموت عدته؛ ومن صحب الدنيا بحسن الروية، ولاحظها بعين الحقيقة، كان على بصيرة من وشك زوالها.
قال النبي ﷺ : «اذكروا الموت فإنه هادم اللذات ومنغّص الشهوات. وليس شيء مما اقتصصت إلا وقد جعلك الله مقدما في العلم به؛ ولعمري إن الخطب فيما أصبت به لعظيم، غير أن معوّضه من الأجر والمثوبة عليه بحسن الصبر، يهوّنان الرزية وإن ثقلت، ويسهلان الخطب وإن عظم؛ فوهب الله لك من عصمة الصبر ما يكمل لك به زلفى «٣» الفائزين، وقربة الشاكرين، وجعلك من المرضيين قولا وفعلا، الذين أعطاهم الحسنى، ووفقهم للصبر والتقوى» .
стр. 991
في عزاء عقبة بابنه:
محمد بن الفضل عن أبي حازم قال: مات عقبة بن عياض بن غنم الفهري، فعزّى رجل أباه فقال: لا تجزع عليه فقد قتل شهيدا، فقال: وكيف أجزع على من كان في حياته زينة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات.
عزاء الأصمعي لجعفر بن سليمان في أخيه:
ابن الغار قال: حدّثنا عيسى بن إسمعيل، قال: سمعت الأصمعي يقول: دخلت على جعفر بن سليمان وقد ترك الطعام جزعا على أخيه محمد بن سليمان، فأنشدته بيتين، فما برحت حتى دعا بالمائدة، فقلت للأصمعي: ما هما؟ فسكت، فسألته؛ فقال: أتدري ما قال الأحوص؟ قلت: لا أدري. قال: قال الأحوص:
قد زاده كلفا بالحبّ إذا منعت ... أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا
قال أبو موسى: والأبيات لأراكة الثقفي يرثي بها عمرو بن أراكة ويعزّي نفسه، حيث يقول:
لعمري لئن أتبعت عينك ما مضى ... به الدّهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الشئون بأسره ... وإن كنت تمريهنّ من ثبج البحر «١»
تبيّن فإن كان البكا ردّ هالكا ... على أحد فاجهد بكاك على عمرو
فلا تبك ميتا بعد موت أحبّة ... علي وعباس وآل أبي بكر
لمالك بن دينار في أخيه:
أبو عمر بن يزيد قال: لما مات أخو مالك بن دينار، بكى مالك، وقال: يا أخي، لا تقرّ عيني بعدك حتى أعلم أفي الجنة أنت أم في النار؛ ولا أعلم ذلك حتى ألحق بك! وقالت أعرابية ورأت ميتا يدفن: جافى الله عن جنبيه الثّري، وأعانه على طول البلي.
стр. 992
وعزى أعرابيّ رجلا فقال: أوصيك بالرضا من الله بقضائه، والتنجّز لما وعد به من ثوابه؛ فإن الدنيا دار زوال ولا بد من لقاء الله.
وعزى أيضا رجلا فقال: إن من كان لك في الآخرة أجرا، خير لك ممن كان لك في الدنيا سرورا.
الحسن وجازع على ابنه:
وجزع رجل على ابن له، فشكا ذلك إلى الحسن، فقال له: هل كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم؛ كان مغيبه عني أكثر من حضوره. قال: فاتركه غائبا، فإنه لم يغب عنك غيبة الأجر لك فيها أعظم من هذه الغيبة.
وعزّي رجل نصرانيّ مسلما، فقال له: إنّ مثلي لا يعزّي مثلك، ولكن انظر ما زهد فيه الجاهل فارغب فيه.
لعلي بن الحسين في ناعية:
وكان علي بن الحسين ﵁ في مجلسه وعنده جماعة؛ إذ سمع ناعية في بيته؛ فنهض إلى منزله فأسكتهم، ثم رجع إلى مجلسه، فقالوا له: أمن حدث كانت الناعية؟ قال: نعم! فعزوه وعجبوا من صبره، فقال: إنا أهل بيت نطيع الله فيما نحب، ونحمده على ما نكره.
تعزية: التمس ما وعد الله من ثوابه بالتسليم لقضائه، والانتهاء إلى أمره؛ فإن ما فات غير مستدرك.
وعزي موسى المهدي إبراهيم بن سلم على ابن له مات، فجزع عليه جزعا شديدا، فقال له: أيسرّك وهو بليّة وفتنة، ويحزنك وهو صلوات ورحمة.
لابن جبير:
سفيان الثوري، عن سعيد بن جبير قال. ما أعطيت أمة عند المصيبة ما أعطيت
стр. 993
هذه الأمة من قولها: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
«١» ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب حيث يقول: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ! وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
«٢» .
وعزى رجل رجلا بابن له فقال له: لو ذهب أبوك وهو أصلك، وذهب ابنك وهو فرعك؛ فما بقاء من ذهب أصله وفرعه.
تعازي الملوك
لأكتم يعزي ابن هند:
العتبي قال: عزى أكثم بن صيفي عمرو بن هند ملك العرب على أخيه، فقال له:
أيها الملك، إن أهل هذه الدار سفر لا يحلون عقد الرّحال إلا في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك، وارتحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك؛ واعلم أنّ الدنيا ثلاثة أيام: فأمس عظة وشاهد عدل، فجعك بنفسه، وأبقى لك وعليك حكمته. واليوم: غنيمة وصديق، أتاك ولم تأته، طالت عليك غيبته، وستسرع عنك رحلته. وغد: لا تدري من أهله، وسيأتيك إن وجدك! فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للقادر! وقد مضت لنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفروع بعد أصولها؟ واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها، وخير من الخير معطيه، وشر من الشر فاعله.
في مهلك المنصور:
لما هلك أمير المؤمنين المنصور، قدمت وفود الأمصار على أمير المؤمنين المهدي، وقدم فيهم أبو العيناء المحدّث؛ فتقدم إلى التعزية فقال: آجر الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله، وبارك لأمير المؤمنين فيما خلفه له؛ فلا مصيبة أعظم من مصيبة إمام والد، ولا عقبى أفضل من خلافة الله على أوليائه؛ فاقبل من الله أفضل العطية،
стр. 994
واصبر له على أعظم الرزيّة.
ولما مات معاوية بن أبي سفيان، ويزيد غائب؛ صلى عليه الضحاك بن قيس الفهري، ثم قدم يزيد من يومه ذلك؛ فلم يقدم أحد على تعزيته حتى دخل عليه عبد الله بن همام السلولي، فقال:
اصبر يزيد فقد فارقت ذا مقة ... واشكر حباء الذي بالملك حاباكا
لا رزء أعظم في الأقوام قد علموا ... ممّا رزئت ولا عقبى كعقباكا
أصبحت راعي أهل الأرض كلّهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا
فافتتح الخطباء الكلام.
عزى شبيب بن شبة المنصور على أخيه أبي العباس فقال: جعل الله ثواب ما رزئت به لك أجرا، وأعقبك عليه صبرا، وختم ذلك لك بعافية تامة، ونعمة عامة؛ فثواب الله خير لك منه، وما عند الله خير له منك، وأحق ما صبر عليه ما ليس إلى تغييره سبيل.
وكتب إبراهيم بن إسحاق إلى بعض الخلفاء يعزّيه: إن أحق من عرف حقّ الله فيما أخذ منه، من عرف نعمته فيما أبقى عليه. يا أمير المؤمنين، إن الماضي قبلك هو الباقي لك، والباقي بعدك هو المأجور فيك، وإن النعمة على الصابرين فيما ابتلوا به أعظم منها فيما يعافون منه.
الرشيد وعبد الملك بن صالح:
ودخل عبد الملك بن صالح دار الرشيد، فقال له الحاجب: إن أمير المؤمنين قد أصيب الليلة بابن له وولد له آخر! فلما دخل عليه قال سرك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعل هذه بهذه، مثوبة على الصبر، وجزاء على الشكر.
стр. 995
ودخل المأمون على أم الفضل بن سهل يعزيها بابنها الفضل بن سهل فقال: يا أمّه، إنك لم تفقدي إلا رؤيته، وأنا ولدك مكانه! فقالت: يا أمير المؤمنين، إن رجلا أفادني ولدا مثلك لجدير أن أجزع عليه.
من عمر بن عبد العزيز إلى عماله بعد موت ولده:
لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله: إن عبد الملك كان عبدا من عبيد الله، أحسن الله إليه واليّ فيه؛ أعاشه ما شاء وقبضه حين شاء وكان- ما علمت- من صالحي شباب أهل بيته قراءة للقرآن وتحرّيا للخير، وأعوذ بالله أن يكون لي محبة أخالف فيها محبة الله، فإن ذلك لا يحسن في إحسانه إليّ، وتتابع نعمه عليّ، ولأعلمن ما بكت عليه باكية ولا ناحت عليه نائحة؛ قد نهينا أهله الذين هم أحق بالبكاء عليه.
عزاء زياد لسليمان بن عبد الملك في ابنه:
دخل زياد بن عثمان بن زياد على سليمان بن عبد الملك وقد توفي ابنه أيوب فقال:
يا أمير المؤمنين إن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يقول: من أحب البقاء- ولا بقاء- فليوطّن نفسه على المصائب.
لعطاء يعزي يزيد في معاوية:
لما مات معاوية دخل عطاء بن أبي صيفيّ على يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين أصبحت رزئت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله؛ فاحتسب على الله أعظم الرزية واشكره على أحسن العطية.
لابن الوليد يعزي عمر بن عبد العزيز في ابنه:
عزى محمد بن الوليد بن عتبة عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، أعدّ لما ترى عدّة تكن لك جنّة من الحزن وسترا من النار! فقال عمر:
стр. 996
هل رأيت حزنا يحتج به، أو غفلة ينبّه عليها؟ قال: يا أمير المؤمنين، لو أن رجلا ترك تعزية رجل لعلمه وانتباهه لكنته، ولكن الله قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين.
عمر بن عبد العزيز في وفاة أخته:
وتوفيت أخت لعمر بن عبد العزيز، فلما فرغ من دفنها دنا إليه رجل فعزاه، فلم يردّ عليه شيئا؛ ثم دنا إليه آخر فعزاه فلم يرد عليه شيئا، فلما رأى الناس ذلك أمسكوا عنه ومشوا معه؛ فلما بلغ الباب أقبل على الناس بوجهه وقال: أدركت الناس وهم لا يعزون بامرأة إلا أن تكون أمّا، انقلبوا رحمكم الله.
لبعض الشعراء في التعزية:
وجد في حائط من حيطان تبّع مكتوبا:
اصبر لدهر نال من ... ك فهكذا مضت الدّهور
فرح وحزن مرّة ... لا الحزن دام ولا السّرور
وهذا نظير قول العتابي:
وقائلة لمّا رأتني مسهّدا ... كأنّ الحشا مني تلذعه الجمر
أباطن داء أم جوى بك قاتل ... فقلت الذي بي ما يقوم له صبر
تفرق ألّاف وموت أحبّة ... وفقد ذوي الأفضال قالت كذا الدهر
كتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى المتوكل يعزيه بابن له:
إني أعزّيك لا أني على ثقة ... من الحياة ولكن سنّة الدّين
ليس المعزّى بباق بعد ميّته ... ولا المعزّي وإن عاشا إلى حين
وقال أبو عيينة:
فإن أشك من ليلى بجرجان طوله ... فقد كنت أشكو منه بالبصرة القصر
وقائلة ماذ نأى بك عنهم ... فقلت لها: لا علم لي فسلي القدر
стр. 997
لحكيم يعزي سليمان بن عبد الملك في ابنه .
وقال بعض الحكماء لسليمان بن عبد الملك لما أصيب بابنه أيوب: يا أمير المؤمنين إن مثلك لا يوعظ إلا بدون علمه؛ فإن رأيت أن تقدّم ما أخرت العجزة فترضي ربك وتريح بدنك من حسن العزاء والصبر على المصيبة، فافعل.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز يعزّيه في ابنه عبد الملك ببيت شعر: وهو:
وعوّضت أجرا من فقيد فلم يكن ... فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب
للاسكندر يعزي أمه عن فقده .
ولما حضرت الإسكندر الوفاة كتب إلى أمه أن اصنعي طعاما يحضره الناس ثم تقدمي إليهم أن لا يأكل منه محزون. ففعلت: فلم يبسط أحد إليه يده؛ فقالت: ما لكم لا تأكلون؟ فقالوا: إنك تقدمت إلينا أن لا يأكل منه محزون، وليس منا إلا من قد أصيب بحميم أو قريب! فقالت: مات والله ابني! وما أوصى إليّ بهذا إلا ليعزيني به!.
وكان سهل بن هارون يقول في تعزيته: إن أجر التهنئة بآجل الثواب! أوجب من التعزية على عاجل المصيبة.
стр. 998
كتاب اليتيمة في النسب وفضائل العرب
قال أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في النوادب والمراثي، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في النسب الذي هو سبب التعارف، وسلّم إلى التواصل؛ به تتعاطف الأرحام الواشجة، وعليه تحافظ الأواصر القريبة. قال الله ﵎: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا
. «١» فمن لم يعرف النسب لم يعرف الناس، ومن لم يعرف الناس لم يعدّ من الناس.
وفي الحديث: «تعلموا من النسب ما تعرفون به أحسابكم وتصلون به أرحامكم» .
وقال عمر بن الخطاب: تعلموا النسب ولا تكونوا كنبيط «٢» السواد: إذا سئل أحدهم عن أصله قال: من قرية كذا وكذا.
أصل النسب
أولاد نوح
قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد بن المسيّب، قال: ولد نوح ثلاثة أولاد:
سام وحام ويافث؛ فولد سام العرب وفارس والروم، وولد حام السودان والبربر والنّبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج.
стр. 999
أصل قريش
كانت قريش تدعى النضر بن كنانة، وكانوا متفرقين في بني كنانة، فجمعهم قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، من كل أوب إلى البيت؛ فسمّوا قريشا. والتقريش: التجميع. وسمّي قصيّ بن كلاب مجمّعا، فقال فيه الشاعر:
قصي أبوكم من يسمّى مجمّعا ... به جمع الله القبائل من فهر
وقال حبيب:
غدوا في نواحي نعشه وكأنما ... قريش قريش يوم مات مجمّع
يريد بمجمّع قصيّ بن كلاب، وهو الذي بنى المشعر الحرام، «١» وكان يقوم عليه أيام الحج؛ فسماه الله مشعرا، وأمره بالوقوف عنده. وإنما جمع قصيّ إلى مكة بني فهر ابن مالك، فجدم قريش كلّها فهر بن مالك؛ فما دونه قريش وما فوقه عرب مثل كنانة وأسد وغيرهما من قبائل مضر؛ وأما قبائل قريش فإنها تنتهي إلى فهر بن مالك لا تجاوزه، وكانت قريش تسمّى آل الله، وجيران الله، وسكان الله.
وفي ذلك يقول عبد المطلب بن هاشم:
نحن آل الله في ذمّته ... لم نزل فيها على عهد قدم
إن للبيت لربّا مانعا ... من يرد فيه بإثم يخترم»
لم تزل لله فينا حرمة ... يدفع الله بها عنّا النّقم
وقال الحسن بن هانيء في بعض بني شيبة بن عثمان الذين بأيديهم مفتاح الكعبة:
إذا اشتعب الناس البيوت فأنتم ... أولو الله والبيت العتيق المحرّم
стр. 1000
نسب قريش
قال أبو المذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي: تسمية من انتهى إليه الشرف من قريش في الجاهلية فوصله بالإسلام، عشرة رهط من عشرة أبطن، وهم: هاشم، وأمية، ونوفل، وعبد الدار، وأسد، وتيم، ومخزوم، وعدي، وجمح، وسهم.
فكان من هاشم: العباس بن عبد المطلب، يسقي الحجيج في الجاهلية، وبقي له ذلك في الإسلام.
ومن بني أمية: أبو سفيان بن حرب، كانت عنده العقاب راية قريش، وإذا كانت عند رجل أخرجها إذا حميت الحرب، فإذا اجتمعت قريش على أحد أعطوه العقاب، وإن لم يجتمعوا على أحد رأسوا صاحبها فقدّموه.
ومن بني نوفل: الحرث بن عامر، وكانت إليه الرفادة، وهي ما كانت تخرجه من أموالها وترفد به منقطع الحاج.
ومن بني عبد الدار: عثمان بن طلحة، وكان إليه اللواء والسدانة مع الحجابة، ويقال والندوة أيضا في بني عبد الدار.
ومن بني أسد: يزيد بن زمعة بن الأسود، وكانت إليه المشورة: وذلك أن رؤساء قريش لم يكونوا يجتمعون على أمر حتى يعرضوه عليه، فإن وافقه ولّاهم عليه، وإلا تخير وكانوا له أعوانا؛ واستشهد مع رسول الله ﷺ بالطائف.
ومن بني تيم: أبو بكر الصديق، وكانت إليه في الجاهلية الأشناق، وهي الديات والمغرم، فكان إذا احتمل شيئا فسأل فيه قريشا صدقوه وأمضوا حمالة من نهض معه، وإن احتملها غيره خذلوه.
ومن بني مخزوم: خالد بن الوليد، وكانت إليه القبة والأعنة؛ فأما القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش؛ وأما الأعنة فإنه كان على خيل قريش في الحرب.
стр. 1001
ومن بني عديّ: عمر بن الخطاب، وكانت إليه السفارة في الجاهلية؛ وذلك أنهم كانوا إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب، بعثوه سفيرا، وإن نافرهم حيّ لمفاخرة جعلوه منافرا ورضوا به.
ومن بني جمح: صفوان بن أمية، وكانت إليه الأيسار، وهي الأزلام؛ فكان لا يسبّق بأمر عامّ حتى يكون هو الذي يتّسرون على يديه.
ومن بني سهم: الحرث بن قيس، وكانت إليه الحكومة والأموال المحجرة التي سمّوها لآلهتهم.
فهذه مكارم قريش التي كانت في الجاهلية، وهي؛ السقاية، والعمارة، والعقاب، والرفادة، والسّدانة، والحجابة، والندوة، واللواء، والمشورة، والأشناق، والقبة، والأعنة، والسفارة، والأيسار، والحكومة، والأموال المحجرة- إلى هؤلاء العشرة من هذه البطون العشرة على حال ما كانت في أوّليتهم، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر؛ وجاء الإسلام فوصل ذلك لهم؛ وكان كل شرف من شرف الجاهلية أدركه الإسلام فوصله، فكانت سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وحلوان النفر في بني هاشم.
فأما السقاية فمعروفة، وأما العمارة فهو ألّا يتكلم أحد في المسجد الحرام بهجر ولا رفث ولا يرفع فيه صوته، وكان العباس ينهاهم عن ذلك.
وأما حلوان النفر، فإن العرب لم تكن تملّك عليها في الجاهلية أحدا، فإن كان حرب أقرعوا بين أهل الرياسة، فمن خرجت عليه القرعة أحضروه، صغيرا كان أو كبيرا. فلما كان يوم الفجار أقرعوا بين بني هاشم فخرج سهم العبّاس وهو صغير فأجلسوه على المجن.
بين المأمون وأبي الطاهر
أبو الطاهر أحمد بن كثير بن عبد الوهاب قال: حدّثني أبو ذكوان عن أحمد بن يزيد الأنطاكي أنه سمع المأمون يقول لأبي الطاهر الذي كان على البحرين: من أي قريش أنت؟ قال: من بني أسامة بن لؤي، فقال المأمون: ما سمعنا لأسامة ابن لؤي
стр. 1002
نسبا في بطوننا العشرة، لو علمنا به على بعده منا لكنا به بررة.
فضل بني هاشم وبني أمية
قيل لعلي بن أبي طالب: أخبرنا عنكم وعن بني أمية. فقال: بنو أمية أغدر وأمكر وأفجر، ونحن أصبح وأفصح وأسمح.
وسأل رجل الشعبيّ عن بني هاشم وبني أمية، فقال: إن شئت أخبرتك ما قال عليّ ابن أبي طالب فيهم. قال: أخبرني. قال: أما بنو هاشم فأطعمها للطعام، وأضربها للهام؛ وأما بنو أمية فأبعدها حلما وأطلبها للأمر الذي لا ينال فينالونه.
قيل لمعاوية: أخبرنا عنكم وعن بني هاشم. قال: بنو هاشم أشرف واحدا، ونحن أشرف عددا، فما كان إلا كلا ولا، حتى جاؤا بواحدة بذّت الأولين والآخرين.
يريد النبي ﷺ . وبقوله: أشرف واحدا: عبد المطلب بن هاشم.
الرشيد وأموي
الرياشي عن الأصمعي قال: تصدى رجل من بني أمية لهارون الرشيد فأنشده:
يا أمين الله إني قائل ... قول ذي فهم وعلم وأدب
عبد شمس كان يتلو هاشما ... وهما بعد لأمّ ولأب
فاحفظ الأرحام فينا إنما ... عبد شمس عمّ عبد المطلب
لكم الفضل علينا، ولنا ... بكم الفضل على كلّ العرب
فأحسن جائزته ووصله.
للنبي ﷺ .
سفيان الثورى يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم أفراقا فجعلني في خير فرقة، وجعلهم قبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خير بيت. فأنا خيركم بيتا وخيركم نسبا» .
стр. 1003
وقال ﷺ : «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي» .
جماعة بني هاشم بن عبد مناف وجماعة قريش
عبد المطلب بن هاشم ولده عشرة بنين، منهم: عبد الله أبو محمد ﷺ ، وأبو طالب، والزبير، أمهم فاطمة بنت عمرو المخزومية. والعباس، وضرار، أمهما نتيلة النمرية. وحمزة، والمقوم، أمهما هالة بنت وهيب. وأبو لهب، أمه لبنى خزاعية.
والحارث، أمه صفية من بني عامر بن صعصعة. والغيداق، أمه خزاعية.
جماعة بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف
وهو أمية الأكبر: حرب بن أمية، وأبو حرب، وسفيان، وأبو سفيان؛ وعمرو، وأبو عمرو، وهؤلاء يقال لهم العنابس، والعاص، وأبو العاص، والعيص، وأبو العيص؛ وهؤلاء يقال لهم الأعياص، ومنهم معاوية بن أبي سفيان، وعثمان بن عفان ابن أبي العاص بن أمية، ومنهم سعيد بن العاص بن أمية، ومروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية.
جماعة بني نوفل
الحارث بن عامر صاحب الرفادة، ومعطعم بن نوفل، ومنهم عدي بن الخيار بن نوفل؛ ومنهم شافع بن ظرب بن عمرو بن نوفل؛ وهو كاتب المصاحف لعمر بن الخطاب؛ ومسلم بن قرطة، قتل يوم الجمل.
جماعة بني عبد الدار
عثمان بن طلحة، صاحب الحجابة؛ وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة؛ والحرث بن علقمة بن كلدة، كان رهينة قريش عند أبي يكسوم؛ والنضر بن الحرث بن علقمة
стр. 1004
ابن كلدة، بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله النبي ﷺ صبرا، أمر عليّ بن أبي طالب فقتله يوم الأثيل. «١»
جماعة بني أسد بن عبد العزى
منهم الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، وأمه صفية ابنة عبد المطلب، ويزيد ابن زمعة بن الأسود صاحب المشورة؛ وأبو البختري، واسمه العاص بن هاشم ابن الحرث بن أسد؛ وورقة بن نوفل بن أسد، هو الذي أدرك الإيمان بعقله وبشّر خديجة بالنبي ﷺ .
جماهير بني تيم بن مرة
منهم أبو بكر الصديق، وطلحة بن عبيد الله، وعمرو بن عبد الله بن معمر، وعبد الله بن جدعان، وعلي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة، والمهاجر بن فهد بن عمر بن جدعان، ومحمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير.
جماهير مخزوم بن مرة
منهم المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وخالد بن الوليد بن المغيرة، وعبد الرحمن بن الحرث، وعمرو بن حريث، وأبو جهل بن هاشم بن المغيرة، وعياش بن أبي ربيعة، وعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر، وعبد الله بن المهاجر، وعمارة بن الوليد بن المغيرة، وإسماعيل بن هشام بن المغيرة- ولي المغيرة المدينة وضرب سعيد بن المسيب- ومنهم سعيد بن المسيب بن أبي وهب الفقيه.
جماهير عدي بن كعب
منهم: عمر بن الخطاب، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو من أصحاب
стр. 1005
حراء، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ولي الكوفة لعمر بن عبد العزيز، وسراقة بن المعتمر، والنحام بن عبد الله بن أسيد، والنعمان بن عدي بن النضلة، استعمله عمر على ميسان «١» وعبد الله بن مطيع، وأبو جهم بن حذيفة، وخارجة بن حذافة، وكان قاضيا لعمرو بن العاص بمصر: فقتله الخارجي وهو يظنه عمرو بن العاص، وقال فيه: أردت عمرا وأراد الله خارجة!.
جماهير جمح
منهم: صفوان بن أمية، من المؤلفة قلوبهم، وأمية بن خلف، قتل يوم بدر؛ وأبيّ ابن خلف؛ ومحمد بن حاطب؛ وجميل بن معمر بن حذافة؛ وأبو عزة وهو عمرو بن عبد الله؛ وأبو محذورة، مؤذن النبي ﷺ .
جماهير بني سهم
الحرث بن قيس، صاحب حكومة قريش؛ وعمرو بن العاص؛ وقيس بن عدي؛ وخنيس بن حذافة، ومنبه؛ ونبيه، ابنا الحجاج؛ ومنهم العاص بن منبه، قتل مع أبيه، قتله عليّ وأخذ سيفه ذا الفقار، فصار إلى النبي ﵊.
جماهير عامر بن لؤي
منهم: سهيل بن عمرو، من المؤلفة قلوبهم؛ ومنهم ابن أبي ذئب الفقيه، واسمه محمد بن عبد الرحمن؛ وحويطب بن عبد العزى، من المؤلفة قلوبهم؛ وعبد الله بن مخرمة، بدري؛ ونوفل بن مساحق؛ وأبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، الفقيه؛ وعبد الله بن أبي سرح، بدري؛ ومنهم ابن أم مكتوم، مؤذن النبي ﵊.
стр. 1006
جماهير بني محارب بن فهر بن مالك
منهم: الضحاك بن قيس الفهري، وحبيب بن مسلمة.
جماهير بني الحارث بن فهر بن مالك
منهم: أبو عبيدة بن الجراح، أمين هذه الأمة؛ وسهيل؛ وصفوان، ابنا وهب؛ وعياض بن غنم بن زهير؛ وأبو جهم بن خالد؛ وبنو الحرث. هؤلاء من المطيّبين الذين تحالفوا وغمسوا أيديهم في حفنة فيها طيب.
قريش الظواهر وغيرها من بطون قريش
بنو الحارث وبنو محارب ابنا فهر بن مالك، وهم قريش الظواهر لأنهم نزلوا حول مكة وما والاها.
فمن بني الحارث بن فهر: أبو عبيدة بن الجراح، واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح، من المهاجرين الأولين.
ومن بني محارب بن فهر: الضحاك بن قيس الفهري، صاحب مرج راهط.
وما سوى هؤلاء من بطون قريش يقال لهم قريش البطاح؛ لأنهم سكنوا بطحاء مكة، وهم البطون العشرة التي ذكرناها قبل هذا الباب.
ومن بطون قريش
بنو زهرة بن كلاب بن كعب بن لؤيّ. منهم وهب بن عبد مناف بن زهرة، أبو آمنة أم رسول الله ﷺ . ومنهم عبد الرحمن بن عوف، خال النبي ﵊، ومنهم بنو حبيب بن عبد شمس؛ ومنهم عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس، صاحب العراق؛ ومنهم بنو أمية الأصغر ابن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه عبلة، فيقال لهم العبلات؛ وبنو عبد العزى بن عبد شمس، منهم
стр. 1007
أبو العاص بن الربيع، صهر رسول الله ﷺ ، تزوج ابنته التي قال النبي ﷺ فيه:
«ولكنّ أبا العاص لم يذمم صهره» ؛ ومنهم بنو المطلب بن عبد مناف؛ ومنهم محمد بن إدريس الشافعي.
ومن بني نوفل بن عبد مناف: المطعم بن عدي.
ولعبد شمس بن عبد مناف ونوفل بن عبد مناف يقول أبو طالب:
فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... أعيذكما أن تبعثا بيننا حربا
وولد أمية الأكبر: العاص، وأبا العاص، والعيص، وأبا العيص، فهؤلاء يقال لهم الأعياص، وحربا وأبا حرب، وهذه البطون التي ذكرنا كلها من قريش ليست من البطون العشرة التي ذكرناها أولا وذكرنا جماهيرها.
فضل قريش
قال النبي ﵇: «الأئمّة من قريش» . وقال: «قدموا قريشا ولا تقدموها» :
ولما قتل النضر بن الحارث بن كلدة بن عبد مناف، قال: «لا يقتل قرشيّ صبرا بعد اليوم» ، يريد أنه لا يكفر قرشي فيقتل صبرا بعد هذا اليوم.
معاوية وأصحابه:
الأصمعي قال: قال معاوية: أي الناس أفصح؟ فقال رجل من السماط: يا أمير المؤمنين، قوم ارتفعوا عن رتّة العراق، وتياسروا عن كشكشة «١» بكر، وتيامنوا عن شنشنة «٢» تغلب، ليست فيهم غمغمة «٣» قضاعة، ولا طمطمانية «٤» حمير. قال: من هم؟
قال: قومك يا أمير المؤمنين، [قريش] . قال: صدقت! فمن أنت؟ قال: من جرم.
стр. 1008
قال الأصمعي: جرم فصحاء العرب.
ابن عتبة وابن عمير:
قدم محمد بن عمير بن عطارد في نيف وسبعين راكبا، فاستزارهم عمرو بن عتبة، قال: فسمعته يقول: يا أبا سفيان، ما بال العرب تطيل كلامها وأنتم تقصرونه معاشر قريش؟ فقال عمرو بن عتبة: بالجندل يرمى الجندل، وإن كلامنا كلام يقل لفظه ويكثر معناه، ويكتفي بأولاه ويستشفى بأخراه، يتحدر تحدر الزلال على الكبد الحرّى، ولقد نقصوا وأطال غيرهم فما أخلّوا، ولله أقوام أدركتهم كأنما خلقوا لتحسين ما قبّحت الدنيا، سهلت ألفاظهم كما سهلت عليهم أنفاسهم، فابتذلوا أموالهم، وصانوا أعراضهم، حتى ما يجد الطاعن فيهم مطعنا، ولا المادح مزيدا، ولقد كان آل أبي سفيان مع قلتهم كثيرا منه نصيبهم، ولله در مولاهم حيث يقول:
وضع الدهر فيهم شفرتيه ... فمضى سالما وأمسوا شعوبا
شفرتان والله أفنتا أبدانهم، وأبقتا أخبارهم، فتركناهم حديثا حسنا في الدنيا، ثوابه في الآخرة أحسن، وحديثا سيئا في الدنيا، ثوابه في الآخرة أسوأ، فيا موعوظا بمن قبله موعوظا به من بعده، اربح نفسك إذا خسرها غيرك.
قال: فظننت أنه إن أراد أن يعلمه أن قريشا إذا شاءت أن تتكلم تكلمت.
ابن عتبة وقرشيون تشاحوا:
العتبي قال: شهدت مجلس عمرو بن عتبة وفيه ناس من القرشيين، فتشاحّوا في مواريث وتجاحدوا، فلما قاموا من عنده أقبل علينا فقال: إنّ لقريش درجا تزلق عنها أقدام الرجال، وأفعالا تخضع لها رقاب الأقوال، وغايات تقصر عنها الجياد المنسوبة، وألسنة تكلّ عنها الشفار المشحوذة؛ ولو احتفلت الدنيا ما تزيّنت إلا بهم، ولو كانت لهم ضاقت عن سعة أخلاقهم؛ وإنّ قوما منهم تخلقوا بأخلاق العوام فصار لهم رفق باللؤم، وخرق في الحرص ولو أمكنهم لقاسموا الطير في أرزاقها؛ إن خافوا مكروها
стр. 1009
تعجّلوا له الفقر؛ وإن عجّلت لهم النعم أخروا عنها الشكر، أولئك أنضاء فكرة الفقر، وعجزة حملة الشكر.
محمد بن الفضل وقوم:
قال أبو العيناء الهاشمي: جرى بين محمد بن الفضل وبين قوم من أهل الأهواز كلام، فلما أصبح رجع عنه؛ فقالوا له: ألم تقل أمس كذا وكذا؟ قال: تختلف الأقوال إذا اختلفت الأحوال.
بينه وبين والى الأهواز:
ودخل محمد بن الفضل على والي الأهواز فسمعه يقول: إذا كان الحق استوى عندي الهاشمي والنبطي. فقال محمد بن الفضل: لئن استوت حالاتهما عندك فما ذلك بزائد النبطي زينة ليست له، ولا ناقص الهاشمي قدرا هو له، وإنما يلحق النقص المسوي بينهما!.
لابن عتبة ينصح قرشيين:
العتبي قال: قال عمرو بن عتبة: اختصم قوم من قريش عند معاوية فمنعوا الحق، فقال معاوية: يا معشر قريش، ما بال القوم لأمّ يصلون بينهم ما انقطع، وأنتم لعلّات «١» تقطعون بينكم ما وصل الله، وتباعدون ما قرب؟ بل كيف ترجون لغيركم وقد عجزتم عن أنفسكم؟ تقولون كفانا الشرف من قبلنا؛ فعندها لزمتكم الحجة؛ فاكفوه من بعدكم كما كفاكم من قبلكم، أو تعلمون أنكم كنتم رقاعا في جنوب العرب، وقد أخرجتم من حرم ربّكم، ومنعتم ميراث أبيكم وبلدكم، وأخذ لكم ما أخذ منكم؛ وسماكم باجتماعكم اسما به أبانكم من جميع العرب، وردّ به كيدّ العجم، فقال جل ثناؤه: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ
«٢» فارغبوا في الائتلاف أكرمكم الله به، فقد حذرتكم الفرقة نفسها، وكفى بالتجربة واعظا.
стр. 1010
مكان العرب من قريش
للنبي ﷺ :
يحيى بن عبد العزيز، عن أبي الحجاج رياح بن ثابت، عن بكر بن خنيس، عن أبي الأحوص، عن أبي الحصين، عن عبد الله بن مسعود أنّ النبي ﷺ قال: قريش الجؤجؤ «١» والعرب الجناحان، والجؤجؤ لا ينهض إلا بالجناحين.
لمعاوية:
قال عمرو بن عتبة: ما استدرّ لعمي كلام قط فقطعه، حتى يذكر العرب بفضل أو يوصى فيهم بخير. ولقد أنشده مروان ذات يوم للنابغة حيث يقول:
فهم درعي التي استلأمت فيها ... إلى يوم النّسار وهم مجنّى «٢»
فقال معاوية: ألا إنّ دروع هذا الحي من قريش إخوانهم من العرب، المتشابكة أرحامهم تشابك حلق الدرع، التي إن ذهبت حلقة منه فرقت بين أربع؛ ولا تزال السيوف تكره مذاقة لحوم قريش ما بقيت دروعها معها، وشدت نطقها عليها، ولم تفك حلقها منها؛ فإذا خلعتها من رقابها كانت للسيوف جزرا.
لابن عتبة في معاوية:
العتبي عن أبيه عن عمرو بن عتبة قال: عقمت النساء أن يلدن مثل عمي: شهدته يوما وقد قدمت عليه وفود العرب، فقضى حوائجهم وأحسن جوائزهم؛ فلما دخلوا عليه ليشكروا سبقهم إلى الشكر، فقال لهم: جزاكم الله يا معشر العرب عن قريش أفضل الجزاء؛ بتقدّمكم إياهم في الحرب، وتقديمكم لهم في السلم، وحقنكم دماءهم بسفكها منكم؛ أما والله لا يؤثر عليكم غيركم منهم إلا حازم كريم، ولا يرغب عنكم منهم إلا عاجز لئيم؛ شجرة قامت على ساق، فتفرع أعلاها واجتمع أصلها، عضد الله
стр. 1011
من عضدها، فيا لها كلمة لو اجتمعت، وأيديا لو ائتلفت! ولكن كيف بإصلاح ما يريد الله إفساده؟
فضل العرب
يحيى بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو الحجاج رياح بن ثابت، قال: حدّثنا بكر بن خنيس، عن أبي الأحوص، عن أبي الحصين، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سألتم الحوائج فاسألوا العرب؛ فإنها تعطى لثلاث خصال: كرم أحسابها، واستحياء بعضها من بعض، والمواساة لله» .
ثم قال: «من أبغض العرب أبغضه الله» .
ابن الكلبي قال: كانت في العرب خاصة عشر خصال لم تكن في أمة من الأمم:
خمس منها في الرأس، وخمس في الجسد؛ فأما التي في الرأس: فالفرق، والسواك، والمضمضة، والاستنثار، «١» وقص الشارب؛ وأما التي في الجسد: فتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء؛ «٢» وكان في العرب خاصة، القيافة؛ لم يكن في جميع الأمم أحد ينظر إلى رجلين أحدهما قصير والآخر طويل، أو أحدهما أسود والآخر أبيض، فيقول: هذا القصير ابن هذا الطويل، وهذا الأسود ابن هذا الأبيض، إلا في العرب.
لابن المقفع:
أبو العيناء الهاشمي عن القحذمي عن شبيب بن شيبة قال: كنا وقوفا بالمربد، وكان المربد مألف الأشراف، إذ أقبل ابن المقفع، فبششنا به وبدأناه بالسلام، فردّ علينا السلام، ثم قال: لو ملتم إلى دار نيروز وظلها الظليل، وسورها المديد، ونسيمها العجيب؛ فعودتم أبدانكم تمهيد الأرض، وأرحتم دوابّكم من جهد الثقل؛ فإن الذي تطلبونه لم تفاتوه، ومهما قضى الله لكم من شيء تنالوه! فقبلنا وملنا؛ فلما استقرّ بنا
стр. 1012
المكان قال لنا: أيّ الأمم أعقل؟ فنظر بعضنا إلى بعض؛ فقلنا: لعله أراد أصله من فارس. فقلنا: فارس. فقال: ليسوا بذلك؛ إنهم ملكوا كثيرا من الأرض، ووجدوا عظيما من الملك، وغلبوا على كثير من الخلق، ولبث فيهم عقد الأمر؛ فما استنبطوا شيئا بعقولهم، ولا ابتدعوا باقي حكم بنفوسهم. قلنا: فالروم. قال: أصحاب صنعة. قلنا:
فالصين. قال: أصحاب طرفة. قلنا: الهند. قال: أصحاب فلسفة. قلنا: السودان.
قال: شر خلق الله. قلنا: الترك. قال: كلاب ضالة. قلنا: الخزر. قال: بقر سائمة.
قلنا: فقل. قال: العرب. قال: فضحكنا.
قال: أما إني ما أردت موافقتكم، ولكن إذا فاتني حظي من النسبة، فلا يفوتني حظي من المعرفة؛ إن العرب حكمت على غير مثال مثل لها، ولا آثار أثرت؛ أصحاب إبل وغنم، وسكان شعر وأدم؛ يجود أحدهم بقوته، ويتفضل بمجهوده، ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة، ويفعله فيصير حجة، ويحسّن ما شاء فيحسن، ويقبّح ما شاء فيقبح؛ أدّبتهم أنفسهم، ورفعتهم هممهم، وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم؛ فلم يزل حباء الله فيهم وحباؤهم في أنفسهم، حتى رفع لهم الفخر، وبلغ بهم أشرف الذكر، وختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر، وافتتح دينه وخلافته بهم إلى الحشر على الخير فيهم ولهم؛ فقال تعالى: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
«١» فمن وضع حقهم خسر، ومن أنكر فضلهم خصم؛ ودفع الحق باللسان أكبت للجنان.
ذو الرمة وعبد أسود:
ذكر الأصمعي عن ذي الرمة قال: رأيت عبدا أسود لبني أسد قدم علينا من شق اليمامة، وكان وحشيا؛ لطول تغرّبه في الإبل، وربما كان لقي الأكرة «٢» فلا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إليّ، ثم قال لي: يا غيلان، لعن الله بلادا ليس فيها عربيّ، وقاتل الله الشاعر حيث يقول:
стр. 1013
حرّ الثرى مستغرب التراب
وما رأيت هذه العرب في جميع الناس إلا مقدار القرحة في جلد الفرس؛ ولولا أن الله رقّ عليهم فجعلهم في حشاه: لطمست هذه العجمان آثارهم، والله ما أمر الله نبيّه بقتلهم إلا لضنه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم إلا لتركها لهم.
الأكرة: جمع أكار، وهم الحرّاث. وقوله: جعلهم في حشاه، أي: استبطنهم.
يقول الرجل للعربي إذا استبطنه: خبأتك في حشاي وقال الراجز:
وصاحب كالدّمّل الممدّ ... جعلته في رقعة من جلدي
وقال آخر:
لقد كنت في قوم عليك أشحّة ... بحبّك إلا أنّ ما طاح طائح
يودّون لو خاطوا عليك جلودهم ... ولا يدفع الموت النّفوس الشّحائح
علماء النسب
أبو بكر وابن المسيب:
كان أبو بكر ﵁ نسابة، وكان سعيد بن المسيّب نسابة، وقال له رجل:
أريد أن تعلمني النسب، قال: إنما تريد أن تساب الناس.
أبو بكر وبعض القبائل:
عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال: لما أمر رسول الله ﷺ أن يعرض نفسه على القبائل، خرج مرة وأنا معه وأبو بكر، حتى رفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر فسلم. قال عليّ: وكان أبو بكر مقدّما في كل خير، وكان رجلا نسابة. فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: وأي ربيعة أنتم، أمن هامتها [أم من لهازمها] ؟ قالوا: من هامتها العظمى. قال: وأيّ هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر. قال أبو بكر: فمنكم عوف بن محلم الذي يقال فيه: لا حرّ
стр. 1014
بوادي عوف؟ قالوا: لا؛ قال: فمنكم جساس بن مرة الحامي الذمار، والمانع الجار؟
قالوا: لا. قال: فمنكم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال أبو بكر: فلستم ذهلا الأكبر، أنتم ذهل الأصغر.
فقام إليه غلام من شيبان حين بقل «١» وجهه، يقال له دغفل، فقال:
إنّ على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا تعرفه أو تحمله
يا هذا، إنك قد سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئا، فممن الرجل؟ قال أبو بكر: من قريش؟ قال: بخ بخ! أهل الشرف والرياسة؛ فمن أي قريش أنت؟ قال:
من ولد تيم بن مرة. قال: أمكنت والله الرامي من سواء الثّغرة. «٢» أفمنكم قصّي بن كلاب الذي جمع القبائل فسمي مجمّعا؟ قال: لا. قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون «٣» عجاف؟ قال: لا. قال: فمنكم شيبة الحمد، عبد المطلب، مطعم طير السماء، الذي وجهه كالقمر في الليلة الظلماء؟ قال: لا. قال: فمن أهل الإفاضة بالناس أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا.
فاجتذب أبو بكر زمام الناقة، ورجع إلى رسول الله ﷺ : فقال الغلام:
صادف درّ السيل درّا يدفعه ... يهيضه حينا وحينا يصدعه
قال: فتبسم النبي ﵇؛ قال عليّ: فقلت له: وقعت يا أبا بكر من الأعرابي على بائقة. «٤» قال: أجل: قال: ما من طامة إلا وفوقها أخرى، والبلاء موكل بالمنطق والحديث ذو شجون.
دغفل وقوم من الأنصار:
قال ابن الأعرابي: بلغني أن جماعة من الأنصار وقفوا على دغفل النسابة بعد ما كفّ، فسلموا عليه، فقال: من القوم؟ قالوا: سادة اليمن. فقال: من أهل مجدها
стр. 1015
القديم، وشرفها العميم، كندة؟ قالوا: لا. قال: فأنتم الطوال قصبا الممحّضون نسبا، بنو عبد المدان؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أقودها للزحوف، وأخرقها للصفوف، وأضربها بالسيوف، رهط عمرو بن معد يكرب؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أحضرها قراء، وأطيبها فناء، وأشدها لقاء رهط حاتم بن عبد الله [الطائي] ؟ قالوا: لا. قال:
فأنتم الغارسون للنخل، والمطعمون في المحل، والقائلون بالعدل، الأنصار؟ قالوا:
نعم.
ابن شيبان وقوم من العرب:
مسلمة بن شبيب، عن المنقرى، قال: ذكروا أن يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة بن عدس قال: خرجت حاجا، حتى إذا كنت بالمحصب من منى إذا رجل على راحلة معه عشرة من الشباب، مع كل رجل منهم محجن، ينحّون الناس عنه ويوسّعون له؛ فلما رأيته دنوت منه؛ فقلت: ممّن الرجل؟ قال: رجل من مهرة، ممن يسكن الشّحر. «١»
قال: فكرهته ووليت عنه، فناداني من ورائي: مالك؟ فقلت:
لست من قومي ولست تعرفني ولا أعرفك. قال: إن كنت من كرام العرب فسأعرفك. قال: فكررت عليه راحلتي، فقلت: إني من كرام العرب. قال: فممن أنت؟ قلت: من مضر. قال: فمن الفرسان أنت أم من الأرحاء؟ فعلمت أنه أراد بالفرسان قيسا، وبالأرحاء خندفا؛ فقلت: بل من الأرحاء. قال: أنت امرؤ من خندف؟ قلت: نعم. قال: من الأرنبة أنت أم من الجماجم؟ فعلمت أنه أراد بالأرنبة خزيمة، وبالجمجمة بني أد بن طابخة؛ قلت: بل من الجمجمة. قال: فأنت امرؤ من بني أد بن طابخة؟ قلت: أجل: قال: فمن الدواني أنت أم من الصميم؟ قال: فعلمت أنه أراد بالدواني الرباب ومزينة، وبالصميم بني تميم؛ قلت: من الصميم. قال: فأنت إذا من بني تميم. قلت: أجل. قال: فمن الأكثرين ولد زيد مناة، وبالأقلين ولد الحارث، وبإخوانهم الآخرين بني عمرو بن تميم؛ قلت: من الأكثرين، قال: فأنت إذا
стр. 1016
من ولد زيد، قلت: أجل؛ قال: فمن البحور أنت أم من الجدود «١» أم من الثماد؟ «٢» فعلمت أنه أراد بالبحور بني سعد، وبالجدود بني مالك بن حنظلة، وبالثماد بني امريء القيس بن زيد؛ قلت: بل من الذرى. قال: فأنت من مالك بن حنظلة. قلت:
أجل. قال: فمن اللهاب «٣» أنت أم من الشعاب أم من اللصاب؟ «٤» فعلمت أنه أراد باللهاب مجاشعا، وبالشعاب نهشلا، وباللصاب بني عبد الله بن دارم؛ فقلت له: من اللصباب. قال: فأنت من بني عبد الله بن دارم؟ قلت: أجل. قال: فمن البيوت أنت أم من الزّوافر؟ فعلمت أنه أراد بالبيوت ولد زرارة، وبالزوافر الأحلاف؛ قلت:
من البيوت. قال: فأنت يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة بن عدس، وقد كان لأبيك امرأتان، فأيهما أمّك؟.
قول دغفل في قبائل العرب
دغفل وزياد:
الهيثم بن عدي عن عوانة قال: سأل زياد دغفلا عن العرب، فقال: الجاهلية ليمن، والإسلام لمضر، والفينة بينهما لربيعة. قال: أخبرني عن مضر؛ قال: فاخر بكنانة، وكاثر بتميم، وحارب بقيس؛ ففيها الفرسان والأنجاد؛ وأما أسد ففيها دل وكبر.
دغفل ومعاوية:
وسأل معاوية بن أبي سفيان دغفلا فقال له: ما تقول في بني عامر بن صعصعة؟
قال: أعناق ظباء، وأعجاز نساء! قال: فما تقول في بني أسد؟ قال: عافة قافة، «٥» فصحاء كافة. قال: فما تقول في بني تميم؟ قال: حجر أخشن، إن صادقته آذاك، وإن
стр. 1017
تركته أعفاك. قال: فما تقول في خزاعة؟ قال: جوع وأحاديث! قال: فما تقول في اليمن؟ قال: شدة وإباء.
قال نصر بن سيّار:
إنا وهذا الحيّ من يمن لنا ... عند الفخار أعزّة أكفاء
قوم لهم فينا دماء جمّة ... ولنا لديهم أجنة ودماء
وربيعة الأذناب فيما بيننا ... لاهم لنا سلم ولا أعداء
إن ينصرونا لا نعز بنصرهم ... أو يخذلونا فالسماء سماء
مفاخرة يمن ومضر
الأبرش يفاخر ابن صفوان:
قال الأبرش الكلبي لخالد بن صفوان: هل أفاخرك- وهما عند هشام بن عبد الملك- فقال له خالد: قل. فقال الأبرش: لنا ربع البيت- يريد الركن اليماني- ومنا حاتم طيء، ومنا المهلب بن أبي صفرة.
قال خالد بن صفوان: منا النبي المرسل، وفينا الكتاب المنزّل، ولنا الخليفة المؤمّل.
قال الأبرش: لا فاخرت مضريا بعدك!
أبو العباس وقوم من اليمن:
ونزل بأبي العباس قوم من اليمن من أخواله من كعب، ففخروا عنده بقديمهم وحديثهم؛ فقال أبو العباس لخالد بن صفوان: أجب القوم. فقال: أخوال أمير المؤمنين [وأهله] ! قال: لا بد أن تقول. قال: وما [عسى أن] أقول لقوم يا أمير المؤمنين هم بين حائك برد، وسائس قرد، ودابغ جلد؛ دل عليهم هدهد، وملكتهم امرأة، وغرقتهم فأرة؟ فلم يثبت لهم بعدها قائمة.
стр. 1018
مفاخرة الأوس والخزرج
الخشنى يرفعه إلى أنس، قال: تفاخرت الأوس والخزرج؛ فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة الراهب، ومنا عاصم بن ثابت بن الأفلح الذي حمت لحمه الدّبر، «١» ومنا ذو الشهادتين جزيمة بن ثابت، ومنا الذي اهتزلموته العرش سعد بن معاذ. قالت الخزرج: منا أربعة قرءوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ لم يقرأه غيرهم: زيد بن ثابت، وأبو زيد، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب سيد القرّاء؛ ومنا الذي أيده الله بروح القدس في شعره، حسان بن ثابت.
البيوتات
علماء النسب في حضرة عبد الملك:
قال أبو عبيدة في كتاب التاج: اجتمع عند عبد الملك بن مروان في سمره علماء كثيرون من العرب، فذكروا بيوتات العرب، فاتفقوا على خمسة أبيات: بيت بني معاوية الأكرمين في كندة، وبيت بني جشم بن بكر في تغلب، وبيت ابن ذي الجدين في بكر، وبيت زرارة بن عدس في تميم، وبيت بني بدر في قيس- وفيهم الأحرز بن مجاهد التغلبي، وكان أعلم القوم، فجعل لا يخوض معهم فيما يخوضون فيه؛ فقال له عبد الملك: مالك يا أحيرز ساكنا منذ الليلة؟ فو الله ما أنت بدون القوم علما. قال:
وما أقول؟ سبق أهل الفضل في فضلهم أهل النقص في نقصانهم، والله لو أن للناس كلهم فرسا سابقا لكانت غرته بنو شيبان ففيم الإكثار. وقد قال المسيّب بن علس:
تبيت الملوك على عتبها ... وشيبان إن عتبت تعتب
فكالشّهد بالرّاح أخلاقهم ... وأحلامهم منهما أعذب
وكالمسك ترب تقاماتهم ... وترب قبورهم أطيب
стр. 1019
بيوتات مضر وفضائلها
قال النبي ﷺ ، وسئل عن مضر. فقال: «كنانة جمجمتها وفيها العينان، وأسد لسانها، وتميم كاهلها» .
وقالوا: بيت تميم، بنو عبد الله بن دارم، ومركزه بنو زرارة، وبيت قيس، فزارة ومركزه بنو بدر؛ وبيت بكر بن وائل شيبان، ومركزه بيت بني ذي الجدين.
معاوية والكلبي:
وقال معاوية للكلبي حين سأله عن أخبار العرب. قال: أخبرني عن أعز العرب فقال: رجل رأيته بباب قبته فقسم الفيء بين الحليفين أسد وغطفان معا. قال: ومن هو؟ قال. حصن بن حذيفة بن بدر. قال: فأخبرني عن أشرف بيت في العرب. قال:
والله إني لأعرفه وإني لأبغضه! قال: ومن هو؟ قال بيت زرارة بن عدس. قال:
فأخبرني عن أفصح العرب. قال: بنو أسد.
والمجتمع عليه عند أهل النسب. وفيما ذكره أبو عبيدة في التاج، أن أشرف بيت في مضر غير مدافع في الجاهلية، بيت بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة ابن تميم.
النعمان والأحيمر:
وقال النعمان بن المنذر ذات يوم، وعنده وجوه العرب ووفود القبائل، ودعا ببردي محرّق. فقال: ليلبس هذين البردين أكرم العرب وأشرفهم حسبا وأعزّهم قبيلة. فأحجم الناس؛ فقام الأحيمر بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة، فقال: أنا لهما! فأتزر بأحدهما وارتدى بالآخر؛ فقال له المنذر: ما حجتك فيما ادعيت؟ قال: الشرف من نزار كلها في مضر. ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في بهدلة. قال: هذا أنت في اصلك؛ فكيف أنت في عشيرتك؟ قال: أنا أبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة، وخال عشرة! قال: فهذا أنت في عشيرتك؛ فكيف أنت في نفسك؟ فقال: شاهد العين شاهدي. ثم قام فوضع قدمه في الأرض.
стр. 1020
وقال: من أزالها فله من الإبل مائة! فلم يقم إليه أحد ولا تعاطى ذلك. ففيه يقول الفرزدق:
فما تم في سعد ولا آل مالك ... غلام إذا ما سيل لم يتبهدل
لهم وهب النّعمان بردي محرّق ... بمجد معدّ والعديد المحصّل
ومن بيت بهدلة بن عوف كان الزبرقان بن بدر، وكان يسمى سعد بن زيد مناة ابن تميم أسعد الأكرمين. وفيهم كانت الإفاضة في الجاهلية في عطارد بن عوف بن كعب بن سعد، ثم في آل كرب بن صفوان بن عطارد. وكان إذا اجتمع الناس أيام الحج بمنى لم يبرح أحد حتى يجوز آل صفوان ومن ورث ذلك عنهم، ثم يمر الناس أرسالا. وفي ذلك يقول أوس بن مغراء السعدي.
ولا يريمون في التّعريف موقفهم ... حتى يقال أجيزوا آل صفوانا
ما تطلع الشّمس إلّا عند أوّلنا ... ولا تغيّب إلا عند أخرانا
قال الفرزدق:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
بيوتات اليمن وفضائلها
قال النبي ﷺ : «إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن» ، معناه والله أعلم: أن الله ينفس عن المسلمين بأهل اليمن: يريد الأنصار. ولذلك تقول العرب: نفّسني فلان في حاجتي، إذا روّح بعض ما كان يغمّه من أمر حاجته.
وقال عبد الله بن عباس لبعض اليمانية: لكم من السماء نجمها ومن الكعبة ركنها ومن الشرف صميمها.
وقال عمر بن الخطاب: من أجود العرب؟ قالوا: حاتم طيء، قال: فمن فارسها؟
قالوا: عمرو بن معد يكرب. قال: فمن شاعرها؟ قالوا: امرؤ القيس بن حجر.
قال: فأي سيوفها أقطع؟ قالوا: الصمصامة. قال: كفى بهذا فخرا لليمن.
следующие страницы →