← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قال رجل للأحنف «١» : أتيتك في حاجة لا تنكيك ولا ترزؤك «٢» ، قال: إذا لا تقضى! أمثلي يؤتى في حاجة لا تنكي ولا ترزأ!. جاء قوم إلى رجل يكلّمونه في حاجة لهم ومعهم رقبة، فقال لرقبة: تضمنونها؟ فقال له رقبة: جئناك نطلب منك فضل التوسّع «٣» فأدخلت علينا همّ الضّمان. أتى عمرو بن عبيد حفص بن سالم، فلم يسأله أحد من حشمه شيئا إلا قال: لا؛ فقال عمرو: أقلّ من قول: «لا» فإن لا ليست في الجنة. كان رسول الله ﷺ إذا سئل ما يجد أعطى، وإذا سئل ما لا يجد قال: «يصنع الله» . قال عمر بن أبي ربيعة: [خفيف] إنّ لي حاجة إليك فقالت ... بين أذني وعاتقي ما تريد أي قد تضمّنته لك فهو في عنقي. سأل رجل قوما؛ فقال له رجل منهم: اللهمّ هذا سائلنا ونحن سؤّالك، وأنت بالمغفرة أجود منّا بالعطاء: ثم أعطاه. سأل رجل رجلا حاجة؛ فقال: اذهب بسلام؛ قال السائل: أنصفنا من ردّنا في حوائجنا إلى الله . قال رجل لثمامة: إن لي إليك حاجة؛ قال ثمامة: ولي إليك حاجة؛

стр. 1017

قال: وما هي؟ قال: لا أذكرها حتى تتضمّن قضائها؛ قال: قد فعلت؛ قال: حاجتي ألّا تسألني هذه الحاجة؛ قال: رجعت عما أعطيتك؛ قال ثمامة «١» : لكنّي لا أردّ ما أخذت. قال الجاحظ: تمشّى قوم إلى الأصمعيّ مع رجل اشترى منه ثمرة نخله، فناله فيها خسران وسألوه حسن النظر له؛ فقال الأصمعيّ: أسمعتم بالقسمة الضّيزى «٢» ! هي ما تريدون شيخكم عليه، اشترى منّي على أن يكون الخسران عليّ والربح له! اذهبوا فاشتروا لي طعام السّواد «٣» على هذا الوجه والشرط. ثم قال: هاهنا واحدة هي لكن دوني، ولا بدّ من الاحتمال لكن إذا لم تحتملوا لي، هذا ما مشيتم معه إلا وأنتم توجبون حقّه وتحبّون رفده، ولو كنت أوجب له مثل الذي توجبون لقد كنت أغنيته عنكم، ولكن لا أعرفه ولا يضرّنني بحقّ؛ فهلمّ فلنتوزّع هذا الخسران بيننا بالسوء؛ فقاموا ولم يعدوا، وأيس التاجر فخرج له من حقّه. قال يزيد بن عمير الأسيّدي لبنيه: يا بنيّ، تعلّموا الردّ فإنه أشدّ من الإعطاء، ولأن يعلم بنو تميم أن عند أحدكم مائة ألف درهم أعظم له في أعينهم من أن يقسمها فيهم، ولأن يقال لأحدكم: بخيل وهو غني خير له من أن يقال: سخيّ وهو فقير.

стр. 1018

وقال إسحاق بن إبراهيم «١» : [كامل] النصر يقرئك السلام وإنّما ... أهدى السلام تعرّضا للمطمع فاقطع لبانته بيأس عاجل ... وأرح فؤادك من تقاضي الأضلع «٢» ذكر ثمامة محمد بن الجهم فقال: لم يطمع أحدا قطّ في ماله إلا ليشغله بالطمع فيه عن غيره، ولا شفع لصديق ولا تكلّم في حاجة متحرّم به، إلا ليلقّن المسؤول حجّة منع، وليفتح على السائل باب حرمان. كتب سهل بن هارون «٣» إلى موسى بن عمران: [كامل] إنّ الضمير إذا سألتك حاجة ... لأبي الهذيل خلاف ما أبدي «٤» فامنعه روح اليأس ثم امدد له ... حبل الرجاء لمخلف الوعد وألن له كنفا ليحسن ظنه ... في غير منفعة ولا رفد حتى إذا طالت شقاوة جدّه ... وعناؤه فاجبهه بالردّ «٥» قيل لحبّي المدينيّة: ما الجرج الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم يردّه. قيل لها: فما الذلّ؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له. قيل: فما الشرف؟ قالت: اعتقاذ المنن في رقاب الرجال. قال معن بن زائدة «٦» : ما سألني قطّ أحد حاجة فرددته إلا رأيت الغنى

стр. 1019

في قفاه. روى عليّ بن مسهر عن هشام عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: أعلمتم أن الطمع فقر، وأن اليأس غنى، وأن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه. وقال آخر في كلام له: كلّ ممنوع مستغنى عنه بغيره، وكلّ مانع ما عنده ففي الأرض غنى عنه. وقد قيل: أرخص ما يكون الشيء عند غلائه. وقال بشار: والدرّ يترك من غلائه. قال شريح «١» : من سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرقّ، فإن قضاها المسؤول استعبده بها، وإن ردّه عنها رجع حرّا وهما ذليلان: هذا بذلّ البخل، وهذا بذلّ الردّ. وقال بعضهم: من سألك لم يكرم وجهه عن مسألتك، فأكرم وجهك عن ردّه. وكان رسول الله ﷺ «لا يردّ ذا حاجة إلا بها أو بميسور من القول» . وقال أسماء بن خارجة: ما أحبّ أن أردّ أحدا عن حاجة؛ فإنه لا يخلوا من أن يكون كريما فأصونه، أو لئيما فأصون منه نفسي. وقال أعرابيّ سأل حاجة فردّ عنها: [بسيط] ما يمنع الناس شيئا كنت أطلبه ... إلّا أرى الله يكفي فقد ما منعوا

стр. 1020

أتى رجل الحسن بن عليّ ﵄ يسأله؛ فقال الحسن: إن المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح أو فقر مدقع أو حمالة مفظعة؛ فقال الرجل: ما جئت إلا في إحداهنّ، فأمر له بمائة دينار، ثم أتى الرجل الحسين ابن علي ﵄ فسأله، فقال له مثل مقالة أخيه، فردّ عليه كما ردّ على الحسن؛ فقال: كم أعطاك؟ قال مائة دينار، فنقصه دينارا. كره أن يساوي أخاه. ثم أتى الرجل عبد الله بن عمر ﵄ فسأله فأعطاه سبعة دنانير ولم يسأله عن شيء؛ فقال الرجل له: إني أتيت الحسن والحسين، واقتصّ كلامهما عليه وفعلهما به؛ فقال عبد الله: ويحك! وأنّي تجعلني مثلهما! إنهما غرّا العلم غرّا المال «١» . حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: جاء شيخ من بني عقيل إلى عمر ابن هبيرة، فمتّ بقرابة وسأله فلم يعطه شيئا؛ فعاد إليه بعد أيام فقال: أنا العقيليّ الذي سألك منذ أيام؛ فقال عمر: وأنا الفزاريّ الذي منعك منذ أيام؛ فقال: معذرة إلى الله! إني سألتك وأنا أظنك يزيد بن هبيرة المحاربيّ؛ فقال: ذاك الأم لك، وأهون بك عليّ، نشأ في قومك مثلي ولم تعلم به، ومات مثل يزيد ولا تعلم به! يا حرسيّ اسفع «٢» بيده. أتى عبد الله بن الزبير أعرابيّ «٣» يسأله، فشكا إليه نقب» ناقته واستحمله «٥» ؛ فقال له ابن الزبير: ارقعها بسبت «٦» واخصفها بهلب «٧» وافعل

стр. 1021

وافعل ... ؛ فقال الأعرابيّ: إني أتيتك مستوصلا «١» ولم آتك مستوصفا، فلا حملت ناقة حملتني إليك! فقال: إنّ «٢» وصاحبها. والعرب تقول لمن جاء خائبا ولم يظفر بحاجته: «جاء على غيراء الظهر» «٣» . وتقول هي والعوامّ: «جاء بخفّى حنين» و «جاء على حاجبه صوفه» . وقال أبو عطاء السّنديّ «٤» في عمر بن هبيرة: [وافر] ثلاث حكتهنّ لقرم قيس ... طلبت بها الأخوة والثناء «٥» رجعن على حواجبهن صوف ... فعند الله أحتسب الجزاء والأصل في قولهم: «جاء بخقّى حنين» أن إسكافا من أهل الحيرة ساومه أعرابيّ بخفّين، فاختلفا حتى أغضبه، فازداد غيظ الأعرابيّ؛ فلما ارتحل أخذ حنين أحد خفّيه فألقاه على طريقه ثم ألقى الآخر في موضع آخر؛ فلما مرّ الأعرابيّ بأحدهما قال: ما أشبه هذا بخفّ حنين! ولو كان معه الآخر لأخذته، ومضى؛ فلما انتهى إلى الآخر ندم على تركه الأوّل، وأناح راحلته فأخذه ورجع إلى الأوّل، وقد كمن له حنين فعمد إلى راحلته وما عليها فذهب به؛ وأقبل الأعرابيّ ليس معه غير الخفّين؛ فقال له قومه: ما الذي أتيت به؟ قال: بخفي حنين. قالوا: فإن جاء وقد قضيت حاجته قيل: «جاء ثانيا من عنانه» . فإن جاء

стр. 1022

ولمّا تقض حاجته وقد أصيب ببعض ما معه، قالوا: «ذهب يبتغى قرنا فلم يرجع بأذنين» . يقول بشار: [سريع] فكنت كالعير غدا يبتغي ... قرنا فلم يرجع بأذنين «١» سأل أعرابيّ قوما، فقيل له: بورك فيك! فقال: وكلكم الله إلى دعوة لا تحضرها نيّة. أرسل الوليد خيلا في حلبة، فأرسل أعرابيّ فرسا له فسبقت الخيل؛ فقال له الوليد: احملني عليها؛ فقال: إنّ لها حرمة، ولكني أحمل على مهر لها سبق الخيل عام أوّل وهو ريّض «٢» . وتقول العرب فيمن يشغله شأنه عن الحاجة يسألها: «شغل الحلى أهله أن يعارا» بنحصب الحلى، ويعار: من العارية. فأمّا قولهم: «أحقّ الخيل بالركض المعار» . فإنّ المعار «٣» : المنتوف الذّنب وهو المهلوب؛ يريدون أنه أخفّ من الذيّال الذنب «٤» ، يقال: أعرت الفرس إذا نتفته. وتقول العرب لمن سئل وهو لا يقدر فردّ: «بيتي يبخل لا أنا» ؛ يريدون أنه ليس عنده ما يعطي. ووعد رجل رجلا فلم يقدر على الوفاء بما وعده؛ فقال له: كذبتني؛ قال: لا، ولكن كذبك مالي. وتقول العرب فيمن اعتذر بالمنع بالعدم وعنده ما سئل: «أبى الحقين

стр. 1023

العذرة» «١» . قال أبو زيد: وأصله أن رجلا ضاف قوما فاستسقاهم لبنا، وعندهم لبن قد حقنوه في وطب «٢» ، فاعتذروا أنه لا لبن عندهم؛ فقال: أبى الحقين العذرة. ويقال: العذرة طرف البخل» . وقال الطائي يذكر المطل «٣» : [وافر] وكان المطل في بدء وعود ... دخانا للصنيعة وهي نار نسيب البخل مذ كانا وإن لم ... يكن نسب فبينهما جوار لذلك قيل بعض المنع أدنى ... إلى جود وبعض الجود عار قال إسماعيل القراطيسيّ «٤» في الفضل بن الربيع: [هزج] لئن أخطأت في مدح ... ك ما أخطأت في منعي لقد أحللت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع غزا المنذر بن الزّبير في البحر ومعه ثلاثون رجلا من بني أسد بن عبد العزّى؛ فقال له حكيم بن حزام «٥» : يا بن أخي، إني قد جعلت طائفة من مالي لله ، وإني قد صنعت أمرا ودعوتكم له، فأقسمت عليك لا يردّه عليّ أحد منكم؛ فقال المنذر: لاها الله إذا «٦» ، بل نأخذ ما تعطي، فإن نحتج إليه

стр. 1024

نستعن به ولا نكره أن يأجرك الله، وإن نستغن عنه نعطه من يأجرنا الله فيه كما أجرك. سأل أعرابيّ رجلا يقال له: الغمر فأعطاه درهمين، فردّهما وقال: [طويل] جعلت لغمر درهميه ولم يكن ... ليغني عنّي فاقتي درهما غمر «١» وقلت لغمر خذهما فاصطرفهما ... سريعين في نقض المروءة والأجر أتمنع سؤّال العشيرة بعد ما ... تسمّيت غمرا واكتنيت أبا بحر «٢» اختلف أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع في حاجة له زمانا فلم يقضها له، فكتب: [منسرح] أكلّ طول الزّمان أنت إذا ... جئتك في حاجة تقول غدا! لا جعل الله لي إليك ولا ... عندك ما عشت حاجة أبدا! وقال آخر: [بسيط] إن كنت لم تنو فيما قلت لي صلة ... فما انتفاعك من حبسي وترديدي فالمنع أجمله ما كان أعجله ... والمطل من غير عسر آفة الجود وقال آخر: [طويل] بسطت لساني ثم أوثقت نصفه ... فنصف لساني في امتداحك مطلق

стр. 1025

فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني ... وباقي لسان الشكر باليأس موثق «١» وقال آخر: [خفيف] يا جواد اللسان من غير فعل ... ليت جود اللسان في راحتيكا المواعيد وتنجّزها ذكر جبّار بن سلمى عامر بن الطّفيل «٢» فقال: كان والله إذا وعد الخير وفى، وإذا أوعد بالشرّ أخلف وعفا. وأنشد أبو عمرو بن العلاء في مثل هذا المعنى: [طويل] ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتي ... ويأمن منّي صولة المتهدّد وإنّي إن أوعدته أو وعدته ... ليكذب إيعادي ويصدق موعدي «٣» وكان يقال: وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف «٤» . وقال عبد الصّمد بن الفضل الرّقاشي (أبو الفضل والعباس الرّقاشيّين البغداديين) لخالد بن ديسم عامل الرّيّ: [طويل] أخالد إنّ الرّيّ قد أجحفت بنا ... وضاق علينا رحبها ومعاشها وقد أطعمتنا منك يوما سحابة ... أضاء لنا برق وكفّ رشاشخا «٥» فلا غيمها يصحو فيؤيس طامع ... ولا ماؤها يأتي فتروى عطاشها

стр. 1026

وقال رجل في الحجاج: [طويل] كأنّ فؤادي بين أظفار طائر ... من الخوف في جوّ السماء محلّق حذار امرىء قد كنت أعلم أنّه ... متى ما يعد من نفسه الشرّ يصدق قال عمر بن الحارث: كنت متى شئت أجد من يعد وينجز، فقد أعياني من يعد ولا ينجز. قال: وكانوا يفعلون ولا يقولون، فقد صاروا يقولون ويفعلون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون، ثم صاروا لا يقولون ولا يفعلون. قال بشار: [بسيط] وعدتني ثم لم توفي بموعدتي ... فكنت كالمزن لم يمطر وقد رعدا هذا مثل قول العرب لمن يعد ولا يفي: «برق خلّب» «١» . وقال آخر: [مجزوء الرمل] قد بلوناك بحمد الل ... هـ إن أغنى البلاء فإذا جلّ مواعي ... دك والجحد سواء وقال آخر: [طويل] لها كلّ عام موعد غير ناجز ... ووقت إذا ما رأس حول تجرّما «٢» فإن أوعدت شرّا أتى دون وقته ... وإن وعدت خيرا أراث وأعتما «٣» وعد عبد الله بن عمر رجلا من قريش أن يزوّجه ابنته؛ فلما كان عند موته أرسل إليه فزوّجه إياها، وقال كرهت أن ألقى الله بثلث اتّفاق. وقال الطائيّ: [بسيط]

стр. 1027

تقول قول الذي ليس الوفاء له ... خلقا وتنجز إنجاز الذي حلفا وأثنى الله ﵎ على نبيّه إسماعيل ﷺ فقال: إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا «١» . وقال بشّار يمدح: [متقارب] إذا قال تمّ على قوله ... ومات العناء بلا أو نعم وبعض الرجال بموعوده ... قريب وبالفعل تحت الرّجم «٢» كجاري السّراب ترى لمعه ... ولست بواجده عندكم «٣» وقال العبّاس بن الأحنف: [كامل] ما ضرّ من قطع الرجاء ببخله ... لو كان علّلني بوعد كاذب وقال آخر: [طويل] عسى منك خير من نعم ألف مرّة ... من آخر غال الصّدق منه غوائله وقال نصيب: [وافر] يقول فيحسن القول ابن ليلى ... ويفعل فوق أحسن ما يقول وقال زياد الأعجم» : [مجزوء الكامل] لله درّك من فتى ... لو كنت تفعل ما تقول لا خير في كذب الجوا ... د وحبّذا صدق البخيل

стр. 1028

والعرب تضرب المثل في الخلف بعرقوب. قال ابن الكلبيّ «١» عن أبيه: كان عرقوب رجلا من العماليق؛ فأتاه أخ له فسأله شيئا؛ فقال له عرقوب: إذا أطلع نخلي «٢» . فلما أطلع أتاه. قال: إذا أبلح. فلما أبلح أتاه، فقال: إذا أزهى «٣» . فلما أزهى أتاه، قال: إذا أرطب «٤» . فلما أرطب أتاه، قال: إذا صار تمرا. فلما صار تمرا جدّه «٥» من الليل ولم يعط أخاه شيئا. قال كعب بن زهير: [بسيط] كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلّا الأباطيل وقال الأشجعيّ «٦» : [طويل] وعدت وكان الخلف منك سجيّة ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب «٧» هكذا قرأته على البصريين في كتاب سيبويه بالتاء وفتح الراء. وقال الشاعر: [طويل] متى ما أقل يوما لطالب حاجة ... نعم، أقضها قدما وذلك من شكلي وإن قلت لا، بيّنتها من مكانها ... ولم أوذه منها بجرّ ولا مطل وللبخلة الأولى أقلّ ملامة ... من الجود بدءا ثم يتبع بالبخل

стр. 1029

وقال أبو نواس لامرأة: [بسيط] أنضيت أحرف لا ممّا لهجت بها ... فحوّلي رحلها عنها إلى نعم «١» أو حوّليها إلى «لا» فهي تعدلها ... إن كنت حاولت في ذا قلّة الكلم فستم علينا فعارضنا قياسكم ... يا من تناهى إليه غاية الكرم وفي هذا معنا لطيف. كتب رجل إلى صديق له: قد أفردتك برجائي بعد الله، وتعجّلت راحة اليأس ممن يجود بالوعد ويضنّ بالإنجاز، ويحسد أن يفضل، ويزهد أن يفضل، ويعيب الكذب ولا يصدق. وقال آخر: [وافر] وذي ثقة تبدّل حين أثرى ... ومن شيمي مراقبة الثّقات فقلت له عتبت عليّ إثما ... فرارا من مؤونات العدات فعد لمودّتي وعليّ نذر ... سألتك حاجة حتّى الممات «٢» وقال آخر في أصحاب النبيذ: [طويل] مواعيدهم ربح لمن يعدونه ... بها قطعوا برد الشتاء وقاطوا «٣» وقال مسلم «٤» : [طويل] لسانك أحلى من جنى النحل موعدا ... وكفّك بالمعروف أضيق من قفل تمنّي الذي يأتيك حتّى إذا انتهى ... إلى أجل ناولته طرف الحبل وسأل خلف بن خليفة أبان بن الوليد أن يهب له جارية، فوعده وأبطأ

стр. 1030

عليه؛ فكتب إليه: [طويل] أرى حاجتي عند الأمير كأنّما ... تهمّ زمانا عنده بمقام وأحصر من إذكاره إن لقيته ... وصدق الحياء ملجم بلجام «١» أراها إذا كان النهار نسيئة ... وبالليل تقضى عند كلّ منام «٢» فيا ربّ أخرجها فإنك مخرج ... من الميت حيّا مفصحا بكلام فتعلم ما شكري إذا ما قضيتها ... وكيف صلاتي عندها وصيامي وإن حاجتي من بعد هذا تأخرّت ... خشيت لما بي أن أزور غلامي والعرب تقول: «أنجز حرّ ما وعد» . وقال أميّة بن أبي الصّلت لعبد الله بن جدعان: [وافر] أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه الثناء «٣» وقال الطائيّ: [خفيف] وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التّقاضي وقال الزّهريّ: حقيق على من أورق بوعد، أن يثمر بفعل. وقال المغيرة: من أخرّ حاجة رجل فقد تضمّن قضاءها. وقال الشاعر: [وافر] كفاك مذّكّرا وجهي بأمري ... وحسبي أن أراك وأن تراني وكيف أحثّ من يعنى بشأني ... ويعرف حاجتي ويرى مكاني

стр. 1031

وقال الشاعر: [مجزوء الكامل المرفّل] يا صاح قل في حاجتي ... أذكرتها فيما ذكرتا إنّ السّراح من النجا ... ح إذا شقيت بما طلبتا «١» وقال آخر: [خفيف] في تصدّيك للمطالب إذكا ... ر بوعد جرى به المقدار وكتب بعض الكتاب إلى صديق له: إن من العجب إذكار معنيّ، وحث متيقّظ، واستبطاء ذاكر، إلّا أن ذا الحاجة لا يدع أن يقول في حاجته، حلّ بذلك منها أو عقل. وكتابي تذكرة والسلام. وقال الطّرمّاح: [كامل] ألحسن منزلتي تؤخّر حاجتي ... أم ليس عندك لي بخير مطمع وقال حمزة بن بيض «٢» لمخلد بن يزيد بن المهلّب: [متقارب] أتيناك في حاجة فاقضها ... وقل مرحبا يجب المرح ولا تكلنا إلى معشر ... متى يعدوا عدة يكذبوا وقال بعض المحدثين: [منسرح] حوائج الناس كلّها قضيت ... وحاجتي لا أراك تقضيها أناقة الله حاجتي عقرت ... أم نبت الحرف في نواحيها «٣»

стр. 1032

وقال جرير لعمر بن عبد العزيز: [بسيط] أأذكر الضّرّ والبلوى التي نزلت ... أم تكتفي بالذي بلّغت من خبري وقال آخر: [طويل] أروع لتسليم عليك وأغتدي ... وحسبك بالتّسليم منّي تقاضيا كفى بطلاب المرء ما لا يناله ... عناء وباليأس المصرّح ناهيا «١» وقال آخر: [كامل] ما أنت بالسّبب الضّعيف وإنما ... نجح الأمور بقوّة الأسباب فاليوم حاجتنا إليك وإنّما ... يدعى الطبيب لكثرة الأوصاب «٢» كتب بعض الكتّاب إلى بعض السلطان: أنا أنزّهك عن التجمّل لي بوعد يطول به المدى ويعتزله الوفاء، وأحبّ أن يتقرّر عندك أن أملي فيك أبعد من أن أختلس الأمور منك اختلاس من يرى في عاجلك عوضا من آجلك، وفي الراهن من يومك بدلا من المأمول في غدك، وألّا تكون منزلتي في نفسك منزلة من يصرف الطرف «٣» عنه وتستكره النفس عليه ويتكلّف ما فوق العفو له، وأن تختار بين العذر والشكر؛ فالله يعلم أنّ آثر الحظّين عندي أحقّهما عليك، وأصوبهما لحالي عندك. وفي كتاب: ذو الحرمة ملوم على فرط الدّالّة، كما أنّ المتحرّم به مذموم على التناسي والإزالة. ومن مذهبي الوقوف بنفسي دون الغاية التي يقدّمني إليها حقّي، لأمرين: أحدهما ألّا أرضى بدون الحقّ أزيد في الحقّ.

стр. 1033

والثاني أن أرى النفيس من الحظّ زهيدا إذا أتى من جهة الإرهاق. ولي ذمام المودّة الصادقة التي كلّ حرمة تبع لها، وحق الشكر الذي جعله الله وفاء بالنعم وإن جلّ قدرها؛ وأنت مراعي المعالي وحافظ بقيّة الكرم؛ فأيّ سبيل للعذر، بل أيّ موضع للإكداء بين حرمتي ورعايتك، وذمامي وكرمك!. قال أحمد بن يوسف: أوّل المعروف مستخفّ، وآخره مستثقل؛ يكاد أوّله يكون اللهوى دون الرأي، وآخره للرأي دون الهوى. ولذلك قيل: ربّ «١» الصّنيعة أشدّ من ابتدائها. قال أبو عطاء السّنديّ في يزيد بن عمر بن هبيرة: [وافر] ثلاث حكتهنّ لقرم قيس ... رجعن إليّ صفرا خائبات «٢» أقام على الفرات يزيد شهرا ... فقال الناس أيّهما الفرات «٣» فيا عجبا لبحر فاض يسقي ... جميع الناس لم يبلل لهاتي «٤» حال المسؤول عند السؤال قال الشاعر «٥» : [وافر] سألناه الجزيل فما تلكّا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا «٦» مرارا ما أعود إليه إلّا ... تبسّم ضاحكا وثنى الوسادا وقال آخر: [كامل]

стр. 1034

قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... تركوه ربّ صواهل وقيان «١» وإذا دعوتهم ليوم كريهة ... سدّوا شعاع الشمس بالفرسان لا ينقرون الأرض عند سؤالهم ... لتلمّس العلّات بالعيدان «٢» بل يبسطون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان «٣» وقال آخر: [مديد] يجعل المعروف والبرّ ذخرا ... ويعدّ الحمد خير التّجاره وإذا ما جئته تجتديه ... خلته بشّرته ببشاره «٤» فترى في الطّرف منه حياء ... وترى في الوجه منه استناره وقال آخر: [سريع] إذا غدا المهديّ في جنده ... أو راح في آل الرسول الغضاب بدا لك المعروف في وجهه ... كالضوء يجري في ثنايا الكعاب «٥» وأنشدني العتبيّ: [طويل] له في ذرى المعروف نعمى كأنها ... مواقع ماء المزن في البلد القفر إذا ما أتاه السائلون توقّدت ... عليه مصابيح الطلاقة والبشر والمشهور في هذا قول زهير: [كامل] تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الذي أنت سائله

стр. 1035

وسأل رجل من الأعراب» رجلا فلم يعطه شيئا؛ فقال: [طويل] كدحت بأظفاري وأعملت معولي ... فصادفت جلمودا من الصّخر أملسا تشاغل لما جئت في وجه حاجتي ... وأطرق حتى قلت قد مات أو عسى وأجمعت أن أنعاه حين رأيته ... يفوق فواق الموت ثم تنفّسا فقلت له لا بأس، لست بعائذ ... فأفرخ تعلوه الكآبة مبلسا «٢» وقال مسلم: [منسرح] أطرق لما أتيت ممتدحا ... فلم يقل لا فضلا على نعم فخفت إن مات أن أقاد به ... فقمت أبغى النّجاء من أمم «٣» لو أنّ كنز البلاد في يده ... لم يدع الإعتدلال بالعدم «٤» وقال الحارث الكنديّ: [وافر] فلما أن أتيناه وقلنا ... بحاجتنا تلوّن لون ورس «٥» وآض بكفّه يحتكّ ضرسا ... يرينا أنّه وجع بضرس «٦» فقلت لصاحبي أبه كزاز ... وقلت أسرّه أتراه يمسي «٧» وقمنا هاربين معا جميعا ... نحاذر أن مزنّ بقتل نفس «٨» قال الأصمعيّ: دخل أعرابيّ على المساور الضّبّيّ وهو بندار الرّيّ «٩» ، فسأله فلم يعطه

стр. 1036

شيئا، فأنشأ يقول: أتيت المساور في حاجة ... فما زال يسعل حتى ضرط وحكّ قفاه بكر سوعه ... ومسّح عثنونه وامتخط «١» فأمسكت عن حاجتي خيفة ... لأخرى تقطّع شرج السّفط «٢» فأقسم لو عدت في حاجتي ... للطّخ بالسّلح وشي النّمط «٣» وقال غلطنا حساب الخراج ... فقلت من الضّرط جاء الغلط قال: فكان العامل كلّما ركب صاح به الصّبيان: «من الضرط جاء الغلط فهرب من غير عزل إلى بلاد أصبهان. وقال نهار بن توسعة «٤» في قتيبة بن مسلم: [بسيط] كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها ... وكلّ باب من الخيرات مفتوح فبدّلت بعده قردا نطيف به ... كأنّما وجهه بالخلّ منضوح «٥» وقال جرير: [طويل] يزيد يغضّ الطّرف دوني كأنّما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم «٦» فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم وقال آخر: [منسرح] لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر

стр. 1037

حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن الأبج عن التتّيّ قال قال محمد بن واسع: إنك لتعرف فجور الفاجر في وجهه. قال أبو العتاهية: [متقارب] مالي أرى النّاس قد أبرقوا ... بلؤم الفعال وقد أرعدوا «١» إذا جئت أفضلهم للسلا ... م ردّ وأحشاؤه ترعد كأنّك، من خشية للسّؤا ... ل، في عينه الحيّة الأسود وقال آخر: [وافر] إذا ما الرّزق أحجم عن كريم ... فألجأه الزمان إلى زياد «٢» تلقّاه بوجه مكفهرّ ... كأنّ عليه أرزاق العباد وقال آخر: [منسرح] ولي خليل ما مسّني عدم ... مذ نظرت عينه إلى عدمي بشّرني بالغنى تهلّله ... وقبل هذا تهلّل الخدم ومحنة الزائرين بيّنة ... تعرف قبل اللقاء في الحشم العادة من المعروف تقطع كان يقال: انتزاع العادة ذنب محسوب. وقال أبو الأسود الدّؤلي: [مديد] ليت شعري عن أميري ما الذي ... غاله في الودّ حتى ودّعه «٣» لا تهنّي بعد إذ أكرمتني ... وشديد عادة منتزعه

стр. 1038

اذكر البلوى التي أبليتني ... وكلاما قلته في المجمعه «١» لا يكن برقك برقا خلّبا ... إنّ خير البرق ما الغيث معه والمشهور في هذا قول الأعشى: [كامل] عوّدت كندة عادة فاصبر لها ... واغفر لجاهلها وروّ سجالها «٢» سأل أعرابيّ قوما، فرقّ له رجل منهم فضمّه إليه وأجرى له رزقا أياما ثم قطع عنه؛ فقال الأعرابيّ: [طويل] تسرّى فلمّا حاسب المرء نفسه ... رأى أنّه لا يستقيم له السّرو «٣» وقدم أبو زياد الكلابيّ مع أعراب سنة القحمة «٤» ، فأجرى عليهم رجل رغيفا لكل رجل ثم قطعه؛ فقال أبو زياد: [طويل] إن يقطع العبّاس عنّا رغيفه ... فما يأتيني من نعمة أكثر «٥» والحكماء تقول: «العادة طبيعة ثانية» . وفي الحديث: «الخير عادة والشّرّ لجاجة» «٦» . وقال بعض الشعراء لرجل من الأشراف: [كامل] ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب فاصبر لعادتك التي عوّدتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب وتقول العرب فيمن اصطنع معروفا ثم أفسده بالمنّ أو قطعه حين كاد

стр. 1039

يتمّ: «شوى أخوك حتى إذا أنضج رمّد» «١» . قال أبو كعب القاصّ: كان رجل يجري عليّ رغيفا في كلّ يوم، وكان يقول إذا أتاه الرغيف: لعنك الله ولعن من بعث بك، ولعنني إن تركتك حتى أصيب خيرا منك. والعرب تقول في مثل هذا: «خذ من الرّضفة ما عليها» «٢» . وقال الشاعر: [كامل] وخذ القليل من اللئيم وذمّه ... إنّ اللئيم بما أتى معذور ومعذور: موسوم في موضع العذار، وليس هو من العذر. الشكر والثناء حدّثني شيخ لنا عن وكيع عن سفيان عن منصور عن هلال بن أساف «٣» قال قال ﷺ : «إذا صلّى أحدكم فليدن عليه من ستر بيته فإنّ الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق» . وحدّثني أيضا عن وكيع عن سعيد عن أبي عمران الجوني عن عبد الله ابن الصّامت قال قال أبو ذرّ: قلت للنبي ﷺ : الرجل يعمل العمل ويحبّه الناس؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن. وقال النبيّ ﷺ : إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند الله فانظروا ماذا يتبعه من الثّناء» .

стр. 1040

حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: كان يقال: الثناء يضاعف كما تضاعف الحسنات؛ يكون الرجل سخيّا فيزيد الله في سخائه، ويكون شجاعا فيزيد الله في شجاعته. وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن العمريّ قال: قال رجل لعمر بن الخطّاب ﵁: إنّ فلانا رجل صدق؛ قال: سافرت معه؟ قال لا. قال: فكانت بينك وبينه خصومة؟ قال لا. قال: فهل ائتمنته على شيء؟ قال لا. قال: فأنت الذي لا علم لك به، أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد!. قال بعض الحكماء: إذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر. وقال آخر: حقّ النّعمة أن تحسن لباسها، وتنسبها إلى وليّها، وتذكر ما تناسى عندك منها. وقال بعض الحارثيين: [بسيط] عثمان يعلم أنّ الحمد ذو ثمن ... لكنّه يشتهي حمدا بمجّان «١» والناس أكيس من أن يحمدوا أحدا ... حتى يروا قبله آثار إحسان وقال حمّاد عجرد: [بسيط] قد ينقضي كلّ ما أوليت من حسن ... إذا أتى دون ما أوليت يومان تنأى بودّك ما استغنيت عن أحد ... وإن طمعت فأنت الواصل الدّاني الشّهد أنت إذا ما حاجة عرضت ... وحنظل كلّما استغنيت خطبان «٢»

стр. 1041

وقال عمران بن حطّان «١» : [طويل] وقد عرضت لي حاجة وأظنّني ... بأنّي إذا أنزلتها بك منجح فإن أك في أخذ العطيّة مربحا ... فإنك في بذل العطيّة أربح لأنّ لك العقبى من الأجر خالصا ... وشكري في الدنيا، فحظّك أرجح وقال معاوية بن أبي سفيان يعاتب قريشا: [طويل] إذا أنا أعطيت القليل شكوتم ... وإن أنا أعطيت الكثير فلا شكر وما لمت نفسي في قضاء حقوقكم ... وقد كان لي فيما اعتذرت به عذر وأمنحكم ما لي وتكفر نعمتي ... وتشتم عرضي في مجالسها فهر «٢» إذا العذر لم يقبل ولم ينفع الأسى ... وضاقت قلوب منهم حشوها الغمر «٣» فيكف أداوي داءكم ... يزيدكم غيّا! فقد عظم الأمر سأحرمكم حتى يذلّ صعابكم، ... وأبلغ شيء في صلاحكم الفقر وقال طريح الثّقفيّ» : [طويل] سعيت ابتغاء الشكر فيما صنعت بي ... فقصّرت مغلوبا وإنّي لشاكر ومثله قول الخريميّ «٥» : [طويل] لأنك تعطيني الجزيل بداهة ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر

стр. 1042

ومثله قوله أيضا: [رمل] زاد معروفك عظما ... أنّه عندك محقور صغير تتناسه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير قال رجل لبعض السلطان: المواجهة بالشكر ضرب من الملق «١» ، منسوب من عرف بها إلى التخلّق «٢» ؛ وأنت تمنعني من ذلك وترفع الحال بيننا عنه، ولذلك تركت لقاءك به. غير أنّي من الاعتراف بمعروفك ونشر ما تطوي منه والإشادة بذكره عند إخوانك والانتساب إلى التقصير مع الإطناب في وصفه، على ما أرجو أن أكون قد بلغت به حال المحتمل للصّنيعة، الناهض بحقّ النعمة. قال ابن عنقاء الفزاريّ «٣» : [طويل] رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ما له حالي أسرّ كما جهر دعاني فآساني ولو صدّ لم ألم ... على حين لا بدو يرجّى ولا حضر فقلت له خيرا وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أسديت من ذمّ أو شكر «٤» وقال آخر «٥» : [طويل] سأشكر عمرا إن تراخت منيّتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلّت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذ النعل زلّت رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلّت «٦»

стр. 1043

وقرأت في كتاب للهند: أربعة ليست لأعمالهم ثمرة: مسارّ الأصمّ، والباذر في السّبخة «١» ، والمسرج في الشمس، وواضع المعروف عند من لا شكر له. وقال بعض الشعراء المحدثين، وقيل: إنه للبحتريّ. فبعثت إليه أسأله عنه فأعلمني أنه ليس له: [متقارب] فلو كان للشكر شخص يبين ... إذا ما تأمّله النّاظر لبيّنته لك حتّى تراه ... فتعلم أنّي امرؤ شاكر ولكنه ساكن في الضمير ... يحرّكه الكلم السائر وقال آخر: [طويل] فلو كان يستغني عن الشّكر سيّد ... لعزّة ملك أو علوّ مكان لما أمر الله الجليل بشكره ... فقال اشكروني أيّها الثّقلان «٢» وقال آخر: [طويل] فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بإحساننا إنّ الثناء هو الخلد وقال رجل من غنيّ «٣» : [كامل] فإذا بلغتم أهلكم فتحدّثوا ... ومن الثناء مهالك وخلود وكانت عائشة ﵂ تتمثّل بقول الشاعر: يجزيك أو يثني عليك وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جرى وقال الحارث بن شدّاد في عليّ بن الربيع الحارثيّ: [بسيط]

стр. 1044

النّاس تحتك أقدام وأنت لهم ... رأس وكيف يسوّى الرأس والقدم فحسبنا من ثناء المادحين إذا ... أثنوا عليك بأن يثنوا بما علموا «١» وقال آخر: [وافر] بأيّ الخصلتين عليك أثني ... فإنّي عند منصرفي مسول «٢» أبى الحسنى وليس لها ضياء ... عليّ فمن يصدّق ما أقول أم الأخرى ولست لها بأهل ... وأنت البحر من ذهب يسيل وقال بشّار: [بسيط] أثني عليك ولي حال تكذّبني ... فيما أقول فأستحيي من الناس قد قلت إنّ أبا حفص لأكرم من ... يمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي وكتب بعض الكتّاب إلى وزير: لست تشبه حالنا في الحرمة، ولا نشبه حالك في الجاه والقدرة، ولا ظاهر ما نحن عليه الباطن. وليس بعد حرمتي حرمة، ولا فوق سببي سبب، ولا بعد حالك حال يرتجى، ولا بعد منزلتك منزلة تتمنّى، ولا تنتظر شيئا ولا أنتظره؛ ولا أتوقّع حقّا أزيده في حقوقي، ولا تتوقّع فائدة تزيدها في ذات يدك. وكم تحتال بالألفاظ، وتموّه «٣» بالمعاني، والناس يحتجّون بالعمل ويقضون بالعيان. وقال بعض الشعراء: [طويل] وزهّدني في كلّ خير صنعته ... إلى الناس ما جرّبت من قلّة الشكر وقال أبو الهول في أبي المراء عتبة بن عاصم: [طويل]

стр. 1045

إذا فاخرتنا من معدّ عصابة ... فخرنا عليها بابن عتبة عاصم «١» يجرّ رياط الحمد في دار قومه ... ويختال في عرض من الذمّ سالم «٢» وقال رجل لبعض السلطان: مثلك اوجب حقّا لا يجب عليه، وسمح بحقّ يجب له، وقبل واضح العذر، واستكثر قليل الشكر. لا زالت أياديك فوق شكر أوليائك، ونعمة الله عليك فوق آمالهم فيك. وكتب آخر: ما أنتهي إلى غاية من شكرك، إلا وجدت وراءها غاية من معروفك يحسروني «٣» بلوغها. وما عجز الناس عنه فالله من ورائه. فلا زالت أيامك ممدودة بين أمل لك تبلغه، وأمل فيك تحقّقه، حتى تتملّى من الأعمار أطولها، وتنال من الهبات أفضلها. ونحو هذا قول آخر: كان لي فيك أملان: أحدهما لك، والآخر بك. فأمّا الأمل لك فقد بلغته، وأمّا الأمل بك فأرجو أن يحقّقه الله ويوشكه. وفي كتاب آخر: أيّام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت قليل، والمعروف وإن أسدي إلى من يكفره مشكور بلسان غيره. وفي كتاب بعض الكتّاب: وما ذكرت- أعزّك الله- من ذلك قديما ولا جدّدت منه حديثا، إلّا

стр. 1046

وأصغر أملي فيك فوقه وإن كان استحقاقي دونه. فإن أقض واجب حقّ الله علىّ في شكر نعمك فبتوفقه وعونه، وإن أقصّر عن كنهه فعن غير تقصير في بلوغ الجهد فيه. وفي هذا الكتاب: أمّا ما بذل الأمير من ماله، فذلك ما قد سبق الرجاء بل اليقين إليه، معرفة منّي بطوله وكرمه، وليس ينكر أياديه ولا بدع صنائعه. وما يرشدني أملي بعد الله إلّا إليه، ولا أفزع «١» لحادثة إلى غيره، ولا أتضاءل لنائبة معه. ولو عجزت عن النّهضة لما حاولت الإستقلال والانتعاش إلّا به. ومال الأمير الكثير المذخور عند انقطاع الحيل، لا معنّف طالبه، ولا مخوّف على الردّ عنه واهبه، ولا عائق منع دونه، ولا تنغيص من ورائه؛ ولا كنز أولى بالصون وأن يجعل وقفا على النوائب والعواقب من كنز من هذه حاله. قالت بنو تميم لسلامة بن جندل «٢» : مجّدنا بشعرك؛ فقال: افعلوا حتّى أثني. ونحوه قول عمرو بن معد يكرب «٣» : [طويل] فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكنّ الرّماح أجرّت «٤» قال رجل من قريش لأشعب: والله ما شكرت معروفي عندك؛ فقال: إنّ معروفك كان من غير محتسب، فوقع عند غير شاكر.

стр. 1047

وقال أبو نواس: [كامل] أنت امرؤ أوليتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا «١» فإليك بعد اليوم تقدمة ... والتك بالتصريح منكشفا «٢» لا تحدثنّ إليّ عارفة ... حتّى أقوم بشكر ما سلفا «٣» وقال أبو نخيلة «٤» : [طويل] شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقى ... وما كلّ من أقرضته نعمة يقضى فأحييت من ذكري وما كان ميّتا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض آخر: [طويل] لأشكرنّك معروفا هممت به ... إنّ اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف وقال رجل لسعيد بن جبير: المجوسيّ يوليني خيرا فأشكره، ويسلّم عليّ فأردّ عليه؛ فقال سعيد: سألت ابن عبّاس عن نحو هذا، فقال لي: لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه مثله. أنشد ابن الأعرابيّ: [رمل] أهلكتني بفلان ثقتي ... وظنون بفلان حسنه ليس يستوجب شكرا رجل ... نلت خيرا منه من بعد سنه

стр. 1048

وقال بعضهم: لا تثق بشكر من تعطيه حتى تمنعه؛ فإنّ الصابر هو الشاكر، والجازع هو الكافر «١» . وقال أوس بن حجر «٢» : [طويل] سأجزيك أو يجزيك عنّي مثوّب ... وقصدك أن يثنى عليك وتحمدي والعرب تقول: فلان أشكر من البروق وهو نبت ضعيف ينبت بالسحاب إذا نشأ وبأدنى مطر. وقال الشاعر: [طويل] لئن طبت نفسا عن ثنائي فإنّني ... لأطيب نفسا عن نذاك على عسري فلست إلى جدواك أعظم حاجة ... على شدّة الإعسار منك إلى شكري «٣» وقال آخر: [كامل] حسب امرىء إن فاتني غرض ... من برّه أن فاته شكري إنّي إذا ضاق امرؤ بجدا ... عنّي اتّسعت عليه بالعذر «٤» وقال الطائيّ لإسحاق بن إبراهيم: [كامل] ومحجّب حاولته فوجدته ... نجما عن الركب العفاة شسوعا «٥» أعدمته لمّا عدمت نواله ... شكري فرحنا معدمين جميعا

стр. 1049

وقال: [طويل] فإن يك أربى عفو شكري على ندى ... أناس فقد أربى نداه على جهدي «١» وقال: وكيف يجور عن قصد لساني ... وقلبي رائح برضاك غادي وممّا كانت العلماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد وقال: أبا سعيد وما وصفي بمتّهم ... على الثّناء وما شكري بمخترم «٢» لئن جحدتك ما أوليت من نعم ... إنّي لفي الشّكر أحظى منك في النّعم» أنسى ابتسامك والألوان كاسفة ... تبسّم الصّبح في داج من الظّلم «٤» رددت رونق وجهي في صفيحته ... ردّ الصّقال بهاء الصّارم الخذم «٥» وما أبالي، وخير القول أصدقه، ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي وقال: [وافر] فلا تكدر حياضك لي فأني ... أمتّ إليك آمالا طوالا «٦» وفرجاهي عليّ فإنّ جاهي ... إذا ما غبّ يوم كان مالا «٧» وقال: [بسيط] يا منّة لك لولا أخفّفها ... به من الشكر لم تحمل ولم تطق

стр. 1050

بالله أدفع عنّي ثقل فادحها ... فإنني خائف منه على عنقي «١» وقال بشار في عمر بن العلاء: [متقارب] دعاني إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضمّ ولولا الذي زعموا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شمّ ويقال: الشكر ثلاث منازل: لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإفضال عليه. قال إبراهيم بن المهديّ «٢» يشكر المأمون: [بسيط] رددت ما لي ولم تمنن عليّ به ... وقبل ردّك ما لي قد حقنت دمي فأبت منك وقد جلّلتني نعما ... هي الحياتان من موت ومن عدم فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسلّ النعل من قدمي ما كان ذاك سوى عاريّة رجعت ... إليك لو لم تعرها كنت لم تلم «٣» وقام علمك بي فاحتجّ عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متّهم وقال آخر، وبلغني أنه الخثعميّ «٤» : [خفيف] فاذهبا بي إن لم يكن لكما عق ... ر إلى جنب قبره فاعقراني «٥» وانضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان «٦»

стр. 1051

وفد رجل على سليمان بن عبد الملك في خلافته؛ فقال له: ما أقدمك؟ قال: ما أقدمني عليك رغبة؛ قال: وكيف ذاك؟ قال: أما الرّغبة فقد وصلت إلينا وفاضت في رحالنا وتناولها الأقصى والأدنى منّا، وأما الرّهبة فقد أمنّا بعدل أمير المؤمنين علينا وحسن سيرته فينا من الظلم، فنحن وفد الشكر. وقال الفرزدق في عمرو بن عتبة: [بسيط] لولا ابن عتبة عمرو والرّجاء له ... ما كانت البصرة الحمقاء لي وطنا أعطاني المال حتى قلت يودعني ... أو قلت أودع لي مالا رآه لنا فجوده متعب شكري ومنّته ... وكلّما زدت شكرا زادني مننا يرمي بهمّته أقصى مسافتها ... ولا يريد على معروفه ثمنا هذا مثل قول الأعرابيّ: ما زال فلان يعطيني حتى ظننت أنه يودعني ماله. وما ضاع مال أورث المحامد. ويقال: خمسة أشياء ضائعة: سراج يوقد في شمس، ومطر جود في سبخة «١» ، وحسناء تزفّ إلى عنّين «٢» ، وطعام استجيد وقدّم إلى سكران، ومعروف صنع إلى من لا شكر له. وكان يقال: الشكر زيادة في النّعم وأمان من الغير. وقال أسماء بن خارجة «٣» : إذا قدمت المصيبة تركت التّعزية، وإذا قدم الإخاء قبح الثناء. بعث روح بن حاتم «٤» إلى كاتب له بثلاثين ألف درهم، وكتب إليه: قد

стр. 1052

بعثت بها إليك، ولا أقلّلها تكبّرا، ولا أكثّرها تمنّنا، ولا أستثيبك عليها ثناء، ولا أقطع عنك بها رجاء. وفي كتاب للهند: لا ثناء مع كبر. وفيه: ستّة أشياء لا ثبات لها: ظلّ الغمام، وخلّة الأشرار، وعشق النساء، والمال الكثير، والسّلطان الجائر، والثناء الكاذب. والعرب تقول: «لا تهرف قبل أن تعرف» أي لا تطنبنّ في الثّناء قبل الاختبار. وكتب أبو نواس من الحبس إلى الفضل بن الربيع: [كامل] ما من يد في الناس واحدة ... كيد أبو العباس مولاها نام الثّقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسي فأحياها قد كنت خفتك ثم آمنني ... من أن أخافك خوفك الله فعفوت عنّي عفو مقتدر ... وجبت له نقم فألغاها والبيت المشهور في هذا قول النّجاشيّ «١» : [بسيط] لا تحمدنّ امرأ حتى تجرّبه ... ولا تذمّنّ من لم يبله الخبر «٢» وقال آخر في الاختبار: [كامل] إنّ الرجال إذا اختبرت طباعهم ... ألفيتهم شتّى على الأخبار لا تعجلنّ إلى شريعة مورد ... حتى تبيّن خطّة الإصدار «٣» وقال الرّياشيّ: أنشدني أبو العالية «٤» : [طويل]

стр. 1053

إذا أنا لم أشكر على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمّما «١» ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشقّ لي الله المسامع والفما قال ابن التّوءم: كلّ من كان، جوده يرجع إليه؛ ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك، ولو تهيّأ له ذلك المعنى في سواك لما قصد إليك، فليس يجب له عليك شكر. وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ويشكر على النفع في حجّة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد، ونفعك أراد، من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع على جهة من الجهات، وهو الله وحده لا شريك له. فإن شكرنا الناس على بعض ما جرى لنا على أيديهم، فلأمرين: أحدهما التعبّد؛ وقد أمر الله تعالى بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين وتعظيم من هو أسنّ منّا وإن كنّا أفضل منه. والآخر: لأن النفس ما لا تحصّل الأمور وتميّز المعاني، فالسابق إليها حبّ من جرى لها على يديه الخير وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها. ألا ترى أنّ عطيّة الرجل صاحبه لا تخلو أن تكون لله أو لغير الله؛ فإن كانت لله فثوابه على الله؛ وكيف يجب في حجّة العقل شكره وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما أعطاني؛ وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر؛ فإن كان كذلك فإنما جعلني سلّما إلى حاجته وسببا إلى بغيته؛ أو يكون إعطاؤه إياي طلبا للمكافأة؛ فإنما ذلك تجارة؛ أو يكون إعطاؤه لخوف يدي أو لساني أو اجترار معونتي ونصرتي، وسبيل هذا معروف؛ أو يكون إعطاؤه للرحمة والرّقة ولما يجد في فؤاده من العصر «٢» والألم، فإنّما داوى بتلك العطيّة من دائه ورفّه من خناقه «٣» .

стр. 1054

وكان محمد بن الجهم يقول: نحو هذا قول الشاعر: [متقارب] لعمرك ما النّاس أثنوا عليك ... ولا عظّموك ولا عظّموا ولا شايعوك على ما بلغ ... ت من الصالحات ولا قدّموا ولو وجدوا لهم مطعنا ... إلى أن يعيبوك ما جمجموا «١» ولكن صبرت لما ألزموك ... وجدت بما لم يكن يلزم وكان قراك إذا ما لقوك ... لسانا بما سرّهم ينعم «٢» وخفض الجناح ووشك النجاح ... وتصغير ما عظّم المنعم «٣» فأنت بفضلك ألجاتهم ... إلى أن يجلّوا وأن ينعموا وقال خلف بن خليفة الأقطع «٤» : [طويل] وفي اليأس من أن تسأل الناس راحة ... تميت بها عسرا وتحيي بها يسرا وليس يد أوليتها بغنيمة ... إذا كنت تبغي أن يعدّ شكرا غنى النفس يكفي النفس ما سدّ فاقة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا قال ابن عائشة: بلغني أنّ عبد الرحمن بن حسّان سأل بعض الولاة حاجة فلم يقضيها له، فسألها آخر فقضاها له؛ فقال: [طويل] ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولّى سواكم أجرها واصطناعها

стр. 1055

أبى لك كسب الحمد رأيّ مقصّر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها «١» إذا هي حثّته على الخير مرّة ... عصاها وإن همّت بشرّ أطاعها وقال ابن عائشة: قال رجل يوما لابن عيينة: ما شيء تحدثونه يا أبا محمد؟ قال: ما هو؟ قال: يقولون إن الله تعالى يقول: أيّما عبد كانت له إليّ حاجة فشغله الثناء عليّ عن سؤال حاجته، أعطيته فوق أمنيّته؛ فقال له: يابن أخي، وما تنكر من هذا! أما سمعت قول أميّة بن أبي الصّلت في عبد الله بن جدعان: [وافر] إذا أثنى عليه المرء يوما ... كافه من تعرّضه الثناء فكيف بأكرم الأكرمين!. وكان يقال: في طلب الرجل الحاجة إلى أخيه فتنة: إن هو أعطاه حمد غير الذي أعطاه، وإن منعه ذمّ غير الذي منعه. حدّثنا الرّياشيّ قال: أنشدنا كيسان لدكين الراجز «٢» : [طويل] إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل «٣» إذا المرء لم يصرع عن اللؤم نفسه ... فليس إلى حسن الثناء سبيل «٤» وكان يقال: أوّل منازل الحمد السلامة من الذمّ.
следующие страницы →